الرضى (ع) فأذاقه الله حر الحديد، وكان أبو الخطاب يكذب على أبي عبد الله (ع) فأذاقه الله حر الحديد، والذي يكذب علي، محمد بن الفرات (١).
وعن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال: " لعن الله بنان البيان، وإن بنان لعنه الله كان يكذب على أبي، أشهد أن أبي كان عبداً صالحاً " (٢).
وبدءوا يتبرءون منهم، ويمنعون متبعيهم من الوقوع في شراكهم وحبائلهم، كما نقل الكشي عن جعفر أنه ذكر عنده جعفر بن واقد ونفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل: أنه صار إليهم يتردد وقال فيهم:
وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، قال هو الإمام، فقال أبو عبد الله (ع): لا والله لا يأويني وإياه سقف بيت أبدا، هم شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، والله ما صغر عظمة الله تصغيرهم شيئاً قط، وإن عزيراً جال في صدره ما قالت اليهود، فمحى الله إسمه من النبوة. والله لو أن عيسى أقّر بما قالت فيه النصارى، لأورثه الله صمماً إلى يوم القيامة، والله لو أقررت بما يقول فيّ أهل الكوفة لأخذتني الأرض، وما أنا إلا عبد مملوك لا أقدر على ضر شيئ ولا نفع شيئ.
محمد بن مسعود قال: حدثني علي بن محمد قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن زكريا عن ابن مسكان عن قاسم الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: " قوم يزعمون أني لهم إمام، والله ما أنا لهم بإمام، مالهم لعنهم الله كلما سترت ستراً هتكوه، هتك الله سترهم، أقول كذا، يقولون إنما يعني كذا، أنا إمام من أطاعني " (٣).
стр. 212
ولكن باءت الجهود المخلصة بالفشل، وزادت الشيعة في غلوائهم وغيهم لكثرة ما وجد في ذلك الزمان من الكذابين ومن المنتحلين مودة أهل البيت، والمدعين موالاتهم ومشايعتهم من أبي الخطاب وأبي البصير المرادي وزرارة بن أعين وجابر الجعفي ومغيرة بن سعيد والهشامين وأبي الجارود وغيرهم. فكثرت الآراء وتشعبت، وزادت الفرق وتفرقت، ذهب بعضها إلى المذاهب البعيدة، وزاد حتى على السبئية مؤسسي بنيانها وواضعي نواتها، وقربت البعض منها، وأحصرت على تلقي ما لقنته السبئية وألقته إليهم، وقلل الأخذ بعض منها وأكثر البعض، ولقد أقر بذلك مؤرخ شيعي حيث قال:
" ولم يتمكن الصادق - في تلك الظروف القاسية التي ظهرت فيها الزيدية - على أن يناظرهم غالباً في شيئ من أمر الإمامة، لأنه كان يتكتم فيها، ويتقي ملوك عصره، ويحذر من وشاتهم وجواسيسهم الكثيرة، ومع تكتمه الشديد قد أحضره المنصور وقال له: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني؟ فقال له الصادق (ع): والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك، فمن كاذب " (١).
فمن الذين اختلفوا أول الأمر على جعفر وأخذوا عليه في حياته، من ذكرهم النوبختي:
" وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي ﵇، فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبد الله جعفر بن محمد ﵇، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر منهم يسير، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة إبنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه،
стр. 213
رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا كذبنا ولم يكن إماماً، لأن الإمام لا يكذب ولا يقول مالا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله بداله في إمامة إسماعيل، فأنكروا "البداء " والمشيئة من الله، وقالوا هذا باطل لا يجوز، ومالوا إلى مقالة (البترية) ومقالة سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه بهذا السبب أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبداُ، وهما القول بالبداء وإجازة التقية. فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا لشيعتهم أنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيئ على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قِبَل الله ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت. وإن لم يكن ذلك الشيئ الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا لشيعتهم، بدا لله في ذلك بكونه.
وأما التقية، فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين، فأجابوا فيها، وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد، وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد ولا في شهر واحد، بل في سنين متباعدة، وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة. فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة. فلما وقفوا على ذلك منهم، ردوا إليهم هذا الإختلاف والتخليط في جواباتهم، وسألوهم عنه، وأنكروا عليهم فقالوا: من أين هذا الإختلاف؟ وكيف جاز ذلك؟ قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا، وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه
стр. 214
بقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم.
فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟.
فمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول، جماعة من أصحاب أبي جعفر، وتركوا القول بإمامة جعفر ﵇ " (١).
وهنا آخران من أهل البيت إدعيا الإمامة في حياة جعفر، وهما عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وأمه فاطمة بنت الحسين بن علي.
وهو الذي كان يقول: ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله مرتين " (٢).
والذي قال عنه الأصفهاني الشيعي:
" كان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ بني هاشم والمقدم فيهم، وذا الكثير منهم فضلاً وعلماً وكرماً" (٣).
والثاني إبنه محمد بن عبد الله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية، هو الذي كتب فيه الأصفهاني الشيعي:
" وكان محمد بن عبد الله الحسن، من أفضل أهل بيته، وأكبر أهل زمانه في زمانه في علمه بكتاب الله، وحفظه له، وفقهه في الدين، وشجاعته، وجوده، وبأسه، وكل أمر يجمل بمثله، حتى لم يشك أحد أنه المهدي، وشاع ذلك له في العامة، وبايعه رجال من بني هاشم جميعاً، من آل أبي طالب، وآل العباس، وسائر بني هاشم " (٤).
وقد ذكر الكليني في (كافيه) إدعاءهما الإمامة زمن جعفر ودعوتهما إياه إليهما، حيث ذكر أن عبد الله بن الحسن دخل على جعفر بن الباقر وقال:
стр. 215
" قد علمت جُعلت فداك أن السن لي عليك، وأن في قومك من هو أسن منك، ولكن الله قد قدم لك فضلاً ليس هو لأحد من قومك، وقد جئتك معتمداً لما أعلم من برّك، واعلم - فديتك - إنك إذا أجبتني لم يتخلف عني أحد من أصحابك، ولم يختلف علي إثنان من قريش ولا غيرهم. فقال له أبو عبد الله ﵇: إنك تجد غيري أطوع لك مني ولا حاجة لك فيّ، فوالله إنك لتعلم أني أريد البادية أو أهم بها فأثقل عنها، وأريد الحج فما أدركه إلا بعد كد وتعب ومشقة على نفسي، فاطلب غيري وسله ذلك ولا تعلمهم أنك جئتني. فقال له: إن الناس مادون أعناقهم إليك، وإن أجبتني لم يتخلف عني أحد، ولك أن لا تكلف قتالاً ولا مكروهاً. قال: وهجم علينا ناس فدخلوا وقطعوا كلامنا، فقال أبي: جعلت فداك ما تقول؟. فقال: نلتقي إن شاء الله. فقال: أليس على ما أحب؟. فقال: على ما تحب إن شاء الله من إصلاحك ... فقال له أبوعبد الله ﵇: يا ابن عم، إني أعيذك بالله من التعرض لهذا الأمر الذي أمسيت فيه، وإني لخائف عليك أن يكسبك شرا. فجرى الكلام بينهما، حتى أفضى إلى ما لم يكن يريد. وكان من قوله: بأي شيئ كان الحسين أحق بها من الحسن؟ فقال أبو عبد الله ﵇: رحم الله الحسن، ورحم الحسين، وكيف ذكرت هذا؟ قال: لأن الحسين ﵇، كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن ... فقام أبي يجر ثوبه مغضباً، فلحقه أبو عبد الله ﵇، فقال له: أخبرك أني سمعت عمك وهو خالك يذكر أنك وبني أبيك ستقتلون، فإن أطعتني ورأيت أن تدفع بالتي هي أحسن فافعل، فوالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الكبير المتعال على خلقه، لوددت أني فديتك بولدي وبأحبهم إلي بأحب أهل بيتي
стр. 216
إلي، وما يعدلك عندي شيئ، فلا ترى أني
غششتك. فخرج أبي من عنده مغضباً أسفا ... ثم أتى محمد بن عبد الله بن حسن، فأخبر أن أباه وعمومته قتلوا - قتلهم أبو جعفر- إلا حسن بن جعفر وطباطبا وعلي بن ابراهيم وسليمان بن داوود بن حسن وعبد الله بن داود، قال: فظهر محمد بن عبد الله عند ذلك، ودعى الناس لبيعته، قال: فكنت ثالث ثلاثة بايعوه واستوثق الناس لبيعته، ولم يختلف عليه قرشي ولا أنصاري ولا عربي، قال: وشاور عيسى بن زيد وكان من ثقاته وكان على شرطه، فشاوره في البعثة إلى وجوه قومه، فقال له عيسى بن زيد: إن دعوتهم دعاء يسيراً لم يجيبوك، أو تغلظ عليهم، فخلني وإياهم، فقال له محمد: إمض إلى من أردت منهم، فقال: إبعث إلى رئيسهم وكبيرهم - يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد ﵇ فإنك إذا أغلظت عليه علموا جميعاً أنك ستمرهم على الطريق التي أمررت عليها أبا عبد الله ﵇، قال: فوالله ما لبثنا أن أتى بأبي عبد الله ﵇ حتى أوقف بين يديه، فقال له عيسى بن زيد: أسلم تسلم، فقال له عبد الله ﵇: أحدثت نبوة بعد محمد صلى الله عليه وآله؟ فقال له محمد: لا، ولكن بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلفن حرباً، فقال له أبوعبد الله ﵇: ما فيّ حرب ولا قتال، ولقد تقدمت إلى أبيك وحذرته الذي حاق به، ولكن لا ينفع حذر من قدر، يابن أخي عليك بالشباب، ودع عندك الشيوخ. فقال له محمد: ما أقرب ما بيني وبينك في السن، فقال له أبوعبد الله ﵇: إني لم أعازّك ولم أجيئ لأتقدم عليك في الذي أنت فيه. فقال له محمد: لا والله لابد من أن تبايع. فقال له أبوعبد الله ﵇: ما فيّ ياابن أخي طلب ولا حرب، وإني لأريد الخروج الى البادية
стр. 217
فيصدني ذلك ويثقل علي حتى تكلمني في ذلك الأهل غير مرة، ولا يمنعني منه إلا
الضعف، والله والرحم أن تدبر عنّا ونشقى بك. فقال له: يا أبا عبد الله قد والله مات أبو الدوانيق - يعني أبا جعفر - فقال له أبو عبد الله ﵇: وما تصنع بي وقد مات؟ قال: أريد الحمال بك، قال: ما إلى ما تريد السبيل، لا والله ما مات أبو الدوانيق إلا أن يكون مات موت النوم. قال: والله لتبايعني طائعا ً أو مكرها ولا تحمد في بيعتك. فأبى عليه إباء شديداً، وأمر به إلى الحبس. فقال له عيسى بن زيد: أما إن طرحناه في السجن وقد خرب السجن وليس عليه اليوم غلق، خفنا أن يهرب منه. فضحك أبو عبد الله ﵇، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أوتراك تسجنني؟ قال: نعم والذي أكرم محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، لأسجننك ولأشددّن عليك. فقال عيسى بن زيد: إحبسوه في المخبأ - وذلك دار ريطة اليوم - فقال له أبو عبد الله ﵇: أما والله إني سأقول ثم أصدق. فقال له عيسى بن زيد: لو تكلمت لكسرت فمك. فقال له أبوعبد الله ﵇: أما والله يا أكشف يا أزرق، لكأني بك تطلب لنفسك جحراً تدخل فيه، وما أنت في المذكورين عند اللقاء، وإني لأظنك إذا صفق خلفك، طرت مثل الهيق النافر. فنفر عليه محمد بانتهار: إحبسه وشدد عليه وأغلظ عليه. فقال له أبو عبد الله ﵇: أما والله لكأني بك خارجاً من سدة أشجع إلى بطن الوادي وقد حمل عليك فارس معلم في يده طرّادة نصفها أبيض ونصفها أسود، على فرس كميت أقرح، فطعنك فلم يصنع فيك شيئاً وضربت خيشوم فرسه فطرحته، وحمل عليك آخر خارج من زقاق آل أبي عمار الدئليين عليه غديرتان مضفورتان، وقد خرجتا من تحت بيضة، كثير شعر الشاربين، فهو والله صاحبه، فلا رحم الله رمته. فقال له محمد:
стр. 218
يا أبا عبد الله، حسبت فأخطأت. وقام إليه السراقي بن سلخ الحوت، فدفع في ظهره حتى أدخل السجن واصطفى ما كان له من مال وما كان لقومه ممن لم يخرج مع محمد " (١).
هذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة، وتشعبهم بفرق متعددة.
الشيعة بعد وفاة جعفر
وأما بعد وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة، حصل الإختلاف العظيم، وافترق الشيعة إلى فرق عديدة، ولقد عدها الكاتب الشيعي المشهور النوبختي، وهو الأوائل من كتب في الفرق من القوم، ست فرق فقال:
" فلما توفي أبو عبد الله جعفر بن محمد ﵉، إفترقت الشيعة بعده ست فرق ... ودفن في القبر الذي دفن فيه أبوه وجده في البقيع ... وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمهما أسماء (٢). بنت عبد الرحمن بن أبي بكر " (٣).
والفرق الستة التي عدّها، الأولى منها:
" الناووسية: وهي التي قالت إن جعفر بن محمد حي لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وأنه هو المهدي. وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه، فإني صاحبكم. وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني، فلا تصدقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف.
وهذه الفرقة
стр. 219
تسمى الناووسية. وُسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يُقال له فلان بن فلان الناووس " (١).
" وزعم قوم أن الذي يتبدى للناس لم يكن جعفرا، وإنما تصور لناس في تلك الصورة. وانظم إلى هذه الفرقة قوم من السبئية، فزعموا جميعاً أن جعفراً كان عالماً بجميع معالم الدين من العقليات والشرعيات، فإذا قيل للواحد منهم: ماتقول في القرآن أو في الرؤية أو في غير ذلك من أصول الدين أو في فروعه؟ يقول: أقول فيها ما كان يقوله جعفر الصادق، يقلدونه " (٢).
هذا ما حصل في حياة جعفر بن الباقر من افتراق الشيعة وتحزبهم بأحزاب مختلفة وتشعبهم في فرق متعددة.
والفرقة الثانية: السمطية أو الشميطية: وهم القائلون إن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه محمد بن جعفر، وذلك لأن أباه جعفر وصي له في صباه، وكان يقول: إنه يشبه أبي محمد الباقر وجدي رسول الله، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر وولده من بعده.
وهذه الفرقة تسمى السمطية وتنسب إلى يحيى بن أبي السميط أو أبي الشميط " (٣).
والجدير بالذكر أن محمد بن جعفر هذا خرج أيام المأمون، ودعا الناس إلى نفسه: وبايع له أهل المدينة بإمرة المؤمنين " (٤).
стр. 220
فحصلت بينه وبين جيوش المأمون بقيادة هارون بن المسيب معارك عديدة.
ثم وجه إليه هارون خيلا فحاصرته في موضعه، لأنه كان موضعا حصينا لا يوصل إليه، فلما بقوا في الموضع ثلاثا ونفد زادهم وماؤهم، جعل أصحابه يتفرقون ويتسللون يمينا وشمالا، فلما رأى ذلك لبس بردا ونعلا، وصار إلى مضرب هارون فدخل إليه وسأله الأمان لأصحابه، ففعل هارون ذلك " (١).
وذكر المفيد بأنه كان يرى رأى الزيدية في الخروج بالسيف، ولذلك اتبعه كثير من الزيدية الجارودية (٢).
والفرقة الثالثة: الفطحية: فلقد ذكرها الكشى تحت عنوان الفطحية بقوله:
" هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمد، وسموا بذلك لأنه قيل أنه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعضهم: إنهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح، والذين قالوا بإمامته عامة مشائخ العصابة وفقهائها، مالوا إلى هذه المقالة فدخلت عليهم الشبهة لما روى عنهم ﵈ أنهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام ... ثم إن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوما، فرجع الباقون إلا شاذا منهم عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن (ع) ورجعوا إلى الخبر الذي روى: إن الإمامة لا يكون في الآخوين بعد الحسن والحسين (ع) " (٣).
وذكر مثل هذا النوبختي الشيعي وزاد:
" ومال إلى هذه الفرقة جل مشائخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في
стр. 221
أن الإمامة في محمد بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبد الله ولم يخلف ذكرا " (١).
وأما المفيد فقال:
" وكان عبد الله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الإعتقاد، ويقال أنه كان يخالط الحشوية، ويميل إلى مذهب
المرجئة. وادعى بعد أبيه الإمامة، واحتج بأنه أكبر إخوته الباقين، فاتبعه
стр. 222
على قوله جماعة من أصحاب أبي عبد الله ﵇. ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى ﵇، لما تبينوا ضعف دعواه وقوة أمر أبي الحسن (ع)، ودلالة حقه وبراهين إمامته. وأقام نفر يسير منهم على أمرهم، ودانوا بإمامة عبد الله بن جعفر، الطائفة الملقبة بالفطحية " (١).
وقد ذكرهم الأربلي أيضاً في كشف الغمة (٢).
وُيسمون العمارية أيضاً كما ذكره الأشعري في (مقالات الإسلاميين) نسبة إلى رئيس لهم يُعرف بعمار (٣).
والجدير بالذكر أن الشيعة يروون روايات عن أئمتهم المعصومين حسب زعمهم بأن الإمامة في أكبر الأبناء كما روى الكليني:
" عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة " (٤).
وبذلك استدل على إمامته " واحتج بأنه أكبر الإخوة الباقين، فاتبعه جماعة من أصحاب أبي عبد الله ﵇ " (٥).
ثم ومع هذا كيف يعدلون عنه ولم يكن به عاهة؟
اللهم إلا أنهم يذكرون أنه كان يخالف أباه في العقائد (٦).
ونريد أن نلفت الأنظار، إلى أن ابن جعفر الآخر وهومحمد أيضاً، كان منكِراً لإمامة أبيه جعفر ومخالفاً لأفكاره وآرائه، كما ذكره الطوسي والمفيد (٧).
والفرقة الرابعة: الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر، وأنكروا إمامة عبد الله، وخطؤوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه، وادعائه الإمامة (٨).
فسنذكر تفاصيل واختلافات هؤلاء فيما بعد، تحت أيام موسى الملقب بالكاظم.
الإسماعيلية
وأما الفرقة الخامسة والسادسة التي حدثت ونشأت من بين الشيعة، فهي الإسماعيلية. فأولاً نذكرهم من الشيعة أنفسهم، فيقول النوبختي:
"وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد إبنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس لأنه خاف فغيبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض يقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار إليه بالإمامة من بعده، وقلدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبه، والإمام لا يقول إلا الحق. فلما ظهر موته، علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت.
стр. 223
وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة " (١).
ثم لهم فرق كثيرة، نذكر بعضها بالإختصار. فذكر المفيد تحت عنوان: أولاد أبي عبد الله وعددهم وأسماؤهم وطرف أخبارهم:
" وكان إسماعيل أكبر الأخوة، وكان أبو عبد الله ﵇ شديد المحبة له والإشفاق عليه، وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم بعد أبيه والخليفة له من بعده، إذ كان أكبر إخوته سناً، ولميل أبيه إليه،
وإكرامه له. فمات في حياة أبيه ﵇ بالعريض، وحُمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة حتى دفن بالبقيع.
وروي أن أبا عبد الله ﵇ جزع عليه جزعاً شديداً، وحزن عليه حزناً عظيماً، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مراراً كثيرة، وكان يكشف وجهه وينظر إليه، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده، وإزالة الشبهة عنهم في حياته.
ولما مات إسماعيل ﵀، إنصرف عن القول بإمامته من بعد أبيه من كان يظن ذلك فيعتقده من أصحاب أبيه، وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه، ولا من الرواة عنه، وكانوا من الأباعد والأطراف.
فلما مات الصادق ﵇ انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر ﵇، وافترق الباقون فريقين، فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل وقالوا بإمامة إبنه محمد بن إسماعيل، لظنهم أن الإمامة كانت في أبيه، وأن الإبن أحق بمقام الإمامة من الأخ.
وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل، وهم اليوم شذاذ لا يُعرف منهم
стр. 224
أحد يومى إليه. وهذان الفريقان يسميان بالإسماعيلية. والمعروف منهم الآن من يزعم أن الإمامة بعد إسماعيل في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان " (١).
وذكر مثل ذلك في كتب الشيعة الأخرى مثل (شرح إبن أبي الحديد) و (أعيان الشيعة) و (الشيعة في التاريخ).
ولقد ذكر الإسماعيلية من السنة، كل من الأشعري والبغدادي والأسفرائيني والرازي والشهرستاني وغيرهم من المتقدمين، كما ذكرهم كثير من المتأخرين السنة، ولكن نذكر ما ذكره ابن خلدون، فيقول:
" فأما الإسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الإمام بالنص من أبيه جعفر، وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه، إنما هو بقاء الإمامة في عقبه، كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما، قالوا: ثم انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى إبنه محمد المكتوم، وهو أول الأئمة المستورين، لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر، وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق، وإذا كانت له شوكة، ظهر وأظهر دعوته، قالوا: وبعد محمد المكتوم إبنه جعفر الصادق وبعده إبنه محمد الحبيب، وهو آخر المستورين، وبعده إبنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في كتامة، وتتابع الناس على دعوته، ثم أخرجه من معتقله بسجلماسة، وملك القيروان والمغرب، وملك بنوه من بعد مصر، كما هو معروف في أخبارهم. ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل، ويسمون أيضاً بالباطنية، نسبة إلى قولهم بالإمام الباطن، أي المستور. ويسمون أيضاً الملحدة، لما في ضمن مقالاتهم من الإلحاد. ولهم مقالات قديمة، ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمد الصباح
стр. 225
في آخر المائة الخامسة، وملك حصوناً بالشام والعراق، ولم تزل دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر، وملوك التتر في العراق " (١).
وذكرهم الشهرستاني بقوله:
" الإسماعيلية قالوا: إن الإمام بعد جعفر إسماعيل نصاً عليه باتفاق من أولاده، إلا أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: لم يمت إلا أنه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس، وعقد محضراً وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة.
ومنهم من قال: الموت صحيح، والنص لا يرجع القهقري، والفائدة في النص بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره، فالإمام بعد إسماعيل محمد بن إسماعيل، وهؤلاء يقال لهم: المباركية. ثم
منهم من وقف على محمد بن إسماعيل، وقال برجعته بعد غيبته. ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثم في الظاهرين القائمين من بعدهم " (٢).
ثم ساق أدلتهم لإثباتهم إمامة إسماعيل بن جعفر بقوله:
"إسماعيل بن جعفر وهو إبنه الأكبر المنصوص في بدء الأمر، وقالوا: لم يتزوج الصادق على أمه بواحدة من النساء، ولا اشترى جارية، كسنة رسول الله في حق خديجة، وكسنة علي في حق فاطمة. وذكرنا اختلافهم في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: إنه مات، وإنما فائد النص عليه، انتقال الإمامة منه إلى أولاده خاصة، كما نص موسى إلى هارون ﵉، ثم مات هارون في حال حياة أخيه، وإنما فائدة النص انتقال الإمامة منه إلى أولاده، فإن النص لا يرجع القهقري، والقول بالبدأ محال، ولا ينص الإمام على واحد من ولده إلا بعد السماع من آبائه، والتعيين لا يجوز على الإبهام والجهالة.
стр. 226
ومنهم من قال: إنه لم يمت، لكن أظهر موته تقية عليه، حتى لا يقصد بالقتل. ولهذا القول دلالات: منها أن محمد كان صغيراً، وهو أخوه لأمه، مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل نائماً عليه، ورفع الملاءة، فأبصره وهو قد فتح عينه، وعاد إلى أبيه مفزعاً وقال: عاش أخي، عاش أخي. قال والده: إن أولاد الرسول كذا يكون حالهم في الآخرة. قالوا: وما السبب في الإشهاد على موته؟.
وعن هذا لما رفع إلى المنصور أن إسماعيل بن جعفر رؤي بالبصرة على مقعد فدعى فبرئ بإذن الله، بعث المنصور إلى الصادق أن إسماعيل في الأحياء، وأنه رؤي بالبصرة، أنفذ السجل إليه وعليه شهادة عامله بالمدينة.
قالوا: وبعد إسماعيل، محمد بن إسماعيل السابع التام، وإنما تم دور السبعة به. ثم ابتدى منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد، ويظهرون الدعاة جهراً، قالوا: ولن تخلوا الأرض قط من إمام حيّ، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور. فإذا كان الإمام ظاهراً، يجوز أن يكون حجته مستورة، وإذا كان الإمام مستوراً فلابد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين، وقالوا: إنما الأئمة تدور أحكامهم على سبعة كأيام الأسبوع والسموات السبع والكواكب السبع. والنقباء تدور أحكامهم على أثنى عشر، قالوا: وعن هذا وقعت الشبهة للإمامية القطعية حيث قرروا عدد النقباء للأئمة، ثم بعد الأئمة المستورين كان ظاهر المهدي والقائم بأمر الله وأولادهم نصاً بعد نص على إمام بعد إمام. ومذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام، مات ميتة جاهلية ... وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيلاً تأويلا.
ولهم ألقاب غير هذا من القرامطة والمزدكية والملحدة.
وهم
стр. 227
يقولون: نحن إسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الإسم .. ثم أصحاب الدعوة الجديدة تنكبوا هذه الطريقة، حين أظهر الحسن بن الصباح دعوته وقصر عن الإلزامات كلمته واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع. وكان بدؤ صعوده إلى قلعة الموت في شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وذلك بعد أن هاجر إلى بلاد إمامه، وتلقى منه كيفية الدعوة لأبناء زمانه. فعاد ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان، وتمييز الفرقة الناجية من سائر الفرق بهذه النكتة، وهو أن لهم إماماً وليس لغيرهم إمام " (١).
القرامطة
وتفرعت على الإسماعيلية فرق عديدة، والمشهور منها:
القرامطة المنسوبون إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط لقصر قامته ورجليه وتقارب خطوه، في سنة أربع وستين ومائتين ٢٦٤هـ. وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق، وقام ببلاد الشام
صاحب الحال، والمدثرالمطوق. وقام أبو سعيد الجنابي بالبحرين، وعظمت دولته ودولة بنيه، حتى أوقعوا بعساكر الخلفاء العباسيين، وغزوا بغداد والشام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض.
فدخل جماعة من الناس في دعوتهم، ومالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام، وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، فضلوا وأضلوا عالماً كثيرا.
وقيل غير ذلك في تاريخ ظهور حمدان هذا في تسمية بقرمط، يقول الوطواط " ظهر في أيام خلافة المعتمد سنة ٢٧٨هـ من سواد الكوفة،
стр. 228
رجل أحمر العينين يسمى كرميته، فاستثقلوا هذه اللفظة، فخففوها وقالوا قرمط. ثم ذكر أنواع تعاليمه وبدعه الفاسدة، وذكر أن المعز الفاطمي وقائده جوهر، قد حاربا القرامطة حروباً دامية سنة ٣٦٢هـ ".
ويقول إبن خلكان: " والقرامطة نسبتهم إلى رجل من سواد الكوفة، يقال له قِرمط بكسر القاف، ولهم مذهب مذموم، وكانوا قد ظهروا في سنة ٢٨١هـ في خلافة المعتضد، وقيل كان ظهورهم في سنة ٢٧٨هـ ".
ويرى أبو الفداء " أن ظهورهم كان في هذه السنة أي سنة ٢٧٨هـ في سواد الكوفة، وأن الرجل الذي دعاهم إلى مذهبه كان شيخاً وقد تمرض بقرية من سواد الكوفة، فحمله رجل من أهل القرية يقال له كرميته لحمرة عينيه وهو بالنبطية إسم لحمرة العين. فلما تعافى الشيخ المذكور سمي بإسم ذلك الرجل الذي آواه ومرضه. ثم ُخفف فقالوا قِرمط. ودعا قوماً من أهل البادية ممن ليس لهم دين ولا عقل إلى دينه، فأجابوه ".
ولايهمنا أكان الرجل الذي دعا القرامطة هو نفس الرجل المسمى بقرمط أو غيره، ولكنه سمي بإسم قرمط، وإنما يهمنا أن نعرف تاريخ ظهورهم في أي سنة كان، لنعرف أكان في زمن الأئمة من أهل البيت أم لا. وقد رأيت إختلاف الروايات في تحديد زمان ظهورهم. والأرجح أنه كان في سنة ٢٧٨هـ، أي بعد انقضاء زمن الأئمة الميامين، وفي أثناء الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر " (١).
وقد ذكرهم الأشعري بقوله:
" القرامطة يزعمون أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب، وأن علياً نص على إمامة إبنه الحسن، وأن الحسن بن علي نص على
стр. 229
إمامة أخيه الحسين بن علي، وأن الحسين بن علي نص على إمامة إبنه علي بن الحسين، وأن علي بن الحسين نص على إمامة إبنه محمد بن علي، ونص محمد بن علي على إمامة إبنه جعفر، ونص جعفر على إمامه إبنه محمد بن إسماعيل، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حي إلى اليوم لم يمت، ولا يموت حتى يملك الأرض، وأنه هو المهدي الذي تقدمت البشارة به، واحتجت في ذلك بأخبار رووها عن أسلافهم، يخبرون فيها أن سابع الأئمة قائمهم " (١).
كما ذكرهم الآخرون:
ومنهم المباركية وغيرها، والموجود المشهور منها فرق ثلاثة:
الآغاخانية أو النزارية أتباع آغاخان، والبهرة أو المستعلية والسليمانية.
ولكل واحدة منها عقائد وآراء متفقة في بعضها ومختلفة في البعض الأخرى منها، ولنا فيهم في جميع فرقهم وعقائدهم، آرائهم وأفكارهم والأسس التي قامت عليها معتقادتهم، وفي تاريخهم وفي بداية أمرهم، كلام مستقل طويل ناقشنا فيه آراء المستشرقين والكتاب المصريين والإسماعيليين، السوريين منهم والهنديين، وفندنا بعض الآراء التي ابتنوها عن هؤلاء القوم وأثبتنا أخطاءهم الفاحشة، التاريخية منها والعقائدية. كما أوردنا في بحثنا ذاك معلومات جديدة حقيقية عن معتقدات القوم الأصلية من كتبهم العتيقة القديمة، المخطوطة منها والمطبوعة. وأثبتنا فيه جهالات كثيرة للأسماء الكبيرة وللأشخاص المشهورة المعروفة، وحتى من يتربع على زعامة الإسماعيلية ويدعي أنه من أكابرها، وهذا في كتاب مستقل (٢).
ولأجل ذلك تجنبنا إطالة القول في
стр. 230
كتابنا هذا عنهم وعن عقائدهم، واكتفينا بنقل الأقوال وسرد العبارات عمن كتب في الفرق من الشيعة والسنة، كيلا نخرج عن أصل الموضوع ولا يطول بنا الحديث.
الدروز
ومن الفرق التي تفرعت وخرجت من الإسماعيلية ومنها أخذت أفكارها وعقائدها طائفة الدروز. وكانت نشأتها أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولى ملك مصر بعد وفاة أبيه سنة ٣٨٦هـ وكان عمره آنذاك أحد عشر عاماً، واستقل به سنة ٣٩٠هـ بعد قتل أحد الأوصياء عليه (١).
فاستغل صغر عمره وطموحه وشذوذه في المأكل والمشرب والسكن والقيام والهالة المقدسة التي كانت تحيطه بعض دعاة الإسماعيلية الملاحدة مرسلوا الفرس والمجوس، فأحاطوا به، وزيّنوا له فكرة ألوهيته وربوبيته. وكان من أبرزهم حمزة بن علي أحمد الزوزني، ومحمد بن إسماعيل الدرزي، والحسن بن حيدرة الفرغاني، وغيرهم المشهور بالأخرم أو الأجدع (٢).
فذهبوا شأواً بعيداً في الإنحراف والإنحلال.
ويقول المؤرخون: إن بداية الدعوة إلى ألوهية الحاكم كانت سنة ٤٠٨هـ (٣).
ومن أهم عقائدهم، ألوهية الحاكم كما ورد في مصحف الدروز ميثاق للدرزيين أن يقولوا:
" آمنت بالله، ربي الحاكم، العلي الأعلى،
стр. 231
رب المشرقين، ورب المغربين، وإله الأصلين والفرعين، منشئ الناطق والأساس، مظهر الصورة الكاملة بنوره، الذي على العرش استوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، وآمنت به، وهو رب الرجعى، وله الأولى والآخرة، وهو الظاهر والباطن.
وآمنت بأولى العزم من الرسل، ذوي مشارق التجلي المبارك حولها وبحاملي العرش الثمانية، وبجميع الحدود، وأؤمن عاملاً قائماً بكل أمر ومنع ينزل من لدن مولانا الحاكم، وقد سلمت نفسي وذاتي وذواتي، ظاهراً وباطناً، علماً وعملاً، وأن أجاهد في سبيل مولانا سراً وجهراً بنفسي ومالي وولدي وما ملكت يميني، قولاً وعملاً، وأشهدت على هذا الإقرار جميع ما خلق بمشارقي ومات بمغاربي.
وقد التزمت وأوجبت على هذا نفسي وروحي بصحة من عقلي وعقيدتي، وإني أقّر بهذا غير مكره أو منافق، وإنني أشهد مولاي الحق الحاكم، من هو في السماء إله وفي الأرض إله، وأشهد مولاي هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين المرتدين، حمزة بن علي بن أحمد، من به أشرقت الشمس الأزلية، ونطقت فيه وله سحب الفضل: أنني قد برئت وخرجت من جميع الأديان والمذاهب والمقالات والإعتقادات قديمها وحديثها، وآمنت بما أمر به مولانا الحاكم الذي لا أشرك في عبادته أحداً في جميع أدواري " (١).
ومن عقائدهم: التناسخ والحلول:
كلما مات إنسان إنتقلت روحه لمولود جديد (٢).
كما أن من أهم عقائدهم الغيبة والرجعة، ويقولون بأن الحاكم بأمر الله غاب عن الأبصار، وسيرجع في آخر الزمان وسيحل عند الركن
стр. 232
اليماني من الكعبة.
وغيره من العقائد المشتركة بينهم وبين الشيعة.
ولقد ذكرهم شيخ الإسلام إبن تيمية، هؤلاء والنصيرية، في جواب سائل سأله:
" الدرزية هم أتباع هشتكين الدرزي، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم. ويسمونه الباري، العلام، ويحلفون به. وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله. وهم أعظم كفراً من الغالية. يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته. وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب. وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله، أو مجوسا.
وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقاً. والله أعلم ".
فقال شيخ الإسلام رداً عليه:
" كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون، بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم. لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين. بل هم الكفرة الضالون، فلا يُباح أكل طعامهم، وُتسبى نساؤهم، وُتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مرتدين لا ُتقبل توبتهم، بل ُيقتلون أينما ُثقفوا، وُيلعنون كما وصفوا، ولا يجوز استخدامهم للحراسة والبوابة والحفاظ، ويجب قتل علمائهم وصلحائهم، لئلا يضلوا غيرهم. وُيحرم النوم معهم في بيوتهم، ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ويحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحدود عليهم بأي شيئ يراه المقيم المقام عليه " (١).
فهذه هي الفرق التي افترقت وحدثت ونشأت بعد موت جعفر بن
стр. 233
الباقر، وتفرقت آراؤهم، واختلفت أقوالهم مع اتفاقهم على توارث الأفكار السبئية.
فرق الشيعة أيام موسى الكاظم
ثم الذين قالوا بإمامة موسى بن جعفر أيضاً تفرقوا إلى فرق عديدة في حياته وبعد مماته. كما ذكر النوبختي الشيعي:
" ثم إن جماعة من المؤتمين بموسى بن جعفر لم يختلفوا في أمره، فثبتوا على إمامته إلى حبسه في المرة الثانية، ثم اختلفوا في أمره، فشكوا في إمامته عند حبسه في المرة الثانية التي مات فيها في حبس الرشيد، فصاروا خمس فرق " (١)
وذلك في سنة ثلاث وثمانين ومائة.
فالفرقة الأولى قالت:
أنه مات في حبس السندى بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمّه في رطب وعنب بعثهما إليه فقتله. وأن الإمام بعد موسى، علي بن موسى الرضا، فسميت هذه الفرقة القطعية، لأنها قطعت على وفاة موسى بن جعفر وعلى إمامة عليّ إبنه بعده، ولم تشك في أمرها ولا ارتابت ومضت على المنهاج الأول.
وقالت الفرقة الثانية:
أن موسى بن جعفر لم يمت، وأنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها كلها عدلاً كما ملئت جوراً، وأنه القائم المهدي. وزعموا أنه خرج من الحبس، ولم يره أحد نهاراً ولم يعلم به. وأن السلطان وأصحابه إدعوا موته وموّهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى. ورووا في ذلك روايات عن أبيه
стр. 234
جعفر بن محمد ﵉ أنه قال: "هو القائم المخبأ، فإن يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا، فإنه القائم " (١).
وسُميت هذه الفرقة بالموسوية لانتظارها موسى بن جعفر" (٢).
كما تُسمى المفضلية: لأنهم نسبوا إلى رئيس لهم ُيقال له المفضل بن عمر، وكان ذا قدر فيهم (٣).
وُيقال لهم الممطورة: لأنهم لما أظهروا هذه المقالة، قال لهم قوم: والله ما أنتم إلا كلاب ممطورة، يعني أنهم من الكلاب المبتلة بالمطر، من غاية ركاكة هذه المقالة (٤).
ولأن الناس يطردونهم ويتحرزون منهم (٥).
وقد ذكرهم إين حزم في الفصل (٦).
والفرقة الثانية قالت:
" أنه القائم وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع فيقوم ويظهر، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختف في موضع من المواضع حي يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه. واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سُمي القائم لأنه يقوم بعد ما يموت " (٧).
والفرقة الثالثة قالت:
" أنه مات وأنه القائم، وأن فيه شبهاً من عيسى بن مريم صلى الله عليه،
стр. 235
وأنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وأن أباه قال: إن فيه شبهاً من عيسى بن مريم، وأنه يُقتل في يدي ولد العباس، فقد قتل " (١).
والرابعة قالت:
"لا ندري أهو حي أم ميّت، لأنا قد روينا فيه أخباراً كثيرة تدل على أنه القائم المهدي، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه ﵈ في معنى صحة الخبر. فهذا أيضاً مما لا يجوز ردّه وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله، ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق والله يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها، حتى يصح لنا أمره وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه وادعى الإمامه - يعنون علي بن موسى الرضا - فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه، لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه " (٢).
ومثل ذلك ذكر الرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٣). والأشعري في مقالات الإسلاميين (٤) والملطي في التنبيه (٥) والإسفرائيني في التبصير (٦) والبغدادي في الفرق بين الفرق (٧) والمفيد في الإرشاد (٨) والشهرستاني في الملل والنحل (٩).
стр. 236
وكانت هناك فرقة أخرى سادسة وهي: البشرية، ذكرها النوبختي بقوله:
(البشرية) أصحاب محمد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، قالت:
" إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه القائم المهدي، في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير، وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما يحتاج إليه رعيته، وفوّض إليه أموره، وأقامه مقام نفسه. فمحمد بن بشير الإمام بعده، وأن محمد بن بشير لما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير فهو الإمام، ومن أوصى إليه (سميع) فهو الإمام المفترض الطاعة على الأمة إلى وقت خروج موسى وظهوره، فما يلزم الناس من حقوقه في أموالهم وغير ذلك مما يتقربون به إلى الله ، فالفرض عليهم أداؤه إلى هؤلاء إلى قيام القائم. وزعموا أن علي بن موسى، ومن ادعى الإمامة من ولد موسى بعده فغير طيب الولاده، ونفوهم عن أنسابهم، وكفروهم في دعواهم الإمامة، وكفروا القائلين بإمامتهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم، وزعموا أن الفرض من الله عليهم، إقامة الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان. وأنكروا الزكاة والحج وسائر الفرائض. وقالوا بإباحة المحارم من الفروج والغلمان. واعتلوا في ذلك بقول الله " أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً (٤٢ - ٥٠) وقالوا بالتناسخ، وأن الأئمة عندهم واحد، إنما هم منتقلون من بدن إلى بدن. والمساواة بينهم واجبة في كل ما ملكوه من مال، وكل شيئ أوصى به رجل منهم في سبيل الله فهو لسميع بن محمد وأوصيائه من بعده " (١).
ولقد ذكر محمد بن بشير هذا، الكشي في رجاله، بقوله:
" أن محمد بشير لما مضى أبو الحسن (ع) ووقف عليه الواقفة، جاء
стр. 237
محمد بن بشير- وكان صاحب شعبذة ومخارق معروفاً بذلك - فادعى أنه يقول بالوقف على موسى بن جعفر (ع) هو كان ظاهراً بين الخلق يرونه جميعاً، يتراءى لأهل النور بالنور، ولأهل الكدرة في مثل خلقهم بالإنسانية والبشرية اللحمانية. ثم حجب الخلق جميعاً عن إدراكه، وهو قائم فيهم موجود كما كان، غير أنهم محجوبون عن إدراكه كالذي كانوا يدركونه.
وكان محمد بن بشير هذا من أهل الكوفة، من موالي بني أسد وله أصحاب، قالوا: أن موسى بن جعفر لم يمت ولم يُحبس، وأنه غاب واستتر، وهو القائم المهدي، وأنه في وقت غيبته استخلف على الأمة محمد بن بشير، وجعله وصيه، وأعطاه خاتمه، وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته في أمر دينهم ودنياهم، وفوض إليه جميع أمره وأقامه مقام نفسه، فمحمد بن بشيرالإمام بعده ... وكفروا القائلين بإمامتهم واستحلوا دماءهم وأموالهم .... وزعموا أن كل من انتسب إلي محمد فهم ثبوت وطروق، وأن محمداً هو رب حل في كل من انتسب إليه، وأنه لم يلد ولم يولد، وأنه محتجب في هذه الحجب.
وزعمت هذه الفرقة والمخسمة والعلياوية وأصحاب أبي الخطاب، أن كل من انتسب إلى أنه من آل محمد فهو مبطل في نسبته، مفتر على الله كاذب. وأنهم الذين قال الله تعالى فيهم أنهم يهود ونصارى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ " محمد " في مذهب الخطابية، و" علي " في مذهب العلياوية فهم ممن خلق.
هؤلاء كاذبون فيما ادعوا، إذ كان محمد عندهم وعلي هو رب لا يلد ولا يولد ولا يُستولد، تعالى الله عما يصفون وعما يقولون علواً كبيرا.
وكان سبب مقتل محمد بن بشير لعنه الله لأنه كان معه شعبذة ومخاريق، فكان يظهر الواقفة أنه ممن وقف على علي بن موسى (ع)، وكان يقول في موسى بالربوبية، ويدعي
стр. 238
لنفسه أنه نبي. وكان عنده صورة قد عملها وأقامها شخصاً كأنه صورة أبي الحسن (ع) من ثياب حرير، وقد طلاها بالأدوية، وعالجها بحيل عملها فيها، حتى صارت شبه صورة إنسان. وكان يطويها، فإذا أراد الشعبذة نفخ فيها فأقامها. فكان يقول لأصحابه: إن أبا الحسن (ع) عندي، فإن أحببتم أن تروه وتعلموا أني نبي، فهلموا أعرضه عليكم. وكان يدخلهم البيت والصورة المطوية معه، فيقول لهم: هل ترون في البيت مقيماً أو ترون غيري وغيركم؟ فيقول: فاخرجوا، فيخرجون من البيت، فيصير هو وراء الستر بينه وبينهم، ثم يقدم تلك الصورة، ثم يرفع تلك الستر بينهم وبينه، فينظرون إلى صورة قائمة وشخص كأنه شخص أبي الحسن، لا ينكرون منه شيئاً، ويقف هو معه بالقرب فيريهم من طريق الشعبذة أنه يكلمه ويناجيه ويدنو منه كأنه يساره، ثم يغمزهم أن يتنحوا فيتنحون، ويسبل الستر بينه وبينهم فلا يرون شيئا.
وكانت معه أشياء عجيبة من صنوف الشعبذة ما لم يروا مثلها، فهلكوا بها.
فكانت هذه حاله مدة، حتى ُرفع خبره إلى بعض الخلفاء - أحسبه هارون أو غيره ممن كان بعده من الخلفاء - أنه زنديق، فأخذه وأراد ضرب عنقه، فقال له: يا أمير المؤمنين، استبقني، فإني أتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها، فأطلقه، فكان أول ما اتخذ له الدوالي، فإنه عمد إلى الدوالي فسواها وعلقها وجعل الزيبق بين تلك الألواح، فكانت الدوالي تمتلئ من الماء وتملي الألواح، وينقلب الزيبق من تلك الألواح فيتسع الدوالي لذلك، فكانت تعمل من غير مستعمل لها، وتصب الماء في البستان، فأعجبه ذلك مع أشياء عملها، يضاهي الله بها في خلقه الجنة، فقواه وجعل له مرتبة. ثم إنه يوماً من الأيام، إنكسرت بعض تلك الألواح، فخرج منها الزيبق، فتعطلت فاستراب أمره، وظهر عليه التعطيل والإباحات " (١).
стр. 239
هذا وقد إدعى الإمامة في عهده آخران من بني عمومته، أحدهما حسين بن علي بن الحسن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي. وأمه زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي. فلقد إدعى الإمامة أيام أبي موسى الهادي العباسي حفيد أبي جعفر المنصور (١).
وبايعه على إمامته يحيى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن الحسن بن الحسن، وعبد الله الحسن الأفطس، وإبراهيم بن إسماعيل الطباطبا، وعمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين، وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن الثاني المثنى، وعبد الله بن جعفر بن محمد، وعبد الله بن جعفر بن الباقر، وعبد الله وعمر إبنا إسحاق بن الحسن بن علي زين العابدين، وغيرهم (٢)
حتى قال الأصفهاني:
" ولم يتخلف عنه أحد من الطالبيين إلا الحسن بن جعفر بن حسن المثنى فإنه استعفاه ولم يكرهه.
وموسى بن جعفر بن محمد - الإمام السابع المزعوم عند الشيعة - قال عنيزة القصباني:
" رأيت موسى بن جعفر بعد عتمة، وقد جاء إلى الحسين صاحب فخ، فانكب عليه شبه الركوع، وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل من تخلفي معك، فأطرق الحسين طويلاً لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه، فقال: أنت في سعة " (٣).
وقد ذكر هذا الكليني في (كافيه) حيث قال:
" حدثنا عبد الله بن المفضل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال:
стр. 240
لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: ياابن عم لا تكلفني ما كلف إبن عمك أبا عبد الله، فيخرج مني ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله مالم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان " (١).
والثاني الذي ادعى الإمامة أيامه، يحيى بن عبد الله بن الحسن المثنى. وقد ذكره الكليني أيضاً حيث قال:
" كتب إلى موسى بن جعفر يدعوه: خبرني من ورد عليّ من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك .. وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك، وقديماً ادعيتم ماليس لكم، وبسطتم أعمالكم إلى ما لم يؤتكم الله، فاستهويتم وأضللتم، وأنا محذرك ماحذرك الله من نفسه. فكتب إليه أبو الحسن موسى بن جعفر ﵇: من موسى بن جعفر ... ذكرت أني ثبطت الناس عنك لرغبتي عما في يديك ... وأحذرك معصية الخليفة (٢) وأحثك على بره وطاعته، وأن تطلب لنفسك أماناً قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان، فتروّح إلى النفس من كل مكان ولا تجده، حتى يمن الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله، فيؤمّنك ويرحمك، ويحفظ فيك أرحام رسول الله، والسلام على من اتبع الهدى " (٣).
فهذه هي الفرق الشيعية أيام موسى وبعده، وهذه هي عقائدهم وأفكارهم المثبتة من كتب الشيعة والسنة أيضاً، والذي قيل:
" حمله الرشيد
стр. 241
من المدينة وقد قدم إليها منصرفاً من العمرة. ثم شخص هارون للحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة، فحبسه عند السندي بن شاهك، فتوفي في حبسه بغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن خمس أو أربع وخمسين سنة، ودفن في مقابر قريش " (١).
الشيعة أيام علي بن موسى الملقب بالرضا
وحصل الإختلاف في الشيعة الذين اجتمعوا حول علي بن موسى الرضا ختن المأمون على ابنته بعد وفاته.
ففرقة قالت بأن الإمام بعده أخوه أحمد بن موسى بن جعفر:
" أوصى إليه وإلى الرضا ﵇ وأجازوها في أخوين. فهي المؤلفة، فقطعوا على إمامة علي بن موسى.
وفرقة منهم تسمى المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء وأصحاب الحديث، فدخلوا في القوم بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعاً، فلما توفي علي بن موسى ﵇ رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة علي بن موسى ﵇ عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعاً للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهراً، فلما توفي علي بن موسى ﵇ رجعوا إلى قومهم من الزيدية " (٢)
وفرقة أخرى قالت:
إن الإمامة بعد علي بن موسى ﵇ لإبنه محمد بن علي ﵇،
стр. 242
ولم يكن لغيره (١).
وكانت هناك فرق أخرى غير هذه الفرق إتبعت فريقاً من الطالبيين الذين ادعوا الإمامة في أيام الرضا ودعوا الناس إليهم، فمنهم محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو المعروف بإبن طباطبا.
ومحمد بن يحيى بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
ومحمد بن جعفر عم علي الرضا.
وإبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضا.
وحسين بن الحسن بن علي بن علي زيد العابدين وغيرهم.
وقد ذكرهم جميعاً ودعوتهم الناس إليهم وخروجهم على المأمون وتسلطهم على بعض المدن والمناطق ومعاركهم مع عساكر العباسيين من الشيعة، الأصفهاني في مقاتل الطالبيين (٢)، والمسعودي في كتابه مروج الذهب. ولقد نقل عنه خروج هؤلاء العلويين وادعاءهم الإمامة بإيجاز واختصار، فيقول:
وفي سنة تسعة وتسعين ومائة خرج أبو السرايا السرى بن منصور الشيباني بالعراق، واشتد أمره، ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي إبن أبي طالب، وهو إبن طباطبا ووثب بالمدينة محمد بن سليمان بن داود إبن الحسن بن الحسن بن علي ﵏، ووثب بالبصرة علي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي ﵈، وزيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، فغلبوا على البصرة.
وفي هذه السنة مات إبن طباطبا الذين كان يدعوا إليه أبو السرايا،
стр. 243
وأقام أبو السرايا مكانه محمد بن محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
وظهر في هذه السنة باليمن - وهي سنة تسع وتسعين ومائة - إبراهيم إبن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي، وظهر في أيام المأمون بمكة ونواحي الحجاز محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵏، وذلك في سنة مائتين، ودعا لنفسه، وإليه دعت السبطية من فرق الشيعة، وقالت بإمامته. وقد افترقوا فرقاً: فمنهم من غلا ومنهم من قصر وسلك طريق الإمامية.
وقد ذكرنا في كتاب " المقالات في أصول الديانات " وفي كتاب " أخبار الزمان " من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدائرة، في الفن الثلاثين من أخبار خلفاء بني العباس ومن ظهر في أيامهم من الطالبيين، وقيل: إن محمد بن جعفر هذا دعا في بدء أمره وعنفوان شبابه إلى محمد بن إبراهيم بن طباطبا صاحب أبي السرايا، فلما مات إبن طباطبا، وهو محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن دعا لنفسه، وتسمى بأمير المؤمنين، وليس في آل محمد ممن ظهر لإقامة الحق ممن سلف وخلف قبله وبعده من تسمى بأمير المؤمنين غير محمد بن جعفر هذا، وكان يُسمى بالديباجة، لحسنه وبهائه ... وظهر في أيام المأمون أيضاً بالمدينة، الحسين بن الحسن إبن علي بن علي بن الحسين بن علي، وهو المعروف بإبن الأفطس. وقيل: أنه دعا في بدء أمره إلى إبن طباطبا، فلما مات إبن طباطبا، دعا إلى نفسه والقول بإمامته، وسار إلى مكة، فأتى الناس وهم بمنى، وعلى الحجاج داود بن عيسى بن موسى الهاشمي، فهرب داود، ومضى الناس إلى عرفة، ودفعوا إلى مزدلفة بغير إنسان عليهم من ولد العباس. وقد كان إبن الأفطس وافى الموقف بالليل. ثم صار إلى المزدلفة والناس بغير إمام
стр. 244
فصلى بالناس، ثم مضى إلى منى، فنحر ودخل مكة، وجرد البيت مما عليه من الكسوة إلا القباطي البيض فقط (١).
والجدير بالذكر أن علي بن موسى هو الذي جعل المأمون العباسي فيه ولاية العهد بعده.
" وأمر المأمون الحسن بن سهل والفضل بن سهل وزيريه أن يعرضا ذلك عليه، فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب، ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته. فسر بذلك وجلس للخاصة في يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم برأي المأمون في علي بن موسى ﵇، وأنه قد ولاه عهده، وسماه الرضا. وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الآخر، على أن يأخذوا رزق سنة. فلما كان اليوم، ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة. وجلس المأمون ووضع للرضا ﵇ وسادتين عظيمتين، حتى لحق بمجلسه وفرشه وأجلس الرضا (ع) عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر إبنه العباس بن المأمون أن يبايع له أول الناس ... فبايعه الناس ووضعت البذر، وقام الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل الرضا ﵇، وما كان عليه من أمره .. ثم قال المأمون للرضا ﵇: إخطب الناس وتكلم فيهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن
لنا عليكم حقاً برسول الله، ولكم علينا حقا به، فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك، وجب علينا الحق لكم. ولم يُذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.
وأمر المأمون، فضربت له الدراهم، وطبع عليها إسم الرضا ﵇، وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، وأمره فحج بالناس، وخطب للرضا ﵇ في كل بلد بولاية العهد " (٢).
стр. 245
ولكنه مات قبل أن ينال الخلافة في حياة المأمون.
" ولما توفي الرضا ﵇، كتم المأمون موته يوماً وليلة، ثم أنفذ إلى محمد بن جعفر الصادق ﵇ وجماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروه، نعاه إليهم وبكى، وأظهر حزناً شديداً وتوجعاً، وأراهم إياه صحيح الجسد، قال: يعزعليّ يا أخي أن أراك في هذه الحال، قد كنت أؤمل أن أقدم قبلك، فأبى الله إلا ما أراد. ثم أمر بغسله وتكفينه وتحنيطه، وخرج مع جنازته يحملها حتى انتهى إلى الموضع الذي هو مدفون الآن فدفنه. والموضع دار حميد بن قحطبة، في قرية يُقال لها سناباد، على قربة من نوقان بأرض طوس، وفيها قبر هارون الرشيد وقبر أبي الحسن ﵇ بين يديه في قبلته.
ومضى الرضا علي بن موسى ﵉، ولم يترك ولداً نعلمه إلا الإمام من بعده أبا جعفر محمد بن علي ﵉، وكانت سنه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهرا " (١).
وكان ذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذ خمسة وخمسون سنة، وأمه أم ولد يُقال لها أم البنين.
الشيعة أيام محمد بن علي
الملقب بالجواد أو التقي
ولقد حصل الإختلاف الشديد بين الشيعة في إمامة محمد بن علي لأنه لم يكن بلغ الحلم عند وفاة أبيه، ولذلك اختلف الشيعة في إمامته وتفرقوا عنه كما مر، وقالوا:
" لا يجوز الإمام إلا بالغاً، ولو جاز أن يأمر الله بطاعة غير بالغ،
стр. 246
لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس ودقيقه وجليله وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة، لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثاً وأربعاً راجعاً إلى الطفولية. حتى يجوز أن يفهم ذلك من طفل في المهد والخرق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف.
ثم إن الذين قالوا بإمامه أبي جعفر محمد بن علي بن موسى ﵈ اختفلوا في كمية علمه لحداثة سنه ضروباً من الإختلاف. فقال بعضهم لبعض: الإمام لا يكون إلا عالماً، وأبو جعفر غير بالغ وأبوه قد توفي، فكيف علم؟ ومن أين علم؟ فأجابوه:
فقال بعضهم: لا يجوز أن يكون علمه من قبل أبيه، لأن أباه حمل إلى خراسان وأبو جعفر إبن أربع سنين وأشهر، ومن كان في هذه السن فليس في حد من يستفرغ تعليم معرفة دقيق الدين وجليله، ولكن الله علمه ذلك عند البلوغ بضروب مما يدل على جهات علم الإمام، مثل الإلهام والنكت في القلب والنقر في الأذن والرؤيا الصادقة في النوم والملك المحدث له ووجوه رفع المنار والعمود والمصباح وعرض الأعمال، لأن ذلك كله قد صحت الأخبار الصحيحة القوية الأسانيد فيه التي لا يجوز دفعها ولا رد مثلها.
وقال بعضهم: قبل البلوغ هو إمام، على معنى أن الأمر له دون غيره إلى وقت البلوغ، فإذا بلغ علم، لا من جهة الإلهام والنكت ولا الملك ولا لشيئ من الوجوه التي ذكرتها الفرقة، لأن الوحي منقطع بعد النبي صلى الله عليه وآله بإجماع الأمة، ولأن الإلهام إنما هو أن يلحقك عند
стр. 247
الخاطر والفكر معرفة بشيئ قد كانت تقدمت معرفتك به من الأمور النافعة فذكرته، وذلك لا يعلم به الأحكام وشرائع الدين على كثرة إختلافها وعللها قبل أن يوقف بالسمع منها على شيئ، لأن أصح الناس فكراً وأوضحه خاطراً وعقلاً وأحضره توفيقاً، لو فكر وهو لا يسمع بأن الظهر أربع والمغرب ثلاث، والغداة ركعتان، مااستخرج ذلك بفكره، ولا عرفه بنظره، ولا استدل عليه بكمال عقله، ولا أدرك ذلك بحضور توفيقه، ولا لحقه علم ذلك من جهة التوفيق أبداً. ولا يعقل أن يعلم إلا بالتوقيف والتعليم، فقد بطل أن يعلم شيئاً من ذلك بالإلهام والتوفيق.
لكن نقول: أنه علم ذلك عند البلوغ من كتب أبيه، وما ورثه من العلم فيها، وما رسم له من الأصول والفروع.
وبعض هذه الفرقة تجيز القياس في الأحكام للإمام، خاصة على الأصول التي في يديه، لأنه معصوم من الخطأ والزلل، فلا يخطئ في القياس، وإنما صاروا إلى هذه المقالة لضيق الأمر عليهم في علم الإمام وكيفية تعليمه، إذ هو ليس ببالغ عندهم.
وقال بعضهم: الإمام يكون غير بالغ ولو قلت سنه، لأنه حجة الله، فقد يجوز أن يعلم وإن كان صبياً، ويجوز عليه الأسباب التي ذكرت من الألهام والنكت والرؤيا والملك المحدث ورفع المنار والعمود وعرض الأعمال، كل ذلك جائز عليه وفيه، كما جاز ذلك عن سلفه من حجج الله الماضين. واعتلوا في ذلك بيحيى بن زكريا، وأن الله آتاه الحكم صبيا، وبأسباب عيسى بن مريم، وبحكم الصبي بين يوسف بن يعقوب وامرأة الملك، وبعلم سليمان بن داود حكماً من غير تعليم، وغير ذلك، فإنه قد كان في حجج الله ممن كان غير بالغ عند الناس " (١).
وولد محمد بن علي هذا سنة خمس وتسعين ومائة بالمدينة، وقبض
стр. 248
ببغداد سنة عشرين ومائتين، وله يومئذ خمس وعشرون سنة، وأمه أم ولد، يُقال لها سميكة، وكانت نوبية (١).
وكان متزوجاً من إبنة المأمون أم الفضل.
" فكانت إحدى الأختين تحت محمد بن علي بن موسى والأخرى تحت أبيه علي بن موسى " (٢)
وفي أيامه إدعى الإمامة واحد من الحسينيين، وهو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٣).
" وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى.
وقد ُتنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: أنه قتل بالسم، ومنهم من يقول: أن أناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان، فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة، واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية، ونقبوا الأزج، وأخرجوه فذهبوا به، فلم يُعرف له خبر إلى هذه الغاية.
وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت - وهو سنة إثنتين وثلاثين وثلثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمداً لم يمت، وأنه حي يُرزق، وأنه يخرج فيملؤها عدلاً كما مُلئت جورا، وأنه مهدي هذه الأمة. وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والديلم وكثير من كور خراسان " (٤).
стр. 249
الشيعة في أيام علي بن محمد
المكنى بأبي الحسن والملقب بالهادي أو النقي
ولما مات محمد بن علي، خلف إبنيه علياً وموسى، وكان الأكبر منهما لا يتجاوز الثامنة من عمره حسب قول الشيعة. وكانا من الصغر بمكان حتى " أوصى أبوهما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق إلى عبد الله بن المساور إلى أن يبلغا (١) الحلم " (٢)
فاختلف الشيعة في أمرهما، فقوم قالوا بإمامة علي بن محمد، وقوم ذهبوا إلى إمامة أخيه موسى بن محمد (٣)
النصيرية
وفي حياة علي بن محمد الهادي المكنى بأبي الحسن، ظهرت من الشيعة فرق أخرى، قالت:
بنبوة رجل ُيقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري ﵇، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، وأنه إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك. وكان يقوي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات. فلما توفي قيل له في علته وقد اعتقل لسانه: لمن هذا الأمر من بعدك؟
فقال: لأحمد.
فلم يدروا من هو.
فافترقوا ثلاث فرق.
فرقة قالت:
стр. 250
أنه (أحمد) إبنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، وفرقة قالت: أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشير بن زيد.
فتفرقوا، فلا يرجعون إلى شيئ.
وادعى هؤلاء النبوة عن أبي محمد فسمت النميرية أو النصيرية (١).
ولقد ذكر الشهرستاني النصيرية في ملله، وذكر مذهبهم أنهم يقولون:
" إن الله قد ظهر بصورة أشخاص، ولما لم يكن بعد رسول الله ﷺ أفضل من علي ﵇ وبعده أولاده المخصوصون هم خير البريّة، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الألهية عليهم، وإنما أثبتنا هذا الإختصاص لعلي دون غيره، لأنه كان مخصوصاً بتأييد من عند الله تعالى مما يتعلق بباطن الأسرار. قال النبي ﷺ ، أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي ﷺ وقتال المنافقين إلى علي. وعن هذا شبهه بعيسى ابن مريم، وقال: ولولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم وإلا لقلت فيك مقالاً. وربما أثبتوا له شركة في الرسالة. إذ قال: فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهو خاصف النعل، فعلم التأويل وقتال المنافقين ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر لا بقوة جسدانية من أدل الدليل على أن فيه جزء آلهياً وقوة ربانية. أو أن يكون هو الذي ظهر الإله بصورته، وخلق بيده، وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا كان هو موجود قبل خلق السموات والأرض. قال كنا أظلة على يمين العرش، فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا، فتلك الظلال وتلك الصور العرية عن الأظلال هي حقيقة وهي مشرقة بنور الرب تعالى إشراقاً لا ينفصل عنها، سواء كانت في