Полный текст (457 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
انْبعَاثُ الإِسْلاَم في الأندلُسْ
بقَلم
الأسْتَاذ الدّكتورْ عَلي المنتَصر الكتّاني
دار الكتب العلمية
стр. 2
الكتاب: انبعاث الإسلام في الأندلس
المؤلف: الدكتور علي المنتصر الكتاني
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: ٤٦٤
سنة الطباعة: ٢٠٠٥ م
بلد الطباعة: لبنان
الطبعة: الأولى
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الإهداء
أهدي هذا الكتاب إلى أرواح المجاهدين الذين سقوا أرض الأندلس الطاهرة بدمائهم عبر القرون ليحافظوا على دينها وكرامتها، وإلى السيد الوالد الشيخ العلامة محمد المنتصر بالله الذي علّمني منذ نعومة أظافري حب الإسلام والأندلس، والذي أحب أهل الأندلس فأحبوه ونصحهم فأعزوه، فكان أول من افتتح مسجد القاضي أبو عثمان بقرطبة، وأول من توجه ناصحًا لمجلس قرطبة البلدي. كما أهدي كتابي هذا إلى والدتي السيدة أم هانىء بنت الشيخ عبد السلام الفاسي الفهري، سلالة بني الجد المنحدرين من لبلة بأرض الأندلس. وإلى زوجي السيدة نزهة بنت عبد الرحمن الكتاني وأبنائي حسناء والحسن وحمزة والحسين الذين تابعوا جميعًا الأحداث المفصلة في هذا المصنف، متمنيًا أن يتابعوا المسيرة في الذود عن الإسلام والعطف على الأندلس كواقع حي دائم دوام الأمة.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
إن في تاريخ الأندلس - ذلك الفردوس المفقود - لَدروسًا وعِبَرًا لا نجدها في تاريخ غيرها من البلاد. ولا شك أن ازدهار المسلمين في الأندلس ثم انهيار دولتهم وسقوط حضارتهم يشكل جزءًا هامًا من تاريخ الإسلام السياسي والحضاري. كانت الأندلس نموذجًا أمثل لرقي المسلمين الثقافي والحضاري والعلمي والفكري في أوج ازدهارها وعصرها الذهبي. ولم يستطع التاريخ أن يقدم نظائر لما أنتجته الأندلس من علماء نوابغ ومفكرين عباقرة. فأنى للزمان أن يجود بمثل أبي عبد الله القرطبي في علم التفسير، وأن يأتي بنظير لبقي بن مخلد في علم الحديث، وأن يقدم قرينًا لأبي إسحق الشاطبي في علوه في التفكير الفقهي، وأن يأتي بعديل لابن رشد وابن باجة في الفكر الفلسفي، ومن ذا الذي يسبق أبا محمدِ بن حزم في شرحه للفقه الظاهري شرحًا وافيًا مبسطًا. وهل في العالم الإسلامي من يفوق ابن العربي في تفكيره البديع وسعة اطلاعه على الأدب الصوفي بجميع أبعاده ونواحيه.
وليس بِخافِ على مَن له إلمام بتاريخ الأندلس أن الانهيار الذي تلى هذا الازدهار لا نظير له ولا مثيل في تاريخ سقوط الأمم وانهيار الحضارات. إن تاريخ المسلمين يقدّم أمثلة كثيرة لسقوط الحكومات والانهزامات العسكرية. فعانت الدولة المغولية في الهند مشاكل على أيدي الهندوس والإنجليز أدّت في نهاية المطاف إلى سقوط الدولة الإسلامية وهزيمتها العسكرية. وسقطت حكومات إسلامية في بخارى وسمرقند ومدن أخرى من مدن آسيا الوسطى - منطقة ما وراء النهر - وانهارت دول الإسلام المتعددة في بلاد إفريقيا، وانقضت حضارات إسلامية في منطقة الشرق الأقصى. ولكن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين هذا السقوط وبين سقوط المسلمين في الأندلس، وبين هذا الانهيار وبين انهيار دولة الإسلام في
стр. 5
الأندلس. كان السقوط والانهيار في كل هذه البلاد سقوطًا عسكريًّا. وانهيارًا سياسيًّا فقط ولم يتعد إلى الجانب الفكري والنفسي والعاطفي والديني. ولم يؤد إلى تصفية الوجود الإسلامي تصفية كاملة كما أدى ذلك في الأندلس. ومن الأسف الشديد أن دراسة أسباب هذا الانهيار الكامل دراسة جدية موضوعية لا تزال أمانة في أعناق علماء المسلمين.
نعتبر سنة ١٤٩٢ م عمومًا كأنها تمثل نقطة نهاية سقوط المسلمين في الأندلس - السنة التي سقطت فيما دولة غرناطة - آخر دول الإسلام سقوطًا - حيث تنازل أبو عبد الله عن قصر الحمراء ومدينة غرناطة لفرديناند وأزابيلا - ولكن كانت هذه نقطة نهاية سقوطهم سقوطًا سياسيًّا. ولكن العالم الإسلامي مع الأسف ظن أنه نهاية باب من أبواب التاريخ الإسلامي وافترض أن التواجد الإسلامي في الأندلس انتهى بنهاية دولتهم. فأصبحت القضية عندهم نسيًا منسيًّا وصارت أمرًا مفروغًا منه. ومن هنا بدأت الكارثة الكبرى وشاهدت الأندلس مشاهد لم ترها العيون من المذابح والمجازر التي استمرت أكثر من قرنين كاملين.
كانت سنة ١٤٩٤ نقطة بداية لما يسمى بمحاكم الاستجواب والتفتيش التي تمثل أسوأ وأحلك وأظلم ما قدّمه رجال الكهنوت من ظلم واضطهاد باسم دين يدّعي بكونه دين التسامح. والتضحيات التي قدمها المسلمون خلال هذا الظلام الحالك من الظلم والاضطهاد تشكل جزءًا هامًّا من تاريخ الدعوة والعزيمة وتاريخ النظريات والديانات. ولا يمكن لتاريخ البشرية كلها أن تقدم نظيرًا لهذه التضحيات.
ولكن التاريخ تناسى هذا العصر الهامّ من تار ﷺ يين المتعصّبين لتصفية أجيال المسلمين.
وكأن أهل العلم تجاهلوا المذابح والمجازر التي أتت على حياة آلاف بل ملايين الأبرياء من المسلمين. كأن أهل الأدب لا يهمّهم ضياع ملايين الكتب القيمة التي أحرقها أعداء العلم والمعرفة من الكاثوليكيين المتعصبين. وكأن زعماء حركة حقوق الإنسان لا يعطون وزنًا لحياة الآلاف الذين أحرقوا وهم أحياء دون أي سبب إلا أن يقولوا ربنا الله. إن مدن قرطبة وإشبيلية وغيرها لا تزال فيها شوارع وميادين تعرف
بالمحرقة التي أحرق فيها المسلمون الأبرياء ودمرت فيها المكتبات بدرجة لم يمكن لهذه المدن أن تنساها فبقي اسم المحرقة على ألسن الناس ذكرى ودليلاً على هذه المجازر.
стр. 6
لعلّ صديقنا الأستاذ الفاضل المفكّر الإسلامي البارز الدكتور علي المنتصر الكتاني أول من أخذ على عاتقه الوفاء بهذا الواجب الجماعي وجمع معلومات قيمة مستقاة من المصادر الأصيلة عن الظلم والقتل والتشريد والتعصب الذي عانى منه المسلمون طوال هذا العصر الحالك، واستوعب بدراسته العميقة الملامح العامة للتضحيات التي قدمها المسلمون خلال هذه المدة، وجمع فأوعى، جزاه الله خيرًا، ونرى في هذا الكتاب القيم كل ما قام به أهل الإسلام من جهود للحفاظ على هويتهم الإسلامية وشخصيتهم العربية.
والكتاب يجمع بين حماسه الدعوى الدفاق وجديته العلمية وأسلوبه الأدبي الرائع ومنهجه التاريخي المحايد. ولا شك أن هذه المزايا ضمنت للكتاب مكانة مرموقة بين الأدب الإسلامي المعاصر. وقبل أن أختم كلمتي المتواضعة أسجل شكري العميق للمؤلف الفاضل على تفضله بالسماح لمجمع البحوث الإسلامية لطبع هذا الكتاب، كما أقدم شكري وتقديري لأكاديمية الدعوة على مساعدتها المالية في طبع الكتاب وذلك في ضمن برنامجها للبحث والنشر في قضايا الأقليات الإسلامية. والله ولي التوفيق.
ظفر إسحق الأنصاري
إسلام آباد
١٥ محرم الحرام ١٤١٣ هـ
стр. 7
مقدمة الشيخ المجاهد الإسلامي إبراهيم بن أحمد الكتاني
"انبعاث الإسلام في الأندلس "! الله أكبر! ولا غالب إلا الله! نعم، ذلك ما حدث في الأندلس بالفعل، بعد موت الديكتاتور الإسباني الجنيرال فرانكو. الصليبي الصميم، وإعلان إسبانيا دولة ملكية دستورية لا مركزية، اعترفت بالقوميات المختلفة، ومن بينها القومية الأندلسية، واعترفت بالدين الإسلامي. فأعلن بعض الأندلسيين عن إسلامهم، وأسسوا المساجد والجمعيات والمراكز الإسلامية، وأعلنوا الآذان لصلاة الجماعة والجمعة، واحتفلوا بالأعياد الإسلامية، وعقدوا الندوات والمؤتمرات الإسلامية بمشاركة مسلمين غير أندلسيين.
وإذا كانت هذه الأمور قد أصبحت عادية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية في كل أنحاء العالم، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وأستراليا واليابان وأمريكا الشمالية والجنوبية وغيرها. فإن الأمر في الأندلس يختلف عن ذلك اختلافًا كبيرًا.
فقد أسّس الإسلام في الأندلس دولة عظيمة، وأقام حضارة شامخة، ساهم فيها الأندلسيون والمغاربة والمشارقة والمولدون والموالي واليهود، وكان لها إيجابياتها وسلبياتها، وأنجبت أعلامًا فطاحل في مختلف فروع المعرفة بدون استثناء، فأغنوا الخزانة العلمية الإسلامية العربية بآلاف المجلدات، ونشروا المعرفة على نطاق واسع حتى لم يبق في الأندلس كلها أمي ولا أمية، كما يؤكد ذلك " دوزي "، المستشرق الهولاندي.
ومع أن دولة الأندلس الإسلامية كان يعيش فيها مع المسلمين اليهود والنصارى في أمن وسلام، يتمتعون بحريتهم الدينية التي ضمنها لهم الإسلام، وينهلون من معين المعرفة على أوسع نطاق، فإن الصليبية الجهولة المتوحشة المشركة الوثنية أعلنتها
стр. 8
حرب إبادة شرسة ضد المسلمين والإسلام، وحضارته وثقافته وعلومه، في معركة، استمرت عدة قرون. نعم عدة قرون.
وذلك ما يتحدّث عنه هذا الكتاب "انبعاث الإسلام في الأندلس "بقلم الدكتور علي بن المنتصر الكتاني، معتمدًا على حوالي خمسمائة مصدر أغلبها مصادر إسبانية بأسمائها وصفحاتها، وبذلك يملأ فراغاً في المكتبة العربية والإسلامية.
لقد قرر الطغاة الصليبيون منع الإسلام بالأندلس، فهاجر منها مَن هاجر من المسلمين، وهجروا مَن هجروا، وقرر مَن لم يهاجروا، أو بعضهم، أن يخضعوا للتنصير ظاهريًّا، ويحتفظوا بإسلامهم خفية، في انتظار أن يأتيهم الفرج من عند الله.
ولكن الكنيسة لم تنخدع، فكانت تحاكم مَن ظهر عليه إخفاء الإسلام، كالاغتسال أو الامتناع عن أكل الخنزير أو شرب الخمر، وقد تحكم عليه بإحراقه حيًّا في ساحة المدينة بحضور الجماهير! وأذكر بالمناسبة أنني قرأت عن رسالة جامعية قُدِّمت لكلية الآداب بجامعة محمد الخامس استنادًا إلى وثائق برتغالية عن محاكمة نساء بإخفائهن الإسلام. وقد تحدّث الشهاب الحجري عن تربية والده له على الكتمان، بتعاون مع أُمه وعمه، قبل أن يلقّنه العقيدة الإسلامية، وتوصيته بإخفاء ما يقوله عن أمه وعمه.
وإني لأذكر أني في أول زيارة لي في غرناطة كنت مارًّا بحيّ البيازين، فمررت بدار يدخلها السّوّاح، فدخلت معهم، ووجدت شابة جالسة في "برطال" الدار، وبين يديها "مرمة" تطرز فيها منديلاً طرز "الغرزة"، كأنما هي في دار فاسية. وقد لفت نظري أن الشابة كانت مقبلة على عملها من غير أن تبالي بالواقفين حولها أو ترفع رأسها للنظر إليهم. وخطر ببالي إذ ذاك أن ذلك من بقايا التربية الإسلامية التي كانت الفتيات المسلمات يتربين عليها، ولم يخطر لي ببال أنه ما يزال بالأندلس مسلمون يخفون إسلامهم.
وحدَّثني صديقنا الأديب الكبير خير الدين الزركلي ﵀ أنه كان في زيارة للأشبونة واستدعاه أحد وجهائها، وأثناء الحديث قال له: "إننا ما نزال مسلمين نتوارثه عن جدودنا منذ العهد الإسلامي".
وأخبرني الدكتور محمد الناصري، أستاذ الجغرافيا بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن شابين سلاويين أخبراه أنهما كانا في إسبانيا، فلقيهما رجل في
стр. 9
إحدى المدن فسلم عليهما وسألهما عن بلدهما. ولما عرف أنهما مغربيان استدعاهما لتناول طعام الفطور عنده وأعطاهما عنوانه. فلما ذهبا وجدا دارًا نظيفة مثل دور المسلمين، ورحبت بهما العائلة المحتشمة، وقالوا لهما: "إننا مسلمون نخفي إسلامنا ". ولم يفهم الشابان معنى لهذا.
وأخبرتني الدكتورة آمنة اللوه أنها كانت في الأندلس صحبة زوجها، صديقنا الأستاذ إبراهيم الألغي ﵀، فالتقيا في الطريق بأسرة أندلسية لاحظا أن نسائها يرتدين ثيابًا محتشمة، فتعارفا، وأخبرتهما أنهم مسلمون يخفون إسلامهم.
وقرأت في جريدة "النور" الإسلامية التي تصدر بتطوان مقالاً بقلم مديرها
صديقنا الدكتور إسماعيل الخطيب يتحدث فيه عن حضوره أول صلاة للعيد أقامها
المسلمون بمدينة غرناطة بعد إعلان الحرية الدينية بإسبانيا، وذكر أن من بين الذين
حضروا الصلاة شخص كان يحمل حقيبة أخرج منها ثوبًا إسلاميًّا لبسه بعد أن نزع
ثوبه النصراني، وأنه من المسلمين الذين كانوا يخفون إسلامهم. وقد اهتز كياني
واقشعرّ جلدي وأنا أقرأ هذا الخبر، وأسفت أسفًا شديدًا أن الدكتور لم يتصل بهذا
الرجل ويسأله عن شعوره في هذه المناسبة، وعن تجاربه الإسلامية في المرحلة
السابقة.
وبهذه المناسبة أشير إلى أن المكتبة الأندلسية، والإسلامية على العموم، في
حاجة أكيدة إلى معلومات وافية يُدلي بها هؤلاء الذين عاشوا هذه الحياة المزدوجة بين
النصرانية في العَلَن والإسلام في السّرّ. فإن استمرار جماعة من المسلمين الأندلسيين،
يعيشون مدة خمسة قرون حياة مزدوجة، يتظاهرون فيها بالنصرانية ويسرّون الإسلام،
مُتَعَرّضين في ذلك لمختلف الأخطار والأهوال التي تحدث عنها الكتاب ليعتبر ظاهرة
فريدة في المجتمع البشري، وخارقة للعادة بكل المقاييس، تبين بكل وضوح أن الدين
الإسلامي هو دين الفِطرة التي فطر الناس عليها، كما قال الله سبحانه، وهو أصدق
القائلين، وأنه استطاع أن يمتزج بأرواح وشغاف قلوب أفراد هذا الشعب الأندلسي
النبيل، رجالاً ونساء وأطفالاً، بدوًا وحضرًا، ويكون منهم أمة إسلامية حقيقية
استطاعت أن تحقق للإسلام هذه المعجزة العظمى، فتصمد في ميدان التحدّي خمسة
قرون، لا سلام لها إلا إيمانها الذي لا يغلب.
لقد تبيّن بما لم يبق معه شك ولا لَبْس ولا إبهام، أن جماعة من مسلمي
الأندلس الذين لم يغادروا الأندلس عندما استولى الصليبيون عليها، قد تنصروا ظاهرًا
стр. 10
مرغمين، واستمروا مسلمين مختفين، إلى أن "انبعث الإسلام بالأندلس "من جديد، فأظهروا ما كانوا يخفون. وتمثلت هذه الظاهرة الخارقة في ذلك المؤمن الأندلسي المجهول الذي شاهده الدكتور إسماعيل الخطيب يحضر صلاة العيد في غرناطة حاملاً حقيبته التي فيها ثوبه الذي كان يصلي به. واستمر المسلمون الأندلسيون يخفون إسلامهم خمسمائة عام إلى أن عادت الحرية الدينية لإسبانيا، واعترفت حكومتها بالدين الإسلامي، وبالقومية الأندلسية المتميزة التي جذورها الإسلام والعربية حسبما قرره بطلها في العصر الحديث الشهيد بلاس انفانتي، تغمده الله بواسع رحمته. فنؤكد أن التعرف على هؤلاء والتعريف بهم أمر شديد الأهمية لدرجة قصوى سواء من لا يزال منهم حيًّا لحد الآن، أو من أدركه أجله منذ "انبعاث الإسلام بالأندلس "، وكذلك كل من عرف أنه كان مسلمًا أيام "التقية ".
وقد تحدّث الدكتور علي الكتاني في الكتاب عن الشهيد أنفانتي ﵀ حديثًا مستفيضًا، ومهمًّا جدًّا. وأخبرني أحد التطوانيين أنه كان يزور كثيرًا شمال المغرب، وكان له أصدقاء مغاربة. وذكر الكتاب أن خليل ابن أمية، ﵀، غامر بإعلان إسلامه في وقت لم يكن يجرؤ على ذلك أحد، وكان ﵀ معروفًا بيننا بخليل ابن أمية، وكان صديقًا حميمًا لبطل الإسلام الخالد الأمير شكيب أرسلان ﵀، كما كان عضوًا في جمعية إسبانية أسستها الحركة الوطنية المغربية من الإسبان الذين يعطفون على الحركة الوطنية، ولعلها كانت تسمى "بيت المغرب ". كما تحدث الكتاب عن البطل الشهيد محمد ابن أمية (فرناندو دي بالور) الذي قاد الثورة الإسلامية العظمى في جبال البشرات.
وهل مَرَدّ عدم إعلان عدد أكبر من الأندلسيين إسلامهم يعود إلى أنهم ما زالوا لم يطمئنوا إلى هذا الإعلان، أو يخشون أن يحدث انقلاب جديد يلغي هذا الإعلان ويعود الوضع إلى ما كان عليه من قبل، خصوصًا والكتاب يتحدث عن أن الكنيسة تقيم الاحتفالات بذكريات احتلال المدن وما ارتكبته فيها بتلك المناسبات من مذابح وجرائم!؟ وفي السبعينات من القرن الميلادي الجاري عقد رهبان مسجد قرطبة (الكاتدرائية)، برئاسة مطران قرطبة، لقاء دعوا له مسلمين من المغرب والمشرق، وقالوا إنه حوار بين الإسلام والمسيحية، وإنهم نظموه من تلقاء أنفسهم لم يستشيروا فيه مع الفاتيكان! وقالوا إنهم يعترفون بأن محمدًا رسول الله حقًا وصدقًا، وإنه صادق
стр. 11
أمين، وإنهم يعترفون بأنهم كذبوا عليه، وشوهوا سمعته، ونسبوا إليه ما هو ﷺ منه بريء، وإنهم فعلوا ذلك بعد أن لاحظوا أنه لم يبق في شمال إفريقيا نصراني واحد، فحتى لا يقع في الأندلس ما وقع في بلدان المغرب فعلوا ما فعلوا. وقالوا إنهم يعترفون أن عندهم في دينهم أشياء غير معقولة تلقوها عن قدمائهم، فهم يؤمنون بها من غير أن يفهموها. كما أن عند المسلمين في دينهم أشياء يعترفون بأنها غير مفهومة. ثم اقترحوا على المسلمين أن يلغوا فكرة الجهاد حتى يمكن للنصارى أن يتعايشوا مع المسلمين. ثم أذنوا للمسلمين بصلاة الجمعة في مسجد قرطبة لأول مرة من استيلاء النصارى عليه. ذلك ما وعته ذاكرتي من مقال نشرته مجلة"العربي" الكويتية، ولست أدري بماذا أجاب المسلمون الحاضرون.
ولعل من المناسب أن أذكر رأي الإسلام في بعض ما قاله الرهبان: إن ما وقع في إفريقيا الشمالية (المغرب العربي) بعد الفتح الإسلامي، من تخلي السكان عن النصرانية حتى لم يبق في البلاد نصراني واحد، فمن المقطوع به أن ذلك لم يكن ناشئًا عن جهاد ولا ضغط ولا إرغام، وإنما كان أمرًا تلقائيًّا، يمكن البحث عن سببه أو أسبابه خارج نطاق الجهاد والإكراه. ولعل من أسباب ذلك ما يتحدث عنه هذا الكتاب من صمود جماعة من مسلمي الأندلس طوال خمسمائة عام متمسكين بإسلامهم مستهينين بالأهوال التي تحدث عنها الكتاب.
وأما ما قالوه عن اللامعقول في المسيحية والإسلام فنحيلهم على كتابين، أحدهما"كتاب الملل والنحل"تأليف العالم القرطبي المسلم أبي محمد بن حزم، وهو أول كتاب وضع في علم تاريخ الأديان المقارن. وقد درسه جيدًا أو ترجمه إلى الإسبانية المستشرق القس أسين بلاثيوس، ونشرته الأكاديمية الملكية الإسبانية في مجريط في خمس مجلدات. وأما الكتاب الثاني فهو"الكتب المقدسة والعلم الحديث"تأليف الجراح الفرنسي المعاصر المسلم موريس بوكاي. هو مطبوع بالفرنسية في طبعة عادية وأخرى شعبية للجيب وبالعربية وبالإنجليزية.
وأما قولهم عن الجهاد، فنقول إنه تشريع اضطر إليه الإسلام للدفاع عن نفسه وعن المسلمين. والجهاد كما يكون بالسلام يكون بالحوار والمحاججة. وقد قال الله لرسوله عن القرآن:"وجاهدهم به جهادًا كبيرًا". وما يزال القرآن من أعظم الأسلحة التي لا تغلب. وقد دخل في الإسلام في هذا العصر ما لا يعد في مختلف أنحاء العالم ممن اطلعوا عليه مترجمًا إلى غير العربية، وأحيانًا تكون الترجمة غير دقيقة، بل
стр. 12
وأحيانًا غير أمينة! وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿سَنُرِيهِمْءَايَاتِنَا فِى اَْلآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: الآية ٥٣].
ونعود إلى الحديث عن جامع قرطبة، فبعد أن أخذ الإسلام يظهر علنًا بين مواطني قرطبة، وتكوّنت أول جماعة إسلامية لهم بها، تنكّر مطران قرطبة لكل كلماته المعسولة، وأخذ يتهجم على الإسلام وأهله كما ذكر الكتاب، ويرجع بالمسلمين الأندلسيين إلى أسوأ الذكريات من أعمال سلف المطران سيئي الذكر. ووصل الحقد بالمطران والكنيسة إلى منع المسلمين، بما فيهم أهل قرطبة، من الصلاة في مسجد قرطبة الأعظم منعًا باتًا. وانقطعت بعد ظهور الإسلام في قرطبة علانية مؤتمرات الكنيسة مدعية الحوار مع المسلمين.
وذكرت جريدة"العلم"المغربية في عددها الصادر بتاريخ ٢٥ أكتوبر ١٩٩٠ م خبرًا ورد في أثنائه أن مسجد النور بمجريط شيد قبل حوالي سنة بفضل هبات الجالية المغربية المقيمة بمجريط، وأن ملحقًا بسفارة المغرب بإسبانيا يشرف على تعليم اللغة العربية للجالية المغربية. وقالت عن المسجد إنه أحد مساجد مجريط! وذلك مظهر آخر من مظاهر"انبعاث الإسلام بالأندلس". وبضواحي مدينة مربلة (مقاطعة مالقة) بني أحد الأمراء السعوديين مسجدًا بالقرب من قصر له هناك، وقد صليت فيه بعض الأوقات.
ولعل من طريف مظاهر"انبعاث الإسلام بالأندلس"نصب تماثيل لبعض رموز الوجود الإسلامي ببعض المدن الأندلسية. وقد كنا رأينا صورة تمثال للإمام أبي محمد بن حزم نصب في قرطبة، وقرأنا عن الاحتفال بنصبه، وسمعنا عن نصب تمثال بقرطبة للفيلسوف ابن رشد. ورأيت في إحدى ساحات مالقة تمثالاً لشخص عربي لم أدر من هو.
وقد وقف الشاعر المغربي محمد الحلوي بمدينة المنكب (مقاطعة غرناطة) على تمثال لعبد الرحمن الداخل، فأوحى له برائعة عنوانها"أما آن للفارس أن يترجل؟ " (جريدة"العلم"٢٣/ ١٠/ ١٩٩٠ م، ص ١٠) يقول فيها:
أما آنَ للصقر المحلّق في العُلا على قمم الفردوس أن يترجَلا؟
مُطِلاًّ من الماضي بقامة فارس ومرهف سيف كان في اليد مِشعَلا
وفي هامة شمَّاء شَدَت حمامة تظلّل وجهًا أسمرًا قد تهلّلا ..
شددت إلى تمثاله ورأيت في ملامحه عزًّا ومجدًا تَمَثَّلا
стр. 13
تجشّمت أن أرقى إليه فلم أجد وقد ملأ الإجلال قلبي أرجلا
فقبّلت بُردًا لف أطيب منكب وأكرم به بُردًا وإن شفَّه البلا
كأن على أكتافه كلّ ما بُنِي وما شُيِّد من مجد أخيرًا وأوّلا
فللَّه نحّات أعاد حقيقة بإزميله ما كان لي متخيَّلا ..
سلامٌ على غرناطة وقصورها وماضٍ سِنِي مستطاب بها حلا
والأندلس الإسلامية مغربية، وكذلك سمي النصارى الإسبان جميع المسلمين بالمغاربة"المورو"، وسمي عرب المشرق الأندلسيين مغاربة، وأدخلوهم في أوقاف المغاربة في الحجاز وبيت المقدس، وفي رُواق المغاربة في الأزهر بمصر. فبمجرد ما أكرم الله المغاربة بالدخول في الإسلام سارعوا إلى إدخاله إلى الأندلس بقيادة طارق بن زياد المغربي. واستشهد الكثيرون منهم، واستقر كثيرون آخرون هناك للدفاع عن الإسلام والمسلمين. وتوحد الشعبان في نطاق الإسلام والثقافة الإسلامية، ولم يؤثر اختلاف الأنظمة الحاكمة في هذه الوحدة الشعبية إطلاقًا. وكذلك كان التنقل بين "العدوتين"، الأندلسية والمغربية، عبر البوغاز، أو المجاز، أمرًا عاديًا مستمرًا في الاتجاهين. وكان الأتقياء من المغاربة يذهبون إلى المرابطة في الأندلس في مواعيد محددة، ثم يعودون إلى ديارهم. وأكتفي بإيراد مثل واحد، هو عالم فاس دراس بن إسماعيل ﵀ الذي تعلم في فاس وقرطبة والقيروان وبغداد، وأدخل مدونة سحنون للمغرب، وكان يدرسها بفاس. وكان يتردد على الأندلس ليرابط بها. والمرابطة نظام إسلامي طبقه المسلمون في المشرق والمغرب، كما هو معلوم. وكما قال لسان الدين ابن الخطيب:
حتى إذا سلك الخلافة انتثر وذهب العين جميعًا والأثر
قام بكل بلدة مليك وصاح فوق كل غصن ديك
ولكن هذه الديكة عجزت عن الدفاع عن نفسها، فاستغاثت بيوسف بن تاشفين، فقاد معركة الزلاقة المظفرة التي زادت في عمر الإسلام بالأندلس أربعة قرون، وأصبحت الأندلس جزءًا من الإمبراطورية المرابطية ثم الموحدية، التي كانت تمتد شرقًا إلى حدود مصر، وغربًا إلى حدود غانة وراء الصحراء الإفريقية الكبرى. وكان الأندلسيون يتولون فيها مناصب سامية، وفضل بعضهم مغادرة الأندلس والاستقرار في مختلف أنحاء هذه الإمبراطورية الشاسعة الأطراف، بل فيهم من تجاوزها إلى الاستقرار في أنحاء المشرق العربي.
стр. 14
وحتى عندما انفصلت الأندلس عن المغرب على عهد الدولة المرينية، بقي المغرب مرتبطًا ارتباطًا عضويًا متينًا بمشاكل الأندلس. وقد نشرت أكاديمية المملكة المغربية ديوان ابن فركون، وقد تضمن مضامين تاريخية، وهي مضامين تعرف لأول مرة وتكشف النقاب عن محنة دولة مجيدة هي دولة بني مرين التي قدّمت الكثير لأهل الجزيرة اليتيمة، وضحّت بالغالي والنفيس في سبيل نصرة الإسلام بالفردوس المفقود، فلم تلق إلا نكران الجميل، وحبك الدسائس، والمؤامرات كما ذكر الأستاذ محمد بن شريفة.
ولقد أدّى المغرب ثمنًا باهظًا جدًّا لدفاعه عن الأندلس كاد أن يكون قاتلاً، فاحتلت شواطئه الأطلسية والمتوسطية من قبل الإسبانيين والبرتغاليين الذين جعلوا من الجديدة وآسفى منطلقًا للعبث في الأرض المغربية حتى أنهم وصلوا مرة إلى ضواحي عاصمة مراكش. وكان فضل الدولتين السعدية أولاً، والعلوية ثانيًا، لا يقدر في المحافظة على الإسلام بالمغرب وضد الاعتداءات الصليبية عليه، ومحاولة تحرير شواطئه المختلفة، وكانت وقعة وادي المخازن (معركة الملوك الثلاثة)، التي قضت على الدولة البرتغالية بانضمامها إلى العرش الإسباني، بعدما كانت دولة عالمية، معركة فاصلة في إفشال المخطط الصليبي الجهنمي الهادف إلى القضاء نهائيًّا على الإسلام في المغرب العربي، شرقه وغربه. وتعتبر مشاركة الأندلسيين في المعركة من باب مشاركة جميع العناصر المغربية التي ساهمت بصفة طبيعية فيها، كل من موقعه الخاص. كما اعتاد المغاربة طوال القرون السابقة أن يتسابقوا تلقائيًّا إلى المشاركة في مختلف المعارك الأندلسية باعتبارها معاركهم الخاصة.
وهنا ينساق بنا الحديث إلى ظاهرة المفاخرات بين المدن والحارات والأمم.
ففي باريس يعتبر سكان"جزيرة فرنسا" (ليل دوفراس) وسط باريس، حيث كاتدرائية نوتردام، نفسهم الباريسيين الحقيقيين، ومن عداهم طارئين، وكذلك المفاخرة بين سكان ضفتي نهر السين بها. وقد كان لي طبيب بباريس يسألني مازحًا إذا وصلت عنده:"في أية ضفة تنزل حتى نعرف هل أنت من جهتنا أو من خصومنا!؟ ".
والمفاخرات بين الفرنسيين والألمانيين، وبينهم وبين البريطانيين والإسبانيين، مما سارت بذكره الركبان، وكذلك بين الحجازيين واليمنيين، والمصريين والشاميين، والسلاويين والرباطيين، والطنجيين والتطوانيين. ويخترق مدينة فاس وادي الجواهر، ويسكن إحدى عدوتيه اللمطيون، ويسكن الأخرى الأندلسيون، ومن حارات عدوة
стр. 15
اللمطيين الطالعتان الكبرى والصغرى، فإذا تحدث سكان عدوة الأندلس عن سكان الطالعة قالوا بصيغة التحقير:"إنه من سكان الطوالع". ولكن شاعرًا من سكان الطالعة قال:
إذا كنت في فاس ولم تكن ساكنًا ... بطالعها الأعلى فما أنت من فاس
ومن أروع مظاهر تعلق المغاربة بأندلسهم وأهلها ما ورد في الكتاب من وصول مائتي متطوع مغربي للمشاركة في ثورة الأندلسيين الكبرى بقيادة ابن أمية. فلنفكر جيدًا في الظروف والملابسات والصعوبات التي سبقت هذا الوصول. فهم ليسوا جنودًا نظاميين، ولم تبعثهم دولة، فكيف وصلتهم الدعوة؟ وكيف اجتمعوا؟ وكيف هيأوا السفن التي أقلتهم؟ ومن أين أقلعوا، والشواطىء المغربية ومراسيها يحتلها الأعداء؟ والمهم بعد كل ذلك أنهم ما جاؤوا طامعين في أي مكسب مادي أو معنوي، وإنما جاؤوا يطلبون الشهادة في سبيل الله، ويسعون لإنقاذ إخوانهم المسلمين مما هم فيه.
وقد قال الشاعر:
والجود بالنفس ... أقصى غاية الجود!
ثم مَن هم؟ ما هي أسماؤهم أو قبائلهم؟ وماذا كان مآلهم؟ وكلها أسئلة، وكثير غيرها، تبقى بدون جواب. ﵃ وأرضاهم -، وأنعم عليهم بما وعد به الشهداء في سبيله.
وذكر الكتاب في فصول عديدة فظائع من التعذيب والتنكيل التي لقيها المسلمون الأندلسيون. وقد وقع اكتشاف في السنين الأخيرة لكهف مليء بجثث عديد من المسلمين المصفدين في الأغلال أدخلهم إليه النصارى وأغلقوه عليهم. وقد نشر صديقنا الدكتور عبد الرحمن الحجي العراقي مقالاً في الموضوع في مجلة"منار الإسلام"الإماراتية مصحوبًا بعدة صور، كان سبق له أن أهداني نسخًا منها.
وأشار الكتاب إلى الوثائق التي عثر عليها في أحد الكهوف بالأندلس. وكانت الدكتورة آمنة اللوه قد ألقت في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط محاضرة عمومية عن هذا الموضوع ونشرتها بمجلة"البحث العلمي".
وتحدّث الكتاب عن الأندلسيين خارج الأندلس. ففي الكلام عنهم في المغرب أشار إلى عددهم الضخم، وهو أمر طبيعي في بلد عاشوا مواطنين فيه عدة قرون، مقابل عدد ضخم من المغاربة الباقين بالأندلس. وقد ذكر منهم بعض العائلات التي
стр. 16
نسبها إلى الأندلس كالقصرى نسبة للقصر، وعائلات منسوبة إلى قبائل مغربية انتقل بعض أفرادها إلى الأندلس مدة ثم عاد منهم من عاد، وذكر من الأندلسيين شخصًا اسمه أزمور كان البرتغاليون أخذوه معهم لأمريكا الجنوبية، مع أن أزمور مدينة مغربية تقع بالقرب من مدينة الجديدة التي كانوا يحتلونها (مازنغان).
وذكر كثيرًا من العائلات الموجودة بتونس، مثل عائلة ابن عاشور التي ينتمي إليها صديقنا الشيخ الفاضل ابن عاشور ووالده الشيخ محمد الطاهر رحمهما الله. ومن الشخصيات الأندلسية عبد الله الترجمان (القرن التاسع الهجري) الميورقي. كان نصرانيًّا، والتحق بمدرسة لتكوين الرهبان، وتخلف الراهب المدرس عن الحضور في أحد الأيام لمرض اعتراه، فذهب الطالب يعوده. وتنوع الحديث بينهما إلى أن لاحظ المدرس ذكاء الطالب وحرصه على التعلم، فقرر أن يعترف له بسر بعد أن يعاهده على أن لا يذيعه ما دام المدرس حيًّا، مع أنه إذا أذاعه فلن يصدقه أحد! ثم قال له إنه توصل إلى أنهم في ضلال مبين، وأن الدين الصحيح هو دين الإسلام. ولما سأله الطالب لم لا يعلن هذه الحقيقة على الملأ؟ قال له إن نفسه لم تسمح بالتضحية بحياة الرفاهية والبذخ التي يحياها. فأقبل الطالب على البحث إلى أن توصل للنتيجة التي توصل إليها أستاذه. اهتبل فرصة رحلة سياحية في البحر المتوسط، فشارك فيها. وفي تونس طلب مقابلة أميرها الحفصي أبي العباس أحمد، وبين يديه أعلن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم طلب اللجوء السياسي، وألف رسالة"تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب"فرغ من تأليفها سنة ٨٢٣ هـ وطبعت بتونس في ١٢٩٠ هـ، وفي مصر ١٨٩٥ م في ٦٨ ص.
وعند كلامه على الأندلسيين بالشام ذكر من بينهم مغربيًّا صميمًا هو أبو الحسن الحرالي المولود بمراكش والمتوفَّى بمدينة حماة من بلاد الشام سنة ٦٣٨ هـ. قال عنه دارسه الأستاذ محمادي الخياطي في رسالته"أبو الحسن الحرالي المراكشي"التي نال بها تحت إشرافي شهادة الدكتوراه بدار الحديث الحسنية بالرباط:"فالحرالي مراكشي نشأة ودراسة وفكرًا وثقافة". وشد الرحلة من مراكش إلى مدينة فاس، فأخذ عن أعلامها كابن الكتاني الفندلاوي، وأبي محمد القرطبي الذي تلقى عنه نظريته في مناسبات الآيات القرآنية، الذي يعرف اليوم"بوحدة الموضوع في السورة القرآنية"، وألف فيها"مفتاح الباب المقفل لفهم الكتاب المنزل". وقد درسه محمادي الخياطي المذكور في دراسته التي أشرت إليها. وشرع الحرالي في وضع تفسير للقرآن يبين فيه
стр. 17
المناسبات بين الآيات ولكنه لم يتمه، فأدخله البقاعي في تفسير وضعه في الموضوع وأتمه، وسمعت أنه طبع في الهند.
سبقت الإشارة إلى المساهمة العلمية الممتازة والمتميزة التي ساهم بها علماء الأندلس المسلمون في الميدان العلمي، والتي كان لها تأثيرها الفعال في مسيرة التطور العلمي على نطاق عالمي. كما سبقت الإشارة إلى الجريمة الشنيعة التي ارتكبها الرهبان المتوحشون الجهلة ضد الإنسانية جمعاء، وضد الحضارة البشرية، عندما أحرقوا مئات الآلاف من المجلدات العلمية الأندلسية في مختلف ميادين المعرفة في نوبة جنون هستيري مسعور، الأمر الذي أضاع على البحث العلمي حلقات مهمة، يمكن أخذ صورة مصغرة عنها من مراجعة كتب التراجم التي لم تضع فيما ضاع. وأشير مثلاً إلى"كتاب النبات"لأبي العباس بن الرومية، ومؤلفات بقي بن مخلد وابن حزم، وآلاف الأمثلة! أنها فاجعة إنسانية من نوع القنبلة الذرية في هيروشما وناكازاكي في اليابان.
وكما أخفى المسلمون إسلامهم، أخفوا مخطوطاتهم في انتظار فرج الله، خشية أن يحرقوها كما أحرقوا غيرها. فقد ذكر لي الباحث التونسي المرحوم عثمان الكعاك أن أحد الأندلسيين هدم سقف بيته وبنى سفله سقفًا ملأه كتبًا، ثم بنى فوقه سقفًا آخر حتى لا يكتشفه أحد، فبقي كذلك إلى أن اكتشف في هذا العصر عندما انهدم المنزل. وقد جاءني مرة الملحق الثقافي الإسباني، وكان زميلاً لي بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، بأوراق عربية حملها معه من إسبانيا، وقع العثور عليها مدونة في طليطلة، لأطلعه على موضوعها، فإذا هي أذكار ودعوات. وقد كنت اطلعت في مدرسة الدراسات العربية بمجريط على مخطوطات عربية احترقت أطرافها بالرطوبة، فلعلها كانت مدفونة بهذه الطريقة.
ومن الألطاف الإلهية أن آلاف المؤلفات الأندلسية كانت قد انتقلت من الأندلس
إلى مختلف المراكز العلمية في العالمين الإسلامي والمسيحي، فكونت الوجود الحي
والمستمر للإسلام الأندلسي عبر العالم تحقيقًا لوعد الله الصادق:"يريدون أن يطفؤوا
نور الله بأفواههم والله متم نوره، ولو كره المشركون".
ونظمت الكنائس العالمية غاراتها على العالم الإسلامي لاختلاس مخطوطاته المهمة، في مختلف الموضوعات، ونقلها بالغدر واللصوصية والخيانة إلى الخزائن الأوروبية في الجامعات والأديرة والكاتدرائيات، والتجند للترجمة والدراسة والتزوير
стр. 18
والتضليل والنشر. وفي هذا الإطار وقع الاهتمام في إسبانيا النصرانية ببعض المخطوطات العربية في بعض الجامعات والكاتدرائيات، كجامعة إشبيلية وكاتدرائية طليطلة وجامعة غرناطة ومكتبة الجبل المقدس وأكاديمية العلوم في قرطبة وأكاديمية التاريخ بمجريط والمكتبة الوطنية وكاتدرائية ليون. وقد كنت نشرت عن بعض المخطوطات المغربية في هذه المراكز المجريطية في"دعوة الحق"المغربية.
ولكن سمعة إسبانيا العالمية في ميدان المخطوطات العربية ستأتيها عن طريق خزانة مغربية ملكية بواسطة خيانة بحارة فرنسيين استأجرهم السلطان زيدان السعدي لينقلوا له خزانته الملكية، ففروا بها إلى فرنسا. ولكن القرصان الإسبانيين استولوا في البحر عليها، ووضعتها الحكومة الإسبانية في دير الأسكوريال.
واهتمت الدراسات الاستشراقية بصفة خاصة بتاريخ الأندلس وحضارتها وثقافتها. وتأسست المطابع العربية في البلاد الأوروبية، ومن بينها إسبانيا، لنشر المخطوطات العربية. ومن بين ما نشر بها ما عرف بالمكتبة الأندلسية، وهو تواريخ لعلماء الأندلس لابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبار والضبي وفهرسة ابن خير، إلى جانب دراسات المستشرقين الإسبان بالإسبانية عن جوانب مختلفة من الفكر الإسلامي في الأندلس، على علاتها. ومن المعلوم أن من المستشرقين من يتحامل على التاريخ الأندلسي الإسلامي منطلقًا من وجهة نظر نصرانية، ومنهم من أنصفه منطلقًا من وجهة نظر إسلامية مثل دوزي الهولاندي وديسي ميراندا (صديقي بالمراسلة) وغيرهما.
وذلك مظهر من مظاهر"انبعاث الإسلام بالأندلس"على نطاق ثقافي بعد أن توهم الفاتحون المبيدون استطاعتهم القضاء عليه. وقد ذكر كتاب"انبعاث الإسلام بالأندلس"مجلة"الأندلس"وسمعنا عن"الموسوعة الأندلسية"وقرأنا مقالاً معربًا منها عن"عباس بن فرناس"أول إنسان طار في الجو.
وكذلك استمر الوجود الثقافي الأندلسي قويًا، وعلى نطاق واسع خارج
الأندلس. عن طريق المخطوطات والمطبوعات والدراسات الأندلسية، وهو موضوع شاسع أكتفي بالإشارة إليه.
وقد عاشت الأندلس الإسلامية في ضمير جميع المسلمين في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وأحدث سقوطها جرحًا عميقًا في قلب كل مسلم، فلا تذكر إلا مقرونة بدعاء:"ردها الله دار إسلام! ".
стр. 19
ومن مظاهر الوجود الأندلسي في المغرب كتاب "الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء " للشهيد الأندلسي أبي الربيع الكلاعي، الذي استشهد مدافعًا عن مدينته " بلنسية "، وهو على بغلته يثبت المجاهدين، ويقوي معنويتهم، مقبلاً غير مدبر. فقد أوقف المغاربة الكراسي في مختلف المساجد لتتلى صفحات منه بعد صلاة الجمعة، في فاس ومكناس مثلاً، وجعلته الدولة المغربية كتاب تربية روحية للجيش المغربي. وكان مجلس الملك يفتتح بتلاوة قطعة منه.
وكانت خارج باب أبي الجنود بفاس ساحة كبرى، على غرار جامع الفنا بمراكش، تجتمع فيها الجماهير الشعبية للاستماع للقصاصين (الفداوية) الذين يقصون المغازي الإسلامية. وقد ذكر الرحالة الجواتيمالي في كتابه الحفيل " فاس الأندلسية " أنه استمع إلى قاص بها يتحدث عن وقعة إقليش الأندلسية، وكانت زيارته لفاس سنة ١٩١٧ م (مجلة " البحث العلمي ").
ومن المعلوم أن مدينة فاس تنقسم إلى عدوتين: عدوة اللمطيين وفيها درب يسمى " طريانة "، وهو اسم أندلسي لمدينة على الضفة اليمنى للوادي الكبير من مدينة إشبيلية، وهي اليوم حي من أحيائها. وعدوة فاس الثانية هي عدوة الأندلس، وفيها جامع الأندلس. وفي كثير من مدن المغرب جامع الأندلس.
والأندلس موجودة في المغرب بصفة واسعة على نطاق حضاري. فموسيقى الآلة وصلت المغرب من الأندلس وتمغربت في المغرب. ومن فواكه وخضر المغرب الفول المالقي، والبرقوق البلنسي، والرمان السفري، وهو رمان لا عجب (عظم) له جاء به إلى قرطبة من الشام شخص اسمه سفر، نسب إليه، ونقل لفاس وتازة باسمه القرطبي، وطعام " البسطيلة " الفاخر المغربي ذو شهرة عالمية في الحفلات المغربية. وكلمات " البرطال " بمعنييه و " الكوفري " و " المريو " وغيرها كثير.
وفي فاس قصور ومدارس ومساجد يقال عنها إنها أندلسية. ولكن المستشرق الفرنسي ليفي بروفانسال، الذي أقام في المغرب مدة وكتب عن الأندلس كثيرًا، نقل في محاضرة ألقاها بالقاهرة عن الراهب الإسباني المؤرخ الشديد التعصب ضد الإسلام مرمول، أن القصور الحمراء في غرناطة كانت تقليدًا لقصور بني مرين الملكية بفاس عكس ما يتوهم.
وفي أندونيسيا، أقصى نقطة في العالم الإسلامي، توجد منطقة اسمها الأندلس حسبما أخبرني بذلك أحد كبار علماء أندونيسيا وهو متخرج من جامعة القاهرة. وغير
стр. 20
بعيد عن أندونيسيا، بماليزيا، توجد مدينة ومقاطعة مالقة، تقع على الساحل الجنوبي الغربي لشبه جزيرة الملايو، وتطل على مضيق مالقة الذي يصل المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي. نشأت حوالي ١٤٠٠ م، وأصبحت مركزًا تجاريًّا هامًّا بجنوب شرقي آسيا. وفي القرن الخامس عشر الميلادي، بسط ملوك مالقة نفوذهم على جزء كبير من شبه جزيرة الملايو وسومطرة، ونشروا الإسلام في العالم الملاوي. استولى البرتغاليون عليها ثم الهولنديون ثم البريطانيون. ومن المعلوم أن في الأندلس مدينة مالقة. وعندما احتل الإسبان الأراضي المسلمة التي أطلقوا عليها اسم"الفيلبين"أطلقوا كذلك على سكانها اسم"المورو" الذي يطلقونه على مسلمي الأندلس.
وقد أشرنا سابقًا إلى تأسيس مصر للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمجريط وما ينشره من دراسات أندلسية من أهمها"فجر الأندلس"للدكتور حسين مؤنس.
وقد زار الأمير شكيب أرسلان ﵀ الأندلس، وطلب من حكامها السماح
له بالصلاة في جامع قرطبة، وأخذت له صورة رائعة بثياب إسلامية، ولعله أول مسلم صلى فيه منذ الاستيلاء عليه. وكذلك فعل محمد إقبال الباكستاني ﵀. وذكر لي صديقنا الدكتور عبد الله المنصوري ﵀، وهو تلمساني عاش معنا في فاس حوالي ربع قرن، أنه يزور مع عائلته وأولاده الأندلس كل سنة حتى لا تنسى ... (هذا آخر مقال كتبه الأستاذ المجاهد سيدي محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني في حياته، انتهى منه إلى هذا الحد دون أن يكمله، صبيحة يوم وفاته الأحد ٢٩ ربيع الثاني عام ١٤١١ هـ (١٨/ ١١/ ١٩٩٠ م). سويعات قبل وفاته، ﵀ بواسع رحمته).
стр. 21
مقدمة المؤلِّف
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المُرسَلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فعند معظم المسلمين اليوم ينتهي تاريخ الأندلس بسقوط غرناطة سنة ١٤٩٢ م. وكأن الأندلسيين اختاروا الخروج عن الإسلام بعد انهزامهم، وقبول أمر الواقع من الهجرة من ديارهم أو الاندماج في القوى النصرانية الغازية. أما عند الغرب، فيمر التاريخ الإسباني على طول الحقبة الإسلامية من تاريخ الأندلس، وكأنها حقبة عابرة لا قيمة لها في تكوين الشخصية الأندلسية المعاصرة. ولم تبتدىء هذه النظرة تتغير عند المفكرين في الأندلس إلا اليوم.
وكِلا الفئتين تتجاهل الواقع التاريخي الأندلسي. إذ أن الإسلام لم ينقرض في الأندلس بسقوط غرناطة، بل دخل الأندلسيون في حقبة طويلة من الدفاع المرير عن شخصيتهم وعقيدتهم الإسلامية دامت قرونًا وبقيت آثارها في المجتمع الأندلسي إلى اليوم. وقد برهن الشعب الأندلسي في صراعه المتواصل بطريقة لم يبرهنها مثله شعب من الشعوب الإسلامية، على تشبثه بالإسلام دينًا، وبالعربية لغة، لدرجة أصبح فيها مزدوج الشخصية، يتظاهر بدين ويضمر خلافه.
أما تجاهل الغرب للحقبة الأندلسية الإسلامية الطويلة في تكوين الشخصية الأوروبية فهو جهل وظلم وغباء لأن واقع هذا التأثير لا يمكن أن يتجاهله عاقل. ولا يؤدي ذلك إلا إلى دفع أجيال الغرب الصاعدة إلى المزيد من الجهالة والتعصب والانفصام عن الحضارة والفكر الإسلامي اللذان كان لهما عبر أرض الأندلس وشعبها أكبر تأثير في تحرير أوروبا من كثير من جهالتها وتأخرها ووحشيتها.
стр. 22
فالشخصية الأندلسية التي بقيت كثير من معالمها ثابتة إلى اليوم في الأندلس المعاصرة، استجابت لدعوة التوحيد منذ التاريخ السحيق. فالأندلسيون قبلوا الرسالة العيسوية بشكلها الأرياني الموحدي ورفضوا قبول الثالوث وما رافقه من بدع زائغة عن التوحيد رغم اضطهاد الحكومة القوطية في طليطلة وإجبارهم على التنصير الثالوثي في القرن الخامس الميلادي.
ولمّا ظهر الإسلام في شمال إفريقيا، انجذب إليه الأندلسيون بفطرتهم السليمة، وساندوه، وقاموا بثورة إسلامية شاملة ساهم فيها طارق بن زياد وموسى بن نصير المساهمة الفعالة للتخلص من الاضطهاد الثالوثي، وفتح الأندلس للرسالة المحمدية التي رأى فيها الأندلسيون التكملة الطبيعية لرسالة عيسى ﵇ الحقيقية.
وهكذا افتتح الأندلسيون حقبة غراء من تاريخهم، دامت ثمانية قرون، أعزهم الإسلام فيها وأعزوا الأمة الإسلامية بفكرهم واجتهادهم وورعهم وجهادهم، حتى أصبحوا رواد الفكر البشري في العلوم والتقنية والتنظيم والأدب والأخلاق لقرون عدة.
ولم تمهلهم قوى الشرّ الداخلية والخارجية طويلاً. ففي الداخل تحول حب الأندلسيين للحرية وشهامتهم، من المشاركة إلى التشتت، واختل التوازن بين الدنيا والآخرة إلى التلذذ بالحاضر وعدم أخذ الحيطة للمستقبل. وأما في الخارج، فقد اتحدت قوى الثالوث الغربي ضدهم بوحدة وثبات ومواصلة لمدة قرون، لم يمهلوا فيها فترة، حتى قضت على وجودهم المستقل سنة ١٤٩٢ م بسقوط غرناطة آخر معقل لهم ذي سيادة.
ولم يستسلم الأندلسيون بل قاوموا قوى الغدر والإدماج حفاظًا على إسلامهم رغم الاضطهاد المزدوج للكنيسة الكاثوليكية والدولة الإسبانية عبر محاكم التفتيش التي قتلت منهم كل من رفض التنصير حرقًا بالنار، وعملت على طمس الشخصية الأندلسية الإسلامية في أشكالها العقيدية والثقافية واللغوية بحرق الكتب ومنع التكلم باللغة العربية وارتداء الزي الإسلامي، وهدم الحمامات وإجبار الإنسان الأندلسي على التخلي عن كل مقومات شخصيته، بما في ذلك اسمه ولقبه وعاداته وتاريخه. فقاوم الأندلسيون لمدة قرن وربع تارة سلبًا وأخرى حربًا في الجبال التي تتوجت بثورة غرناطة العظمى سنة ١٥٦٩ م.
стр. 23
وطوال هذه الحقبة، وأجيال الأندلسيين تستغيث بالعالم الإسلامي، شرقًا وغربًا، فلم تصل استغاثاتهم إلا إلى آذان صماء ووعود كاذبة في معظم الأحيان، وخيانات صارخة في بعضها، وكأن العالم الإسلامي أقنع نفسه أن الأندلس أصبحت في عالم الخيال وأنه لا حول له ولا قوة في نصرة إخوانه الأندلسيين الذين يستغيثون به.
وثبتت الإرادة الأندلسية أمام هذا الخذلان والخيانات. ففي سنة ١٦٠٩ م، قرر الطاغية بمباركة الكنيسة طرد ما يزيد على ربع مليون من مفكّري الأندلسيين ومثقفيهم ليترك جماهيرهم هملاً سهلة الإدماج فتشتت الأندلسيون على أطراف المعمورة، داخل العالم الإسلامي وخارجه، ووصل منهم إلى شواطىء المغرب الأقصى والجزائر وتونس نصيب الأسد، فزادوا المجتمع المغربي ثراء وقوة وحضارة وإيمانًا. وادعت إسبانيا أن الطرد شمل جميع مسلمي الأندلس وأنها أحلت محلهم مهاجرين نصارى من شمال البلاد. وما أبعد هذا الادعاء عن الحقيقة التاريخية التي وردت في المصادر الإسبانية نفسها.
ثم دخل النضال الأندلسي حقبة جديدة بعد هذا الطرد، تابع فيها دفاعه عن بعض مقومات شخصيته المتأثرة بالإسلام ثم ظهر هذا النضال في القرن التاسع عشر على شكل دفاع عن وجود قومية أندلسية متميزة تعتز بتاريخها الإسلامي، وتحاول استرجاع هويتها، مستعملة اللغة القومية المقبولة آنذاك في المجتمع الغربي. ثم ظهرت في أوائل القرن العشرين شخصية بلاس انفانتي الفذة الذي اعتنق الإسلام وعمل حسب طاقته في ذلك الحين على توعية المجتمع الأندلسي، وإزاحة الغشاء المظلم الذي أنزله أعداؤه على تاريخه وماضيه الإسلامي. فأدت أفكار بلاس انفانتي إلى استشهاده سنة ١٩٣٥ م.
ثم رجعت هذه الأفكار إلى الظهور بعد نهاية الحكم الدكتاتوري في إسبانيا بموت فرانكو سنة ١٩٧٥ م. فتحركت القوى التحررية إلى تخليص إسبانيا من الهيمنة الكاثوليكية والاعتراف بالتعددية القومية، فتحولت إسبانيا من دولة مركزية إلى دولة اتحادية اعترف فيها بالثقافات المختلفة. فظهرت من جديد القومية الأندلسية تطالب بالاستقلال الذاتي لمنطقتها، والاعتراف بشخصيتها، متمركزة حول أفكار بلاس انفانتي السياسية وبعض أفكاره الثقافية. وهكذا كان تأسيس منطقة الأندلس سنة ١٩٨٠ م، وعاصمتها إشبيلية، نصرًا لتلك الأفكار. فاستعادت المنطقة بعض
стр. 24
الرموز الإسلامية كالعلم والنشيد الوطني والاعتزاز بالتاريخ الإسلامي. ثم أعطت الدولة الإسبانية حرية العقيدة للجميع، فظهر الإسلام الأندلسي من جديد لأول مرة بعد سقوط غرناطة، وأخذ العائدون إليه ينتظمون في جمعيات إسلامية. وكانت هذه العودة عبر طريقين: الصوفي، الذي يعم باقي أوروبا، الناتج عن بحث عميق بسبب الضياع العقيدي والروحي والأخلاقي الذي يعيش فيه شباب الغرب؛ والأندلسي، وهو الأقوى، الناتج بصفة طبيعية عن الوجود الإسلامي الأندلسي المتواصل. وقد تبنى هذا الاتجاه الأخير أفكار بلاس انفانتي كاملة، بما فيها ضرورة رجوع شعب الأندلس إلى الإسلام عقيدة وإلى العربية لغة كي يستعيد شخصيته كاملة، ويحرر نفسه من الهجمة الصليبية التي مزقت لعدة قرون شخصيته وعقيدته وثقافته وشرفه وتاريخه وحاضره.
ويسرد هذا الكتاب قصة الوجود الإسلامي في الأندلس منذ سقوط غرناطة إلى اليوم، ويفسر الصحوة الإسلامية المعاصرة، ويحاول تحديد ملامحها. وهو مجزأ إلى اثني عشر فصلاً. يلخص الفصل الأول نشأة دولة الإسلام في الأندلس منذ الفتح الإسلامي إلى سقوط غرناطة سنة ١٤٩٢ م، ويفصل الفصل الثاني اضطهاد الكنيسة والدولة للشعب الأندلسي بالتنصير الإجباري منذ سقوط دولتهم إلى سنة ١٥٦٨ م. ويلخص الفصل الثالث مراحل ثورة غرناطة الكبرى (١٥٦٨ - ١٥٧٠ م) التي حاول فيها الشعب الأندلسي بأكبر مجهود ممكن استعادة سيادته وطرد المستعمر. ويقص الفصل الرابع ما تلا انهزام ثورة غرناطة من تشتيت لأهلها وزيادة قهر لجميع الأندلسيين وطمس لشخصيتهم ومتابعة من طرف الدولة والكنيسة. ويعطي الفصل الخامس نظرة إجمالية عن طرد المسلمين الجماعي في الفترة (١٦٠٨ - ١٦١٤ م) بهدف القضاء على الطبقة الرائدة وتسهيل إدماج الجماهير الباقية. ثم يفصل الفصل السادس ديموغرافية الأندلسيين في القرن السادس عشر الميلادي وحياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وقد أصبحوا يسمون في ذلك الحين من طرف أعدائهم بالمورسكيين.
ودرس الفصل السابع استمرار الوجود الإسلامي في الأندلس في القرنين السابع عشر والثامن عشر، بينما وضح الفصل الثامن عوامل تكوين القومية الأندلسية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ثم وصف الفصل التاسع انبعاث القومية الأندلسية منذ سنة ١٩٧٥ م، ووضح الفصل العاشر الانبعاث الإسلامي في الأندلس وتياراته
стр. 25
المختلفة، بينما ركز الفصل الحادي عشر على دراسة التيار الأندلسي الذي تبنته " الجماعة الإسلامية في الأندلس". وانتهى الكتاب في الفصل الثاني عشر بإعطاء فكرة موجزة عن الشتات الأندلسي المعاصر.
وقد اعتمدت في كتابة هذا المؤلف على مراجع معظمها إسبانية، وبعضها لمؤلفين مسلمين من أندلسيين وغيرهم أو غربيين. وقد أتيت في آخر كل فصل بالمراجع المستعملة، التي يزيد عدد جميعها على الخمسمائة.
وهدفي الأول من إخراج هذا التصنيف هو التعريف بالنضال الأندلسي المتواصل منذ سقوط غرناطة إلى اليوم، وتوضيح جذور الشعب الأندلسي المعاصر المتأصلة في الهوية الإسلامية، وتسليط النور على القوى الدافعة للانبعاث الإسلامي داخل الشعب الأندلسي. فالأندلس ليست خيالاً فقط كما يتصوره الكثيرون، وليست أشعار ابن زيدون وابن الخطيب وغيرهما كما يتخيلها البعض، وليست قصر الحمراء ومسجد قرطبة الأعظم كما يمكن أن يراها آخرون. فأشعار ابن زيدون وابن الخطيب وقصر الحمراء ومسجد قرطبة الأعظم وخيال الأندلس وغناه، كلها معالم من إنتاج شعب مسلم ناضل في سبيل الإسلام وتغنّى للإسلام وتحمس للإسلام وعاش للإسلام لمدة قرون. وذلك الشعب لا زال حيًّا قائمًا له ذكرى وإن كانت مشوشة وآمال وإن كانت غير واضحة وشخصية وإن كانت مقزمة، وهو القائم اليوم تحت أسماء مستعارة وبشكل يتنافى مع ماضيه، ولكن تحت تلك الأشكال لا زال وميض من شخصيته الإسلامية قائمًا، أصبح يقوى عند الكثير من شبابهم المثقف وينتقل إلى شعلة موذنًا بصحوة إسلامية يخرج نورها من بين الرماد، مظهرة في آن واحد عظمة الإسلام وأصالة الشعب الأندلسي، فهذا الشعب جدير باهتمام الأمة الإسلامية وجدير بها أن تحتضن صحوته وتنهي يتمه.
ويعود سبب عزمي إلى تصنيف هذا الكتاب إلى مطالبة بعض الأخوة الأندلسيين المتواصلة، منهم: الأخ الكريم الأستاذ عبد الرحمن مدينة مليرة، والأخ الكريم الأستاذ عبد الرحمن معنان حبصاوي، وغيرهم، كما طلبني عدة مرات لتصنيفه عدد من الإخوة في شرق البلاد الإسلامية وغربها. منهم: الدكتور الأستاذ ظفر إسحق الأنصاري، مدير عام مركز الدراسات والأبحاث الإسلامية بالجامعة الإسلامية بإسلام آباد، باكستان، والأستاذ الدكتور سيد زين العابدين رئيس مركز دراسات الأقليات الإسلامية، بلندن، بريطانيا، ورئيس تحرير مجلتها العلمية، والأستاذ الدكتور حسن
стр. 26
معايرجي رئيس مركز الأبحاث بجامعة قطر بالدوحة، والسيد العم الأستاذ الدكتور إدريس بن محمد بن جعفر الكتاني أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، المغرب، وغيرهم من الأخوة الكرام. فلولاهم لما ظهر هذا التصنيف إلى الوجود. فمني لهم الشكر الجزيل والامتنان.
كما يعود شكري لكل مَن ساندني على إنجاز هذا العمل بالمراجعة والرأي، خاصة زوجي السيدة نزهة بنت عبد الرحمن الكتاني وابني الحسن وشقيقي يحيى. كما يعود شكري إلى السيدة عائشة ودغيري حسني لطباعة النسخ المتعددة لهذا الكتاب وتصحيحه. وللجميع شكري الجزيل.
جعل الله عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم وله الشكر والمِنَّة قبل كل أحد، ولا غالب إلا الله.
علي المنتصر الكتاني
الرباط في ٦ محرم الحرام ١٤١١ هـ
موافق ٢٩ - ٧ - ١٩٩٠ م
стр. 27
الفصل الأول
نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس
١/ ١ - الأمة الأندلسية وتكوينها:
كانت شبه الجزيرة الإيبرية قبل الفتح الإسلامي تحت حكم الفيزيقوط، أي القوط الغربيون، وهم قبيلة ألمانية. وقد بدأ احتلال القوط للجزيرة الإيبرية في أوائل القرن الخامس الميلادي بعد طردهم للوندال، وهي قبيلة ألمانية أخرى احتلت شبه الجزيرة الإيبرية في القرن الثالث الميلادي. وقد استبد القوط بالحكم وعاملوا أهل البلد الأصليين معاملة العبيد طوال حكمهم، إلى أن طردهم المسلمون. وكانت عاصمتهم مدينة طليطلة في وسط شبه الجزيرة، على نهر تاجه.
كان أهل شبه الجزيرة الإيبرية وثنيين كما كان القوط إلى أن أخذت الديانة النصرانية تدخل البلاد شيئًا فشيئًا في أواخر القرن الثالث الميلادي. وانتشر الدين المسيحي في شبه الجزيرة على أصله الموحد على مذهب"آريوس"، في القرن الرابع الميلادي. وهكذا أصبح أهل شبه الجزيرة الإيبرية يؤمنون بالله الواحد (لا يؤمنون بالثالوث) ويؤمنون بالسيد المسيح كنبي لله مرسل. وانضم الحكام القوط في طليطلة إلى نفس المذهب الموحد"الآريوسي"الذي أصبح مذهب الدولة الرسمي.
وفي القرن الثالث أدخلت في الدين المسيحي أفكار جديدة حرفته من دين التوحيد إلى التثليث المعروف به اليوم، وذلك في اجتماع"نيكيا"الكنسي. وساندت الدولة الرومانية هذه المبادىء الدخيلة وحاربت بالقوة كل من عارضها، خاصة أتباع مذهب آريوس الموحدين.
وفي سنة ٤٠٠ م عقد الرهبان القوط في طليطلة اجتماعهم الأول وقرروا الانضمام إلى مبادىء الثالوث المعلنة في"نيكيا". وهكذا وقع في شبه الجزيرة الإيبرية
стр. 28
نزاع حاد بين أصحاب الثالوث والموحدين أتباع مذهب آريوس، واشتبكوا في حرب أهلية لا هوادة فيها. وانضم معظم أهل شبه الجزيرة الإيبرية الأصليين إلى الموحدين بينما انضم الرهبان إلى مذهب التثليث، غير أن الدولة بقيت على مذهب آريوس.
وبقي الوضع على هذا الحال إلى ٨ مايو سنة ٥٨٩ م حيث عقد اجتماع مجمع طليطلة الكنسي الثالث، الذي انضم إليه الملك"ريكاردو". وقد شجب القساوسة والملك مذهب آريوس في هذا الاجتماع، وتحولت الدولة من التوحيد إلى التثليث.
وتبع ذلك اضطهاد متواصل للموحدين دام سنين طويلة. وتشبث أهل الأندلس، جنوب شبه الجزيرة الإيبرية، بمذهب التوحيد ولم يرضوا عنه بديلاً. واضطروا بعد سنين من العذاب إلى إخفاء عقيدتهم الحقيقية.
وفي هذا الجو من السخط العارم وصل الإسلام إلى شمال إفريقيا، فرأى أهل الأندلس المسلمين إخوانًا لهم في الدين، واتصلوا بهم اتصال المستغيث. وهكذا هيىء فتح الأندلس بتعاون كامل بين المسلمين من عرب وأمازيغ في الضفة المغربية وأهل الأندلس الأصليين في الضفة الأندلسية، مما سهل تحرير شبه الجزيرة الإيبرية من سيطرة القوط وأهل التثليث في ظرف لم يتعد ثلاث سنين، وذلك من سنة ٩٢ إلى ٩٥ هـ (٧١١ - ٧١٤ م)، أي ١٢٢ سنة فقط بعد الانقلاب الثالوثي، لدرجة أن بعض المفكرين الإسبان المعاصرين نعتوا هذا الفتح الإسلامي للأندلس بثورة إسلامية في الغرب.
وهكذا دخلت منطقة لا تقل مساحتها عن ٧٠٠.٠٠٠ كيلومتر مربع دار الإسلام.
وهي تضم معظم دولة إسبانيا الحالية، عدا منطقة جبلية شمال غربية التي تغطيها اليوم مقاطعتا البسك وآشتورياش، كما كانت تضم كل دولة البرتغال وقسمًا كبيرًا من جنوب فرنسا بما في ذلك مدن أربونة وقرقشونة ونيمش. ولقد أعطى المسلمون الحرية المطلقة للأهالي في اختيار دينهم، فبقيت قلة على المذهب الثالوثي النصراني، ورجعت الأكثرية إلى المذهب الموحدي الأريوسي. ومع مر الزمن، وفي ظرف لم
يتعد القرن الواحد، انضم جميع الموحدين إلى الإسلام ودانوا به، وأصبحت اللغة العربية لغة حضارتهم وثقافتهم بينما حافظوا على اللغة الأعجمية في مخاطباتهم الخاصة. وانضم إلى هذه الملايين من أهل البلد الأصليين الذين أسلموا اختيارًا وحبًّا في الإسلام سيل صغير من المهاجرين العرب والأمازيغ وغيرهما اندمجوا فيهم. كما حدث بالضبط بالنسبة للمغرب.
стр. 29
وهكذا تكوّنت في الأندلس لهجة عربية خاصة تتصف بالأمالة الشديدة كبعض لهجات لبنان وتونس اليوم، لكنها انقرضت بعد ذلك بانقراض الإسلام في الأندلس في ظروف سنوضحها، كما كان أهل الأندلس يتكلمون لغة أعجمية من أصل روماني انقرضت هي كذلك اليوم. وقد سجلت هاتان اللغتان تسجيلاً موثقا في الكتب الأندلسية: في الأمثال والأزجال والموشحات. ومما يدل على أن الشعب الأندلسي كان مزدوج اللغة هو تكون الأزجال الشعبية باللغتين في آن واحد. ومثال ذلك هذا المقطع من القرن الثاني عشر للزجال القرطبي ابن قزمان، وهو باللهجة العربية والأعجمية الأندلسية في آن واحد:
أين ذيك الأيام وذيك الليالي؟
كأنن باش لفاج أباد مالي
إنما القاضي رجل من رجالي
عالي الهمّة يضرّ وينفع
الأسطر الأول والثالث والرابع بالدارجة الأندلسية والثاني بالأعجمية الأندلسية ومعناه:"أين تلك الأيام وتلك الليالي؟ التي لا ترى وجهها وإنما ترى شرها، إنما القاضي رجل من رجالي عالي الهمة يضر وينفع". وهكذا تكوّن شعب جديد مسلم العقيدة عربي اللغة له خصاصيته متأصل في بلده. ولم يكن بذلك الفتح الإسلامي غزوًا لأمة أخرجت أمة أخرى أو إجبار أمة على دين ولغة لم ترتضيهما. وإنما الشعب الأندلسي هو نفسه اختار الإسلام دينًا واللغة العربية لغة حضارة ورحب بالفاتحين المسلمين الأوائل ترحيب المقهور للمنقذ. وأصبحت الأندلس أول الفتح الإسلامي مقاطعة تابعة لولاية المغرب في الدولة الإسلامية وعاصمتها القيروان. ثم أصبحت ولاية قائمة بنفسها وعاصمتها إشبيلية. ثم انفصلت الأندلس عن الدولة العباسية في المشرق سنة ٧٥٦ م تحت زعامة عبد الرحمن الداخل الأموي الذي أسس دولة أموية في الغرب بعد ست سنوات من سقوط الدولة الأموية في دمشق، واتخذ عاصمة لها مدينة قرطبة على الوادي الكبير. وأصبح المسلمون أكثرية ساحقة في البلاد تحت الحكم الأموي حين وصلت الأندلس أوج حضارتها وقوتها، لا تضاهيها دولة في العالم الأوروبي حينذاك. وأصبح النصارى أقلية صغيرة أضاعت لغتها وتعربت أسماؤها. وهؤلاء الذين يسمون"المستعربون"وقد
стр. 30
بقوا طابورًا خامسًا داخل الدولة الإسلامية يظهر كلما ضعفت شوكتها. ووصلت الدولة الأموية الأندلسية أوجها أيام عبد الرحمن الناصر الذي حكم البلاد ٤٩ سنة بين ٩١٢ وسنة ٩٦١ م استتب في أيامه الأمن وتقدم العلم والأدب.
نزلت مساحة الدولة الأندلسية أيام عبد الرحمن الناصر إلى حوالي ٤٤٠.٠٠٠ كيلومتر مربع بعد أن فقد المسلمون أربونة سنة ٧٥١ م وقرقشونة سنة ٧٥٩ م وبمبلونة سنة ٧٩٨ م وبرشلونة سنة ٨٠١ م وبرغش وليون وأبيط وكل جليقية وسمورة وغيرها من المدن شمال غرب الجزيرة الإيبرية. تنظمت الفلول النصرانية التي بقيت في الجيوب الشمالية الغربية في دويلات نصرانية كانت مركز مقاومة ضد الدولة الإسلامية منذ بدايتها. وأول هذه الدويلات هي مملكة جليقية وأشتورياش التي أصبحت بعد ذلك مملكة ليون عندما نقلت عاصمتها من أبيط إلى ليون. وانفصلت عن ليون سنة ٣٥٩ هـ (٩٧٠ م) مملكة قشتالة، وعاصمتها الأولى برغش. وانفصلت عن ليون قبل قشتالة مملكة نبارة، وعاصمتها بمبلونة، حوالي سنة ٨٣٦ م. وأخذت هذه الدويلات الثلاثة تتسع على حساب الدولة الأندلسية كلما سنحت لها الفرصة وبمساندة أوروبا بأكملها.
وبدأ الضعف يسري في الدولة الأموية عندما سيطر على الحكم حاجب هشام الثاني المؤيد (حفيد الناصر) المنصور بن أبي عامر. وكان المنصور هذا من أحسن القواد المسلمين ومن أبرع رجال الدولة. فأعاد للبلاد قوتها الأولى ووحدها تحت راية الإسلام من جديد. لكن أبناء المنصور لم يكونوا في مستوى أبيهم ولا كان أحفاد الناصر في مستوى جدهم. يزيد على ذلك أن المجتمع الأندلسي أصبح مجزأ عنصريًّا. فالمنصور بن أبي عامر لم يثق بأهل بلده فأدخل أعدادًا كبيرة من الأمازيغ المغاربة والمماليك السقالبة في جيشه، وكان السقالبة يجلبون من فرنسا وايطاليا وشمال أوروبا ويعتنقون الإسلام عند وصولهم إلى الأندلس. فعندما ضعفت الدولة الأندلسية أخذت هذه العناصر الأربعة (العرب والأمازيغ والأندلسيون والسقالبة) تتطاحن مع بعضها. فانهارت الدولة الأموية سنة ١٠٣١ م بعد حروب أهلية طاحنة. وتجزأت الأندلس إلى مجموعة متعددة من الدويلات العنصرية تحت حكم ملوك الطوائف قضت على الوحدة الأندلسية وفتحت المجال للإمارات النصرانية الموحدة تحت إرشادات بابا روما بغزوها الواحدة تلو الأخرى. وأصبح عدد هذه الدويلات الإسلامية الأندلسية ٢٣ دولة، منها العربية كبني عباد في إشبيلية وبني هود في
стр. 31
سرقسطة، ومنها الأمازيغية كبني الأفطس المكناسيين في بطليوس وبني النون الهواريين في طليطلة، ومنها السقلبية كبني مجاهد وبني غانية في شرق الأندلس.
وعندما انهارت مقاومة الدويلات الأندلسية أمام الغزو النصراني استنجد الأندلسيون بأمير المسلمين بالمغرب يوسف بن تاشفين المرابطي، فانتقل إلى الأندلس عدة مرات وهزم القوات النصرانية في معركة الزلاقة سنة ١٠٨٦ م في عبوره الأول.
ثم ضم الأندلس إلى المغرب، وقضى على ملوك الطوائف. غير أن هذه الأحداث أدت إلى ضياع مناطق شاسعة من أرض الأندلس الإسلامية التي تقلصت مساحتها إلى ٢٥٠.٠٠٠ كيلومتر مربع فقط أيام دولة المرابطين. وكانت أهم القواعد الإسلامية التي سقطت في هذه الحقبة ولم يستعدها المرابطون مدينة طركونة التي سقطت سنة ٩٦٠ م وبراغة شة ١٠٤٠ م وقلمرية سنة ١٠٦٤ م ووادي الحجارة ومجريط وخاصة طليطلة سنة ١٠٨٥ م، الخ ... وفي أواخر القرن الحادي عشر الميلادي تغير الوضع كذلك بالنسبة للدويلات النصرانية فأصبحت أكبرها مملكة نبارة. ثم توحدت قشتالة وليون في مملكة واحدة سنة ١٠٣٥ م. ثم انفصلت مملكة أراغون من مملكة نبارة وانفصلت عن قشتالة مملكة البرتغال. وكانت هذه الدويلات كلها رغم حروبها مع بعضها تنسق حربها ضد دولة الأندلس وتكبر على حسابها بانتظام، وكثيرًا ما كانت هذه الحروب بزعامة قشتالة.
ولمّا ضعفت الدولة المرابطية أخذت الأندلس تتجزأ إلى ممالك طوائف مرة ثانية. فاستنجد الأندلسيون بالموحدين المغاربة فأنجدوهم سنة ١١٤٥ م وضموا الأندلس للدولة الموحدية بعدما ضاعت مناطق أخرى كبيرة ومدن مهمة أهمها مدينة سرقسطة سنة ١١١٨ م.
ثم ضعفت الدولة الموحدية وانهزم المسلمون انهزامًا فادحًا سنة ١٢١٢ م (٦٠٩ هـ) في معركة العقاب، واجتمعت جيوش الممالك النصرانية الإسبانية كلها (قشتالة ونبارة والبرتغال وليون وأراغون) ضد الجيوش الموحدية. واستطاعت بعد هذه المعركة أن تفرض قشتالة هيمنتها على باقي الممالك النصرانية إما بالضم كجليقية وليون أو ببسط حمايتها عليها. ولولا الحروب الأهلية بين الدويلات النصرانية لقضي أمر المسلمين بعد معركة العقاب. غير أن الأندلس توزعت من جديد إلى دويلات طوائف متناحرة. فغلب ابن هود على مرسية وشرق الأندلس، وغلب ابن الأحمر على
стр. 32
بسطة وجيان ووادي آش ... وتمخضت هذه الأحداث، كما سنرى فيما بعد، على مولد مملكة غرناطة الأندلسية.
١/ ٢ - قيام مملكة غرناطة:
بعد انهيار الدولة الموحدية بالأندلس عمل كل من ابن هود وابن الأحمر على توحيد الأراضي الأندلسية لمقاومة الغزو الصليبي. وكان ابن هود، وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود الجذامي، من أصل سرقسطي. بدأ حركته من مرسية سنة ٦٢٥ هـ (١٢٢٨ م). فأطاعته مرسية وقرطبة وإشبيلية ومالقة والمرية وغيرها من البلاد. لكن ربما لم يكن ابن هود على مستوى الآمال المعقودة عليه فهزم في معارك مع النصارى الواحدة تلو الأخرى، ولم يستطع نجدة قرطبة، عاصمة الخلافة، وتركها تسقط في يد النصارى في ٢٣ شوّال سنة ٦٣٣ هـ (٢٩/ ٦/١٢٣٦ م) ورفع الصليب فورًا على مئذنة مسجدها الأعظم. وكان سقوط قرطبة ضربة قاهرة للمسلمين فتت من عزيمتهم، ولم يعش ابن هود بعدها طويلاً، إذ توفي في ثغر المرية سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٧ م) في ظروف غامضة بعد أن احتلت أراغون الجزر الشرقية من يد المسلمين.
أما ابن الأحمر، منافس ابن هود، فهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر، من مدينة أرجونة، وهي حصن من حصون المسلمين تقع بين جيان وأندوجر، وهي اليوم بولاية جيان، ولد بها سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م) وكان جنديًّا وافر الشجاعة والعزم. فظهرت حركته في نفس الفترة التي ظهر فيها ابن هود، وكان منافسًا له. غير أن ابن الأحمر كان سياسيًّا ماهرًا شجاعًا. فأطاعته جيان ووادي آش وما حولهما فور ظهوره. فاتجه محاولاً ضم الثغور والقواعد الأندلسية الجنوبية. فنادت قرمونة وقرطبة وإشبيلية بطاعته أواسط سنة ٦٢٩ هـ (١٢٣٢ م) لمدة قصيرة، ثم انتقلت قرطبة وإشبيلية إلى طاعة ابن هود. ثم أطاعته شريش ومالقة والمناطق المجاورة لهما سنة ٦٣٠ هـ (١٢٣٣ م).
ولما توحّد الأندلسيون حول ابن هود أظهر ابن الأحمر الانحياز إليه سنة ٦٣١ هـ (١٢٣٤ م) وطاعته. وبعد وفاة ابن هود قام ابن الأحمر لتوحيد الأندلس بمفرده فانضمت إليه غرناطة في رمضان سنة ٦٣٥ هـ (أبريل سنة ١٢٣٨ م) فاتخذها حاضرته ومركز حكمه. ثم افتتح ابن الأحمر مدينة المرية وطرد منها حاكمها ابن الرميمي.
وهكذا نشأت مملكة غرناطة في ظروف مأساوية غامضة، وكل من حولها من صديق وعدو يتوقع لها الانهيار السريع.
стр. 33
ولم يتوقف الزحف النصراني على الأراضي الأندلسية، بل سقطت بلنسية في يد الأراغونيين سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م) وتبعتها شاطبة ودانية ولقنت وأريولة وقرطاجنة بين سنتي ٦٤١ و ٦٤٤ هـ (١٢٤٣ - ١٢٤٦ م). ثم استسلم أهل مرسية صلحًا لملك قشتالة سنة ٦٤٠ هـ (١٢٤٣ م). وهكذا ضاع شرق الأندلس بأكمله من يد المسلمين، وأصبحت بوادر فناء الأندلس ظاهرة. واستنجد الأندلسيون من جديد بالمغاربة، لكن لم يكن المغرب في وضع يمكنه من مساعدة الأندلس، إذ كان فريسة حروب أهلية طاحنة شغلته عن نجدة الإسلام بالأندلس كعادته - فاستنجد المسلمون بالدولة الحفصية بتونس وكانت أضعف من أن تنجد. وقد ترك لنا التراث الأندلسي قصيدة ابن الأبار القضاعي سفير أبي جميل زيان حاكم بلنسية الذي أرسله إلى السلطان أبي زكريا الحفصي قبيل سقوط بلنسية يستصرخه قائلاً:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسًا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عز النصر ما التمست ... فلم يزل عز النصر منك ملتمسا
وحاشَ مما تعانيه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للحادثات وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة المام بائقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا
وكل غاربة أجحاف نائبة ... تثني الآمان حذارا والسرور أسى
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا
مدائن حلّها الإشراك مبتسمًا ... جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيّرتها العوادي العابثات بها ... يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا الخ ...
وسرعان ما ضم ابن الأحمر المرية إلى مملكته غرناطة، ثم انتقل إلى محاربة النصارى بمنطقة جيان فحاصر قلعة مرتش سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٩ م) فلم يستطع أخذها. فاشتبك في معركة حامية مع النصارى استولوا أثرها على حصن آرجونة، مقر أجداد بني الأحمر. ثم حاصر النصارى غرناطة نفسها سنة ٦٤٣ هـ (١٢٤٤ م) فردوا عن أسوارها بخسائر فاحشة.
стр. 34
فلما رأى ابن الأحمر أنه لا قبل له بمحاربة النصارى، ولا أمل له في نجدة المغرب أو تونس، آثر مصانعة ملك قشتالة فراندو وقدم له الطاعة مقابل أن يسمح له أن يحكم مملكته وأراضيه باسم ملك قشتالة، وأن يؤدي له جزية سنوية قدرها مائة وخمسون قطعة من الذهب، وأن يكون حليفه في كل حروبه مع أعدائه، مسلمين وغير مسلمين، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي (الكورتس) باعتباره تابعًا من أتباع العرش القشتالي. وسلم ابن الأحمر لقشتالة جيان وأرجونة وبلكونة وبيغ والحجار وقلعة جابر ومناطق شاسعة أخرى. وهكذا عقد طاغية قشتالة الصلح مع ابن الأحمر سنة ٦٤٣ هـ (١٢٤٥ م) وأقره على ما بقي بيده من حصون على الوجه المذكور.
وترك ابن الأحمر ما تبقى من أرض الأندلس إلى مصيره المحتوم، بل ساعد قشتالة على الاستيلاء عليه، حسب الاتفاق. ففي سنة ٦٤٥ هـ (١٢٤٧ م) استسلم غرب الأندلس إلى قشتالة بما في ذلك مدن طبيرة وشلب (اليوم بالبرتغال) وغيرهما. ثم احتل فراندو مدينة قرمونة مستعدًا بذلك الاستيلاء على إشبيلية بمعاونة ابن الأحمر. وكان يقوم ابن الأحمر بموقف الناصح للمسلمين في تلك المدن والقرى والحصون بالاستسلام للنصارى مقابل حقن دماء المسلمين.
وحاصر فراندو مدينة إشبيلية بداية من أغسطس سنة ١٢٤٧ م (جمادى الأولى سنة ٦٤٥ هـ) بقوات عظيمة اشترك فيها معظم أمراء النصرانية في إسبانيا وأوروبا في حرب صليبية لا مثيل لها. وأرسل أسطولاً بحريًّا داخل الوادي الكبير. وساند ابن الأحمر طاغية قشتالة في هذا الحصار حسب اتفاقهما بإرسال قوة من الفرسان له. وصمم أهل إشبيلية على الدفاع في بسالة مستميتة. وطال حصار إشبيلية ما يقرب من الثمانية أشهر اضطرت بعدها إلى الاستسلام في أوائل رمضان سنة ٦٤٦ هـ (٢٣/ ١٢/ ١٢٤٨ م)، فحول النصارى مسجدها الأعظم فورًا إلى كنيسة كالعادة. ونقل فراندو عاصمة مملكته من طليطلة إلى إشبيلية.
وهكذا أخذت مدن غرب الأندلس تسقط الواحدة تلو الأخرى بعد سقوط إشبيلية. فاستولى النصارى على شريش وشذونة وقادس وشلوقة وغليانة وغيرها من القواعد والمدن والحصون. وقد أعان ابن الأحمر النصارى على الاستيلاء على كثير من هذه الحصون بما فيها قادس. وهكذا ظهر ابن الأحمر في شكل شاذ مؤلم مذل كحليف للنصارى في احتلال مدن الإسلام وتخريب حصونه، وكمشجب لكل مقاومة
стр. 35
ومشجع لكل تنازل وانهزام. وكانت أستجة إحدى المدن الأخيرة التي استسلمت للنصارى أواخر سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٣ م).
وكان النصارى ينوون الغدر بابن الأحمر لاستئصال ما تبقى بيده من أرض الأندلس، فاستغاث الأندلسيون بأهل المغرب وقبائله عندما يئسوا من حكامه. وعندما رأى ابن الأحمر ضعف الاستجابة خطا خطوة جديدة في مهادنة طاغية قشتالة، فتنازل له في أواخر سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٧ م) عن عدد كبير من الحصون والقرى قدرت بأكثر من مائة موضع. وبذا عقد السلم مع قشتالة.
وقضى ابن الأحمر ما تبقى من حياته في توطيد مملكته وتنظيمها، وتوطين المهاجرين، وعين ولده محمدًا وليًّا للعهد من بعده. ولم تعكر صفوه حروب في أواخر أيامه سوى تمرد مالقة وتحرش النصارى بالجزيرة الخضراء. وتوفي محمد بن الأحمر في التاسع والعشرين من جمادى الثانية سنة ٦٧١ هـ (ديسمبر عام ١٢٧٢ م) عن ٧٦ سنة.
تقلصت دولة الأندلس في أقل من قرن من مساحة مقدارها حوالي ٢٥٠.٠٠٠ كيلومتر مربع إلى ما لا يزيد عن ٣٠.٠٠٠ كيلومتر مربع، وهي المناطق التي تضم اليوم ولايات مالقة وغرناطة والمرية وقسمًا من ولايات قادس وقرطبة وجيان. وهي مناطق جبلية غير قابلة للزراعة جعلت منها العبقرية الأندلسية مركزًا حضاريًّا لا يضاهى زراعة وصناعة ومناعة. ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بعبقرية محمد بن الأحمر الذي مهر في سياسة الممكن وتمكن من الظفر بقطعة من الأندلس تجمع شتات الأمة وإن كان ذلك بطرق من الذل لا يمكن أن يتحملها غيره.
وأدّت هذه الأحداث المأساوية إلى تغير جذري في الأمة الأندلسية. فكلما احتل النصارى أراض إسلامية من أراضي الأندلس هاجرت الطبقة المثقفة وأهل الصناعة والحرف إلى ما تبقى من الأراضي الإسلامية، أي غرناطة وأرضها، وبقي عامة الشعب في البلاد، منهم من أجبر على التنصير ومنهم من بقي على دينه، وهؤلاء هم الأكثر.
وأتى النصارى بمهاجرين نصارى لتعمير أراضي المسلمين. وهكذا أصبح المسلمون أقلية في عقر دارهم. وكان الأندلسيون يسمون المسلمين الذين بقوا تحت حكم النصارى بالمدجنين. وقد نظم هؤلاء أنفسهم في جماعات إسلامية، وكانوا في كثير من المناطق يكونون أكثرية السكان خارج المدن، خاصة في أراغون وفي منطقة
стр. 36
بلنسية إلى أوائل القرن السابع عشر الميلادي. وقد حافظ المدجنون على دينهم الإسلامي في ظروف سيئة للغاية تشبه العبودية. وضعفت مع السنين اللغة العربية بينهم، وأصبحوا يكتبون كتبهم ورسائلهم باللغة الأعجمية. وهذه اللغة تختلف عن اللغة التي رأيناها في أيام الدولة الأموية أو ملوك الطوائف كالتي في أزجال بن قزمان. بل هذه لغة دارجة تكتب بالحروف العربية وهي حسب المناطق أما قشتالية (إسبانية اليوم) أو برتغالية أو أراغونية (اندثرت اليوم) أو كتلانية. وأصبح لهذه اللغة أهمية كبيرة بين المسلمين بعد سقوط غرناطة.
أما سكان مملكة غرناطة فكان عددهم يساوي، على صغر رقعتها، عدد سكان ما تبقى من الجزيرة الإيبرية أو يقاربه. وكانوا جميعًا مسلمين إذ لم تبق بينهم أقليات نصرانية، كما أن اللغة الأعجمية اندثرت وأصبحت اللغة العربية بلهجتها الأندلسية هي لغتهم الوحيدة، بينما لم تكن الإسبانية سوى لغة أجنبية. وكانت مملكة غرناطة هي ملجأ الأندلسيين المدجنين وغيرهم، فحدودها دائمًا مفتوحة لهم، وتستقبل كل سنة عددًا كبيرًا من المهاجرين من الشمال ومن المجاهدين من المغرب.
وفي هذه الفترة المظلمة التي أدت إلى ظهور مملكة غرناطة كتب أبو الطيب صالح بن شريف الرندي رائيته الشهيرة التي يصف فيها أوضاع الأندلس أرضًا وشعبًا من ظلم وبؤس وهلاك، إذ يقول:
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزأت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان
إلى أن قال:
تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الألف هيمان
على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثي وهي عيدان
ثم يقول:
يا من لذلّة قوم من بعد عزّهم ... أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
стр. 37
إلى أن قال:
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان
١/ ٣ - جهاد مملكة غرناطة المتواصل:
ثبتت غرناطة ولم تنهزم تحت ضربات النصارى بسبب مساندة المغاربة مرة أخرى. وكان الوضع في المغرب قد تحسن والتفت الكلمة فيه حول الدولة المرينية.
وكان ابن الأحمر مؤسس الدولة النصرية قد أوصى قبل وفاته ولي عهده ومن أتى بعده بالتشبث بالمغاربة والتحالف معهم لضمان الوجود الإسلامي في الأندلس. كما استغاث بالسلطان أبي يوسف المريني لصد هجوم النصارى على الجزيرة الخضراء.
وجاء الإنجاد المغربي بعد وفاة ابن الأحمر وتولى ابنه أبو عبد الله محمد الفقيه سنة ٦٧١ هـ (١٢٧٣ م) فخرج السلطان أبو يوسف المنصور من عاصمته فاس سنة ٦٧٣ هـ وعبر إلى الأندلس في صفر سنة ٦٧٤ هـ (يوليوز عام ١٢٧٥ م) في جيش كثيف من المغاربة داعيًا إلى الجهاد لحماية الإسلام وأهله في الأندلس، وانضم إليه جيش الأندلسيين وعلى رأسه السلطان النصري. ووقع اللقاء بين الجيوش الإسلامية والنصرانية قرب أستجة بين إشبيلية وقرطبة في يوم ٢٥ ربيع الأول سنة ٦٧٤ هـ (٩/ ٩/ ١٢٧٥ م) وكان الفوز فيه للمسلمين على النصارى الذين سقط رئيسهم"دون نونيو" ولحقت بهم خسائر فادحة. ثم رجع السلطان أبو يوسف إلى المغرب في أواخر رجب عام ٦٧٤ هـ، بعد أن رفع معنويات الأندلسيين. ثم عاد السلطان أبو يوسف المريني مرة ثانية إلى الأندلس سنة ٦٧٧ هـ وتوغل بجيشه في الأراضي التابعة للنصارى إلى ضواحي إشبيلية.
لكن سلطان الأندلس أوجس خيفة من المغاربة وحاول التحالف مع النصارى ضدهم، فسلم للقشتاليين الجزيرة الخضراء، فأرسل السلطان أبو يوسف المريني جيشًا بإمرة ابنه أبي يعقوب، عبر المضيق سنة ٦٧٨ هـ وهزم النصارى وحرر الجزيرة الخضراء، ثم فكر في التحالف مع النصارى ضد الأندلسيين فنهاه والده السلطان، وعادت المياه إلى مجاريها. وفي صفر سنة ٦٨٤ هـ عبر جيش مغربي المضيق للمرة الرابعة برئاسة السلطان أبي يوسف المنصور، وغزا مناطق النصارى من شريش إلى أحواز إشبيلية وحتى لبلة وأستجة. ونتج عن ذلك عقد هدنة مع النصارى. وتأسست في نفس الوقت مشيخة الغزاة في غرناطة برئاسة شيخ من بني مرين تنظم المتطوعين المغاربة الذين يدافعون عن أرض الأندلس. وقفل السلطان أبو يوسف راجعًا إلى
стр. 38
المغرب، لكن أصابه المرض ووافاه الأجل المحتوم في الجزيرة الخضراء، وخلفه على عرش المغرب ابنه السلطان أبو يعقوب. فتوثقت بينه وبين السلطان أبي عبد الله الفقيه العلاقات الطيبة والتحالف التام. ولما نكث النصارى بعهودهم وهاجموا الأراضي الإسلامية، قاد السلطان أبو يعقوب جيشًا عبر به المضيق سنة ٦٩٠ هـ واقتحم أراضي النصارى إلى أحواز إشبيلية ثم عاد إلى المغرب أوائل سنة ٦٩١ هـ.
وزاغ السلطان أبو عبد الله مرة ثانية وتحالف مع النصارى ضد المغاربة وسلم لهم مدينة طريف سنة ٦٩٢ هـ (١٢٩٢ م). لكنه أفاق من زلته وجاز إلى سلطان المغرب معتذرًا مستسمحًا، فصفا الجو من جديد. ثم تابع السلطان أبو عبد الله الجهاد بمفرده على رأس جيشه الأندلسي وضم أراضٍ وقلعًا ومدنًا كثيرة في منطقة جيان إلى الأراضي الإسلامية بين سنتي ٦٩٥ و ٦٩٩ هـ (١٢٩٥ - ١٢٩٩ م). وقبيل وفاته بدأ سياسة أندلسية جديدة بالتقارب مع مملكة أراغون النصرانية على حساب مملكة قشتالة. وهكذا وجدت مملكة غرناطة توازنها في تحالفها مع المغرب وأراغون قبالة قشتالة التي كانت تمثل الخطر النصراني عليها.
وتوفي السلطان أبو عبد الله الفقيه في شعبان سنة ٧٠١ هـ (١٣٠٢ م) بعد حكم دام ثلاثين سنة عن عمر يناهز ٦٨ عامًا. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد المخلوع الذي كان ضريرًا، أديبًا وفقيهًا، لكن لم يكن رجل دولة. فغلب عليه وزيره، وساءت أمور الدولة الداخلية، كما ساءت علاقة مملكة غرناطة في أيامه مع المغرب. وتحالف المخلوع مع قشتالة ضد المغرب. فثار عليه أهل غرناطة سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٩ م) وخلعوه وبايعوا مكانه أخاه أبو الجيوش نصر. وكان هو كذلك أديبًا ولوعًا بالرياضة والفلك، لكنه لم يحسن تدبير الدولة. فتوالت الأزمات، وانتهز النصارى هذه الفرصة فغزوا أراضي المسلمين سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م). فتحالفت قشتالة وأراغون، وحاول الأراغونيون احتلال المرية ففشلوا، لكن القشتاليين احتلوا الجزيرة الخضراء وجبل طارق. ولما وافق السلطان نصر على أداء الجزية لطاغية قشتالة، ثار أهل غرناطة عليه وخلعوه سنة ٧١٣ هـ (١٣١٤ م). وانقرض بذلك الملك من عقب مؤسس الدولة، وانتقل إلى عقب أخيه أبو الوليد إسماعيل بمبايعة السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبو سعيد فرج بن أبي الوليد إسماعيل أخي أبي عبد الله محمد بن الأحمر.
امتاز عصر السلطان أبو الوليد إسماعيل بتوطيد الدولة الأندلسية واستقرار الأمور وإحياء عهد الجهاد وصفو العلاقات مع المغرب. وفي سنة ٧١٦ هـ هجم القشتاليون
стр. 39
على غرناطة وعانوا في أراضيها فسادًا، ثم هاجموا غرناطة سنة ٧١٨ هـ (١٣١٨ م)، فخرج لهم الجيش الأندلسي فهزموه. ثم عمد السلطان أبو الوليد إسماعيل على تحصين مدينة الجزيرة الخضراء. وفي سنة ٧٢١ هـ جدد معاهدة الصلح مع أراغون، ثم قام بغزو أراضي النصارى في منطقة جيان: بياسة سنة ٧٢٤ هـ، ومرتش سنة ٧٢٥ هـ. لكنه اغتيل بعد هذه الموقعة بقليل من طرف أحد الأمراء.
فخلفه ولده أبو عبد الله محمد. فساء السيرة، إذ نشب بينه وبين مشيخة الغزاة خلاف أدى إلى حروب داخلية استغلها القشتاليون لغزو أراضي المسلمين. فعبر السلطان أبو عبد الله البحر إلى المغرب سنة ٧٣٢ هـ مستنجدًا بالسلطان أبي الحسن المريني. فاستجاب السلطان أبو الحسن وأرسل جيشًا بإمرة ابنه، وتعاون المغاربة والأندلسيون في تحرير جبل طارق من يد النصارى سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٣ م). ولكن السلطان أبو عبد الله اغتيل بعد هذا النصر من طرف مشيخة الغزاة قبل رجوعه إلى غرناطة.
فخلفه أخوه أبو الحجاج يوسف، وكان من أعظم ملوك بني نصر رغم حداثة سِنِّه (١٦ سنة عند بيعته). كان عالمًا شاعرًا بناءً، وقد اكتسب قصر الحمراء في أيامه كثيرًا من أبهته المعروفة به اليوم. فأبقى في تسيير أمور الدولة وزيره أبو النعيم رضوان. وكان من بين وزرائه الكاتب والشاعر أبو الحسن بن الجياب. ولما توفي ابن الجياب في الوباء الكبير سنة ٧٤٩ هـ خلفه في الوزارة لسان الدين بن الخطيب.
ولمّا بويع السلطان أبو الحجاج يوسف اشتدت وطأة القشتاليين على أراضي المسلمين، فاستنجد بالسلطان أبي الحسن المريني الذي أرسل جيشًا بإمرة ابنه أبي مالك، فهزمه النصارى سنة ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م) وقتل أبو مالك. فعبر السلطان أبو الحسن بنفسه البحر إلى الأندلس، فهزمه النصارى شر هزيمة في موقعة نهر سلادو في جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ (٣٠/ ١٠ / ١٣٤٠ م)، ووقع معسكر سلطان المغرب في يد الأعداء وذبح أولاده، فارتد إلى المغرب. ورجع السلطان أبو الحجاج بفلول الجيش الأندلسي إلى غرناطة. وكانت موقعة نهر سلادو أقبح هزيمة للمسلمين لم يعبر بعدها المغاربة البحر قط، وبقي الدفاع على أرض الأندلس في يد الأندلسيين ومن انضم إليهم من المتطوعين المغاربة. وتابع القشتاليون ضغطهم على المسلمين، فاستولوا على قلعة يحصب سنة ٧٤٢ هـ. واستمر أبو الحجاج يوسف يعالج أمور غرناطة في سلام وأمن إلى سنة ٧٥٥ هـ (أكتوبر سنة ١٣٥٤) حينما اغتاله مخبول بعد
стр. 40
يوم عيد الفطر في المسجد الأعظم دون سبب مفهوم، وعمره لم يتجاوز السابعة والثلاثين.
فخلفه في الملك ابنه أبو عبد الله محمد الغني بالله، وكان حدثًا فاستأثر بالحكم الحاجب رضوان، وكان من بين كتابه لسان الدين بن الخطيب الذي أرسله إلى سلطان المغرب أبي عنان المريني فور توليه يستنصره على النصارى. وشغلت قشتالة بحوادثها الداخلية فأمنت غرناطة بعض الوقت. لكن ثورة داخلية قامت ضد السلطان أبي عبد الله محمد الغني بالله، فخلع ونصب محله أخوه أبو الوليد إسماعيل سنة ٧٦٠ هـ فالتجأ السلطان المخلوع مع ابن الخطيب إلى فاس عند السلطان أبي سالم المريني. ثم قامت ثورة أخرى سنة ٧٦١ هـ في غرناطة وأطاحت بأبي الوليد إسماعيل فقتل ونصب محله أبو سعيد ألبرميخو (الأحمر) بن إسماعيل بن محمد بن الرئيس أبي سعيد فرج. فعمل الغني بالله على استعادة ملكه بمساعدة المغاربة، ففر أبو سعيد إلى قشتالة وبويع السلطان أبو عبد الله محمد الغني بالله من جديد سنة ٧٦٣ هـ (١٣٦٢ م)، والتحق به وزيره لسان الدين بن الخطيب. وأول ما عمله الغني بالله عند عودته لملكه إلغاء خطة مشيخة الغزاة من بني مرين، وصار أمر الغزاة والمتطوعة المجاهدين إلى السلطان مباشرة. وأمنت غرناطة لمدة وجيزة من شر قشتالة التي التهت بحروبها الداخلية. وفي سنة ٧٧٣ هـ هاجر ابن الخطيب إلى المغرب عندما رأى أن الغني بالله تغير عنه، وأخذ مكانه في غرناطة تلميذه ابن زمرك. وقتل ابن الخطيب في فاس سنة ٧٧٦ هـ في ظروف مأساوية. تابع الغني بالله الجهاد ضد قشتالة بعد هجومها على ضواحي مدينة رندة سنة ٧٦٧ هـ. فغزا بين سنة ٧٦٨ إلى ٧٧١ هـ (١٣٧٠ م) مناطق جيان وإشبيلية وأطريرة. وركز الغني بالله فيما تبقى من حكمه على البناء والتصميم والتشييد. ووقع معاهدة سلام مع مملكة أراغون تعهدت فيها أراغون بالسماح بهجرة المدجنين الراغبين في ذلك إلى غرناطة. وكان عهد الغني بالله عهد تقدم في الآداب والعلوم إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م).
ولمّا توفي الغني بالله خلفه ولده أبو الحجاج يوسف، فاستبد بالأمر وزيره خالد وقتل أخوته، ثم سخط السلطان على وزيره فقتله وهادن قشتالة. وثار ولده محمد عليه ففشل. ورغم هذه الأحداث الداخلية المؤلمة قام المسلمون بالإغارة على النصارى في أحواز مرسية ولورقة كما صدوا بقوة هجومًا نصرانيًّا على مرج غرناطة.
وتوفي السلطان يوسف في أوائل سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٤ م).
следующие страницы →