← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37483

تاريخ نزول القرآن

محمد رأفت سعيد

Полный текст (359 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة تاريخ نزول القرآن الكريم الأستاذ الدكتور محمد رأفت سعيد أستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية وكيل كلية الآداب- جامعة المنوفية عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

стр. 2

بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك، ونصلى ونسلم على خاتم أنبيائك ورسلك سيدنا محمد. وبعد: فإن مدارسة موضوع تاريخ نزول القرآن الكريم تفتح أمامنا روضات نرتع فيها، يأخذ القلب فيها حظه من ركائز الإيمان وبرد اليقين، وتأخذ النفس حظها من التزكية والسكينة، ويأخذ العقل حظه من الصقل، والانطلاقة الرشيدة إلى الحركة العلمية النشيطة، والتأمل والتدبر فى الأنفس والآفاق. وتأخذ الحياة كلها حظها من الهدى والنور الذى يبدد ظلماتها ويهديها للتى هى أقوم فى جوانبها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقضائية وغيرها إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٧] إن مدارسة تاريخ نزول القرآن الكريم حياة فى رحابه منذ أن قال جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ : «اقرأ» إلى أن أكمل الله الدين، وأتم النعمة، وختم آياته المتلوة المعجزة بآخر آية من كلامه العزيز. فما أعظمها من حياة ونحن ننصت خاشعين إلى صوت الوحى، ونتتبع تنزلاته المباركة والتى تنزل ابتداء، أو تجيب عن تساؤل يوجه، أو تحل مشكلة قائمة، أو تمنح تجارب الأمم السابقة لهذه الأمة الخاتمة؛ فى قصة قرآنية محكمة، أو تقدم وصايا غالية لا غنى عنها، أو تجتث عقائد باطلة بالبرهان العقلى القوى، وتبنى وترسخ العقيدة الصحيحة الصافية النقية بالبرهان العقلى نفسه، والجيشان العاطفى القلبى، أو تعرفنا معرفة يقينية بأسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا، أو تقدم لنا الإشباع العقلى عن العالم الذى لا سبيل للعقل فى الوصول إليه بمنهج الاستقراء المادى التجريبى، فتقدم لنا أخبارا هى الحق والصدق واليقين عن عالم الغيب وما فيه، وعن مصير الإنسان بعد لقاء ربه، عن قبره وبعثه وجزائه، وجنته وناره، وما أعد من نعيم لأهل الجنة يأخذ باللب، ويدفع إلى المسارعة فى الخيرات، وما توعد به أهل الكفر والمعاصى من صنوف العذاب لكى تحجز الكفر وأهله من العبث فى هذه الحياة الدنيا، وإفسادها بالظلم للنفس

стр. 3

وللآخرين من المستضعفين. أو تقدم لنا ترشيدا وتوجيها لأخلاقنا حتى نصل إلى مكارم الأخلاق، ولعلاقاتنا حتى نصل إلى مجتمع المودة والرحمة، أو لمكانتنا بين الأمم لنصل إلى مكانة العزة والمنعة والهيبة، أو لمسيرتنا الاقتصادية حتى لا نأكل أموالنا بيننا بالباطل، وحتى نسعى جادين فى حرث الأرض، وتطوير الصناعات، والتعاون على البر والتقوى بتحقيق التكامل الاقتصادى الذى يغنى الأمة عن غيرها ويحررها من التبعية أيا كان شكلها، أو يقدم لنا نظام القسط والعدل فى الحكم بين الناس فلا ظلم ولا ميل مع العصبية أو الهوى. إنها حياة فى أرقى صورها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٣٤]. إن العيش فى رحاب تاريخ نزول القرآن الكريم نعمة تجمع لنا متعة التدبر لوحى الله فى تنزيله القرآنى أى فى كلامه الكريم المتلو المعجز والذى تعبدنا بتلاوته، وأثابنا على ذلك بوعده الذى جاء فى حديث رسوله ﷺ بمنح عشر حسنات على الحرف الواحد من كلامه. «اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته؛ كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها؛ لا أقول «الم» حرف، ولكن «ألف» حرف، و «لام» حرف، و «ميم» حرف». وتجمع لنا كذلك متعة العيش فى ظلال السنة المطهرة، وكيف كان رسول الله يتلقى الآيات القرآنية بترتيب نزولها؟ كيف حفظها؟ وكيف عمل بها؟ وكيف حفظها لأصحابه؟ وكيف دونت؟ وكيف عمل بها أصحابه؟. أى كيف تم التفاعل مع الوحى فى تنزلاته بطريقته؛ الكتاب والسنة؟ باعتبار السنة البيان الذى أوحاه الله لنبيه، وصاغه الرسول بأسلوبه، وهو أفصح العرب وأبلغهم، بما يتناسب مع حال المبين لهم. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]. وكيف كان أصحاب النبى ﷺ يتفاعلون مع الوحى؟ حرصا على السماع، وفهما لما يسمع، وحفظا لما فهم، وعملا بما حفظ، وكيف ظهرت فيهم ثمرات الوحى؟ فصاروا كما وصفهم الوحى المنزل المعجز بقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: ٢٩]. إننا بهذه المدارسة لتاريخ نزول القرآن الكريم سنتعرف على مسيرة الوحى المبارك فى

стр. 4

ثلاثة وعشرين عاما، هى عمر النبى ﷺ منذ أن أوحى إليه إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، سنقرأ فيها قصة الوحى، وصفحة الحياة مرتبطة بالمصدرين العظيمين؛ الكتاب والسنة، ولا يخفى ما فى هذا من خير عظيم لحياتنا المعاصرة لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) [الأحزاب]. وعلينا فى هذه المدارسة إن شاء الله تعالى أن نبدأ ببيان الطريق الذى جاء به القرآن الكريم وهو طريق الوحى لنتعرف عليه. ما معناه لغة واصطلاحا؟ وما صور تكليم الله لأحد من خلقه فى مثل قوله الكريم: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [الشورى]. وما مراتب الوحى، وصوره التى تحققت للنبى ﷺ ؟ وما صور نزول القرآن الكريم عليه؟ والرد على الشبهات فى ذلك. وما تنزلات القرآن الثلاثة، ونزوله على الرسول ﷺ مفرقا؟ وما حكمة ذلك وتحديد أولى الآيات المنزلة، وختام الآيات المنزلة، ومتابعة نزول الآيات والسور فيما بين ذلك. نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، وجلاء همومنا وأحزاننا ... وصلّ اللهم على سيدنا محمد. أ. د. محمد رأفت سعيد

стр. 5

التعريف بالوحى إن كلمة الوحى تطلق فى اللغة ويراد بها مجموعة من المعانى نجملها فيما يلى: الوحى يطلق على الإعلام فى خفاء وفى سرعة، فأما أصل الخفاء والسر فيمثل له بتسمية الإلهام وحيا، ومنه قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [الأنعام: ١٢١]. أى يوسوسون فى صدورهم، وهذه الوسوسة من الشيطان تعرف؛ لأن حديث الشيطان وأمره فى الصدر قد كشفه القرآن الكريم وبينه، وحذرنا منه، وأعاننا عليه، فأما الكشف والتحذير فمثاله قوله تعالى. يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) [البقرة]. فأى حديث فى النفس يأمر بالسوء، أو يأمر بالفحشاء، أو يشكك فى عقيدة، أو يحدثك عن الله بغير ما جاء فى كتابه الكريم وسنة رسوله فإنما هو حديث الشيطان ووحيه ووسوسته، وأما الإعانة عليه فأرشدنا القرآن إلى الاستعاذة بالله عند ما ينزغ الشيطان: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف: ٢٠٠] «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». وأرشدنا إلى أن الشيطان خناس فلا يمكث فى مكان يذكر فيه اسم الله، ولا يقوى على الاستمرار فى صدر تقى يعمر بذكر الله. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) [الأعراف]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) [الناس]، ولا يخفى ما فى وسوسة الشيطان بهذا المعنى من خفاء وسرعة تدخل على الغافلين وتدفعهم إلى السوء إن استجابوا لوسوسته ولم يدفعوها باللجوء إلى الله وذكره. وأصل السرعة فى كلمة الوحى لغويا كذلك جعل تسمية الخط وحيا لسرعة حركة اليدين لكاتبه، ووحى الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما، ومنه «الوحا» أى السرعة. ومن المعانى اللغوية كذلك للوحى: الإلهام الفطرى، والإلهام الغريزى الذى يتضمن معنى التسخير. ومثال الإلهام الفطرى قوله تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ

стр. 6

فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) [القصص] فهذه المعانى العظيمة التى تجمع أمرين، ونهيين، وبشارتين تمت لأم موسى فى موقف مخيف عصيب عن طريق الوحى، بمعنى إلقاء هذه المعانى فى قلبها، وتبعها حركة وسلوك وعمل يبين كيف أن هذا الإلقاء فى القلب، والإلهام له قوة الأمر الصادر المباشر والمواجه بالمعاينة لأم موسى، فبمقتضى هذا الإلهام كان ربط الله على قلبها؛ حتى لا يعصف به الخوف من فرعون وعمله فى قتل الأطفال، وابنها طفل منهم؛ فلم يظهر عليها ما ينبه إلى وجود طفل تخفيه، وبهذا الإلهام أرضعته كما ترضع الأم طفلها؛ إبقاء على حياته، وهذا أقصى ما تستطيعه أم موسى. وبهذا الوحى تؤمر بما يستوقفنا للتدبر واستخراج العظة والاعتبار. فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، كنا نتوقع أن يكون الخطاب: إن خفت عليه فابذلى أقصى جهدك فى إخفائه، ولكن الإلهام كان إلى غير ذلك: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ. وكان موقف القرآن الكريم- هنا- يعلمنا أن الإنسان فى مواجهته للأمور- مهما كانت شدتها- عليه أن يبذل أقصى ما يستطيعه، مستعينا ومتوكلا فى بذله هذا على ربه، دون كسل أو خمول، وأما ما لا يستطيعه بعد ذلك فإن توكله هذا سيحول مصدر الخطر إلى مصدر أمان، كما حول الله البحر الهائج المخيف الذى تملأ أمواجه القلوب رعبا إلى حصن دافئ، ومكان أمين للطفل موسى. فتصنع له الصندوق بمقتضى هذا الإلهام، وتلقيه فى اليم، وتأمر أخته بأن تقص أثره لتجد أن الصندوق تحمله الأمواج إلى مصدر الخطر نفسه؛ إلى البيت الذى صدر فيه الأمر بقتل الأطفال، وموسى طفل، إذن يعلو صوت فرعون: «اقتلوه»، ولكن يلقى الله محبة موسى فى قلب زوج فرعون فتصدر أمرا آخر: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص: ٩] وينتصر أمر الزوجة، ويبقى موسى، ولكن كيف يتحقق الإلهام الآخر لأم موسى بالبشرى فى رد موسى إلى أمه؟ تعرض المراضع على موسى فيعرض عنهن، ويشار على بيت فرعون بأنه بقيت امرأة لم تأت بعد وهى أمه، وجىء بها، وعرض عليها الطفل، وأقبل على ثديها. فقيل لها: امكثى فى البيت لترضعيه، فأبت لأنها مطمئنة إلى ما ألهمت به إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ، وتعللت بشغل بيتها، فأخذت طفلها معها وعادت إلى بيتها وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) [طه]، ويظل حتى يصير من المرسلين. فهذه المعانى تحققت عن طريق هذا المعنى من الوحى. وأما مثال الإلهام الغريزى الذى يحمل معنى التخيير ففي قوله تعالى: وَأَوْحى

стр. 7

رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) [النحل]. ومن المعانى اللغوية كذلك الإشارة، وذكر هذا فى قوله تعالى: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) [مريم] هذا وقد يطلق لفظ الوحى ويقصد به الموحى به. وأما معنى الوحى اصطلاحا فهو: إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه؛ فالموحى هو الله سبحانه، والموحى إليه نبى من أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم جميعا، والموحى به حكم شرعى من أمر أو نهى ونحو هذا مما يوحى به الله تعالى من أنباء من سبق وما حدث لهم، وما سيأتى، وما يبنى عقيدة التوحيد خالصة نقية، وما يؤسس الخلق الكريم ويغرى بالتحلى به، وما ينفر من رذائل الأخلاق، وما يقيم مجتمعا فاضلا على حسن العبادة لله وحسن التعامل فيما بينهم. ومن فضل الله على خلقه أن اصطفى منهم من يقوم بتبليغ وحيه إليهم حتى يسيروا فى حياتهم على هدى، وحتى لا يضلوا: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) [آل عمران]. ويوحى الله إلى خلقه ما يسعدهم فى جميع فتراتهم الزمنية، وما يناسب بيئاتهم المكانية، حتى كان وحيه إلى خاتمهم ﷺ يحمل من خصائص الاستمرار ما يجعله معطاء لكل الأجيال إلى قيام الساعة. ويذكرنا الله سبحانه بهذه المنة على خلقه جميعا فى خطابه لرسوله ﷺ فى قوله الكريم: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) [النساء]. فهؤلاء ممن اصطفى الله، وذكر الله تعالى أسماءهم، وقص علينا من أخبارهم، وما أوحى به إليهم، وكيف كان حال أقوامهم معهم، لنفيد من هذه التجارب باعتبارنا الأمة الأخيرة فى حياة الأمم. وهذه المجموعة من صفوة البشر ليسوا وحدهم، بل هناك آخرون قاموا بهذه المهمة، وأوحى الله إليهم ولم يقصصهم علينا ربنا. وما قصّه علينا فيه الجمع المفيد لكل طبائع البشر وكيف كان حالهم مع الوحى؛ فمنهم من استجاب ونجا، ومنهم من فتن بماله، ومنهم من فتن بجاهه، ومنهم من فتن

стр. 8

بما أوتى من بنين وذرية، ومنهم من فتن بشهواته المتعددة، وكانت عاقبتهم هلاكا وخسرانا. والأمة الخاتمة تقرأ كل هذا فى صفحة السابقين فيما أوحى به إلى النبى الخاتم ﷺ : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران]. ولكن كيف كلم الله هؤلاء وهم صفوة البشر؟. لقد ذكر القرآن الكريم لنا ثلاثا من الصور التى يكلم الله بها من شاء من البشر فقال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [الشورى]. فالصورة الأولى: من تكليم الله لمن شاء من البشر تكون بإلقاء المعنى الذى يريده الله فى نفس من شاء، وهذا معنى الإلهام، أو الإلقاء فى الرّوع، أو النفث فى الرّوع. الصورة الثانية: أن يكلم الله نبيا من أنبيائه من وراء حجاب، كما كلم الله موسى ﵇ وناداه، وسمع موسى نداءه دون أن يراه؛ لأن الرؤية لا يطيقها البشر، ومن حكمة الله ولطفه بخلقه أنهم لا يرونه فى هذه الدنيا، وإلا لأمسكهم الخوف فلا يتحركون لعمل أو أكل أو غير ذلك من مقتضيات البشرية، ويكفى أن يرى الخلق مظاهر القدرة وآيات الإبداع والنظام فى مخلوقاته، فله فى كل شىء آية تدل على أنه القادر، وفى أنفسنا وما بث فى أرضنا من دابة، وما خلق فى السموات آيات تنطق بالحق: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) [آل عمران]. على أن المؤمنين سيمتعون إن شاء الله برؤية ربهم فى الآخرة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) [القيامة]. ولذلك لما طلب موسى ﵇ فى تكليم الله له أن يرى ربه وقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣]. وأراه آية العجز البشرى فى هذا الجانب وأنه لا يقوى على ذلك، فقال جل شأنه لموسى ﵇: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [الأعراف: ١٤٣]. فالجبل لم يقو على تجلى الله سبحانه له وجعله دكا، ورؤية موسى ﵇ لتجلى

стр. 9

الله للجبل جعلته يخر صعقا، فكيف لو كان التجلى مباشرا؟ وأما الصورة الثالثة: فى تكليم الله لمن شاء من خلقه فتكون فى إرسال ملك الوحى إلى نبى من أنبياء الله، ليلقى إليه ما كلف بتبليغه، وهذا الملك هو الناموس أى صاحب السر، والذى وصف بالقوة والأمانة، وهما صفتان ضروريتان للاطمئنان على مسيرة الوحى إلى أنبياء الله ورسله، فقد وصف جبريل ﵇ بقول الله سبحانه فيه: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) [النجم]، ووصفه بقوله الكريم: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) [التكوير]، كما وصف بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) [الشعراء]. وملك الوحى قد يراه النبى فى صورته التى خلق عليها، وقد يأتيه فى صورة رجل يكلمه، وفى هذه الحالة يراه الحاضرون ويسمعون قوله، وقد ينزل خفية فلا يراه الحاضرون، ولكن يشاهدون آثار الوحى على النبى ﷺ وقت نزوله. هذه صور الوحى الثلاث التى ذكرت فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) [الشورى] فماذا تحقق لرسول الله ﷺ منها؟ وما مراتب الوحى معه؟

стр. 10

صور الوحى وما تحقق منها لرسول الله ﷺ لقد تحقق لرسول الله ﷺ من صور الوحى ومراتبه ما سنذكره تفصيلا على ما يلى: أولا: الرؤيا الصادقة فى النوم. وهى أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، كما جاء فى رواية أم المؤمنين عائشة ﵂، والتى أخرجها البخارى ﵀. وإذا كان ما يراه النائم إدراكا يقوم بجزء من القلب لا يحله النوم فإن الأنبياء لا يستولى النوم على قلوبهم، ولا على جزء منها، ولذلك فإن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، وما يرونه فى نومهم ليس من أضغاث الأحلام؛ ولا يستطيع الشيطان أن يعبث بقلوبهم، ولا أن يريهم فى نومهم أحلاما كالتى يمكن أن يقوم بها الشيطان لإزعاج النائمين من البشر، فما يراه الأنبياء فى نومهم حق ووحى يوحى الله به لرسله، وقد حكى لنا القرآن الكريم نماذج من هذه الصورة فهذا خليل الرحمن إبراهيم ﵇ يرى فى المنام أنه يذبح أحب الناس إليه إسماعيل، ويقول لإسماعيل حاكيا له رؤيته: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى [الصافات: ١٠٢]، ولكن قد يسأل سائل إذا كنا نقول إن رؤيا الأنبياء وحى وحق، وإبراهيم أبو الأنبياء يعرف هذا فلماذا يسأل ابنه ويطلب نظره ورؤيته فى وحى واجب التنفيذ؟ والجواب عن ذلك: إن إبراهيم ﵇ يرى أن الرؤيا حق وأنه واجب التنفيذ والطاعة، ولكن التنفيذ والطاعة هنا لا تتعلق به وحده، وإنما تتعلق بطرف آخر له إرادته وله اختياره وله رأيه، ولكن هل يتوقع من إسماعيل أن يكون رأيه ونظره مخالفا لحالة أبيه؟ إن إسماعيل بن إبراهيم وابن هاجر وهما الوالدان المسلّمان التسليم الكامل لأمر الله ﵎؛ فإبراهيم سلم الأمر لله، وجاء بأحب الناس وأضعف الناس وهما الزوجة هاجر والطفل إسماعيل إلى واد وصفه القرآن الكريم بأنه: بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] تنفيذا لأمر ربه، ولما هم بالانصراف سألته زوجته: لمن تتركنا يا إبراهيم؟ وإبراهيم يجد المكان بلا بشر يأنس الإنسان بالإقامة معهم ومشاركتهم حياتهم، وهذا معنى دعاء إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧].

стр. 11

وتقطع هاجر صمت إبراهيم وتريحه من مشقة الإجابة وتقول له: آلله أمرك بهذا؟ قال إبراهيم: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا، وهذه الكلمة من الأم هاجر قمة الحكمة، وقمة التسليم فلا ضياع لإنسان وهو يطيع أمر ربه، ولا ضياع لمن سلم أمره لخالقه. وهذا ما تحقق، فما ضاعت هاجر، وما ضاع إسماعيل، بل كان فى تسليمهما الخير والبركة وعمران المكان عند بيت الله المحرم، فهل يتوقع من إسماعيل أن يكون على خلاف حال أمه، وحال أبيه؟ وعلى ذلك كان قول إسماعيل لإبراهيم: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) [الصافات]. فقول إسماعيل كقول أمه فى التسليم: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. أى أنه ما دام مأمورا فلا مجال للنظر ولا للرؤية. بل الفعل الفورى والتنفيذ لأمر الله، ويزيد إسماعيل أبيه عونا على طاعة ربه فى أحب الناس لديه: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢). أى لن تسمع منى كلمة تثير فيك عطفك، ولن ترى منى حركة تثير فيك رحمة الأبوة، وتؤثر فى تنفيذك لأمر ربك. فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) [الصافات]، وأصبح إسماعيل فى موضع الذبح، ووضع إبراهيم السكين نودى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، وفدى الله إسماعيل بالذّبح العظيم، فهذا البلاء العظيم، وهذا الأمر الخطير تم عن طريق الرؤيا لإبراهيم ﵇. وقد ذكر القرآن الكريم نموذجا منها مع رسول الله محمد ﷺ فى قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ [الفتح: ٢٥]. ولقد تم الفتح المبين على ما رأى رسول الله ﷺ فى رؤياه الحق على الرغم مما سبق الفتح من أحداث، وشروط أوغرت صدور المسلمين وكانت شروطا فى ظاهرها الظلم ولكنها كانت فتحا وتمهيدا له أيقن به رسول الله ﷺ ، فقبل الشروط، ومنها أن يعود المسلمون عام الحديبية دون دخول مكة وزيارة البيت الحرام، وهذا سبّب غضبا شديدا لدى المسلمين، ورغبة فى مقاومة ظلم الكافرين بدخول مكة ولو حربا، فلم يعطى المسلمون الدنية فى دينهم؟ ولكن اطمئنان رسول الله ﷺ لوعد ربه جعله يرضى بما أملاه المشركون من شروط، وأمر أصحابه أن يذبحوا هديهم، ولكن الغضب ما زال مسيطرا، وغضب الرسول ﷺ ، ولكن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ تذكر له حب أصحابه

стр. 12

له، وطاعتهم لأمره واقتداءهم به فى فعله، وأشارت بأن يخرج ويذبح هديه، وسيفعلون مثل فعله، وكانت مشورة طيبة؛ ذبح الرسول الكريم هديه، فذبح أصحابه، وحسم الموقف. وتحقق وعد الله لرسوله، وصدق الله رسوله الرؤيا بالحق، وتحولت الشروط الظالمة إلى تمهيدات للفتح المبين، ومن نماذج ذلك: أن الشرط الذى قيل فيه من أسلم من أهل مكة وهاجر إلى النبى ﷺ فعليه أن يعيده، وأما من جاء من المدينة إلى مكة فلا يرجعونه، فقد تحول إلى صالح المسلمين حيث كان المسلم الذى يهاجر من مكة إلى المدينة- بعد الصلح- يجد حرص الرسول ﷺ على الوفاء بالعهد، فلا يستطيع البقاء فى المدينة، ولا يحب أن يعود إلى المشركين بمكة، فيذهب إلى مكان آخر اختاره هؤلاء فى موقع استراتيجى على طريق تجارة المشركين، وتكونت قوة مسلمة تهدد مصالح المشركين، مما جعلهم يطلبون تغيير هذا الشرط الذى وضعوه بأنفسهم. إن الرؤيا التى رآها رسول الله ﷺ فى دخول المسجد الحرام مع أصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين كانت وحيا تحقق لرسول الله ﷺ ، وهذه هى الصورة الأولى والمرتبة الأولى من مراتب الوحى التى تحققت لرسول الله ﷺ .

стр. 13

رؤية النبى ﷺ للملك المرتبة الثانية: التى تناولها تتمثل فى رؤية النبى ﷺ للملك فى صورته التى خلق عليها، ولقد ذكر القرآن الكريم المرتبتين فى قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) [النجم]. فهذه هى المرة الأولى. وأما الثانية فذكرت فى السياق نفسه فقال تعالى: أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) [النجم]. فالمرة الأولى كانت فى بداية الوحى والتى جاء ذكرها فى حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ والتى أخرجها الإمام البخارى ﵀. حيث قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، فيتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطنى- أى ضمنى وعصرنى- حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذنى فغطنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق]. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملونى زملونى. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى، فقالت خديجة: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك تصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الدهر».

стр. 14

ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخا قد عمى، وله اطلاع على كتب الأقدمين، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فأخبره النبى ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: قدوس، هذا هو الناموس (أى صاحب السر) الذى أنزل على موسى، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك، قال النبى ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟»، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يلبث ورقة أن توفى، وفتر الوحى. هذه هى المرة الأولى التى رأى الرسول ﷺ فيها جبريل ﵇ فى هيئته الملكية يملأ الأفق، ولا شك أن هذه الرؤية الأولى أحدثت فى نفس النبى ﷺ الروع، وجعلته يرجع إلى خديجة ﵂ يرجف فؤاده، ويقول: زملونى، ويغطونه حتى ذهب عنه الروع، وذهبت خشيته على نفسه، ولا شك أن رؤية الملك فى صورته الملكية لأول مرة تحدث مثل هذا مع رسول الله ﷺ ، ولكن ما ذكر من رجف الفؤاد والروع والخشية على النفس، لا تذهب وعى رسول الله ﷺ وحفظه لما قال جبريل، وما بلغه، بل وصف ما حدث له بدقة، واتضح ذلك فى حكاية ما حدث لخديجة ﵂، وحكاية ذلك أيضا لورقة بن نوفل؛ حيث أخبره خبر ما رأى، وكيف قال له: اقرأ، وكيف أخذه وضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد، مع ذكر عدد الضمات على شدتها، وكان فى هذه المرة تبليغ جبريل لأولى الآيات المنزلة من القرآن الكريم فى شهر رمضان، وفى الليلة المباركة التى هى ليلة القدر. قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) [الدخان]، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) [القدر]. وسنحقق إن شاء الله هذه المسألة فى تحديد أول ما نزل من القرآن فى حينه، غير أن الذى نرى أن نؤكده أن ضبط ما بلغ مع هذا الروع كان فى أحسن حالاته: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) [القيامة]، فقراءة النبى، وحفظه لما يوحى إليه، بإذن ربه، وبفضله، وتوفيقه، وقوته: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق]. وتعليق أم المؤمنين خديجة ﵂ على هذه الرؤية الأولى وما صحبها من الروع والخشية والرجفة ليس من قبيل ما اعتاده الناس فى مثل هذه الحالات، فمثل النبى صلّى الله عليه وسلم

стр. 15

وما يتصف به من شمائل لا يخزيه الله أبدا؛ فهو الذى يصل الرحم، ويعين الضعفاء، ويعطى المحتاجين، ويأخذ بأيديهم، ويكرم الضيف، ويعين على المصائب التى تقع على الناس، ومن يفعل هذا صاحب نفس مطمئنة، وقلب سليم، فما يجده إنما يكون من روعة اللقاء الأول مع جبريل فى هيئته الملكية. وأما الرؤية الثانية التى رأى فيها الرسول ﷺ جبريل ﵇ على هيئته، ففي ليلة المعراج، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ولم يأت فى حديث النبى ﷺ ما يفيد أنه خشى، أو رجف فؤاده، من هذه الرؤية الثانية، وهذا يدعم ما ذهبنا إليه من روعة اللقاء الأول، وعلى الصورة التى فصلناها. وفى الثانية كذلك كانت الرؤية مصحوبة بالوعى التام، ما زاغ البصر من النبى ﷺ ، وما مال بصره عن مرئيه المقصود له ولا جاوزه تلك الليلة. هذه هى المرتبة الثانية من مراتب الوحى وصوره التى تحققت للنبى ﷺ ، وهى مجىء ملك الوحى على هيئته الملكية.

стр. 16

صورة مجىء ملك الوحى فى هيئة رجل وهى صورة أخرى من صور الوحى مع النبى ﷺ ، يتكلم معه الملك فى مشهد من أصحاب النبى ﷺ . ويعنى هذا أن الجالسين يرونه، ويسمعون قوله، يتضح ذلك بتأملنا فى الحديث الذى رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبى ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد: أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرنى عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرنى عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: فأخبرنى عن الساعة، قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرنى عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون فى البنيان»، قال: ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال لى: «يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» «١». ففي هذا الحديث الجامع الذى قال عنه القاضى عياض ﵀ فيما حكاه النووى، فى شرحه للحديث فى صحيح مسلم: «وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة؛ من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه، قال: وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألّفنا كتابنا الذى سميناه ب «المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان»؛ إذ لا يشذ شىء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة، والله أعلم «٢».

стр. 17

ففي هذا الحديث جاء جبريل فى صورة رجل يعلم الجالسين على لسان رسول الله ﷺ أمور دينهم، فى صورة سؤال وجواب، وهى طريقة لطيفة تيسر توصيل المفاهيم وتثبيتها، وتعين على حفظها، كما أن مجىء جبريل فى صورة رجل ليعلم الجالسين وغيرهم أدب طلب العلم فى حسن الجلوس وحسن المتابعة والإنصات، وهذه مهمة أساسية فى الإسلام فالرسول الكريم بعث معلما للعالمين، وهذا العلم الذى يعلمه هو علم النجاة، وأصحابه هم حملة هذا العلم عنه، وهم المبلغون له من بعده، ولا بدّ من حسن المنهج والسير عليه فى تلقيهم لهذا العلم وتبليغه فكانت مهمة جبريل ﵇ فى أداء هذا الدرس العملى. والذى يحكى لنا هذا المشهد صحابى جليل من تلاميذ مجالس النبى الكريم العلمية، إنه عمر بن الخطاب ﵁، ووصفه للمجلس كان دقيقا، ورؤيته للسائل وطريقة سؤاله كانت دقيقة، أشعرنا فيها منذ قراءتنا الأولى للحديث أن السائل ليس رجلا عاديا. فالرجل- كما جاء فى وصف عمر- طلع عليهم وهم جلوس عند رسول الله ﷺ ، ولا يعرفه من الجالسين أحد، ومعنى ذلك أنه غريب عن المكان، ويقتضى ذلك أنه قادم من سفر، ولكن المدهش أنه لا يرى عليه أثر السفر؛ لا فى ثيابه، ولا فى شعره؛ فثيابه وصفت بأنها شديدة البياض، وشدة البياض مع السفر تجعل أثر الغبار واضحا مهما كان يسيرا، فالبياض يظهره، وكذلك الشعر، شديد السواد، لا أثر لغبار الطريق عليه، وبعد وصف عمر للرجل فى ذاته، يصفه فى هيئته التعليمية؛ حيث جلس إلى النبى ﷺ جلسة الأدب، فاقترب من المعلم حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، كما يضع الإنسان وهو جالس للتشهد، وأخذ يسأل، ويتابعه عمر فى أسئلته ليقدم لنا تعجبا آخر يشعرنا به أن شيئا وراء هذا الرجل، فسأل عن الإسلام، ولما أجابه النبى ﷺ قال له الرجل: صدقت. وسبب التعجب أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل، وإنما هذا كلام خبير بالمسئول عنه، ولم يكن فى ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبى ﷺ ، ولذلك قال عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه، وصدق عمر فى تعجبه وتوقعه فالرجل ليس عاديا، فإنه لما انتهى من أسئلته وانصرف وطلب النبى ﷺ أن يردوه لم يجدوا أحدا، أى أنه منذ تركه للمجلس قد اختفى عنهم، فليس غريبا مسافرا، وليس بشرا منهم، بل جاء على صورة بشر ليقوم بهذه المهمة، قال الرسول لهم: «إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم». ووصف عمر يفيد أن جبريل ﵇ عند ما كان يأتى فى هذه الصورة البشرية ليعلم جديدا، أو ليراجع ما علم، أو غير ذلك كان مشاهدا يسمعه الجالسون ويرونه، وهذه

стр. 18

صورة من صور الوحى ومرتبة من مراتبه تم فيها بيان معنى الإسلام، ومعنى الإيمان ومعنى الإحسان، وبيان مصير الإنسان فيما يتعلق بالساعة وعلاماتها. وإذا كان جبريل قد أتى إلى النبى ﷺ فى صورة رجل فإنه قد يلقى ما لديه من معانى فى روع النبى ﷺ بدون أن يتمثل له رجلا، وهذه صورة أخرى من صور الوحى.

стр. 19

النفث فى الرّوع والنفث لغة: قذف الريق القليل، وهو أقل من التفل، كما ذكر الراغب فى مفرداته، ويرى الإمام البغوى أن النفث شبيه بالنفخ، والروع: الخلد والنفس، والمعنى هنا أن ملك الوحى- وهو الروح الأمين، أو الروح القدس- يلقى المعنى من غير أن يراه، ولنتأمل معنى من هذه المعانى التى جاءت عن مثل هذا الطريق، وهذه المرتبة. قال النبى ﷺ : «إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا فى الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته». وهذا حديث صحيح بشواهده، أخرجه أبو نعيم فى الحلية من حديث أبى أمامة، وفى سنده عفير بن معدان وهو ضعيف وباقى رجاله ثقات، وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد، ونسبه للطبرانى فى الكبير وأعله بعفير بن معدان، لكن له شاهد من حديث ابن مسعود عند الحاكم، وآخر من حديث جابر عند ابن ماجة وابن حبان والحاكم كذلك، وأبى نعيم فى الحلية، وله شاهد ثالث من حديث حذيفة عند البزار. فيصح الحديث بها «١». وهذا المعنى الذى ألقى فى روع النبى ﷺ من المعانى العظيمة التى توجه الإنسان وترشده فى أخطر القضايا التى قد تزعجه وتقلقه، والتى تقوم الصراعات الدموية حولها نتيجة الجهل بحقيقتها. إنها قضية الرزق وطلبه، فجبريل ﵇ يلقى فى قلب النبى ﷺ بهذه الحقيقة، فالرزق مقسم ولا بدّ أن تصل إلى كل نفس قسمتها، ولن تموت حتى توفى مالها من هذه القسمة، فأما قسمة الرزق فقد جاء ذكرها صريحا فى قول الله تعالى ردا على من زعم لنفسه جدارة التنزيل عليه- أو على عظيم آخر- على مقياس العظمة الذى تخيلوه فى المال الكثير والجاه العريض، حتى يخيل إليهم أن الإنسان لا يكون أهلا لأى مكرمة إلا على أساس حجم ما يملك من هذه، ولو كانت هذه المكرمة وحيا من الله، قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا

стр. 20

بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) [الزخرف] فمسألة الرزق- إذن- بيد الرزاق ذى القوة المتين وحده وقد قسمه بين خلقه فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأمرنا بالسعى والحركة والعمل الجاد النافع، ليكون جلب هذه القسمة حلالا يوافق ما يرضيه سبحانه، ولن يموت الإنسان إلا وقد استوفى ما كتب الله له من رزق، وما قدر له من مأكول ومشروب وملبوس وغيره. فإذا كان الأمر كذلك فليطمئن الإنسان إلى هذا الوعد الكريم الذى جاء فى هذه الصورة من صور الوحى، ويتقى الله ويجمل فى الطلب، أى لا يطلب هذا الرزق المقسوم إلا من طريق جميل أحله الله، ومن كسب مشروع أباحه الله، على أن الإنسان يخطئ عند ما لا يفرق بين رزق حلال يغطى حاجاته ومسئولياته وما يتزين به فى حياته، وهذا يكفيه الحلال؛ لأن حاجات الإنسان محدودة؛ فليست له أكثر من بطن للطعام والشراب، وبدنه محدود، وحاجاته إذن محدودة يغطيها ما أحل الله من رزق، ولكن ينسى الإنسان ولا يفرق بين هذا المعنى وبين جمع المال وتكثيره حتى يصير حبه للمال حبا جما يدفعه إلى طلب المزيد منه للتكاثر فقط، وعندئذ لا يبالى؛ من حلال جمعه أم من حرام. فعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) [التكاثر]، قال: «يقول ابن آدم مالى، وهل لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت». أخرجه مسلم والترمذى والنسائى وأحمد «١». وهذا الجمع الكثير للمال وبهذه الكيفية؛ أى بغير مبالاة من حرام أم من حلال يدل على حماقة وجهل بحقائق الأمور؛ فإنه بهذا الحب يجمع الكثير ويبخل به فلا ينفق احتسابا فى وجوه البر، وقد لا ينفق على نفسه، فيصير هذا الجمع لغيره، ويصبح هم الطلب له، والانتفاع بالمال لغيره، وعليه بعد ذلك حمل السؤال عنه، ويتضح لنا هذا المعنى من السؤال النبوى الكريم الذى وجهه الرسول ﷺ لأصحابه فى قوله: «أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟» قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: «اعلموا ما تقولون»، قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال: «ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «إنما مال أحدكم ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». حديث صحيح «٢». فإذا أدرك الإنسان هذه الحقائق، وعرف قسمته، وأنها بيد خالقه اتقى الله واكتفى

стр. 21

بالطلب الحلال الطيب الجميل، وليس عليه حرج فى أن يصل بهذا الطريق الحلال إلى ما شاء الله من مال كثير، فهذه قسمته، ولكنه بهذا الطلب الجميل سيعرف الحق ويتجنب المظالم، ويعرف سبل البر وإخراج الحقوق من ماله، فيسعد ويسعد أمته، «فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب». ويحذر الرسول ﷺ فى هذا الحديث الشريف من أمر نفسى خطير قد يدفع الإنسان إلى سلوك محرم فى الطلب وهو: استبطاء وصول هذا الرزق، فإنه يأتى بالحجم الذى يقدره الله، وفى الوقت الذى يشاء فيه، رحمة بخلقه، وعلما بما يصلحهم، فلا يحمل التأخير على أن يطلب الإنسان هذا الرزق بمعصيته وارتكاب مخالفة شرعية؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ولا يبارك فيه إلا إذا اكتسب بطرقه المشروعة. بهذا التوجيه الذى جاء فى هذه المرتبة من مراتب الوحى وهى النفث فى الروع تحل قضية الرزق فيقنع المرء بالحلال، ويطلب منه المزيد، ولا يتشوف إلى مال حرام، ولا يسعى إليه، ولا يحقد، ولا يحسد إخوانه على ما آتاهم الله من فضله فلكلّ قسمته، ولا يتعجل الشيء فتحمله العجلة إلى المخالفة.

стр. 22

كيفية إتيان الوحى إلى النبى ﷺ صلصلة الجرس: ونتناول مرتبة أخرى وهى أنه كان يأتيه فى مثل صلصلة الجرس. فعن أم المؤمنين عائشة. ﵂ أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو أشده علىّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول»، قالت عائشة ﵁: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا «١». وصلصلة الجرس صوت الجرس، والصلصلة فى الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض ثم أطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت لا يدرك فى أول وهلة «٢». وهذه المرتبة هى أشد المراتب على رسول الله ﷺ كما ذكر ﷺ ، ويذكر ابن حجر فى شرحه لقول النبى ﷺ : «وهو أشده علىّ» أنه يفهم منه أن الوحى كله شديد، ولكن هذه الصفة أشدها، وهو واضح، ويذكر الحكمة فى ذلك؛ أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهى هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية، وهو النوع الثانى، والأول أشد بلا شك، وقال شيخ الإسلام البلقينى: سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به، وقال بعضهم: وإنما كان شديدا عليه ليستجمع قلبه، فيكون أوعى لما سمع، ومن مظاهر هذه الشدة: أن جبينه ﷺ يتعصر عرقا فى اليوم الشديد البرد، ويتفصد مأخوذ من الفصد، وهو قطع العرق لإسالة الدم، فشبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة فى كثرة العرق، وذكر العرق فى اليوم الشديد البرد دليل على كثرة المعاناة، والشدة عند نزول الوحى، لما فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة العرق فى شدة البرد، فينزل من الرسول مثل حبات الفضة من العرق فى اليوم الشديد البرد، ومن مظاهر الشدة كذلك: أن راحلته ﷺ لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.

стр. 23

أخرج أحمد من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبى ﷺ كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، والجران: هو مقدم عنقها من المذبح إلى المنحر «١»، فلم تستطع أن تتحرك. صحّح الحاكم هذه الرواية ووافقه الذهبى «٢». ومن مظاهر الشدة كذلك: أن جاءه الوحى مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت ﵁، فثقلت عليه حتى كادت ترضها، فقد أخرج البخارى ﵀ فى التفسير من حديث زيد بن ثابت أن النبى ﷺ أملى عليه «لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله» فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها، علىّ، قال: يا رسول الله! والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ ، وفخذه على فخذى، فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذى، ثم سرى عنه، فأنزل الله «غير أولى الضرر». ولا يفهم من مظاهر هذه الشدة أن رسول الله ﷺ كان يغيب عن إحساسه، كلا، بل يظل الوعى حاضرا أثناء نزول الوحى، وبعد أن يذهب ملك الوحى، ولذلك جاءت صيغة الوعى فى الروايات بالماضى والحاضر، أى فقال ﷺ : «فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال» ويفصم: بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، وتقرأ كذلك بفتح أوله وسكون الفاء وكسر الصاد أى يفصم بمعنى يقلع ويتجلى ما ينشأ، وأصل الفصم: القطع. وقيل الفصم بالفاء القطع بلا إبانة، والقاف القطع بإبانة، فذكر بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود مرة أخرى. فالوعى حاضر أثناء نزول الوحى بوجود الملك، وموجود بعد أن يفارق رسول الله ﷺ ، بعد تبليغ ما أمر به وقد وعى عنه ما قال وما بلغه وما جاء به. وأما صيغة الحاضر ففي الرواية نفسها حيث يقول النبى ﷺ : «فيكلمنى فأعي ما يقول». وفى هذا رد على المغرضين والمشككين الذين يحاولون إثارة الشبهات بلا عقل فتكلموا فى هذه المظاهر على أنها أعراض مرضية، ويرد عليهم بأن هذه المظاهر لم يكن معها غيبة عن الحس كما يحدث فى الأعراض المرضية، فقد ثبت فى الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ لما نزل الحجاب، وأن أم المؤمنين سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا (والمناصع: هى المواضع التى يتخلى فيها البول أو حاجة) «٣» فقال عمر: قد عرفناك يا سودة، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فسألته وهو جالس يتعشى والعرق فى يده (والعرق العظم، فإذا أكل لحم فعراق، أو كلاهما لكلتيهما) «٤»، فأوحى الله إليه

стр. 24

والعرق فى يده، ثم رفع رأسه فقال: «إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن» فهذا دليل على أنه لم يكن الوحى يغيب عنه إحساسه بدليل أنه جالس، ولم يسقط العرق من يده صلوات الله وسلامه عليه «١». وفى مسند أحمد وغيره من حديث ابن لهيعة حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن عمرو ابن الوليد عن عبد الله بن عمرو قلت: يا رسول الله هل تحس بالوحى؟ قال: «نعم أسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك، وما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسى تغيض منه» وتغيض يعنى تقبض، وقال الإمام أحمد- أيضا- يرويه عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها «١». فالنزول وهو راكب دليل على الوعى، والنزول مع ثقل الوحى على الدابة استمرار لهذا الوعى. ثم نتساءل بعد ذلك، هل تكون هذه المظاهر أعراضا مرضية- كما يزعم الزاعمون- وتكون عاقبة هذا الوحى قرآنا معجزا فى أسلوبه وموضوعه وجوانبه العلمية؟

стр. 25

ما فرض من الله تعالى ليلة المعراج ونتناول مرتبة أخرى وهى ما أوحاه الله سبحانه إلى نبيه ﷺ وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها. وهذه المرتبة تبين لنا فضل الله على رسوله ﷺ وعظيم قدرة الله ﵎: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) [الإسراء]. وقد تواترت الروايات فى حديث الإسراء ووصف ما حدث تفصيلا عن عمر بن الخطاب وعلىّ وابن مسعود وأبى ذر ومالك بن صعصعة وأبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس وشداد بن أوس وأبىّ بن كعب وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وأبى أيوب وأبى أمامة وسمرة بن جندب وصهيب الرومى وأم هانئ وعائشة وأسماء ﵃ أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع فى المسانيد وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون، ذكر ذلك الحافظ أبو الخطاب عمر بن وهب بعد ذكره حديث الإسراء من طريق أنس. ومن مجموع هذه الأحاديث التى جمعها الإمام ابن كثير فى تفسيره يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة قبل الهجرة، وأنه كان يعطيه الزمام راكبا على البراق. فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى فى قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذى درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين فى السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم حتى مر بموسى الكليم فى السادسة وإبراهيم الخليل فى السابعة، ثم جاوز منزلتيهما صلى الله وسلم عليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وقد غشيها من أمر الله تعالى ما غشيها، ورأى هناك جبريل على صورته، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل- بانى الكعبة الأرضية- مسندا ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس، رحمة منه ولطفا بعباده، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت

стр. 26

الصلاة، ومن الناس من يرى أنه أمّهم فى السماء، والذى تظاهرت به الروايات أنه فى بيت المقدس، ولكن فى بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم فى منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا، واحدا وهو يخبر بهم؛ ويرى ابن كثير أن هذا هو اللائق لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوى ليعرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذى أريد به اجتمع هو واخوته، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه للإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له فى ذلك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة. والله أعلم. وكان ذلك ببدنه وروحه- ﵊ يقظة وليس- كما يزعم البعض- بروحه فقط وأنه كان مناما. والدليل على ذلك قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [الإسراء: ١]. فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شىء، ولم يكن مستعظما، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال تعالى: أَسْرى بِعَبْدِهِ وقال تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]. قال ابن عباس: هى رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به، وقال تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) [النجم]. والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضا فإنه حمل على البراق- وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان- وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج فى حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم «١». وعلى هذا كانت صورة الوحى هنا فوق السموات، وكان مما فرض فيها الصلاة، وفرضية الصلاة فى هذه المرتبة يدل على شرفها وقدرها ومنزلتها بين الفرائض الأخرى، وكذلك أهميتها فى حياة الإنسان، وثمرتها فى حياته، أما منزلتها من الفرائض الإسلامية فتأتى بعد كلمتى الشهادة، فالإسلام بنى على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وهى من الإسلام عماده، قال رسول الله ﷺ : «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله»، وهى أول ما يحاسب عليه العبد. قال رسول الله ﷺ : «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله» «٢». وهى آخر وصية وصى به رسول الله

стр. 27

صلى الله عليه وسلم أمته عند موته حيث جعل يقول: «الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم». وأما أهميتها وثمرتها فى حياة الفرد والأمة، فإنها العمل الذى بإقامته على وجهه الصحيح يذكر بها ربه، فيطمئن قلبه، وتهدأ نفسه، وينشرح صدره، وتسعد بها حياته، ولولا هذه الصلة لضاق الصدر، وضاقت الحياة، ووضع فى الضنك، وصار الشيطان قرينه، مفسدا عليه حياته، وهى التى تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهى التى تجمع المسلم بإخوانه كل يوم خمس مرات فى بيت من بيوت الله، فتأتلف قلوبهم، ويعالجون أمور حياتهم، فهذه الفريضة بهذه المكانة العظيمة، وبهذا الأثر العظيم كان إيجابها بمخاطبة الله سبحانه لرسوله ﷺ ليلة المعراج من غير واسطة، قال أنس: «فرضت الصلاة على النبى ﷺ ليلة أسرى به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودى يا محمد: إنه لا يبدل القول لدى، وإن لك بهذه الخمس خمسين». رواه أحمد والنسائى والترمذى وصححه «١». هذه هى مرتبة ما أوحاه الله إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج. ومن مراتب الوحى وصوره مع الرسول الكريم والتى ذكرها ابن القيم ﵀: كلام الله له كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى ﵇ قطعا بنص القرآن الكريم، وبثبوتها لنبينا ﷺ وهو فى حديث الإسراء، وقد ذكرنا بعضا من ذلك سابقا. ويقول ابن القيم: وقد زاد بعضهم مرتبة وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب، وهذا على مذهب من يقول: إنه ﷺ رأى ربه ﵎، وهى مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة مع أم المؤمنين عائشة ﵂، كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمى إجماعا للصحابة «٢». وبعد تناولنا لهذه المراتب ينبغى أن نبرز ما يلى: أولا: رؤي الأنبياء- كما مر بنا- ليست من قبيل أضغاث الأحلام، فإذا كانت الرؤيا إدراك يقوم بجزء من القلب لا يحله النوم فإن الأنبياء لا يستولى النوم على قلوبهم، ولا على جزء منها. ثانيا: لم ينزل شىء من القرآن على النبى ﷺ فى النوم بل نزل كله يقظة، وأما ما جاء فى صحيح الإمام مسلم عن أنس قال: مر بنا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا فى المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: «أنزل علىّ آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ

стр. 28

الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر]. فقد أجاب الإمام الرافعى ﵀ فى أماليه على الفاتحة بقوله: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت فى تلك الإغفاءة وقالوا: من الوحى ما كان يأتيه فى النوم لأن رؤيا الأنبياء وحى قال: وهذا صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل فى اليقظة وكأنه خطر له فى النوم سورة الكوثر المنزلة فى اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذى وردت فيه السورة فقرأها عليهم وفسرها لهم، ويقول الرافعى: وردت فى بعض الروايات أنه أغمى عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التى كانت مقترنة عند نزول الوحى، ويقال لها: برحاء الوحى ... ويعلق الإمام السيوطى ﵀ على قول الرافعى بقوله: والذى قاله الرافعى فى غاية الاتجاه وهو الذى كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه، والتأويل الأخير أصح من الأول، لأن قوله: أنزل علىّ آنفا يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول: نزلت فى تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التى كانت تعتريه عند الوحى فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا «١». ولا يفهم من الأخذ عن الدنيا أنه كان يغيب عن الوعى. كلا فقد مر بنا ما يفيد الوعى المستمر أثناء نزول الوحى، وبعد أن يفصم عنه ﷺ ، حيث يقول النبى ﷺ فى ذلك: «فيكلمنى فأعي ما يقول». ويقول: «فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال». كما أنه أوحى إليه والعرق فى يده كما حكى عمر ﵁ فى الحديث الذى جاء فيه قول النبى ﷺ : «إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكنّ». وأنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها، فالوعى إذا مستمر مع نزول الوحى، وليس عرضا مرضيا أو عصبيا كما يدعى المغرضون. وكيف يكون مع المرض إعجاز وعلم وهدى للعالمين؟! ثالثا: ليس الوحى اختياريا، أو تكلفا، أو طوع أمره ﷺ فقد طلبه فى أشد الأوقات، وكان يشتاق إلى كثرة نزول جبريل عليه، ولكن لا ينزل الوحى إلا بأمر الله، وفى الوقت الذى يشاء، روى الترمذى عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت هذه الآية: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) «٢» [مريم]. ورواه البخارى عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية، قال: كان هذا الجواب

стр. 29

لمحمد ﷺ . وقال مجاهد وقتادة وعكرمة والضحاك ومقاتل والكلبى: احتبس جبريل عن النبى ﷺ حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذى القرنين والروح ولم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبريل بجواب ما سألوا عنه، قال عكرمة: فأبطأ عليه أربعين يوما، وقال مجاهد: اثنتى عشرة ليلة، وقيل خمسة عشر يوما، وقيل: ثلاثة أيام، فقال النبى ﷺ : «أبطأت حتى ساء ظنى واشتقت إليك» فقال جبريل ﵇: إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست، فنزلت الآية: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ، وأنزل: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) [الضحى]. رابعا: إن أصحاب النبى ﷺ كانوا يشاهدون مظاهر الوحى، وكانوا يشاهدون ملك الوحى جبريل ﵇ عند ما كان يأتى فى صورة رجل، ليعلم أصحاب النبى ﷺ أمور دينهم وقد وصفه عمر- كما مر بنا وصفا دقيقا. خامسا: إن وحى الله إلى رسوله ﷺ سار فى طريقين ميسرين للعالمين؛ أولهما: متلو معجز وهو القرآن الكريم، والثانى: سنة النبى ﷺ والتى هى بيان للسبيل الأول الذى نسعد بصحبته ونتتبع تنزلاته.

стр. 30

تنزلات القرآن الكريم لقد جاء التعبير بمادة الإنزال وما تصرف منها أو التقى معها تنويها بشرف ذلك الكتاب العزيز، وعلو منزل الكتاب علوا كبيرا، قال تعالى فى فاتحة سورة الزخرف: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤). ومن صيغ التنزيل ما جاء مقترنا بصفات المنزّل سبحانه، ومنها ما جاء بوصف المنزّل، ومنها ما يتعلق بالمنزل عليه ﷺ ، وما يتعلق بالمخاطبين به لإدراك نعمة الله عليهم فى هذا التنزيل. فمما جاء فيه صفات المنزّل سبحانه قوله جل شأنه: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) [غافر]. وقوله سبحانه: حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) [فصلت]. وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) [فصلت]. وقوله جل شأنه: حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) [الجاثية] وقوله ﵎: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) [الواقعة]، فالمنزل للقرآن سبحانه رب العالمين، هو الذى خلق، ورزق خلقه ورعاهم ورباهم، منحهم رزقه ووحيه، وهو العزيز الذى لا يغلب، والعليم بكل شىء، وبما يصلح خلقه، فأنزل لهم ما يأخذ بأيديهم فى كل شئونهم، وهو غافر الذنب والزلات، وقابل التوب، وهو شديد العقاب لمن كفر وخالف وطغى، إنه القوى الذى لا إله إلا هو، وهو الرحمن وهو الرحيم، وهو الحكيم والحميد. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) [الكهف]. وأما المنزل عليه فيذكر من صفاته ما جاء فى قوله جل شأنه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء]. فالذى نزل به أمين، على قلب الرسول الأمين، ليكون من المنذرين. وكذلك ما جاء فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦]. وجاء الوصف هنا بالرسالة ردا على التصورات الفاسدة فى استبعاد أن ينزل الله على بشر قال تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ

стр. 31

مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [الأنعام: ٩١]. وجاء كذلك قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) [الفرقان]، فوصف بالعبودية لله فهو عبد الله وهو النذير للعالمين. وكذلك قوله جل شأنه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، كما ذكر رسول الله ﷺ مع التنزيل باسمه فقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) [محمد]. كما ذكر مع التنزيل وصف للمنزل فقال تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) [الإسراء] وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر]. وقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر] وقال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) [النحل] وقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء] وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء]، وقال جل شأنه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) [الفرقان]، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) [الشورى]، وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) [التغابن]، وقال تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢) [الأنعام]، وقال ﵎: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) [طه]، وقال جل شأنه: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) [الحج]، وقال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص]. فهذه مجموعة من الصفات المتعلقة بالقرآن الكريم المنزل على رسول الله ﷺ ، فبالحق أنزله الله، ونزل وفيه الحق، وهو أحسن الحديث، وهو الذى يملأ قلوب قارئيه وسامعيه خشية من ربهم وسكينة وطمأنينة وهدى، وهو الذكر المحفوظ بوعد الله ليكون معطاء للعالمين إلى قيام الساعة، وهو التبيان لكل شىء بما فيه من أصول تعود إليها الأحكام فى كل شىء، وهو الرحمة والبشرى للمسلمين، وهو الشفاء للمؤمنين، وهو الذى أنزل مفرقا ليقرأه الرسول على الناس فى يسر وسهولة ليحسنوا فى تلقيه، وكذلك لتثبيت فؤاده، وهو النور الكاشف الهادى، وهو المبارك والمصدق لما بين يديه، وهو القرآن الذى نزل بلسان عربى مبين. ولقد نعم المؤمنون بهذه الصفات وغيرها

стр. 32

واستمتعوا بها فى كتاب الله وسعدوا بثمراتها. وقد اختار الله لإنزال كتابه الوقت الذى جاء وصفه فى قوله تعالى: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) [الدخان] وفى قوله جل شأنه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) [القدر]. وفى قوله سبحانه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥] فالليلة التى أنزل فيها القرآن الكريم ليلة مباركة، وهى ليلة القدر، وهى خير من ألف شهر، وهى فى شهر رمضان وهو الشهر الكريم المبارك. إن هذا التنزيل الذى وصف معه المنزّل سبحانه بما عرفنا ووصف المنزّل عليه، ووصف المنزّل، شد انتباه المنزّل إليهم ليتدبروا هذا الذكر الذى فيه خيرهم، وفيه سعادتهم وشرفهم. فماذا جاء بشأن المنزل من أجلهم؟ وما مراحل تنزلات القرآن الكريم حتى وصل إلى قلب النبى ﷺ ؟ يقول الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: ١٦] وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١٣٦) [النساء]، وقال تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢) [النساء]، وقال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) [الأنبياء]، وقال تعالى: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) [إبراهيم]، فالذين أنزل من أجلهم الكتاب عليهم أن يحسنوا فى تلقيه وذلك بالإيمان به إيمانا تخشع به القلوب لذكر الله وما نزل من الحق. وينطلق به المؤمن للعمل بهذا الكتاب الذى أنزل من أجله ليحل حلاله، ويحرم حرامه، وليقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويتعظ به سلوكه فى الإيمان باليوم الآخر وكل ما جاء فيه من أنباء الغيب. والإنسان بهذا الإيمان وتلك الاستقامة يخرج بإذن الله من الظلمات إلى النور وكفى بذلك شرفا وتكريما لمن كان له عقل إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 33

الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) [الإسراء]. ويتضح لنا من هذا العرض القرآنى الكريم للتنزيل وما يتعلق به كيف كانت مسيرة الوحى لهداية العالمين فى هذا النور، وفى الطريق الأمين حتى تنزل على قلب النبى ﷺ ؟ وكيف هيئت النفوس لاستقبال هذا النور والانتفاع به، وجنى ثمراته فى النفس والقلب والسلوك وشئون الحياة جميعا؟ فماذا بعد ذلك من تنزلات القرآن الكريم؟ إن المتأمل فى النصوص القرآنية السابقة يرى أن نزول القرآن الكريم عبر عنه فى آيات بقول الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر]، وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان: ٣] وكذلك قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥] فيفهم من ذلك أن القرآن نزل كله فى الليلة المباركة وفى الشهر المبارك. فإذا قرأنا قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [الإسراء: ١٠٦] وكذلك قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] ثم واقع نزول القرآن على الرسول ﷺ مدة ثلاثة وعشرين عاما، دل ذلك على نزول القرآن الكريم على فترات، فكيف يكون التوجيه فى ذلك؟ إن الوقوف على تنزلات القرآن الكريم الثلاثة يبين لنا هذا. التنزل الأول: إلى اللوح المحفوظ ودليل ذلك قوله جل شأنه: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) [البروج]. واللوح المحفوظ هو السجل الجامع لكل ما قضى الله وقدّر وكل ما كان وما يكون من عوالم الإيجاد والتكوين، وهذا من مظاهر قدرة الله وعظمته وعلمه وإرادته وحكمته وواسع سلطانه وقدرته، وهذا يبعث على الرضا ويغرس السكينة فى مواجهة ما يصيب الإنسان، قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) [الحديد]. التنزل الثانى: إلى بيت العزة فى السماء الدنيا والذى جاء فيه قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان: ٣] وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر] وقوله جل شأنه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥]. وهذا التنزل بهذا المعنى يذهب التعارض بين النزول جملة والنزول على الرسول مفرقا، وقد جاءت الروايات بما يؤيد هذا الاتجاه فقد أخرج الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس

стр. 34

رضي الله عنهما أنه قال: فصل القرآن من الذكر فوضع فى بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل يتنزل به على النبى ﷺ . كما أخرج النسائى والحاكم والبيهقى من طريق داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك فى عشرين سنة، ثم قرأ: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان]. وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء] وأخرج الحاكم والبيهقى وغيرهما من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسول الله ﷺ بعضه فى إثر بعض. فهذه أحاديث مما ذكره السيوطى- موقوفة على ابن عباس ﵄. ولها حكم المرفوع إلى النبى ﷺ لما هو معروف من أن قول الصحابى فيما لا مجال للرأى فيه، ولم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات له حكم المرفوع. ونزول القرآن إلى بيت العزة من أنباء الغيب التى لا تعرف إلا من المعصوم ﷺ ، وابن عباس ﵄ لم يعرف بالأخذ عن الإسرائيليات، وعلى ذلك يثبت الاحتجاج بهذه الروايات. التنزل الثالث: وهو تنزل النور الذى أضاء الدنيا وأخرج الناس من ظلماتهم، والذى جاء فى قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء]. وهذا التنزل الثالث هو نزول القرآن فيه مفرقا ومنجما والذى سنتعرف- إن شاء الله- بعد ذلك على أول ما نزل وآخر ما نزل بعد مدارستنا لحكمة هذه التنزلات.

стр. 35

الحكمة من هذه التنزلات يرى بعض العلماء فى تعدد النزول وأماكنه- مرة فى اللوح المحفوظ، وأخرى فى بيت العزة، وثالثة على قلب النبى ﷺ تأكيدا على نفى الشك عن القرآن الكريم، وزيادة للإيمان به، وباعثا على الثقة فيه؛ لأن الكلام إذا سجل فى سجلات متعددة، وقسمت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للريب عنه وأدعى إلى التسليم بثبوته، وأدنى إلى وفرة الإيقان به مما لو سجل فى سجل واحد، أو كان له وجود واحد. وأما نزول القرآن الكريم مفرقا على رسول الله ﷺ فذلك لحكمة عظيمة يمكن أن نتدارسها لنرد بها على مطلب الكافرين الذين قالوا ما حكاه القرآن الكريم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢]. ولنبين أن الإنزال جملة واحدة على الرسول الكريم ما كان يحقق هذه الغايات وتلك الحكم، وأن الخير كله فيما قدره الله وأنفذه من إنزال كتابه الكريم مفرقا على رسوله ﷺ ونتعرف على هذه الحكمة فى اتجاهات ثلاثة: الأول: ما يتعلق بالنبى ﷺ . الثانى: ما يتعلق بالأمة. الثالث: ما يتعلق بالمنهج. أما ما يتعلق بالنبى ﷺ فهذا ما ذكره الله سبحانه فى قوله الكريم: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) [الفرقان] فمن الحكم العظيمة: تثبيت قلب النبى ﷺ وشرح صدره، وتدرك هذه الحكمة وهذه الثمرة عند ما نطالع صفحة حياة النبى ﷺ فى دعوته المباركة وما واجهه من تحديات خطيرة تحتاج إلى تثبيت فقد واجهه المشركون، وواجهه أهل الكتاب، وواجهه المنافقون، وكان لكل فريق من هؤلاء صور من التحديات الخطيرة؛ فأما المشركون فواجهوه ومن آمن به بالفتنة فى الأبدان والأموال وشمل ذلك النبى ﷺ بدءا بوضع الشوك فى طريقه وإلقاء النجاسات والقاذورات عليه وهو ساجد، وانتهاء بالتدبير لقتله،

стр. 36

وشمل ذلك أصحابه تعذيبا وتحريقا وقتلا. وواجهوه وأصحابه بالفتنة فى الأموال مغالاة ومقاطعة ومصادرة إلى درجة شاقة جعلت خبابا يقول للرسول ﷺ : ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ ويجيبه الرسول ﷺ : «إن الرجل ممن قبلكم كان يؤخذ فتحفر له الحفرة، ويوضع فيها ويجعل السيف على رأسه فيشقّ نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يزيده ذلك إلا تمسكا بدينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون». كما واجهوه وأصحابه بالسخرية والاستهزاء، والمساومة والإغراء، والقتال المنظم وكان ذلك شاقا، ويحتاج إلى تثبيت قلب النبى ﷺ وأصحابه، وأن يشعروا دائما أن الله معهم، والوحى يؤيدهم ويوجههم. كما واجهه ﷺ أهل الكتاب من اليهود والنصارى بعداءات انطلقت من حقد قلوب عرفت الحق فجحدته، ووجهت تحدياتهم بعلم مصحوب بتحريف وتغيير وتبديل، فبعد أن ذهب حيىّ بن أخطب وأخوه أبو ياسر إلى النبى ﷺ وعادا كالّين كسلانين ساقطين، سمعت السيدة صفية عمها أبا ياسر يقول لأخيه حيى: أهو هو؟، قال: نعم، والله إنه هو. قال: أتعرفه وتثبته، قال: نعم. قال فما فى نفسك منه؟ قال: عداوته ما بقيت. وكان فى مواجهة هذه العداوة وصورها حاجة إلى تثبيت وتوجيه وبيان للحق الذى يحرف. وواجه رسول الله ﷺ تحديات أخرى من الفئة الثالثة التى أظهرت الإسلام وأبطنت الكفر وعاشت على النفاق، ووضعت يدها فى يد أعداء النبى ﷺ من المشركين وأهل الكتاب، وصاروا الداء الخبيث الذى يعمل داخل الأمة فى خفاء، ولا يحجم عن الظهور بالأعمال الصالحة التى يخفى وراءها تدبيرا قاتلا. كان الرسول ﷺ يواجه كل هؤلاء مجتمعين ومتفرقين، وكان مع هذه المواجهة فى حاجة إلى تثبيت قلبه ليمضى في تبليغ رسالة ربه، ولا يخفى ما فى تكرر نزول جبريل عليه بالقرآن من شد الأزر وتثبيت القلب وتفريج الكرب وإذهاب الحزن كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: ٣٢]. كما أن ما يتعلق بالنبى ﷺ فى نزول القرآن الكريم مفرقا يظهر جليا فى تيسير الحفظ والترتيل، وتجدد الإعجاز والتدرج فى تربية الأمة تعليما ورعايتها عملا وسلوكا. ولنتدبر إلى بعض هذه التوجيهات القرآنية فى مواقف متكررة من حياة

стр. 37

النبى ﷺ . يحكى القرآن الكريم له قصص الرسل ثم يقول الله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠]. ومرة يقول له: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٩] وفى موقف آخر: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]، وفى موقف مواجهة أخرى يقول له: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر] وفى موقف آخر يقول له: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) [فاطر] وفى غيره يقول له: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) [النحل]. وفى موقف آخر يخوف عواقب حزنه من كفر أعدائه فيقول: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) [الشعراء]. ويضعه فى مرة أخرى أمام تعرية لنفوس هؤلاء وبيان لنتيجتهم فيقول: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) [الأنعام].

стр. 38

حاجة الأمة للنزول المفرق ونتناول وجها آخر يتعلق بالأمة وحاجتها إلى هذا النزول المفرق: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران]. بهذا وصف الناس قبل بعثة النبى ﷺ ؛ كانوا فى ضلال مبين، شمل ضلال العقيدة، والتصورات التى بنيت عليها نحو الكون والإنسان والحياة، كما تشمل الضلال فى السلوك العملى للإنسان والعلاقات بين الناس، ومن مظاهر الضلال فى العقيدة: أن يصنع الإنسان إلهه بيده ثم يسجد له ويعلق حياته به رغبة ورهبة، ومن ضلال تصورات الإنسان نحو الحياة أن جعلوها كل شىء ولا حياة بعدها، وهذا التصور يفسد الحياة حيث يتحول فى هذا التصور الإنسان إلى حيوان مفترس يريد أن يحظى بكل شىء، ولو على حساب الآخرين، وأن يشبع شهواته ولو أفسد حياة غيره، فهذا التصور يقيم حياة الناس على أساس الظلم الذى قال عنه زهير الشاعر الجاهلى: ومن لا يظلم الناس يظلم ومن ضلال التصور للإنسان أن الإنسان يقاس بما يملك من مال وما ينتمى إليه من عصبية، فمن ملك ذلك فهو العظيم فى تصورهم، ومن حرم من شىء من ذلك كان وضيعا، وليس أهلا للمكرمات، فصارت النظرة قائمة على عنصرية ظالمة لا دخل للإنسان فيها. ومن خلال التصور نحو الكون الذى يعيش فيه وبين آياته أن اتخذت بعض هذه الآيات للتقديس والعبادة من دون الله. ومن مظاهر الضلال فى العلاقات أن النفوس التى بنيت على المعانى الفاسدة السابقة صارت نفوسا ضعيفة وشحنت بالعداوة والبغضاء، وصار الطيش والسفه من سمات هذه النفوس، وأصبحت الحروب تشن لأتفه الأسباب، وصار التناصر فى الحروب لا يقوم على الحق وإقامة العدل بل تحكمت فيه العصبية. لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال برهانا ومن هذا السفه وهذه الحماقة أخذت هذه الحياة صفة الجاهلية: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

стр. 39

ومن مظاهر الضلال المبنى على التصورات السابقة أن أموال الناس صارت تؤكل بالباطل، وأن امتصاص دماء الآخرين عن طريق التعامل بالربا صار متبعا، وأما العلاقات الاجتماعية فوجد فيها الضلال فى علاقة الزوج بزوجته حيث كانت من سقط المتاع؛ لا يعبأ برأيها زوجة ويتشاءم منها، وتنشأ بينهما طفلة، وتورث إذا مات زوجها، وامتهنت كرامتها فيما شاع من سفاح وفاحشة. هذه صورة موجزة لحالة الأمة قبل البعثة والتى وصفت بالضلال المبين مرة ووصفت بالجاهلية أخرى، ووصفت بالظلمات مرة، وبالموت والخمول أخرى. فكيف يعمل الوحى عمله فى هذه الضلالات المتراكمة والمترابطة؟ هل يجدى أن ينزل الوحى جملة واحدة ليعالج مثل هذه الحالات المتشابكة؟ أم أن ينزل على فترات ليأخذ بيد الناس أخذا رفيقا يرتب فيه الأهم فالمهم، ويقدم العلاج الذى يجتث هذه الأمراض المتمكنة؟ وإن كنا سنتناول ذلك تفصيلا فيما يتعلق بوجه المنهج إلا أننا نركز هنا أن النزول مفرقا كان لا بدّ منه لمواجهة هذه الحالات المتشعبة والضاربة فى كل اتجاه. فإذا أضفنا إلى ذلك حالة الأمة فى كونها أمة أمية وأن عدد الكتاب والقراء فى بداية الوحى كان قليلا، أدركنا الحكمة من نزول القرآن الكريم مفرقا ليقرأه الرسول على الناس على مكث وليرتله ترتيلا يسهل معه حفظه وفهمه والعمل به. وإذا كانت تصورات الناس فى الرسل أن يكونوا ملائكة، وأن هذا جعل بعضهم يستبعد أن يرسل الله بشرا رسولا. ونظر بعضهم بالمقاييس السابقة فقالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) [الزخرف] ويقصدون بالعظمة هنا عظمة المال والجاه. كان لا بدّ فى مواجهة هذه التصورات الفاسدة نحو النبوة أن يظل اتصال جبريل برسول الله ﷺ مستمرا، وعلى فترات طويلة؛ حتى يتأكد لهم الدليل بعد الدليل على نبوته ورسالته، وحتى تؤتى المعجزة ثمارها فى قلوب هؤلاء. وحالة الناس هذه على قدر شدة ضلالها وشدة ظلماتها وخمولها تحتاج إلى زمن وجهد متواصل فى نقلهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الموت والخمول إلى الحياة الطيبة النقية: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء]. ومما يتصل بحالة الأمة كذلك أن من آمن منها تعرض لتحديات فى حاجة إلى تثبيت مستمر كذلك، وتسليحهم بالصبر وتوجيههم إلى سبيل المواجهة الصحيحة، ومنحهم

стр. 40

تجارب الأمم السابقة مع رسلهم وكيف كانت عاقبة المؤمنين، وفى الوقت نفسه تعرض أمام المعاندين نتائج عناد من سبقهم، وهذا لا يتأتى بنزول القرآن جملة واحدة، فكيف يخاطب قوم بمثل قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) [النور]، كيف يخاطبون بذلك ولم يدخلوا مثل هذه التجربة؟ وكيف تحكى غزوة الأحزاب ولما تحدث بعد؟ وكيف يحكى يوم حنين ولما يأت بعد؟ إن من دلائل الإعجاز أن يكون كل هذا مسطورا فى اللوح المحفوظ قبل أن يحدث بين المؤمنين والكافرين، وأن يكون محفوظا فى بيت العزة، وأن ينزل مفرقا حسب ما شاء الله وعلى ما يناسب وقت التنزيل: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان] ويتضح ذلك جليا عند تمام الحديث عن حكم نزول القرآن مفرقا فى الوجه الثالث الذى يتعلق بمنهج التبليغ للناس.
следующие страницы →