← Баляга

Баляга · id 37475

الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام والمنثور

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (274 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

معرفة ذلك أنك إذا أردت اعتبار هذا: تأتي بالحرف ساكناً لا متحركاً، لأن الحركة تقلقه عن موضعه ومستقره، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فتقول: (إكْ) (إقْ) وكذلك سائرها. واعلم أن (الحروف) تطلق باعتبارات، فالأول: اسم لهذه الحروف المعدودة؛ وذلك مأخوذ من تسمية الحد والناحية حرفاً، لأن الحروف هي جهات للكلمة ونواحيها. الثاني: تطلق على أدوات الكلام نحو (من وعن، وغيرهما). الثالث: كقول النبي (ص) (أنزل القرآن على سبعة أحرف) أي سبع لغات لا تختلف ولا تضاد، كما يقال: (هذا في حرف أبي) و (وهذا في حرف ابن مسعود). الرابع: يقال ناقة حرف: أي ضامرة. وقال أبو العباس المبرد: إن الهمزة لا صورة لها في الخط. وهذا فاسد؛ إذ الاعتبار باللفظة لا بالخط، فإن الخط لو لم يكن لما كان ذلك مانعاً من كون الهمزة من جملة الحروف. فأما ترتيب الحروف على نسق المخارج فهي (همزة، ألف، ع، (هـ) ح، غ، خ، ق، ك، ج،

стр. 37

ش، ي، ض، ل، ن، ر، ط، د، ت، ز، س، ظ، ذ، ث، ف، م، و، ب). وستة أحرف فروع مستحسنة، وهي همزة بين بين، والنون والخفيفة، والألف الممالة، وألف التفخيم، والشين كالجيم، والصاد كالزاي. وثمانية أحرف غير مستحسنة وهي: الكاف بين الجيم والكاف، والجيم كالكاف، والجيم كالشين، والفاء كالباء، والضاد الضعيفة، والصاد كالسين، والطاء كالتاء، والظاء كالثاء. وذكر قوم أربعة أحرف هي: السين كالزاي، والجيم كالزاي، واللام المفخمة، والقاف كالكاف: فصار الجميع سبعة وأربعين حرفاً. فأما انقسام المخارج فإنها ستة عشر مخرجاً: ثلاثة حلقية وهي الهمزة والألف والهاء. هذا على ترتيب سيبويه، وأما على ترتيب أبي الحسن الأخفش فإن الهاء مع الألف لا قبلها ولا بعدها، ومخرجان يليان هذه الثلاثة المذكورة وهما العين والحاء، ومخرجان آخران فوق ذينك من أول الفم وهما الغين والخاء، وحرف من أقصى اللسان، وهو القاف. وأسفل من موضع القاف قليلاً مخرج الكاف، وهذان الحرفان - أعني القاف والكاف - يدعيان لهويين: من اللهاة. وثلاثة أحرف من وسط اللسان: وهي الجيم والشين والياء، وتسمى الشجرية. ومن أول حافة اللسان وما يبنهما من الأضراس مخرج الضاد، ويسمى المتفرد المستطيل. ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرفه مما بينها وبين ما يليها من الحنك، فويق الضاحك والناب والثنية والرباعية مخرج اللام، ويسمى المتحرف. ومن طرف اللسان، بينه وبين ما فويق الثنايا السفلى، مخرج النون. ومن مخرج النون، غير إنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً، لا انحرافه إلى اللام مخرج الراء. وهذه الأحرف الثلاثة: اللام والراء والنون تسمى الذليقة. وقال سيبويه

стр. 38

إن الأصول الخماسية لا تخلو من أحدها البتة. ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا ثلاثة أحرف وهي الطاء والدال والتاء، وتسمى النطعية. وثلاثة أحرف مما بين طرفي اللسان وفويق الثنايا وهي: الصاد والسين والزاي وتسمى الأسلية. وثلاثة أحرف مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا وهي: الظاء والذال والتاء، وتسمى اللثوية. وحرف واحد مما بين باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى وهو الفاء. وثلاثة أحرف مما بين الشفتين وهي الباء والميم والواو، وتسمى الشفهية. وحرف واحد من الخيشوم وهو النون، ويسمى الخيشومي. فهذه جميع مخارج الحروف. وحيث انتهى القول بنا إلى هذا المقام وأتينا على ذكر الأصول والحروف وانقسام المخارج فينبغي حينئذ أن تذكر السبب في حسن ما تباعد من المخارج، وقبح ما تقارب منها، فتقول: قال أبو محمد بن سنان الخفاجي في كتابه: (إن الحروف التي هي أصوات تجري من السمع مجري الألوان من البصر، ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا اجتمعت كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة؛ ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة، لقرب ما بينه وبين الأصفر، وبعد ما بينه وبين الأسود). هذا حكاية كلامه بعينه. ولنا عليه اعتراض، وهو أنا نقول: إذا ثبت لك أن الألوان المتباينة في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة فكيف يلزم على هذا أن نقيس عليه السمع ونجريه مجراه؟ فإن قال في الجواب عن ذلك (إني إنما قست السمع في أصوات الحروف المتباعدة على البصر في الألوان المتباعدة، لأن السمع حاسة والبصر أيضاً حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب). قلنا له: إنما يستقيم لك ما ذكرته من هذا القياس أن لو توقف في عرفان جودة اللفظة على سماع أصوات مخارجها، كما يتوقف في عرفان حسن الألوان على إبصارها ورؤيتها، وإنما قد يعلم جودة اللفظة، ويعرف حسن تركيبها، من غير أن يسمع لها صوت؛ وذلك أن المتأمل للكلام

стр. 39

مكتوباً من غير تصوت به، ولا نطق، إذا عرضه على طبعة السليم، وفكره المستقيم، عرف جودة ألفاظه، وعلم حسن تركيبها من قبحه. ولا خلطة للسمع في ذلك ولا مشاركة. فقد ثبت بهذا الدليل فساد ما ذكرته من قياس السمع على البصر، واختلال ما أشرت إليه من ذلك. وإنما القول السديد في حسن اللفظ المتباعد المخارج، وقبح اللفظ المتقارب المخارج، ما سنورد هاهنا: وهو أن الفائدة في الأشياء المركبة، إنما هي اختلاف أجزائها وتباين مفرداتها، ليؤثر التركيب عند ذلك شيئاً لم يكن؛ إما حسناً وإما قبحاً. فأما إذا كانت أجزاؤها مشابهاً بعضها البعض، فإنه لا يكون لتركيبها حينئذ كبير فائدة، وهذا مما لا نزاع فيه؛ لوضوحه وبيانه. وحيث كانت الحال في الأشياء المركبة كذلك، قسنا عليه تركيب مخارج الحروف. وذلك أن من المخارج ما هو مختلف ونعني بالمختلف هاهنا: المتقارب؛ كالراء، واللام، والطاء، والسين وغير ذلك، مما يجري هذا المجري. فمتى كانت الكلمة مركبة من حروف متباعدة المخارج، أثر التركيب فيها أثراً؛ وهو الحسن والجودة في الغالب. ومتى كانت الكلمة مركبة من حروف متقاربة المخارج، جاءت بخلاف ذلك في الغالب أيضاً. فإن قيل: أما قولك: إن الكلمة، إذا ركبت من حروف متباعدة المخارج، أثر التركيب فيها أثراً مسلم إليك ذلك. وأما تخصيصك ذلك التأثير بالحسن والجودة، فهذا تحكم محض أنت مطالب بإثباته.

стр. 40

وكذلك قولك في الكلمة: (إذا تركيب من عدة حروف متقاربة المخارج)، ألا ترى أن مخارج الحروف جميعها، إذا اعتبر كل واحد منها على الانفراد، لا يوجد له حسن ولا قبح؟ وهذا لا نزاع فيه. فمن توهم شكاً في ذلك أو لحقه أدني ارتياب، فليعرضه ويعتبره، منصفاً من نفسه، فإنه يعلم صحة ما ذكرناه، ويعرف حقيقة ما أشرنا إليه. وإذا كانت الحال كذلك، فمن أي وجه تكسب اللفظة الجودة والحسن إذا تركبت من حروف متباعدة المخارج؟ ومنأى وجه تكسب الرداءة والقبح، إذا تركبت من حروف متقاربة المخارج؟ الجواب عن ذلك، أنا نقول: إنها اكتسبت حسناً عند تركيبها من حروف متباعدة المخارج، واكتسبت قبحاً عند تركيبها من حروف متقاربة المخارج؛ لأن النطق إذا أتى على مخارج حروف اللفظة، وهي متباعدة، ليجمعها ويؤلفها، كان له في ذلك مهلة وأناة؛ لأن بين المخرج إلى المخرج فسحة وبعداً، فتجيء الحروف عند ذلك متمكنة في مواضعها؛ غير قلقة ولا مكدودة. وإذا أتى النطق على مخارج حروف اللفظة وهي متقاربة، ليجمعها ويركبها، لم يخلص من مخرج إلا وقد وقع في المخرج الذي يليه؛ لقرب ما بينها فيكاد عند ذلك يعتبر أحدهما بالآخر، فتجيء مخارج حروف اللفظة قلقة مكدودة، غير مستقرة في أما كنها ولهذا لم ترد العين مع الحاء، ولا الغين مع الخاء، ولا الطاء مع التاء، ولا القاف مع الكاف، ولا الذال مع الثاء، ولا مع الظاء؛ وذلك لقرب مخارج هذه الحروف بعضها من بعض. ومن أدل الدليل على أن المخارج المتباعدة أحسن تأليفاً من المخارج المتقاربة، أن العرب من

стр. 41

شأنهم وعادتهم، أن يعدلوا في كلامهم عن الأثقل إلى الأخف؛ طلباً للاستحسان، وهذا شائع عنهم، وكثير في لغتهم، لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه. وتراهم قد خالفوا عادتهم وعدلوا عن الأخف إلى الأثقل، طلباً لبعد المخارج؛ حيث هو أسهل على اللسان، وهرباً من تقاربها؛ حيث هو أشق وأصعب على اللسان. وذلك نحو (الحيوان) ألا ترى أن أصل هذه الكلمة، بإجماع من علماء العربية: (حييان) لأنها من مضاعف الياء، إلا إنه لما ثقل عليهم عدلوا به عم الياء إلى الواو، مع علمهم بأن الواو أثقل من الياء، لكنه لما تباعد الحرفان ساغ ذلك؛ لأجل الاستخفاف. فلما رأينا أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد نقضوا عادتهم، ورفضوا سنتهم، في العدول عن الأثقل إلى الأخف؛ طلباً لتباعد مخارج الحروف، علمنا أن ذلك أهم عندهم، وأكثر تقدماً في نفوسهم. وكفى بهذا دليلاً على أن تباعد المخارج أحسن تأليفاً من تقاربها، فاعرف ذلك. واعلم أن تباعد المخارج ليس بكاف في حسن اللفظة، ولا مقنع في جودتها؛ فإنه قد تأتي لفظة مؤلفة من حروف متباعدة المخارج، ولكنها تكون مبنية من حركات ثقيلة، أو تكون وحشية، أو غير ذلك من الصفات الذميمة، فيعارض ذلك الوصف المحمود هذا الوصف المذموم فيذيله ويذهب به. النوع الثاني من القسم الأول من الباب الأول وهو أن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة ونعني بالوحشي: قلة الاستعمال؛ وذلك عيب في الكلام فاحش؛ فيجب على المؤلف اجتنابه والبعد عنه، لأن أحسن الألفاظ ما كان مألوفاً بين أرباب هذه الصناعة، دائراً في تأليفاتهم، قد

стр. 42

صقلته الألسن، وأنسته الأسماع والقلوب. ولذلك كان جميع ألفاظ القران الكريم منخرطة في هذا السلك، وجارية في هذا المنهاج. واعلم أن العرب، لأنه لغة استعملوا الوحشي من الكلام، فإنهم غير ملومين على ذلك، ولا يكون هيباً في كلامهم؛ لأنه لغة القوم، وبه كانت مفاوضاتهم في أحاديثهم وأشعارهم، وكان كالذي كان لهم طبعاً وخليفة. والدليل على أن العرب لا يلامون في استعمال الوحشي من الكلام، أن النبي ﷺ قد نطق به كثيراً في كلامه، وأنت به الأخبار المنقولة عنه، كحديث طهفة بن أبي زهير النهدي وغيره. فأما حديث طهفة فهو إنه لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ قام طهفة بن أبي زهير فقال: (أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة، على أكوار الميس، ترتمي بنا العيس نستحلب الصبير ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير ونستخيل الرهام

стр. 43

ونستحيل الجهام من أرض غائلة النطاء، غليظة المطا، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي. برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل أغفال

стр. 44

ما تبض ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنة حمراء مؤزلة، فليس لها نهل ولا علل) فقال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لهم في محضها ومخضها، ومذقها وفرقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وأفجر له الثمد، وبارك له في المال والولد. من أقام الصلوة كان مسلماً، ومن آتى الزكاة كان محسناً، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصاً. لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع المال. لا تلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة، ولا نتثاقل

стр. 45

عن الصلاة). وكتب معه كتاباً إلى بني نهد: (من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله. لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم العارض والفريش وذو العنان الركوب، والفاو الضبيس لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس در كم ما لم تضمروا الاماق وتأكلوا الرباق. من أقر بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة) فقال له علي بن أبي طالب ﵁ (يا رسول الله نحو بنو أب واحد وربينا في بلد واحد، وتراك تكلم وفود العرب بما لم نفهم أكثره)، فقال رسول الله ﷺ : (أدبني ربي فأحسن تأديبي، وربيت في بني سعد). ألا ترى إلى هذا الكلام الذي لا يكاد يعرف ولا يفهم، وهو الذي نعده نحن في زماننا وحشياً متوعراً لعدم الاستعمال له؟ ومع ذلك، فقد نطق به رسول الله ﷺ فيثبت من هذا أن كان الوحشي من الكلام ليس معيباً من حيث ذاته، وإنما يعاب من حيث النسبة إلى الزمان وأهله، كما أنا نعيبه نحن في هذا الزمان، ونطرحه ونكرهه، ولا نستعمله،

стр. 46

وقد كان من قبلنا مألوفاً مستعملاً بين البلغاء والفصحاء. وهذا مما لا نزاع فيه يحال من الاحوال، فاعرفه. وعلى ذلك فإنما يلام على استعمال الوحشي من الكلام الحضري؛ لأنه يتكلفه من الكتب، ويلتقطه من بطون الدفاتر، مع العناء والمشقة في تحصيله. وقد رأينا جماعة، ممن يدعي هذه الصناعة، يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعسر فهمه، ويبعد متناوله، كالذي نحن بصدد ذكره هاهنا. وإذا رأوا كلاماً غامضاً وحشياً يعجبون منه، ويصفونه بالفصاحة وهو بالعكس من ذلك. وقد استعمل هذا القسم من الكلام كثيراً ابن هانئ المغربي، فمن ذلك ما جاء في قصيدة من شعره على قافية الثاء، وهو قوله: وما راعهم إلا سُرادق جَعْفَر ... يَحُف بها أُسْدُ اللقاء الدلاهث وما تستوي الشغواء غيرَ حثيثةٍ ... قوادُمها والكاسرات الحثائث

стр. 47

تورَّعت عن دنياك وهي غريرة ... لها مَبْسِم برْد وفرعُ جثاجثُ ألا ترى إلى هذه الكلمات، كيف يكرهها السمع، وينبو عنها الطبع، وتستكرهها القلوب، وتعافها النفوس، وكان الإنسان عند الوقوف عليها خابط (خبط) عشواء، لا يدري أين يضع رجله؟ ومن هذا النوع أيضاً قول بعضهم وقد اعتلت أمه فكتب رقاعاً وألقاها في الجامع بمدينة السلام وهي (صين امرؤٌ ورعى، دعا لامرأة مقسئنه، قد منيت بأكل الطرموق، فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمن عليها بالاطرغشاش، والابرغشاش) وكل من قراً رقاعه لعنه، ولعن أمه. ومما يجري هذا المجرى قول ابن الرومي: اسقني الأسْكركةَ الصِنْ ... نّبْرَ في جعضلفونه واترك الفيجن في ... هـ يا خليلي بغصونه فإنه لا يوجد من الألفاظ الوحشية شيء أقبح من قوله (الأسكركة، وجعضلفون

стр. 48

والصنبر). وكذلك قوله في صفة المطر: مُتغطمطٌ، غصب الوحوش مكانها، ... تياره فالضب جارُ الضِّفْدعِ فهل تجد أيها المتأمل لكتابنا هذا أشد كراهة عليك من النطق بلفظة متغطمط؟ وأشباه ذلك كثيرة. وفيما ذكرنا من هذه الأمثلة كفاية. واعلم أن الإنكار على الناثر في استعمال الوحشي من الكلام أكثر من الإنكار على الناظم؛ وذلك لأن الناثر واسع المجال، مطلق العنان، متصرف كيف شاء، قادر على أن يقيم مكان اللفظة، التي ذكرها لفظة أخرى مما هو في معناها. والناظم قد لا يمكنه ذلك، لأن مجال التأليف عليه حرج، ونطاقه ضيق. وإذا أراد أن يقيم لفظة مكان لفظة لا يتأتى له ذلك، في جميع الحالات، لانفساد الوزن عليه. ولنضرب لهذا مثالاً فتقول: ألا ترى أن معنى (متغطمط) في قول هذا الشاعر أي (متدفق) ولو أراد أن يجعل هذه اللفظة الحسنة مكان تلك اللفظة القبيحة، لفسد عليه وزن البيت. ولست أرى للشاعر في هذا دواء، إلا إنه إذا أتاه شيء من هذه الألفاظ الحسنة، ويتزن له الشعر مع ذلك فهو المراد، وأن كان لا يقع له من الألفاظ ما هو في معناه، ولا يتيسر له ذلك، فيقيم عوضه من الألفاظ الحسنة ما يصح به المعنى الذي قصده مع الاتزان. ألا ترى أن هذا الشاعر لو قال في هذا البيت (متدفق)

стр. 49

(أو متراكم) أو ما جرى هذا المجرى لصح له الوزن والمعنى المقصود، وكان قد سلم من استعمال الوحشي من الكلام؟ وإنما يتهيأ للشاعر هذا، إذا كانت الكلمة في أول البيت أو في أثنائه، فأما إذا كانت آخراً منه فإنه قلما يقدر على تغييرها، وإقامة غيرها مقامها، وذلك للزوم (القافية) التي بيني قصيدته عليها، فاعرف ذلك وقس عليه. النوع الثالث من القسم الأول من الباب الأول وهو ألا تكون الكلمة مبتذلة بين العامة وذلك ينقسم قسمين: الأول: ما كان من الألفاظ دالا على معنى وضع له في أصل اللغة، فغيرته العامة وجعلته دالاً على معنى آخر، وهو ضربان: الأول: يكره ذكره، كقول أبي الطيب المتنبي: أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عنّي بالصرم فإن لفظة (صرم) في أصل وضع اللغة (القطع) يقال: صرمه أي قطعه، فغيرتها العامة، وجعلتها دالة على المحل المخصوص دون غيره. ثم لم يكفهم، حتى جعلوا ما هو بالسين صادا؛ ولأجل هذا استكره استعمال هذه اللفظة. وكذلك ما جرى هذا المجرى كقول أبي الطيب:

стр. 50

سلي البيدَ أين الجنُ منّا بِجَوْزِها ... وعن ذي المهاري أين منها النقانق؟ فإن النقانق في أصل اللغة: هي جماعة النعام، فغيرتها العامة، وجعلتها دالة على ضرب من طعام السوقة، فصارت من أكثر الألفاظ ابتذالا. واعلم أن العامة اعتمدوا هذا في كثير من كلامهم، حتى أن الشيخ أبا منصور الجواليقي، صنف في ذلك كتاباً ووسمه (بإصلاح ما يغلط فيه العامة) فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكرنا استعماله على أرباب هذه الصناعة؛ لكراهته ولأنه مما لم يأت في كلام العرب، ولا جاء عنهم، فهذان عيبان من الضرب الذي ذكرناه. وأما الضرب الثاني من القسم الأول؛ ففيه عيب واحد؛ وهو إنه وضع في كلام العرب لمعنى فجعلته العامة ذالاً على غيره، إلا إنه ليس بمستقبح ولا مستكره، وذلك كتسميتهم الإنسان ظريفاً إذا كان دمث الأخلاق، حسن الصورة واللباس، طيب الريح، وما هذا سبيله. والظريف في أصل اللغة بخلاف ذلك؛ لأن الإنسان إنما يسمى ظريفاً إذا كان حسن النطق فقط. إذ الظرف يتعلق باللسان لا غير. وقد قالت العرب في صفات خلق الإنسان: الصباحة في الوجه. الوضاءة في البشر. الجمال في الأنف. الحلاوة في العينين. الملاحة في الفم. الظرف في اللسان.

стр. 51

الرشاقة في القد. اللباقة في الشمائل. كمال الحسن في الشعر. وهذا الضرب قد ذكره الشيخ أبو منصور الجواليقي في كتابه، فاعرفه. القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن بابه. وإنما أنكرنا استعمال هذا القسم من الكلام، لأنه مبتذل بينهم فقط، لا لأنه مستقبح، ولا مخالف لما وضع له في أصل اللغة. وذلك كقول أبي الطيب المتنبي: فقلقلت بالهمَّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهن قلاقل ألا ترى إلى سخافة هذه اللفظة، وما عليها من الركاكة التي لا أمد وراءها!؟. ومما جاء على نحو ذلك قوله أيضاً: وملمومة سيفية ربعية ... يصيح الحصا فيها صباح اللقالق

стр. 52

ومن هذا القسم قول ابن هانئ المغربي: من ليس يرفل إلا في سَواِبغِهِ ... من تُبّعيً مفاض أو سلوقي أم من يُذلً عماليقاً تذلُّهم ... أي الأجادل يسمو للكراكيَ فإن كلاً من هاتين اللفظتين مبتذل بين العامة جداً. وأمثال هذا كثير، فاعرفه. وعليك أيها المؤلف اجتنابه، والبعد عنه. النوع الرابع من القسم الأول من الباب الأول وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى يكره ذكره فإذا وردت وهي غير مقصودة بها ذلك المعنى قبحت؛ وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح، فأما إذا جاءت ومعها قرينة، مخصصة لما تحتها من المعنى المخصص، فإن ذلك لا يكون معيباً في الكلام. فمثال ما ورد من هذا النوع ومعه قرينة، قوله تعالى في حق النبي ﷺ (فأما الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون). ألا ترى أن لفظة التعزير مشتركة، وهي تطلق على

стр. 53

التعظيم والإكرام؛ وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الإهانة. وهما معنيان ضدان، فحيث وردت هذه الآية جاء معها قرائن قبلها وبعدها، تخصص معناها بالحسن، وتميزه عن القبح. ولو جاءت مهملة بغير قرينة، ويراد بها المعنى الحسن، لسبق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. مثال ذلك لو (قال) قائل: (لقيت اليوم فلاناً، فأكرمته وعزرته) لزال ذلك اللبس وارتفع الإشكال. ومن هذا النوع أيضاً قول بعضهم، يصف رقعة، جاءته من صديق له (فأنارت إنارة الزواهر، والأذهان منها كالعانة في فلكها الدائر). فإن لفظ (العانة) مشترك يدل على معان مختلفة، فهي اسم للقطيع من حمر الوحش، وتقع اسماً على كواكب تحت القوس، ويراد بها الركب من الإنسان، فلما وردت في هذا الكلام ورد معها قرينة، وهي ذكر الفلك، فخصصها بأنها الكواكب تحت القوس، لأن الفلك لا يكون إلا للكواكب، ولو وردت مرسلة بغير قرينة لظن السامع أمراً آخر يكره ذكره. وأمثال هذا كثير. فيجب على المؤلف أن يراعي فيه ما أشرنا إليه من ذكر القرينة. واعلم إنه قد جاء الكلام (ما معه قرينة) فأوجبت قبحة، ولو تجيء القرينة معه لكان الأمر في استقباحه سهلاً، وذلك قول الشريف الرضي: أعزز عليَّ بأن أراك وقد خلا ... عن جانبيك مقاعد العواد فإن أبا محمد سنان الخفاجي قد ذكر هذا البيت في كتابه فقال: إن إيراد هذه اللفظة أعني (مقاعد) في هذا الموضع صحيح إلا إنه موافق لما يكره في مثل هذا الشعر، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهو (المواد) ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلاً،

стр. 54

فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به) هذه حكاية كلام أبي محمد بن سنان الخفاجي، وهو كلام مرضي واقع موقعه في هذا الباب. ولنذكر نحن ما عندنا من ذلك فنقول: قد جاءت لفظة (مقاعد) في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال). إلا أنها في الآية غير مضافة إلى من يقبح إضافتها إليه، كما جاءت في شعر الشريف الرضي، وهو قوله (مقاعد العواد). فلو لم يذكر القرينة التي هي لفظة (العواد)، لكان الأمر يسهل في ذلك، ولو قال عوضاً عن (مقاعد العواد) مقاعد الزيارة، وما جرى هذا المجرى لذهب ذلك القبح وزالت تلك الهجنة والكراهة. ولهذا جاءت هذه اللفظة اعني (مقاعد) في الآية على ما ترى من الحسن والجودة، وجاءت في شعر الشريف الرضي على ما ترى من القبح والرداءة، فاعرف ذلك وقس عليه. وأما الذي ورد من هذا النوع مهملا بغير قرينة، فكقول تأبط شراً: أقول للحيانٍ وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر مُعور ولو ورد مع ذلك قرينة لم يفده شيئاً البتة، ألا ترى أن لفظة (الجحر) تطلق على كل ثقب، كثقب الحية، وثقب اليربوع وغير ذلك، وتطلق أيضاً على المحل المخصوص من الحيوان، وإنما استقبحت هاهنا، لأن الوهم يسبق إلى ما تدل عليه من المحل المخصوص، دون غيره. ومع هذا فأي قرينة وردت مع هذه اللفظة لا تذهب ما عليها من الكراهة، ولا تزيل ما فيها من القبح. وأمثال ذلك كثيرة، فاعرفها. النوع الخامس من القسم الأول من الباب الأول وهو أن تكون الكلمة مصغرة في موضع يعبر بها عن شيء خفي أو لطيف أو ضعيف أو ما جانس ذلك ومعاني التصغير خمسة:

стр. 55

الأول يرد لتحقير المعاني لا الصور نحو (رجيل) أي إنه حقير من حيث معناه، لا من حيث صورته. (الثاني) يرد لتحقير الصور لا المعاني، وهو ضد الأول نحو (جبيل). (الثالث) للتقريب وذلك في الظروف الزمانية والمكانية نحو: (وقيت) و (فويق). (الرابع) يرد للتقليل وذلك في العدد نحو (مويل) و (أحيمال). (الخامس) يرد للتعظيم كقول النبي ﷺ في حق عبد الله بن مسعود (كنيف مليء علماً). فإن قيل: التصغير إذا جعل أمارة للتحقير والتعظيم معاً زالت الفائدة المقصودة به، لأنه لا يصير دليلاً على أحدهما. الجواب عن ذلك أنا نقول: ليس الأمر كما وقع لك: أن التصغير أمارة للتحقير والتعظيم على الإطلاق، من غير تقييد، بل هاهنا فرق بينهما، متى عرف لم ينكر جعلهم التصغير دليلاً على التحقير والتعظيم معاً، وهو أن التصغير الدال على التعظيم لا يكون إلا ومعه صفة مدح مقترنة (به). ألا ترى قول النبي، ﷺ : (كنيف مليء علماً) فقوله (كنيف) تصغير محض وقوله: (مليء علماً) صفة مدح، أوجبت له التعظيم، وذلك أن المشار إليه لما كان قصير الشكل، صغير الجثة، أطلق عليه لفظة التصغير بأن قال (كنيف) ولما كان غزير العلم، راجح اللب، أطلق عليه صفة المدح بأن قال (مليء علماً) فصغره أولاً ثم عظمه ثانياً، فقيل: (تصغير تعظيم) لما هذا سبيله، فاعرفه. وأما التصغير الدال على التحقير فليس كذلك، لأنه لا يجيء معه صفه مدح البتة. وأما أبنية التصغير فثلاثة: ثلاثي لا زيادة فيه، ويجيء على (فعيل) نحو (ثويب)

стр. 56

ورباعي لا زيادة فيه ويجيء على (فعيعل) نحو (دريهم) فإن كان فيه زيادة من حروف المد واللين بين ثالثه ورابعه جاء على (فعيعيل) نحو (قنيديل). وأما الخماسي فيحذف منه الحرف الأخير، وهو أولى بالحذف نحو (سفيرج)، وربما حذفوا ما قبل الآخر، فقالوا في فرزدق: (فريزق). وقد جاءت اوزان غير هذه وهي (أفيعال) نحو (أطيفال) و (فعيلان) نحو (سكيران) و (فعيلى) نحو (حبيلى) و (فعيلاء) نحو (حميراء) والأصل ما أوردناه أولا، وذلك شيء مستقصى في كتب النحو، وليس هذا موضعه. واعلم إنه قد وردت ألفاظ لم يستعمل لها مكبر نحو: الثريا، والجبن والكميت، وسهيل وغير ذلك. وليس هذا من غرضنا في هذا الكتاب الذي نحن بصدد ذكره، لخلود من معنى التصغير، فما جاء من التصغير قول الرضي: وهل لُخشيف بالعَقيق عَلاقة ... بقلبي أم دانيت غير مُدان فأنه لما كان هذا الغزال صغيراً، قريب العهد بالولادة، كان وروده مصغراً أليق وأحسن وأدخل في الصفة. وكذلك قوله أيضاً: هل ناشد لي بعَقيق اللّوى ... غزَّيلاً مرَّ على الركب؟ وأمثال هذا كثير فاعرفه. فلا ينبغي لك أيها المؤلف أن تكثر من استعمال هذا النوع من الكلام في تأليفك، وان كان حسناً رائقاً. بل الأليق بك أن تقتصر منه على الشيء اليسير، يكون كلامك به ملمعاً، فإن مثل التصغير وما جرى مجراه في التأليف، كمثل الوشي في الثوب الديباج، فإنه إذا كان ملوناً أحسن منه إذا كان من لون واحد. وكذلك الكلام، فإنه إذا كان مشتملاً على هذه الأنواع المذكورة من التصغير وغيره، مما سبق ذكره، ويأتي شرحه في هذا الكتاب، كان أولى من اشتماله على نوع واحد فاعرف ذلك.

стр. 57

النوع السادس من القسم الأول من الباب الأول وهو أن تكون الكلمة مؤلفة من أقل الأوزان تركيباً وسبب ذلك أنها إذا ركبت من حروف قليلة خفت على النطق لقصرها، وسهل التعبير بها على اللسان لسرعة فراغه منها، وإذا تركيب من حروف كثيرة كان في النطق بها كلفة على الناطق، وذلك لتطاولها وامتداد الصوت بها. ولنضرب لهذا مثالا كيف اتفق، ليكون أسرع فهماً للمتأمل، فتقول: إذا تلفظ الناطق بالثلاثي، فقال للماء الطيب (عذب) أو تلفظ بالرباعي، فقال للذهب (عسجد) كان ذلك أسهل عليه من التلفظ بالخماسي إذا قال للمرأة الشديدة الصوت (صهصاق) وللعجوز (جحمرش) وذلك مما لا يمكن النزاع فيه، لأن شاهده من نفسه ودليله من ذاته. ولهذا كانت أكثر ألفاظ القرآن الكريم ثلاثية، وكان القليل رباعياً. وأما الخماسي فليس في القرآن منه شيء البتة، إلا ما كان اسم نبي فقط نحو إبراهيم، وإسماعيل. وغيرهما. واعلم أن الأسماء الثلاثية في الأصل، إذا كان فيها زيادة فأكثر ما تبلغ سبعة أحرف، وكذلك الرباعية أيضاً. وأما الخماسية، فإن زيادتها لا تكون إلا حرفاً واحداً، وذلك لأن الخماسي عندهم غاية الأصول، فلا يحتمل غاية الزيادات. وأما الأفعال فلا تكون خماسية في الأصل بل غايتها أن تكون رباعية فقط. وذلك أن الأسماء أقوى من الأفعال، وحيث كانت أقوى منها جعلوا لها ميزة عليها، وفضيلة فوقها. وسبب قوة الأسماء على الأفعال استغناء الأسماء عنها، وحاجة الأفعال إليها. إلا ترى الاسم نحو (زيد منطلق) كلام مفيد؟ والفعل مع الفعل نحو (ضرب قام) ليس بكلام مفيد؟ ولكن إذا اقترن الاسم بالفعل نحو (قام زيد) صار ذلك كلاماً مفيداً. فالأسماء إذن مستغنية عن الأفعال، والأفعال ليست مستغنية عن الأسماء، بل هي مفتقرة إليها. وحيث تكلمنا على الأصول الثلاثة؛ ثلاثيها ورباعيها وخماسيها

стр. 58

وبلغ منا القول إلى هذا المقام فلنردف ذلك يذكر الأصول مع زوائدها، والغرض بها اجتناب الألفاظ التي كثرت حروفها واستعمال ما كان قليل الحروف، فإنه إذا كان التلفظ بالخماسي فيه كلفة على الناطق وكراهة، كما أريناك، فالأولى أن تزداد كلفته إذا تلفظ بكلمة فيها أكثر من خمسة أحرف، فمثال ذلك قول بعضهم، في جملة رقعة كتبها إلى صديق له، قاصداً بها التشدق في الكلام، فقال (وإذا اسلعلعت تلك تجنبلت هذه وتكهمشت) أي إذا طالت تلك قصرت هذه. فإن قوله (اسعلعت) من أقبح الألفاظ طولا، مع أنها من وحشي الكلام فقد جمعت إذن العيبين معاً. ومن هذا النوع أيضاً ما ذكره أبو محمد بن سنان الخفاجي وهو قول أبي الطيب المتنبي: إن الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سُوَيْداواتِها ألا ترى إلى تطاول هذه اللفظة وخروجها عن الاعتدال؟ ويحسب ذلك يتضاعف استقباحها واستكراهها. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها. فإن قبل: إن هذا الذي أنكرته من طول الألفاظ وذكرته هاهنا قد ورد في القرآن الكريم ما يماثله ويشابهه، فمن ذلك قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم) الآية. وقوله تعالى: (فسيكفيكهم الله). فلفظة (ليستخلفهم) عشرة أحرف. ولفظة (فسيكفيكهم) تسعة أحرف. وأمثال ذلك في القرآن كثير. فلو كان هذا منكراً في التأليف، مكروهاً في الكلام لما ورد في القرآن المجيد. الجواب عن ذلك، أنا نقول: ليس هذا الذي قد جاء في القرآن الكريم مثل هذا الذي أوردناه نحن في كتابنا وأنكرناه على قائله؛ لان قوله تعالى (ليستخلفنهم) ثلاث كلمات جمعت فصارت

стр. 59

كلمة واحدة صورة لا معنى. ألا ترى أن الأصل فيها (ليستخلفن الله المؤمنين) إلا إنه لما جاء بذكر المؤمنين مظهراً في الأول لم يحتج في ذكرهم ثانياً إلى الإظهار، بل اقتصر على ضميرهم كما تقول: (قاتلت بني فلان وحاربتهم) ينوب مناب قولك (وحاربت بني فلان أيضاً). وهذا مما لا نزاع فيه لوضوحه. وكذلك القول في اللفظة الأخرى وهي قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله) ولا تجد في القرآن الكريم لفظة واحدة، مثل لفظة (سويداواتها) في الطول، لأنها ليست ثلاث كلمات وقد جمعت كلمة واحدة كما أريناك وإنما هي كلمة تدل على معنى الجمعية لا غير، وفي آخرها الهاء والألف لإضافتها إلى المؤنث، فاعرف ذلك. وأما النوع السابع الذي ابتكرناه نحن فهو أن تكون الكلمة مبنية من حركات خفيفة، وسبب ذلك سرعة النطق بهاء ومضاؤه فيها من غير عناء يلحقه ولا كلفة؛ ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة، لم يستكره ذلك ولم يستثقل، بخلاف هذا في الحركات الثقيلة؛ فإنه إذا توالى منها اثنتان في كلمة واحدة استكرهت واستثقلت؛ وذلك لما يجده الناطق فيها من تكلف العناء وتجشم المشقة. ومن أجل هذا استثقلت الضمة على الواو، والكسرة على الياء؛ لأن الضمة من جنس الواو والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. ولنضرب لهذا مثالاً كيف اتفق فتقول: إنا إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف وهي (ج ز ع) فلا خلاف أنا إذا جعلنا (الجيم) مفتوحة كانت أحسن من جعلها مضمومة، فإن من له أدني ذوق وأقل معرفة يعلم أن (الجزع) أحسن موقعاً من الجزع، و (الجزع) أحسن موقعاً من (الجزع). ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيراً لمخارج حروفها، حتى ينسب حسنها وقبحها إلى المخارج، بل قد تحققنا إنه يكسوها تارة حسناً وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، ورأينا الحسن إنما يحدث لها إذا افتحنا (الجيم) منها، فعلمنا أن حسنها حادث من ذلك السبب؛ فإن الشيء إذا رأيناه يتغير وتختلف أحواله، ورأينا أن

стр. 60

اختلاف كل حالة من أحواله لها سبب نسبنا ذلك إليه. ولما رأينا أن هذه اللفظة، إذا ضممنا الجيم منها يذهب ذلك الحسن، علمنا أن سبب ذهابه كون الجيم مضمونة. وحيث كانت الحال بهذه المثابة، ثبت أن أخف الحركات الفتح ثم الكسر ثم الضم؛ والدليل على ذلك ما أذكره لك؛ وهو أن الحركات مضارعة المحروف. ألا ترى أن جماعة من علماء العربية كانوا يسمون (الضمة) الواو الصغيرة و (الكسرة) الياء الصغيرة، و (الفتحة) الألف الصغيرة؟ ومما يؤكد ذلك أنك متى أشبعت الحركة أنشأت بعدها حرفاً من جنسها، نحو قولك في إشباع ضرب (ضوري با) ولهذا إذا احتاج الشاعر إلى إقامة الوزن اشبع الحركة فاشأ عنها حرفاً من جنسها كقول بعضهم: فأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح يريد (بمنتزح) وهو مفتعل من النزح. فإذا ثبت هذا، فاعلم إنه إنما كانت الفتحة أخف من الكسرة، والكسرة أخف من الضمة؛ لأن الألف أخف من الياء، والياء أخف من الواو. والدليل على ذلك ما أذكره لك. فأما قولنا: إن الألف أخف من الياء فلأنا رأينا العرب قداً بدلوا الألف من الياء في العين من الفعل الماضي، وذلك مطرد عندهم مستمر؛ وإنما فعلوا هذا استثقالاً للياء وطلباً للاستخفاف، وبيانه أنهم قالوا: (باع، سار، وأختار) وأصله (بيع، وسير، واختير). فلما ثقل هذا عليهم أبدلوا الياء ألفا للخفة، فقالوا (باع، وسار، وأختار) وكذلك ما جرى هذا المجرى. فعلم بهذا أن الألف أخف من الياء. فإن قيل: إن هذا الدليل الذي أوردته على أن الألف أخف من الياء قد جاء عن العرب نقيضه، ألا ترى أنك إنما استدللت على إن الألف أخف من الياء، لكون العرب قد أبدلت الألف من الياء؟ وقد رأيناهم أبدلوا الياء

стр. 61

من الألف، نحو (حماليق، وقيتال) فإن الياء هاهنا بدل من ألف حملاق وألف (قاتلت). الجواب عن ذلك أنا نقول: ليست هذه الصورة في الدليل الذي أوردناه نحن، لأن لفظ (باع، وسار، واختار) على وزنه لم يغير عنه، وذلك إنه فعل ماض، فلما رأينا العرب قد أبدلت الياء في هذا الموضع ألفاً، مع إنه لم يتغير وزنه يجمع ولا غيره، علمنا أنهم إنما فعلوا ذلك استثقالاً ألا ترى أن (حماليق) جمع (حملاق) (وقيتالا) مصدر (قاتلت) فلم تبدل الألف هاهنا ياء طلباً للخفة وإنما أبدلت اضطراراً، لئلا يلتبس الأمر عليهم. فانهم لو قالوا: جمع (حملاق) (حمالاق) لما عرف أن ذلك جمع؛ لأنه ليس في الجمع (فعالال). ألا ترى إن أصل (حملاق) من (حملق) على وزن فعلل. وهو رباعي، وقد جمع الرباعي على (فعاليل) نحو (برائين) و (دماميل) فحملت لفظة (حماليق) على ذلك، فالياء إذا ليست مبدلة من الألف هاهنا استثقالاً للألف بل اضطراراً، لئلا يلتبس الأمر في ذلك. وكذلك (قيتال) فإن أصله من (قاتلت) ومصدر فاعلت، جاء على (مفاعلة وفيعال) نحو (مقاتلة وقيتال) فلو قيل عوضاً عن قيتال (قاتال) على وزن (فاعال) لالتبس الأمر في ذلك أيضاً. وذاك إنه ليس في أوزان المصادر (فاعال) فالياء إنما أبدلت في هذا الموضع من الألف اضطراراً لا استثقالاً. ألا ترى إنها قد حذفت منه وأسقطت بالكلية، فقيل (قاتلت قتالاً)، ولم يفعل ذلك إلا طلباً للخفة، لأنهم لما أبدلوا الياء، وهي ثقيلة، من الألف، وهي خفيفة، كان ذلك بخلاف عادتهم ونشأتهم؛ لأن من عادتهم أن يعدلوا عن الأثقل إلى الأخف لا إلى الأثقل. لكنهم لما اضطروا إلى إبدال الياء من الألف لم يتركوا الياء على حالها، بل حذفوها وأسقطوها كما أريناك. وكذلك فعلوا في لفظة (حماليق) أيضاً، فإنها لما أبدلت الياء فيها من الألف، حذفوا الياء أصلاً وأسقطوها فقالوا: (حمالق) على وزن (فعالل) كما قالوا (دراهم وبرائن) وكما طردوا كذلك جميع أوزان الرباعي، فاعرف ذلك وقس عليه.

стр. 62

وأما قولنا (أن الياء أخف من الواو) فدليله من وجهين: الاول إنه إذا بني من الفعل المعتل فاؤه بالياء مستقيل لم تحذف الياء نحو (يسر وييسر، و (يعر) الجدي ييعر) ولا كذلك الفعل المعتل فاؤه بالواو، فإنه إذا بني منه مستقبل حذفت الواو، نحو (وعد يعد ووزن يزن)، ولم يقولوا: (وعد يوعد، ولا وزن يوزن) كما قالوا: (يسر ييسر، ويعر الجدي ييعر) فحيث أبقوا الياء في المستقبل ولم يبقوا الواو في المستقبل، علمنا أن حذفهم للواو إنما هو استثقال لها دون الياء. وأما الوجه الثاني، فهو انك إذا بنيت (مفعولا) من المعتل العين بالواو حذفت منه حرفاً للاستثقال؛ فقلت في قال (مقول) وفي صاغ (مصوغ). وإذا بنيت مفعولا من المعتل العين بالياء إن شئت حذفت فقلت في باع (مبيع) وفي عاب (معيب) وإن شئت تمعت ولم تحذف فقلت: (مبيوع ومعيوب) وإنما لم يتموا في الواو فلم يقولوا: في مقول (مقوول) ولا في مصوغ (مصووغ) وأتموا في الياء فقالوا (مبيوع ومعيوب) لأن الياء فيها الضمة أخف من الواو فيها الضمة؛ ألا ترى أن الواو إذا انضمت فروا منها إلى الهمزة فقالوا (أدؤر وأثؤب) قال الراجز: لكل دهر قد لبست أثؤباً

стр. 63

فالهمزة في الواو إذا انضمت مطردة. فأما إذا كان بعدها واو، كان ذلك أثقل لها. فلهذا ألزموها الحذف في (مفعول). والياء إذا انضمت لم تهمز ولم تغير عن حالها، فهذا يدلك، ويبصرك أن الياء أخف من الواو، فاعرف ذلك. هذا ما انتهت إليه المقدرة، وأحاطت به المعرفة، من الأوصاف التي توجد في اللفظة الواحدة، فليتأمله الواقف على كتابنا هذا وليتدبره؛ فإنه يفرق بين الجيد والرديء من الألفاظ، ويعرف ما يستعمله من ذلك، وما يطرحه. وحيث فرغنا من الكلام فيما يتعلق باللفظة المفردة، فلنتبعه بالكلام على الألفاظ المركبة، والله أعلم بالصواب.

стр. 64

القسم الثاني من الباب الأول في صناعة تركيب الألفاظ اعلم أن اللفظة قبل دخولها في سبل التأليف، وقبل أن تصير إلى الصورة التي تسمى كلاماً، دالاً على معنى من المعاني، لا يكون لها مزية على أختها، التي في معناها، إلا بأن تكون هذه أشرف من هذه بعلامات توجد فيها. إما أن تكون إحداهما مستعملة مألوفة، والأخرى وحشية متوعرة، وإما أن تكون حروف هذه أخف حركة أو أحسن امتزاجاً مع صواحيها أو غير ذلك مما قدمنا ذكره. ولا يتصور بين اللفظتين تفاضل في الدلالة على المعنى الذي اشتراكا فيه، حتى تكون إحداهما أحسن في الدلالة على ذلك المعنى من الأخرى؛ ولنضرب لهذا مثالا فنقول: لا يخفى على من له ذوق صحيح، وفطرة سليمة، أن لفظة الليث أو الأسد أحسن دلالة (على) مسماها من لفظة (الفدوكس) أو (العميثل) فثبت بهذا الدليل أن الكلمة لا يكون لها مزية على أختها إلا بعلامات توجد فيها دون تلك، وهذا لا يثبته على اعتماد وقصده في الكلام إلا الفطن اللبيب، الذي له عناية بصناعته. وكثيراً ما رأينا من يحكم على الألفاظ بالجودة والرداءة، وإذا طولب بدليل يثبت له ما ادعاه لا يحير جواباً، الا تحكما محضاً، لا حاصل وراءه. ولا يعلم إنه لا يجوز القائل أن يقول: هذا الكلام جيد أو رديء، إلا بعد أن يعتبر كل لفظة منه على انفرادها، ويعرض عليها تلك الصفات التي ذكرناها أولاً في كتابنا

стр. 65

هذا، فإذا رآها موجودة فيها أو بعضها، علم أنها حقيقة بأن تدخل في سبك التأليف. ثم يعود بعد ذلك ويعتبر مكانها من النظم، وكيف ممازجتها لجاراتها والتئامها مع أخواتها، فإذا وجدها شديدة المناسبة لها، حسنة الامتزاج معها، حكم على ذلك اللفظ بالجودة، وشهد له بالرونق والطلاوة، وإن كان الأمر بخلاف ذلك (حكم) عليه بالرداءة والقبح، على حسب ما استحق. والأصل في هذا كله حسن التأليف، وجودة التركيب، فإن حسن التأليف يزيد المعنى نباهة ويميل النفوس إلى استماعه، والإصغاء إليه، فإنه إذا كان المعنى سيئاً، وكان اللفظ جيداً مختاراً، ويكون التركيب مع ذلك رديئاً لم يوجد له يظهر عليه رونق. وإذا كان المعنى واللفظ وسطين، وكان تركيبها جيداً حسناً كان ذلك معلياً من قدرهما، ورافعاً من شأنهما. فمثال ذلك كالعقد المتوسط. ألا ترى إنه إذا أحسن تنضيده فجعلت كل قطعة مع يشاكلها، ويليق بها، كان رائقاً في المنظر وإن لم يكن مرتفعاً ثميناً. ومثال المعنى واللفظ الرائقين مع التركيب الرديء مثال عقد ثمين، أفسد نظمه، فجعلت كل قطعة منه مع ما ينافيها ولا يناسبها، فإنه يصير بذلك مختلاً في المنظر، وإن كان فائقاً ثميناً. وحسن التأليف: هو أن توضع الألفاظ في مواضعها وتجعل في أما كنها. وسوء التأليف بخلاف ذلك. ألا ترى إنه إذا قدم في التأليف ما يجب تأخيره، وأخر ما يجب تقديمه تصير المعاني نافرة عن مواضعها، محولة عن وجوهها؟ ومثال ذلك كالصورة التي تحول بعض أعضائها إلى موضع بعض، فتحول الرأس إلى موضع اليد أو الرجل أو غير ذلك، فإنه إذا فعل هذا قبحت الصورة، وفسدت هيئتها الجميلة الحسنة. فاعرف ذلك، فإنه لم يقل: (لفظة متمكنة مرضية) وفي خلافها (قلقلة مستكرهة) إلا والغرض بالتمكن حسن الاتفاق بين الألفاظ بعضها مع بعض، وبالقلق سوء الملاءمة وأنها لم توافق صواحبها. وهل تشك أيها

стр. 66

المتأمل لكتابنا هذا، إذا فكرت في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) أنك لم تجد ما وجدت لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة، والفضيلة الزائدة، إلا لأمر يرجع إلى ارتباط بعضها ببعض، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن الوافر، والشرف الكامل إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها. وأن الفضل حصل من امتزاجها وتلاؤمها. فإن لحقك في ذلك أدنى شك فتأمل هل ترى لفظة منها، لو أخذت من مكانها، وأفردت من بين أخواتها، كانت مؤدية من الحسن ما تؤديه وهي في موضعها من الآية؟ فصح لنا من هذا القول أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي مفردة فقط. ومن أدل الدليل على ذلك، أن ألفاظ القرآن الكريم قد نطق بها العرب قبل نزوله على النبي، ﷺ ، وليس فيه لفظة من الألفاظ (إلا) وقد تكلموا بها، وجاءت عنهم. ولولا ذلك لما كان عربياً، لأنه لما نزل على لغة القوم وكلامهم، ونحن قد رأينا القرآن الكريم يفوق جميع كلامهم، ويعلو عليه مع كونه وارداً على لغتهم قد تكلموا بألفاظه ونطقوا بها، ثبت لنا من ذلك أن ألفاظ القرآن الكريم إنما تفضل سائر الكلام من حيث تركيبها ونظمها. وهي من حيث الانفراد مساوية لكلام العرب، حيث هي عين ألفاظهم ونفس كلامهم. وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب، فاعرفه. ومما يشهد بذلك ويؤيده، أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، وتزداد بها إعجاباً واستحساناً، ثم تراها في كلام آخر، فتثقل عليك وتستكرهها. مثال ذلك أن لفظة الأخدع، قد جاءت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما لائقة حسنة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمة بن عبد الله بن طفيل في الحماسة:

стр. 67

تلفَّت نحو الحي حتى وجدتني ... وَجِعْتُ من الإصغاء ليتاً وأخدعا وكقول أبي تمام: يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خُرُقك ألا ترى إنه قد وجد لهذه اللفظة ببيت أبي تمام من الثقل على النفس والكراهة أضعاف ما وجد لها في بيت الحماسة من الروح والخفة والإيناس والبهجة؟ وهذا مما لا يمكن النزاع فيه لظهوره، وسيأتي له باب مفرد في الكلام على الصناعة اللفظة. فعليك أيها المترشح لهذه الصناعة أن تراعي في كلامك هذه الدقائق الشريفة، والنكت اللطيفة، فإن لصناعة التأليف غوراً لا يدرك منهاه، ومذهباً لا يوصل إلى مداه.

стр. 68

الباب الثاني من الفن الثاني من القطب الأول في الكلام على المعاني اعلم أن المعاني على ضربين: أحدهما يبتدعه صاحب الصناعة، من غير أن يكون له فيه إمام يقتدى به، أو رسوم قائمة، في أمثلة يعمل عليها. وهذا الضرب مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الظارئة؛ والآخر ما يحتذيه على مثال تقدم، ورسم سبق. وينبغي للمؤلف أن يطلب الإصابة في كلا الأمرين، ويتوخى فيها الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة. ولا يتكل فيما يبتكره من المعاني على فضيلة السبق، ولا يغتر بمزية الإبداع، فيتسامح في تهجين صورته. فإنه إذا فعل ذلك ذهب حسنه، وانطمس نوره. ويكون فيه إلى الذم أقرب منه إلى الحمد. وينبغي أن يستيقن المؤلف ويتحقق، أن المعاني أشرف من الألفاظ؛ والدليل على ذلك ما أذكره: وهو أنا لو خلعنا من هذه الألفاظ دلالتها على المعاني، لما كان شيء منها أحق بالتقديم من شيء، بل كانت بمنزلة أصداء الأجسام والأصوات الناشئة عنها؛ ويزيد ما ذكرناه وضوحاً، أن هذه الصناعة من النظم والنثر، التي يتواصفها البلغاء بينهم، وتتفاضل بها مراتب البلاغة، إنما هي شيء يستعان عليه بتدقيق الفكرة، وكثرة الروية والتدبر. ومن المعلوم أن الذي يستخرج بالفكرة، وينعم فيه النظر، إنما هو المعنى دون اللفظ؛ لأن اللفظ يكون معروفاً عند أرباب صناعة التأليف دائراً فيما بينهم، والمعنى قد يبتدع؛ فيذكر

стр. 69

المؤلف معنى لم يسبق إليه، وذلك إنما يكون تحادثاً عن الفكرة الصحيحة، والطبع السليم، فإن الذي تخرج فيه صنعتك، وتقع فيه صياغتك هو المعنى. ولهذا كان جماعة المؤلفين يشتركون في معرفة الجيد من الألفاظ، وإنما التفاوت يقع بينهم في المعاني. لأن الألفاظ الجيدة يستعملها جميعهم، ولا يكاد أحدهم يفوت الآخر فيها. وأما المعاني فإنه قد يبتكر المؤلف المعنى من نفسه، وينتحله من ذاته؛ وذلك كثير لا يحصى. فصح من هذا الوجه، أن المعاني أشرف من الألفاظ وأنبل. واعلم أن شرف المعنى وعلوه، وسقوطه واستفاله، من نتائج علو الهمة وسقوطها. وقد حكي أن أشرف كلام قالته العرب: (القتل أنفى للقتل). ومن المعلوم أن هذا الكلام ليس فيه من الألفاظ البديعة الرائعة ما يرفعه إلى منزلة يكون بها أشرف كلام قالته العرب؛ حتى إنهم جعلوه في مقابلة قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة). لا بل في لفظه من الثقل، بسبب تكراره مالا خفاء به. ومع هذا فأنا نجد من كلامهم ما ألفاظه تطرب الأسماع، وتأخذ بمجامع القلوب، وذلك أكثر من أن يحصى، وهو لا يكون بمنزلة قولهم: (القتل أنفى للقتل) فصح حينئذ أن فخامة هذا الكلام، وعلو منزلته، إنما هي لأمر يرجع إلى جلالة المعنى المندرج تحته، وشرف قدره. وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة، يجعلون همهم مقصورة على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها. وإذا قال أحدهم سجعتين أو ثلاثاً، يعتقد إنه قد أنى بأمر عظيم، فإذا أنكرت هذه الحال عليهم، يقولون: لنا أسوة بالعرب، الذين هم أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة، فإنهم اعتنوا بالألفاظ، ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءهم بها. ألا ترى إلى جهل هؤلاء القوم، فانهم لم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه من ذلك، حتى إنهم ادعوا أن العرب مثلهم، فصارت جهالتهم جهالتين.

стр. 70

ولنذكر هاهنا ما إذا تأمله الناظر في كتابنا هذا عرف ما يوثقه، ويذهب به (في) الاستحسان كل مذهب فنقول: إن العرب لما كانت تعتني بألفاظها، فتصلحها، وتهذبها، وتراعيها، وتلاحظ أحكامها بالنظم تارة بالنثر أخرى، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها وأفخم قدراً في نفوسها. فأول ذلك عنايتها بألفاظها لأنها (لما) كانت عنوان حاجتها، وطريقاً إلى إظهار أغراضها أصلحوها ورتبوها، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد. ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعاً (لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعاً) لم يأنس به أنسه (في) حالة السجع. فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها، ورققوا حواشيها، ونمقوا أطرافها، وصقلوا غروبها، فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها. ونظير ذلك إصلاح الوعاء وإحكامه، وإنما المبغي بذلك الاحتياط للموعى، لئلا يتغير جوهره، فأنا قد نجد من المعاني الفاخرة السامية ما نجد من طلاوته. وبلادة لفظه تضع من رونقه لسوء العبارة عنه، فإن قيل: إنا نرى من ألفاظهم ما قد نمقوه. وزخرفوه وربجوه، ولسنا نرى مع ذلك تحته معنى شريفاً، فمما جاء منه قول بعضهم: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسَّح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ، ومائه وصقاله، وتدبيج أجزائه!؟ ومعناه مع ذلك ليس مدانياً له مقارباً، فإنه إنما هو (لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين، وتحدثنا على ظهور الإبل. . .) ولهذا نظائر كثيرة، شريفة الألفاظ مشروفة المعاني. وفيما أشرنا إليه كفاية

стр. 71

للمتأمل. الجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر، ولا رأى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته. وهو أن في قول هذا الشاعر (كل حاجة) مما يستفيد منه أهل السبب والأهواء والرقة والمقة ما لا يستفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم. ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة، فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به. فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه، يقوله في آخر البيت (ومسح بالأركان من هو ماسح) أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجار في القرية من الله تعالى مجراه، أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت، من التعريض الجاري مجرى التصريح. وأما البيت الثاني فإن فيه (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وفي هذا ما نذكره لتراه فتحجب ممن عجب منه، ووضع من معناه، وذلك إنه لو قال: (أخذنا في أحاديثنا أو نحو ذلك) لكان فيه معنى بكيره أهل النسب، وذلك أنهم قد شاع عنهم وانسح في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الألفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين. ألا ترى قول بعضهم: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنوباً فزدني من حديثك يا سعد وقول الآخر: وحديثها السحر الحلال لو إنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرِّزِ فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله: (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وذلك أن في قوله: (بأطراف الأحاديث بيننا) وحياً خفيا ورمزاً حلواً؟. ألا ترى إنه قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من

стр. 72

التعريض والتلويح والايماه، دون التصريح. وذلك أحلى وأدمث وأغزل، وأنسب من أن يكون كشفاً ومصارحة وجهراً. وإذا كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشد تقدماً في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب موقعه ولذ سمعه. نعم، في قول هذا الشاعر (وسالت بأعناق المطي الأباطح) من الرشاقة واللطافة مالا خفاء به فالعرب إنما تحلي ألفاظها وتدبجها، وتوشيها وتزخرفها، عناية منها بالمعاني التي تحتها، أو توصلا بها إلى إدراك مطالبها. فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك.

стр. 73

الباب الثالث من الفن الثاني من القطب الأول في تفضيل الكلام المنثور على المنظوم واعلم أن الأقوال متعارضة في تفضيل كل واحد من هذين القسمين على الآخر، إلا أن المذهب الفحل والقول القوي هو أن الكلام المنثور أفضل من الكلام المنظوم، والدليل على ذلك من أربعة أوجه: (الأول) أن القرآن الكريم ورد نثراً، ولولا فضله وعلو درجته، لما نزل كتاب الله على أسلوبه ونهجه، وأيضاً، فإن القرآن معجزة الرسول ﷺ ومن المعلوم أن المعجزات لا تجيء إلا من طريق الأصعب، بحيث إنه لا يمكن أحداً من خلق الله الوصول إليها، والإتيان بمثلها. ولما كان النثر من الأقوال الشاقة، والأشياء المتصعبة، أنزل الله تعالى القرآن، الذي هو معجزة، على قانونه. ومما يدلك على أن النثر أشق من النظم، وأصعب مأخذاً، هو أن العرب كانوا أفصح الناس، وأبلغهم وأكثرهم قدرة على التفنن في الكلام، زعم هذا فلم نسمع لأحد منهم نثراً، إلا قس بن ساعدة، الذي يضرب بكلامه المثل في الفصاحة والبلاغة، ولأقوام آخرين وهم قليل. وأما النظم، فإن جميع العرب كانوا يقولونه وكان عليهم من أسهل الأشياء حتى على نسائهم.

стр. 74

وأيضاً، فإن أرباب النظم لو أريد حصرهم، بل حصر أهل عصر واحد لتعذر حصول ذلك، فكيف حصر جميعهم؟ وليس سبب هذا إلا وعورة مسلك النثر وشرف منزلته، وأنه لا يناله إلا الأفراد من الفضلاء، فإن قيل: إذا كانت العرب لا تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، فليس ذلك دليلاً على أن النثر أصعب من النظم بل الأمر بالعكس من ذلك، وهو: أن النثر لما كان سهلاً عند العرب هيناً، والنظم شاقاً عليهم مستصعباً، عمدوا إلى الأصعب وتركوا الأسهل؛ لأنهم إنما كان غرضهم إظهار قوتهم في البلاغة والفصاحة، وإذا كان ذلك فيما هو أشق مسلكاً وأوعر مذهباً، كان أدل على نمكنهم من الكلام. وأما النثر، فما كان عندهم بمنزلة ما يرغبون فيه، ويتنافسون عليه؛ لسهولته عندهم! ولهذا لم يعتنوا به ويكثروا منه، كما فعلوا في النظم! وأما قولك: إن القرآن الكريم ورد نثراً، وتفضيلك النثر على النظم، لأن الله تعالى إنما أنزل القرآن ليكون آية لرسوله ﷺ ، ومعجزة على يده، ليفحم به أولئك الفصحاء والبلغاء من العرب، لأنهم كانوا أرباب الفصاحة والبلاغة، وحيث كان النثر سهلاً عندهم يسيراً عليهم أنزل الله تعالى القرآن على أسلوبه ليعجزهم، بما هو أسهل عليهم من غيره، ليكون ذلك أعظم في الإعجاز. وأبلغ الجواب عن ذلك أنا نقول أن هذا الذي ذكرته من أن النثر، كان أسهل على العرب من النظم، واستدلالك عليه بقلة رغبتهم فيه، واعتنائهم به، فليس ذلك دليلاً لك، بل هو دليل لنا دونك. وذاك إنه قد ثبت بإجماع منا أن العرب لم تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مكثراً من شيء أستدل بذلك على قدرته عليه، و (عدم) قصوره عن الوصول إليه. ولا يقال بأن إكثاره من هذا الشيء دليل على تعذره عليه، لأنه لو كان متعذراً عليه لما قدر على الإكثار منه، ولذلك لا يقال أيضاً: أن تقليله من هذا الشيء دليل على سهولته عنده لما أقل منه، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه بحال من الأحوال. وأما قولك: إن النثر لما كان عند العرب أسهل من النظم، أنزل الله تعالى القرآن الكريم

стр. 75

على أسلوبه، ليعجزهم بما هو أسهل عليهم من غيره، فيكون ذلك أدل على الإعجاز من كونه يجيء على أسلوب الأشق الأصعب. فالجواب عن ذلك أنا نقول: قد ثبت أن المعجزات التي على أيدي الأنبياء - صلوات الله عليهم - لم تأت مما كان سهلاً على أممهم، لأنهم إنما جاءوا بإحياء الأموات، وانشقاق البحر وانفجار الماء من الحجر، وما جرى هذا المجرى، وهذا الحكم أيضاً موجود في النثر، فإنه لما كان شاقاً على العرب، وليس فيهم من يقدر على الإتيان به إلا القليل، أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نهجه وطريقة، لتكون المعجزة مناسبة لما جاءت (فيه). وذلك أن النثر من حيث ذاته أمر شاق مستصعب، وانضاق إلى ذلك كونه من عند الله تعالى فصار معجزاً بالضرورة، فاعرف ذلك. وأما الوجه الشافي فهو: أن النثر ينوب مناب النظم، ولا ينوب النظم مناب النثر وذلك إنه إذا أخذ معنى من المعاني، وعبر عنه بلفظ مطابق له، وكان ذلك الكلام منثوراً، فإنه لا يمكن التعبير بمقدار ذلك اللفظ، ويكون الكلام شعراً، وذلك إنه يحتاج في الشعر إلى إقامة الوزن، وهذا لا يتم إلا بزيارة لفظ، أو نقصان لفظ، وإذا زيد على ذلك شيء صار في الكلام مالا حاجة فيه، إذ المعنى كان يصح بدونه، وإن نقص منه شيء صار المعنى ناقصاً عما كان عليه في الأول. وأما الوجه الثالث: فهو أن النثر لا ينال الا بعد تحصيل آلاته المذكورة في صدر كتابنا هذا أو بعضها. وذلك بخلاف النظم، فإنه قد يقوله من لم يحصل من آلاته شيئاً البتة. وكثيراً ما رأينا ممن يقول الشعر الحسن، ويصيب في معانيه، ويجيد ألفاظه، وهو لا يعرف من آلات التأليف شيئاً، كالسوقة والعامة من أرباب الحرف والصنائع. وأما الوجه الرابع: فهو أن النائر تعلو درجته حتى ينال الوزارة للخلفاء والملوك. وأما الشاعر فلا تعلو درجته عن رتبة المستعطين، ومنزلة الطالبين لما في أيدي الناس. ولولا فضل النائر وما عرف من شرف صنعته والحاجة إليها، لما رقي إلى درجة الوزارة. وكذلك الشاعر؛ فلولا كساد صنعته والاستغناء عنها، لعلت درجته وارتفعت منزلته، ولما كان في طول عمره كلاً على الناس، وهذا شيء مطرد لم يزل. وقد شوهد رأي العين، فلا يمكن النزاع فيه يحال من الأحوال.
следующие страницы →