← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 37476

الرد على النحاة

ابن مضاء

Полный текст (75 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الفقيه القاضي الأعدل، العالم الناصر المحقِّق الأحفل، أبو العباس احمد بن عبد الرحمن بن مَضاء اللخمي، أدام الله بركته، ونوَّر بنور الإيمان خَلَده، وفسح أجله، ونفعه بالعلم الذي حمله:

стр. 2

الحمد لله على ما منَّ به من الإيمان، والعلم باللسان، الذي نزل به القرآن، والصلاة على نبيه الداعي إلى دار الرضوان، وعلى اله وصحبه والتابعين له بإحسان. وأسأل الله الرضا عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم، وعن خليفتيه: سيدَيْنا أميرَي المؤمنين، الوارثَيْن مقامه العظيم. وأَصِلُ الدعاء لسيدنا أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين، مبُلْغِ مقاصدهم العليَّة إلى غاية التكميل والتَّتميم. أما بعد فإنه حملني على هذا المكتوب قولُ الرسول ﷺ : الدين النصيحة، وقوله: من قال في كتاب الله برأيه فأصاب، فقد أخطأ، وقوله: من قال في كتاب الله بغير علم فليتبوَّأ مقعده من النار، وقوله: من رأى منكم منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم

стр. 3

يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وعلى الناظر في هذا الكتاب من أهل هذا الشأن إن كان ممن يَحتاطُ لدينه، ويجعل العلمَ مُزْلفاً له من ربه، أنْ ينظر، فإن تبيَّن له ما نُبيَّنه رجع إليه، وشكر الله عليه، وان لم يتبين له فليتوقف توقُّف الورع عند الأشكال، وان ظهر له خلافة فليبيَّنْ ما ظهر له بقولٍ أو بكتابة. واني رأيت النحويين - رحمة الله عليهم - قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن، وصيانته عن التغيير، فبلغوا من ذلك إلى الغاية التي أمُّوا، وانتهوا إلى المطلوب الذي ابتغوا، إلا أنهم التزموا ما لا يلزمهم، وتجاوزوا فيها القدر الكافي فيما أوردوه منها، فتوعَّرت مسالكُها، ووهَنَتْ مبانيها، وانحطَّت عن رُتْبَة الإقناع حججُها، حتى قال شاعر فيها: ترنو بطرفٍ ساحرٍ فاترٍ ... اضعفَ من حُجَّةِ نحويّ على أنها إذا أخذت المأخذ المبرَّأ من الفضول، المجرَّد عن المحاكاة والتخييل، كانت من أوضح العلوم برهاناً، وأرجح المعارف عند الامتحان ميزاناً، ولم تشتمل إلا على يقين أو ما قاربه من الظنون. ومثل هذا المكتوب وكتب النحويين، كمَثَل رجال، ذوي أموال، عندهم الياقوت الرائق، والزبرجد الفائق، والذهب الإبريز، والورق

стр. 4

التي برَّزت في الخلوص كل التبريز، وقد خالطها من الزجاج الذي صُفِّى حتى ظُنَّ زَبرجداً، والنحاس الذي عولج حتى حُسِبَ عسجداً، ما هو أبهى منظراً، وأعظم من مرأى العين خطراً، وأكثر عِدَّة، واجدّ جِدَّة، حتى صاروا بها ألْهَج، وظنُّوا أنهم إليها أَحْوَج، فأتاح الله لهم رجلاً ناصحاً، وناقداً بصيراً، فأظهروه على ما لديهم من تلك الذخائر النفيسة المونقة، فقال لهم: قال رسول الله ﷺ : الدين النصيحة، وأنا أنصحكم لا للاقتناء ولا للاكتساب، ولكن لابتغاء الأجر من الله والثواب، هذا الذي اتخذتموه عُدَّة الدهر، وظننتموه أماناً من الفقر، بعضه مال، وبعضه لَمْعُ آل، والياقوت يُختبَر بالنار، فيزيد حُسناً بالاختبار، والزجاج لا يثبُت للنار ولا يصبر عليها، والزبرجد يُذيب أعيُن الأفاعي إذ أُدْنِيَ إليها. وطَفِقَ يأخذ معهم في هذه الأساليب، ويأتيهم فيها باذلاً جهده، ومستنفراً جنده، بالغرائب والأعاجيب، ليوقع لهم اليقين، بما يصدق منها لدى الابتلاء وما يمين، فبعضهم أثنى وشكر، وأْتَمَرَ لما أمر، واستبدل بما يَعُرّ ويضُرّ ما ينفع لدى اللَّزَيات ويسرّ، وبعضهم تهاون بمقاله، واستمر على حاله، فعجمهم الزمان عَجْمة، وضَغَمتهم الحوادث ضَغْمة، وأصابت مدينتهم أزمة، فمن حزم، وعمل منهم بما علم، تخلص منها تخلُّص الشهاب من الظلماء، ومن أعرض عنه، وأنف منه، هلك هلاك العَجْماء في الفَيْفاء، عند عدم الرعْي والماء.

стр. 5

وكذلك من أخذ من علم النحو ما يوصله إلى الغاية المطلوبة منه، واستعاض من تلك الظنون - التي ليست كظنون الفقه، التي نصبها الشارع ﷺ إمارةً للأحكام، ولا كظنون الطب التي جُرِّبت، وهي في الغالب نافعة، في الأمراض والآلام - العلوم الدينية، السمعيَّة منها والنظريَّة، التي هي الجُنَّة، والهادية إلى الجَنَّة، فقد نفعه الله بالتعليم، وهداه إلى صراط مستقيم. وأما من اقتصر كل الاقتصار على المعارف التي لا تدعو إلى جنة، ولا تزجر عن نار، كاللغات والأشعار، ودقائق عِلَل النحو ومسلِّيات الإخبار، فقد أساء الاختيار، واستحبَّ العمى على الإبصار: وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عندهُ الأنوارُ والظُّلَمُ ولعل قائلا يقول: أيها الأندلسي المسرور بالإجراء بالخلاء، المضاهي بنفسه الحَفِيَّ ذكاءً وأيّ ذكاء، أتزاحم بغير عَوْد وتكاثر بِرَذاذك الجَوْد:

стр. 6

وابنُ اللَّبونِِ إذا مالُزَّ في قَرَنٍ ... لم يستطع صَوْلَةَ الُبزْلِ القناعيس هل أنت إلا كما قيل: كناطحٍ صخرةً يوماً ليفلقَها ... فلمْ يضرْها وأوهى قرنَهُ الوعِلُ أتُزرِي بنحويِّ العراق، وفضل العراق على الأفاق، كفضل الشمس في الإشراق، على الهلال في المَحاق؟ وإنك أخْمَل من بَقَّة في شَقَّة، وأخْفَي من تبنه في لَبِنَة: لو كان يَخْفَى على الرحمن خافيةٌ ... من خَلقِه خفيت عنه بنو أسدِ فيقال له: إن كنت أعمي لا تنهض إلا بقائد، ولا تعر الزائف من الخالص إلا بناقد، فليس هذا بعشِّك فادرجي:

стр. 7

خلِّ الطريقَ لمن يبني المنارَ به ... وابرُزْ بِبَرْزَةَ حيث اضطرَّك القَدَرُ وإن كنت من ذوي الاستبراء، في محل الاستبراء، والاستناد، حيث يجب الاستناد، فانظر، فتستبين لك الرَّغوة من الصريح، ويتبين لك السقيمُ من الصحيح.

стр. 8

فصل قصدي في هذا الكتاب أن احذف من النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبه على ما اجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا (ضرب زيدٌ عمراً) أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه ضرب. ألا ترى سيبويه ﵀ قال في صدر كتابه: وإنما ذكرت ثمانية مجارٍ، لا فرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة لما يحدثه فيه العامل، وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه، وبين ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء احدث ذلك فيه؟ فظاهر هذا أن العامل أحدث الإعراب، وذلك بيَّن الفساد. وقد صرح بخلاف ذلك أبو الفتح بن جنى وغيره قال أبو الفتح في خصائصه، بعد كلام في العوامل اللفظية والعوامل المعنوية: وإما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من النصب والرفع والجر والجزْم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره فأكد المتكلم بنفسه ليرفع الاحتمال، ثم زاد تأكيداً بقوله: لا لشيء غيره. وهذا قول المعتزلة. وأما مذهب أهل الحق فإن هذه الأصوات إنما هي من فعل الله تعالى، وإنما تنسب إلى

стр. 9

الإنسان كما ينسب إليه سائر أفعاله الاختيارية. وإما القول بان الألفاظ يحدث بعضها بعضا فباطل عقلاً وشرعاً، لا يقول به أحداً من العقلاء لمعانٍ يطول ذكرها فيما المقصد إيجازه: منها أن شرط الفاعل أن يكون موجوداً حينما يفعل فعله، ولا يحدث الإعراب فيما يحدث فيه إلا بعد عدم العامل، فلا ينصب زيد بعد أن في قولنا (إن زيداً) إلا بعد عدم إن. فان قيل بِمَ يُرَدُّ على من يعتقد أن معاني هذه الألفاظ هي العاملة؟ قيل: الفاعل عند القائلين به إما أن يفعل بإرادة كالحيوان، وإما أن يفعل بالطبع كما تحرق النار ويبرد الماء، ولا فاعل إلا الله عند أهل الحق، وفعل الإنسان وسائر الحيوان فعل الله تعالى، كذلك الماء والنار وسائر ما يفعل، وقد تبين هذا في موضعه. وإما العوامل النحوية فلم يقل بعملها عاقل، لا ألفاظها ولا معانيها، لأنها لا تفعل بإرادة ولا بطبع. فإن قيل: إن ما قالوه من ذلك إنما هو على وجه التشبيه والتقريب، وذلك أن هذه الألفاظ التي نسبوا العمل إليها إذا زالت زال الإعراب المنسوب إليها، وإذا وجدت وجد الإعراب، وكذلك العلل الفاعلة عند القائلين بها. قيل: لو لم يسقهم جعلها عوامل إلى تغيير كلام العرب، وحطَّه عن رتبة البلاغة إلى هُجْنَه العيّ، وادعاء النقصان فيما هو كامل وتحريف

стр. 10

المعاني عن المقصود بها لسومحوا في ذلك، وإما مع إفضاء اعتقاد كون الألفاظ عوامل إلى ما أفضت إليه فلا يجوز إتباعهم في ذلك. واعلم أن المحذوفات في صناعتهم على ثلاثة أقسام: محذوف لا يتم الكلام إلا به، حُذف لعلم المخاطب به، كقولك لمن رأيته يعطي الناس: (زيداً) أي أعط زيداً فتحذفه وهو مراد وان أظهر تم الكلام به ومنه قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ، قُلِ الْعَفْوَ﴾ على قراءة من نصب وكذلك من رفع وقوله : ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾.

стр. 11

والمحذوفات في كتاب الله تعالى لعلم المخاطبين بها كثيرة جدَّاً، وهي إذا أظهرت تمَّ بها الكلام، وحذفها أوجز وابلغ. والثاني محذوف لا حاجة بالقول إليه، بل هو تامٌّ دونه، وإن ظهر كان عيباً كقولك: (أزيداً ضربته) قالوا إنه مفعول بفعل مضمر تقديره أضربت زيداً. وهذه دعوى لا دليل عليها إلا ما زعموا من أن (ضربت) من الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، وقد تعدى إلى الضمير، ولا بد لزيد من ناصب إن لم يكن ظاهراً فمقدر، ولا ظاهر، فلم يبقى إلا الإضمار. وهذا بناء على أن كل منصوب فلا بد له من ناصب! ويا ليت شعري ما الذي يضمرونه في قولهم: (أزيداً مررت بغلامه) وقد يقول القائل منا ولا يتحصَّل له ما يضمر! والقول تام مفهوم، ولا يدعو إلى هذا التكلف إلا وضع: كل منصوب فلا بد له من ناصب. فهذا القسم الثاني. وأما القسم الثالث فهو مضمر، إذا أُظهر تغير الكلام عما كان عليه قبل إظهاره، كقولنا: (يا عبد الله)، وحكم سائر المناديات المضافة والنكرات حكم عبد الله، وعبد الله عندهم منصوب بفعل مضمر تقديره أدعو أو أنادي. وهذا إذا أُظهر تغير المعنى وصار النداء خبراً. وكذلك النصب بالفاء والواو: ينصبون الأفعال الواقعة بعد هذه الحروف بأنْ، ويقدرون أنْ مع الفعل بالمصدر، ويصرفون الأفعال الواقعة قبل هذه الحروف إلى مصادرها، ويعطفون المصادر على المصادر بهذه الحروف. وإذا فعلوا ذلك كله لم يُرَدْ معنى اللفظ الأول! ألا ترى انك إذا

стр. 12

قلت: (ما تأتينا فتحدثنا) كان لها معنيان: أحدهما (ما تأتينا فكيف تحدثنا) أي أن الحديث لا يكون إلا مع الإتيان، وإذا لم يكن الحديث، كما يقال: (ما تدرس فتحفظ) أي أن الحفظ إنما سببه الدرس، فلا حفظ. والوجه الآخر (ما تأتينا محدثاً) أي انك تأتي ولا تحدِّث، وهم يقدرون الوجهين: (ما يكون منك إتيان فحديث) وهذا اللفظ لا يعطى معنى من هذين المعنيين. وهذه المضمرات التي لا يجوز إظهارها لا تخلو من أن تكون معدومة في اللفظ، موجودة معانيها في نفس القائل، أو تكون معدومة النفس، كما أن الألفاظ الدالة عليها معدومة في اللفظ. فإن كانت لا وجود لها في النفس ولا للألفاظ الدالة عليها وجودٌ في القول، فما الذي ينصب إذن؟ وما الذي يُضمر؟ ونسبة العمل إلى معدوم على الإطلاق محال. فإن قيل أن معاني هذه الألفاظ المحذوفة موجودة في نفس القائل، وإن الكلام بها يتمّ، وإنها جزء من الكلام القائم بالنفس، المدلول عليها بالألفاظ، إلا إنها حذفت الألفاظ الدالة عليها إيجازاً، كما حذفت مما يجوز إظهاره إيجازاً لزم أن يكون الكلام ناقصاً، وأن لا يتمّ إلا بها، لأنها جزء منه، وزدنا في كلام القائلين ما لم يلفظوا به، ولا دلنا عليه دليل إلا دعاء أن كل منصوب فلا بد له من ناصب لفظي. وقد فُرغَ من إبطال هذا الظن بيقين، وادعاء الزيادة في كلام المتكلمين من غير دليل يدل عليها خطأٌ بيِّنٌ، لكنه لا يتعلق بذلك عقاب، وأما طرد ذلك في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وادعاء زيادة معان فيه من غير حجة ولا دليل إلا القول بان كل ما ينصب إنما ينصب بناصب، والناصب لا يكون إلا لفظاً يدل على معنى أما منطوقاً به، وإما محذوفاً مراداً، ومعناه قائم بالنفس، فالقول بذلك حرام على من تبين له ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : من قال في القرآن برأيه فأصاب

стр. 13

فقد أخطأ. ومقتضى هذا الخبر النهي. وما نُهِى عنه فهو حرام، إلا أن يدل دليل. والرأي ما لم يستند إلى دليل حرام. وقال ﷺ : من قال في القرآن بغير علم فليتبوَّأ مقعده من النار. وهذا وعيد شديد، وما توعَّد رسول الله على فعله فهو حرام. ومن بني الزيادة في القرآن بلفظ أو معنى على ظن باطل، قد تبين بطلانه، فقد قال في القرآن بغير علم، وتوجَّه الوعيد إليه. ومما يدل على انه حرام الإجماع على انه لا يزاد في القرآن لفظٌ غير المجمع على إثباته، وزيادة المعنى كزيادة اللفظ، بل هي أحرى، لأن المعاني هي المقصودة، والألفاظ دلالات عليها، ومن اجلها. فان قيل فقد اجمع النحويين - على بكرة أبيهم - على القول بالعوامل، وإن اختلفوا، فبعضهم يقول: العامل في كذا وكذا، وبعضهم يقول: العامل فيه ليس كذا، إنما هو كذا، على ما نفسره بعد إن شاء الله. قيل: إجماع النحويين ليس بحجة على من خالفهم، وقد قال كبير من حذاقهم، ومقدَّم في الصناعة من مقدَّميهم، وهو أبو الفتح بن جنى في خصائصه: أعلم أن إجماع أهل البلدين (يعني البصرة والكوفة) إنما يكون حجة إذا أعطاك خصمك يده أن لا يخالف المنصوص والمقيس

стр. 14

على المنصوص، فإذا لم يعط يده بذلك يكون إجماعهم حجة عليه، وذلك انه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنة، أنهم لا يجتمعون على الخطأ، كما جاء النص عن رسول الله ﷺ من قوله: أمتي لا تجتمع على ضلالة، وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة، فكل من فرق له عن علة صحيحة، وطريق نهجهٍ، كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره إلا أنا مع هذا الذي رأيناه، وسوَّغنا مرتكبه، لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة - التي قد طال بحثها، وتقدَّم نظرها وتتالت أواخر على أوائل، وإعجازاً على كلاكل - والقوم الذين لا يُشك في أن الله، سبحانه وتقدست أسماؤه، قد هداهم لهذا العلم الكريم، وأراهم وجه الحكمة في الترحيب له والتعظيم، وجعله ببركاتهم، وعلى أيدي طاعتهم، خادماً لكتابه المنزل، وكلام نبيه المرسل، وعوناً على فهمها، ومعرفة ما أمر به، أو نُهي عنه الثقلان منهما إلا بعد أن يناهضه إتقانًا ويثابته عرفاناً، ولا يخلد إلى سانح خاطره، ولا إلى أول نزوة من نزوات تفكره، فإذا هو حذا على هذا المثال، وباشر بإنعام تصفحه أحناء الحال، امضي الرأي فيما يريه الله منه غير معازٍّ به

стр. 15

ولا غاضٍّ من السلف ﵏ في شيء منه، فإنه إذا فعل ذلك سُدِّد رأيه، وشُيِّع بالتوفيق خاطره، وكان للصواب مِئَنّة، ومن التوفيق مَظِنّة. وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: ما على الناس شيء أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئاً. وقد قال أبو عثمان المازني: وإذ قال العالم قولاً متقدماً فللمتعلم الاقتداء به والانتصار له، والاحتجاج لخلافه ان وجد إلى ذلك سبيلاً، وقال الطائي الكبير: يقولُ مَنْ تقرعُ أسماعَهُ ... كم ترك الأولُ للآخر! فمما جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدئ هذا العلم، وإلى آخر هذا الوقت، ما رأيته أنا في قولهم (هذا حُجْر ضبٍّ خربٍ)، فهذا يتناوله آخر عن أول، وتالٍ عن ماضٍ، على انه غلط من العرب، لا يختلفون فيه ولا يتوقفون عنه، وأنه من الشاذ الذي لا يُحمل عليه. ولا يجوز ردُّ غيره إليه. وأما أنا فعندي أن في القرآن من مثل هذا الموضع نيفاً على ألف موضع. قال المؤلف ﵁ هنا قطعت نص كلامه، لأني

стр. 16

أوردته وقصدي الإيجاز، وإنما سقت قوله المتقدم إتباعا لمن ألف الإتباع، فمذهب الجماعة في قول العرب (هذا حجر ضب خرب) ما ذكره. واختار أبو الفتح أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وقال إن في القرآن نيفاً على ألف موضع، وتقديره عنده (هذا جحر ضبٍّ خربٍ جحره) فخرب نعت لضب، كما يقال (هذا فرسٌ عربيٌّ قارح فرسه) فقارح نعت لعربي وُصف به، وإن كان للفرس، لأنه من سببه، فحذف الجحر الذي هو المضاف، وهو فاعل مرفوع، ولقيم المضاف إليه مقامه، وهو الضمير العائد على الضب مقام الجحر، فارتفع بخرب عنده. والضمير إذا كان فاعلاً باسم الفاعل، أو بالصفة المشبهه باسم الفاعل، استكنّ فيهما على مذهبهم، وحذفُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مطرد، واستكنانُ الضمير في الصفة مطرد. لكن لقائل أن يقول لأبي الفتح: إن الحذف للمضاف لا يجوز إلا في المواضع التي يسبق إلى فهم المخاطب المقصود من اللفظ فيها كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾. وأما في المواضع التي يُحتاج في معرفة المحذوف منها تأمل كثير، وفكر طويل، فلا يجوز حذفه لما فيه من اللَّبْس على السامعين. وهذا من المواضع البعيدة، والدليل على ذلك انه قد مر هذا القول على إسماع قوم فهماء عارفين بالنحو واللغة. فلم يهتدوا إلى هذا المحذوف، لأنه لو ظهر لكان قبيحاً، لو قالت

стр. 17

العرب: هذا جحر ضبٍّ خربٍ جحره، قَبُح، لأنه عيٌّ من القول، تغني عنه ضمة الباء، ويكون الكلام وجيزاً فصيحاً، فلما كان أصله هكذا، ثم تُكلِّف فيه ما تُكلِّف من الحذف لما لا يسبق حذفه إلى الفهم بعُدَ. ثم إنه لو كان المضاف إليه ظاهراً لكان أبين، ولكنه حُذِف المضاف، واستكن المضاف إليه، فعزب عن الفهم، وصار فهمه مع هذا الحذف والإضمار من تكليف ما لا يستطاع. واستنجاز أبو الفتح الرد على كل من تقدم بظن ليس بالقوي، فكيف بنا ونحن نرد عليهم الظنون الضعيفة بالأدلة الواضحة التي لا امتراء فيها لمنصف. فإن زعم النحويين أنهم لم يريدوا بقولهم في (أزيداً أكرمته) وما أشبه أن (أكرمت) الذي انتصب به زيدٌ مراد للمتكلم، ولا أن الكلام ناقص دونه، وإنما هو شيء موضوع مصطلح عليه، يُتوصَّل به إلى النطق بكلام العرب، كما فعل المهندسون حين وضعوا خطوطاً مصنوعة - هي في الحقيقة أجسام - مواضعَ الخطوط التي هي أطوال لا أعراض لها ولا أعماق، ونقطاً - هي أيضاً أجسام - مواضعَ النقط التي هي نهايات الخطوط، والتي لا أطوال لها ولا أعراض ولا أعماق، وقدروا في الفلك دوائر ونقطاً، وتوصلوا بذلك إلى البرهان على ما أرادوا أن يبرهنوا عليه، ولم يخلّ إيقاع هذه مواضع تلك بما قصدوا، بل حصل اليقين للمتعلمين تلك الصنعة، مع معرفتهم بوضع هذه موضع هذه. قيل للنحويين ليسوا بهؤلاء، لأنهم قالوا: إن كل منصوب فلا بد له من ناصب لفظي، فإن جعلوا هذه المحذوفات التي لا يجوز إظهارها معدومة على الإطلاق في اللفظ وفي الإدارة، والكلام تام دونها، فقد أبطلوا ما ادعوه من أن كل منصوب فلا بد له من ناصب، وأيضاً فإن وضع الأجسام مواضع الخطوط والنقد الهندسية تقريبٌ وعونٌ للمتعلم، ووضع هذه العوامل لا شيء فيه من ذلك، بل تقدير وتخييل.

стр. 18

ومما يجري هذا المجرى من المضمرات التي لا يجوز إظهارها، ما يدعونه في المجرورات التي هي إخبار أو صلات أو صفات أو أحوال مثل (زيد في الدار، ورأيت الذي في الدار، ومررت برجل من قريش، ورأى زيد في الدار الهلال في السماء) فيزعم النحويون أن قولنا في الدار متعلق بمحذوف تقديره (زيد مستقر في الدار) والداعي لهم إلى ذلك ما وضعوه من أن المجرورات إذا لم تكن حروف الجر الداخلة عليها زائدة فلا بد لها من عامل يعمل فيها ان لم يكن ظاهراً كقولنا (زيد قائم في الدار) كان مضمرا كقولنا (زيد في الدار). ولا شك أن هذا كله كلام تام مركب من اسمين دالين على معنيين بينهما نسبة وتلك النسبة دلت عليها (في) ولا حاجة بنا إلى غير ذلك. وكذلك يقولون في (رأيت الذي في الدار) تقديره (رأيت الذي استقر في الدار) وكذلك (مررت برجل من قريش) تقديره (كائن من قريش) وكذلك (رأيت في الدار الهلال في السماء) تقديره (كائناً في السماء). وهذا كله كلام تام لا يفتقر السامع له إلى الزيادة (كائن ولا مستقر) وإذا بطل العامل والعمل فلا شبهة تبقر لمن يدعي هذا الإضمار. ومما يجري هذا المجرى ما يدعونه من أن في أسماء الفاعلين والمفعولين والأسماء المعدولة عن أسماء الفاعلين والمشبهة بها، وما يجري مجري مجراها ضمائر مرتفعة بها، وذلك إذا لم ترتفع بها هذه الصفات أسماء ظاهرة مثل (ضارب ومضروب وضراب وحسن) وما جرى مجراها، وقالوا: أنها ترفع الظاهر في مثل قولنا (زيد ضارب أبوه عمراً) فإذا رفعت الظاهر. فالمضمر أولى أن ترفعه، وقد بطل ببطلان العامل أنها ترفع الظاهر. وإذا كان ضارب

стр. 19

موضوعاً لمعنيين: ليدل على الضرب، وعلى فاعل الضرب، غير مصرّح به (فإذا قلنا زيد ضارب عمراً) فضارب يدل على الفاعل غير مصرح باسمه، وزيد يدل على اسمه. فيا ليت شعري ما الداعي إلى تقدير زائد، لو ظهر لكان فضلاً؟ فإن قيل: الدليل عليه ظهوره في بعض المواضع، وذلك عند العطف عليه في قولنا (زيد ضارب هو وبكر عمراً) وكذلك سمع من العرب (مررت بقوم عرب أجمعون) فلولا أن في عرب ضميراً مرفوعاً لما جاز رفع أجمعين. قيل: النحويون يقولون: إن هذا الضمير الذي برز ليس هو فاعلاً بضارب، ففاعل ضارب مضمر، وهذا المنطوق به توكيد له، وبكر معطوف على الضمير المقدر لا على البارز. ولو سُلِّم ما قاله النحويون من أن هذا البارز تأكيد لمضمر آخر مراد، لم يُدَلَّ عليه بلفظ، وأن بكراً معطوف على ذلك المراد، قيل: إن هذا الضمير يضمر في حال العطف لا غير، وإذا لم يكن عطفٌ لم يكن ثم ضمير، ومن أين قِسْت حال غير العطف، وجعلت حال العطف مع قلتها أصلا لغيرها على كثرتها، والمتكلم لا ينوي الضمير إلا إذا عطف عليه، وإذا لم يعطف عليه لم يَنْوه، وهل قياس هذا على هذا إلا ظنّ، وكيف يثبت الظن شيئاً مُستُغنَى عنه لا فائدة للسامع فيه، ولا داعي إلى المتكلم إلى إثباته، وإثباته عيٌّ، لأن اسم الصفة المشتق وضع على الصفة وذي الصفة غير مصرح به، والضمير المدَّعى هو ذلك، لأنه صاحب الصفة غير مصرح به!. ويُسقِط ظنَّ قياس العطف أن هذه الصفات لم يظهر لها ضمير في حال التثنية والجمع كا ظهر في الفعل فيقابل هذا الظن في الإسقاط ذلك الظن في الإثبات، فعلى هذا يكون الإثبات لا دليل عليه قطعي ولا ظني، وإثباته في كلام الناس بغير دليل قطعي لا يجوز. فكيف بكتاب الله تعالى وادعاء زائد فيه بظنٍّ، والظن

стр. 20

ليس بعلم. على أن الظن قد قابلة ظن آخر، وقد تقدم الحديث في الوعيد على ذلك. وكذلك ما استدلوا به من قولهم (مررت بقوم عرب أجمعون، ومررت بقاع عرفج كلُّه) فمعلوم أن عرباً اسم مرفوع لمعنى يتميز به عن العجم، وإذا قلت (مرت بقوم عرب) فقد تم الكلام إذ قد أتيت بصفة وموصوف، وإذا أضمرت فيه ضميراً لم يفد معنى زائداً، وإما قولهم (أجمعون) فشاذ، فانم سلمنا انه توكيد لمضمر، فمن أين يُحكم بان هذا المضمر مرادٌ مع التوكيد، ومع عدم التوكيد، وإذ لم يكن توكيد فلا حاجة للمتكلم إليه. وقياس على هذا ظنَّ، لا يثبت به مثل هذا، لا سيما في كتاب الله تعالى. فإن قيل: فعلى هذا لا يثبت شيء في اللسان بالظن، قيل له: أما ما لا حاجة تدعو إليه فلا يثبت إلا بدليل قطعي، وأما ما يحتاج إليه مثل ألفاظ اللغة فإنها إذا نقلها السقاة قُبِلت وان كانت مظنونة، وكذلك غيرها مما تدعو الحاجة إليه. فان قيل: فما تقول في مثل (زيد قام) إذ قالوا: في قام ضميراً فاعلاً؟ وليس داعي يدعو إلى ذلك غير قول النحويين: الفاعل لا يتقدم، ولا بد للفعل من فاعل. وقولهم هذا لا يخلو من أن يكون

стр. 21

مقطوعاً به أو مظنوناً، فإن كان مظنوناً فأمره أمر الضمير المدَّعي في اسم الفاعل، وان كان مقطوعاً به صح هذا الإضمار. ولا بد أن يتقدم قبل الكلام في هذا الموضع مقدمات تعين الناظر فيه على ما قصد تبيينه، وهي أن الدلالة على ضربين: دلالة لفظيه مقصودة للواضع، كدلالة الاسم على مسماه، ودلالة الفعل على الحدث والزمان، ودلالة لزوم، كدلالة السقف على الحائط، ودلالة الفعل المتعدي على المفعول به وعلى المكان. ودلالته على الفاعل فيها خلاف بين الناس، منهم من يجعل دلالته عليه كدلالته على الحدث والزمان، ومنهم من يجعل دلالته عليه كدلالته على المفعول به فإذا قيل (زيد قام) ودل لفظ (قام) على الفاعل دلالة قصد فلا يُحتاج إلى أن يضمر شيء، لأنه زيادة لا فائدة فيها، كما كان ذلك في اسم الفاعل، إذ كان اسم الفاعل موضوعاً للدلالة على الفاعل والفعل، فالفعل على هذا دال على ثلاثة، وإن كانت دلالة الفعل عليه دلالة لزوم وتبع. وهنا احتمالان: أحدهما في نفس المتكلم ضميراً كما في قولنا (زيداً ضربته) لكنه لم يُدَلّ عليه بلفظ، لعلم المخاطب به، والدليل على ذلك قولهم في التسلية (قاما ويقومان) وفي الجمع (قاموا ويقومون) فهذه ضمائر دُلَّ عليها بألفاظ. والثاني أن تكون هذه الألف والواو علامتين للتثنية والجمع، كما قيل (أكلوني البراغيث) جعلها بعض العرب مع التقديم والتأخير. وجعلها أكثرهم مع تأخير الفعل عن الفاعل، كما لزمت تاء التأنيث مع التأخير للفعل، إذ كان الفاعل تأنيثه غير حقيقي، ولم تلزم مع التقديم، ولم تحذف مع تأخير الفعل إلا في الشعر، كقول القائل:

стр. 22

فلا مُزنةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أبْقَل إبقالها فان قيل: فما تصنع بقولهم (أنت قمت وأنا قمت) لم يُغنِهم تقديم الفاعل عن إعادته أخيراً؟ قيل: هذا دليل، ولكن قياس الغائب عن المخاطب والمتكلم ليس بقطعي، ولعله يُكتَفَي في الغائب بالظاهر المتقدم ولكن يكتفي به في غيره. فإن قيل: فما الصحيح في دلالة الفعل على الفاعل؟ قيل: الأظهر أن دلالة الفعل على الفاعل لفظية. ألا ترى انك تعرف من الياء التي في (يعلم) أن الفاعل غائب مذكر، ومن الألف في (أعلم) من أنه متكلم، ومن النون في نعلم أنه متكلمون ومن التاء في تعلم أنه مخاطب أو غائبه، ووقع الاشتراك هنا، كما وقع في (يعلم) وما أشبهه، بين الحال والمستقبل. وتعرف من لفظ (علم) أن الفاعل غائب مذكر. وعلى هذا فلا ضمير لأن الفعل يدل بلفظه عليه، كما يدل على الزمان، فلا حاجة بنا إلى إضمار. وإما على الرأي الآخر، فالأظهر أنه إضمار لما تقدم. والنحويين يفرقون بين الإضمار والحذف ويقولون (أعني حُذَّافهم) أن الفاعل يضمر ولا يحذف، فإن كانوا يعنون في المضمر مالا بد منه، وبالمحذوف ما قد يستغنى عنه، فهم يقولون: هذا انتصب بفعل مضمر،

стр. 23

لا يجوز إظهاره. والفعل الذي بهذه الصفة لابد منه، ولا يتمّ الكلام إلا به، وهو الناصب، فلا يوجد منصوب إلا بناصب. وإن كانوا يعنون بالمضمر الأسماء، ويعنون بالمحذوف الأفعال، ولا يقع الحذف إلا في الأفعال أو الجمل لا في الأسماء، فهم يقولون في قولنا (الذي ضربت زيد) إن المفعول محذوف تقديره ضربته. فإن فُرِّقَ بينهما بما هو مقطوع بأن المتكلم أراده، وبما يظن أن المتكلم أراده ويجوز أن لا يريده، فهو فرق، لكن إطلاق النحويين لهذين اللفظين لا يأتي موافقاً لهذا الفرق. والذي يجيء أن يعتقد في مثل (زيد قام) أنه يجوز أن يريد المتكلم إعادة الفاعل، ويجوز أن يكتفي بما تقدم، والأظهر أن يكتفي بما تقدم. هذا إذا كان في كلام الناس، وإما في كلام البارئ سبحانه، فالإضراب عن إثباته ونفيه واجب، لأنه لا يوجد فيه دليل قطعي، ولا حاجة بنا إلى القول بالإثبات والإبطال فيه.

стр. 24

فصل فإن قيل: أنت قد أبطلت أن يكون في الكلام عامل ومعمول، فأرنا كيف يتأنى ذلك مع الوصول إلى غاية النحو، قلت: أورد هذا في أبواب تدل على ما سواها بالأحرى، وقد شرعت في كتاب يشتمل على أبواب النحو كلها، فإن قضى الله تعالى بإكماله انتفع به من لم يعقه عند التقليد، وإلا فيستدل بهذه الأبواب على غيرها. فمن هذه الأبواب: باب الفاعلَيْن والمفعولَيْن الذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثلما يفعل به الآخر وما كان نحو ذلك. هذه ترجمة سيبويه رحمة الله. وأنا في هذا الباب لا أخالف النحويين إلا في أن أقول: علَّقت ولا أقول: أعملت، والتعليق يستعمله النحويون في المجرورات، وأنا استعمله في المجرورات والفاعلين والمفعولين، تقول (قام وقعد زيد) فإن علقت زيداً بالفعل الثاني، فبين النحويين في ذلك اختلاف: الفراء لا يجزيه، والكسالة يجزيه على

стр. 25

حذف الفاعل، وغيره يجزيه على الإضمار، الذي يفسره ما بعده، والدليل على حذفه ما بعده والدليل على حذفه قول الشاعر: وكُمْتاً مدمَّاةً كأنَّ متونه ... جرى فوقها واستشعرتْ لونَ مُذْهَب فجرى لا فاعل له ظاهراً، فإما أن يكون محذوفاً، وأما أن يكون مضمراً، ومن الدليل عليه قوله تعالى

стр. 26

﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ وقوله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَن جَاءهُ الأَعْمَى ﴿. فهذه الأفعال لا فاعل لها ظاهراً. وأما أي الرأيين أحق، فرأى الكسالى لأنه غيره يقول: حذفُ الفاعل لا يجوز، لأن الفاعل والفعل كالشيء الواحد، فمهما متلازمان، فعلى هذا لا يجوز حذف الفعل وإبقاء الفاعل، وهم يجيزونه!. ومن الدليل على صحة مذهب الكسالى قول علقمة: تعفَّقَ بالأرطي لها وأرادها ... رجالٌ فبذَّت نَبْلَهُم وكَلِيبُ وإن علَّقت زيداً بالفعل الأول قلت في التثنية (قام وقعد الزيدان) وفي الجمع (قام وقعدوا الزيدون). وتقول (مررت ومر بي زيد) على تعليق زيد بقولك: مرَّ،

стр. 27

وإن علقته بمررت قلت (مررت ومر بي بزيد) تقديره مررت بزيد ومرَّ بي، وفي التثنية (مررت ومرَّا بى بالزيدَين) وفي الجمع (مررت ومروا بي بالزيدين). وتقول (مرَّ بي ومررت بزيد) على التعليق بالثاني، وفيه من الاختلاف ما في المسالة قبلها. وعلى التعليق بالأول (مرَّ بي ومررت به زيد) تقديره مرَّ بي زيد ومررت به، وتقول (ضربت وضربني زيد) على التعليق بالثاني، وفي التثنية (ضربت وضربني الزيدان) وفي الجمع (ضربت وضربني الزيدون). وعلى التعليق بالأول (ضربت وضربني زيداً) وفي التثنية (ضربت وضرباني الزيدين) وفي الجمع (ضربت وضربوني الزيدين) قال الله تعالى في التعليق بالثاني ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ فقطراً مفعول بأفرغ. وقال الشاعر في التعليق بالأول:

стр. 28

فردَّ على الفؤادِ هَوىً عميداً ... وسُوئِلَ لو يُبينُ لنا السؤالا وقد نَعْنَي بها ونرى عُصوراً ... بها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِدَالا وقال الفرزدق في التعليق بالثاني: ولكنَّ نِصْفاً لو سببت وسبَّني ... بنو عبد شمسٍ من منافٍ وهاشم وقال طفيل الغنوى في ذلك: وكُمْتاً مدمَّاةً كأنَّ متونه ... جرى فوقها واستشعرتْ لونَ مُذْهَب وقال عمر بن أبي ربيعة في التعليق الأول: إذا هي لم تَسْتَكْ بعود أَرَاكَةٍ ... تُنُخِّلَ فاستاكتْ به عودُ إِسْحِل

стр. 29

وتقول (أعطيت وأعطاني زيد درهماً) وعلى التعليق بالأول (أعطيت وأعطانيه زيد درهماً) وتقول (ظننت وظنني زيد شاخصاً) وعلى التعليق بالأول (ظننت وظننيه زيداً شاخصاً) وفي التثنيه (ظننت وظناني شاخصاً الزيدَين شاخصين) وفي الجمع (ظننت وظنوني شاخصاً الزيدين شاخصين). تقديره (ظننت الزيدين شاخصين وظنوني شاخصاً) فلم تجمع شاخصاً، لأن المفعول الثاني في هذه الأفعال يطابق الأول، ولم تضمره، لأن ضمير الواحد لا يعود على الاثنين، فلو قلت (ظننت وظنناني) وثنيت شاخصاً، وأضمرته، لقلت: (ظننت وظنناني إياهما الزيدين شاخصين)، وفي الجمع (ظننت وظنوني إياهم الزيدين شاخصين)! وتقول (أعلمت وأعلمني زيد عمراً منطلقاً) على التعليق بالثاني، وعلى التعليق بالأول (أعلمت وأعلمنيه إياه زيداً عمراً منطلقاً)، وفي التثنيه (أعلمت وأعلمانيهما إياهما الزيدين العمرين منطلقين)، وفي الجمع (أعلمت وأعلمونيهم إياهم الزيدين العمرين منطلقين). تقدير الكلام: أعلمت الزيدين العمرين منطلقين وأعلمونيهم إياهم. ورأيي في هذه المسالة وما شاكلها أنها لا تجوز، لأنه لم يأتي لها نظر في كلام العرب، وقياسها على الأفعال الدالة على مفعول به واحد قياسٌ بعيد، لما فيه من الإشكال من الضمائر والتأخير والتقديم. وفروع هذا الباب كثيرة، منها أن جميع الأفعال من متصرف وغير متصرف هل تدخل في هذا الباب أولاً، ومنها أن الأسماء والحروف

стр. 30

هل هي في هذا كالأفعال أولاً، ومنها أن المتعلقات التي يسميها النحويون المعمول فيها: من ظروف وأحوال وتمييزات ومفعولات من أجلها ومفعولات مطلقة ومفعولات معها، هل مجراها مجرى المفعولات بها ومجرى الفاعلين والمجرورات أولاً، فأما الأفعال التي تقتضي ثلاثة مفعولين فلا لما قدمناه، وأما الأفعال التي لا تتصرف كفعل التعجب فنعم، تقول (ما أحسن وأعلم زيداً) تُعَلِّق زيداً بأعلم، وتقول (ما أحسن وأعلمه زيداً) على التعليق بالأول، لا مُعْتَرَض فيه إلا الفصل بين أحسن والمتعلِّق به، وليس فعلاً، وان جعله بعض النحويين فعلاً. فإن قيل إنه لا يتصرف تصرف غيره من الأفعال في متعلقاته، قيل: القياس على غيره من الأفعال المقتضية مفعولاً واحداً سائغٌ لقرب مأخذه، وسبقه إلى فهم السامع. وأما حبَّذا ونعم وبئس وعسى، فلا تدخل في هذا الباب، لأن المتعلقات بها لا تضمر على حد الإضمار في هذا الباب، ولا يحال بينها وبينها. وما كان وأخواتها فإنَّ كان منها تجري مجرى الأفعال المقتضية مفعولاً، تقول (كنت وكان زيداً قائماً) و (كنت وكان هو زيداً قائماً) فقائماً خبر كنت، فقال الفرزدق: إني ضمنت لمن أتاني ماجَنَى ... وأَبَى فكان وكنتُ غير غَدورِ

стр. 31

وكذلك ليس، تقول (لست وليس زيدٌ قائماً) و (لست وليس زيد إياه قائماً). والأظهر أن يوقف فيما عدى كان على السماع من العرب، لأن كان اتُّسِع فيها وأُضمر خبرها، قال أبو الأسود: فإلاَّ يكنْها أو تكنْهُ فإنَّهُ ... أخوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلبانِها فإن قيل: النحويون لم يذكروا في هذا الباب إلا الفاعل والمفعول والمجرور، وهنا كمعمولات كثيرة على مذهبهم كالمصادر والظروف، والأحوال، والمفعولات من أجلها، والمفعولات معها والتمييزات، فهل تقاس هذه على المفعولات بها أو لا تقاس؟ قيل: أما المصدر فالظاهر من كلامهم أنه لا يكون في هذا الباب، وذلك: أن المصادر إنما يجاء بها لتأكيد الفعل. والحذف مناقض للتأكيد، فإذا قلت (قمت وقام زيد قياماً)، إن علقت قياماً بالثاني، وحذفت من الأول، حذفت المؤكد، وإن قصد بالمصدر تبيين النوع كان أشبه بالمفعول به، كقولنا (قمت القيام الحسن)، تقول في تعليقه بالثاني (قمت وقام زيد القيام الحسن)، وفي تعليقه بالأول (قمت وقامة زيد القيام الحسن)، وتقول في ظرف الزمان (قمت وقام زيد يوم الجمعة)، وعلى التعليق بالأول (قمت وقام فيه زيد يوم الجمعة)، وفي ظرف المكان (قمت وقام زيد مكاناً حسناً)، وعلى التعليق بالأول (قمت وقام فيه زيد مكاناً حسناً)

стр. 32

وتقول في المفعول لأجله (قمت وقام زيد إعظاماً لك)، وعلى التعليق بالأول (قمت وقام له زيد إعظاماً لك). تقديره: قمت إعظاماً لك وقام له زيد. والأظهر أن لا يُقاس شيء من هذا المسموع إلا أن يُسمَع في هذه كما سُمع في تلك. وأما الحال والتمييز فلا يجوز القياس فيهما لأنهما لا يُضمران. وأما الحروف فلا مدخل لها في هذا الباب. وإما الأسماء التي يسميها النحويون عاملة فيكون فيها ذلك، تقول (زيدٌ مادحٌ ومعظِّمٌ عمراً) و (زيدٌ مادحٌ ومعظِّمٌ إيَّاه عمراً) تريد (زيدٌ مادحٌ عمراً ومعظِّمٌ إيَّاه). وبين النحويين اختلاف في أي الفعلين أولى أن تعلق به الاسم الأخير، واختيار البصريين الثاني للجوار، واختيار الكوفيين الأول للسبق. ومذهب البصريين أظهر لأنه أسهل، فإنه ليس إلا حذف ما تكرر في الثاني، أو إضماره على مذهبهم إن كان فاعلاً. والتعليق بالأول فيه إضمار كل ما تكرر من متعلقات الأول في الثاني، وتأخير المتعلقات بالأول بعد الثاني. وقد حملهم الجوار على أن يقولوا هذا (حجر ضبٍ خربٍ) فيخفضونه وهو للحجر المتقدم.

стр. 33

فصل ومن الأبواب التي يظن آتها تعسر على من أراد تفهيمها أو تفهمها، لأنها موضع عامل ومعمول، ولا داعية لي إلى إنكار العامل والمعمول، باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره مثل قولنا (زيداً ضربته). وأقول: إن كل فعل تقدمه اسم وعاد منه على الاسم ضمير مفعول، أو ضمير متصل بمفعول، أو بمخفوض، أو بحرف من الحروف التي يخفض ما بعدها، فإن ذلك الفعل لا يخلو أن يكون خبراً أو غير خبر، وغير الخبر يكون أمراً. أو نهياً، أو مستفهماً عنه، أو محضوضاً عليه، أو متعجباً منه. فإن كان أمراً أو نهياً فالاختيار في النصب، ويجوز رفعه، كقوله (زيداً أضرِبْه)، وكذلك (زيداً اضرِبْ غلامه)، وكذلك (زيداً امرُرْ به)، والنهي كالأمر، قال الأعشى: هريرةَ ودَّعْها وإن لام لائمُ ... غداة غدٍ أم أنت للبين واجمُ وكذلك إن كان الأمر باللام، كقولك (زيداً ليضرِبْه عمرو).

стр. 34

وإن دخلت أمَّا قبل الاسم فكذلك، تقول (أمَّا زيداً فأكرمْهُ) (وأمَّا عمراً فلا تهنه) والدعاء يجري مجرى الأمر والنهي في اللفظ، يقال (اللهم زيداً ارحمْه، واللهم عبدَ الله لا تعذبْه) وكذلك (زيداً سُقياً له وعمراً رَعْياً له، وأما الكافر فجَدْباً له) لأنه دعاء، وقال أبو الأسود الدؤلي: أميرانِ كانا آخياني كلاهما ... فكُلا جزاه اللهُ عني بما فَعَلْ وإذا قلت (زيداً فاضرِبْه)، فلا يجوز في زيد إلا النصب، ولا يجوز فيه الرفع على الابتداء، كما يجوز في (زيدٌ اضربْه)، فإن جعل خبر مبتدأٍ محذوف جاز، كأنه قال: (هذا زيد فاضرِبْه). ولا يجوز (زيدٌ فاضرِبْه) على أن يكون زيد مبتدأً. واضرِبْه خبره، كما لا يجوز زيد فمنطلق وقال الشاعر: وقائلةٍ خَولانُ فانْكح فتاتَهُمْ ... وأُكرُوْمَةُ الحيَّيْنِ خِلْوٌ كما هيا فخولان خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه خولان.

стр. 35

وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾، وقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾. فإن سيبويه ﵀ جعلهما مبتدأين، ولم يجعل فعلى الأمر خبرين عنهما، لكنه جعل الخبرين محذوفين، تقديرهما: في الفرائض أو فيما فرض عليكم الزانية والزاني. ويظهر إنهما مبتدآن وخبرهما الفعلان ودخلت الفاء في الخبر، كما تدخل في خبر (الذي سرق فاقطع يده)، لأن معنى السارق الذي سرق، وليس بمزلة (زيد فمنطلق)، لأن زيداً لا يدل على معنى، يستحق أن يكون الخبر مسبباً له، كما في السارق، فإن في السارق معنى ترتَّب عليه قطعُ يده، وقد قرئ بالنصب. وقال سيبويه: وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة ولكن أبت العامة إلا الرفع. وأما إن كان الفعل مستفهماً عنه بالهمزة، فإن الاختيار نصبه، ويجوز رفعه، كقولك (أزيداً أكرمته)، قال الله ﴿أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾

стр. 36

وكذلك (أزيداً ضربت أخاه، وأزيداً مررت به، وأزيدًا مررت بأخيه)، وقال: أثعلبةَ الفوارسِ أم رياحاً ... عدلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا وتقول: (أعبد الله كنت مثله، وأزيداً لست مثله) بناء على أن كان وليس فعلان. وهذا لا يجوز عندي، حتى يسمع من العرب. وتقول: (ما أدري أزيداً ما مررت به أم عمراً، وما أبالي أعبد الله لقيت أم أخاه عمراً). وإن كان العائد على الاسم المقدم قبل الفعل ضمير رفع، فإن الاسم يرتفع كما أن ضميره في موضع رفع. ولا يضمر رافع كما لا يضمر ناصب، إنما يرفعه المتكلم وينصبه إتباعا لكلام العرب، وذلك كقولك (أزيدٌ قام)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾.

стр. 37

وقولنا انه تارة منصوب على أنه غير مبتدأ، وتارة مرفوع على أنه مبتدأ، فلا منفعة في ذلك. وقال ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ، أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ فأنتم في موضع رفع، وكذلك (أزيدٌ ضرب أبوه عمراً). وكذلك (أزيدٌ ضُرب) و (أزيدٌ ذُهبَ به)، لأنه في موضع رفع، وكذلك (أزيدٌ مُرّ بغلامه)، وقال عدي بن زيد في الأمر: أَرواحٌ مودَّعٌ أم بكورُ ... أنت فانظر لأيِّ ذاك تصيرُ فإن عاد عليه ضميران احدهما في موضع مرفوع، والآخر في موضع منصوب، أو أحدهما متصل بمرفوع، والآخر متصل بمنصوب، كقولك (أعبد الله ضرب أخوه غلامه) لك في عبد الله الرفعُ والنصبُ، إن رُوعي المرفوع رُفِع وجُعل المنصوب كالأجنبي، وإن رُوعي المنصوب نُصب.

стр. 38

وقال أبو الحسن الأخفش تقول: (أزيداً لم يضربه إلا هو)، لا يكون فيه إلا النصب، وان كانا جميعاً من سببه، لأن المنصوب ها هنا اسم ليس بمنفصل من الفعل وإنما يكون الأول على الذي ليس بمنفصل لأن المنفصل يعمل كعمل سائر الأسماء ويكون هو في مواضعها، وغير المنفصل لا يكون هكذا. وكذلك (أزيد لم يضرب إلا أباه) لأن الفعل زيد، إذا كان مع اسم - يعني ضمير الفاعل الذي في يضرب - غير منفصل، لم يتعدّ إلى زيد، ولم يتعدّ فعل زيد إليه، ألا ترى أنك لا تقول (أزيداً ضرب) وأنت تريد أزيداً ضرب نفسه، ولا (أزيد

стр. 39

ضربه) وأنت تريد أن توقع فعل زيد على الهاء، والهاء لزيد، فلذلك لم يعمل في زيد. قال المؤلف ﵁: هذا بناء على أن المرفوع يرتفع بفعل مضمر، والمنصوب ينتصب كذلك أيضاً. فإذا قيل (أزيداً لم يضربه إلا هو) فتقدير المحذوف (ألم يضرب زيداً إلا هو)، وهذا جيد، لأن الفاعل مضمر منفصل. ولو رَفَع (زيداً) حملاً على الضمير المنفصل، فقال (أزيد لم يضربه إلا هو) لكان تقدير المحذوف (ألم يضربه إلا زيد)، وهذا لا يجوز، لأن فعل زيد لا يتعلق به ضمير زيد المتصل، لا تقول (ما ضربه إلا زيد) والضمير لزيد، فإن قيل: لمَ لا يكون التقدير (ما ضرب إلا إياه زيد) قيل: لأن معنى المحذوف يكون مخالفاً لمعنى المنفى المذكور، لأن إلا إذا دخلت على الفاعل، كان المعنى أن المفعول لم يصل إليه فعل أحد، إلا فعل الفاعل، والفاعل يحتمل أن يكون فعلُه وصل إلى غير ذلك المفعول، ويحتمل أنه لم يصل إلا إلى ذلك المفعول، وإذا أدخلت إلا على المفعول نفيت عن الفاعل أن يفعل بغير المفعول، وجائز أن يوقع الفعل بالمفعول غير الفاعل، وجائز أن لا يوقعه إلا ذلك الفاعل. وإذا قلت (أزيد لم يضرب إلا إياه) فالرفع في زيد، لا غير، لأن تقدير المحذوف (ألم يضرب زيد إلا إياه)، وهذا حسن. ولا يجوز النصب في هذه المسألة، كما لا يجوز الرفع في الأول، لأنه لو نَصَب (زيداً) لكان التقدير (ألم يضرب إلا زيداً) لأن ضمير الفاعل في الفعل الظاهر متصل، ولا يجوز ذلك، لا يجوز (ما ضرب إلا زيداً) ولا (ما إلا زيداً

стр. 40

ضرب). ولا يجوز إدخال إلا على ضمير الرفع حتى يقال (ألم يضرب زيداً إلا هو) لأن معنى المحذوف يجب أن يكون كمعنى المنفي المذكور. وهذا ليس كذلك لما تقدم في المسالة الأولى. وهذا كله بناء على مذهب الإضمار، وما من يرى أن العرب إنما راعت المعاني، وجعلت اختلاف الألفاظ في الغالب دايلاً على اختلاف المعاني. وعدم اتفاقها، فإنه يجيز النصب والرفع في كل واحدة من المسالتين، لأن زيداً فاعلاً ومفعول، فالرفع باعتبار كونه فاعلاً، والنصب باعتبار كونه مفعولاً، ألا ترى انك تقول: (أزيد لم يضرب عمراً إلا هو)، فتحمل على المنفصل و (أزيداً لم يضرب عمراً إلا إياه) حملاً على المنفصل، ولو قلت (أزيداً لم يضرب عمراً إلا هو) لم يجز. وإذا قدرت عاملاً على مذهبهم، لم يكن بد من أن تقول (ألم يضرب عمراً إلا زيد لم يضربه إلا هو)، وهذا من الأدلة البينة على أن العرب لم تُضمر شيئاً. وتقول (أخواك ظناهما منطلقين) فللأخوين هنا ضميران مرفوع ومنصوب، وهما متصلان، فحملت الأول على المرفوع
следующие страницы →