Полный текст (274 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
للمتأمل. الجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر، ولا رأى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته. وهو أن في قول هذا الشاعر (كل حاجة) مما يستفيد
منه أهل السبب والأهواء والرقة والمقة ما لا يستفيده غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم. ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة، فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له، ومعقود الكون به. فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ إليه وعقد غرضه عليه، يقوله في آخر البيت (ومسح بالأركان من هو ماسح) أي إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجار في القرية من الله تعالى مجراه، أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت، من التعريض الجاري مجرى التصريح. وأما البيت الثاني فإن فيه (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وفي هذا ما نذكره لتراه فتحجب ممن عجب منه، ووضع من معناه، وذلك إنه لو قال: (أخذنا في أحاديثنا أو نحو ذلك) لكان فيه معنى بكيره أهل النسب، وذلك أنهم قد شاع عنهم وانسح في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الألفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين. ألا ترى قول بعضهم:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنوباً فزدني من حديثك يا سعد
وقول الآخر:
وحديثها السحر الحلال لو إنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرِّزِ
فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيده بقوله: (أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا) وذلك أن في قوله: (بأطراف الأحاديث بيننا) وحياً خفيا ورمزاً حلواً؟. ألا ترى إنه قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من
стр. 72
التعريض والتلويح والايماه، دون التصريح. وذلك أحلى وأدمث وأغزل، وأنسب من أن يكون كشفاً ومصارحة وجهراً. وإذا كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم وأشد تقدماً في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب موقعه ولذ سمعه. نعم، في قول هذا الشاعر (وسالت بأعناق المطي الأباطح) من
الرشاقة واللطافة مالا خفاء به فالعرب إنما تحلي ألفاظها وتدبجها، وتوشيها وتزخرفها، عناية منها بالمعاني التي تحتها، أو توصلا بها إلى إدراك مطالبها. فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك.
стр. 73
الباب الثالث من الفن الثاني من القطب الأول
في تفضيل الكلام المنثور على المنظوم
واعلم أن الأقوال متعارضة في تفضيل كل واحد من هذين القسمين على الآخر، إلا أن المذهب الفحل والقول القوي هو أن الكلام المنثور أفضل من الكلام المنظوم، والدليل على ذلك من أربعة أوجه:
(الأول) أن القرآن الكريم ورد نثراً، ولولا فضله وعلو درجته، لما نزل كتاب الله على أسلوبه ونهجه، وأيضاً، فإن القرآن معجزة الرسول ﷺ ومن المعلوم أن المعجزات لا تجيء إلا من طريق الأصعب، بحيث إنه لا يمكن أحداً من خلق الله الوصول إليها، والإتيان بمثلها. ولما كان النثر من الأقوال الشاقة، والأشياء المتصعبة، أنزل الله تعالى القرآن، الذي هو معجزة، على قانونه.
ومما يدلك على أن النثر أشق من النظم، وأصعب مأخذاً، هو أن العرب كانوا أفصح الناس، وأبلغهم وأكثرهم قدرة على التفنن في الكلام، زعم هذا فلم نسمع لأحد منهم نثراً، إلا قس بن ساعدة، الذي يضرب بكلامه المثل في الفصاحة والبلاغة، ولأقوام آخرين وهم قليل.
وأما النظم، فإن جميع العرب كانوا يقولونه وكان عليهم من أسهل الأشياء حتى على نسائهم.
стр. 74
وأيضاً، فإن أرباب النظم لو أريد حصرهم، بل حصر أهل عصر واحد لتعذر
حصول ذلك، فكيف حصر جميعهم؟ وليس سبب هذا إلا وعورة مسلك النثر وشرف منزلته، وأنه لا يناله إلا الأفراد من الفضلاء، فإن قيل: إذا كانت العرب لا تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، فليس ذلك دليلاً على أن النثر أصعب من النظم بل الأمر بالعكس من ذلك، وهو: أن النثر لما كان سهلاً عند العرب هيناً، والنظم شاقاً عليهم مستصعباً، عمدوا إلى الأصعب وتركوا الأسهل؛ لأنهم إنما كان غرضهم إظهار قوتهم في البلاغة والفصاحة، وإذا كان ذلك فيما هو أشق مسلكاً وأوعر مذهباً، كان أدل على نمكنهم من الكلام. وأما النثر، فما كان عندهم بمنزلة ما يرغبون فيه، ويتنافسون عليه؛ لسهولته عندهم! ولهذا لم يعتنوا به ويكثروا منه، كما فعلوا في النظم! وأما قولك: إن القرآن الكريم ورد نثراً، وتفضيلك النثر على النظم، لأن الله تعالى إنما أنزل القرآن ليكون آية لرسوله ﷺ ، ومعجزة على يده، ليفحم به أولئك الفصحاء والبلغاء من العرب، لأنهم كانوا أرباب الفصاحة والبلاغة، وحيث كان النثر سهلاً عندهم يسيراً عليهم أنزل الله تعالى القرآن على أسلوبه ليعجزهم، بما هو أسهل عليهم من غيره، ليكون ذلك أعظم في الإعجاز. وأبلغ الجواب عن ذلك أنا نقول أن هذا الذي ذكرته من أن النثر، كان أسهل على العرب من النظم، واستدلالك عليه بقلة رغبتهم فيه، واعتنائهم به، فليس ذلك دليلاً لك، بل هو دليل لنا دونك. وذاك إنه قد ثبت بإجماع منا أن العرب لم تكثر من النثر، وأكثرت من النظم، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مكثراً من شيء أستدل بذلك على قدرته عليه، و (عدم) قصوره عن الوصول إليه. ولا يقال بأن إكثاره من هذا الشيء دليل على تعذره عليه، لأنه لو كان متعذراً عليه لما قدر على الإكثار منه، ولذلك لا يقال أيضاً: أن تقليله من هذا الشيء دليل على سهولته عنده لما أقل منه، وهذا مما لا يمكن النزاع فيه بحال من الأحوال.
وأما قولك: إن النثر لما كان عند العرب أسهل من النظم، أنزل الله تعالى القرآن الكريم
стр. 75
على أسلوبه، ليعجزهم بما هو أسهل عليهم من غيره، فيكون ذلك أدل على الإعجاز من كونه يجيء على أسلوب الأشق الأصعب. فالجواب عن ذلك أنا نقول: قد ثبت أن المعجزات التي على أيدي الأنبياء - صلوات الله عليهم - لم تأت مما كان سهلاً على أممهم، لأنهم إنما جاءوا بإحياء الأموات، وانشقاق البحر وانفجار الماء من الحجر، وما جرى هذا المجرى، وهذا الحكم أيضاً موجود في النثر، فإنه لما كان شاقاً على العرب، وليس فيهم من يقدر على الإتيان به إلا القليل، أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نهجه وطريقة، لتكون المعجزة مناسبة لما جاءت (فيه). وذلك أن النثر من حيث ذاته أمر شاق مستصعب، وانضاق إلى ذلك كونه من عند الله تعالى فصار معجزاً بالضرورة، فاعرف ذلك.
وأما الوجه الشافي فهو: أن النثر ينوب مناب النظم، ولا ينوب النظم مناب النثر وذلك إنه إذا أخذ معنى من المعاني، وعبر عنه بلفظ مطابق له، وكان ذلك الكلام منثوراً، فإنه لا يمكن التعبير بمقدار ذلك اللفظ، ويكون الكلام شعراً، وذلك إنه يحتاج في الشعر إلى إقامة الوزن، وهذا لا يتم إلا بزيارة لفظ، أو نقصان لفظ، وإذا زيد على ذلك شيء صار في الكلام مالا حاجة فيه، إذ المعنى كان يصح بدونه، وإن نقص منه شيء صار المعنى ناقصاً عما كان عليه في الأول.
وأما الوجه الثالث: فهو أن النثر لا ينال الا بعد تحصيل آلاته المذكورة في صدر كتابنا هذا أو بعضها. وذلك بخلاف النظم، فإنه قد يقوله من لم يحصل من آلاته شيئاً البتة. وكثيراً ما رأينا ممن يقول الشعر الحسن، ويصيب في معانيه، ويجيد ألفاظه، وهو لا يعرف من آلات التأليف شيئاً، كالسوقة والعامة من أرباب الحرف والصنائع.
وأما الوجه الرابع: فهو أن النائر تعلو درجته حتى ينال الوزارة للخلفاء والملوك.
وأما الشاعر فلا تعلو درجته عن رتبة المستعطين، ومنزلة الطالبين لما في أيدي الناس. ولولا فضل النائر وما عرف من شرف صنعته والحاجة إليها، لما رقي إلى درجة الوزارة. وكذلك الشاعر؛ فلولا كساد صنعته والاستغناء عنها، لعلت درجته وارتفعت منزلته، ولما كان في طول عمره كلاً على الناس، وهذا شيء مطرد لم يزل. وقد شوهد رأي العين، فلا يمكن النزاع فيه يحال من الأحوال.
стр. 76
القطب الثاني في
الأشياء الخاصة
وهو فنان:
الفن الأول في الفصاحة والبلاغة
اعلم أن هذا باب غامض، متعذر على الوالج، ومسلك وعر، مستصعب على الناهج. ولم يزل الناس من قديم الوقت، وهلم جراً، يتهافتون على الخوض فيه، والغوص عليه، وهم مع كثرة طلبهم لمعرفته، وتوفر حرصهم على الإحاطة به، لا يظفرون منه إلا كنغبة طائر أو قطرة من بحر زاخر. وقد قال بعض المصنفين من العلماء: (لم أزل منذ خدمت أهل العلم، انظر فيما قالوه في معنى الفصاحة والبلاغة، وأستكشف عن المعنى في ذلك، فلا أجد إلا كالرمز والاشارة، ولا أقف فيه على قول شاف، ولا كلام كاف. فلما رأيت الأمر كذلك، علمت إنه لا يكفي في معرفة هذا العلم العظيم، الذي كان به إعجاز القرآن الكريم، قول مهمل، ولا كلام مجمل. بل لا تتم معرفته حتى يفصل فيه القول، ويدل على الخصائص التي تأتي في تأليف الكلام، ويوضح إيضاحاً جلياً من غير مغادرة لشيء من ذلك، حتى تكون المعرفة بهذا العلم كمعرفة الصانع الحاذق، الذي يعلم كل هدبة منسوجة من الابريسم في الثوب الديباج، وكل حجر من الأحجار الداخلة في البناء، فأنك إذا نظرت إلى هذا العلم الشريف احتجت عند ذلك إلى طول مكث وتدبر، وكثرة تأمل وتفكر، والى همة تأبى أن تقنع إلا بأعلى المنازل، وأسمى المراتب. ومتى جشمت
стр. 77
نفسك حول هذا المرام البعيد، وكلفتها صعود هذا المرمى النازح، فقد أممت أمراً عظيماً، وتعرضت لخطب جسيم) وفقنا الله وإياكم لمواقع الصواب.
ولنرجع إلى ما هو غرضنا ومهمنا من ذكر الفصاحة والبلاغة، والكشف عن حقيقتها واختصاصهما، فنقول: اعلم أن أصل الفصاحة في وضع اللغة: الظهور والبيان؛ يقال: أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه وأسفر، وأفصح فلان عما في نفسه: إذا أظهره، وإنما سمي اللفظ فصيحاً لأنه يبين المقصود، ويوضح المعنى المندرج تحته.
والفصاحة: اسم عام يشمل المفرد من اللفظ والمركب، وإنما كان الأمر كذلك لأن واضع اللغة إنما وضع الألفاظ مفردة لا مركبة، فالفصاحة شملت أولا المفردة، وإذا شملت المفردة فمن الضرورة شمولها للمركبة؛ لأن المركبة مجتمعة من المفردة. وكل مركب كانت أجزاؤه ذات صفة هي فيها متساوية فتلك الصفة تعمه لا محالة.
واعلم أيضاً أن الفصاحة أمر إضافي كالحسن والقبح. والكلام الفصيح ليس كلاماً مخصوصاً بعينه، بل كل من فهم كلاماً وعرفه فهو فصيح بالنسبة إليه، ظاهر عنده، وواضح لديه. ومما يقوي هذا القول، أن اللفظ الذي لا نعده نحن في زماننا هذا فصيحاً، ونكرهه مشتهراً. ولولا ذلك لما أوردوه في كلامهم، فإن معظم أشعار العرب ومن يليهم من المحدثين مشحونة ومملوءة منه. ولو استعمل في زماننا هذا لاستنكر واستبشع، وحكم على قائله بالجهل والتعسف. ورأينا أبا محمد بن سنان الخفاجي قد قال في كتابه: إن الفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ. ثم إنه قسم الشروط إلى قسمين، أحدهما يوجد في اللفظة المفردة، والآخر يوجد في الألفاظ المركبة، وجعل ما يختص باللفظة المفردة منقسماً إلى ثمانية أقسام، كتباعد مخارج
стр. 78
الحروف، وأن لا تكون الكلمة وحشية ولا متوعرة، وغير ذلك مما أورده وذكره في كتابه. وفي هذا نظر وقفنا عليه الفكر والروية، وذلك إنه قد جعل
صفات اللفظة التي تكون بها ذات مزية وحسن هي الفصاحة، وخالف بذلك نص العرب، لأنهم قالوا: إن اللفظ الفصيح هو الظاهر الواضح، ولم يقولوا: إنه المتباعد مخارج الحروف، ولا الذي ليس وحشياً ولا متوعراً، ولا غبر ذلك مما ذكره أبو محمد بن سنان. ولهذا تطرق إلى كلامه الخلل، وذاك إنه نقل الفصاحة عن حقيقتها التي وضعت لها في أصل اللغة، بأن علقها على هذه الشروط التي ذكرها، وجعل وجودها موقوفاً على وجود تلك الشروط، و (إذا نقص) بعضها لا تكون فصيحة وحقيقتها أن تكون فصيحة، وهذا من أعجب الأشياء فليتأمل.
وأيضاً فإن أبا محمد بن سنان قد ذكر في كتابه، من جملة الأقسام الثمانية، قسماً وهو أن لا تكون الكلمة قد عبر بها عن معنى بكره ذكره، فإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، كقول عروة بن الورد:
(و) قلت لقوم في الكنيفِ تروَّحوا ... عشية بتنا عند ما وانِ رُزّحِ
قال (الكنيف) أصله الساتر، ومنه قيل للترس (كنيف) غير إنه قد استعمل في الآبار التي تستر الحدث وشهر بها فأنا اكرهه لذلك. هذا حكاية كلام أبي محمد بن سنان الخفاجي. ولنا عليه اعتراض، وهو أنا نقول: إذا كان قد جعل الفصاحة مقصورة على الألفاظ فكيف عاد نقص ما ادعاه بهذا القول، فإنه إنما أنكر من هذه اللفظة التي هي الكنيف ما تضمنته من المعنى فقط. وإلا فإذا اعتبر لفظها ومخارج حروفها، من غير نظر إلى المعنى المندرج تحتها، لم يوجد لها قبح ولا كراهة، لأن مخارج الحروف التي تألف منها متباعدة، فمخرج الكاف
стр. 79
دون مخرج القاف الذي هو من أقصى اللسان، ومخرج النون من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا السفلى، ومخرج الياء من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك، ومخرج الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا. ومع هذا فإذا نقلت هذه اللفظة التي قد استقبحت هاهنا، إلى موضع آخر صار ذلك القبح حسناً كقولك: (أنا في
كنف فلان) أي في ذراه، وتحت ظله. فصح حينئذ من فحوى كلام أبي محمد بن سنان إنه نقض ما ادعاه أولاً، من أن الفصاحة نعت للألفاظ، بما ذكرناه من شروطها الثمانية، التي من جملتها هذا القسم المأخوذ عليه، وهو مما يختص بالمعنى دون اللفظ، وتناقض كلام مثل ذلك الإمام المشهور في هذه الصناعة عجيب. عصمنا الله وإياكم من الزلل وهدانا إلى طريق الصواب.
وأما البلاغة، فإن أصلها (في) وضع اللغة: الوصول والإنهاء، يقال: بلغت المكان إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء: منتهاه. وسمي الكلام بليغاً من ذلك، أي إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. وذلك أن له أوصافاً ثلاثة يعرف بها، فمتى عري من واحد منها نقص عن درجة البلاغة، فلا يسمى بليغاً، وهي أن يكون معناه مقيداً، ويكون لفظة فصيحاً، ويكون غير زائد على المعنى المندرج تحته، فيلزم على هذا أن يكون كل كلام بليغ فصيحاً وليس كل كلام فصيح بليغاً.
واعلم أن البلاغة نعم الكلام مركباً لا مفرداً، وإنما كانت كذلك لأن المفرد لا يكون مفيداً، وما ليس بمفيد فلا يسمى بليغاً.
وأيضاً فإن اللفظة المفردة برأسها، إذا وردت في الكلام لا يراد بها إلا معنى واحد من غير زيادة. (و) في الكلام ما يزيد معناه على لفظه، وذلك إنما يكون مركباً لا مفرداً.
وأما اختصاص الفصاحة والبلاغة، فإن أبا محمد بن سنان الخفاجي ذكر ذلك في كتابه فقال: إن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفاً للألفاظ مع
стр. 80
المعاني. ثم إنه لم يورد على ذلك دليلاً بل أجمل القول فيه كما قد ذكرناه. فإن هذا حكاية لكلامه بعينه. فلما وقفنا نحن على ما أومأ إليه، سنح لنا في أثنائه دليل، وهو أنا نقول: قد ثبت لنا أن أصل الفصاحة في وضع اللغة: الظهور والبيان، والفصيح: هو الظاهر، وهو اسم فاعل من فصح مطرد في بابه،
يقال: (كرم فهو كريم) و (ظرف فهو ظريف) و (وشرف فهو شريف) و (فصح الكلام فهو فصيح) وكذلك ما جرى هذا المجرى. فوزن فعيل: هو اسم فاعل من (فعل)، وهذه قاعدة مستمرة في ذلك.
وقد ثبت لنا أيضاً، أن المعنى لا يكون مظهراً لنفسه، ولا موضحاً عن ذاته، إذ المعاني جميعها قائمة بالنفس، وإنما اللفظ يظهرها ويبينها فهو إذا فاعل البيان والإيضاح، وهذه أيضاً قاعدة مسلمة، لا خلاف فيها بحال من الأحوال. فلما كان اللفظ هو الفاعل للبيان والإيضاح، وكان الفصيح اسم فاعل من فصح، أي بان واتضح، وجب حينئذ أن يكون اسماً للفظ، مختصاً به. فاعرف ذلك.
فإن قيل: القياس يقتضي أن الدليل الذي أوردته في الفصاحة يلزمك في البلاغة مثله، وهو أن وزن (بليغ) مثل وزن (فصيح) فكما أن فصيحاً اسم فاعل، كذلك يكون (بليغاً) أيضاً اسم فاعل، وإذا كان اللفظ فاعلاً للفصاحة فاختصت به، كذلك يكون اللفظ فاعلاً للبلاغة فيجب اختصاصها به.
الجواب عن ذلك أنا نقول: أما قولك: القياس يقتضي أن تكون البلاغة مختصة باللفظ، كما أن الفصاحة مختصة به، لتساوي البلاغة والفصاحة في الدليل الذي أوردناه من حيث إن بليغاً وفصيحاً على وزن واحد فإن هذا الذي ذكرته قياس وارد، ولكن من وجه، وذلك أنا نحن لم نستدل على أن الفصاحة تخص اللفظ بوزن (فعيل) الذي هو اسم الفاعل فقط، وإنما استدللنا على أن الفصاحة تخص اللفظ من حيث كان أصلها في وضع اللغة الظهور والبيان. وانضاف إلى ذلك أنها على وزن (فعيل) الذي هو اسم فاعل من (فعل) نحو (فصح)
стр. 81
فهو (فصيح). فلما صح لنا هذان الأمران، ثبت لنا من مجموعها ما ادعيناه: من أن الفصاحة تخص اللفظ كما أريناك.
وأما البلاغة فلو كان أصلها في وضع اللغة (الظهور والبيان) كما هو أصل
الفصاحة، لصح لك ما ذكرته من الاعتراض. وإنما أصلها في وضع اللغة (من الوصول والانتهاء) لا غير، وعلى أصلك أيها المعترض فينبغي أن يكون كل ما هو على وزن (فعيل) مختصاً باللفظ نحو (شرف فهو شريف) و (ظرف فهو ظريف) و (كرم فهو كريم) وأمثال ذلك مما جرى هذا المجرى فالشرف إذا مختص باللفظ، وكذا الظرف والكرم، وهذا من أعجب الأشياء، فليتأمل.
وأيضاً، فقد بينا أن للبلاغة أو صافاً ثلاثة، لا يسمى الكلام بليغاً إلا بمجموعها. ومتى عري من واحد منها فليس ببليغ. فالأول منها يتعلق بالمعنى، وهو الإفادة. والثاني يتعلق باللفظ والمعنى كليهما، وهو أن يكون اللفظ غير زائد على المعنى. والثالث يتعلق باللفظ وهو الفصاحة، لأن الكلام لا يطلق عليه اسم البلاغة حتى يكون فصيحاً. فالفصاحة إذا شرط في البلاغة لا تتم إلا به. فلما كانت الحال كذلك وجب أن تعم البلاغة اللفظ والمعنى معاً.
وأما الفصاحة فليست كذلك؛ لأنها محض إبانة ووضوح فقط، وذلك يتعلق باللفظ بموجب الدليل الذي قدمنا ذكره. فتدير ما أشرنا إليه، وتصفح مطاويه، وفي ذلك كفاية.
стр. 82
الفن الثاني من القطب الثاني في
ذكر أصناف علم البيان وانقساماتها
وهو بابان:
الباب الأول في الصناعة المعنوية
وينقسم إلى تسعة وعشرين نوعاً، وإنما قدمنا ذكر المعاني على الألفاظ؛ لأن المعاني هي التي تقرر أولاً في النفس وترتب في القلوب، ثم يطلب لها بعد ذلك ألفاظ تعرب عنها، وتدل عليها ولأن المعاني أشرف من الألفاظ وأعلى محلاً. فاعرف ذلك.
النوع الأول في الاستعارة
وهو أن تريد تشبيه الشيء، فتدع الإفصاح بالتشبيه وإظهاره، وتجيء على اسم المشبه به وتجريه عليه كقولك: (رأيت رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء)، فتدع ذلك ونقول: (رأيت أسداً) وهذا يكون على ضربين: أحدهما: أن تجعل المشبه هو المشبه به، بأن تنزله وتسقط ذكر المشبه من البين كقولك: (رأيت أسداً) والثاني بأن تجعل المشبه به، خبراً عن المشبه في باب الاستعارة، وأورده جماعة العلماء مثل: قدامة، والجاحظ، وأبي هلال العسكري، والغانمي، وأبي محمد بن سنان الخفاجي في تصانيفهم في باب
стр. 83
الاستعارة. ولم يذكروا أن الأصل فيه تشبيه بليغ؛ فما أعلم هل ذلك لخفائه عليهم، أو أنهم عرفوه ولم يذكروه، وهو الأصل المقيس عليه في التشبيه، الذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان. وقد أوردناه نحن في كتابنا هذا في باب الاستعارة تشبهاً بالقوم، واستناناً بسنتهم؛ لأنهم السابقون في هذا الفن بالتصنيف، إلا أن موضعه باب التشبيه. فاعرف ذلك.
واعلم إنه قد أجمع الجمهور من العلماء على أن للاستعارة مزية وفضلاً على
حقيقتها؛ والسبب في ذلك أنك إذا قلت: (رأيت أسداً) كان لكلامك مزية، لا تكون إذا قلت: (رأيت رجلاً هو كالأسد سواء، في الشجاعة، وقوة القلب، وشدة البطش). وليست المزية التي تثبتها لهذا الجنس على الكلام المتروك على ظاهره، ولكنها في طريق إثباتك، لها وتقريرك إياها، معلومة من قرائن الأحوال، فليست المزية في قولك: (رأيت أسداً) إنه دل على شجاعة زائدة، وشدة وافرة، بل أنك أثبت للمستعار له الشجاعة الزائدة والشدة الوافرة، من وجه هي أبلغ وآكد، وأوجبتها له إيجاباً هو أشد وأقوى، لأنك أثبتها بالدلائل والشواهد. فإذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نيلاً، فإنهم لا يريدون الشجاعة والشدة وغير ذلك، وإنما يريدون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له، ويخبر بها عنه من طريق هو أشد وآكد. وسيأتي بيان ذلك في باب التشبيه مستوفى، إن شاء الله.
واعلم أن الاستعارة جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب (بيان) أحدهما بالآخر، ولا بد للاستعارة من ثلاثة أشياء: مستعار، ومستعار منه، ومستعار له، فاللفظ المستعار، قد نقل من أصل إلى فرع للإبانة. والمستعار منه والمستعار له، لفظان حمل أحدهما على الآخر في معنى من المعاني؛ هو حقيقي للمحمول عليه، مجازي للمحمول. مثال ذلك قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) فهذا مستعار، ومستعار منه، ومستعار له؛ فالمستعار هو الاشتعال،
стр. 84
وقد نقل الأصل الذي هو النار إلى الفرع الذي هو الشيب، قصداً للإبانة، وأما المستعار منه فهو النار والاشتعال لها حقيقة. وأما المستعار له فهو الشيب، والاشتعال له مجاز.
واعلم أن أبلغ الاستعارات ما ناب التشبيه منابها، وكلما زدت التشبيه فيها إخفاء ازدادت الاستعارة حسناً ورونقاً؛ حتى إنك تراها أعجب ما يكون، إذا كان الكلام ألف تأليفاً إن أردت أن تفصح فيه بالتشبيه خرجت إلى شيء يحط من درجته،
ويضع من قدره؛ ويدلنا على ذلك قول بعضهم.
أثمرتْ أغصان راحته ... لجُناةِ الحسن عنُابا
ألا ترى أنك لو كلفت نفسك أن تظهر التشبيه، وتفصح به احتجت إلى أن تقول: أثمرت أصابع يده التي هي كالأغصان، لطالب الحسن، شيه العناب من أطرافها المخضولة!؟
ومن له أدنى تشبث بهذه الصناعة، يعلم الفضيلة بين ما تضمنه هذا البيت من الاستعارة، وبين إظهاره إلى التشبيه. فاعرف ذلك وقس عليه.
وحيث انتهى بنا القول إلى هذا المقام، ونبهنا على هذه الأصول، فلنتبعها بما ينخرط في سلكها من الكلام على الجيد من الاستعارة؛ الذي يجب على المؤلف اُستعماله، والرديء الذي ينبغي له اُجتنابه والبعد عنه، فنقول: الاستعارة تنقسم قسمين:
الأول، يجب اُستعماله: وهو ما كان بينه وبين ما اُستعير له تشابه وتناسب، ولنضرب له أمثلة يستدل بها عليه: فمن ذلك قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار). وهذا الوصف إنما هو على ما يظهر للعين لا على حقيقة المعنى؛ لأن الليل والنهار اُسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه وإضاءته بغروب الشمس وطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما في رأي العين كأنهما كذلك. والسلخ يكون في الشيء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت هوادي الصبح عند طلوعه، كالملتحمة بأعجاز الليل، أجري عليهما اسم السلخ، وكان
стр. 85
ذلك لائقاً في بابه، وهو أولى من قوله (يخرج) لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهم من الإخراج، وذلك أن انسلاخ الشيء، هو أن يميز أحدهما من الآخر، ويزول عنه بالتدريج، حالاً فحالاً، كما ينسلخ جلد الشاة عنها. وكذلك انفصال الليل عن النهار. فانظر أيها المتأمل لهذه الاستعارة، شدة التناسب الذي
بينها وبين ما اُستعيرت له، ومشابهتها إياه؛ فإنها من الاستعارات التي لا أمد فوقها في الحسن.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى، : (واشتعل الرأس شيباً) وقد ذكر علماء البيان في هذا، ما نورده هاهنا. وهو: أن الشيب لما كان يأخذ في الرأس، ويسعى فيه شيئاً فشيئاً، حتى يحيله إلى غير لونه الأول، كان بمنزله النار التي تشعل في الجسم وتسري فيه، حتى تحيله إلى غير حاله المتقدمة. وهذا كلام مرضي في بابه، إلا أن هاهنا نكتة أخرى، وذلك إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، ولأنه لم يبق إلا الخمود بعده. فهذه الاستعارة البديعة هي التي تعجز القدرة عن الإتيان بمثلها، ومما دون ذلك في الطبقة، قول أبي تمام:
ومعرَّس للغيث يخفق بينه ... راياتُ كل دُجُنّةٍ وطفاء
فإن استعارة هذا البيت صالحة مرضية، لملاءمتها ما استعيرت له، فحيث جعل للسحابة رايات كان ذلك مناسباً، لأن الهيدب الذي يستبين للناظر في الجو عند انسكاب السحابة، يكون مشابهاً لذوائب الرايات. وأما قوله (يخفق) فهو أيضاً حسن مرضي؛ لان الريح إذا هبت على الرايات خفقت بنودها، وجاء لها صوت كصوت السحابة في انسكابها وهمولها وانصبابها، ولا سيما الوطفاء.
стр. 86
ومن هذا النوع أيضاً قوله في الخمر:
صعُبت فراضَ الماءُ سيسيء خلقها ... فتعّلمتْ من حُسنِ خلق الماء
ألا ترى إلى حسن هذه الاستعارة، فإنه ليس بشيء أحسن من قوله في الخمر بأنها سيئة الخلق، وذلك حيث تكون صرفاً لا يستطاع شربها، ولا يمكن اساغتها، كالخلق السيئ الذي تعافه الأنفس، وتستكرهه الأرواح. وقوله (حسن خلق الماء) أيضاً غاية في الجودة؛ لأن الماء الصافي في سلاسته، ولطافة جوهره، شبيه
بالخلق السهل الطيب. وأبداً توصف الأخلاق الحسنة بالماء؛ فيقال، (فلان ألطف أخلاقاً من الماء) لأنه ليس في الأجسام المدركة بالبصر ألطف ولا أرق من الماء؛ لأن النفس تجد لمشاهدته من اللذة، والسرور، والانبساط، مالا خفاء به. ولهذا قال يعض الحكماء: (الماء من طبع الروح). ومما يؤيد قوله هذا، ما ورد في القرآن الكريم؛ فإنه قد ذكر الماء في مواضع كثيرة منه، ثم يذكر إحياء الأرض الميتة به، كقوله تعالى: (والله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور). فجعل الماء للأرض بمنزلة الروح للجسد.
ومن بديع الاستعارة قول بعضهم:
يا طودَ حلم ظَلْتُ معتصماً به ... يا بحر علم عمتُ في تيّاره
فإن المناسبة بينها وبين ما استعيرت له شديدة جداً، وذاك أن الحلم أصله في وضع اللغة: التأني والثبات، وترك الاعجال بالعقوبة، فلما كان الطود ثابت الأصل راسخ القواعد، لا يتحرك عن مكانه، ولا يزول من مستقره حسنت استعارته للحلم، للمشابهة التي بينهما. وهاهنا نكتة أخرى، وهو أن قوله: (طود حلم) أبلغ في الاستعارة من أن لو قال (جبل حلم) لأن الطود هو الجبل العظيم، وذلك أرسخ وأرسى أصلاً من غيره. وأما استعارته للعلم بحراً فحسن لا خفاء به على من له معرفة بهذا الفن.
стр. 87
ومن هذا النحو قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناَء بكلكل
وقد قال أبو القاسم بن بشر الآمدي، أن امرأ القيس وصف أحوال الليل الطويل، فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره، وترادف أعجازه وآخره. فلما جعل له وسطاً ممتداً، وصدراً ثقيلاً، وأعجازاً رادفة لوسطه، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطياً من أجل امتداده. واسم الكلكل، وجعله نائياً لتثاقله. واسم العجز، من أجل نهوضه، فقال أبو محمد بن سنان: (إن هذا الذي ذكره أبو القاسم الآمدي، ليس
بمرضي غاية الرضى، وإن بيت امرئ القيس ليس من الاستعارة المبيرة ولا الردية، بل هو وسط. فإن أبا القاسم قد أفصح أن امرأ القيس لما جعل لليل وسطاً ممتداً، استعار له اسم الصلب، وجعله متمطياً من أجل امتداده، وحيث جعل له أخيراً وأولاً، استعار له عجزاً وكلكلاً. وهذا كله إنما يحسن بعضه مع بعض، فذكر الصلب إنما يحسن لأجل العجز. والوسط والتمطي لأجل الصلب. والكلكل لمجموع ذلك. وهذه استعارة مبنية على استعارة أخرى)، هذا حكاية كلام أبي محمد بن سنان، وهو مما أخطأ فيه من وجهين: الأول إنه قال: هذا البيت من الاستعارة الوسط، التي ليست بردية ولا جيدة) ثم جعلها استعارة مبنية على استعارة أخرى. وعنده أن الاستعارة المبنية على الاستعارة من أقبح الاستعارات وأبعدها، فإنه قسم الاستعارة إلى قسمين: قريب مختار، وبعيد مطرح. فالقريب المختار: ما كان بينه وبين ما استعير له تناسب قوي وشبه ظاهر واضح.
стр. 88
والبعيد الطرح إما أن يكون لبعده مما استعير له في الأصل، أو لأجل إنه استعارة مبنية على استعارة أخرى فيضعفه لذلك.
هذا ما ذكره ابن سنان في تقسيم الاستعارة. وإذا كانت الاستعارة المبنية على استعارة أخرى عنده بعيدة ضعيفة، فكيف جعلها وسطاً!؟ هذا تناقض في القول، فاعرفه.
الوجه الثاني: أنه لم يأخذ على أبي القاسم الآمدي في موضع الأخذ، لأنه لم يختر إلا ما حسن اختباره، وكان بديعاً في بابه. فإن الاستعارة قد يثبت أنها جمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما، يكسب بيان أحدهما بالآخر. وهذا الحكم موجود في بيت امرئ القيس، فإنه لو لم يكن لليل صدر، أعني أولا، ولم يكن له وسط وآخر لما حسنت هذه الاستعارة. ولما كان كذلك استعار لوسطه صلباً، وجعله متمطياً. وجعل لصدره المتثاقل، أعني أوله، كلكلاً وجعله نائياً، واستعار لآخره عجزاً،
وجعله رادفاً لوسطه. وذلك من الاستعارات المناسبة، التي لا أمد فوقها فاعرفها.
وحيث ذكرنا للاستعارة المناسبة أمثلة يحتذيها المترشح لهذه الصناعة، ويستعملها في كلامه، فيجب حينئذ أن تذكر القسم الآخر، وهو غير المناسب، ونضرب له أمثلة يعرف بها أيضاً، فمن ذلك قول أبي تمام:
يومُ فتح سقى أسودَ الضواحي ... كُشَبَ الموت رائباً وحليبا
فإنه لا شيء أقبح من هذه الاستعارة، ولا أشد تباعدا بينها وبين ما استعيرت له، فما كفاه أن جعل للموت كثباً، أي ألباناً، واحدها (كثبة) حتى جعل بعضها رائباً، وبعضها حليباً ثم إن الموت من شأنه أن يستعار له ما يكره لا ما يستطاب.
стр. 89
ومن قبح الاستعارة أيضاً قوله:
وتقاسم الناس السخاء مجزاً ... وذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناسِ الإِرهابَ وما بقى ... من فرثِهِ وعُروقهِ وعظامهِ
فاستعار للسخاء، رأساً وسناماً وإهاباً وعظاماً وعروقاً. وما قنع بذلك، حتى استعار له فرثاً، فصار السخاء جملاً على الحقيقة. وأمثال ذلك كثيرة.
ولا يخلو الناظم أو النائر من سقطات تؤخذ عليه، إلا إنه ينبغي أن تكون مغفورة في جنب ماله من الجيد الحسن، لأن ذلك لا يحط من قدره في صناعته إذ العالم من تعد سقطاته، لا من يعد جيده.
ومن الاستعارة البعيدة قول بعضهم:
إلى ملك في أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نَيْله بَرْدُ
فإن استعارته للمجد أيكة، أقرب مأخذاً من استعارته للمعروف كبداً، وإن كانت الاستعارتان من البعد على ما أذكره لك، وهو أني أقول: قد ثبت أن الاستعارة هي الجمع بين شيئين بمعنى مشترك بينهما يكسب بيان أحدهما بالآخر، وهذه قاعدة مسلمة، لا نزاع فيها بحال من الأحوال. وإذا كان الأمر كذلك، فالجامع بين المجد
والأيكة وجه بعيد. وذلك أن المجد في وضع اللغة: هو المحتد الكريم، أي الأصل الكريم. والأيكة في وضع اللغة: واحدة الأيك، وهو شجر ماتف، فلما كان المجد هو المحتد الكريم، أي الأصل، كان للأيكة أصل أجيز استعارته للمجد أيكة من هذا الوجه، وفيه بعد، وسبب بعده؛ إنه يسوغ لقائل أن يقول: إن كل ما كان له أصل على هذا القياس يجوز أن يستعار للمجد؛ كقولنا: (جبل المجد) و (حائط المجد) وغير ذلك مما له أصل، وهذا بعيد جداً.
стр. 90
وأما الاستعارة الثانية، وهو قول الشاعر: (كبد المعروف) فإن بعدها بما استعيرت له، وقبحها مما لا يحتاج فيه إلى الشرح لوضوحه وبيانه. وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى. فعلى المؤلف اجتنابها، والعدول عنها.
النوع الثاني من الفن الثاني
التشبيه
وحده أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به. ويقال: هو الدلالة على اشتراك شيئين في معنى من المعاني، وأن أحدهما يسد مسد الآخر وينوب منابه، سواء كان ذلك حقيقة أو مجازاً. فأما الحقيقة، فهو أن يقال في شيئين أحدهما شبيه بالآخر في جميع أوصافه، كالسوادين والبياضين أو ما جرى مجراهما، وليس هذا من غرضنا. وأما المجاز، فهو أن يقال في شيئين أحدهما شبيه بالآخر في يعض أوصافه كقولنا: (زيد أسد) فهذا القول صواب من حيث (كلام) العرب، وداخل في باب المبالغة، إلا إنه لم يكن زيد أسداً على الحقيقة.
واعلم أن فائدة التشبيه هي الكشف عن المعنى المقصود، مع ما يكتسبه من فضيلة الإيجاز والاختصار. والدليل على ذلك ما ذكرناه من قولنا: (زيد أسداً). فإن الغرض من هذا القول أن نبين حال زيد، وأنه متصف بشامة النفس، وقوه
البطش، والشجاعة، وغير ذلك مما جرى هذا المجرى. إلا أننا لم نجد شيئاً ندل به عليه، سوى أن جعلناه مشبهاً بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، ومقصورة عليه. فصار ما قصدناه من هذا القول، اكشف وأبين من أن لو قلنا: (زيد شهم، شجاع قوي البطش، جريء الجنان) وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه به، أعني الاسد، فإنه معروف بها، مشهور بكونها فيه، واشتمالها عليه. وأما المشبه، أعني (زيداً) فليس معروفاً بها، ولا منسوباً إليها، وإن كانت موجودة فيه.
стр. 91
وأما الإيجاز فهو أن قولنا، (زيد أسد) يسد مسد قولنا (زيد من حالة كيت وكيت، وهو من الشدة والشجاعة على كذا وكذا) مما يطول ذكره، ويتسع القول فيه. فاعرف ذلك.
واعلم أن تشبيه الشيء (بالشيء) لا يخلو من أحد قسمين: إما أن يكون الشيئان، المشبه أحدهما بالآخر، متفقين من جميع الجهات، وإما أن يكونا متفقين من وجه دون. فإن كانا متفقين من جميع الجهات كالسوادين والبياضين فليس هذا من غرضنا إذ لا كبير قائدة فيه. وأن كان اتفاقهما من وجه دون وجه، فهما إذا مختلفان. فيقي كلامنا الآن على تشبيه شيئين مختلفين أحدهما بالآخر، كقولنا: (زيد أسد) فإن غرضنا من هذا، أن تشبه شهامة زيد وشجاعته وجرأته، لا أن زيداً أسد من جميع الجهات. فأنا لو أردنا ذلك لكان هو هو، وهذا محال، لأن زيداً ليس أسداً، وإنما هو إنسان. فاعرف ذلك.
واعلم أن التشبيه يكون بأداته، كالكاف وكان وما جرى هذا المجرى. ويكون بغير أداته، وهو أن يجعل الكلام خلواً منها صالحاً لتقريرها فيه. وإذا جاء التشبيه بغير أداته كان أبلغ وأوجز. والدليل على ذلك، قولنا: (زيد أسد) يعطي ظاهره من المعنى أنا أخبرنا عن زيد إنه أسد، وذكرنا إنه هو. إلا أن حرف التشبيه في ذلك
مقدر. وإذا قلنا (زيد كأنه الأسد) فتكون قد أظهرنا فيه حرف التشبيه، الذي كان مخفياً في الأول، فيصير حينئذ تشبيهاً لزيد بالأسد. وفي الأول إنه كان قد جعل هو الأسد، وحرف التشبيه مقدر فيه تقديراً. فمن هذا الوجه كان الأول أبلغ، وأشد موقعاً في النفس. وأما كونه أوجز، فلأن قولنا: (زيد أسد) أخص من قولنا: (زيد كأنه الأسد) وإن كان المعنيان سواء. فاعرف ذلك.
واعلم إنه لا يخلو الشيئان في تشبيه أحدهما بالآخرين من ثلاثة أقسام: إما تشبيه معنى بمعنى، كالذي ذكرناه من قولنا: (زيد أسد). وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة. . .). الآية. فشبه ما لا يدرك بالحاسة (بما يدرك بها)
стр. 92
وأما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: (وله الجوار المنشات في البحر كالأعلام). فشبه صورة أجسام الفلك في كبرها وعظمها بالجبال، وذلك تشبه صورة مرئية. وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة، لا يخلو من ثلاثة أقسام أيضاً وهي:
تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب:
فالقسم الأول: تشبيه المفرد بالمفرد ، وذلك كقول البحتري:
تبسمٌ وقطوبٌ في ندىً ووغىً ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد
فهذا من أحسن التشبيه وأقربه. وهو تشبيه صورة بصورة، إلا أن في هذا البيت إخلالاً في الصيغة من حيث الترتيب والتفسير، فإن الأولى أن يقدم تفسير التبسم على تفسير القطوب، وسيأتي بيان ذلك في بابه.
ومن هذا القسم أيضاً، قول بعضهم في صفة السيوف والدروع:
وكأنما فوق الأكف بوارق ... وكأنما فوق المتون إضاءُ
وهذا من بديع التشبيه ونادره، فاعرفه. وكذلك قول بكر بن النطاح:
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جًثْل أسحمُ
فكأنها فيه نهار ساطعٌ ... وكأنه ليل عليها مظلم
وأمثال هذا كثيرة.
القسم الثاني في تشبيه المركب بالمركب وذلك كقوله تعالى:
стр. 93
(إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كان لم تغن بالأمس) الآية، فشبهت حال الدنيا بسرعة زوالها، وانقراض نعيمها، بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطاماً، بعد ما التف وتكاثف، وزين الأرض. وذلك تشبيه معنى بصورة. وهو من أبدع ما يجيء في هذا القسم، فاعرفه.
ومما جاء على نحو منه، قوله في حق المنافقين: (مثلهم كمثل الذي أستو قد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون). تقديره: أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد ناراً، في ليلة مظلمة، بمفازة، فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك، إذ طفئت ناره فبقي مظلماً خائفاً متحيراً. وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها، واعتز بعزها، وأمن على نفسه وماله وولده. فإذا مات عاد إلى الخوف، وبقي في العذاب والنقمة.
واعلم أنهم لما وصفوا بأنهم اُشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل، ليمثل هداهم الذي باعوه، بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم، بذهاب الله بنورهم، وتركهم في الظلمات، ثم قال الله تعالى (صم بكم عمي). كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا مسامعهم عن الاصاخة، وأبو أن ينطقوا به السنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم، جعلوا كأنما أصابت هذه الحواس منهم الآفات، وهذا من عجائب التشبيه، وطريقته عند علماء البيان،
طريقة قولهم (ليوث) للشجعان، و (بحور) للكرام وبعض علماء هذه الصناعة يجعلون ما كان على مثال قوله تعالى: (صم بكم عمي) استعارة، وليس كذلك كأن المستعار له مذكور، وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق بحيث يطوى
стр. 94
ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً منه، صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا دلالة الحال من فحوى الكلام عليه، وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق من باب الاستعارة، فاعرفه. وهذا هو الفرق بين الاستعارة والتشبيه عند المحققين من علماء البيان. ومن هذا القسم قوله:
بكيت عليه حين لم يبلغ المنى ... ولم يَرو من ماء الحياة المكدّر
كأن دم اُلنجلاء تحت بُروده ... لَطِيمة مسك في إهاب غضنفر
وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل
ولقد أحسن بعض البغداديين في قوله:
يا طالباً عجائب الأمور ... فعقرة في الدرع ذي القتير
وقل رأيت البحر في غدير
ومن هذا النحو قول ابن المعتز:
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عُريْان يمشي في الدجى بسراج
وقال مؤلف الكتاب في صفة سقاة الخمر (فأخذنا في معاطاة الرحيق، ما بين الأكواب والأباريق. يطوف بها علينا ولدان، يعجز عن وصفهم قس وسبحان، فكأنهم في أيديهم الكؤوس، أقمار تسعى بشموس) وكذلك قوله أيضاً في بركة النيلوفر، من جملة رسالة عملها في الربيع (فأنينا إلى روضة ذات تأرج وتبرج، وبركة نياوفر كأنها مداهن من العسجد،
стр. 95
على قضب من الزبرجد، أو كأنه وهو في الماء يعوم، سماء أشرقت بمطالع النجوم)، وله من مرثية قالها في بعض
الأصدقاء:
لم يتكسب غير الثنا ... والحمد في حياته
أبقى لنا مناقباً ... تنشر في مماته
كالرند يبقى عرفه ... بعد ذهاب ذاته
وأعجب ما سمعت في هذا الباب، قول الحسين بن مطير الأسدي يرثي معن بن زائدة:
فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرَتعا
فاعرف ذلك وقس عليه.
стр. 96
القسم الثالث
في تشبيه المفرد بالمركب
فمن ذلك قول بعضهم:
كأن السُهى إنسان عينٍ غريقة ... من الدمع يبدو كلما ذَرَفت ذَرْفا
ومن هذا القسم قول الآخر في الورد الجنبذ:
أتتك أبا حسن وردة ... تلذّ النفوس بأنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فردت يدها على رأسها
وقد ورد (كثيراً) أمثال ذلك، وفيما ذكرناه كفاية.
وحيث تكلمنا في التشبيه الجيد وبيناه، فينبغي أن نوضح التشبيه الرديء ليجتنبه مؤلف الكتاب، فنقول:
اعلم أن التشبيه الرديء هو أن يكون، بين المشبه والمشبه به، بعد وتباين، وذلك كقول بعضهم في السهام:
كساها رطيب الريش فاعتدلت لها ... قداح كأعناق الظباء الفوارق
فإنه قد شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات وأكثرها تبايناً. ومما جرى هذا المجرى، قول أحد الأعراب:
стр. 97
مَلا حاجبيك الشَعر حتى كأنه ... ظباء جرت منها سنيح وبارح
فشبه شعرات بيضاً في حاجبيه بظباء سوانح وبوارح، وهو تشبيه بعيد جداً. وأمثال ذلك كثيرة فأعرفها.
واعلم أن الأصل في حسن التشبيه هو أن يمثل الأسْتر بالأظهر وغير المعتاد بالمعتاد المعروف، وذلك لأجل إيضاح المقصود، وبيان المعنى المراد.
ويظهر أيضاً حسن التشبيه في تمثيل الشيء بما هو أعظم منه، وذلك لأجل المبالغة والغلو.
واعلم أن من التشبيه ضرباً يسمى: (غلبة الفروع على الأصول) وهو ضرب من الكلام ظريف، لا تكاد تجد شيئاً منه إلا والغرض به المبالغة؛ فما جاء من ذلك قول ذي الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادسُ
ألا ترى إلى ذي الرمة، كيف جعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً؟ وذلك أن العادة والعرف أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء، وهو مطرد في بابه، كقول البحتري:
أين الغزال المستعير من النقا ... كفلا ومن نَورْ الأقاحي مبسما؟
فقلب ذو الرمة العادة والعرف في هذا، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وذلك كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء، وصار كأنه الأصل فيه، حتى شبهت به كثبان الأنقاء. ومثل ذلك قول بعضهم:
стр. 98
في طلعة البدر شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنيها
ونظائر هذا أكثر من أن تحضى، فاعرفه. ولما شاع ذلك في كلام العرب واتسع صار كأنه أصل من بابه.
النوع الثالث من الباب الأول
في شجاعة العربية
وهو نوع من علم البيان تتكاثر لطائفه، وتتوفر محاسنه، لأن معظم البلاغة مندرجة في أثنائه، ومنطوية تحت ضروبه، إلا أني لم أجد شيئاً منه عند أرباب هذه الصناعة، ولا وجدته في كتاب مصنف في هذا الفن، سوى أني رأيت أبا الفتح عثمان بن جنى قد ذكر، في كتابه الموسوم بالخصائص، شيئاً من التقديم والتأخير، والحمل على المعنى لا غير، وقد ذكرنا نحن في هذا النوع أشياء عجيبة، ونكتاً طريفة، عثرنا عليها في أثناء القرآن الكريم، واعلم أن هذا النوع
ينقسم ستة أقسام:
القسم الأول في الالتفات
(الالتفات) الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، يفعل ذلك على عادة العرب في افتنانهم في الكلام، وفيه فوائد كثيرة، لأن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه، من أجراته على أسلوب واحد، وليس يفعل ذلك اتساعاً فقط بل لأمر أعلى، ومهم من الغرض أعنى، فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم
стр. 99
ولا الضالين). هذا رجوع (من) الغيبة إلى الخطاب. ومما يختص به هذا الكلام من الفوائد، إنه ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من الربوبية العامة، والملك الخاص، فعلم العالم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالخضوع له، والاستعانة في المهمات به فخوطب ذلك المعلوم الموصف بتلك الصفات فقيل: إياك نعبد يا من هذه صفاته، أي تخص بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على العبادة، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فإن قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) بعد قوله (الحمد لله رب العالمين) ليس العدول فيه من الغيبة إلى الخطاب اتساعاً إنما عدل إليه لفائدة حسنة، وذلك أن الحمد لله دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده. فلما كان الحال كذلك استعمل لفظ (الحمد) لتوسطه مع الغيبة في الخير، فقال: (الحمد لله) ولم يقل (لك)، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال (إياك نعبد) فخاطب العباد إصراحا بها، وتقربا منه - عز اسمه - بالانتهاء إلى محدود منها وعلى نحو من ذاك جاء آخر السورة فقال (صراط الذين أنعمت عليهم) فأصرح بالخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال (غير المغضوب عليهم) ولم يقل (غير الذين غضب عليهم) لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب قال (غير المغضوب عليهم) فجاء باللفظ منحرفاً به عن ذكر الغضب، فأسند النعمة إليه لفظاً، وزوى عنه ذكر الغضب تحسناً ولطفاً، فانظر إلى هذه اللغة الشريفة وتناسب هذه المعاني اللطيفة التي الأقدام (لا) تكاد تطؤها، والأفهام مع قربها صافحة عنها.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إذا) فقوله (لقد جئتم) وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة زيادة تنكيل عليهم، بالجرأة على الله -
стр. 100
والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم، على عظم ما قالوه. وأمثال هذا كثيرة فاعرفه.
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة فقوله - عز اسمه - (هو الذي يسير كم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) ألا ترى كيف صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة؟ وإنما فعل ذلك لفائدة، وهو إنه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم والتقبيح، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بكم بريح طيبة وفرحتم بها. وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة. وليس ذلك بخاف عن (عارف) هذا الكلام فاعرفه.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون). الأصل في تقطعوا (تقطعتم) عطفاً على الأول إلا إنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما
ارتكب هؤلاء في دين الله، فجعلوا أمر دينهم إلى ما بينهم قطعاً، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتياينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو مجازيهم على ما فعلوا.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضاً قوله تعالى (يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) الآية فإنه إنما قال (فآمنوا بالله ورسوله) ولم يقل: فآمنوا بالله ربي، حيث قال أولاً: إني رسول الله إليكم، لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والاتباع (له) هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته، كائناً من كان أنا أو غيري،
стр. 101
إظهاراً للنصف، وبعد عن التعصب لنفسه، فقرر أولاً في صدر الآية، بأنه رسول إلى الناس، وأثبت ذلك في أنفسهم، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين كبيرين قد ذكرتهما.
الضرب الثاني: الرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، يفعل ذلك تعظيماً لحال من أجري عليه فعل الأمر. فمما جاء منه قوله تعالى (يا هود ما جئتنا ببينه وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين، إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون) ولم يقل (وأشهدكم) ليكون موازناً له وبمعناه، لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت في معنى يثبت التوحيد، ويشد معاقده. وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول، لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر؛ كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد علي إني أحبك. تهكماً به واستهانة بحاله. وأمثال هذا كثيرة فاعرفها.
الضرب الثالث: الرجوع من خطاب التثنية إلى خطاب الجمع، ومن خطاب الجمع إلى خطاب الواحد.
فمن ذلك قوله تعالى (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً. واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين). ألا ترى إلى هذا المعنى والتوسع في الكلام فإنه نوع الخطاب، فثنى ثم جمع ثم وحد، فخاطب موسى وهارون ﵉ بالنبوة والاختيار، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء. ثم ساق الخطاب لهما ولقومهما باتخاذ المساجد،
стр. 102
وإقامة الصلاة، كأن ذلك واجب على الجمهور، ثم خص موسى - صلوات الله عليه - بالبشارة التي هي الغرض، تعظيماً له وتفخيماً لا مره، ولأنه الرسول على الحقيقة.
ومن هذا النحو قوله تعالى: حكاية عن حبيب النجار (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) هذا عدول عن خطاب الواحد، إلى خطاب الجماعة. وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأن أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم، ليلطف بهم، ويداريهم، ولأن ذلك دخل في إمحاض النصح؛ حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: (ما لي لا أعبد الذي فطرني) مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، ألا ترى إلى قوله (وإليه ترجعون) ولولا إنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال (تعالوا إني آمنت بربكم فاسمعون) يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه، لأن العبادة لا تصح إلا لمن مبتدؤكم، وإليه مرجعكم.
فانظر أيها المتأمل لكتابنا هذا، إلى هذه الدقائق التي أشرنا إليها في غضون هذا الكلام، فإن فيها ما شئت من اللطائف اللطيفة، والفوائد العجيبة.
القسم الثاني من النوع الثالث
في الإخبار عن الفعل الماضي بالمضارع وعن الفعل المضارع بالماضي
وهو قسم من التأليف، لطيف المأخذ، دقيق المغزى، فالأول: الإخبار بالفعل المضارع عن الماضي، اعلم أن الفعل المضارع إذا أني به في حال الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذلك لأن الفعل المضارع يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، فمما جاء قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك
стр. 103
النشور) فإنه إنما قيل فتثير سحاباً، مضارعاً، وما قبله وبعده ماض، لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على القدرة الباهرة، وهكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية، بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك كما قال تأبط شراً: -.
فإني قد لقيت الغُوْلَ تهوي ... بسهب كالصِّحيفة صحصحان
فأضرُ بها بلا دَهَش فخرّت ... صريعاً لليدين وللجران
لأنه قصد أن يصور لقومه، الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة، للتعجب من جرأنه على ذلك الهول، وثباته عند تلك الشدة. ولو قال فضربتها لزالت هذه الفائدة التي ذكرناها ونبهنا عليها.
ومن هذا الباب قوله تعالى (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير) ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي هاهنا إلى المضارع فقال (فتصبح) وذلك لإفادة بقاء المطر زماناً بعد زمان كما يقال (أنعم
علي فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له) ولو قال (فرحت وغدوت شاكراً له) لم يقع ذلك الموقع فإنهم ما أشرنا إليه وتدبر دقائقه.
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المضارع، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته: أن الفعل الماضي إذا أحبر به عن الفعل المضارع إذا لم يوجد بعد، كان أبلغ وأكد، وأعظم موقفاً
стр. 104
وأفخر شأناً. لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى إنه قد كان وجد وصار من الأمور المقطوع بها، المحكوم بكونها وحدوثها. والفرق بينه وبين الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي، هو أن الفعل الماضي يخبر به عن المضارع، إذا كان المضارع من الأشياء الهائلة، التي لم توجد، والأمور المتعاظمة التي لم تحدث، فيجعل عند ذلك مما قد كان ووجد، ووقع الفراغ من كونه وحدوثه. وأما الفعل المضارع إذا أخبر به عن الماضي، فإن الغرض بذلك تبين هيئة الفعل، واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يعاينها ويشاهدها. فهذا هو الفرق بين الأخبار بالفعل المضارع عن الماضي (وبالمضارع عن الماضي) فاعرفه.
ولنرجع إلى ما نحن بصدد: كره من الأمثلة للأخبار بالفعل الماضي عن المضارع، فمن ذلك قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله وكل أنوه داخرين) فإنه إنما قال: (ففزع) بلفظ الماضي بعد قوله (ينفخ) وهو للمستقبل، للأشعار بتحقيق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السموات والأرض، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، وكونه مقطوعاً به.
ومن هذا الجنس قوله تعالى (وبرزوا الله جميعاً) (فبرزوا) بمعنى يبرزون يوم القيامة، وإنما جيء بلفظ الماضي، لأن ما أخبر الله به لصدقه وصحته كأنه قد كان ووجد. ومثل ذلك قوله - عز اسمه - (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) فإن (أتى)
هاهنا بمعنى (يأتي) وإنما حسن فيه لفظ الماضي، لصدق إتيان الأمر ودخوله في جملة ما لا بد من حدوثه ووقوعه، فصار (يأتي) بمنزلة قد أتى ومضى، وكذلك قوله - تعالى - (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً) فإنه إنما قال (وحشرناهم) ماضياً بعد (نسير) (وترى) وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز، ليعانوا
стр. 105
تلك الأحوال، كافة، قال: (وحشرناهم) قبل ذلك.
ومما ينخرط في هذا السلك الإخبار باسم المفعول عن الفعل المضارع، وإنما فعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه، فمن ذلك قوله تعالى (إن في ذلك الآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) فإنه إنما آثر اسم المفعول هاهنا على الفعل المضارع لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، فإنه لا بد من أن يكون ميعاداً مضروباً يجمع الناس وأنه موصوف بهذه الصفة، وأن شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن) فإنك تعثر على صحة ما قلت.
القسم الثالث من النوع الثالث
في عكس الظاهر
اعلم أن هذا القسم من مشكلات علم البيان، وأسراره الغربية، وخفاياه المستطرفة العجيبة، وهو مما لم يذكره أحد من مؤلفي هذا الفن في كتابه، ولا أشار إليه، وسبب التفرد بذكره في هذا الكتاب، أنا عثرنا على ذلك في كلام علي بن أبي طالب ﵁ في وصفه مجلس النبي ﷺ فعند ذلك طلبنا له مثلاً أو نظيراً، في كلام العرب وأشعارهم فظفرنا بذلك، وأوردنا الكلام الوارد عن علي ﵁ ثم أتبعناه بما جاء عن العرب في
ذلك، وإنه مما يستغرب ويستطرف، لأن العرب قد توسعوا في كلامهم، وتجوزوا إلى غاية، يذكرون كلاماً يدل ظاهره على معنى، وهم يريدون به معنى آخر عكسه وخلافه. والأصل في ذلك، أنك تذكر كلاماً يعطي معناه إنه نفي لصفة شيء قد كان، وهو نفي للموصوف إنه كان أصلاً. فأما قول علي بن أبي طالب ﵁ في هذا الباب، فإنه وصف مجلس النبي ﷺ فقال (لا تنثني فلتاته) أي لا تذاع فلتاته، ألا ترى إلى ظاهر
стр. 106
ذلك: أن ثم فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد ذلك، بل المراد إنه لم يكن ثم فلتات أصلاً، فتذاع، وهذا من أعجب ما وقفت عليه في علم البيان وأطرافه.
وأما ما ورد عن العرب في هذا الباب، فنحو قول الشاعر:
(ولا ترى الضبَّ بها ينجحر).
فإن ظاهر المعنى من ذلك يعطي إنه قد كان هناك ضب إلا إنه غير منجحر، وليس كذلك بل المعنى المقصود، هو إنه لم يكن هناك ضب أصلاً فينجحر. فاعرف هذا، وقس عليه. وله أشباه كثيرة في كلامهم وأشعارهم، وفيما أشرنا إليه كفاية، لمن له لب ومعرفة.
القسم الرابع من النوع الثالث
في الحمل على المعنى
وذلك كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث وتصوب معنى الواحد للجماعة، والجماعة للواحد، وحمل الثاني على لفظ الأول، أصلاً كان ذلك اللفظ أو فرعاً، وغير ذلك.
اعلم أن هذا القسم من التأليف دقيق المسلك، بعيد المذهب، يحتاج إلى فضل معاودة وزيادة تأمل، وقد ورد في القرآن الكريم، وفصيح الكلام منثوراً ومنظوماً. فأما تأنيث المذكر فكقول الشاعر:
أتهجر بيتاً بالحجاز تلفتْ ... به الخوف والأعداء من كل جانب
ذهب بالخوف إلى المخافة، وقال الآخر:
يا أيها الراكب المُزجِيْ مطيَّتَهُ ... سائل بني أسد ما هذه الصوت
стр. 107
فإنه ذهب بالصوت إلى الاستغاثة، واعلم إنه قد كثير عن العرب تأثيث فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به، ولذلك قرئ قوله تعالى (لا تَنْفَعُ نَفْساً إيمانها) بالتأنيث فأنث فعل الإيمان إذ كان من النفس وبها. وأمثال ذلك كثيرة فاعرفه.
وأما تذكير المؤنث فشائع في كلام العرب كقوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي) أي هذا الشخص أو هذا المرئيّ. وكذلك قوله - عز اسمه - (فمن جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى) لأن الوعظ والموعظة واحدة، وقالوا في قوله تعالى (إنّ رحمة الله قريب من المحسنين) إنه أريد بالرحمة هاهنا المطر، بدليل قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته).
وأما حمل الواحد على الجماعة، فكقولهم: (هو أحسن الفتيان وأجمله) لأن هذا الموضع يكثر فيه الواحد كقولهم (هو أحسن فتى في الناس) قال الله تعالى (ومن الشياطين من يغوصون له) فحمل على المعنى وقال ذو الرمّة:
ومية أجمل الثقلين وجهاً ... وسالفة وأحسنه قذالا
فأفرد الضمير، مع قدرته على جمعه، وهذا يدلك على قوة اعتقادهم في أحوال المواضع، وكيف ما يقع فيها. ألا ترى أن هذا الموضع موضع جمع، وقد سبق في الأول لفظ الجمع فترك اللفظ، وموجب الموضع وعدل إلى الإفراد من غير ضرورة، فإنه قد كان يمكنه أن يقول:
وميّة أجمل الثقلين وجهاً ... وسالفة وأحسنهم قذالا
ومن هذا النحو قول بعظهم:
فقلنا أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الأحن الصدورُ
فيجوز أن يكون ذلك جمع أخ قد حذفت نونه للإضافة، ويجوز أن يكون واحداً ووقع
стр. 108
موقع الجماعة، كقول الشاعر:
(ترى جوانبها بالشحم مفتونا)
والحمل على المعنى واسع في هذه اللغة. وأعلم أن العرب إذا حملت على المعنى، لم تكد تراجع اللفظ، كقولك: (شكرت من أحسنوا إلي على فعله) ويقال: (شابت مفارقه) وإنما هو مفرق واحد. ومما يؤكد عندك أن العرب إذا حملت على المعنى لم تراجع اللفظ، قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلكَ إذ قال إبراهيم: ربّي الذي يُحْيي ويميت. قال: أنا أُحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) ثم قال: (أو كالذي مَرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) الآية فإن ذلك محمول على المعنى، كأنه قال: أرأيت الذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية فجاء بالثاني على أن الأول قد سبق كذلك، وأمثال هذا كثيرة.
وأما حمل الجماعة على الواحدة، فكقوله تعالى (بلى من أسلم وجهه لله، وهو مُحسن، فله أجره عند ربِّه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فحمل أول الكلام على لفظ الواحد، وآخره على لفظ الجمع.
واعلم أن العرب تعتبر تارة اللفظ، وتارة المعنى، يقولون: (ثلاثة أشخص) فيثبتون التاء وإن عنواً مؤنثاً، ويقولون: (ثلاث أنفس) وإن عنوا رجالاً، لأجل اللفظ. ويقولون: (ثلاث شخوص) إذا عنو مؤنثاً، (وثلاثة أنفس) إذا عنوا مذكراً للمعنى فاعرف ذلك وقس عليه.
القسم الخامس من النوع الثالث
في التقديم والتأخير
وذلك مما يتعلق بعلم النحو، فإن لنا تقديماً وتأخيراً في الكلام، ولا يتعلق بالنحو، وليس
стр. 109
هذا بابه، وسيأتي ذكره. اعلم إن التقديم والتأخير مما نحن يصدد ذكره هاهنا على ضربين؛ أحدهما يكون التقديم هو الأولى والأبلغ لموضع الاختصاص، والآخر يكون التأخير هو الأولى والأبلغ؛ إما الفائدة تقتضي ذلك، وإما خوفاً من فساد المعنى واختلاله. وسيرد كل ضرب من هذه الضروب، مشروحاً مبينا. وإما الضرب الأول وهو ما كان التقديم فيه هو الأولى والأبلغ فذلك كتقديم المفعول على الفعل، وتقديم المبتدأ عل الخير، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل.
فمن ذلك تقديم المفعول على الفعل، وإنما تعمد إلى ذلك قصداً للاختصاص، ألا ترى قولك (زيداً ضربت) تخصيصاً له بالضرب، إذ يحتمل أن يكون الضرب لغيره؛ لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت كأن تقول (ضربت خالدا أو بكرا أو غيرهما) وإذا أخرته، لزم الاختصاص للمفعول. وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. فإنه إنما قدم المفعول، الذي هو الرزق، على الفعل الذي هو ينفقون؛ لأن الإنسان قد ينفق ما ليس له. فلو قدم الفعل هاهنا على المفعول، لسبق إلى الوهم قبل ذكر المنفق جواز كونه مما ليس له، ومع تأخيره يزول هذا الوهم، ويرتفع ذلك اللبس.
ومن هذا النحو، قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن قوله: (إياك نعبد) تخصيص له بالعبادة، دون غيره، وكذا قوله: (إياك نستعين) وهذا بخلاف ما لو قال (نعبدك ونستعينك) فإنه يحتمل أن تكون العبادة والاستعانة لغيره كما أشرنا
إليه، في (زيداً ضربت) و (ضربت زيداً) فأعرف ذلك.
وأما تقدير خبر المبتدأ عليه، فإنه لا يعمد إليه أيضاً إلا لضرب من الاختصاص، كقولك: (زيد قائم) و (قائم زيد) فقولك (قائم زيد) قد أثبت له القيام لا محالة، وقولك: (زيد
стр. 110
قائم) أنت بالخيار في إثبات القيام له أو نفيه عنه، بأن تقول: ضارب أو قاعد أو جالس أو غير ذلك.
ومن هذا النحو قوله تعالى (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) الآية.
فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: (وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو ما نعتهم) لأن في تقديم الخبر الذي هو مانعتهم، على المبتدأ؛ الذي هو حصونهم، دليلاً على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم بمنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم اسماً لأن، وإسناد الجملة إليهن دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع، لا يبالي معها أحد يتعرض طامع أو قصد قاصد. وليس شيء من ذلك في قولك: (وظنوا أن حصونهم ما نعتهم أو تمنعهم). ومن تقديم خير المبتدأ عليه قوله تعالى: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) فإنه إنما قدم خبر المبتدأ عليه في قوله: (أراغب أنت عن آلهتي) لأنه كان أهم عنده، وهو به شديد العناية، وفي ذلك ضرب من التعجب والإنكار لرغبة إبراهيم ﵇ عن آلهته، وأن آلهته لا ينبغي أن يرغب عنها. وهذا بخلاف ما لو قال: (أأنت راغب عن آلهتي). وقد سبق الكلام على ذلك فاعرفه.
فأما الظرف فاعلم إنه كان الكلام مقصوداً به الإثبات، فإن تقديم الظرف فيه أبلغ من تأخيره. وفائدته إسناد الكلام الواقع بعده، إلى صاحب الظرف دون غيره وإذا أريد بالكلام النفي فيحسن فيه تقديم الظرف وتأخيره؛ وكلام الأمرين له موضع يختص به؛ فأما تقديمه في النقي؛ فإنه يقصد به تفضيل المنفي عنه على غيره. وأما تأخيره؛ فإنه يقصد به النفي أصلا من غير تفضيل. وسيأتي بيان ذلك عند
ذكر الأمثلة الدالة عليه.
فأما الأول؛ وهو تقديم الظرف في الإثبات فنحو قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم وإن علينا حسابهم) فتقديم الظرف على المصدر، وهاهنا تشديد في الوعيد، لا يكون عند
следующие страницы →