Полный текст (274 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فكأنه قد قال (فكأنما كانت صباً وصباً) لأن الصباً هي القبول، وليس ذلك مثل
التكرير في قوله تعالى (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى. ولا مثل التكرير في قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف) فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحدة من هاتين الآيتين تشتمل على معنيين: خاص وعام، وقول ابن هانئ (صباً وقبولا) لا يعطى إلا معنى واحداً لا غير، وهذا لا يخفى على المعارف بصناعة التأليف.
ومن هذا النحو قول الصابي في كتاب: (وصل كتابك بعد تأخير وإبطاء، وانتظار له واستبطاء) فإن التأخير والإبطاء بمعنى واحد، وقد يكون لهذا وجه في التجويز، وهو التقرير في نفس المخاطب لبعد الأمد، وتطاول المدة في انقطاع كتابه عنه، وذلك مما لا بأس به في هذا الموضع، وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها.
النوع العشرون من الباب الأول من الفن الثاني
في تناسب المعاني
وهو ثلاثة أضرب:
الضرب الأول المطابقة وهي المقابلة
اعلم أن جماعة العلماء من أرباب هذه الصناعة قد أجمعوا على أن المطابقة في الكلام: هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض والليل والنهار، وخالفهم في ذلك أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب فقال: (المطابقة إيراد لفظتين متساويتين في البناء والصيغة مختلفتين في المعنى). وهذا الذي ذكره قدامة هو (التجنيس) بعينه، غير أن الأسماء لا مشاحة منها إلا إذا كانت مشتقة، ولننظر نحن في مخالفة قدامة لجماعة العلماء في اسم المطابقة ليعلم الحق في أي الجهتين مقره، وذلك أنا ننظر إلى أصل المطابقة في وضع اللغة فإن كانت مناسبة لما أجمع عليه
العلماء تحققنا أن الحق معهم، وإن كانت مناسبة لما ذكره قدامة تحققنا أن الحق في يده فرأينا: أصل الطباق في اللغة من (طابق البعير في سيره) إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يقوي
стр. 212
ما ذكره قدامة، لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان منه واحد، وكذلك المعنيان يكونان غير بن أي مختلفين، واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام المطابقة، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع (موقعه) إلا أنه قد جعل للتجنيس اسماً آخر هو المطابقة، ولا بأس به. وأما جماعة العلماء فكأنهم سمواً هذا الضرب من الكلام مطابقاً، بغير اشتقاق، ولا مناسبة بينه وبين مسماه. كذا هو الظاهر لنا من هذا الأمر، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة، لم نطلع نحن عليها، ولنرجع نحن إلى هذا النوع من التأليف ونحقق الكلام فيه فنقول:
اعلم أن الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع (المقابلة) لأنه لا يخلو الخال في ذلك من ثلاثة أقسام: أما أن يقابل الشيء بضده أو بغيره (أو بمثله) وليس لنا قسم رابع.
فأما القسم الأول وهو مقابلة الشيء بضده ، كالسواد والبياض وما جرى مجراه فكقوله تعالى (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً). ألا ترى إلى صحة هذه المقابلة البديعة؛ حيث قابل الضحك بالبكاء والقليل بالكثير؟. وكذلك قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب. وقال رسول الله ﷺ (خير المال عين ساهرة لعين نائمة). ومن هذا قول بعضهم في السحاب:
وله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يراوح بينه وبكاء
стр. 213
فقابل الضحك بالبكاء، والحزن بالسرور في بيت واحد إلا أن في ذلك نظراً، من حيث ترتيب التفسير، لا من حيث المقابلة، لأن ترتيب التفسير يقتضي أن كان قال
(فله بلا حزن ولا بمسرة) (بكاء يراوح بينه وضحك). وهذا لا كبير عيب فيه، وإنما الأولى والأليق ما أشرنا إليه، فاعرفه، وسيأتي بيانه، وقال آخر:
فلا الجودُ يفني المالَ والجدُّ مقْبلُ ... ولا البخلُ يُبقي المال والجد مدبرُ
ألا ترى إلى هذه المقابلة البديعة التي قد أتى بها هذا الشاعر؛ فانه قابل الجود بالبخل ويُفْني بيُبقي ومُقبِل بمدبر؟ وهذا الكلام هو السهل الممتنع، الذي هو كالنجم تراه قريباً على صفحات الماء وهو بأفق السماء. ومن هذا النوع أيضاً قول البحتري:
وأمة كانَ قُبْحُ الجَور يُسخطها ... دهراً فأصبح حُسنُ العدل يُرضيها
فقابل الحسن بالقبح، والجور بالعدل، والسخط بالرضى، وذلك بديع في بابه، فاعرفه.
وأما القسم الثاني وهو مقابلة الشيء بغيره فهو ضربان
أحدهما ما كان بين المقابل والمقابل له مناسبة وتقاب ل، كقول بعضهم.
يَجْزُونَ من ظلم أهل الظُلمِ مَغْفِرةً ... ومِنْ إساءةِ أهلِ السُّوء إحسانا
فقابل الظلم بالمغفرة، والظلم ليس ضد المغفرة، وإنما هو ضد العدل إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل مناسبة له حسنت المقابلة بينها وبين الظلم، وأمثال هذه كثيرة.
الضرب الثاني من القسم الثاني
في المقابلة وهو أن يقابل الشيء بما بينه وبينه بعد ولا مناسبة (بينهما) بحال من الأحوال وذلك مما لا يحسن استعماله في التأليف، مما جاء منه قول بعضهم:
أمْ هَلْ ظعائنُ بالعلَياءِ رافِعَةٌ ... وإنْ تكامل فيها الدَلُّ والشَنَبُ
стр. 214
فإن ذلك غير مناسب، لأنه إنما يكون يحسن الدل مع الغنج والشنب مع اللّمَس أو ما يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم.
وأما القسم الثالث من النوع العشرين فهو أن يقابل الشيء بمثله، وهو ضربان: أحدهما التقابل في اللفظ والمعنى، والآخر التقابل في المعنى دون اللفظ، فالضرب الأول كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم). وكقوله تعالى (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً) وأمثال هذا كثيرة، والضرب الثاني فهو أن تقابل الجملة بمثلها: إن كانت مستقبلة (بمستقبلة) وأن كانت ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبل الماضي بالمستقبل، والمستقبل بالماضي، وذلك إذا كان أحدهما في معنى الآخر: فمن ذلك قوله تعالى (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فيما يوحي إلي ربي) فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال (وإن اهتديت فإنما أهتدي لها). وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما هو عليها فهو بها، أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها، لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما حولها مما ينفيها فبهداية ربها وتوفيقه إياها. وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله ﷺ أن يسنده إلى نفسه، لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقه كان غيره أولى به، ومن هذا الضرب أيضاً قوله تعالى (أو لم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصراً إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) فإنه لم يراع التقابل في قوله (ليسكنوا فيه والنهار مبصراً) لأن القياس
стр. 215
يقتضي أن يكون (والنهار ليبصروا فيه) وإنما هو مراعى من جهة المعنى، لا من حيث اللفظ، وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف، لأن معنى قوله (مبصراً) ليبصرواً فيه طرق التقلب في الحاجات.
ومن مقابلة الشيء بمثله أنه إذا ذكر المؤلف ألفاظاً تقتضي جواباً فالمرضي عندنا أن يأتي بتلك الألفاظ في الجواب من غير عدول عنها إلى غيرها مما هو في معناها، فمن ذلك قوله تعالى (وجزاء سيئة مثلها). ومما عيب في هذا الباب قول بعضهم (من افترى ذنباً عامداً أو اكتسب جرماً قاصداً لزمه ما جناه وحاق به ما
توخاه). والأليق أن كان قال (لزمه ما اقترف وحاق به ما اكتسب) ليكون أحسن طباقاً وإن كان ذلك جائزاً في الكلام من حيث إن معناه صواب، لكنه عدول عن الأليق والأولى في هذا الباب. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
واعلم أن في تقابل المعاني باباً عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة نظر وتدير، وهو تخليص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من أبيات الشعر، مما جاء من ذلك قوله تعالى في حق المنافقين (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) وقوله تعالى (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) ألا ترى كيف فصل الآية الأخيرة (بيعلمون) والآية التي قبلها (بيشعرون) وإنما فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال، حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك. وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصاً عند العرب، وما كان فيهم من التجارب والتعاود، فهو كالمحسوس عندهم فلذلك قال فيه (يشعرون) وأيضاً فانه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقاً، فقال (لا يعلمون).
стр. 216
وآيات القرآن الكريم جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير). وكقوله (وله ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد) وكقوله (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره) إلى قوله (. . . لرؤوف رحيم) فإنه إنما فصلت الآية الأولى (بلطيف خبير) لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث، وإخراج النبات من الأرض، ولأنه خبير بمنفعتهم ومضرتهم، في
إنزال الغيث وغيره، فأما الآية الثانية فإنما فصلت (بغني حميد) لأنه قال (ما في السموات وما في الأرض) فعرف الناس بأن جميع ما في السموات والأرض له لا الحاجة بل هو غني عنها، جواد بها، لأنه ليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان جوادا منعما، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر الحمد ليدل على أنه الغني النافع بغناه خلقه. وأما الآية الثالثة فإنما فصلت (برؤوف رحيم) لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم، وإجراء الفلك في البحر بهم، وتسييرهم في ذلك الهول العظيم، وجعله السماء فوقهم، وإمساكه إياها عن الوقوع حسن أن يفصل ذلك بقوله (رؤوف رحيم) أي إن هذا الفعل فعل رؤوف رحيم.
واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه توجد هذه الملاءمة والمناسبة في كلام ناظم أو ناثر. وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر نفعاً منه، ولا أعظم فائدة، وهو مع ذلك دقيق المسلك ضيق المذهب، فعليكم - معشر المنتصبين لهذه الصناعة - بتدير مطاويه، وإمعان النظر مشكلاته. وكفى بما أشرنا إليه مثالاً لمن له لب. ومما جاء من هذا الباب في الشعر قول المتنبي:
стр. 217
وَقَفْتَ وما في الموت شك لِواقف ... كأنكَ في جفَن الردى وهو نائم
تمرُّ بك الأبطال كلمى هزيمةً ... وَوَجهُك وَضّاحُ وثغرُكَ باسِمُ
ولقد أخذ عليه ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الثاني آخر الأول لكان أولى؛ وحكاية أخذه عليه أنه استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها:
(على قدر أهل العزم تأتي العزائم). فلما بلغ إلى قوله: (وقفت وما في الموت شك لواقف) البيتين قال له: وقد انتقدت عليك هذين البيتين كما أنتقد على امرئ القيس قوله:
كأني لم أركب جواداً للذَّة ... ولم أتَبَطَّنْ كاعباً ذات خَلْخالِ
ولم أسبأ الزَّقَ الرويَّ ولم أقُلْ ... لخيليَ كُرّي كرةً بَعْدَ إجفالِ
فبيتاك لم يلتئم شطراهما كما لم يلتئم بيتا امرئ القيس، وكان ينبغي أن يقول:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي. . .
ولم أسبأ الزق الروي. . .
وكذلك ينبغي أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كَلْمىَ هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا وهو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعلم جملته، والحائك يعلم تفاصيله. وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد وقرن السماحة بسباء الخمر للاتصاف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر
стр. 218
البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن طباقاً وتلازماً. ولما كان وجه الجريح المنهزم يكون عبوساً وعينه باكية قلت (وجهك وضاح وثغرك باسم) لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة كلامه. وأمثال ذلك كثيرة إلا أنه يحتاج الناقد لها والمميز بين جيدها ورديئها إلى فكرة صافية، وروية زائدة.
الضرب الثاني من النوع العشرين في صحة التقسيم وفساده
اعلم أنا لم نرد بالتقسيم هاهنا ما تقتضيه القسمة العقلية كما يذهب إليه المتكلمون؛ فإن القسمة العقلية تقتضي أشياء مستحيلة، كما قالوا (الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة. أو لا مجتمعة ولا مفترقة. أو مجتمعة مفترقة معاً. أو بعضها مجتمعة، وبعضها مفترقة). ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل لاستيفاء الأقسام جميعها، وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده، فإن
الشيء لا يكون مجتمعاً مفترقاً في حالة واحدة، وإنما تريد نحن بالتقسيم هاهنا ما يقتضيه المعنى، مما يمكن وجوده؛ وهو أن يأتي المؤلف إلى جميع أقسام الكلام المحتملة فيستوفيها، غير تارك منها قسماً واحداً. فمن ذلك قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات) فإنه لا يخلو العالم من هذه الأقسام الثلاثة: أما عاص ظالم لنفسه وإما مطيع مبارد إلى الخيرات وإما مقتصد بينهما، وهذا من أصح التقسيمات وآكملها، فاعرفه.
ومن هذا النحو قوله تعالى (وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون) الآية. وأعلم أن هذه الآية مماثلة في
стр. 219
المعنى لما سبق ذكره، فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم. وأصحاب الميمنة هم المقتصدون والسابقون هم السابقون بالخيرات. وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعا). ألا ترى إلى بداعة هذه القسمة؟ فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لهم ثالث.
وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة المنتصبين في صدرها يعجبون يقول بعض الأعراب في هذا المعنى، ويقولون إن ذلك من أصح التقسيمات وهو قوله (النعم ثلاث: نعمة في حال كونها نعمة ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة. فأبقي الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه). فقالوا إنه ليس في أقسام النعم التي يقع الانتفاع بها قسم رابع سوى ما ذكره الأعرابي. وهذا القول فاسد؛ وهو أن في أقسام النعم التي قسمها هاهنا نقصاً لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فإما النقص فإغفاله ذكر النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد النعمة المستقبلة: التي تأتي غير محتسبة، وهذا خطأ لأن النعمة
التي تأتي غير محتسبة هي داخلة في قسم المستقبل، وذلك أن النعمة المستقبلة تنقسم إلى قسمين: أحدهما يرجى حصوله ويتوقع بلوغه، والآخر لا يحتسب ولا يشعر بوجوده، فقوله (ونعمة تأتي غير محتسبة) يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل في جملته، ولو قال (ونعمة مستقبلة) من غير أن يقول (ونعمة تأتي غير محتسبة) لكان قوله كافياً، إذ النعمة التي ترجى والنعمة التي لا يحتسب تدخلان تحت قسم المستقبل. وكان ينبغي أن يقول (النعم ثلاث نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها). ألا ترى لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب، فافهم ما ذكرناه وقس عليه.
ووقف أعرابي على مجلس الحسن فقال: (رحم الله من أعطى من سعة أو واسى من كفاف أو آثر من قلة). فقال الحسن: ما ترك لأحد عذراً؛ فانصرف الأعرابي بخير كثير.
стр. 220
ومن هذا الضرب ما ذكره أبو هلال العسكري في كتابه وذلك أنه أخذ على جميل قوله:
لو أن في قلبي كقدر قُلامةٍ ... حُباً وَصَلْتُكِ أو أتتكِ رسائلي
فقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل. وليس الأمر كما وقع له، فإن (جميلاً) أراد به (وصلتك) أي أتيتك زائراً أو قاصداً أو (كنت راسلتك مراسلة). والوصل لا يخرج عن هذين القسمين إما رسالة وإما زيارة.
ومن أعجب ما شاهدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي، وهو قول العباس بن الأحنف:
وصاُلكم هجرٌ وهجركم قِلىً ... وعطفكمُ صدٌّ وسلمكمُ حربُ
ثم روى المشار إليه عن أبي القاسم الآمدي - رحمة الله - أنه قال إن بعض نقدة الكلام من البلغاء لما سمع هذا البيت قال: (والله هذا أحسن من تقسيمات إقليدس).
стр. 221
ومن العجب كيف ذكر الغانمي ذلك في كتابه وفاته النظر فيه مع تقدمه في هذه الصناعة. وأعجب من ذلك قول أبي القاسم الآمدي، وأعجب منهما جميعاً استحسان ناقد الكلام لهذا التقسيم، ألا ترى أن هذا البيت قد بني عليه شيء آخر من جنسه فانه لو أضيف له بيت غيره فقيل:
ولِينكمُ عُنفُ وقُرْبُكم نوىً ... وإعطاؤكمَ منعُ وصِدقكمُ كذِبُ
لجاز ذلك وربما يحتمل أن بزاد على هذا البيت الثاني بيت ثالث ورابع، ولو كان ذلك التقسيم في البيت الأول صحيحاً لما احتمل أن يضاف إليه شيء آخر البتة، لأن من شرط صحة التقسيم أن لا يحتمل الزيادة.
ومما جاء على نحو من هذا قول بعضهم في حق مكسورين في الحرب، (فمن بين جريح مضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه). فإن الجريح قد يكون هارباً، والهارب قد يكون جريحاً، ولو قال (فمن بين قتيل ومأسور وناج) لصح له التقسيم لأن المكسورين في الحرب، الذين دارت عليهم الدائرة، لا يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة، فأما قتيل أو مأسور أو نازح، وأما الجريح فإنه يدخل في جملة الناجي، والمأسور، لأن كلاً منهما يجوز أن يكون جريحاً أو أن لا يكون، فاعرف ذلك، وقس عليه.
الضرب الثالث من النوع العشرين
وترتيبه في التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد
اعلم أن صحة ترتيب التفسير هي أن يذكر المؤلف في كلامه معاني مختلفة، فإذا عاد إليها بالذكر ليفسرها، قدم المقدم وأخر المؤخر، وإذا لم براع المؤلف ذلك كأن مأخوذاً عليه، لأنه يخل بشطر من الصناعة، فمن ذلك قول بعضهم:
غيث وليث فغيث حين تسأله ... عرفاُ وليث لدي الهيجاء ضرغامُ
تحيا الأنام به في الَجدْب إن قُطحوا ... جُوداً وَيشقى به يوم الوغى الهامُ
стр. 222
ومن هذا الباب قوله تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) وكذلك قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله). فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدر سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش، وذلك في غاية الحسن. ومن هذا النحو قول بعضهم:
يوم الُمتيَّم فيكِ حوَلٌ كاملٌ ... يتعاقبُ الفَصلانِ فيه إذا أنى
ما بين حَرّ جوىً مدامعٍ ... إن حَنّ صاف وإن بكى وجداً شتا
وهذا من أصح التفسير فاعرفه، ومن ذلك قول الآخر وهو غاية في بابه:
شَكَوتُ فقالت كلُّ هذا تبرُّمٌ ... بحُبًي أراح الله قلبَكَ من حبُيّ
فلما كتمتُ الحب قالت اَشدَّ ما ... صَبَرتَ وما هذا بفعلِ شجى القلب
وأدنو فتقصيني فأبعُدُ طالباً ... رضاها فتَعْتدُّ التباعد من ذنبي
فشكوايَ تؤذيها وصبري يسوؤها ... وتجزَعُ من بُعْدي وتَنْفِرُ من قُربي
فيا قومُ هلَ من حِيْلةٍ تعرفونها ... أعينوا بها واستوِ جبوا الأجرَ من ربي
فما يرك هذا الشاعر شيئاً من المعاني التي ذكرها أولا فيما يلاقيه من الحب والبلوى إلا فسرها على هذا الترتيب، فاعرف ذلك.
ومما أخذ على الفرزدق من هذا النحو قوله:
стр. 223
لقد خنتَ قمواً لو لَجاْت إليهمُ ... طريدَ دم أو حاملا ثقلَ مغرمَ
لألفيتَ منهم معُطياً أو مُطاعنا ... وراك شزراً بالوشيج المقَّوم
لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذلك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول، ثانياً في البيت الثاني، وهو قوله: (طريد دم) فقال: (أو مطاعنا)، وكذلك أتى بتفسير ما هو ثان في البيت الأول أولاً في البيت الثاني، وهو قوله: (حاملاً ثقل مغرم) فقال: (لألفيت منهم معطيا) والأولى أن كان أتي بتفسير ذلك مرتباً؛ ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني، وما هو ثان في البيت الأول بما هو ثان في البيت الثاني؛ وذلك لو سلم له الوزن. إلا أن هذا لا كبير عيب فيه. وإنما الأحسن ما أشرنا إليه.
واعلم أن الناظم إذ أتى بمثل ما أتى به الفرزدق لا ينكر عليه ذلك، كما ينكر على الناثر، وذلك أن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى اعتماد غير الواجب في تأليفه، وترك الأولى في صناعته، كما اضطر الوزن والقافية الفرزدق، فإنه لو أراد أن يأتي بمقتضى الصنعة لقال:
لقد خنتَ قوماً لو لجأت إليهم ... طريدَ دم أو حاملاً ثقل مغرم
(لألفيتَ منهم طاعناً بالوشيج المقوم أو معطيا)
وهذا ما يفسد به الوزن والقافية. وأما الناثر فانه لا يضطر إلى مثل ذلك لتصرفه كيف شاء، ولهذا كان الناثر مؤاخذاً بأداء هذه الصناعة أكثر مما يؤاخذ الشاعر، فاعرف ذلك.
ومما أخذ على الفرزدق قوله أيضاً:
كيف أسلو وأنتِ حِقفُ وغُصْنٌ ... وغزالٌ لحظاً ورِدْفاً وقداً
والأصل في هذا أن قال: (ردفاً وقداً ولحظاً) وأمثال هذا كثيرة، فاعرفها.
وأما فساد التفسير في هذا الباب فهو أن يأتي المؤلف بكلام يفسره تفسيراً لا يناسبه، وذلك عيب لا يسامح فيه بحال من الأحوال كقول بعضهم:
стр. 224
فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومنَ خاف أن يلقاهَ بَغْيٌ من العِدا
تعالَ إليه تلقَ من نور وَجهْة ... ضياءً ومن كفيّه بحراً من النّدى
وكان يجب لهذا الشاعر أن يجعل بازاء (بغي من العدا) ما يناسبه من النصرة أو الادالة فأما الإعانة أو ما جرى هذا المجرى، ليكون ذلك تفسيراً كما جعل بازاء الظلمة الضياء وفسرها به، فأما أن وضع بازاء ما يتخوف منه (بحراً من الندى) (فإنه) لا يكون تفسيراً له وأمثال هذا كثيرة، فلتجتنب.
النوع الحادي والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني
في الخطاب بالجملة الفعلية والخطاب بالجملة
الاسمية المؤكدة بأن المشددة وتفضيل أحدهما على الآخر .
وذلك كقولنا (قام زيد)، و (إن زيداً قائم) فقولنا: قام زيد. معناه؛ الإخبار عن زيد بالقيام. وقولنا: إن زيداً قائم، معناه؛ الإخبار عن زيد بالقيام أيضاً. إلا أن في الثاني زيادة ليست في الأول، وهو توكيده بأن المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها من الكلام، فمن هذا النحو قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزؤن). فإنهم إنما خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الاسمية المحققة بإن المشددة،
فقالوا: في خطاب المؤمنين (آمنا) ولإخوانهم (إنا معكم) لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزلوا على صدق ورغبة ووفور نشاط، وكان ذلك متقبلاً منهم ورابحاً عند إخوانهم. وما قالوه للمؤمنين فإنما قالوه تكلفاً وإظهاراً للإيمان، خوفاً ومداجاة، وكانوا يعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأشده لما راج لهم عند المؤمنين إلا رواجاً ظاهراً لا باطناً، ولأنهم ليس لهم من عقائدهم باعث قوي على النطق في خطاب المؤمنين بمثل ما خاطبوا به إخوانهم،
стр. 225
(إنا معكم) وهذه نكت دقيقة ولطائف خفية لا توجد في نوع من الكلام العربي إلا في القرآن الكريم، وما أكثر ذلك وأمثاله في أثنائه وأوفره! مودعاً في غضونه، فاعرفه وقس عليه.
النوع الثاني والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني
في ورود لام التأكيد في الكلام
ولا يجيء ذلك إلا لضرب من المبالغة، وفائدتها في التأليف أنه إذا عبر عن أمر بعز وجوده، أو فعل يعظم إحداثه ووقوعه، جيء بها محققة لذلك، وشاهدة، فمن هذا الباب قوله : (أفرايتم ما تحرثون، أأنتم تزرعون أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون، إنا لمغرمون، بل نحن محرومون، أفرأيتم الماء الذي نشربون، أأنتم أنزلتوه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون). ألا ترى كيف أدخلت (اللام) في آية المطعوم دون آية المشروب، وإنما جاءت كذلك لأن جعل الماء العذب ملحاً أسهل إمكاناً، والموجود من الماء الملح أكثر من الموجود من الماء العذب، وكثيراً ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة والمرارة، فلم يحتج في
جعل الماء العذب ملحاً إلى زيادة تأكيد، فلذلك لم تدخل عليه (لام التأكيد) المفيدة زيادة للتحقيق، وأما المطعوم فإن جعله حطاماً لما كان خارجاً عن المعتاد أو هو غير مألوف، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط شديد وغضب زائد، لذلك قرن بلام التأكيد زيادة في تحقيق أمره وتقرير إيجاده وكونه. وهكذا يفعل بكل أمر فيه خصوصية، فاعرفه.
стр. 226
النوع الثالث والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني في الاقتصاد والإفراط والفريط
فأما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمن في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته.
وأما التفريط، والإفراط، فهو أن يكون المعنى المضمن في العبارة بخلاف ما يقتضيه منزله المعبر عنه، فأما انحطاطاً دونها وهو التفريط، وإما تجاوزاً عنها، وهو الإفراط، لأن أصل التفريط في وضع اللغة من (فرط في الإفراط إذا قصر فيه وضيعه)، وأصل الإفراط في وضع اللغة من (إفراط في الأمر إذا تجاوز فيه الحد) فالتفريط عيب في الكلام فاحش، وذلك كقول الأعشى: -
وما مُزِبِدُ من خليج الفراتِ ... جَوْنُ غوارُبهُ تَلْتَطِمْ
بأجْوَدَ منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تَغِم
فإنه قد مدح ملكاً بأنه يجودُ بماعونه، والماعون هو كل ما يستعار من قدومٍ أو قصعةٍ أو قدرٍ أو ما أشبه ذلك. وليس للملوك في بذله مدح البتة، بل هو الذي أقرب منه إلى المدح، فهذا من أقبح التفريط.
стр. 227
ومن هذا الباب قول أبي تمام:
ما زال يَهْذي بالمكارم والعُلا ... حتى ظننّا أنَّهُ مَحمومُ
فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال (ما زال يهذي ولا أعلم ما كانت حال أبي تمام، عند قوله هذا البيت، ولا أعلم أي أم اضطره إليه، مع سعة مجال العربية، وانفساح مداها؟! ثم ما كفاه ذلك، حتى قال: (ظننت أنه محموم) وعلى نحو من ذلك، قول بعضهم:
وتلحقه عند المكارم هِزةٌ ... كما انتفض المجهودُ من أمّ مِلْدَم
ومن أقبح ما رأيناه في هذا الفن، قول أبي تمام:
أنت دَلْوُ وذو السَّماح أبو مو ... سى قليب، وأنت دلو القَليْبِ
ومُراد أبي تمام من ذلك، أنه سبب لعطاء المشار اليه، كما أن الدلو سبب في امتياح الماء من القليب. فهذا وأمثاله، مما لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسناً. ولهذا كان لمده ألفاظ، لا يجوز استعمالها في الذم، وللذم ألفاظ لا يجوز استعمالها في المدح، ألا ترى أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة، ويكون المعنى المتدرج تحتها واحداً؛ فمن الألفاظ، ما يحسن استعماله في المدح، ومنها مالا يحسن استعماله في الذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه شرعاً سواءً في الاستعمال، وإنما هذا نعود فيه إلى العرف، دون الأصل. ولنضرب الأصل. ولنضرب لذلك مثالاً، فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك،
стр. 228
فيقال له (وحق دماغك). قياساً على أن يقال له (وحق رأسك)؟. فإن هذا مما لا يجيزه أحد البتة. ألا ترى أن المؤلف، إذا أراد المدح، ذكر الرأس والهامة والكاهل وما جرى هذا المجرى، وإذا أراد الهجو، ذكر الدماغ والقفا والقذال، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة. ولأجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح. وأمثال هذا الضرب من الكلام كثيرة، فاعرفه.
وأما الإفراط، فهو بمنزله ما روي عن النبي ﷺ وذلك أن رجلاً جاءه، فكلمه فقال (ما شاء الله وشئت). فقال له رسول الله ﷺ (أجعلتني لله نداً)؟ قل (ما شاء الله وحده)، ومن هذا الباب قول عنترة:
وأنا المنيةُ، في الموِاطن كلَّها ... والطّعْنُ مني سابقُ الآجالِ
فإن الطعن، لا يسبق الأجل، إذ الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. وقد قيل (سابق) أقرب أمراً من كونه تالياً، غير أن كلهما إفراط في القول. ومما جاء على نحو من هذا قول بشار.
إذا ما غَضبِنا غِضْبةً مُضَريّةً ... هتَكْنا حجاب الشمس أو قَطَرتْ دمَا
وقال أبو عثمان الجاحظ في كتاب الحيوان (لم نعلم أحد أسرف في القول كالنابغة
стр. 229
حيث يقول:
إذا ما غزا بالجيش حلَق فوقه ... عصائب طَيرٍ تُهْتدي بعصائب
جوانح قد أيقنً أنَّ قبيلة ... إذا ما التقى الجمعان أول غالبِ
لأنه ليس عند الطيور في اتباع الجموع والعساكر إلا ما يسقط من ركابهم ودوابهم إذ كانوا قد رأوا ذلك من تلك الجموع، وألفوه منها، فأما أن يقصدوا بالأمل واليقين لأحد الجمعين بالادالة والغلبة فهذا لم يقله أحد). وقيل أن بعض أفراد هذه الصناعة لما سمع قول قيس ابن الخطيم.
ملكت بها كفى فانْهَرت فتقهَا ... يرى قائمٌ من دونها ما وراءها
قال: هذا لم يطعنه وإنما فتح فيه بابا أبو دربا.
واعلم أن علماء البيان في استعمال الإفراط على ثلاثة أضرب:
(١) فمنهم من يكرهه ولا يراه صواباً كأبي عثمان الجاحظ فيما روي عنه.
(٢) ومنهم من يختاره ويؤثره كقدامة بن جعفر الكاتب فإنه كان يقول:
(الغو عندي كان أجود المذهبين فإن أحسنَ الشعر أكذبه).
(٣) ومنهم من يذهب إلى التوسط بين الغلو والتفريط، وهو الاقتصاد، وذلك أن يجعل الغلو وهو الإفراط مثلاً ثم يستثنى فيه ب (لو) أو ب (كاد) أو ما جرى هذا المجرى، فيدرك مراده ويسلم من عيب عائب، أو طعن طاعن، وذلك كقول بعضهم:
يكاد يمسكه عرفانَ راحته ... ركنُ الحطيم إذا ما جاَء يَسْتَلِمُ
стр. 230
وكقول أبي عبادة البحتري:
ولو أنَّ مشتاقاً تكلَّف فوق ما ... في وسعهِ لسعى إليك المنبر
وهذا المذهب المتوسط أليق المذاهب الثلاثة، وأدخلها في الصنعة، فاعرفه.
النوع الرابع والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني في المعاظلة
وهو نوع من التأليف يجب اجتنابه؛ لأنه عيب في الكلام فاحش. وأصل المعاظلة في اللغة؛ من تعاظلت الجرادتان: إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمى (تأليف) الكلام الذي تداخلت معانيه، وركب بعضها فوق بعض، المعاظلة، مأخوذاً من ذلك وهو اسم لائق بمسماه. ووصف عمر بن الخطاب ﵁ زهير بن أبي سلمى فقال (كان لا يعاظل بين الكلام).
واعلم أن هذا الباب يجب تدبره لاختلاف أهل هذه الصناعة فيه فقال قدامة:
التعاظل: تداخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة كقول أوس بن حجر:
وذات هِدمٍ عارٍ نَواشِرُها ... تُصمت بالماءِ توْلَباً جدِعاً
стр. 231
فسمى الظبي (تولباً) والتولبُ: ولد الحمار. هذا ما ذكره قدامة، وهو خطأ؛ لأنه لو كان ما ذهب إليه صحيحاً، لكان أصل المعاظلة، في وضع اللغة دخول الشيء فيما ليس من جنسه. وليس أصلها في وضع اللغة كذلك، بل هو التداخل والتراكيبُ.
وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تداخل في معانيه ولا تراكب، وإنما هو استعارة فاحشة فقط، فوجب حينئذ أن لا تسمى معاظلة) لأن حقيقة المعاظلة ليست موجودة فيه.
وأما جماعة الأصحاب من علماء البيان، فانهم خالفوا قدامة فيما ذهب إليه، والحق في أيديهم، لاتباعهم في ذلك حقيقة هذا الاسم، الذي وضع له في أصل اللغة.
وقد مثله الغانمي بقول الفرزدق:
وما مِثْلُهُ في الناس إلا مملَّكاً ... أبوّ أمَّهِ حيٌ أبوه يقاربه
وهذا مثال حسن لوقوعه على ما مثل به، ألا ترى إلى تداخل معاني هذا البيت بتقديم ما كان يجب تأخيره، وتأخير ما كان يجب تقديمه؟ لأن الأصل في معنى هذا البيت. (وما مثله في الناس حي يقاربه، إلا مملكاً، أبو أمه أبوه).
واعلم أم هذا الذي أشرنا إليه من المعاضلة بابه التقديم والتأخير، وقد سبق ذكره في كتابنا هذا. إلا أن المعاظلة، قد جعل لها أهل هذه الصناعة؛ باباً مفرداً في كتبهم، فلم نر مخالفتهم في هذا القدر، لكنا بينا حقيقتها في بابها وأشرنا إليها بأوضح إشارة وألحظها ليعرف موضعها من التأليف.
стр. 232
النوع الخامس والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني في التضمين
وهو ما يزداد به الكلام حلاوة، ويكتسب به رونقاً وطلاوةً، ولا سيما إذا كان التضمين بآيات من القرآن الكريم فإنها تكون في الكلام كالشاهدة له، والمنادية على سداده.
واعلم أن التضمين على ضربين: أحدهما، تضمين الإسناد وذلك يقع في بيتين من الشعر وفقرتين من الكلام المنشور، على أن يكون الأول مسنداً إلى الثاني، فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني. فما جاء من ذلك قول بعضهم:
ومِنَ البلوى التي لي ... س لها في الناس كُنْةُ
أنّ منْ يعرف شيئاً ... يدّعي أكثر مِنهُ
ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا تم معناه إلا بالبيت الثاني؟ ويجوز أن يكون البيت الثاني لغير قائل البيت الأول كقول بعضهم:
ولما أتاني من حِماك تحيّةٌ ... تَضوَّعُ من أثنائها المسك والنَّدُ
وقفتُ فأعيَيْتُ الرسولَ تساؤلاً ... وأنشدته بيتاً له المثل الفردُ
(وحدثتني يا سعدُ عنهم فزدتني ... جنوناً فزدني من حديثك يا سعدُ)
وأمثال هذا الضرب من الكلام كثيرة، فاعرفها.
الضرب الآخر من التضمين: وهو أن يضمن الشاعر شعره، أو الناثر نثره، بكلام لغيره قصداً للاستعانة على إتمام المراد، وتأكيداً لمعناه، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى صحيحاً لا يحتاج إلى تمام. وربما ضمنّ الشاعر شعره بنصف بيت أو أقل منه كما قال
стр. 233
جحظة:
قم فاسقنيها يا غُلامُ وغنني ... (ذهب الذين يُعاش في أكنافهم)
ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت:
. . . . . . . . . . . . ... (ذهب الذين يعاش في أكنافهم)
لكان المعنى صحيحاً لا يفتقر إلى شيء آخر يتممه؟ فإن قوله:
قم فاسقنيها يا غُلامُ وغنني ... . . . . . . . . . . . .
فيه كفاية، إذ لا حاجة إلى تعيين الغناء أي شيء هو؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود. وقد استعمل هذا الضرب كثيراً الخطيب عبد الرحيم بن نباتة كقوله في بعض خطبه: (فيا أيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ ما لكم منه لا تشفقون؟ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون).
وكقوله في ذكر يوم القيامة: (فيومئذٍ تَفِدُ الخلائق على اللهُ بهماً، فيحاسبهم على ما أحاط به علماً، وينفذ في كل عاملٍ بعلمه حُكماً؛ وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب
стр. 234
من حمل ظلماً). ألا ترى إلى براعة هذا التضمين، الذي كأنه رصع في هذا الموضع رصعاً؟ وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة. (هنالك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتاباً، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا. يوم يقوم الروح والملائكة صفاً. لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً).
وعلى نحو من ذلك جاء قوله: (أسكنهم، والله، الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس (ويكون الرسول عليكم شهيداً). يوم تجد كل نفس ما علمت من خير محضراً، وما علمت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً). وكقوله في صفة أهل الجنة: (قد أنسوا بجوار الجبار، وكوشفوا بحقائق الأسرار، وتبوءوا منازل الشهداء والأبرار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار).
وعلى هذا النهج ورد قوله في ذكر القيامة (هناك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه من قبله العذاب).
وأمثال هذه التضمينات في الخطب للشيخ عبد الرحيم كثيرة، فاعرفها، فهي من
стр. 235
أعجب ما يجيء في هذا الباب.
النوع السادس والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني في الاستدراج
وهو التوصل إلى وصول الغرض من المخاطب، والملاطفة له بلوغ المعنى المقصود، من حيث لا يشعر به، وفي ذلك من الغرائب، والدقائق ما يوثق السامع، ويطربه؛ لأن مبنى صناعة التأليف عليه، ومنشأها منه، فما جاء من هذا الباب، قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً، إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد مالا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئاً، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، فاتبعني أهدك صراطاً سوياً، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن، فتكون للشيطان ولياً). هذا كلام، يهز أعطاف السامعين، ويبهج نفوس المتأملين، فعليك، أيها المترشح لهذه الصناعة، بإمعان النظر في مطاويه، وترداد الفكر في أثنائه، واتخاذه قدوة ونهجاً تقتفيه، ألا ترى حين أراد إبراهيم، أن ينصح أباه، ويعظه مما كان متورطاً فيه، من الخطأ العظيم، الذي عصى به أمر العقل، كيف رتب الكلام معه، في أحسن اتساق وانتظام، مع استعمال المجاملة، واللطف، واللين، والأدب الجميل، والخلق الحسن؟! مستنصحاً في ذلك بنصيحة ربه؛ وذاك أنه طلب منه أولاً العلة في خطيئته طلب منبه على تماديه، موقظ (له) لإفراطه (في غفلته) وتناهيه، لأن المعبود لو كان حباً، متميزاً، سميعاً بصيراً، مقتدراً على الثواب، والعقاب، إلا أنه بعض الخلق، لاستسخف عقل من أهله للعبادة، ووصفه
بالربوبية، ولو كان أشرف الخلق، كالملائكة، والنبيين فكيف لمن جعل المعبود جماداً، لا يسمع، ولا يبصر؟! ثم ثنى ذلك بدعوته إلى الحق، مترفقاً به، متطلعاً، فلم يسم أباه بالجهل المطلق، ولا نعته بالعلم الفائق، ولكنه قال: (أن معي
стр. 236
لطائف من العلم، وشيئاً منه. وذلك علم الدلالة على الطريق السوي. فلا تستنكف، وهب أنى وإياك في مسير، وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلث ذلك بتثبيطه ونهيه عما كان عليه، بأن الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمن، الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك وعدو أبيك آدم، هو الذي ورطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه الضلالة. إلا أن إبراهيم ﵇ لإمعانه في الإخلاص، لم يذكر من جنايتي الشيطان، إلا التي تختص منها بالله : عصيانه واستكاره. ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم ﵇ وذريته. قم ربع ذلك بتخويفه سوء العاقبة وما ينتج عليه من الوبال. ولم يخل هذا الكلام من حسن أدب، بحيث لم يصرح بأن العقاب لا حق لأبيه ولكن قال (إني أخاف أن يمسك عذاب) فذكر الخوف والمس إعظاماً لهما، ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة
стр. 237
أشياعه، أكبر من العذاب، وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: (يا أبت) توسلاً إليه واستعطافاً، فقال له في الجواب (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم: لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا).
ألا ترى كيف أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظ العناد، فناداه باسمه ولم يقابل قوله (يا أبت) بابني؟ وقدم الخبر على المبتدأ في قوله: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) لأنه كان أهم عنده وفيه ضروب من التعجب والإنكار، لرغبة إبراهيم عن آلهته وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب أحد عنها.
ومن هذا الباب، قوله تعالى: (قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أتقتلون
رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، وأن بك كاذباً فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم. أن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) ألا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطف مغزاه؟ فانه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذباً، فكذبه يعود عليه ولا يتخطاه، أو يكون صادقاً فيصيبكم بعض ما يعدكم إن تعرضتم له. وفي هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك، أيها المتأمل، فأقول: إنما قال (يصبكم بعض الذي يعدكم) وقد علم أنه نبي صادق وأن كل ما يعدكم به، لا بد من أن يصيبهم (كله) لا بعضه، لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له، وقبولهم منه، فقال (وإن بك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم). وهو كلام المنصف في مقابلة غير المشتط فيه؛ وذلك أنه حين فرضه صادقاً فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردفه بقوله: (يصبكم بعض الذي يعدكم) ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه
стр. 238
حقه وافياً، فضلاً عن أن يتعصب له. وتقديم الكاذب على الصادق من (هذا) القبيل، وكذلك قوله تعالى: (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) أي لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه للنبوة ولا عضده بالبينات.
فتدبر أيها المتأمل لهذه الدقائق اللطيفة تضع يدك على النقط في صناعة التأليف.
النوع السابع والعشرون من الباب الأول من الفن
الثاني في الأرصاد
وهو نوع من أنواع علم البيان، لطيف المأخذ، دقيق الصنعة؛ وذلك أن يبني
الشاعر البيت على قافية قد أرصدها له أي أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي به في قافيته؛ وذلك من محاسن التأليف، لأن خير الكلام ما دلَ بعضه على بعض. وفي هذه الصناعة يقول ابن نباتة:
خذها إذا أنشِدَتْ للقومِ من طَرَب ... صدورها عرفت منها قوافيها
يَنْسى لها الراكبُ العَجْلان حاجته ... ويُصبح الحاسدُ الغضبان يُطربها
فمن هذا الباب قول النابغة:
فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عَميّ وخالي
стр. 239
ولو كفي اليمين بغتك خوفاً ... لأفردت اليمين من الشمالِ
ألا ترى أنه يعلم، إذا عرفت القافية في البيت الأول، أن في البيت الثاني يكون ذكر الشمال.
وقال البحتري:
أحلّتْ دمي من غير جُرم وحرّمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حَلَّلتِهِ بمحلَّلٍ ... وليس الذي حرَّمتِهِ بحرامِ
فليس يذهب على السامع وقد عرف البيت الاول، والمصراع الأول من البيت الثاني منه (أن عجزه هو ما) قاله البحتري، فاعرف ذلك، وقس عليه.
ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: (وما كان الناسُ إلا أمةً واحدةً فاختلفوا، فلولا كلمة سَبَقَتْ من ربك لَقُضي بينهم فيما فيه يختلفون). فإذا وقف السامع على قوله (فيما فيه) عرف أن بعده (يختلفون) لما تقدم من الدلالة عليه.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (ومنهم من خَسَفنا به الأرض، ومنهم من أغرَقْنا، وما كان الله ليَظْلمَهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). وعلى نحو منه ورد قوله - عز من قائل - (كمثل العَنكبوت اتّخَذتْ بيتاً، وإنَّ لأوهَنَ البُيوت لَبَيْتُ العنكبوت) فإذا وقف السامع على قوله: (وإن أوهن البيوت) يعلم أن بعده (لَبَيْتُ العَنْكبوت).
стр. 240
وأمثال هذا كثيرة فاعرفها؛ إلا أن أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع (التوشيح)، وليس كذلك لأن تسميته: (الأرصاد) أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه ولاق به. وأما (التوشيح) فهو نوع آخر من التأليف وسيأتي ذكره في بابه.
واعلم أنه قد اختلف أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد اسمين، اعتقاداً منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كما وقع له بل هما نوع واحد. فممن فعل ذلك (الغانمي) فإنه ذكر في كتابه باباً من أبواب علم البيان وسماه (التبليغ) وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية فيما ذكر صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى (في الجودة)، كقول امرئ القيس: -
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لم يُثقَّبِ
فأنه قد أتى بالبيت كاملاً قبل القافية ثم جاء بها، بلغ بها الأمد الأقصى في التأكيد. ثم إنه ذكر بعد هذا الباب باباً آخر وسماه (الإشباع) فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلقاً بالقافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء: وذلك أن الشاعر إذا كان بارعاً جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت، وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه، قافية متممة لأعاريضه ووزنه، فجعلها نعتاً للمذكور، كقول ذي الرمّة: -
قف العيس من أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل
стр. 241
هذا الكلام الغانمي بعينه، والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال من الأحوال، والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل الإتيان بقافيته. وكذلك بيت ذي الرمة. ألا ترى أن امرأ القيس لما قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع. . . . . .)
أتى بالتشبيه قبل القافية؟ ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهو قوله: (لم
يثقب)؟! وهكذا ذو الرمة فإنه لما قال: -
قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء. . .
أتى بالتشبيه أيضاً قبل الإتيان بالقافية. ولما احتاج إليها أتى بزيادة حسنة؛ وهو قوله: (المسلسل).
واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما (الإيغال).
وقال: هو أن يستوفي (الشاعر) معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه ثم يأتي بالمقطع فيزيد فيه معنى آخر.
وأصل (الإيغال) من (أوغل في الأمر، إذا أبعد في الذهاب فيه).
ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة:
(قف العيس. . . . . .)
وهذا أقرب أمراً من الغانمي، لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد: ولم يذكره في باب آخر، كما فعل الغانمي - رحمة الله - وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء وإنما المناقشة له على ينتصب لا يراد علم البيان، وتفصيل أبوابه. ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلاً في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصبح.
стр. 242
النوع الثامن والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني
في التوشيح
وهو أن يبني الشاعر أبيات قصيدته على بحرين مختلفين. فإذا وقف من البيت على القافية الأولى، كان شعراً مستقيماً من بحر على عروض. وإذا أضاف إلى ذلك ما بني عليه شعره من القافية الأخرى، كان أيضاً شعراً مستقيماً من بحر
آخر على عروض، وصار ما يضاف إلى القافية الأولى كالوشاح، فمن ذلك قول بعضهم:
أسلم ودمت على الحوادث مارسا ... رُكنْا ثَبيرٍ أو هضابُ حِراءِ
ونل المراد ممكّناً منه على ... رغم الدهور وفز بطول بقاء
وهذا من محاسن صناعة التأليف فاعرفه، ألا ترى إلى هذين البيتين يذكران على قافية أخرى وبحر آخر، نحو قولنا:
أسلم ودمت على الحوا ... دث مارسا ركنا ثبير
ونل المراد ممكّناً ... منه على رغم الدُّهور
وأمثال هذا كثيرة، فاعرفه، إلا أن فيه نوع إشكال، وصعوبة.
النوع التاسع والعشرون من الباب الأول من الفن الثاني
في الأخذ والسرقة
والإشارة إلى الجيد من ذلك الذي لا بأس به. والرديء الذي لا فسحة في استعماله. لأنه عيب في الكلام فاحش.
اعلم أنه لا يخلو المؤلف السارق معنى من المعاني المسبوق هو إليها من أحد قسمين. إما أن يذكر ذلك المعنى بلفظه من غير تغيير له، وهذا يسمى (النسخ) مأخوذاً من (نسخ الكتاب: إذا نقله على هيئته وصورته). وإما أن يغير لفظه الأول، ويبدله بغيره. وهو ضربان: أحدهما أن يخرجه في معرض جميل وهيئة حسنة، وذلك يسمى (السلخ) مأخوذاً من (سلخ جلد الشاة): لأنه أخذ بعض الشيء المسلوخ. والآخر أن يخرجه من معرض رديء وهيئة قبيحة،
стр. 243
وذلك يسمى (المسخ) مأخوذاً من (مسخ الصورة صورة أخرى دونها) كما مسخ الله الآدميين
قردة.
فأما القسم الأول وهو (النسخ) فإن أرباب هذه الصناعة يسمونه (وقوع الحافر على الحافر) كقول امرئ القيس:
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم ... يقولون لا تهلِك أسىً وتحمّل
وقول طرفة بن العبد البكري:
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيَّهم ... يقولون لا تهلك أسىً وتجلَّد
والأخذ إذا كان كذلك كان معيباً وأن ادعى الآخر، أنه لم يسمع قول الأول، بل وقع له كما وقع لذلك؛ فإن صحة ذلك لا يعلمها إلا الله والعيب لازم للآخر في ظاهر المر وإن كان فيما ادعاه صادقاً.
ولعمري إن القوم إذا كانوا من قبيلة واحدة فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متقاربة، إلا أن الظاهر ما قلناه فإنه ليس لنا، إلا الظاهر، والله يتولى السرائر. فاعرف ذلك.
واعلم أن من هذا القسم الذي هو (النسخ) ما يعمد المؤلف الآخر فيأخذ ما ذكره المؤلف الأول، لفظاً ومعنى، ولكنه يغير هيئة ذلك؛ بتقديم بعض الألفاظ التي كانت مقدمة في الأول. وذلك أيضاً من قبيح الأخذ وفاحشه. أو أن المؤلف الآخر يأخذ المعنى من المؤلف الأول ويأتي على أكثر ألفاظه، غير تارك منها إلا القليل. وهذا مما يقبيح ذكره ولا يجوز استعماله.
وأما القسم الثاني وهو ضربان:
الأول: (السلخ) ولا عيب فيه لأحد من أرباب التأليف (فليس للمؤلف) غنى عن تناول المعاني ممن تقدمه. ولكن يجب عليه أنه إذا أخذها أن
стр. 244
يكسوها ألفاظاً جميلة ويخرجها في معرض أنيق وصورة حسنة، ويزيد في بداعة تركيبها وجودة تأليفها، فانه إذا فعل ذلك صار أولى بها ممن تقدمه، وأحق بها ممن سبقه إليها. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله
وجهة: (لولا أن الكلام يعاد لنفد).
واعلم أن المعاني مشتركة بين أرباب هذه الصناعة وإنما يتفاضلون في تركيبها واختلاف صورها، وقد قيل: (إن أبا عذر الكلام من سبك لفظه على معناه). والمعنى الجيد جيد وإن كان مسبوقاً إليه، وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم، وليس على أحد منهم عيب في ذلك إلا إذا أخذ المعنى بلفظه (أخذة) واحدة فأفسده، وقصر فيه عمن تقدمه. وأما إذا أخذه فأبرزه في لباس جميل وركبه تركيباً أنيقاً وأخرجه في معرض جميل حسن فإنه يكون أحق من مبتدعه، فمن ذلك قول بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
أخذه سلم الخاسر بعده فقال:
من راقب الناس مات همّاً ... وفاز باللذة الجسور
وهذا البيت أوجز من الأول وأخصر، ولما سمع بذلك بشار قال: (ذهب به ابن الفاعلة) ومن هذا النحو قول بعضهم نثراً (أحق من أثبت لك العذر في حال شغلك من لم يخل ساعة من برك وقت فراغك) أخذه آخر بعده فقال (شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه) فأني بالمعنى الذي الأول، وزاد عليه زيادة مع الإيجاز والاختصار؛ فأما
стр. 245
الزيادة فهي الذكر والشكر لما أولاه من الجميل وأسداه إليه من الإحسان؛ وذلك واجب ذكره لأنه من فروض الأعيان على المنعم عليه، وأما الإيجاز فهو أن الكلام الثاني اثنتا عشرة كلمة، والكلام الأول سبع عشرة كلمة. ولما جاء أبو نواس صاغ هذا المعنى صياغة أخرى أكثر اختصاراً فقال: -
لا تُسدينَّ إليَّ عارفةً ... حتى أقومَ ببعض ما سلفا
وذلك من بديع هذا الباب.
ومما ورد من هذا الأسلوب قول العرب: (القتل أنفى للقتل) فجاء القرآن الكريم بهذا المعنى وزاد عليه أشياء عجيبة فقال تعالى: (ولكم في القصاص حياة). فما زادت به الآية على قول العرب: أنه ليس كل قتل ينفي القتل، وإنما القتل الذي ينفي القتل ما كان على وجه القصاص والعدل. ففي ذكر الحياة من إيضاح المعنى المرغوب ما ليس في قول العرب: (القتل أنفي للقتل). ومن ذلك أن قوله تعالى: (. . . القصاص حياة) نظير قولهم: القتل أنفي للقتل، و (القصاص حياة) أوجز وأخصر لأن (القصاص حياة) عشرة أحرف، و (القتل أنفي للقتل) أربعة عشر حرفاً، ومن ذلك أن في قولهم: (القتل أنفي للقتل) تكريراً يثقل النطق به على اللسان؛ وليس في قوله تعالى: (القصاص حياة) تكرير. فهذه أربع زيادات تفضل بها الآية على قول العرب؛ وكذلك أيضاً قول بعض الأعراب: -
فحيّ ذوي الأضغان تسب عقولهم ... تحيةَ ذي الحسنى وقدُ برفع النفل
وإن دَحسوا بالقول فاعفُ تكرماً ... وإن كتموا عنك الحديث فلا تسل
стр. 246
فإن الذي يؤديك منه سماعه ... وإنّ الذي قالوا وراءك لم يُقَّل
فورد في القرآن الكريم هذا المعنى المذكور في كلمات مختصرات، وهي قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). ألا ترى إلى هذه الآية (فهي) حاوية للمعنى المشار إليه في الأبيات مع الإيجاز، فهو أن الشاعر ذكر هذه المعاني في ثلاثة أبيت فيها ثلاث وثلاثون كلمة، والقرآن العزيز أتى بالمعنى في آية واحدة فيها ثلاث عشرة كلمة. وأما حسن التركيب فلا خفاء به. ومن جملته المقابلة بين الأضداد نحو ذكر السيئ والحسن، والعدو والصديق.
ومن هذا الباب قول النابغة: -
إذا ما غزا بالجيش حَلَّق فَوقَهُ ... عصائب طَيْر تهتدي بعصائب
جوانح قد أيقنّ أنَّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّلُ غالب
أخذ هذا المعنى الأفوه فقال: -
وترى الطير على آثارنا ... رأيَ عين ثقةً أنْ ستَمُار
فذكر المعاني المشار إليها في بيت واحد، فحاز فضيلة الإيجاز، التي هي أعلى درجات الكلام وصار أحق بذلك المعنى من النابغة، وإن سبقه إليه وتقدمه فيه.
стр. 247
ومما جرى هذا المجرى قول أبي العتاهية: -
كم نعمة لا تستقبل بشكرها ... لله في طي المكاره كلمته
أخذه أبو تمام فقال:
قدُ ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم
فذر المعنى الذي ذكره أبو العتاهية، وعكسه. وهذا من غرائب ما يوجد في باب الأخذ، فاعرفه.
ومن هذا الباب قول أبي تمام أيضاً: -
فإن لم يجد في قسمة العمر حيلة ... وجاز له الإعطاء من حسناته
لجاد بها من غير شرك بربه ... وأشركهم في صومه وصلاته
أخذه المتنبي فقال:
فلو يمتهم في الحشر تجدو ... لأعطَوْكَ الذي صَلَّوا وصاموا
فأتى بالمعنى الذي ذكره أبو تمام، وزاد عليه بقوله (في الحشر) لأن الإنسان يكون في ذلك اليوم أشد احتياجاً إلى صلاته وصيامه، وأعظم افتقاراً. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
وفد يتساوى المؤلفان في إيراد المعنى باللفظ، كقول بشار:
стр. 248
يسقط الطير حيث يلتقط الحبُّ ... وتُغشى منازل الكرماء
أخذَهُ غير فقال، ولم يزد عليه شيئاً:
يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام
وعلى نحو من ذلك قول الآخر:
وإن يقوم سوَّدوكَ لحاجةً ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
الضرب الثاني من القسم الثاني
وهو (المسخ)
وذلك عيب في الكلام فاحش، فما جاء منه قول الشريف الرضي:
أحن إلى ما تضمَن الخُمرْ والحُلي ... وأصدِف عما في ضمان المآزر
وقال المتنبي:
أني على شغفي بما في خُمْرها ... لأعفُّ عما في سراويلاتها
ألا ترى إلى هذا المسخ ما أقبحه، وذلك لو تأخر زمان المتنبي عن زمان الشريف الرضي. وبمثل ذلك يعرف التفاضل بين الشاعرين، وبين الكلامين؛ فقول الشريف على ما تراه من اللطافة والحسن، وقول أبي الطيب على ما تراه من الرداءة والقبح، قال تعالى: (وفوق كلّ ذي علم عليم) وأعلم أن ما كان من هذا الباب على سبيل (المسخ) فإنه كان على نحو من قول أبي الطيب، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتأمل.
стр. 249
وهذا النوع خاتمة الأنواع من باب الصناعة المعنوية، وذلك مبلغ ما عرفناه من علم البيان، فيما يختص بالمعاني. إلا أني رأيت أبا محمد عبد الله بن سنان الخفاجي قد ذكر في كتابه نوعاً آخر فقال: (لا يستعمل في الشعر المنظوم والكلام المنثور ألفاظ المتكلمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، والألفاظ التي تختص بها بعض المهن والعلوم، لأن الإنسان إذا خاص في علم وتكلم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ ذلك العلم. و (كلام) أصحاب تلك الصناعة)، ثم مثل ذلك بقول
أبي تمام:
مودةٌ ذهَبٌ أثمارها شَبَهٌ ... وهمَّةٌ جوهرٌ معروفُها عَرَض
وبقوله أيضاً:
خرقاء يلعب بالعقول حَبابها ... كتلعُّب الأفعال بالأسماء
هذا ما ذكره الخفاجي في كتابه. ولنا عليه اعتراض وهو أنا نقول له: ما الموجب لجعلك هذا القسم مما يرفض ولا يستعمل؟ وما السبب في اجتنابه؟ فإن قال: إني إنما أنكرت استعماله وآثرت تركه واجتنابه، لأنه غير مفهوم. قلنا له في الجواب:
لا يخلو الأمر من هذا من حالين: إما إنه غير مفهوم للعامة أو للخاصة. فإن كان غير مفهوم للعامة فقط، فليس جهل العامة بهذا النوع من الكلام داعياً إلى اجتنابه. ولو كان فهم العامة معتبراً في اختيار الكلام لكان ما تبتذله من ألفاظها مقدماً على غيره في الاختيار (لأنهم)
стр. 250
إلى فهمه أقرب من فهم غيره، وذلك شيء مدفوع لا يذهب إليه أحد البتة. وإنْ قال: إن هذا النوع غير مفهوم للخاصة، قلنا له: فأنت أيها الشيخ الإمام قد فهمته وعرفته، ولولا فهمك له ومعرفتك به (لما أنكرته) وإلا فكيف كنت تنكره وتبعث على اجتنابه؟ وهذا يدل على أنك لست من العامة ولا من الخاصة؛ لأنك قد فهمت ما لا يفهمه الفريقان، وذلك من أعجب الأشياء.
فإن قال: إني ما أنكرت هذا النوع إلا لأن صناعة التأليف من المنظوم والمنثور لا تستعمل فيها ما ليس من جنسها، قلت له في الجواب: يبطل عليك ذلك باستعمال الفقه من الأحكام السلطانية في المكاتبات، واستعمال الحساب مما يحتاج إليه في الكتابة إلى العمال وأرباب الخراج، واستعمال النجوم في كبس سني الخراج بعضها على بعض، فيكون لما أنكرته أيها الشيخ الإمام من استعمال تلك العلوم أسوة بالفقه والحساب والنجوم. ثم ماذا تنكر من شيء يدل على فضل صاحبه وغزارة علمه؟ أليس من الواجب في صناعة التأليف أن الناظم والناثر ينبغي له أن
يستعمل في كل معنى يقصده، ما يليق به وينخرط في سلكه؛ فإن كان ذلك المعنى يحتاج إلى النحو استعمل فيه النحو، وإن كان شيئاً يحتاج إلى الحساب استعمل فيه الحساب، وكذلك باقي العلوم. فإذا أخذ المؤلف معنى يحتاج فيه إلى ذكر أحد هذه العلوم المذكورة ولم يذكره، كان ذلك المعنى ناقصاً عما يحتاج اليه، وهذا ليس بخافٍ على اللبيب المنصف، فاعرفه.
следующие страницы →