← История

История · id 37481

انبعاث الإسلام في الأندلس

علي المنتصر الكتاني

Полный текст (457 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بلنسية إلى أوائل القرن السابع عشر الميلادي. وقد حافظ المدجنون على دينهم الإسلامي في ظروف سيئة للغاية تشبه العبودية. وضعفت مع السنين اللغة العربية بينهم، وأصبحوا يكتبون كتبهم ورسائلهم باللغة الأعجمية. وهذه اللغة تختلف عن اللغة التي رأيناها في أيام الدولة الأموية أو ملوك الطوائف كالتي في أزجال بن قزمان. بل هذه لغة دارجة تكتب بالحروف العربية وهي حسب المناطق أما قشتالية (إسبانية اليوم) أو برتغالية أو أراغونية (اندثرت اليوم) أو كتلانية. وأصبح لهذه اللغة أهمية كبيرة بين المسلمين بعد سقوط غرناطة. أما سكان مملكة غرناطة فكان عددهم يساوي، على صغر رقعتها، عدد سكان ما تبقى من الجزيرة الإيبرية أو يقاربه. وكانوا جميعًا مسلمين إذ لم تبق بينهم أقليات نصرانية، كما أن اللغة الأعجمية اندثرت وأصبحت اللغة العربية بلهجتها الأندلسية هي لغتهم الوحيدة، بينما لم تكن الإسبانية سوى لغة أجنبية. وكانت مملكة غرناطة هي ملجأ الأندلسيين المدجنين وغيرهم، فحدودها دائمًا مفتوحة لهم، وتستقبل كل سنة عددًا كبيرًا من المهاجرين من الشمال ومن المجاهدين من المغرب. وفي هذه الفترة المظلمة التي أدت إلى ظهور مملكة غرناطة كتب أبو الطيب صالح بن شريف الرندي رائيته الشهيرة التي يصف فيها أوضاع الأندلس أرضًا وشعبًا من ظلم وبؤس وهلاك، إذ يقول: دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان أصابها العين في الإسلام فارتزأت ... حتى خلت منه أقطار وبلدان إلى أن قال: تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الألف هيمان على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثي وهي عيدان ثم يقول: يا من لذلّة قوم من بعد عزّهم ... أحال حالهم كفر وطغيان بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

стр. 37

إلى أن قال: لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان ١/ ٣ - جهاد مملكة غرناطة المتواصل: ثبتت غرناطة ولم تنهزم تحت ضربات النصارى بسبب مساندة المغاربة مرة أخرى. وكان الوضع في المغرب قد تحسن والتفت الكلمة فيه حول الدولة المرينية. وكان ابن الأحمر مؤسس الدولة النصرية قد أوصى قبل وفاته ولي عهده ومن أتى بعده بالتشبث بالمغاربة والتحالف معهم لضمان الوجود الإسلامي في الأندلس. كما استغاث بالسلطان أبي يوسف المريني لصد هجوم النصارى على الجزيرة الخضراء. وجاء الإنجاد المغربي بعد وفاة ابن الأحمر وتولى ابنه أبو عبد الله محمد الفقيه سنة ٦٧١ هـ (١٢٧٣ م) فخرج السلطان أبو يوسف المنصور من عاصمته فاس سنة ٦٧٣ هـ وعبر إلى الأندلس في صفر سنة ٦٧٤ هـ (يوليوز عام ١٢٧٥ م) في جيش كثيف من المغاربة داعيًا إلى الجهاد لحماية الإسلام وأهله في الأندلس، وانضم إليه جيش الأندلسيين وعلى رأسه السلطان النصري. ووقع اللقاء بين الجيوش الإسلامية والنصرانية قرب أستجة بين إشبيلية وقرطبة في يوم ٢٥ ربيع الأول سنة ٦٧٤ هـ (٩/ ٩/ ١٢٧٥ م) وكان الفوز فيه للمسلمين على النصارى الذين سقط رئيسهم"دون نونيو" ولحقت بهم خسائر فادحة. ثم رجع السلطان أبو يوسف إلى المغرب في أواخر رجب عام ٦٧٤ هـ، بعد أن رفع معنويات الأندلسيين. ثم عاد السلطان أبو يوسف المريني مرة ثانية إلى الأندلس سنة ٦٧٧ هـ وتوغل بجيشه في الأراضي التابعة للنصارى إلى ضواحي إشبيلية. لكن سلطان الأندلس أوجس خيفة من المغاربة وحاول التحالف مع النصارى ضدهم، فسلم للقشتاليين الجزيرة الخضراء، فأرسل السلطان أبو يوسف المريني جيشًا بإمرة ابنه أبي يعقوب، عبر المضيق سنة ٦٧٨ هـ وهزم النصارى وحرر الجزيرة الخضراء، ثم فكر في التحالف مع النصارى ضد الأندلسيين فنهاه والده السلطان، وعادت المياه إلى مجاريها. وفي صفر سنة ٦٨٤ هـ عبر جيش مغربي المضيق للمرة الرابعة برئاسة السلطان أبي يوسف المنصور، وغزا مناطق النصارى من شريش إلى أحواز إشبيلية وحتى لبلة وأستجة. ونتج عن ذلك عقد هدنة مع النصارى. وتأسست في نفس الوقت مشيخة الغزاة في غرناطة برئاسة شيخ من بني مرين تنظم المتطوعين المغاربة الذين يدافعون عن أرض الأندلس. وقفل السلطان أبو يوسف راجعًا إلى

стр. 38

المغرب، لكن أصابه المرض ووافاه الأجل المحتوم في الجزيرة الخضراء، وخلفه على عرش المغرب ابنه السلطان أبو يعقوب. فتوثقت بينه وبين السلطان أبي عبد الله الفقيه العلاقات الطيبة والتحالف التام. ولما نكث النصارى بعهودهم وهاجموا الأراضي الإسلامية، قاد السلطان أبو يعقوب جيشًا عبر به المضيق سنة ٦٩٠ هـ واقتحم أراضي النصارى إلى أحواز إشبيلية ثم عاد إلى المغرب أوائل سنة ٦٩١ هـ. وزاغ السلطان أبو عبد الله مرة ثانية وتحالف مع النصارى ضد المغاربة وسلم لهم مدينة طريف سنة ٦٩٢ هـ (١٢٩٢ م). لكنه أفاق من زلته وجاز إلى سلطان المغرب معتذرًا مستسمحًا، فصفا الجو من جديد. ثم تابع السلطان أبو عبد الله الجهاد بمفرده على رأس جيشه الأندلسي وضم أراضٍ وقلعًا ومدنًا كثيرة في منطقة جيان إلى الأراضي الإسلامية بين سنتي ٦٩٥ و ٦٩٩ هـ (١٢٩٥ - ١٢٩٩ م). وقبيل وفاته بدأ سياسة أندلسية جديدة بالتقارب مع مملكة أراغون النصرانية على حساب مملكة قشتالة. وهكذا وجدت مملكة غرناطة توازنها في تحالفها مع المغرب وأراغون قبالة قشتالة التي كانت تمثل الخطر النصراني عليها. وتوفي السلطان أبو عبد الله الفقيه في شعبان سنة ٧٠١ هـ (١٣٠٢ م) بعد حكم دام ثلاثين سنة عن عمر يناهز ٦٨ عامًا. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد المخلوع الذي كان ضريرًا، أديبًا وفقيهًا، لكن لم يكن رجل دولة. فغلب عليه وزيره، وساءت أمور الدولة الداخلية، كما ساءت علاقة مملكة غرناطة في أيامه مع المغرب. وتحالف المخلوع مع قشتالة ضد المغرب. فثار عليه أهل غرناطة سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٩ م) وخلعوه وبايعوا مكانه أخاه أبو الجيوش نصر. وكان هو كذلك أديبًا ولوعًا بالرياضة والفلك، لكنه لم يحسن تدبير الدولة. فتوالت الأزمات، وانتهز النصارى هذه الفرصة فغزوا أراضي المسلمين سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م). فتحالفت قشتالة وأراغون، وحاول الأراغونيون احتلال المرية ففشلوا، لكن القشتاليين احتلوا الجزيرة الخضراء وجبل طارق. ولما وافق السلطان نصر على أداء الجزية لطاغية قشتالة، ثار أهل غرناطة عليه وخلعوه سنة ٧١٣ هـ (١٣١٤ م). وانقرض بذلك الملك من عقب مؤسس الدولة، وانتقل إلى عقب أخيه أبو الوليد إسماعيل بمبايعة السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبو سعيد فرج بن أبي الوليد إسماعيل أخي أبي عبد الله محمد بن الأحمر. امتاز عصر السلطان أبو الوليد إسماعيل بتوطيد الدولة الأندلسية واستقرار الأمور وإحياء عهد الجهاد وصفو العلاقات مع المغرب. وفي سنة ٧١٦ هـ هجم القشتاليون

стр. 39

على غرناطة وعانوا في أراضيها فسادًا، ثم هاجموا غرناطة سنة ٧١٨ هـ (١٣١٨ م)، فخرج لهم الجيش الأندلسي فهزموه. ثم عمد السلطان أبو الوليد إسماعيل على تحصين مدينة الجزيرة الخضراء. وفي سنة ٧٢١ هـ جدد معاهدة الصلح مع أراغون، ثم قام بغزو أراضي النصارى في منطقة جيان: بياسة سنة ٧٢٤ هـ، ومرتش سنة ٧٢٥ هـ. لكنه اغتيل بعد هذه الموقعة بقليل من طرف أحد الأمراء. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد. فساء السيرة، إذ نشب بينه وبين مشيخة الغزاة خلاف أدى إلى حروب داخلية استغلها القشتاليون لغزو أراضي المسلمين. فعبر السلطان أبو عبد الله البحر إلى المغرب سنة ٧٣٢ هـ مستنجدًا بالسلطان أبي الحسن المريني. فاستجاب السلطان أبو الحسن وأرسل جيشًا بإمرة ابنه، وتعاون المغاربة والأندلسيون في تحرير جبل طارق من يد النصارى سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٣ م). ولكن السلطان أبو عبد الله اغتيل بعد هذا النصر من طرف مشيخة الغزاة قبل رجوعه إلى غرناطة. فخلفه أخوه أبو الحجاج يوسف، وكان من أعظم ملوك بني نصر رغم حداثة سِنِّه (١٦ سنة عند بيعته). كان عالمًا شاعرًا بناءً، وقد اكتسب قصر الحمراء في أيامه كثيرًا من أبهته المعروفة به اليوم. فأبقى في تسيير أمور الدولة وزيره أبو النعيم رضوان. وكان من بين وزرائه الكاتب والشاعر أبو الحسن بن الجياب. ولما توفي ابن الجياب في الوباء الكبير سنة ٧٤٩ هـ خلفه في الوزارة لسان الدين بن الخطيب. ولمّا بويع السلطان أبو الحجاج يوسف اشتدت وطأة القشتاليين على أراضي المسلمين، فاستنجد بالسلطان أبي الحسن المريني الذي أرسل جيشًا بإمرة ابنه أبي مالك، فهزمه النصارى سنة ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م) وقتل أبو مالك. فعبر السلطان أبو الحسن بنفسه البحر إلى الأندلس، فهزمه النصارى شر هزيمة في موقعة نهر سلادو في جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ (٣٠/ ١٠ / ١٣٤٠ م)، ووقع معسكر سلطان المغرب في يد الأعداء وذبح أولاده، فارتد إلى المغرب. ورجع السلطان أبو الحجاج بفلول الجيش الأندلسي إلى غرناطة. وكانت موقعة نهر سلادو أقبح هزيمة للمسلمين لم يعبر بعدها المغاربة البحر قط، وبقي الدفاع على أرض الأندلس في يد الأندلسيين ومن انضم إليهم من المتطوعين المغاربة. وتابع القشتاليون ضغطهم على المسلمين، فاستولوا على قلعة يحصب سنة ٧٤٢ هـ. واستمر أبو الحجاج يوسف يعالج أمور غرناطة في سلام وأمن إلى سنة ٧٥٥ هـ (أكتوبر سنة ١٣٥٤) حينما اغتاله مخبول بعد

стр. 40

يوم عيد الفطر في المسجد الأعظم دون سبب مفهوم، وعمره لم يتجاوز السابعة والثلاثين. فخلفه في الملك ابنه أبو عبد الله محمد الغني بالله، وكان حدثًا فاستأثر بالحكم الحاجب رضوان، وكان من بين كتابه لسان الدين بن الخطيب الذي أرسله إلى سلطان المغرب أبي عنان المريني فور توليه يستنصره على النصارى. وشغلت قشتالة بحوادثها الداخلية فأمنت غرناطة بعض الوقت. لكن ثورة داخلية قامت ضد السلطان أبي عبد الله محمد الغني بالله، فخلع ونصب محله أخوه أبو الوليد إسماعيل سنة ٧٦٠ هـ فالتجأ السلطان المخلوع مع ابن الخطيب إلى فاس عند السلطان أبي سالم المريني. ثم قامت ثورة أخرى سنة ٧٦١ هـ في غرناطة وأطاحت بأبي الوليد إسماعيل فقتل ونصب محله أبو سعيد ألبرميخو (الأحمر) بن إسماعيل بن محمد بن الرئيس أبي سعيد فرج. فعمل الغني بالله على استعادة ملكه بمساعدة المغاربة، ففر أبو سعيد إلى قشتالة وبويع السلطان أبو عبد الله محمد الغني بالله من جديد سنة ٧٦٣ هـ (١٣٦٢ م)، والتحق به وزيره لسان الدين بن الخطيب. وأول ما عمله الغني بالله عند عودته لملكه إلغاء خطة مشيخة الغزاة من بني مرين، وصار أمر الغزاة والمتطوعة المجاهدين إلى السلطان مباشرة. وأمنت غرناطة لمدة وجيزة من شر قشتالة التي التهت بحروبها الداخلية. وفي سنة ٧٧٣ هـ هاجر ابن الخطيب إلى المغرب عندما رأى أن الغني بالله تغير عنه، وأخذ مكانه في غرناطة تلميذه ابن زمرك. وقتل ابن الخطيب في فاس سنة ٧٧٦ هـ في ظروف مأساوية. تابع الغني بالله الجهاد ضد قشتالة بعد هجومها على ضواحي مدينة رندة سنة ٧٦٧ هـ. فغزا بين سنة ٧٦٨ إلى ٧٧١ هـ (١٣٧٠ م) مناطق جيان وإشبيلية وأطريرة. وركز الغني بالله فيما تبقى من حكمه على البناء والتصميم والتشييد. ووقع معاهدة سلام مع مملكة أراغون تعهدت فيها أراغون بالسماح بهجرة المدجنين الراغبين في ذلك إلى غرناطة. وكان عهد الغني بالله عهد تقدم في الآداب والعلوم إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م). ولمّا توفي الغني بالله خلفه ولده أبو الحجاج يوسف، فاستبد بالأمر وزيره خالد وقتل أخوته، ثم سخط السلطان على وزيره فقتله وهادن قشتالة. وثار ولده محمد عليه ففشل. ورغم هذه الأحداث الداخلية المؤلمة قام المسلمون بالإغارة على النصارى في أحواز مرسية ولورقة كما صدوا بقوة هجومًا نصرانيًّا على مرج غرناطة. وتوفي السلطان يوسف في أوائل سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٤ م).

стр. 41

وخلف يوسف ولده أبو عبد الله محمد، فسعى إلى مهادنة قشتالة. لكن سرعان ما نكث القشتاليون بالعهود وأغاروا على غرناطة، فصدهم المسلمون وأغار السلطان محمد على ولاية الغرب. ثم صارت الحرب بين القشتاليين والأندلسيين سجالاً إلى أن عقدت الهدنة في ٦/ ١٠ / ١٤٠٦ م لمدة عامين، فنكثت بعد شهور. ثم عقدت هدنة أخرى لمدة ثمانية أشهر سنة ٨١١ هـ (١٤٠٨ م)، توفي أثرها السلطان أبو عبد الله بعد عودته إلى غرناطة. وهكذا أصبحت الحرب بين غرناطة وقشتالة متواصلة بدون انقطاع، ودون مساندة من المغرب، وغرناطة تحاول الحفاظ على توازنها بالتعاهد مع أراغون، الدولة النصرانية في الجزيرة الإيبرية المنافسة لقشتالة. فعقد السلطان محمد معها معاهدة صداقة وتحالف لمدة خمس سنوات سنة ٨٠٨ هـ (١٤٠٥ م). وخلف السلطان محمد بعد وفاته أخوه السلطان يوسف، فسعى إلى تجديد الهدنة مع قشتالة لمدة سنتين. لكن بعد انتهاء الهدنة ابتدأ القشتاليون الحرب بالهجوم على أنتقيرة فاحتلوها سنة ١٤١٢ م بعد حصار طويل، وعاث النصارى في أراضي المسلمين فسادًا. فسعى السلطان يوسف إلى الهدنة مرة أخرى مع قشتالة دون أن يسترجع أنتقيرة، فساد الوئام لمدة وجيزة بين قشتالة ومملكة غرناطة. وتوفي السلطان يوسف سنة ٨٢٠ هـ (١٤١٧ م)، وكان سلطانًا عاقلاً فارسًا، سياسيًّا ماهرًا مخلصًا لأمته. وخلف السلطان يوسف ابنه أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر، وكان سيىء الأخلاق متباعدًا عن شعبه يحكم عن طريق وزيره يوسف بن سراج. فساءت أحوال غرناطة واشتد سخط الشعب، وتكاثرت الثورات بتشجيع من قشتالة مما أدى إلى إضعاف الدولة الإسلامية والتعجيل بفنائها. وعندما زحف النصارى على وادي آش سنة ٨٣١ هـ (١٤٢٨ م) وعاثوا فيها دون أن يردهم السلطان الأيسر ثار عليه الأهالي وخلعوه ونصبوا ابنه أبا عبد الله محمدًا الزغير، بينما فر الأيسر إلى تونس في أهله. ورغم خصائله لم يفلح الزغير في إخماد الدسائس المستمرة. فتحالف ضده يوسف ابن سراج وعمل، بالاتفاق مع طاغية قشتالة، على إرجاع السلطان الأيسر سنة ٨٣٣ هـ (١٤٣٠ م). فأعاد السلطان الأيسر بني سراج وحاول أن يهادن قشتالة، فشرطت شروطا مؤداها ضياع استقلال الأندلس، وعند رفضه أغارت قشتالة على غرناطة سنة ١٤٣١ م وعاثت فيها فسادًا. فزاد ذلك في الفتن الداخلية.

стр. 42

وفي سنة ٨٣٥ هـ (١٤٣٢ م) قامت قشتالة بمؤامرة للإطاحة بالسلطان الأيسر ووضع محله سلطانًا يوسف بن المول، وهو سبط السلطان أبي عبد الله محمد عم الأيسر، الذي وقع مع قشتالة معاهدة خضوع وولاء. فنجحت الثورة بمساندة قشتالة وأصبح ابن المول سلطانًا على غرناطة. لكنه توفي بعد ستة أشهر من توليه، فاتفق الجميع على رد الأمر للسلطان الأيسر. وقام الأيسر لقتال القشتاليين، فهزمهم غير ما مرة. وفشلت محاولة النصارى لأخذ جبل طارق سنة ٨٤٠ هـ (١٤٣٦ م). وهكذا كانت الحروب سجالاً بين غرناطة وقشتالة. فاستنجد السلطان الأيسر بمصر عندما اشتدت وطأة النصارى عليه ولم ينجده المغاربة لدخول الدولة المغربية مرحلة انحلال. فلم يفز من مصر بطائل. وتتابعت الفتن إلى أن ثار أبو عبد الله محمد الأحنف بن نصر بن أبي عبد الله الغني بالله على السلطان سنة ٨٤٥ هـ (١٤٤١ م) وخلعه وبويع محله. ولم تهدأ الفتن ببيعة الأحنف إذ كان بنو سراج يعارضونه ويساندون أبا الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل بن أبي الحجاج بن الغني بالله، فتغلب هذا الأخير على غرناطة بمساندة النصارى. ولكن لم يمكث شهورًا حتى استرجع الأحنف ملكه سنة ٨٤٩ هـ (١٤٤٦ م)، وانتقم من النصارى بغزوهم، وهزمهم عدة مرات خاصة سنة ٨٥٢ هـ (١٤٥٠ م). وتابع النصارى مساندتهم لأبي الحجاج يوسف، وبقي الأحنف سلطانًا إلى سنة ٨٦٣ هـ (١٤٥٨ م). ثم خلفه في الحكم الأمير سعد بن محمد بن أبي الحجاج يوسف بن الغني بالله، وبقي سلطانًا إلى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ م). تم عزل وبويع من جديد أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل وظل سلطانًا إلى سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) حيث بويع من جديد الأمير سعد. وفي هذه السنين المضطربة المليئة فتنًا داخلية وتواطؤًا مع النصارى وحروبًا متواصلة معهم، استنزفت مملكة غرناطة قواها وضاعت منها قلاع ومدن متعددة. وكانت الضربة المؤلمة سقوط جبل طارق في يد النصارى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ م)، فانقطع بذلك حبل النجاة مع المغرب. وهكذا راجعنا باختصار تاريخ مملكة غرناطة ورأينا كيف أنها خرجت من ضعف إلى قوة، وصمدت أمام حرب صليبية متواصلة لمدة قرنين بفضل صمود الجبهة الداخلية ومساندة المغاربة وسياسة التوازن بين الدولتين النصرانيتين، أراغون وقشتالة. رأينا كيف ساءت أوضاع المملكة الإسلامية بسبب ضعف الجبهة الداخلية وكثرة الفتن

стр. 43

وتشتت العائلة الحاكمة وكثرة التواطؤ مع العدو الصليبي مع انهيار السند المغربي بسبب مشاكله الداخلية. ولم يطل عمر غرناطة في هذه السنين العصيبة إلا ثبات الأندلسيين على الجهاد مع مشاكل قشتالة الداخلية وتنافسها مع أراغون، الدولة النصرانية الأخرى. فلنر وضع إسبانيا النصرانية في هذه الفترة قبل أن ندرس الأيام الأخيرة لمملكة غرناطة. ١/ ٤ - اتحاد الممالك النصرانية: رأينا كيف توحدت الممالك النصرانية المتعددة التي تأسست على أنقاض الأراضي الإسلامية في شبه الجزيرة الأندلسية بعد انهيار الدولة الموحدية وأصبحت ثلاثة دول: قشتالة وأراغون والبرتغال. وكانت قشتالة هي أكبر عدو للدولة النصرية بعد تأسيسها. ولندرس أولاً تطور الوضع في قشتالة إبان العهد النصري في غرناطة. بعد الانهيار الموحدي تولى الملك في قشتالة فرانده الثالث سنة ٦١١ هـ (١٢١٤ م)، ثم ضم إليه مملكة ليون والده ألفونش التاسع سنة ٦٢٨ هـ (١٢٣٠ م). وكان فرانده الثالث قائد الجيوش القشتالية التي احتلت قرطبة (٦٣٣ هـ). وجيان (٦٤٣ هـ) وإشبيلية (٦٤٦ هـ)، ونقل عاصمة قشتالة من طليطلة إلى إشبيلية بعد احتلالها. توفي فرانده الثالث سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٢ م) أيام ابن الأحمر، مؤسس الدولة النصرية، فخلفه ابنه ألفونش العاشر الملقب بالعالم. فتابع خطة أسلافه في محاربة الدولة الإسلامية في الأندلس، فاحتل قادس من يد المسلمين في أول حكمه وقد أعانه على ذلك ابن الأحمر. وفي أواخر عهد ألفونش العالم خرج عليه ولده سانشو، فقامت حرب أهلية في قشتالة فانتصر الابن على أبيه والتجأ ألفونش إلى السلطان المريني أبي يوسف سنة ٦٨١ هـ (١٢٨٢ م). واستمر سانشو الرابع ملكًا على قشتالة بدون معارض إلى أن دخل في نزاع مع النبلاء وبعض أمراء عائلته، فاضطر إلى الاستجابة لمهادنة غرناطة مما أعطى مملكة غرناطة بضعة أعوام من السلام. ولما توفي سانشو الرابع سنة ٦٩٦ هـ (١٢٩٢ م) خلفه ولده الطفل فراندو الرابع تحت وصاية أمه. وكان عهده عهد اضطراب وفوضى في قشتالة. ولما اشتد عضده ساءت علاقة قشتالة مع غرناطة من جديد، وهو الذي احتل جبل طارق الاحتلال الأول من يد المسلمين سنة ٧٠٩ هـ.

стр. 44

ولمّا توفي فراندو سنة ٧١٢ هـ (١٣١٢ م) خلفه على عرش قشتالة ولده الطفل ألفونش الحادي عشر تحت وصاية زعيمين من زعماء النبلاء. ورغم الفوضى التي كانت تعم قشتالة آنذاك فقد تابعت الدولة النصرانية غزواتها لمملكة غرناطة، لكن المسلمين الغرناطيين هزموا القشتاليين في موقعة حاسمة سنة ٧١٩ هـ (١٣١٩ م). ولما رشد ألفونش الحادي عشر وتولى أمور البلاد بنفسه عاث فسادًا بالقتل والانتقام في بلده وتابع هجومه على الأراضي الإسلامية وهو الذي هزم الجيوش الإسلامية بقيادة السلطان أبي الحسن المريني في موقعة نهر سلادو سنة ٧٤١ هـ (١٣٤٠ م). وكانت هذه هي آخر مرة يجتاز فيها جيش مغربي مضيق جبل طارق لإغاثة الأندلسيين. واستولى ألفونش الحادي عشر بعد ذلك على طريف والجزيرة الخضراء. لكن المسلمين استعادوا في عهده حصن جبل طارق. ولمّا توفي ألفونش الحادي عشر بالوباء سنة ٧٥١ هـ (١٣٥٠ م)، خلفه ولده بطره الثاني الملقب بالقاسي. وهو الملك الذي وفد إليه ابن خلدون سفيرًا عن سلطان غرناطة وهو كذلك الطاغية المعاصر للسان الدين بن الخطيب. وقد بسط بطره نظامًا دمويًّا على قشتالة وعلى أهله حيث لجأ إلى قتل زوجته ليتزوج خليلته. وقد أنشأ لنفسه حرسًا خاصًّا من المسلمين المدجنين. وكما قامت حروب أهلية طاحنة بينه وبين إخوته، تدخلت فيها فرنسا لمساندة أخيه أنريكي وإنجلترا لمساندته. وأخيرًا هزم بطره وقتل سنة ٧٦٩ هـ (١٣٦٨ م) أيام السلطان النصري الغني بالله الذي كانت تربطه به معاهدة صداقة وتحالف. وكانت غرناطة إلى جانب بطره القاسي في حربه مع أخيه. واعتلى العرش القشتالي أنريكي الثاني هذا فاستتب الأمر في قشتالة وقويت شوكتها أيامه. لكنه وجه قواتها ضد البرتغال وإنجلترا. وأمنت أيامه غرناطة بعض الشيء، بل أخذت المبادرة في غزو الأراضي القشتالية. ولما توفي أنريكي الثاني سنة ٧٨٠ هـ (١٣٧٩ م) خلفه ولده خوان الأول. وقامت في عهده نزاعات بين قشتالة وإنجلترا من جهة وبين قشتالة والبرتغال من جهة أخرى. وقد هزم البرتغاليون القشتاليين سنة ١٣٨٥ م. وتوفي خوان الأول قتيلاً سنة ٧٩٢ هـ (١٣٩٠ م) فخلفه ولده الحدث أنريكي الثالث، وكان سقيمًا عليلاً. ورغم ذلك وطد نظام قشتالة وتابع حربه ضد غرناطة إلى أن توفي سنة ٧٠٩ هـ (١٤٠٦ م). فخلفه ولده خوان الثاني طفلاً تحت وصاية أمه الملكة كونستانس الإنجليزية وعمه فراندو الذي احتل مدينة أنتقيرة من يد المسلمين

стр. 45

سنة ٨١٥ هـ (١٤١٢ م). وكان خوان الثاني ضعيف الرأي إذ تسلط على الحكم وزيره بعد رشده. ولكن إبان حكمه الطويل ساد نوع من السلام بين قشتالة وغرناطة، بينما اشتغلت غرناطة بنزاعاتها الداخلية التي كان يتدخل فيها القشتاليون باستمرار مما أضعف الدولة الإسلامية وهيأ سقوطها. ولمّا توفي خوان الثاني سنة ٨٥٨ هـ (١٤٥٤ م) خلفه ولده أنريكي الرابع. وكان في ضعف أبيه، منحل الأخلاق والعزيمة حتى لقب بالعاجز، وسادت الفوضى أيامه مملكة قشتالة. ومع ذلك فقد تابع إرهاقه لدولة غرناطة مستفيدًا من نزاعاتها الداخلية كما رأينا. وقد احتل للمرة الثانية والأخيرة جبل طارق سنة ١٤٦٢ م. وعند وفاة أنريكي الرابع سنة ٨٧٩ هـ (١٤٧٤ م) عارض النبلاء تولية ابنته الوحيدة خوانا عرش قشتالة لما كان يحيط نسبتها إليه من شكوك واجتمعوا على أخته إيزابيلا التي كانت قد تزوجت رغم أخيها سنة ١٤٦٩ م بفراندو ملك أراغون. وتوحدت بهذا المملكتان النصرانيتان بينما تجزأت مملكة غرناطة. وإيزابيلا وفراندو هما اللذان احتلا غرناطة آخر معقل إسلامي بالأندلس كما سنرى، وقد لقبا بعد ذلك بالملكين الكاثوليكيين. بعد الانهيار الموحدي تولى الملك في أراغون جايمش الأول سنة ٦١٠ هـ (١٢١٣ م)، وطال ملكه إلى سنة ٦٧٥ هـ (١٢٧٦ م). وهو الذي احتل بلنسية سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م) والجزر الشرقية من يد المسلمين وتعاون تعاونًا كاملاً مع قشتالة في تحطيم الوجود الإسلامي في الأندلس، ولذلك لقبه مواطنوه بالفاتح، وكانت عاصمة مملكته سرقسطة. وعند وفاة جايمش الأول خلفه على عرش أراغون ولده بطره الثالث الذي مد سلطان أراغون إلى صقلية وجنوب إيطاليا (مملكة نابل)، ولذلك لقب بالأكبر. وعند وفاة بطره الثالث كانت الأراضي الأراغونية علاوة على المناطق الأندلسية: قطلونيا وسرقسطة وبلنسية والجزر الشرقية، تضم جنوب إيطاليا وصقلية ومنطقة البروفانس جنوب فرنسا. وكانت وفاته سنة ٦٨٤ هـ (١٢٨٥ م). فخلفه ابنه ألفنش الثالث وكان ضعيفًا أمام مطالب النبلاء، فاضطربت أحوال أراغون أيامه. ولما توفي ألفونش الثالث سنة ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م) دون عقب، خلفه أخوه جايمش الثاني. وكان عهده عهد استقرار وإصلاح. وبعد وفاته سنة ٧٢٧ هـ (١٣٢٧ م) خلفه ولده ألفنش الرابع، وكان ضعيفًا. فتسلط عليه النبلاء واستصدروا منه ما يسمى

стр. 46

بمرسوم الاتحاد الذي تنازل لهم فيه على كثير من سلطات العرش الأراغوني. وتوفي ألفنش الرابع سنة ٧٣٦ هـ (١٣٣٦ م) فخلفه ولده بطره الرابع، الذي كان على عكس والده قويًّا، فدخل في حرب أهلية مع النبلاء انتصر فيها عليهم في موقعة آبلة سنة ١٣٤٨ م، وأرغمهم على التنازل على المرسوم الذي استصدروه من أبيه. وتدخل بطره الرابع في نزاعات قشتالة الداخلية. وتوفي بطره الرابع سنة ٧٨٩ هـ (١٣٨٧ م)، فترك دولة قوية لولده وخليفته من بعده خوان الأول. وكان أميرًا ضعيفًا لا تهمه أمور الدولة، وانتهت أيامه في حادث توفي أثره سنة ٧٩٨ هـ (١٣٩٥ م)، فخلفه أخوه مرتين الأول. وكان عهده عهد استقرار وسلام. وقد تحالف مع غرناطة في معاهدة صداقة وتحالف سنة ١٤٠٥ م. ْولما توفي مرتين الأول دون عقب سنة ٨١٣ هـ (١٤١٠ م) ثار نزاع حول من يخلفه في عرش أراغون فتولى مجلس الكورتيس حكم البلاد لمدة سنتين. وأخيرًا وقع الاختيار على فراندو القشتالي بن خوان الأول ملك قشتالة، أخو أنريكي الثالث ملك قشتالة، وابن الينور أخت مرتين الأول المتوفى. وفراندو هذا هو محتل مدينة أنتقيرة من يد المسلمين. ولبى فراندو الدعوة وأصبح ملك أرغون تحت اسم فراندو الأول سنة ٨١٥ هـ (١٤١٢ م). وهكذا انتقل عرش أراغون إلى العائلة الحاكمة في قشتالة مما سيكون له أسوأ الأثر على مستقبل مملكة غرناطة. وكان فراندو الأول ملكًا قويًّا يريد إدخال عادات قشتالة الاستبدادية في حكم أراغون. ولما توفي فراندو الأول سنة ٨١٨ هـ (١٤١٦ م) خلفه ولده ألفونش الخامس الملقب بالشهم. لكن ألفونش الخامس اهتم أكثر بجنوب إيطاليا وصقلية واستقر بنابل وترك حكم الأراضي في شبه الجزيرة الإيبرية لأخيه خوان يحكم باسمه. ولما توفي ألفونش الخامس سنة ٨٤٦ هـ (١٤٤٢ م) تجزأت مملكة أرغن إذ ورثه في نابل ابنه غير الشرعي فراندو. وورثه في الأراضي الواقعة في شبه الجزيرة الإيبرية أخوه خوان الثاني الذي كان قويًّا مستبدًا. تابع صراعه للحصول على عرش نباره، ثم دخل في حرب أهلية مع ابنه كارلوس انتهت بوفاة الابن سنة ١٤٦١ م. ثم ثارت قطلونية عليه تطالب باستقلالها، فتغلب عليها سنة ١٤٧٢ م. ونشبت في أيامه حرب بين أراغون وفرنسا من أجل منطقة الروسيون، وهزمت فرنسا خوان الثاني غير ما مرة. ثم عمل خوان على تزويج ولده فراندو بالأميرة إيزابيلا

стр. 47

القشتالية. وقد نجح هذا الزواج كما سبق أن ذكرنا. ودام حكم خوان الثاني حتى سنة ٨٨٤ هـ (١٤٧٩ م) فأصبح شيخًا هرمًا كف بصره وضعفت قواه، فتنازل على العرش لولده فراندو. وهكذا تزوجت إيسابيلا التي أصبحت فيما بعد ملكة قشتالة بفراندو الذي أصبح ملك أراغون بشروط سرية يتعهد فيها فراندو بأن يحترم قوانين قشتالة وتقاليدها وأن يجعل مقر إقامته بها وألا يغادرها دون إذن إيسابيلا، وأن لا يجري أي تعيينات أو قرارات دون إذنها. وتعهد بمتابعة الحرب ضد مملكة غرناطة الإسلامية. وعندما أعلنت إيسابيلا ملكة لقشتالة وليون عقب وفاة أخيها سنة ١٤٧٤ م قام الفريق المناهض لها بمحاربتها، وكان على رأسهم مطران طليطلة، فغزا ملك البرتغال الأراضي القشتالية بقواته لكنه اضطر إلى الرجوع سنة ١٤٧٦ م. وهكذا استقر فراندو وإيسابيلا معًا على عرش قشتالة بدون منازع. وعندما اعتلى فراندو سنة ١٤٧٩ عرش أراغون اتحدت المملكتان النصرانيتان في ظل عرش واحد وتكونت بذلك الدولة الإسبانية التي اجتمعت كلمتها بعد شتات طويل. وكان الهدف الأساسي لفراندو وزوجه إيسابيلا هو القضاء على مملكة غرناطة والوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبرية كما سنرى. وفي هذا الوقت الذي اتحدت فيه إسبانيا النصرانية دخلت غرناطة الإسلامية في حقبة من الصراعات الداخلية والتشتت والتمزق استفاد منها الإسبان أكبر استفادة لتحقيق مآربهم. كما كان المغرب الدولة الحليفة تاريخيًّا للأندلس في فترة ضعف وتشتت داخلي منعها من أية مساندة للأندلس الإسلامية حين حل بها البلاء. أما فراندو الخامس الكاثوليكي فكان ذا عزم ومكيدة وصاحب مقدرة فائقة في الإدارة والسياسة والحرب. لكنه في نفس الوقت كان غدارًا لا يفي بوعد ولا يوثق لكلمة أعطاها، وكان عديم الأخلاق في معاملاته مع خصومه. أما زوجه إيسابيلا فكانت ذات نزعة دينية متعصبة، تشتعل بغضًا للمسلمين. وكانت ألعوبة في يد المطارنة المتعصبين الذين استعملوها للوصول إلى غايتهم وهي القضاء على الإسلام بكل الوسائل الهمجية واللاإنسانية والإجرامية. ولنرَ الآن الأيام الأخيرة لمملكة غرناطة والدور الماكر الذي قام به الملكان الكاثوليكيان للإجهاز عليها.

стр. 48

١/ ٥ - الحرب الأهلية وسقوط غرناطة: إن تفكك الأسرة المالكة الكامل في غرناطة، وتشتت الطبقة المثقفة والحاكمة، وعدم ورع الجميع من التعاون مع العدو النصراني القشتالي للتغلب على خصمه المسلم، أدى كل ذلك أخيرًا إلى سقوط غرناطة بعد جهاد طويل ومتواصل دام ما يقرب من القرنين. وهذه المرة توحدت القوى النصرانية في إرادتها للقضاء على الإسلام في الأندلس بينما انعدم مغيث المسلمين من وراء البحر. في سنة ٧٦٨ هـ (١٤٦٣ م) ثار أبو الحسن علي على والده الأمير سعد وخلعه ونفاه إلى المرية حيث مات من سنته، وصفا الجو لأبي الحسن بهذه الطريقة البغيضة. ومنذ البداية، دخل أبو الحسن في حروب أهلية مع أخويه، أبو الحجاج يوسف وأبو عبد الله محمد الزغل، اللذين نازعاه الملك، كل على حدة. ولما توفي أبو الحجاج بقي أبو عبد الله الزغل المنازع الوحيد. ورغم الحروب الأهلية، قام أبو الحسن أول أمره بتحصين الحصون وتنظيم شؤون البلاد، وتولى وزارته وزير أبيه أبو القاسم بن رضوان بنيغش. وخرج الزغل إلى ملك قشتالة أنريكي الرابع يستنصره على أخيه. والتقى به في أرشذونة سنة ٨٧٤ هـ (١٤٦٩ م)، فوعده بالعون والتأييد مقابل ولائه له. فرد أبو الحسن على ذلك بغزو بعض الأراضي القشتالية واسترجاع بعض المواقع المغتصبة، وفي تلك الأثناء ثارت مالقة على أبي الحسن واستدعت الزغل من قشتالة ونادت به ملكًا. وهكذا انقسمت المملكة الإسلامية الصغيرة إلى قسمين متخاصمين في الوقت الذي توحدت فيه أراغون وقشتالة (١٤٧٤ م). وعندما لم يحسم السيف النزاع بين المملكتين المسلمتين تهادنتا إلى حين. وحاول اأبو الحسن سنة ٨٨٣ هـ (٤٧٨ ١ م) تجديد الهدنة مع فراندو وإيسابيلا ملكَا قشتالة وأراغون المتحدتين. فوافقا بشرط أن تعترف غرناطة بطاعتهما وتؤدي الجزية لهما. فلما رفض أبو الحسن الشرط، أغار القشتاليون على غرناطة واستولوا على حصن بللنقة قرب رندة. فرد أبو الحسن على هذا التعدي بالزحف على بلدة الصخرة واستردها سنة ١٤٨١ م. وهكذا اشتعلت الحرب من جديد بين قشتالة (المتحدة هذه المرة مع أراغون) وغرناطة (المجزأة هذه المرة نصفين). ولولا سوء سيرة أبي الحسن لتابعت غرناطة مقاومتها. غير أنه كان، رغم فروسيته، أسير هواه وملذاته، مما جعل الشعب ينفر منه. وكان وزيره يجاريه في ذلك. وكانت زوجته الأولى عائشة، ابنة عمه السلطان الأيسر، ووالدة ابنيه أبي عبد الله

стр. 49

محمد (الريشيكو) وأبي الحجاج يوسف. ثم تزوج أبو الحسن بفتاة نصرانية، أسلمت تحت اسم ثريا، وهي ابنة القائد القشتالي سانشو خمينس دي سوليس، وولدت منه ولدين سعد ونصر. ففضل أبو الحسن ثريا وولديها وأقصى ابنة عمه وولديها واعتقلهم في برج قمارش بقصر الحمراء. فزاد ذلك في انقسام المجتمع الغرناطي وسخطه عليه. ورأى القشتاليون في ذلك فرصة سانحة للتدخل. وفي ليلة من ليالي جمادى الثانية سنة ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م). استطاعت الأميرة عائشة الفرار من سجنها مع ولديها محمد ويوسف، بمساندة بني سراج، وظهروا بعد حين في وادي آش حيث أعلن أبو عبد الله محمد (الريشيكو) العصيان على والده. فاغتنم النصارى فرصة هذه الحرب الأهلية الجديدة بين المسلمين لمهاجمة أراضي غرناطة. فأغاروا على حامة غرناطة، وهي مدينة غنية متوسطة في مملكة غرناطة، وملكوها في محرم سنة ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م) بعد أن قتلوا أهلها ونكلوا بهم. ثم زحف القشتاليون على لوشة، فردهم أبو الحسن بخسائر فادحة في جمادى الأولى ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م). ولما رجع إلى غرناطة عزل وبويع مكانه ابنه أبو عبد الله محمد فانتقل إلى مالقة عند أخيه الزغل. وبعد فشل القشتاليين أمام لوشة هجموا على مالقة. لكن الزغل دافع عنها دفاعًا مستميتًا ورد النصارى بعد هزيمتهم في صفر سنة ٨٨٨ هـ (١٤٨٣ م) في موقعة الشرقية. وخرج أبو عبد الله ملك غرناطة الجديد، أسوة بعمه ملك مالقة، لغزو الأراضي النصرانية، فاجتاح بعض الحصون والقرى. لكن النصارى أدركوه خارج قلعة أليسانة التي كان يزمع غزوها، فهزموه وأسروه. فاستقبل النصارى أسيرهم بحفاوة في قرطبة، ورجع جيش المسلمين إلى غرناطة دون سلطانه، فاجتمعت الكلمة على مبايعة الزغل سلطانًا على مملكة غرناطة بكاملها. وهنا تمخض عقل فراندو، طاغية قشتالة، على فكرة داهية للقضاء على غرناطة، بإذكاء الحرب الأهلية وتشتيت القوى الإسلامية. فبعد امتناع طويل قرر إطلاق سراح أبي عبد الله بعد أن وقع معه معاهدة سرية مفادها أن يعترف أبو عبد الله بطاعة الملكين فراندو وإيسابيلا وأن يدفع لهما جزية سنوية وأن يقدم ولده رهينة مع عدد من أبناء الأمراء ضمانًا لوفائه بالعهد. وتعهد الملكان الكاثولكيان بالمقابل بالإفراج عنه فورًا وإعانته على استرجاع ملكه على أن تبقى المدن المفتوحة تحت طاعة قشتالة. وهكذا أفرج القشتاليون على أبي عبد الله في شوّال سنة ٨٩٠ هـ (أوائل

стр. 50

سبتمبر سنة ١٤٨٥ م) وأرسلوه مع سرية قشتالية إلى بعض الحصون الغرناطية الحدودية التي قامت بدعوته. وكان أبو عبد الله ضعيف العزم، إذ اقتنع أن الطريق الوحيد لإنقاذ غرناطة هو مسالمة قشتالة وليس مهاجمتها مما فتت من عزائم المسلمين في الوقت الذي كانوا فيه في أشد الحاجة إلى التكاتف والاستماتة في الدفاع. وفي نفس الوقت تابع القشتاليون غزوهم لأراضي مملكة غرناطة، فاحتلوا حصن ذكوان وقرطبية في أوائل سنة ٨٩٠ هـ (١٤٨٥ م)، فقطعوا بذلك الطريق بين رندة ومالقة. ثم اضطرت رندة نفسها إلى الاستسلام لهم في جمادى الأولى سنة ٨٩٠ هـ (أبريل ١٤٨٥ م)، فكان ذلك ضربة شديدة على المسلمين. ثم هاجموا حصن مقلين، وكان يدافع عنه السلطان الزغل فاستطاع ردهم في شعبان عام ٨٩٠ هـ (يوليو ١٤٨٥ م). ولما رجع الزغل إلى غرناطة اشتعلت الحرب الأهلية من جديد بعد إطلاق سراح أبي عبد الله الذي سار إلى بلش وأعلن نفسه سلطانًا على غرناطة مشيدًا بمحاسن الصلح مع قشتالة. فقام حي البيازين من حاضرة غرناطة بالدعوة له. وهكذا اشتغل الغرناطيون عن مقاتلة النصارى بمقاتلة بعضهم البعض، وهذا ما كان يخطط له ملك قشتالة. وبعد فتنة دامت شهرين اتفق أبو عبد الله والزغل على تقسيم المملكة فيختص أبو عبد الله بغرناطة ومالقة والمرية والمنكب، ويختص الزغل بالمناطق الشرقية. وانتهز القشتاليون فرصة هذه الفتنة وزحفوا على لوشة مرة أخرى، فحاصروها، وكان بها أبو عبد الله. ثم دخلوها في ٢٦ جمادى الأولى سنة ٨٩١ هـ (مايو سنة ١٤٨٦ م)، وأخذوا معهم مرة أخرى أبا عبد الله. ثم استولى النصارى على سلسلة من الحصون، منها مقلين واليورة وقلنبيرة، وضيقوا بذلك الحصار على غرناطة. وفي شوال سنة ٨٩١ هـ (سبتمبر عام ١٤٨٦ م) ظهر أبو عبد الله من جديد في المناطق الشرقية، ثم ظهر فجأة في ربض البيازين، وأمده طاغية قشتالة بالعدة والرجال فضيق على عمه الزغل وأذاع عقد الصلح مع النصارى. وفي نفس الوقت سير النصارى جيشًا على بلش مالقة في ربيع الثاني ٨٩٢ هـ (مارس ١٤٨٧ م) فهرع الزغل إلى حمايتها لأهميتها الكبرى، لكنه لم يفلح في إنقاذها من السقوط في يد النصارى في جمادى الأولى سنة ٨٩٢ هـ (أبريل ١٤٨٧ م). وإبان غيابه قامت غرناطة بمبايعة أبي عبد الله في ٥ جمادى الأولى سنة ٨٩٢ هـ (٢٨ أبريل ١٤٨٧ م)

стр. 51

الذي أقنعهم بسياسة المهادنة مع النصارى. فارتد الزغل إلى وادي آش. وهكذا انقسمت المملكة الصغيرة مرة أخرى إلى مملكتين: الزغل في وادي آش، وأبو عبد الله في غرناطة. وتحقق بذلك ما أراد طاغية قشتالة. فبدء الحرب مركزًا على أراضي الزغل، بينما ينادي أبو عبد الله بالسلام مع النصارى. ثم ارتد النصارى عليه بعد قضائهم على الزغل. وأول مدينة من مدن السلطان الزغل التي هاجمها النصارى هي مالقة التي كانت أهم ميناء في الدولة النصرية. فقطعها أولاً النصارى عن باقي الأراضي الأندلسية باحتلالهم لوشة والحامة وبلش مالقة. ثم طوقوها. بعد احتلال رندة وذكوان واليورة. وهكذا حاصروها برًّا وبحرًا في جمادى الثانية سنة ٨٩٢ هـ (يونيه ١٤٨٧ م). ودافع أهالي مالقة عن مدينتهم دفاع المستميت حتى سقطت في أواخر شعبان عام ٨٩٢ هـ (غشت ١٤٨٧ م). فأصدر طاغية قشتالة أمره باسترقاق جميع أهلها، ذكورًا وإناثًا، بعد أن أثخن فيهم جنوده قتلاً وسفكًا. وأرسل نخبة من بناتها هدية لبابا روما. واستغاث الزغل بدول الإسلام جميعًا: المغرب وتونس ومصر وقسطنطينية، ولا من مغيث إلا بعض متطوعة المغاربة. ثم تحوّل النصارى إلى احتلال أراضي الزغل الشرقية، فاستولوا في ربيع سنة ١٤٨٨ م (٨٩٣ هـ) على بيرة وبلشيف وأشكر. واستسلم أهل المنكب بعد حصار طويل في محرم عام ٨٩٥ هـ (١٤٨٩ م)، فكان ثاني أهم موانىء المسلمين وقوعًا بيد العدو بعد مالقة. ثم أحكم النصارى حصارهم على بسطة، أهم مدن الزغل الشرقية في مستهل شهر رجب سنة ٨٩٤ هـ، فاستسلمت في محرم سنة ٨٩٥ هـ (ديسمبر سنة ١٤٨٩ م). ثم استسلمت المرية في ربيع الأول سنة ٨٩٥ هـ (فبراير ١٤٩٠ م). وهكذا سيطر القشتاليون على جميع أراضي الزغل سوى وادي آش مقر ملكه. فحاصره النصارى فيه. فلما لم ير الزغل مناصًا من الاستسلام خرج إلى معسكر فراندو يعرض عليه طاعته والانضواء تحت لوائه. فاستجاب له فراندو، فبايعه الزغل بالخضوع والطاعة هو وسائر قواده، ودخل القشتاليون مدينة وادي آش في أوائل صفر عام ٨٩٥ هـ (٣٠/ ١٢ / ١٤٨٩ م). وعقد الزغل معاهدة سرية مع النصارى نص فيها على طائفة من المنح والامتيازات على أن يستقر سيدًا في مدينة أندرش، وأن ينضم إليه ألف من أتباعه، وأن يُعطي راتبًا سنويًّا سخيًّا مع منحه نصف دخل ملاحات بلدة الملاحة، وأن يعان

стр. 52

على استحضار أبنائه من غرناطة، وأن ترجع له جميع أملاكه بها. لكن الزغل لم يطق حياة الذل هذه مدة طويلة، فتنازل على جميع حقوقه للطاغية، وجاز البحر إلى وهران، ثم انتقل إلى تلمسان حيث كان استقراره. وهاجر معه إلى تلمسان عدد من قواده. ولم يبقَ على الملكين الكاثوليكيين للقضاء على دولة الإسلام في الأندلس سوى الاستيلاء على ما بيد أبي عبد الله، خاصة مدينة غرناطة ففي أوائل صفر عام ٨٩٥ هـ (فاتح سنة ١٤٩٠ م) أرسل فراندو سفارة إلى أبي عبد الله يطلب منه تسليم قصور الحمراء على أن يبقى مقيمًا في غرناطة تحت حمايته، وأن يمده بالمال الكثير. فرفض أبو عبد الله الطلب برسالة مؤرخة ب ٢٩ صفر ٨٩٥ هـ (٢٢/ ١ / ١٤٩٠ م) أرسلها مع القائد أبي القاسم المليخ إلى الملكين الكاثوليكيين، فاستؤنفت الحرب بين المسلمين والنصارى. تهيأت غرناطة لحصار طويل، وخرج طاغية قشتالة في جيش كبير في ربيع سنة ١٤٩٠ م (٨٩٥ هـ)، وزحف على مرج غرناطة محطمًا ومحرقًا، وبرز المسلمون لقتاله عدة مرات، واستولوا أول الأمر على عدة حصون. وثار المسلمون الذين كانوا تحت الاحتلال النصراني في البشرات وغيرها، ودب الأمل في نفوسهم. فاستولى أبو عبد الله على أندرش ومنطقتها. ثم حرر حصن همدان وحصن شلوبانية على البحر وحاول تحرير المنكب. فخاف طاغية قشتالة من هذه الانتصارات الإسلامية، وهيأ جيشًا ضخمًا خرج أوائل سنة ١٤٩١ م إلى حاضرة غرناطة عدته خمسون ألف مقاتل، ووصل مرج غرناطة في ١٢/ ٦ / ٨٩٦ هـ (٢٣/ ٤ / ١٤٩١ م) وعسكر على ضفاف نهر شنيل، وضرب حصارًا صارمًا حول غرناطة، وبنى مدينة لمعسكره سماها شانتافي (العقيدة المقدسة). فقاوم الغرناطيون، وخرجوا عدة مرات لمحاربة عدوهم في شجاعة وبسالة. فاشتد الجوع والبلاء على المحاصرين عندما طال الحصار دون أمل لفكه. وعندما فشلت كل محاولات المسلمين من رد المحاصرين، أخذ اليأس يدب في نفوسهم، ووقع الاتفاق على التفاوض مع النصارى على التسليم. وكلف الوزير أبو القاسم المليخ في أواخر سنة ٨٩٦ هـ (أكتوبر ١٤٩١ م) بالقيام بهذه المهمة. فاستقبله الملك فراندو في معسكره بشانتافي. فتفاوض الطرفان: أبو القاسم المليخ والوزير يوسف بن كماشة عن غرناطة، والقائد كنسالبو دي قرطبة والأمير فراندو دي الصفراء

стр. 53

عن النصارى. وانتهت المفاوضة بتوقيع معاهدة التسليم بتاريخ ٣١ محرم عام ٨٩٧ هـ (٢٥/ ١١ / ١٤٩١ م). تضمنت هذه الوثيقة ٤٧ مادة أولها تحدد ضرورة تسليم غرناطة قبل ٢٥/ ١ / ١٤٩٢ م للملكين الكاثوليكيين. وتحدد المواد الثالثة إلى الخامسة أدب دخول النصارى إلى غرناطة عند التسليم، وإرجاع ابن السلطان أبي عبد الله، وضمان احترام أبي عبد الله على دينه وعاداته، وعدم مصادرة أسلحة المسلمين باستثناء الذخيرة. وتحدد المادتان السادسة والسابعة تسهيلات لمن يريد الهجرة من المسلمين. وتضمن المواد الثامنة إلى الحادية عشرة عدم إرغام المسلمين وأعقابهم على وضع شارات خاصة، وألا تؤخذ منهم أتاوات لمدة ثلاث سنوات، وألا يستخدموا دون رغبتهم أو دون أجر. وتضمن المواد الثانية عشرة إلى السابعة عشرة بعدم السماح للنصارى بدخول المساجد تحت طائلة العقاب، وألا يولى اليهود على المسلمين، وأن يعامل جميع المسلمين معاملة شريفة، وألا يجبر المسلمون على استضافة النصارى، وألا يدخل النصارى لبيوت المسلمين قسرًا وإذا دخلوا عوقبوا، وأن يقضي القضاة المسلمون في القضايا التي تجري بين المسلمين حسب الشريعة الإسلامية. وحددت المواد الثامنة عشر إلى الحادية والعشرين للنظر في تركات المسلمين حسب الشرع الإسلامي، وضمان أوقاف المساجد بأن تظل بيد الفقهاء وألا تصادر قط، وأن تشمل هذه المعاهدة مدينة غرناطة وكل المدن والقرى التابعة لها، وألا يعاقب أحد بذنب غيره. وتضمن المواد ٢٢ إلى ٢٤ عدم متابعة من حارب النصارى قبل الاستسلام، بما في ذلك من قتل في الاشتباكات، وألا ترجع الغنائم التي بيد المسلمين، ويحرر جميع الأسرى المسلمين الغرناطيين الذين بيد النصارى. وتضمن المادة ٢٥ بألا يدفع المسلمون أتاوات أكثر مما كانوا يدفعونها لسلاطينهم. وتحدد المواد ٢٦ إلى ٢٩ تسهيلات الهجرة إلى المغرب أو العودة في ظرف ثلاث سنوات لمن يود ذلك، وتسهيل تصرف المهاجرين في أموالهم وتجارتهم. وتؤكد المواد ٣٠ إلى ٣٣ بألا يرغم أي مسلم على اعتناق النصرانية حتى لو كان من أصل نصراني، وألا يستجاب لمن يريد اعتناق النصرانية من المسلمين إلا بعد وعظه من طرف الفقهاء حسب الشريعة الإسلامية. وتؤكد المادة ٣٤ على عدم إرغام أحد على إرجاع الغنائم السابقة، والمادة ٣٥ ألا يساءل أحد عن إهانات للنصارى سابقة. وتحدد المادتان ٣٦ و ٣٧ دفع ضرائب الأملاك بعد ثلاث سنوات حسب المعاهدة، بما في ذلك أملاك الفرسان والقادة المسلمين. وتؤكد المادة ٣٨ شمول المعاهدة اليهود كذلك، وأن يطبق عليهم

стр. 54

ما يطبق على المسلمين. وتؤكد المادة ٣٩ على الحفاظ على امتيازات القواد والقضاة والحكام المسلمين. وتضمن المادة ٤٠ ألا يطالب أحد من ذرية الملكين الكاثوليكيين أبا عبد الله بأي شيء مضى. وتضمن المادة ٤١ ألا يولى على أبي عبد الله وأتباعه أحد من أتباع الزغل. وتنظم المادة ٤٢ مجلسًا قضائيًّا مكونًا من مسلم ونصراني في النظر في الخصومات التي تقع بين نصراني ومسلم. وتحدد المواد ٤٣ إلى ٤٦ ضمان حقوق أبي عبد الله وتسريح أسرى المسلمين وتسهيل فتح الموانىء لبواخر المسلمين. وقد ذيلت المعاهدة بتأكيد ملكي قشتالة وأراغون ضامنين بدينهما وشرفهما القيام بكل ما يحتويه هذا العقد. ثم ذيلت بتاريخ ٣٠/ ١٢ / ١٤٩٢ م (أي بعد تسليم غرناطة) بتأكيد جديد موقع من ولي العهد وسائر عظماء المملكة الإسبانية باحترام المعاهدة من الآن وإلى الأبد. وفي نفس اليوم ٢٥/ ١١ / ١٤٩١ م الذي وقعت فيه معاهدة تسليم غرناطة أبرمت معاهدة أخرى سرية يضمن فيها الملكان الكاثوليكيان حقوق وامتيازات ومنح السلطان أبي عبد الله وأفراد أسرته وحاشيته من حق ملكية أبدية لمنطقة البشرات حول أندرش وعذرة، ومنحة قدرها ٣٠ ألف جنيه قشتالي، وأن يحتفظ بأملاك أبيه أبي الحسن، الخ ... وقرر أبو عبد الله ورجاله تسليم غرناطة قبل التاريخ المتفق عليه (٢٥/ ١ / ١٤٩٢ م) بعد أن خاف من غضب شعب غرناطة، فاتفق أن يكون التسليم بتاريخ ٢/ ١ / ١٤٩٢ م. وهكذا سلمت الحاضرة الإسلامية التاريخية بقصورها وأرباضها ومساجدها وأسواقها ومدارسها للعدو الحاقد في يوم مشؤوم وصفه القشتاليون في كتبهم وصفًا دقيقًا من فرح شديد في المعسكر النصراني بشنتافي وألم أشد منه في المدينة المنكوبة. واستلم الكاردينال مندوسة مفاتيح الحمراء من يد الوزير ابن كماشة. كان أول عمل قام به الكاردينال عند دخول الحمراء هو نصب الصليب فوق أعلى أبراجها وترتيل صلاة "الحمد" الكاثوليكية. وقدم أبو عبد الله خاتمه الملكي للكونت دي تندليا، وسار في صحبه وأهله إلى معسكر شانتافي مسلمًا على الملكين الكاثوليكيين ومؤكدًا ولاءه لهما، ثم ذهب إلى أندرش حيث كان مقامه إلى حين. وهكذا انقرضت دولة الإسلام بالأندلس وابتدأت محنة الأندلسيين العظمى.

стр. 55

مراجع الفصل الأول ١/ ١ - . Thompson "Los Godos en Espana" Alianza Editorial, Madrid, Espana, ١٩٦٩ ١ / ٢ - A. Ziegler "Church and State in Wisigotic Spain" The Catholic Uni- versity of America. Washington, D.C., ١٩٣٠ ١ / ٣ - G. Villada"Historia Eclesiatica de Espana". ١ / ٤ - أبو بكر محمد ابن القوطية "تاريخ افتتاح الأندلس" تحقيق الدكتور عبد الله أنيس الطباع. بيروت ١٩٥٧. ١/ ٥ - I. Olague "La Revoluction Islamica en Occidente". Espana. ١ / ٦ - ف. كورينطى "ديوان ابن قزمان، نصًّا ولغة وعروضًا" المعهد الإسباني العربي للثقافة، مدريد، عام ١٩٨٠. ١/ ٧ - عبد الرحمن علي الحجي"التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة" دار الإصلاح، القاهرة (مصر) ١٩٨٣. ١/ ٨ - محمد عبد الله عنان "دول الطوائف" القاهرة (مصر) ١٩٦٩. ١/ ٩ - محمد عبد الله عنان "دولة الإسلام في الأندلس" القاهرة (مصر) ١٩٦٩. ١/ ١٠ - لسان الدين ابن الخطيب "الإحاطة في أخبار غرناطة" القاهرة (مصر) ١٣١٩ هـ. ١/ ١١ - محمد عبد الله عنان"نهاية الأندلس" القاهرة (مصر) ١٩٦٦. ١/ ١٢ - المقري "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" القاهرة (مصر)، مجلد ٤، ص ٥٧٨.

стр. 56

١/ ١٣ - لسان الدين ابن الخطيب"اللمحة البدرية في الدولة النصرية" القاهرة (مصر) ١٣٤٧ هـ. ١/ ١٤ - مؤلف مجهول "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" الجزائر ١٩٢٠. ١/ ١٥ - M. Lafuente "Historia General de Espana", Madrid, ١٨٨٢. ١ / ١٦ - w. Irving "A Chronicle of the Conquest of Granada", Everyman's. ١ / ١٧ - M. Gaspar y Remiro"Documentos Arabes de la Corte Nazari de Granada". ١ / ١٨ - مؤلف مجهول"أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر" نشر بعناية المستشرق ميلر، غوتنغن، ١٨٦٣. ١/ ١٩ - . Archivo General de Simancas, P.R. ١١-١٢ ١ / ٢٠ - M.G. Atienza,"Las Capitulaciones para la Entrega de Granada", Granada ' (Espana) , ١٩١٠. ١ / ٢١ - Archivo General de Simancas, P.R. ١١-٢٠٧. ١ / ٢٢ - Archivo General de Simancas, P.R. Leg. II, Fol. ٢٠٦. ١ / ٢٣ - محمد عبده حتاملة "التنصير القسري لمسلمي الأندلس في عهد الملكين الكاثوليكيين" شركة المطابع النموذجية، عمان (الأردن) ١٩٨٠.

стр. 57

الفصل الثاني الاضطهاد والتنصير ١٤٩٢ - ١٥٦٨ م ٢/ ١ - بداية الغدر وتنصير مسلمي غرناطة (١٤٩٢ - ١٥٠٢ م): بعد استيلائه على غرناطة وقضائه على آخر دولة إسلامية بالأندلس عين فراندو وزوجه إيسابيلا الكونت دي تانديا حاكمًا على غرناطة، وعينا إيرناندو دي طلبيرة مطرانًا لها وكان قبل ذلك مطرانًا لآبلة. وأوصاهما بالرفق بأهل غرناطة والتقريب بين العناصر واحترام بنود معاهدة الاستسلام، وبدأ الأمر وكأن الملكين الكاثوليكيين على نية احترام تعهدهما. أما أهل غرناطة فقد اختلف مصيرهم حسب ثباتهم على الإسلام وإمكانياتهم. وأما السلطان أبو عبد الله فقد استقر في أندرش مع أتباعه وأهله بعد تسليمه غرناطة، وكأنه في مملكة صغيرة. غير أن الملكين الكاثوليكيين لم يكونا مرتاحين لبقائه بالأندلس ويفضلان خروجه منها. ففي مارس سنة ١٤٩٣ م وقعت مفاوضات جديدة بين الوزيرين السابقين أبي القاسم المليخ ويوسف ابن كماشة وبين فراندو دي صفراء أمين الملكين الكاثوليكيين على الشروط التي يغادر بها السلطان أبو عبد الله وحاشيته الأندلس إلى المغرب. وتوصل الاتفاق بتعهد السلطان أبي عبد الله بالعبور إلى المغرب في موعد أقصاه أكتوبر سنة ١٤٩٣ م، وتنازله عن جميع ضياعه في أندرش وباقي مناطق البشرات وجميع أملاكه في غرناطة وغيرها مقابل ثمن إجمالي قدره واحد وعشرون ألف دوقة قشتالية من الذهب الخالص، كما قبل التنازل عن جميع اختصاصاته، على أن يحمل إليه المال قبل رحيله بثمانية أيام، ويقدم إليه الملكان الكاثوليكيان عربيتين لحمل متاعه وسفنًا ينتقل فيها مع أهله وحاشيته إلى المغرب. ووقع هذا الاتفاق بتاريخ ١٥/ ٤ /

стр. 58

١٤٩٢ م. كتب الاتفاق بالقشتالية وذيله بالموافقة السلطان أبو عبد الله بالعربية بخط يده بعبارات ذليلة مؤلمة. وكانت زوجة أبي عبد الله قد توفيت في أندرش، فغادر في أوائل أكتوبر سنة ١٤٩٣ م بأهله وأتباعه من ثغر عذرة، كما غادر في الوقت نفسه عدد كبير من وزرائه وقواده ميناء المنكب إلى ميناء مليلة بالمغرب، ومنه إلى حاضرة فاس. كان عدد من هاجر مع السلطان أبي عبد الله إلى فاس ١١٣٢ شخص. وكان سلطان المغرب آنذاك أبو عبد الله الوطاسي. وهاجر في السنين الأولى من احتلال القشتاليين لغرناطة عدد جم من كبار أهلها وقوادها وفقهائها وعلمائها وساداتها وأعيانها، وباعوا أملاكهم لكبار القشتاليين المحتلين. فعبر بنو سراج إلى فارس، وعبر أشراف المرية إلى وهران ومنها إلى تلمسان، وأشراف الجزيرة الخضراء إلى طنجة، وأعيان رندة وبسطة إلى أحواز تطوان، كما هاجر أعيان لوشة وبعض أهل غرناطة ومرشانة وجبال البشرات إلى قبيلة غمارة بالمغرب، وجاز أعيان بيرة وبرجة وأندرش إلى منطقة طنجة، وأعيان بليش إلى سلا، وأعيان طريف إلى آسفى وآزمور، كما هاجرت أعداد كبيرة إلى بجاية وتونس وقابس وصفاقص وسوسة والمشرق. وهاجر أحد قواد الجيش الأندلسي الغرناطي أبو الحسن علي المنظري إلى جنوب سبتة واستأذن من سلطان المغرب إعادة تأسيس تطوان التي كانت خربة. فأذن له سنة ٨٩٨ هـ (أواخر ١٤٩٢ م). فأعاد تعميرها بعدد كبير من المهاجرين الغرناطيين الذين حصنوها حتى أصبحت ملاذًا للمهاجرين الأندلسيين ما يقرب من قرن ونصف وحصنًا ضد الغزو النصراني من حصون المغرب الثابتة. واعتنق النصرانية طواعية بعد الاحتلال جماعة من الأمراء والأعيان. فقد تنصر الأميران سعد ونصر ابنا السلطان أبي الحسن كما رجعت أمهما ثريا إلى دينها النصراني فأصبحت تعرف باليزابيث دي سوليس، وغير اسم الأمير سعد إلى"دوق فراندو دي غرناطة" وعمل قائدًا في الجيش القشتالي، وأصبح الأمير نصر"دون خوان دي غرناطة". وتنصر الأمير يحيى النيار ابن عم أبي عبد الله الزغل وقائد المرية عقب تسليمه المرية وتسمى بـ"دون بدرو دي غرناطة"، وتنصرت زوجته وتنصر ابنه علي تحت اسم "دون ألونسو دي غرناطة بنيغش" وتزوج وصيفة الملكة الكاثوليكية. وتنصر معظم آل بنيغش بما فيهم الوزير أبو القاسم بن رضوان بنيغش. وتنصر الوزير يوسف بن كماشة وأصبح راهبًا، وغيرهم كثير.

стр. 59

لكن الكنيسة الكاثوليكية حاربت بقوة سياسة الاعتدال الأولى. وكان لها في إسبانيا آنذاك نفوذ عظيم على الدولة، كما كانت توجه من طرف البابا إسكندر السادس. وكان الرهبان يتأججون حقدًا على الإسلام والمسلمين، وأكبر آمالهم هو سحق دين الإسلام. فعملوا على إقناع الدولة بأن لا خلاص لها إلا بتنصير المسلمين عن رضى أو قهر. وكان الملكان الكاثوليكيان يشاركان الكنيسة هذا الرأي، وما كانت العهود التي قطعاها لتعوقهما عن الغدر. وهكذا لم تمر على احتلال غرناطة أكثر من بضع سنين حتى بدت أهداف الدولة الإسبانية والكنيسة الكاثوليكية واضحة جلية. كان أول الغدر تحويل مسجد الطيبين إلى كنيسة وكذلك مسجد الحمراء، ثم تحويل مسجد غرناطة الأكبر إلى كتدرائية. ثم نظمت الكنيسة في السنين الأولى فرقًا تبشيرية من رهبان وراهبات للقيام بنشر النصرانية. وكان ظنهم أول الأمر أن المسلمين سيعتنقون النصرانية بسهولة، خاصة عندما هاجر زعماؤهم وارتد الكثير من كبارهم. ولما مرت السنون ولم تأت هذه الفرق بنتيجة تذكر أخذت الكنيسة والدولة تفكر في تغيير سياستها من اللين إلى العنف، ملغية كل بنود معاهدة التسليم الواحدة تلو الأخرى. وهكذا تغيرت سياسة الدولة فجأة، إذ استدعى الملك فراندو الكاردينال فرانسيسكو خيمنس دي سيسنيروس سنة ١٤٩٩ م، مطران طليطلة، ليعمل على تنصير المسلمين بصرامة أكبر. فوفد على غرناطة في شهر يوليوز من السنة نفسها، ودعا مطرانها الدون إيرناندو دي طلبيرة إلى اتخاذ وسائل فعالة لتنصير المسلمين. فأمر بجمع فقهاء مدينة غرناطة والمدن الأخرى ودعاهم إلى ترك الإسلام واعتناق النصرانية ليكونوا أسوة لغيرهم، وأغدق المنح على من قبل ذلك وهدد بالوعيد والعقوبة لمن رفض. فضعف بعضهم وقبل التنصير وتبعهم بعض العامة. وتمركز التنصير في حي البيازين من أحياء غرناطة الشعبية، وحول جامعها الأكبر إلى كنيسة "سان سلباطور". ثم ركّز سيسنيروس على المسلمين من أصول نصرانية (ويسميهم البعض العلوج) وقرر أن كل من ارتد عن النصرانية يعامل هو وأبناؤه وأحفاده وسلالته معاملة المرتدين، فاحتج المسلمون من أصل نصراني بأن معاهدة غرناطة صريحة نحوهم وأنهم مسلمون لا فرق بينهم وبين غيرهم من المسلمين. فبدأ أعوان سيسنيروس بملاحقة العائلات المسلمة من أصل نصراني والزج بها في السجون

стр. 60

رجالاً ونساء وأطفالاً إن رفضوا التنصير. وكان الفتيل الذي أشعل الثورة في حي البيازين في ١٨/ ١٢ / ١٤٩٩ م انتهاك شرطة سيسنيروس لحرمة إحدى المسلمات من حي البيازين التي اعتنق والدها الإسلام، فسيقت للسجن هي وأولادها. فتجمع المسلمون لحمايتها وقتلوا الشرطي وحرروا المرأة وهرب القسس. ثم انطلق المسلمون ينادون بالثورة للحفاظ على عقيدتهم، فاحتلوا أبراج البيازين وأقاموا المتاريس. وفي الليل هاجم الثوار قصر سيسنيروس قرب الحمراء فلم يكن فيه إذ فر قبل ذلك إلى الحمراء. ثم نظم الثوار أنفسهم وانتخبوا حكومة من أربعين ممثلاً. فأرسلت الحكومة جيشًا لإخماد الثورة، ففضل رئيسه المفاوضة مع الثوار ووعدهم بالوعود المعسولة. وعنف الملكان الكاثوليكيان سيسنيروس على عدم لباقته، وتركا المفاوضة في يد دي طلبيرة، كاردينال غرناطة. فتعامل مع الثوار باللين، وقدم لهم زوجته وعائلته رهائن ضمانًا على حسن نيته، ووعدهم بقبول كل مطالبهم وعدم متابعتهم. فهدأ الثوار واستسلموا، وذلك عشرة أيام بعد بداية الثورة. وقد نقضت تلك الاتفاقات كلها بعد هدوء الثورة. ورفض الاستسلام عدد من قواد الثورة، فهرب منهم قرابة ١٥٠٠ رجل، وتحصنوا بقلعة قولجر بجبال البشرات حيث أعلنوا من جديد الثورة في شهر يناير عام ١٥٠٠ م، وانتخبوا إبراهيم بن أمية رئيسًا لهم. وبدؤوا يقومون بحملات ضد الحاميات الإسبانية في مرج غرناطة. فانضم إليهم كثير من المجاهدين. فأرسل لهم الملكان الكاثوليكيان جيشًا تحت رئاسة القائد تانديلا بعد أن استولى الثوار على عدة حصون جبلية وأخرى شاطئية. فحاصر الجيش بلدة قولجر وقتل جميع من وجد بها من نساء وأطفال وشيوخ. ودافع الثوار قدر جهدهم، ولما استسلموا استرقوا جميعًا. ثم تحركت قوة إسبانية من ٥٠٠٠ رجل نحو عذرة وكاستل فيرو وبنيول التي بقيت تحت يد الثوار على شاطىء البحر. فلم يفلح الجيش في إزاحتهم. ثم استولى الثوار على معظم قرى ومدن البشرات، من أندرش شرقًا إلى لانجرون غربًا. فتوجه الملك بجيش ضخم مكون من ٨٠.٠٠٠ راجل و ١٥.٠٠٠ فارس، فمر من وادي الإقليم وحاصر مدينة لانجرون، ثم احتل قرى البشرات الأخرى إلى أن وصل إلى مدينة أندرش التي استبسلت استبسالاً منقطع النظير قبل أن تستسلم. وأخيرًا خمدت ثورة البشرات في أواخر فبراير عام ١٥٠٠ م، بعد أن تعهد الملكان الكاثوليكيان باحترام بعض شروط معاهدة تسليم غرناطة.

стр. 61

وعندما استعمل القسس مع أهل منطقة المرية لتنصيرهم نفس العنف الذي عاملوا به أهل غرناطة، قامت الثورة في جبال فلابرش شمال المرية. وبلغت الثورة أشدها في شهر نوفنبر عام ١٥٠٠ م، فطرد الثوار القسس واحتلوا الحصون الجبلية وتمركزوا في مدينة بلفيق. فأرسل الملك جيشًا لقمع الثورة، قاتله الثوار المسلمون قتالاً شديدًا حتى اضطروا إلى الاستسلام. فقضى الملك الكاثوليكي بقتل جميع رجال بلفيق وسبي النساء والأطفال ومصادرة جميع الأموال. وهكذا عمد قهرًا ما تبقى من أهالي جبال فلابرش ونهر المنصورة المجاور. ثم ثار بعد ذلك سكان ثلاثة من قرى وادي المنصورة، فأُخضعوا بالقوة. ثم ثارت مدينة عذرة مرة أخرى، فهاجمها الجيش وحاصرها حصارًا طويلاً حتى دخلها، فاسترق جميع أهلها. ثم توبعت سياسة التنصير القسري في منطقة رندة، فقامت الثورة في جبالها من يناير إلى أبريل عام ١٥٠١ م، وانتخب المجاهدون سليم الأزرق رئيسًا لهم. فأرسل الملكان جيشًا لإخماد الثورة، فهزم الثوار الجيش في بللونقا وقتلوا رئيس الحملة الدون الفونسو دي أغيلار، قتله مجاهد اسمه الفهري. فأرسل الملكان جيشًا أكبر لمفاوضة الثوار، فوقع الاتفاق في ١٤/ ٤ / ١٥٠١ م بإنهاء الثورة على أن يهاجر القواد إلى المغرب ويعمد الباقون بالقوة. وفي هذه الأثناء تابعت الكنيسة والدولة سياستهما في التنصير القسري. وفي أواخر يوليوز ذهبت الملكة إيزابيلا إلى غرناطة لمتابعة عمليات التنصير والإشراف عليها. ووقعت الدولة مع جميع قرى ومدن مملكة غرناطة مراسيم تجبر الأهالي فيها على التنصير مقابل معاملتهم ماليَّا مثل معاملة النصارى القدامى. وهكذا تم تعميد أهالي طبرنش في ١٨/ ٩ / ١٥٠٠ م وبسطة في ٣٠/ ٩ / ١٥٠٠ م وأشقر في ٢٦/ ١ / ١٥٠١ م الخ ... وفي نفس هذه المواثيق يمنع النصارى الجدد من ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية ومن أن يلبس رجالهم أو نساؤهم اللباس الإسلامي، وأجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية وحتى تقاليدهم وعاداتهم بعادات وتقاليد نصرانية، وسمح لهم مؤقتًا باستعمال الحمام والاغتسال (ولم يكن النصارى يغتسلون). ولم تنته سنة ١٥٠٠ م حتى عم التنصير جميع أنحاء مملكة غرناطة القديمة من رندة إلى المرية مرورًا بوادي آش وبسطة والبشرات. ثم صدر قرار بتحويل جميع المساجد إلى كنائس ومصادرة جميع الأوقاف الإسلامية، وفي ١٢/ ١٠ / ١٥٠١ م صدر مرسوم بحرق جميع الكتب الإسلامية والعربية، فحرقت آلاف الكتب في ساحة الرملة، أكبر ساحات

стр. 62

غرناطة، ثم تتابع حرق الكتب إلى أن وصل عدد ما حرق منها حوالي مليون كتاب. فكانت هذه الجريمة من أكبر جرائم الكنيسة والدولة الإسبانية في الأندلس وفي حق الحضارة الإنسانية. وتتابعت في نفس السنة المراسيم التعسفية بمنع استعمال اللغة العربية. وصدر قرار في سبتمبر يمنع"المتنصرين الجدد" من حمل السلاح وامتلاكه، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ولثاني مرة بالإعدام. ثم استغاث الأندلسيون مرة أخرى بالعالم الإسلامي، فلا من يجيب! استغاثوا أولاً بسلطان المغرب أبي عبد الله محمد بن يحيى الوطاسي، ثم بسلطان مصر، الأشرف قانصو الغوري (المماليك البرجيون). فأرسل الأشرف رسولاً إلى الملكين الكاثوليكيين يهددهم بإجبار النصارى الذين تحت حكمه على الإسلام إذا لم يعطوا الأندلسيين حرية بقائهم على دين الإسلام. فأرسل الملكان الكاثوليكيان سفيرهما له أقنعه بسهولة أن المسلمين بالأندلس بخير وأن حقوقهم مضمونة. ففضل الأشرف تصديق ادعاءات الملكين الكاثوليكيين عوضًا عن نصرة إخوانه المستضعفين، والاستيقاظ على الواقع الأليم الذي وضحه له المبعوثون الأندلسيون. ثم استغاث الأندلسيون بالسلطان بايزيد العثماني في المرة الأولى سنة ١٤٩٩ م. لكن بايزيد كان مشغولاً بخلافات أسرته، فاكتفى بإرسال كتاب إلى الملكين الكاثوليكيين، لم يعملا به، واستغاث الأندلسيون بالسلطان بايزيد مرة ثانية سنة ١٥٠٢ م، فلم تأت هذه الاستغاثة بنتيجة. وهذه الاستغاثة هي عبارة عن وثيقة شعرية من ١٠٣ بيت يصف فيها كاتبها المجهول وضع الأندلسيين وصفًا مؤثرًا، إذ يقول مستهلاًّ بعد بضعة أبيات: سلام عليكم من عبيد تخلّفوا ... بأندلس بالغرب في أرض غربة أحاط بهم بحر من الروم زاخر ... وبحر عميق ذو ظلام ولجة سلام عليكم من عبيد أصابهم ... مصاب عظيم يالها من مصيبة ثم يقول: غُدرنا ونصّرنا وبدّل ديننا ... ظُلمنا وعوملنا بكل قبيحة وكنّا على دين النبي محمد ... نقاتل عمال الصليب بنيّة ثم يقول: فلما دخلنا تحت عقد ذِمامهم ... بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة

стр. 63

وخان عهودًا كان قد غرّنا بها ... ونصّرنا كرهًا بعنف وسطوة وأحرق ما كانت لنا من مصاحف ... وخلطها بالزبل أو بالنجاسة وكل كتاب كان في أمر ديننا ... ففي النار ألقوه بهزء وحقرة ثم يقول بعد وصفه لمنعهم كل شعائر الإسلام: وقد أمرونا أن نسبّ نبينا ... ولا نذكره في رخاء وشدة وقد سمعوا قومًا يغنّون باسمه ... فأدركتهم منهم أليم المضرة ثم يقول: وقد بدّلت أسماؤنا وتحوّلت ... بغير رضًا منّا وغير إرادة فآهًا على تبديل دين محمد ... بدين كلاب الروم شرّ البرية ثم يختتم: وصرنا عبيدًا لا أسارى نُفتدى ... ولا مسلمين نطقهم بالشهادة فلو أبصرتْ عيناك ما صار حالنا ... إليه لجادت بالدموع الغزيرة فيا ويلنا يا بؤس ما أصابنا ... من الضّرّ والبلوى وثوب المذلّة وهكذا أعلن الإسبان رسميًّا انقراض الإسلام في الأندلس، ولم يعودوا يذكرون اسم المسلمين بها إلا بـ"النصارى الجدد" أو المورسكيين، وهي كلمة تصغير"مورو" للتحقير، و"مورو" عندهم المسلم. ويسمي الأندلسيون أنفسهم في هذه الحقبة بالغرباء إشارة إلى قول الرسول ﷺ :"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء"، رواه مسلم. ولكن مصائب هؤلاء الغرباء لم تكن إلا في بدايتها، إذ بقي الإسلام في قلوبهم وهم صامدون عليه. فنظمت الدولة والكنيسة جهازًا جهنميًّا للقضاء على الإسلام حتى في قلوبهم، يسمى ب"محاكم التفتيش". ٢/ ٢ - محاكم التفتيش الكاثوليكية في إسبانيا: ظهرت فكرة محاكم التفتيش في القرن الثالث عشر الميلادي مع تزايد غطرسة الكنيسة الكاثوليكية واجتهادها في مراقبة ضمائر الناس في الدول التي كانت تحت سيطرتها. فكان بابا روما يكلف بعض الأساقفة بتعقب من كانت أفكاره مخالفة لتعاليم الكنيسة وطبق هذا النظام في البداية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا حيث كان يتجول مندوبو البابا في أنحاء البلاد لتقصي أخبار الناس واتهام كل مخالف بالكفر ثم القبض

стр. 64

عليه ومعاقبته. وكانت تعقد لذلك مجالس كنسية مؤقتة كانت بمثابة محاكم التفتيش المبدئية. ثم تحل المحكمة بعد مطاردة المتهمين والقضاء عليهم. وهكذا عذبت الكنيسة الكاثوليكية أجيالاً كاملة من المفكرين والعلماء في أنحاء أوروبا بكل قساوة وبطرق إجرامية لا تمت للإنسانية بصلة. ثم أنشئت في أديرة الفرانسسكان والدومنيكان محاكم ثابتة حيث كان يتولى الأساقفة رئاستها بسلطة مطلقة. أما التحقيقات والمرافعات فكانت تجري بطريقة سرية، ولم يكن الحكم قابلاً للنقض بعد إصداره. وكان يسمح للأطفال والعبيد والنساء بالشهادة ضد المتهم في الوقت الذي لم يكن يسمح لهم بالشهادة له. وكثيرًا ما كانت الأحكام ترتكز على اعترافات المتهم التي كانت تؤخذ منه بالتعذيب والمكر. وتفننت تلك المحاكم في طرق التعذيب التي كثيرًا ما كانت تؤدي بحياة المتهم أو تعوقه فيما تبقى من حياته. ولم تكن لتلك المحاكم سجون ثابتة، بل كان يرمى المتهمون في سجون مؤقتة مظلمة قليلة الهواء مصفدين في الأغلال، يذوقون الأمرين من العطش والحر أو البرد والجوع والآلام النفسية. وكانت أكثر العقوبات ترتكز على المصادرة لإغناء خزائن محاكم التفتيش والقائمين عليها أو السجن المؤبد أو الجدف على السفن أو الخدمة في المناجم أو الإعدام حرقًا، والسعيد منهم من يفلت بغرامة ضخمة. وكانت محاكم التفتيش تصدر أوامرها الإجرامية بإحراق الكتب المحرمة، وكم أحرقت من كتب العلماء والفلاسفة. وهكذا تابعت محاكم التفتيش الكاثوليكية في كل أنحاء أوروبا المذاهب غير الكاثوليكية مثل الألبيين واليهود. ثم أخذت تطارد كل من ظهرت عليه بوادر الشك في العقيدة الكاثوليكية حسب قرارات الكنيسة المتغيرة. فطورد العلماء والمفكرون وشرد وأحرق جم غفير ممن اتهموا بالسحر والعرافة. وأنشئت أول محكمة للتفتيش في شبه الجزيرة الإيبرية في مملكة أراغون في القرن الثالث عشر الميلادي وحدد نظامها سنة ١٢٤٢ م، عرفت بالديوان القديم. واستعمل هذا الديوان بكل قساوة ضد الألبيين حتى أصبح اسمه مدعاة للإرهاب والفزع. ثم فكرت مملكة قشتالة في تأسيس محاكم التفتيش لملاحقة النصارى من أصل يهودي الذين سما شأنهم في الدولة والكنيسة، وأصبحوا محط أنظار الحساد والمبغضين، وأصبح لهم نفوذ مالي كبير ومكانة مرموقة في المجتمع القشتالي. فأخذت الكنيسة الكاثوليكية تنظر إليهم بريب وتتهمهم بمزاولة الشعائر اليهودية سرًّا

стр. 65

وبالدس ضد النصرانية. فأصدر الملك أنريكي الرابع، ملك قشتالة، سنة ١٤٥٩ م، أمرًا ملكيًّا للأساقفة بالبحث والاستقصاء في دوائرهم عن المارقين المضمرين لأفكار مخالفة للكثلكة. وهكذا ابتدأ الاضطهاد الكنسي ضد اليهود المتنصرين فأحرق منهم الجم الغفير قبل سقوط غرناطة. ولم تشمل هذه المحاكم آنذاك المسلمين أو المدجنين بعد، بل أرسل سكتوس الرابع، بابا روما، مرسولاً كلفه بالتحقيق والقبض على الخارجين على الكنيسة ومعاقبتهم. فخاف الملكان فراندو وايسابيلا أول الأمر على سلطتهما ووقفا ضد هذه المحاولة البابوية، فأوقفا القساوسة من متابعة النصارى من أصل يهودي. لكن مقاومة الملكين الكاثوليكيين لم تدم طويلاً إذ أرسلا سفيرهما إلى البابا سنة ١٤٧٨ م في هذا الأمر. فأصدر البابا مرسومًا في شهر نوفمبر من سنة ١٤٧٨ م بإنشاء"محكمة التفتيش"في قشتالة وتعيين المفتشين "لمطاردة الكفر ومحاكمة المارقين". وندب المفتشون الثلاثة الأولون في شهر سبتمبر عام ١٤٨٠ م إلى إشبيلية، عاصمة قشتالة آنذاك. وهكذا ابتدأت محاكم التفتيش عملها الجهنمي ضد المسلمين في إسبانيا. وطالبت المحكمة في أول عملها الجميع بالتحول إلى جواسيس للكنيسة وذلك بالبحث عن "الملحدين" و"الكفرة" والمساعدة على جمع الأدلة ضدهم. وكان أول ضحايا هذه المحاكم النصارى من أصل يهودي، فحوكم اللآلاف منهم وصودرت أموالهم وأحرق بالنار مئات من الأبرياء بينما جرد الباقون من حقوقهم وحتى إنسانيتهم. وتوسع "ديوان التفتيش" في فبراير عام ١٤٨٢ م بتعيين سبعة مفتشين جدد بمرسوم بابوي استصدره الملكان الكاثوليكيان. كما أنشئت بعد ذلك محاكم للتفتيش في بلد الوليد وشقوبية وطليطلة وقرطبة وجيان، ثم عمت المحاكم مملكتي قشتالة وأراغون. ثم صدر مرسوم بابوي سنة ١٤٨٣ م بإنشاء مجلس أعلى لديوان التفتيش يتكون من أربعة أعضاء أحدهم المفتش العام رئيس المجلس، لهم تفويض كامل في كل الشؤون الدينية. وصدر مرسوم بابوي في أكتوبر من نفس السنة بتعيين معترف (أي الراهب الذي يصرح له بالذنوب ليغفرها حسب معتقدات النصارى) الملكين، القس توماس دي توريكمادا (أي البرج المحروق)، مفتشًا عامًّا، كلف بوضع نظام جديد للديوان المذكور.

стр. 66

فعيّن توريكمادا في إشبيلية لجنة من المفتشين العامين وضعت سنة ١٤٨٥ نظام الديوان الجديد مع مجموعة من القرارات واللوائح. ثم اجتمعت لجنة ثانية سنة ١٤٨٨ م في بلد الوليد، وثالثة سنة ١٤٩٨ م في آبلة. ثم تولى بعد ذلك المجلس الأعلى صياغة اللوائح وتنظيمها. وهكذا تكونت محاكم التفتيش الكاثوليكية الإسبانية التي تجمع بين الصفتين الدينية والقومية والتي ذاق منها المسلمون بعد ذلك صنوفًا لا توصف من العذاب والإذاية والظلم. وكان أول"مفتش عام"، توريكمادا، رجلاً ظالمًا متعصبًا، لا يعرف الرحمة ولا الشفقة، مع شغفه بالبذخ والأبهة والترف والسلطة. وقد ندب البابا له سنة ١٤٩٤ م أربعة من المفتشين العامين وخولهم نفس السلطة التي لديه. وعندما مات سنة ١٤٩٨ م خلفه في منصب"المفتش العام"القس "دييغو ديسا"، أسقف جيان. تبدأ محكمة التفتيش عملها بالتبليغ إما من طرف شخص بعينه أو بدونه. فحينما يكون المبلغ معروفًا يستدعى لتقديم شهادته التي تعتبر"تفتيشًا تمهيديًّا". ويمكن اتهام شخص عن طريق التهمة أو عن طريق الاعتراف لدى قس. إذ على كل كاثوليكي أن يعترف بكل ذنوبه لقس ليغفر له، ويمكن للقس أن يستعمل هذه الاعترافات ضد المعترف. ثم تعرض نتائج"التفتيش التمهيدي"على"الرهبان المقررين"الذين يقررون إذا كانت التهم الموجهة ضد المتهم تدخله في الكفر أم لا. وحيث كان معظم الرهبان من الجهلة المتعصبين، فقد كانت قراراتهم تتجه إلى الإدانة في غالب الأحيان. وفي حالة الإدانة، يقبض على المتهم ويرمى به في سجن الديوان السري، وتصادر أمواله وتصفى على الفور، وتقطع علاقاته مع العالم الخارجي إلى أن تنتهي المحاكمة التي كانت تستغرق السنوات الطوال. وتدفع نفقات سجن المتهم ومحاكمته من أملاكه المصفاة. وأحيانًا تصادر أموال المتهم حتى قبل الإدانة. ولا يعلم المتهم سبب سجنه عند القبض عليه، بل يمنح ثلاث "جلسات إنذار" في ثلاثة أيام متوالية يطلب منه فيها أن يقرر الحقيقة، ويوعد بالرأفة إذا قرر كل شيء وبالشدة والعذاب إذا أنكر. وكان هذا الوعد في الحقيقة غدرًا فاضحًا، فلو اعترف المتهم بذنب لم يقترفه عوقب به دون رحمة ولا شفقة، وإذا اعترف بالكفر فلا مناص له من الموت حرقًا. أما إذا رفض المتهم الاعتراف بأي ذنب بعد الجلسات الثلاثة فإنه يحال إلى التعذيب. وأحيانًا يحال إلى التعذيب حتى لو اعترف بذنوبه، إذًا يفترض أنه أخفى أشياء أخرى. وكانت ضروب التعذيب تصل إلى درجة من الوحشية

стр. 67

لا تخطر على بال، كثيرًا ما يعترف إبانها المتهم بكل ما يطلب منه مفضلاً الموت على ما هو فيه. وأحيانًا يموت المتهم في يد القساوسة المعذبين. ويتنوع العذاب من إغراق وجر وربط وإدخال أسياخ وسحق عظام وسلخ جلود وتمزيق أطراف وفسخ فك وغيرها من ضروب العذاب. ويحضر التعذيب الجلادون والرهبان المفتشون. ولا يعرف المتهم سبب تعذيبه وما يطلب منه بالضبط الاعتراف به. ويعد كل ما يعترف به المتهم إبان التعذيب اعترافًا كاملاً لا يمكن الرجوع عنه. ولا يكف القساوسة المفتشون عن تعذيب المتهم إلا إذا رضوا باعترافاته. وإذا تمادى المتهم في عدم الاعتراف ونجا من الموت إبان التعذيب فإن صبره لن يفيده شيئًا، إذ تطبق عليه التهم المنسوبة إليه على أي حال. وعندما ينتهي القساوسة المحققون من جلسة التعذيب يطلب من المتهم أن يتقدم في اليوم التالي بتصريحاته التي اعترف بها إبان التعذيب. فإذا ناقض نفسه أعيد إلى التعذيب. وبعد الانتهاء من الاعتراف يسأل المتهم عن دفاعه. فمان لم يكن له دفاع اختارت له المحكمة محاميًا من المسجلين في الديوان للدفاع عنه. ولم يكن الدفاع إلا مهزلة، إذ يتعهد المحامي بالتخلي عن موكله في أية مرحلة من مراحل المحاكمة إذا رأى أن الحق ليس معه، ولا يمكنه الاطلاع على ملف القضية أو الجلوس بانفراد مع المتهم. وإذا تعاطف المحامي مع المتهم فإنه يتعرض لنفس تهمة موكله. وبعد المرافعة والاستجواب يرفع الموضوع إلى القساوسة المفتشين ليعطوا رأيهم من جديد تمهيدًا للحكم النهائي. وفي غالب الأحيان لا يختلف الحكم الجديد عن سابقه. فإذا كانت الإدانة فإنه يسمح للمتهم طلب الاستئناف، وقليلاً ما كان الاستئناف يؤدي إلى نقض حكم سابق. ويمكن للمتهم أن يعلن التوبة ويطلب العفو من البابا مقابل أموال طائلة إن كانت له أموال. وإذا حُكم للمتهم بالبراءة، وقليلاً ما يحدث ذلك، فإنه يعطي شهادة بطهارته من الذنوب كتعويض على ذهاب ماله وشرفه وصحته ظلمًا وعدوانًا. أما إذا كانت التهمة كبيرة فيؤخذ المتهم من السجن دون أن يدري مصيره ويمر"بمرسوم الإيمان" (أيوتو دافي) فيلبس الثوب"المقدس"ويوضع في عنقه حبل وفي يده شمعة ويؤخذ إلى الكنيسة للتوبة ثم إلى ساحة التنفيذ، وهناك يتلى عليه لأول مرة الحكم: سجن مؤبد ومصادرة كاملة للأموال، أو حكم بالإعدام حرقًا بالنار في حال"الكفر

стр. 68

الصريح". أما إذا كانت التهمة صغيرة فيحكم عليه بالسجن لمدة محدودة أو بغرامة مالية ويسمون ذلك حكم"التوفيق". كانت أحكام الإعدام بالنار كثيرة، وتكون في مهرجانات عظيمة يتفرج فيها القساوسة ورجال الدولة والأهالي تمامًا كما كان يتفرج رعاع روما على النصارى الأوائل الذين كان يرمى بهم للأسود المفترسة في حفلات كبرى. وكثيرًا ما كان يشهد حفلات الحرق هذه الملك نفسه وكبار رجال دولته. وكان يحرق المتهمون جماعيًّا في مواكب الموت وأحيانًا أسر بأكملها من أب وأم وأطفال. وكان الملك فراندو من عثاق التفرج على المسلمين وهم يحرقون. كانت محاكم التفتيش تحاكم أحيانًا الموتى فتنبش قبورهم وتخرج جثثهم لتعاقب. وتتابع محاكم التفتيش الغائبين كذلك. وكان لأعضاء هذه المحاكم حصانة كاملة من أية متابعة. وكانوا في غالب الأحيان ذوي أخلاق سافلة لا يتورعون عن ارتكاب جميع الموبقات والجرائم أقلها الارتشاء واختلاس أموال الأبرياء وأكثرها اغتصاب النساء والرجال وقتلهم كما ذكرته الكتب التي تعرضت لهذا الموضوع في إسبانيا وخارجها. ولما أكره الأندلسيون على التنصير واستحالوا من أمة مسلمة إلى أمة المورسكيين، المسلمين سرًّا النصارى ظاهرًا، وعندما فشلت كل ثوراتهم بعد سنة ١٥٠٢ م أصبحوا لقمة سائغة في يد محاكم التفتيش هذه التي عدتهم نصارى وأصبحت تلاحقهم جماعات وفرادى لتنزع عنهم أي أثر للإسلام عقيدة أو ثقافة أو لغة. وقد أُخضع مسلمو غرناطة إلى محاكم التفتيش منذ إعلان تنصيرهم القسري سنة ١٤٩٩ م، وجعلت محكمة غرناطة من اختصاص محكمة التفتيش في قرطبة. ولنرَ الآن مأساة المورسكيين في يد محاكم التفتيش. ٢/ ٣ - ذروة اضطهاد المسلمين ١٥٠٢ - ١٥٦٧ م: لما أخمدت الثورات وألغي الإسلام رسميًّا في جميع أنحاء مملكة غرناطة دخل الأندلسيون مرحلة جديدة في تعاملهم مع مضطهديهم. فعاشت الدولة والكنيسة في بادىء الأمر تحت أمل خاطىء وهو أن الأندلسيين سيعترفون بالأمر الواقع بعد قتل أو هجرة أو استرقاق كثير من زعمائهم وبمجهود بسيط من التعليم الديني النصراني سيصبحون هم أو أبناؤهم نصارى كغيرهم. بينما عاش الأندلسيون كذلك في أمل

стр. 69

خاطىء آخر وهو أنه يمكنهم المحافظة على الإسلام في قلوبهم سرًّا متظاهرين بالنصرانية إلى أن يأتي فرج من الله. وكان فقهاؤهم ينشرون قصصًا مؤملة تعدهم برجوع سطوة الإسلام إلى الأندلس لإنقاذهم. وكان الأندلسيون على صلة وثيقة بإخوانهم في المغرب، وكان المتطوعة في غياب مساندة دول المغرب يقطعون البحر باستمرار لمساعدة إخوانهم أو تهريبهم وإيصال المراسلات إليهم من تشجيع وفتاوى. وهكذا أرسل مفتي وهران، أحمد بن بوجمعة المغراوي، وهو أندلسي من بلدة المغرو بمقاطعة قلعة رباح، فتوى بتاريخ غرة رجب سنة ٩١٠ هـ (١٨/ ١١ / ١٥٠٤ م) هذا نصها: " الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. إخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، من أجزل الله ثوابهم فيما لقوا في ذاته، وصبروا النفوس والأولاد في مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله، من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جناته، وارثو سبيل السلف الصالح في تحمل المشاق، وإن بلغت النفوس إلى التراق. نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على مراعاة حقه بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا. بعد السلام عليكم من كتابه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد بن بوجمعة المغراوي ثم الوهراني، كان الله للجميع بلطفه وستره، سائلاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم من الأبرار". " مؤكدًا عليكم في ملازمة دين الإسلام، آمرين به من بلغ من أولادكم إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم. فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى. فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود لا يضر ولا ينفع، وأن الملك الله ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله. فاعبدوه، واصطبروا لعبادته. فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء. لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم. والغسل من الجنابة ولو عومًا في البحور. وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء، وعليكم بالتيمم ولو مسحًا بالأيدي للحيطان، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء والصعيد، إلا أن يمكنكم الإشارة إليه

стр. 70

بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء، نقله ابن ناجي في شرح الرسالة لقوله ﵇:"فآتوا منه ما استطعتم"". " وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام، أو حضور صلاتهم، فأحرموا بالنية وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم ومقصودكم الله. وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام. وإن أجبروكم على شرب الخمر، فاشربوه لا بنية استعماله. وإن كلفوا عليكم خنزيرًا، فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه. وكذا إن أكرهوكم على محرّم. وإن زوجوكم بناتهم فجائز لكونهم أهل الكتاب. وإن أكرهوكم على إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيرتموه. وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام، فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلا رؤوس أموالكم، وتتصدقون بالباقي إن تبتم لله تعالى". " وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والألغاز فافعلوا. وإلا فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك. وإن قالوا اشتموا محمدًا، فإنهم يقولون له ممد، فاشتموا ممدًا، ناوين أنه الشيطان، أو ممد اليهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم، وانووا إسقاط مضاف أي عبد الله مريم معبود بحق. وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله فقولوها إكراهًا، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحل به. هان قالوا قولوا مريم زوجة له فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بني إسرائيل ثم فارقها قبل البناء، قاله السهيلي في تفسير المبهم من الرجال في القرآن، أو زوجها الله منه بقضائه وقدره. وإن قالوا عيسى توفي بالصلب، فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه، وأمانته وصلبه وإنشاء ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو". " وما يعسر عليكم فابعثوا فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به. وأنا أسأل الله أن يبدل الكره للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهرًا بحول الله من غير محنة ولا وجلة، بل بصدمة الترك الكرام. ونحن نشهد لكم بين يدي الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به. ولا بد من جوابكم. والسلام عليكم جميعًا. بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسعمائة، عرف الله خيره. يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى".

стр. 71

وهكذا تظاهر المسلمون مكرهين بقبول دين النصارى، يقومون بما يجبرون عليه من الترداد إلى الكنائس وتعميد الأطفال. لكنهم ظلوا مسلمين سرًّا يقومون بشعائر الإسلام من صلاة وصيام وتحاشي المنكرات. فكانوا يغسلون أبناءهم من التعميد، ويقومون بالزواج الإسلامي بعد الزواج في الكنيسة، ويربون أبناءهم سرًّا على الإسلام. وعملوا جهدهم للتكيف مع هذا الوضع الشاذ الحرج الخطر إلى أن يأتي الله بفرج من عنده. وتحولت الكنيسة والدولة من أمل تنصير المسلمين بالتبشير إلى أمل تنصيرهم بالإكراه والعنف والقوة. وتجددت القوانين الجائرة والإجراءات الصارمة لتطبيقها بعنف. ففي سنة ١٥٠٨ م جددت لائحة ملكية منع استعمال اللباس العربي بين المورسكيين. كما أصدر الملك فراندو خمس لوائح سنة ١٥١١ م أولها بتاريخ ٢٠/ ٥ / ١٥١١ م تحدد استعمال المورسكيين لبعض الأدوات التي يمكن أن تستعمل كأسلحة، كالسكاكين وغيرها، ولائحة بتاريخ ١٠/ ٦ / ١٥١١ م تحدد ضرورة إحراق ما تبقى من الكتب العربية، وثلاثة لوائح بتاريخ ٢٠/ ٦ / ١٥١١ م حول منع ذبح الحيوانات بالطريقة الإسلامية وحول"البادرينو" و" المادرينة"أي ولي الرجل أو ولية المرأة في الشعائر النصرانية عند التعميد والزواج إلى غير ذلك، وكانت هذه القوانين تهدف إلى تحطيم الخاصية الثقافية للمورسكيين بعد إلغاء عقيدتهم الإسلامية. وبما أن هذه الإجراءات لم تطبق بالصفة المرضية للكنيسة والطاغية جددت لوائح في فبراير سنة ١٥١٢ م تؤكد منع الذبح واللباس الإسلامي كما تمنع المورسكيين من مزاولة مهنة الصرافة لمنعهم من الاتصال بالمتطوعة المغاربة الذين هم على صلة بهم. وقد صدرت قوانين أخرى مكملة في ٢٩/ ٧ / ١٥١٣ م. وأخذ فراندو الكاثوليكي يتنكر للوعود التي قطعها على نفسه بمعاملة النصارى الجدد في موضوع الضرائب معاملته للنصارى القدامى حتى قبل سنة ١٥١٠ م حيث طبق على المورسكيين ضرائب خاصة بهم سميت ب"الفارضة" تنقسم إلى أربعة أجزاء، ثلاثة منها تسمى"بالفارضة العظمى" وتضم غرامة سنوية قدرها ٢١.٠٠٠ دوقة ذهبية، وأخرى فوق العادية قدرها ٥.٠٠٠ دوقة، وضريبة من ١٠.٠٠٠ دوقة لبناء قصر للملك في غرناطة. والفارضة الرابعة، وتسمى"الفارضة الصغرى" أو"فارضة البحر" لتمويل حراس البحر. ومات فراندو الكاثوليكي في ٢٣/ ١ / ١٥١٦ م وهو يوصي أولاده بالقضاء على الإسلام وتحطيم بقايا الديانة المحمدية في إسبانيا، بعد أن ذاقت الأمة الأندلسية من

стр. 72

ظلمه وغدره وتعسفه الأمرين. وكانت الملكة إيسابيلا قد سبقته إلى حتفها في ٢٦/ ١١ / ١٥٠٤ م ودفنت على هضبة الحمراء، ودفن فراندو بقربها حسب وصيته. ثم نقل حفيدهما كارلوس الخامس رفاتهما إلى كنيسة غرناطة الكاتدرائية القائمة فوق مسجد غرناطة الأعظم. لما هلك فراندو الكاثوليكي خلفه سبطه كارلوس الخامس، أولاً تحت وصاية الكاردينال سيسيزوس، ثم انفرد بالحكم بعد سنة ١٥١٩ م. وتنفس الأندلسيون الصعداء بعد موت فراندو، إذ واجههم ابنه في أول أمره بشيء من اللين وخفت حدة محاكم التفتيش بعض الشيء. لكن هذا الوضع لم يدم طويلاً، إذ تحولت أوضاع الأندلسيين من جديد إلى الأسوأ سنة ١٥٢٤ م، وظهر كارلوس الخامس كأكبر عدو للإسلام في أوروبا والبحر الأبيض المتوسط. وفي سنة ١٥١٨ م أصدر الملك أحكامًا قاسية بحق المسلمين فأوفد الأندلسيون للملك وفدًا للشكوى من تظلمهم. فلم يأت ذلك بطائل. وصدر مرسوم جديد في ١٢/ ٣ / ١٥٢٤ م يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه وإخراج كل من أبى التنصير من إسبانيا، وأن يعاقب كل من أبى التنصير أو الهجرة في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس. فأرسل المورسكيون وفدًا إلى الملك بمجريط (التي أصبحت عاصمة إسبانيا الجديدة) يلتمسون منه من جديد حمايته وعدله ويستغيثون به. فانتقل كارلوس الخامس في يونيو عام ١٥٢٦ م إلى غرناطة وبقي فيها إلى غاية ديسمبر من نفس السنة لمتابعة الموضوع بنفسه وإيجاد حل له. فندب الملك محكمة كبرى مكونة من النواب والقساوسة والقادة وقضاة التفتيش برئاسة"المفتش العام"لتنظر في ظلامة المورسكيين، ولتقرر فيما إذا كان تنصير المسلمين قسرًا صحيحًا وملزمًا أم لا. فإذا كان هذا التنصير صحيحًا عوقب المخالف بالموت حرقًا كمرتد. وقد قدمت المحكمة تقريرها في سبتمبر عام ١٥٢٦ م أكدت فيه أن المورسكيين هم فعلاً ضحية اعتداءات متواصلة من طرف النصارى القدامى الذين يشتمونهم في الطرقات ويستغلونهم شر استغلال ويهينونهم رجالاً ونساء دون حماية القانون. لكن المحكمة قررت كذلك أن تنصير المسلمين القسري صحيح ولا طعن فيه. وفي ٢٩/ ٩ / ١٥٢٦ م وقع الملك على حوالي ٤٠ لائحة لتحديد تظلم

стр. 73

المورسكيين، لكنه أصدر قانونًا بتاريخ ٧/ ١٢ / ١٥٢٦ م أعلن فيه أن جميع المورسكيين نصارى يتحتم منعهم من الخروج من إسبانيا ويجبرهم على تنصير جميع أبنائهم، وقضى على من تنكر منهم للنصرانية بالمصادرة والإعدام. كما قرر القانون تحريم التخاطب بالعربية أو الكتابة بها وتعليم الإسبانية لجميع المورسكيين الذين طلب منهم أن يتقدموا بجميع الوثائق المكتوبة بالعربية للمفتش العام. وطلب منهم اجتناب كل ما له صلة بالعقيدة الإسلامية، وأمر بهدم الحمامات، وبأن تبقى بيوت المورسكيين مفتوحة على الدوام ليرى الجميع ماذا يجري فيها، وأن تزيل المورسكيات حجابهن، الخ ... وكتب الملك رسالة بتاريخ ١٤/ ١٢ / ١٥٢٦ م إلى بابا روما الذي كان يحثه على الصرامة مع المورسكيين، قائلاً:"لم يكن اعتناق النصرانية من طرف المورسكيين بإرادتهم ولا عن اقتناع، ولم يعلموا عقيدة إيماننا الكاثوليكي كما يجب". وزاد أسقف غرناطة على قانون الملك تعليمات مؤرخة بـ ١٠/ ١٢ / ١٥٢٦ م حاولت تأطير المورسكيين في أقرب وقت تأطيرًا دينيًّا كاملاً لتنصيرهم. وعرض المورسكيون على الملك دفع ٩٠.٠٠٠ دوقة ذهبية في ست سنين لتخفيف هذه الإجراءات دون جدوى. ثم التمس المورسكيون مرة أخرى من الملك الرأفة، ودفعوا له ٨٠.٠٠٠ دوقة ذهبية، فوافق على وقف تنفيذ هذه الإجراءات لمدة أربعين سنة، يحتفظ خلالها المورسكيون بلغتهم العربية وثيابهم الإسلامية وبعض التسهيلات الأخرى مقابل دفع ضريبة سنوية. وكان يجمع من هذه الضريبة أموالاً طائلة. وهكذا توصل الموركسيون إلى نوع من التوازن مع كارلوس الخامس تأرجح فيه وضعهم بين المد والجزر رغم اضطهاد"محاكم التفتيش" المتواصل، خاصة سنة ١٥٢٩ م بغرناطة، وسنة ١٥٣٢ م حين منعت الحفلات ذات الطابع الإسلامي وأنشأت الحملات التنصيرية المتتابعة. وانتقل مركز"محاكم التفتيش" سنة ١٥٢٦ م من قرطبة إلى غرناطة. كما جمع معظم المسلمين في أحياء خاصة اسمها"موريرا" لكي لا يختلطوا بالنصارى القدامى. وتغير هذا التوازن إلى الأسوأ بموت كارلوس الخامس وتسلم الملك ابنه فليبي الثاني سنة ١٥٥٥ م. وكان هذا الأخير متعصبًا ضعيف الشخصية أمام الرهبان. فاغتنمت الكنيسة فترة ملكه للتشديد مرة أخرى على الأندلسيين والرجوع إلى سياسة

стр. 74

الاضطهاد المتواصل. وشجع الملك على تطرفه هذا خوفه من قوة الدولة العثمانية الصاعدة وعلاقات الأندلسيين بها. ابتدأ فليبي الثاني ضغطه على المورسكيين سنة ١٥٦٠ م بمنعهم من اقتناء العبيد والرقيق السود، وسبب ذلك أن هذه الطبقة كانت في أغلبها مسلمة وكان الهدف من هذا القرار منعهم من التأثر بالتعاليم الإسلامية. فالتمس المورسكيون من الملك الرجوع عن هذا القرار، لكنه رفض الاستجابة لمطالبهم نهائيًّا سنة ١٥٦٣ م. وفي ١٤/ ٥ / ١٥٦٣ م أصدر الملك قرارًا بمنع المورسكيين من امتلاك الأسلحة أو حملها، وفرض عليهم تسليم أسلحتهم في مدة أقصاها خمسون يومًا من تاريخه. وحدد المرسوم عقوبة المخالفين بالأشغال الشاقة لمدة ست سنوات. ولم يستثن القرار أحدًا إلا بأمر وختم من الحاكم العام. وطبق القرار بغاية الشدة والحزم، فأصبح المورسكيون أكثر عرضة لكل معتد وظالم. فسلم بعض المورسكيين أسلحتهم لكن الغالبية العظمى رفضت تسليمها وأخفتها. فأصدرت الحكومة سنة ١٥٦٤ م مرسومًا يلغي حصانة المورسكيين المقيمين في أراضي النبلاء ويحدد حصانة من يقيم منهم في الأديرة والكنائس بثلاثة أيام. فازدادت شراسة محاكم التفتيش وتتبعها للمسلمين. ابتدأ الضغط الكبير في مايو سنة ١٥٦٦ م بعد مضي أربعين سنة من صدور قانون كارلوس الخامس، حين أراد فليبي الثاني العودة إلى تطبيقه بكل صرامة. قضى هذا القانون المجدد بمنح المورسكيين ثلاث سنين لتعلم اللغة الإسبانية يمنع بعدها التكلم بالعربية وتلغى كل العقود المكتوبة بالعربية. وقضى القانون بتسليم ما تبقى من الكتب العربية في ظرف ثلاثين يومًا، ومنع خياطة أثواب عربية جديدة، وألا يخاط من الثياب الحريرية لمدة عام واحد، والصوفية لمدة عامين، على أن يمنع استعمالها بعد ذلك. ومنع القانون المورسكيات من التحجب وأجبرهن على التزيي بلباس النصرانيات. ومنع القانون إجراء أية شعائر إسلامية وأجبر المورسكيين على أن تكون كل حفلاتهم مطابقة للتعاليم الكنسية وأن تظل بيوتهم مفتوحة في الحفلات وأيام الأعياد والجمع. ومنع القانون الغناء والرقص العربي واستعمال آلات الطرب العربية والتخضب بالحناء والاستحمام، وأمر بهدم الحمامات. وحرم القانون على المورسكيين استعمال الأسماء العربية واقتناء العبيد. وفرض القانون على المخالفين أقصى العقوبات من السجن والنفي والتعذيب والمصادرة والإعدام حرقًا.

стр. 75

أمر الملك رئيس المجلس الملكي، ديسا، بإذاعة هذا القانون الغاشم في ١/ ١ / ١٥٦٧ في غرناطة وأحيائها وجميع أنحاء المملكة الإسلامية القديمة. وتولى إذاعته موكب من قضاة"محاكم التفتيش"تتبعهم الطبول والزمور. وبدأ تطبيق القانون بكل صرامة. فهدمت الحمامات وملئت السجون وتناثرت الجثث في شوارع غرناطة وقراها ونشطت"محاكم التفتيش". ولم تفد المورسكيين أية شفاعة، فوصلوا إلى حالة من اليأس الكامل أدت إلى ثورة عارمة جمعت فيها الأمة الأندلسية ما تبقى من قواها، وكادت تنتصر لولا خذلان العالم الإسلامي مرة أخرى. وقبل أن نتطرق إلى تفاصيل ثورة غرناطة العظمى لنر وضع المدجنين خارج مملكة غرناطة وما آلوا إليه في ممالك البرتغال وقشتالة وأراغون إلى سنة ١٥٦٧ م. ٢/ ٤ - وضع المسلمين في مملكتي البرتغال وقشتالة: البرتغال دولة من الدول النصرانية في شبه الجزيرة الإيبرية التي تأسست وتوسعت على حساب الدولة الأندلسية. تأسست البرتغال كإمارة صغيرة على حدود الدولة الإسلامية الشمالية الغربية. وقد استولى على هذه الإمارة المنصور بن أبي عامر، لكنها اغتنمت فرصة سقوط الدولة الأموية فاحتلت براغة سنة ١٠٤٠ م، وهي بلدة مجاورة لعاصمتها الأولى"أبورتو" أو"بورتوغال" التي أعطت اسمها للبلاد وتجزأ غرب الأندلس إلى عدة ممالك أيام الطوائف. فأصبح الجنوب تحت بني هارون سنة ١٠٢٦ م، وعاصمتهم شنتمرية الغرب (الفارو اليوم)، ووسط البلاد في يد بني الأفطس سنة ١٠٢٢ م، وعاصمتهم بطليوس (بإسبانيا اليوم). وتابع البرتغاليون غزوهم للأراضي الإسلامية على حساب بني الأفطس. فاحتلوا مدينة قلمرية سنة ١٠٦٤ م ونقلوا إليها عاصمتهم. وتجزأت دولة بني هارون في شنتمرية الغرب إذ نشأت دولة بني مزين وعاصمتها شلب سنة ١٠٦٨ م وانضم الباقي إلى دولة بني عباد وعاصمتهم إشبيلية (بإسبانيا اليوم). ثم قضى المرابطون على بني الأفطس وبني عباد ووحدوا البلاد واستقرت الحدود لمائة وخمسين سنة بعد أن احتل البرتغاليون مدينة الأشبونة سنة ١٠٩٣ م. وحلّت الدولة الموحدية محل الدولة المرابطية فاحتل البرتغاليون مدينة يابورة سنة ١١٦٦ م. ولما ضعفت الدولة الموحدية سيطر البرتغاليون على مدن إسلامية أخرى، فغزوا قصر بني دنيس سنة ١٢١٧ م ثم باجة وشنتمرية وشلب وجميع غرب
следующие страницы →