← Акыда

Акыда · id 37478

الشيعة والتشيع - فرق وتاريخ

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (400 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس ودقيقه وجليله وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها طفل غير بالغ، ولو جاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجة، لجاز أن يفهم ذلك من قد نزل عن حد البلوغ درجتين وثلاثاً وأربعاً راجعاً إلى الطفولية. حتى يجوز أن يفهم ذلك من طفل في المهد والخرق، وذلك غير معقول ولا مفهوم ولا متعارف. ثم إن الذين قالوا بإمامه أبي جعفر محمد بن علي بن موسى ﵈ اختفلوا في كمية علمه لحداثة سنه ضروباً من الإختلاف. فقال بعضهم لبعض: الإمام لا يكون إلا عالماً، وأبو جعفر غير بالغ وأبوه قد توفي، فكيف علم؟ ومن أين علم؟ فأجابوه: فقال بعضهم: لا يجوز أن يكون علمه من قبل أبيه، لأن أباه حمل إلى خراسان وأبو جعفر إبن أربع سنين وأشهر، ومن كان في هذه السن فليس في حد من يستفرغ تعليم معرفة دقيق الدين وجليله، ولكن الله علمه ذلك عند البلوغ بضروب مما يدل على جهات علم الإمام، مثل الإلهام والنكت في القلب والنقر في الأذن والرؤيا الصادقة في النوم والملك المحدث له ووجوه رفع المنار والعمود والمصباح وعرض الأعمال، لأن ذلك كله قد صحت الأخبار الصحيحة القوية الأسانيد فيه التي لا يجوز دفعها ولا رد مثلها. وقال بعضهم: قبل البلوغ هو إمام، على معنى أن الأمر له دون غيره إلى وقت البلوغ، فإذا بلغ علم، لا من جهة الإلهام والنكت ولا الملك ولا لشيئ من الوجوه التي ذكرتها الفرقة، لأن الوحي منقطع بعد النبي صلى الله عليه وآله بإجماع الأمة، ولأن الإلهام إنما هو أن يلحقك عند

стр. 247

الخاطر والفكر معرفة بشيئ قد كانت تقدمت معرفتك به من الأمور النافعة فذكرته، وذلك لا يعلم به الأحكام وشرائع الدين على كثرة إختلافها وعللها قبل أن يوقف بالسمع منها على شيئ، لأن أصح الناس فكراً وأوضحه خاطراً وعقلاً وأحضره توفيقاً، لو فكر وهو لا يسمع بأن الظهر أربع والمغرب ثلاث، والغداة ركعتان، مااستخرج ذلك بفكره، ولا عرفه بنظره، ولا استدل عليه بكمال عقله، ولا أدرك ذلك بحضور توفيقه، ولا لحقه علم ذلك من جهة التوفيق أبداً. ولا يعقل أن يعلم إلا بالتوقيف والتعليم، فقد بطل أن يعلم شيئاً من ذلك بالإلهام والتوفيق. لكن نقول: أنه علم ذلك عند البلوغ من كتب أبيه، وما ورثه من العلم فيها، وما رسم له من الأصول والفروع. وبعض هذه الفرقة تجيز القياس في الأحكام للإمام، خاصة على الأصول التي في يديه، لأنه معصوم من الخطأ والزلل، فلا يخطئ في القياس، وإنما صاروا إلى هذه المقالة لضيق الأمر عليهم في علم الإمام وكيفية تعليمه، إذ هو ليس ببالغ عندهم. وقال بعضهم: الإمام يكون غير بالغ ولو قلت سنه، لأنه حجة الله، فقد يجوز أن يعلم وإن كان صبياً، ويجوز عليه الأسباب التي ذكرت من الألهام والنكت والرؤيا والملك المحدث ورفع المنار والعمود وعرض الأعمال، كل ذلك جائز عليه وفيه، كما جاز ذلك عن سلفه من حجج الله الماضين. واعتلوا في ذلك بيحيى بن زكريا، وأن الله آتاه الحكم صبيا، وبأسباب عيسى بن مريم، وبحكم الصبي بين يوسف بن يعقوب وامرأة الملك، وبعلم سليمان بن داود حكماً من غير تعليم، وغير ذلك، فإنه قد كان في حجج الله ممن كان غير بالغ عند الناس " (١). وولد محمد بن علي هذا سنة خمس وتسعين ومائة بالمدينة، وقبض

стр. 248

ببغداد سنة عشرين ومائتين، وله يومئذ خمس وعشرون سنة، وأمه أم ولد، يُقال لها سميكة، وكانت نوبية (١). وكان متزوجاً من إبنة المأمون أم الفضل. " فكانت إحدى الأختين تحت محمد بن علي بن موسى والأخرى تحت أبيه علي بن موسى " (٢) وفي أيامه إدعى الإمامة واحد من الحسينيين، وهو محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٣). " وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس، ثم حمله عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فحبسه في أزج اتخذه في بستان بسر من رأى. وقد ُتنوزع في محمد بن القاسم، فمن قائل يقول: أنه قتل بالسم، ومنهم من يقول: أن أناساً من شيعته من الطالقان أتوا ذلك البستان، فتأتوا للخدمة فيه من غرس وزراعة، واتخذوا سلالم من الحبال واللبود والطالقانية، ونقبوا الأزج، وأخرجوه فذهبوا به، فلم يُعرف له خبر إلى هذه الغاية. وقد انقاد إلى إمامته خلق كثير من الزيدية إلى هذا الوقت - وهو سنة إثنتين وثلاثين وثلثمائة - ومنهم خلق كثير يزعمون أن محمداً لم يمت، وأنه حي يُرزق، وأنه يخرج فيملؤها عدلاً كما مُلئت جورا، وأنه مهدي هذه الأمة. وأكثر هؤلاء بناحية الكوفة وجبال طبرستان والديلم وكثير من كور خراسان " (٤).

стр. 249

الشيعة في أيام علي بن محمد المكنى بأبي الحسن والملقب بالهادي أو النقي ولما مات محمد بن علي، خلف إبنيه علياً وموسى، وكان الأكبر منهما لا يتجاوز الثامنة من عمره حسب قول الشيعة. وكانا من الصغر بمكان حتى " أوصى أبوهما على تركته من الضياع والأموال والنفقات والرقيق إلى عبد الله بن المساور إلى أن يبلغا (١) الحلم " (٢) فاختلف الشيعة في أمرهما، فقوم قالوا بإمامة علي بن محمد، وقوم ذهبوا إلى إمامة أخيه موسى بن محمد (٣) النصيرية وفي حياة علي بن محمد الهادي المكنى بأبي الحسن، ظهرت من الشيعة فرق أخرى، قالت: بنبوة رجل ُيقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري ﵇، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، وأنه إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئاً من ذلك. وكان يقوي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات. فلما توفي قيل له في علته وقد اعتقل لسانه: لمن هذا الأمر من بعدك؟ فقال: لأحمد. فلم يدروا من هو. فافترقوا ثلاث فرق. فرقة قالت:

стр. 250

أنه (أحمد) إبنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، وفرقة قالت: أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشير بن زيد. فتفرقوا، فلا يرجعون إلى شيئ. وادعى هؤلاء النبوة عن أبي محمد فسمت النميرية أو النصيرية (١). ولقد ذكر الشهرستاني النصيرية في ملله، وذكر مذهبهم أنهم يقولون: " إن الله قد ظهر بصورة أشخاص، ولما لم يكن بعد رسول الله ﷺ أفضل من علي ﵇ وبعده أولاده المخصوصون هم خير البريّة، فظهر الحق بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الألهية عليهم، وإنما أثبتنا هذا الإختصاص لعلي دون غيره، لأنه كان مخصوصاً بتأييد من عند الله تعالى مما يتعلق بباطن الأسرار. قال النبي ﷺ ، أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي ﷺ وقتال المنافقين إلى علي. وعن هذا شبهه بعيسى ابن مريم، وقال: ولولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى بن مريم وإلا لقلت فيك مقالاً. وربما أثبتوا له شركة في الرسالة. إذ قال: فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهو خاصف النعل، فعلم التأويل وقتال المنافقين ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر لا بقوة جسدانية من أدل الدليل على أن فيه جزء آلهياً وقوة ربانية. أو أن يكون هو الذي ظهر الإله بصورته، وخلق بيده، وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا كان هو موجود قبل خلق السموات والأرض. قال كنا أظلة على يمين العرش، فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا، فتلك الظلال وتلك الصور العرية عن الأظلال هي حقيقة وهي مشرقة بنور الرب تعالى إشراقاً لا ينفصل عنها، سواء كانت في

стр. 251

هذا العالم أو في ذلك العالم. وعن هذا قال أنا أحمد، الضوء من الضوء. يعني لا فرق بين النورين، إلا أن أحدهما أسبق والثاني لا حق به. قال له وهذا يدل على نوع شركة. فالنصيرية أميل إلى تقرير الجزء الآلهي. والإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة (١). وذكر الرازي أن هذه الطائفة موجودة في حلب ونواحي الشام إلى يومنا هذا (٢). ونحن نقول: إنها موجودة حتى اليوم في سوريا وتركيا، ويُعرفون بالعلويين. وأما النصيرية فيقولون: إن محمد بن النصير النميري لم يدّع ِ النبوة، بل إنه كان باباً للإمام الحادي عشر الحسن العسكري (٣). ويقولون: أنه كان ينافسه رجل اسمه أبو يعقوب اسحاق بن محمد النخعي، فادعى هو الثاني هو الباب للحسن العسكري. فالحاصل أن هؤلاء الذين يقولون ويصرحون بألوهية علي، وكان رسول الله هو رسوله هو. كما يقولون: إن عليّاً أرسل جابر بن يزيد الجعفي في قضاء غرض له، فلما أن وصل إلى الوضع المقصود، رأى علي بن أبي طالب جالساً على كرسي من نور، والسيد محمد (يعني سيدنا محمدا) عن يمينه، والسيد سلمان (يعني الصحابي الجليل سلمان الفارسي) عن شماله، ثم التفت جابر إلى ورائه فرآه هكذا. ثم التفت عن يمينه فرآه هكذا. ثم نظر إلى السماء فرآه في السماء والملائكة حوله يسبحون بحمده ويسجدون له " (٤).

стр. 252

وقد دوّنوا لهم قرآناً مستقلاً، ومنها هذه الآيات: "ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين .. أشهد عليّ أيها الحجاب العظيم، أشهد عليّ أيها الباب الكريم، أشهد عليّ يا سيدي المقداد اليمين، أشهد يا عليّ أبو الدر الشمال ... بأن ليس إلهاً إلا عليّ بن أبي طالب الأصلع المعبود، ولا حجاب إلا السيد محمد المحمود، ولا باب إلا السيد سلمان الفارسي المقصود، وأكبر الملائكة الخمسة الأيتام، ولا رأي إلا رأي شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصبي الذي شرع الأديان في سائر البلدان. أشهد بأن الصورة المرئية التي ظهرت في البشرية هي الغاية الكلية، وهي الظاهرة بالنورانية، وليس إله سواها، وهي علي بن أبي طالب. وأنه لم يُحاط ولم يُحصر ولم يُدرك ولم يُبصر. أشهد بأني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني الطريقة، خصيبي المذهب، جليّ المقال، ميموني الفقه، وافر الرجعة البيضاء والكرة الزهراء وفي كشف الغطاء وجلاء العماء وإظهار ما كتم وإجلاء ما خفي، وظهور علي بن أبي طالب من عين الشمس قابض على كل نفس، الأسد من تحته، وذو الفقار بيده، والملائكة خلفه، والسيد سلمان بين يديه، والماء ينبع من بين قدميه، والسيد محمد ينادي ويقول: هذا مولاكم علي بن أبي طالب فاعرفوه وسبحوه وعظموه وكبروه. هذا خالقكم ورازقكم فلا تنكروه. إشهدوا علي يا أسيادي، أن هذا ديني واعتقادي، وعليه اعتمادي، وبه أحيا وعليه أموت، وعلي بن أبي طالب حي لا يموت، بيده القدرة والجبروت. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا علينا من ذكرهم السلام " (١). وغير ذلك من الخرافات. " وتوفي علي بن محمد هذا بسرّ من رأى في رجب سنة أربع وخمسين

стр. 253

ومائتين. وولد سنة إثنتي عشرة ومائتين. وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن أكثم إلى سرّ من رأى، فأقام بها وأمه " (١). هذا ولقد ادعى في أيامه كثير من العلويين الإمامة، وبايعهم خلق من الشيعة ومن أهل بيت علي ﵁. منهم يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي زين العابدين (٢). فاستولى على الكوفة وما حولها، ولما قتل أيام المستعين العباسي، رثاه كثير من الشعراء حتى قال الأصفهاني: " وما بلغني أن أحداً ممن قتل في الدولة العباسية من آل أبي طالب رثي بأكثر مما رثي به يحيى، ولا قيل فيه الشعر بأكثر مما قيل فيه " (٣). ووافق على ذلك إبن الأثير في تاريخه الكامل (٤). وكذلك ادعى الإمامة حسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن المثنى. ظهر في بلاد طهرستان، وغلب عليهما وعلى جرجان بعد حروب كثيرة وقتال شديد (٥). وكذلك حسين بن محمد بن حمزة بن عبيد الله بن الحسين بن علي سنة إحدى وخمسين ومائتين (٦). الشيعة في أيام الحسن بن علي العسكري ولما توفي أبو الحسن بن علي الهادي، افترقت الشيعة إلى فرق عديدة.

стр. 254

" ففرقة قالت بإمامة إبنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسرّ من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده، والإمام لا يجوز عليه الكذب، ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيّبه، وهو القائم المهدي. وقالوا فيه بمثل مقالة أصحاب إسماعيل بن جعفر " (١) والجدير بالذكر أن محمداً هذا وهو المكنى بأبي جعفر كان وصي أبيه والخليفة بعده حسب تصريحات الشيعة، ولكنه مات قبل أن تصل إليه الإمامة وخلافة أبيه، فشك القوم في أمره وإمامة أبيه، فقال أبوه علي الهادي المكنى بأبي الحسن: " بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر ﵇ مالم يكن يعرف له، كما بدا في موسى بعد مضي اسماعيل ماكشف عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد إبني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الإمامة " (٢) وفرقة قالت بإمامة جعفر بن علي - وهو الملقب بجعفر الكذاب عند الشيعة - وقالوا: " أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد، وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتفاقا عليه ودفاعا عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي " (٣). وفرقة قالت بإمامة الحسن العسكري إبن علي، وكان يكنى بأبي محمد (٤). وقال المفيد:

стр. 255

" وكان الإمام بعد أبي جعفر ﵇ إبنه أبو الحسن علي بن محمد (ع) لاجتماع خصال الإمامة فيه وتكامل فضله، وإنه لا وارث لمقام أبيه سواه، وثبوت النص عليه بالإمامة والإشارة إليه من أبيه بالخلافة " (١). وتوفي يوم الجمعة سنة ستين ومائتين، وكان مولده بالمدينة في شهر ربيع الأول من سنة اثنتي وثلاثين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى، في البيت الذي دفن فيه أبوه، وأمه أم ولد يقال لها حديثة (٢). وعمره يومئذ ثماني وعشرون سنة. وقال النوبختي: يقال: لإمه أصفان، وقيل: سليل، وقيل غير ذلك. وصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل. وكانت في سني أمامته بقية ملك المعتز أشهرا، ثم ملك المهتدي أحد عشر شهراً وثمانية وعشرين يوماً، ثم ملك أحمد المعتمد على الله بن جعفر المتوكل عشرين سنة وأحد عشر شهراً " (٣). وفي أيامه ادعى كثير من العلويين الإمامة، منهم علي بن زيد بن الحسين العلوي (٤). وكذلك الكثيرون الذين ذكرهم الأصفهاني في مقاتل الطالبيين والمسعودي في مروج الذهب، وأما من السنة فذكرهم جميع المؤرخين. الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري مات الحسن العسكري بدون خلف ولا عقب كما نص على ذلك

стр. 256

النوبختي: " توفى ولم يُر له أثر، ولم يُعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه " (١). فأوجد موته خلافاً شديداً في شيعته، لأن التشيّع بعد تطوره يوجب على مدعي الإمامة أن يكون بعده عقب، وكذلك أن يكون عليه نص من الذي قبله، وهو الذي يقوم بتجهيزه وتكفينه، فكيف وهنا لا يُرى له أثر، فالتجؤوا لتأويل ذلك إلى سخافات عديدة. كل قوم حسب أهوائهم ومزاعمهم يهوون. فقال النوبختي: " فافترق أصحابه بعده أربع عشرة فرقة. ففرقة قالت: أن الحسن بن علي حي لم يمت، وإنما هو غائب وهو القائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر، لأن الأرض لا تخلو من إمام .. وقالت الفرقة الثانية: أن الحسن بن علي مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهدي، لأننا روينا أن معنى القائم، هو أن يقوم بعد الموت، ويقوم ولا ولد له، لأن الإمامة كانت تثبت لولده، ولا أوصى إلى أحد، فلا شك أنه القائم .. وقالت الفرقة الثالثة: أن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر وإليه أوصى الحسن .. فلما قيل له أن الحسن وجعفر ما زالا متهاجرين متصارمين متعادين طول زمانهما، وقد وقفتم على صنائع جعفر وسوء معاشرته له في حياته، ولهم من بعد وفاته في اقتسام مواريثه. قالوا: إنما ذلك بينهما في الظاهر، وأما في الباطن فكانا متراضيين متصافيين لا خلاف بينهما .. . وممن قوى إمامة جعفر وأمال الناس إليه، علي بن الطاهر الخراز، وكان متكلماً محجاجاً، وأعانته على ذلك أخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.

стр. 257

وقالت الفرقة الرابعة: أن الإمام بعد الحسن جعفر، وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه، لا من قبل الحسن، وأن الحسن كان مدعياً باطلاً، لأن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف. والحسن قد توفي ولا وصية له ولا ولد، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه، كما لا يجوز أن تكون الأمامة في الأخوين بعد الحسن والحسين كما نص عليه جعفر. وأما الفرقة الخامسة: فإنها رجعت إلى القول بإمامة محمد بن علي أخي الحسن المتوفى في حياة أبيه، وأما الحسن وجعفر فإنهما ادعيا ما لم يكن لهما، لأن جعفر فيه خصال مذمومة وهو بها مشهور. ظاهر الفسق وغير صائن نفسه، معلن بالمعاصي. ومثل هذا لا يصلح للشهادة على درهم، فكيف يصلح لمقام النبي صلى الله عليه وآله؟ وأما الحسن فلقد توفى ولا عقب له. وقالت الفرقة السادسة: أن للحسن بن علي إبناً سماه محمداً، وولد قبل وفاته بسنين، وزعموا أنه مستور، لا يُرى خائف من جعفر. وقالت الفرقة السابعة: بل ولد بعد وفاته بثمانية أشهر، وأن الذين ادعوا له ولداً في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم، لأن ذلك لو كان لم يخف غيره، ولكنه مضى ولم يُعرف له ولد. ولا يجوز أن يخفي ذلك وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتاً عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل ذلك عند السلطان وخفى أمره، فقد ولد له إبن بعد وفاة أبيه بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يُسمى محمداً، وأوصى بذلك، وهو مستور لا يُرى. وقالت الفرقة الثامنة: أنه لا ولد لحسن أصلاً، لانا قد أمتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه، فلم

стр. 258

نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له أن له ولد، لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله أن يُقال خلف إبناً نبياً رسولا. وكذلك في عبد الله بن جعفر بن محمد أنه خلف إبنا، وأن أبا الحسن الرضا ﵇ خلف ثلاثة بنين غير أبي جعفر أحدهم الإمام، لأن مجيئ الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيئ الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخلف ذكراً من صلبه، ولا خلف عبد الله بن جعفر إبناً، ولا كان للرضا أربعة بنين. فالولد قد بطل لا محالة، ولكن هناك حبل قائم قد صح في سرية له وستلد ذكراً إماماً متى ما ولدت، فإنه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له، فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة. واحتج أصحاب الولد على هؤلاء فقالوا: أنكرتم علينا أمراً قلتم بمثله، ثم لم تقنعوا بذلك حتى أضفتم إليه ما تنكره العقول، قلتم أن هناك حبلاً قائماً، فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك، فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم، واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم، فاستقصينا في ذلك غاية الإستقصاء فلم نجده، فنحن في الولد أصدق منكم. لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف، أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ويظهر بعد ذلك ويصح نسبه، والأمر الذي ادعيتموه منكر وشنيع، ينكره عقل كل عاقل، ويدفعه التعارف والعادة، مع مافيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين أن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر، وقد مضى للحبل الذي ادعيتموه سنون، وإنكم على قولكم بلا صحة ولا بيّنة. وقالت الفرقة التاسعة: أن حسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه ﵇. فكما صحت وفاتهم بالخبر الذي لا

стр. 259

يكذب مثله، كذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن .... والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله، فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله، فيحيي الأرض بعد موتها، كما بعث محمد صلى الله عليه وآله حين فترة من الرسل. وقالت الفرقة العاشرة: أن أبا جعفر محمد بن علي كان الميت في حياة أبيه، وهو الذي كان الإمام بوصية من أبيه، ثم أوصى هو إلى غلام له صغير كان في خدمته يُقال له نفيس، ثم بعد موته نقل هذا الغلام الوصية إلى جعفر. وقالت الفرقة الحادية عشرة: قد اشتبه علينا الأمر، ولا ندري من هو الإمام، وأن الأرض لا تخلو من حجة فنتوقف ولا نقدم على شيئ حتى يصح لنا الأمر ويتبين. وقالت الفرقة الثانية عشرة: ليس القول كما قال هؤلاء، بل لا يجوز أن تخلو الأرض من حجة، ولو خلت لساخت الأرض ومن عليها., وأما هو خائف مستور بستر الله لا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه، وليس علينا البحث عن أمره، بل البحث عن ذلك وطلبه حرام. وقالت الفرقة الثالثة عشرة: أن الحسن بن علي توفى، وأنه كان الإمام بعد أبيه، وأن جعفر بن علي الإمام بعده، كما كان موسى بن جعفر إماماً بعد عبد الله بن جعفر، للخبر الذي روى أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى. وأن الخبر الذي روى عن الصادق ﵇، أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين ﵉ صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه، فإنه لا تخرج منه إلى أخيه، بل تثبت في

стр. 260

خلفه. وإذا توفى ولا خلف له، رجعت إلى أخيه ضرورة، لأن هذا معنى الحديث عندهم. وكذلك قالوا في الحديث الذي روى أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره. وأقروا أن جعفر بن محمد ﵉ غسله موسى، وادعوا أن عبد الله أمره بذلك، لأنه كان الإمام بعده، وإن جاز أن لا يُغسله لأنه إمام صامت في حضرة عبد الله. فهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين، إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولدا. والإمام عندهم جعفر بن علي، على هذا التأويل ضرورة. وأما الفرقة الرابعة عشرة فقالت: إن الإمام بعده إبنه محمد، وهو المنتظر، غير أنه مات، وسيجئ ويقوم بالسيف، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا (١). فهذه هي الفرق المشهورة للشيعة، ذكرناها من كتب القوم أنفسهم، مع سرد الروايات والعبارات من كتب السنة أيضاً تأييداً وتوثيقاً، لا أصلاً واستدلالاً. غير أن هنالك فرقاً شيعية أخرى، ذكرها أصحاب الفرق من السنة من البيانية والجناحية والرزامية والمقنعية والحلمانية والخلاجية والأزافرة وغيرهم، لم نذكرها لانقراضها، ولعدم ورود ذكرها في كتب الشيعة، وكي لا يقول قائل: يعلم الله أن هذه الأسماء كلها لم نسمع بها ولم نرها في كتب الشيعة، وما هي إلا مختلقة لا يُقصد من ذكرها غير التشنيع والتهجين. وهي أسماء بلا مسميات، ولم يذكرها أحد من المؤرخين، ولا نقلها من كتب في الملل والشيعة كالشيخ أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أهل القرن الرابع في كتاب الفرق والمقالات المتكفل بذكر

стр. 261

فرق الشيعة وغيره (١). وبقيت هناك فرق أخرى، ألا وهي: الأثنا عشر أو الجعفرية الإمامة، فإنها ذكرت ضمن الأربع عشرة فرقة التي افترقت بعد موت الحسن العسكري، ولكن لما لها من أهمية، وإن هذا السرد الطويل لم يكن إلا لأجلها، لأنه عند إطلاق لفظ الشيعة لا يتبادر إلى الذهن الآن إلا هذه الفرقة. فنخصص لها باباً مستقلاً في تاريخها وعقائدها وعلاقتها بالسبئية، وتوارثها جميع الأفكار الموجودة في الفرق البائدة من الغلاة والمتطرفين. كما سنذكر الفرق التي تفرقت منها، وهي موجودة حتى الآن. ونلفت ههنا أنظار القرآء والباحثين إلى أمر هام يجب الإنتباه إليه، وهو ان كل فرقة من فرق الشيعة التي ذكرناها في هذا الباب سيجد القارئ من مطالعة موجز المعتقدات والعقائد التي حملها أؤلئك، أن كل واحدة منها أخذ حظاً وافراً من السبئية أبناء اليهود، واغترفت غرفاً كثيرة من الأديان الباطلة الأخرى من النصرانية والمجوسية والأفكار المدسوسة من الهندوس والبابليين والعاشوريين والكلدانيين وغيرهم، كما أن الشيعة بعد تطور التشيّع الأول في جميع أدوارهم وعصورهم، التزموا بقول الرجعة والغيبة والولاية والبراءة والوصاية والتوارث، كما أرسخها مؤسس القوم عبد الله بن سبأ وشلته الماكرة.

стр. 262

الباب السادس الشيعة الاثنا عشرية أن الطائفة الإمامية الذين قالوا بإمامة الموهوم الذي سموه محمد بن الحسن العسكري، يقول فيهم السمعاني في (الأنساب): الإمامية جماعة من غلاة الشيعة، وإنما لقبوا بهذا اللقب لأنهم يرون الإمامة لعليّ وأولاده ويعتقدون أنه لا بد للناس من إمام وينتظرون إماماً سيخرج في آخر الزمان (١) ". وهي الطائفة التي تسمى بالاثنى عشرية لإعتقادهم إمامة الاثنى عشر من علي بن أبي طالب والحسن بن علي وإمامة أخيه الحسين وإمامة زين العابدين علي بن الحسين وإمامة محمد بن علي الباقر وإمامة جعفر بن محمد الصادق وإمامة موسى بن جعفر الكاظم وإمامة علي بن موسى الرضا وإمامة محمد بن علي الجواد وإمامة علي بن محمد الهادي وإمامة الحسن بن علي العسكري وإمامة محمد بن الحسن المهدي وهو الِإمام الثاني عشر (٢) ". ويسمون أيضاً: الجعفرية باعتبار أن مذهب في الفروع هو مذهب الإمام جعفر بن محمد الصادق ﵉، ونسب مذهبهم في الفروع إليه باعتبار أن أكثره مأخوذ عنه (٣) ".

стр. 263

ويسمون أيضاً: الرافضة أو الروافض لرفضهم مناصرة أئمتهم ومتابعتهم وغدرهم بهم وعدم وفائهم لهم كما وصفهم عليّ ﵁ بقوله: لو ميزت شيعتي لما وجدتهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد (١) ". وكما قال علي بن الحسين الملقب بزين العابدين أنه لم يبق أحد من شيعة الحسين إلا ارتدّ تخاذلاً وجبنا ورفضا لنصرتهم إياه، أللهم إلا الخمسة: أبو خالد الكابلي ويحيى ابن أم الطويل وجبير بن مطيع وجابر بن عبد الله وشبكة التي كانت زوجة الحسين (٢) ". ورفضهم مناصرة أئمتهم وخذلانهم إياهم. وتركهم أوحاداً في المعارك والحروب التي هم أسعروا نيرانها معروف ومشهور، ولقد ذكرنا بعض الوقائع منها فيما سبق، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب (مقاتل الطالبيين) للأصفهاني، فإنه ليجد هناك المئات من أولاد علي بن أبي طالب الذين دعوا إلى الخلافة والحكم، ثم خذلوا ورفضوا من قبل الشيعة وقيل إنهم سموا بالروافض لرفضهم زيد بن علي بن الحسين على مدحه أبا بكر وعمر فقال زيد: رفضونا اليوم، ولذلك سموا هذه الجماعة بالرافضة (٣). وذكر الرازي مثل ذلك حيث قال: إنما سموا بالروافض لأن زيد بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ خرج على هشام بن عبد الملك، فطعن عسكره في أبي بكر فمنعهم من ذلك فرفضوه ولم يبق معه إلا مائتا

стр. 264

فارس. فقال لهم: -أي زيد بن علي- رفضتموني؟. قالوا: نعم، فبقى عليهم هذا الأسم (١) ". وأما قول من قال: الرافضة لقب ينبز به من يقدّم علياً ﵇ في الخلافة وأكثر ما يستعمل للتشفي والانتقام، وإذا هاجت هائجة العصبية لم يتوقف في إطلاقه على كل شيعي (٢) ". فليس إلا مبنياً على الجهل أو التجاهل فراراً من العار الذي لصق بهم أبد الدهر لأنه ورد في بخاري القوم: عن محمد بن سليمان عن أبيه أنه قال: "قلت لأبي عبد الله جعفر -الإِمام السادس المعصوم حسب زعم الشيعة-: جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبذاً أثقل ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبو عبد الله ﵇: الرافضة؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما هم سموكم ولكن الله سماكم به (٣) ". ويسمون أنفسهم الخاصة وغيرهم العامة -فعل اليهود- (٤). فهذه هي الأسماء المشهورة لهذه الطائفة، فالقائلون بالغائب الموهوم يسمون بهذه الأسماء التي ذكرناها، ثم إنهم تحيروا في إثبات وجوده وولادته قبل ثبوت إمامته للشيعة وزعامته التشيع، فاضطربت فيه أقوالهم وتضاربت فيه آراؤهم، فقائل يقول: بأن أباه مات ولم ير له أثر ولم يعرف له ولد ظاهر (٥) ".

стр. 265

وقائل قال: كان منه الحمل في جارية له ولكنه بطل ذلك الحمل أو سقط كما ذكره الكليني في رواية طويلة له عن أحمد بن عبيد الله بني خاقان أنه قال: إن الحسن العسكري لما مات: صارت سرّمن رأى ضجة واحدة وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن جارية هنا بها حمل، فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبين بطلان الحمل (١) ". وقائل قال منهم: بل ولد لحسن بعده بثمانية أشهر (٢) ". والآخرون قالوا: ولد ذلك الموهوم قبل وفاته بسنتين: فأما مولده بسرّمن رأى في ثالث وعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين (٣) ". وقال قائلهم: كان مولده في سنة ست وخمسين (٤) ". وقال قائل: لا بل ولد قبل وفاته بخمس سنوات: ْوكان مولده ﵇ ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين (٥) ". وهكذا اختلف في اسم الجارية التي قالوا إنها ولدته، فقال

стр. 266

قائلهم: إن اسمها نرجس (١) ". وقيل: اسمها صقيل أو صيقل (٢) ". وقيل: حكيمة (٣) ". وقيل غير ذلك. وعلى ذلك قال ابن حزم: وقالت القطيعية من الإِمامية الرافضة كلهم وهم جمهور الشيعة ومنهم المتكلمون والنظارون والعدد العظيم بأن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وهو عندهم المهدي المنتظر، ويقول طائفة منهم: إن مولد هذا الذي لم يخلق قط في سنة ستين ومائتين سنة موت أبيه، وقالت طائفة منهم: بل بعد موت أبيه بمدة. وقالت طائفة منهم: بل في حياة أبيه ورووا ذلك عن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى وأنها شهدت ولادته وسمعته يتكلم حين سقط من بطن أمه ويقرأ القرآن، وأن أمه نرجس، وأنها كانت هي القابلة، وقال جمهورهم: بل أمه صقيل، وقالت طائفة منهم: بل أمه سوسن. وكل هذا هوس، ولم يعقب الحسن المذكور لا ذكراً ولا أنثى، فهذا أول نوك الشيعة ومفتاح عظيماتهم وأخفها وإن كانت مهلكة (٤). ثم القصص التي اختلقت واخترعت لولادة هذا المولود الذي لم يولد قط وعن اختفائه عن الأعين، عن الخاصة والعامة وعن الأقارب والأباعد، وعدم علم أهل البيت وأهل الدار وعدم معرفتهم به. ثم

стр. 267

وكيفية بلوغه إلى درجة الإِمامة والإحاطة بجميع العلوم التي هي من خواص الإمامة ولوازمها عند القوم، كل ذلك جعل القوم ينسجون الأساطير ويبالغون في الأكاذيب لإثبات مدعاهم الذي لم يثبت ولن يثبت لأن حكاياتهم الجديرة أن توصف بأنها خرافات وخزعبلات هي نفسها تشهد على فشلهم وخذلانهم في إيجاد اللاموجود. ويسرد للقارىء بعض هذه الخرافات لكي يعرف ويعلم كذب القوم وحقيقتهم الأصلية. ولأهمية الموضوع أردنا بعض التفصيل وخاصة إنها - أي الاثنى عشرية- هي الطائفة الوحيدة التي تدّعي التشيع الأصلي وكونهم الشيعة الأصليين وعلى وجود معدومهم يتأسس مذهبهم وتقوم ديانتهم. ولقد ذكر مفسر الشيعة وعلم من أعلامهم، الذي يلقبونه بأمين الإسلام ومن علمائهم في القرن السادس من الهجرة أبو علي الطبرسي في كتابه نقلاً عن صدوق الشيعة وأحد أئمتهم في الحديث، الذي جعلوه في الصحاح الأربعة لهم، ابن بابويه القمي: فمن الأخبار التي جاءت في ميلاده (ع) ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار عن الحسين بن رزق الله عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة (عن حكيمة بنت محمد بن علي) بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈ قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن الرضا (ع) قالت: بعث إلى أبو محمد الحسن بن علي (ع) فقال: يا عمة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان وإن الله تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجة الله في أرضه، قالت فقلت له: ومن أمه؟. قال: نرجس، فقلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر، فقال: هو ما أقول لك، قالت: فجئت فلما سلمت وجلست

стр. 268

جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي كيف أمسيت؟. فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا، فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذا غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحييت، فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخيرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت فلما كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي قائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة ثم اضطجعت، ثم انتبهت أخرى وهي راقدة، ثم قامت فصلت ونامت، قالت حكيمة: وخرجت اتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة، قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو محمد من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فإن الأمر قد قرب، قال: فجلست فقرأت (الم السجدة) و (يس) فبينا أنا كذلك إذا انتبهت فزعة فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: تحسين شيئاً؟ قالت: نعم، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك. قالت حكيمة: ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنها فإذا به ﵇ ساجداً يتلقى الأرض بمساجده فضممته إلى فإذا أنا به نظيف منظف، فصاح بي أبو محمد هلمي إلى ابني يا عمة! فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله. ثم قال: تكلم يا بني فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة (ع) إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم. ثم قال أبو محمد: يا عمة! اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وائتيني

стр. 269

به فذهبت به فسلم ورددته ووضعته في المجلس. ثم قال ﵇: يا عمة إذا كان يوم السابع فائتينا، قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد وكشفت الستر لأتفقد سيدي فلم أره فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيدي؟. قال: يا عمة استودعناه الذي استودعت أم موسى، قالت حكيمة: فلما كان يوم السابع جئت وسلمت على أبي محمد فقال: هلمي إلى ابني فجئت بسيدي وهو في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى ثم أدلى لسانه في فيه كأنما يغذيه لبناً أو عسلاً، ثم قال: تكلم يا بني فقال أشهد أن لا إله إلا الله وثنى الصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة حتى وقف على أبيه (ع) ثم تلا هذه الآية ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (١). وروى مثل ذلك بزيادات كثيرة خاتمة محدثي الشيعة ملا باقر المجلسي عن الكليني صاحب (الكافي)، وعن ابن بابويه القمي، وعن شيخ الطائفة الطوسي، وعن السيد مرتضى الذي لقبوه بعلم الهدى وغيرهم (٢). ومؤرخ الشيعة ورجاليّهم ومحدثهم عباس القمي في منتهى الآمال (٣). وروى القوم عن كبار محدثيهم، عن ابن بابويه القمي، وعن شيخ الطائفة الطوسي بأسانيد معتبرة معتمدة كما ذكروا خرافات كثيرة يخجل الإِنسان بذكرها ويمجّها العقل ويزدريها الفكر ولكن أنّى لشاتمي

стр. 270

أصحاب الرسول الحياء والخجل، ومما ورد فيه أن حكيمة تقول: " بدأت أقرأ على نرجس: إنا أنزلناه في ليلة القدر، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ بمثل ما أقرأ، وسلمّ عليّ، ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمد ﵇: لا تعجبي من أمر الله إن الله تعالى ينطقنا صغاراً بالحكمة ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتى غيّبت عني نرجس، فلم أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب فعدوت نحو أبي محمد (ع) وأنا صارخة فقال لي: ارجعي يا عمة فإنك ستجدينها في مكانها قالت: فرجعت فلم ألبث إلى أن كشف الغطاء الذي بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشى بصري فإذا أنا بالصبي ﵇ ساجداً لوجهه جاثياً على ركبتيه رافعاً سبابته نحو السماء وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدي رسول الله (ص) وأن أبي أمير المؤمنين ثم عد إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه فقال: اللهم أنجز لي وعدي وأتمم لي أمري، وثبت وطأتي واملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً فصاح بي أبو محمد (ع) وقال: يا عمة تناوليه وهاتيه فتناولته وأتيت به نحوه فلما مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي فسلم على أبيه فتناوله الحسن (ع) مني والطير يرفرف على رأسه ويناوله لسانه فيشرب منه ثم قال: امض به إلى أمه لترضعه ورديه إلي قالت فناولته أمه فأرضعته ورددته إلى أبي محمد والطير يرفرف على رأسه فصاح طير منها فقال له: احمله واحفظه ورده إلينا في كل أربعين يوماً فتناوله الطير وطار به في جو السماء وأتبعه سائر الطيور فسمعت أبا محمد يقول: أستودعك الذي أودعته أم موسى، فبكت نرجس فقال: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه إلا من ثديك وسيعاد إليك كما رد موسى إلى أم موسى وذلك قول الله : ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾، قالت حكيمة: قلت

стр. 271

فما هذا الطير؟ قال هذا روح القدس الموكل بالأئمة ﵈ يوفقهم ويسددهم ويربيهم العلم قالت حكيمة: فلما أن كان بعد أربعين يوماً رد الغلام ووجهه إلى ابن أخي فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه فقلت يا سيدي هذا ابن سنتين فتبسم ﵇ ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم وإن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة وإن الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد الله تعالى عند الرضاع وتطيف به الملائكة وتنزل عليه بالسلام صباحاً ومساءاً قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضي أبي محمد بأيام قلائل فلم أعرفه فقلت لابن أخي (ع) من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس وهذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدونني فاسمعي وأطيعي" (١). ومثل ذلك روى الطبرسي أيضاً في أعلام الورى (٢). وزاد: حدثني نسيم الخادم قال: قال لي صاحب الزمان وقد دخلت بعد مولده بليلة، فعطست فقال: يرحمك الله، قال نسيم: ففرحت بذلك فقال: ألا أبشرك بالعطاس؟ فقلت: بلى، فقال: هو أمان من الموت إلى ثلاثة أيام" (٣). وابن الفتال قال: لما ولد السيد ﵇ قال أبو محمد: ابعثوا إلى أبي عمرو، فبعث إليه فصار إليه، فقال له: اشتر أربعة آلاف رطل خبز وعشرة آلاف

стр. 272

رطل لحم وفرقه واحسبه قال علي بن هاشم: وعق عنه بكذا وكذا شاة. وروى أنه لما ولد السيد (ع) رأيت له نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ أفق السماء، ورأيت طيوراً بيضاً تهبط من السماء وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد بذلك فضحك، ثم قال: تلك ملائكة السماء نزلت للتبرك بهذا المولود، وهي أنصاره إذا خرج" (١). ولعاقل أن يعقل ويسأل: ولماذا الخوف، ثم الدخول في السرداب ما دامت الملائكة حاميته وأنصاره؟. ثم ولماذا كان البحث والتفتيش والتنقيب عن مولود للحسن العسكري ما دام أنه كان موجوداً وقد بلغ الرشد وشبّ وترعرع؟. ثم وكيف حاز تركة الحسن أخوه جعفر مع وجود من يكون وارثاً له من أولاده؟. ورابعاً: ولماذا لم يشب ولم ينم الحسن والحسين سبطا رسول الله ﷺ ولهما من مكانة ومنزلة لا تخفى على أحد؟. كما أن الحسين حسب زعم القوم هو أب الأئمة الذين حلفوا بعده ومع وجود رسول الله آنذاك، فكان صبياً عندما غادر رسول الله الدنيا وحتى بروايات القوم، ثم ومن غير المعدوم نمى هذا النمو وترعرع وشبّ بهذه العجلة؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. خامساً: وهل يصدّق بهذه الأقاصيص التي لم يحسن واضعوها صناعتها وصياغتها شخص لديه شىء من التعقل وقليل من الفكر؟. وهل حكايات الطير وغياب النرجس إلا الأباطيل التي يسامر بها

стр. 273

المسامرون ويحيون بها الليالي في الأندية والمقاهي؟. ثم وكيف خفى كل هذا على الهاشميين والأسرة العلوية مع من فيهم من أم الحسن وأخيه وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف بابن الطومار الذي كان لديه سجل يدوّن فيه مواليد العلويين. وعلى ذلك لما ادعى أحد من الأدعياء أنه محمد بن الحسن العسكري سنة ٣٠٢ وصل خبره إلى الخليفة المقتدر العباسي، فأمر باحضار مشائخ آل أبي طالب ونقيبهم للبتّ في أمره، فشهد الجميع على كذبه بدليل أن الحسن العسكري لم يعقب، فحبس الدعيّ وضرب شهر بين الناس (١). فهذه القصص وهذه الخرافات بنفسها تشهد على فشل القوم في إثبات المدّعي. هذا وزيادة على ذلك اختلاف الشيعة أنفسهم وذهاب أكثرهم إلى إمامة الآخرين، والآراء المتعددة، بعد يأسهم عن ولادة ابن الحسن العسكري وعن وجوده بعده. وأخيراً ننقل ذلك الخبر الموثوق، المعتمد لدى القوم والمنقول في أصح كتبهم، في (الكافي) ما هو فصل قاطع في الموضوع، وذلك ما رواه الكليني عن أحمد بن عبيد الله بن خاقان وهو شيعي مشهور معلن تشيعه وموالاته للحسن العسكري أن الحسن العسكري: لما اعتل بعث السلطان إلى أبيه أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته، فيهم نحرير فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم

стр. 274

بالاختلاف إليه وتعاهده صباحاً ومساء، فلما كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنه قد ضعف، فأمر المتطببين بلزوم داره وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى توفي ﵇ فصارت سرمن رأى ضجة واحدة وبعث السلطان إلى داره من فتشها وفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلت الأسواق وركبت بنو هاشم والقواد وأبي وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سرمن رأى يومئذ شبيهاً بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والمعدلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان، ثم غطى وجهه وأمر بحمله من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبيه. ولما دفن أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل لازمين حتى تبيّن بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وادعت أمه وصيته وثبت

стр. 275

ذلك عند القاضي" (١). وذكر هذا الخبر جميع مؤرخي الشيعة ومؤلفيهم ومحدثيهم من المفيد في الإِرشاد (٢) والطبرسي في أعلام الورى (٣) والأربلي في كشف الغمة (٤) والملا باقر المجلسي في جلاء العيون (٥) وصاحب الفصول في الفصول المهمة (٦) والعباس القمي في منتهى الآمال (٧). فهذا هو الخبر الذي رواه جميع مؤرخي الشيعة ومحدثيها قد يهدم ما أرادوا بناءه على الأساطير والقصص والحكايات والخرافات من ولادة الثاني عشر المعدوم ونشأته وإمامته. ثم ولقد أقرّ بهذه الحقيقة الناصعة كبار القوم وزعماؤهم بأن الحسن العسكري مات: فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي أخو أبي محمد (ع) وأخذ تركته، وسعى في حبس جواري أبي محمد واعتقال حلائله ... وحاز جعفر ظاهراً تركة أبي محمد ﵇ واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه" (٨). و لماذا قالوا بولادة هذا المعدوم ؟ ثم إن القوم لم يضطروا إلى إيجاد هذا المعدوم واختلاق هذا الموهوم إلا فراراً من الأسئلة التي تطرح عليهم من قبل مخالفيهم وهرباً من المآزق

стр. 276

التي كانوا يقعون فيها حسب الأسس التي اخترعوها والقواعد التي ابتدعوها والأصول التي أوجدوها هم أنفسهم لبيان أوصاف الإمام وخصائله والشروط التي توجد فيه واللوازم التي تلزمه إياه، فإنهم قالوا: أن الإِمام لا يموت حتى يوصي، ويكون له خلف (١). وذكر الكليني عن جعفر أنه قال: لا يموت الإِمام حتى يعلم من يكون بعده، فيوصي إليه" (٢). ثانياً: لا يكون إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب كما روى الكليني عن جعفر أنه قال: لا تعود الإِمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبداً، إنما جرت من علي بن الحسين كما قال الله ﵎: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾، فلا تكون بعد علي بن الحسين إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب" (٣). وروى الكليني عن عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵇ أنه قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إن كان كون -ولا أراني الله- فبمن أئتم؟ فأومأ إلى ابنه موسى، قال: قلت: فإن حدث يموسى حدث فبمن أئتم؟ قال: بولده، قلت: فإن حدث بولده حدث وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أئتم؟ قال: بولده ثم واحداً فواحداً. وفي نسخة الصوافي: ثم هكذا أبداً" (٤).

стр. 277

وتوثيقاً لهذه القاعدة وتأكيداً لها نقلوا عن علي بن موسى الرضا أنه سئل: أتكون الإمامة في عمّ أو خال؟ فقال: لا، قيل: ففي أخ؟ قال: لا، قيل: ففيمن؟ قال: في ولدي، وهو يومئذ لا ولد له" (١). ويقصد بذلك لا بد أن يولد له ولد لأن وجوده من أحد الأدلة على صحة الإمامة. ثالثاً: ولا يكون إلا في الكبير. كما روى الكليني عن علي بن موسى أنه قال: للإمام علامات، منها أن يكون أكبر (٢) ولد أبيه" (٣). وكما رووا عن جعفر أنه قال: أن الأمر في كبير ما لم تكن فيه عاهة" (٤). ومثل ذلك قال علي بن موسى بن جعفر حينما سئل عن دلالة صاحب هذا الأمر فقال: الدلالة عليه الكبر" (٥). رابعاً: قالوا: إن الإِمام لا يغسّله إلا الإِمام. كما نقلوا عن علي الرضا أنه قال: إن الإمام لا يغسّله إلا إمام من الأئمة ﵈" (٦). خامساً: يستوي عليه درع رسول الله ﷺ كما رووا عن الباقر أنه بيّن علامات الإمام فقال: ومنها: وإذا لبس درع رسول الله صلى الله

стр. 278

عليه وآله كان عليه وفقا، وإذا لبس غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليهم شبراً" (١). ومثل ذلك روى ابن بابويه القمي عن علي بن موسى الرضا -الإمام الثامن للشيعة- أنه قال: ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله " (٢). وبذلك استدل جعفر بن الباقر على إمامة موسى ابنه -حسب زعمهم- كما يروي عبد الرحمن بن الحجاج أنه قال لجعفر: جعلني الله فداك، قد عرفت انقطاعي إليك، فمن ولى الناس بعدك؟ فقال: إن موسى قد لبس الدرع وساوى عليه" (٣). سادساً: ويكون عنده سلاح رسول الله كما روى الكليني عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال: والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، تكون الإمامة مع السلاح حيث ما كان" (٤). وبمثل ذلك قال جعفر: يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال: لا تكون إلا فيه: هو أولى الناس بالذي قبله وهو وصيه وعنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله" (٥). سابعاً: لا يكون الإمام إلا من يكون أشجع الناس وأعلم الناس، كما روى الكليني عن أبي الحسن أنه قال:

стр. 279

نحن في العلم والشجاعة سواء" (١). وكما روى الحر العاملي عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال: الإِمام أحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من الفضل الوهاب" (٢). وروى ابن بابويه القمي أيضاً عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال: ْ للإِمام علامات ، يكون أعلم الناس وأشجع الناس" (٣). ثامناً: إن الإِمام لا يحتلم ولا يجنب كما رووا ذلك عن علي بن موسى بن جعفر" (٤). تاسعاً: إن الإِمام يعلم بما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليه شىء، وعنده جميع الكتب التي نزلت من عند الله ويعرفها على اختلاف ألسنتها (٥). وأشياء كثيرة كثيرة. ولقد ذكر ابن بابويه القمي عن علي بن موسى بن جعفر أنه قال: للإِمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويولد مختوناً، ويكون مطهرّاً، ويرى من خلفه كما يرى من بين

стр. 280

يديه، ولا يكون له ظلٌّ، وإذا وقع على الأرض من [بطن] أُمّه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادة، ولا يحتلم، وتنام عينه ولا ينام قلبه. ويكون محدَّثاً ويستوي عليه درع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يرى له بول ولا غائط لأنَّ الله قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه. ويكون له رائحة أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم وأشفق عليهم من آبائهم، واُمّهاتهم، ويكون أشدَّ الناس تواضعاً لله ، ويكون آخذ الناس بما يأمرهم به وأكفَّ الناس عما ينهي عنه، ويكون دعاؤه مستجاباً حتّى لو أنه دعا على صخرة لانشقّت نصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعته إلى يوم القيامة وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر إهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم حتّى أرش الخدش وحتى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة ﵍. وفي حديث آخر إنَّ الإِمام مؤيد بروح القدس وبينه وبين الله عمود من نور يرى فيه أعمال العباد وكلّما احتاج إليه لدلالة اطّلع عليه" (١) وأخيراً عن جعفر أنه قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت" (٢) وقال:

стр. 281

لو لم يبق من الأرض إلا اثنان فأحدهما الحجة" (١). هذه هي الأسس الكبيرة التي وضعوا عليها بناء إمامة أئمتهم، ولما وجدوا أن أكثر الذين يعتقدون فيهم الإِمامة ولا تنطبق عليهم هذه الصفات ولا يصدق عليهم هذه الشروط حيث إن بعضهم ليس بأكبر ولد أبيه مثل موسى الكاظم والحسن العسكري، وبعضهم لم يغسّله إمام مثل علي بن موسى بن جعفر، فإن ابنه محمد الجواد لم يتجاوز الثامنة من عمره آنذاك. وكذلك موسى بن جعفر فإن ابنه علي الرضا لم يغسّله لغيابه عنه عندئذ. والجدير بالذكر أن محمد بن الرضا -الإِمام الثامن من عندهم- كان بالمدينة حين وفاته (٢). وكذلك الحسين بن علي لم يثبت أنه غسّله ابنه علي زين العابدين لملازمته الفراش ولحيلولة عساكر ابن زياد دون ذلك. وبعضهم لا يستوي عليه درع رسول الله مثل محمد بن علي الرضا، فإنه لم يتجاوز الثامنة عند وفاة أبيه، وكذلك ابنه علي بن محمد مات عنه وهو صغير. ومنهم مَن لم يكن عنده سلاح رسول الله، ولو كان عنده لما نازعه في الأمر أخوه زيد، وكموسى بن جعفر حيث نازعه عبد الله الأفطح وغيره. ومنهم من لم يكن أعلم الناس، فكيف يكون الصبى أعلمهم، وقد نقل عن القوم أنفسهم بأن من يظنونه إماماً من الصبيان قد وكل أمرهم إلى الآخرين إلى أن يستأنس منهم الرشد والعلم، وكذلك فقد

стр. 282

شكّ كبار الشيعة وزعماؤهم حتى في علم جعفر بن الباقر، فهذا هو زرارة بن أعين كبير رواة القوم، الذي قال فيه جعفر نفسه: رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي" (١). فهذا زرارة قال عن جعفر وأبيه: رحم الله أبا جعفر، فإن في قلبي عليه لفتة" (٢). وقال فيه أيضاً: وصاحبكم أيضاً ليس له بصر بكلام الرجال" (٣). ومثل ذلك حكموا في علم ابنه موسى، والقائل هو أبو بصير المرادي أحد الأركان الأربعة في رواية الحديث الشيعي، وأبو بصير هذا هو الذي بشره جعفر بن محمد بالجنة (٤). فلقد ذكر الكشي في شعيب الأقرقوفي أنه ذكر أبا الحسن عنده، فقال أبو بصير: أظن صاحبنا ما تناهى حكمه بعد، وفي رواية أظن صاحبنا ما تكامل علمه" (٥). وأما الشجاعة فبعد الحسين بن علي لم يكن واحد منهم معروفاً بهذا الوصف بين الناس حسب روايات الشيعة، بل كل ما نقل عنهم يدل على عكس ذلك، فلم يخرج واحد منهم ضد الحكام ولا السلاطين، بل خلاف ذلك، كان منهم من أقر بعبوديته لهم، ومنهم متخاذل عن نصرة بني عمومته الخارجين على الأمراء والولاة، ومنهم متجنب محترز محتاط ومنهم داع إلى التزام الولاء والإِطاعة لهم كما ذكرنا كل ذلك في الباب السابق.

стр. 283

وهذا كله حسب روايات القوم أنفسهم، وما فعله الحسن وما قالوه له وفيه فمعروف ومشهور. ومنهم من جاء النص بأنه كان يجنب ويحتلم كعلي بن أبي طالب والحسن والحسين، ورووا النص عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة والحسن والحسين" (١). وأما العلم بما كان وما يكون فلو كان كذلك لم يختلف أجوبتهم على السائلين لعلمهم أنهم من مخلصي شيعتهم، لأنهم عند ذاك علموا بأنهم ليسوا من المخالفين كما ذكر ذلك النوبختي: "عمر بن رياح" زعم أنه سأل أبا جعفر ﵇ عن مسألة فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية فشكك في أمره وإمامته فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له (محمد بن قيس) فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية، وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري لا ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التبخيت ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته وقال: لا يكون إماماً

стр. 284

من يفتي بالباطل على شىء" (١). ومثل ذلك ذكر الكليني في (الكافي) عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم. قال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه" (٢). وكذلك لو كانوا يعلمون الغيب لما قتل البعض منهم ومات الآخرون مسمومين حسب روايات القوم، فإنهم قالوا: لم يكن إمام إلا مات مقتولاً أو مسموماً (٣). لأنهم عند ذلك علموا بذلك. وأما التكلم بجميع اللغات فليس إلا من الأساطير التي اختلقها القوم للضحك على عقول الناس. فهذه هي الأشياء التي جعلت الشيعة في موقف حرج ومأزق لا يرجى منه الخروج.

стр. 285

وعندما لم يولد مولود للحسن العسكري رأوا أن جميع قواعدهم قد انهارت، وأسسهم قد انهدمت، ولم يبق مجال للتأويل الذي كانوا يتأولون به في السابق والسابقين، ورأوا أنه لا مخلص ولا منجي منه الا أن يوجدوا معدوماً ليتخلصوا به في المستقبل عن جميع الأسئلة التي تنجم عن عدم وجود تلك الأوصاف التي وضعوها كالعلامات للإمام، هذا وزيادة على ذلك كانت إمامة الحسن العسكري معرضة للخطر حيث لم تنطبق عليه علامات كثيرة، منها أنه لم يعقب ولم يخلف. ثم ولم يوص إلى من بعده. ولم يغسّله إمام كذلك. ولم يستو بعده على أحد درع رسول الله. ومن لا يكون موجوداً كيف يحكم عليه بأنه عالم وشجاع. وأخيراً خليت الأرض من حجة، وبقيت بلا إمام ولم تسخ. فحاروا واضطربوا ولم يجدوا جواباً لأن عدم وجود المولود للحسن العسكري لم يكن ليقضي على إمامة الحسن العسكري فحسب، بل كان يتخطى إلى هدم إمامة الآخرين أيضاً حيث إنهم هم الذين رسخوا هذه القواعد التي -طالما انكسرت وانعدمت في الكثيرين منهم- لأنه بذلك يخطي نبوءاتهم ويغلط أقاويلهم وهم معصومون عن الخطأ والزلل، لا ينطقون إلا بما يُلهَمون، فهذا هو النوبختي وهو الشيعي المتعصب المشهور، من أكابر هذه الطائفة وعظماء هذه السلالة، متكلم فليسوف إمامي الاعتقاد (١) يصرّح بعبارة واضحة لا غبار عليها بأن الشيعة تحيّروا بعد موت الحسن وذهبوا إلى آراء مختلفة متعددة، وتفرقوا فرقاً كثيرة متنوعة:
следующие страницы →