Полный текст (359 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وشمل ذلك أصحابه تعذيبا وتحريقا وقتلا. وواجهوه وأصحابه بالفتنة فى الأموال مغالاة ومقاطعة ومصادرة إلى درجة شاقة جعلت خبابا يقول للرسول ﷺ : ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ ويجيبه الرسول ﷺ : «إن الرجل ممن قبلكم كان يؤخذ فتحفر له الحفرة، ويوضع فيها ويجعل السيف على رأسه فيشقّ نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يزيده ذلك إلا تمسكا بدينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».
كما واجهوه وأصحابه بالسخرية والاستهزاء، والمساومة والإغراء، والقتال المنظم وكان ذلك شاقا، ويحتاج إلى تثبيت قلب النبى ﷺ وأصحابه، وأن يشعروا دائما أن الله معهم، والوحى يؤيدهم ويوجههم.
كما واجهه ﷺ أهل الكتاب من اليهود والنصارى بعداءات انطلقت من حقد قلوب عرفت الحق فجحدته، ووجهت تحدياتهم بعلم مصحوب بتحريف وتغيير وتبديل، فبعد أن ذهب حيىّ بن أخطب وأخوه أبو ياسر إلى النبى ﷺ وعادا كالّين كسلانين ساقطين، سمعت السيدة صفية عمها أبا ياسر يقول لأخيه حيى: أهو هو؟، قال: نعم، والله إنه هو. قال: أتعرفه وتثبته، قال: نعم. قال فما فى نفسك منه؟ قال: عداوته ما بقيت.
وكان فى مواجهة هذه العداوة وصورها حاجة إلى تثبيت وتوجيه وبيان للحق الذى يحرف.
وواجه رسول الله ﷺ تحديات أخرى من الفئة الثالثة التى أظهرت الإسلام وأبطنت الكفر وعاشت على النفاق، ووضعت يدها فى يد أعداء النبى ﷺ من المشركين وأهل الكتاب، وصاروا الداء الخبيث الذى يعمل داخل الأمة فى خفاء، ولا يحجم عن الظهور بالأعمال الصالحة التى يخفى وراءها تدبيرا قاتلا.
كان الرسول ﷺ يواجه كل هؤلاء مجتمعين ومتفرقين، وكان مع هذه المواجهة فى حاجة إلى تثبيت قلبه ليمضى في تبليغ رسالة ربه، ولا يخفى ما فى تكرر نزول جبريل عليه بالقرآن من شد الأزر وتثبيت القلب وتفريج الكرب وإذهاب الحزن كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: ٣٢]. كما أن ما يتعلق بالنبى ﷺ فى نزول القرآن الكريم مفرقا يظهر جليا فى تيسير الحفظ والترتيل، وتجدد الإعجاز والتدرج فى تربية الأمة تعليما ورعايتها عملا وسلوكا. ولنتدبر إلى بعض هذه التوجيهات القرآنية فى مواقف متكررة من حياة
стр. 37
النبى ﷺ . يحكى القرآن الكريم له قصص الرسل ثم يقول الله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: ١٢٠]. ومرة يقول له: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [الطور: ٤٩] وفى موقف آخر: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧]، وفى موقف مواجهة أخرى يقول له: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر] وفى موقف آخر يقول له: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨) [فاطر] وفى غيره يقول له: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) [النحل]. وفى موقف آخر يخوف عواقب حزنه من كفر أعدائه فيقول:
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) [الشعراء].
ويضعه فى مرة أخرى أمام تعرية لنفوس هؤلاء وبيان لنتيجتهم فيقول: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ
بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
(٣٦) [الأنعام].
стр. 38
حاجة الأمة للنزول المفرق
ونتناول وجها آخر يتعلق بالأمة وحاجتها إلى هذا النزول المفرق: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران]. بهذا وصف الناس قبل بعثة النبى ﷺ ؛ كانوا فى ضلال مبين، شمل ضلال العقيدة، والتصورات التى بنيت عليها نحو الكون والإنسان والحياة، كما تشمل الضلال فى السلوك العملى للإنسان والعلاقات بين الناس، ومن مظاهر الضلال فى العقيدة: أن يصنع الإنسان إلهه بيده ثم يسجد له ويعلق حياته به رغبة ورهبة، ومن ضلال تصورات الإنسان نحو الحياة أن جعلوها كل شىء ولا حياة بعدها، وهذا التصور يفسد الحياة حيث يتحول فى هذا التصور الإنسان إلى حيوان مفترس يريد أن يحظى بكل شىء، ولو على حساب الآخرين، وأن يشبع شهواته ولو أفسد حياة غيره، فهذا التصور يقيم حياة الناس على أساس الظلم الذى قال عنه زهير الشاعر الجاهلى:
ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن ضلال التصور للإنسان أن الإنسان يقاس بما يملك من مال وما ينتمى إليه من عصبية، فمن ملك ذلك فهو العظيم فى تصورهم، ومن حرم من شىء من ذلك كان وضيعا، وليس أهلا للمكرمات، فصارت النظرة قائمة على عنصرية ظالمة لا دخل للإنسان فيها. ومن خلال التصور نحو الكون الذى يعيش فيه وبين آياته أن اتخذت بعض هذه الآيات للتقديس والعبادة من دون الله. ومن مظاهر الضلال فى العلاقات أن النفوس التى بنيت على المعانى الفاسدة السابقة صارت نفوسا ضعيفة وشحنت بالعداوة والبغضاء، وصار الطيش والسفه من سمات هذه النفوس، وأصبحت الحروب تشن لأتفه الأسباب، وصار التناصر فى الحروب لا يقوم على الحق وإقامة العدل بل تحكمت فيه العصبية.
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... للنائبات على ما قال برهانا
ومن هذا السفه وهذه الحماقة أخذت هذه الحياة صفة الجاهلية:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
стр. 39
ومن مظاهر الضلال المبنى على التصورات السابقة أن أموال الناس صارت تؤكل بالباطل، وأن امتصاص دماء الآخرين عن طريق التعامل بالربا صار متبعا، وأما العلاقات الاجتماعية فوجد فيها الضلال فى علاقة الزوج بزوجته حيث كانت من سقط المتاع؛ لا يعبأ برأيها زوجة ويتشاءم منها، وتنشأ بينهما طفلة، وتورث إذا مات زوجها، وامتهنت كرامتها فيما شاع من سفاح وفاحشة.
هذه صورة موجزة لحالة الأمة قبل البعثة والتى وصفت بالضلال المبين مرة ووصفت بالجاهلية أخرى، ووصفت بالظلمات مرة، وبالموت والخمول أخرى. فكيف يعمل الوحى عمله فى هذه الضلالات المتراكمة والمترابطة؟ هل يجدى أن ينزل الوحى جملة واحدة ليعالج مثل هذه الحالات المتشابكة؟ أم أن ينزل على فترات ليأخذ بيد الناس أخذا رفيقا يرتب فيه الأهم فالمهم، ويقدم العلاج الذى يجتث هذه الأمراض المتمكنة؟ وإن كنا سنتناول ذلك تفصيلا فيما يتعلق بوجه المنهج إلا أننا نركز هنا أن النزول مفرقا كان لا بدّ منه لمواجهة هذه الحالات المتشعبة والضاربة فى كل اتجاه. فإذا أضفنا إلى ذلك حالة الأمة فى كونها أمة أمية وأن عدد الكتاب والقراء فى بداية الوحى كان قليلا، أدركنا الحكمة من نزول القرآن الكريم مفرقا ليقرأه الرسول على الناس على مكث وليرتله ترتيلا يسهل معه حفظه وفهمه والعمل به.
وإذا كانت تصورات الناس فى الرسل أن يكونوا ملائكة، وأن هذا جعل بعضهم يستبعد أن يرسل الله بشرا رسولا. ونظر بعضهم بالمقاييس السابقة فقالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) [الزخرف] ويقصدون بالعظمة هنا عظمة المال والجاه. كان لا بدّ فى مواجهة هذه التصورات الفاسدة نحو النبوة أن يظل اتصال جبريل برسول الله ﷺ مستمرا، وعلى فترات طويلة؛ حتى يتأكد لهم الدليل بعد الدليل على نبوته ورسالته، وحتى تؤتى المعجزة ثمارها فى قلوب هؤلاء.
وحالة الناس هذه على قدر شدة ضلالها وشدة ظلماتها وخمولها تحتاج إلى زمن وجهد متواصل فى نقلهم من الظلمات إلى النور ومن الضلال إلى الهدى ومن الموت والخمول إلى الحياة الطيبة النقية: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء].
ومما يتصل بحالة الأمة كذلك أن من آمن منها تعرض لتحديات فى حاجة إلى تثبيت مستمر كذلك، وتسليحهم بالصبر وتوجيههم إلى سبيل المواجهة الصحيحة، ومنحهم
стр. 40
تجارب الأمم السابقة مع رسلهم وكيف كانت عاقبة المؤمنين، وفى الوقت نفسه تعرض أمام المعاندين نتائج عناد من سبقهم، وهذا لا يتأتى بنزول القرآن جملة واحدة، فكيف يخاطب قوم بمثل قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) [النور]، كيف يخاطبون بذلك ولم يدخلوا مثل هذه التجربة؟ وكيف تحكى غزوة الأحزاب ولما تحدث بعد؟ وكيف يحكى يوم حنين ولما يأت بعد؟ إن من دلائل الإعجاز أن يكون كل هذا مسطورا فى اللوح المحفوظ قبل أن يحدث بين المؤمنين والكافرين، وأن يكون محفوظا فى بيت العزة، وأن ينزل مفرقا حسب ما شاء الله وعلى ما يناسب وقت التنزيل: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي
السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
(٦) [الفرقان] ويتضح ذلك جليا عند تمام الحديث عن حكم نزول القرآن مفرقا فى الوجه الثالث الذى يتعلق بمنهج التبليغ للناس.
стр. 41
نقل الناس من الضلال إلى الهدى
إن تناول المنهج الذى يناسب حالة هؤلاء، وكيف ينقلون من الضلال إلى الهدى ومن الظلمات إلى النور، وهل يناسب هذا المنهج أن ينزل القرآن جملة واحدة أم أن يكون نزوله كما أنزله الحق ﵎ مفرقا؟
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وقد جعل من أسس توجيهاته للناس ألا يتبعوا ما لم يعلموا فقال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] فالعلم أولا ثم العمل، فكيف يعلم هؤلاء؟ هل التعليم الذى يكون محتواه متناولا لجوانب متعددة من عقيدة وأخلاق وأحكام عملية تتمثل فى عبادات ومعاملات وما يدور حول هذا المحتوى من المعانى يصلح أن يكون جملة أم أن يعلم بالمنهج الجزئى؟ لقد فهم أحد علماء الأمة الأوائل هذه الحقيقة فصاغها فى عبارة تجرى مجرى الأمثال فقال معمر بن راشد الصنعانى وهو أول من جمع العلم باليمن: «من أخذ العلم جملة ذهب منه جملة». وهو يعنى بهذا أن المنهج الجزئى الذى تستوعب فيه المسائل الجزئية مسألة مسألة هو الذى يثبت فى القلب ثبوتا مصحوبا بالفهم والحفظ وهو الذى يثبّت ويمكّن صاحبه من العمل المصحوب بالدليل، وهو الذى يعين كذلك على تبليغ هذا العلم للآخرين. هذه الحقيقة تؤكد أن من أجلّ الحكم أن ينزل القرآن الكريم مفرقا ليسهل على الناس استقباله بالفهم والحفظ والعمل والتبليغ والتعليم.
الجانب الثانى: من المنهج أن الرسول ﷺ يقوم بهذا الوحى بتزكية الناس وتربيتهم ونقلهم من حالة إلى أخرى وهذا يقتضى منه أمرين:
الأول: هدم السيئ من الماضى.
الثانى: إقامة البناء الجديد بصيغته الربانية.
وهذه التربية بجزأيها تحتاج إلى وقت، وتحتاج إلى فترات تربوية متكررة تعالج فيها القلوب والنفوس، ويهذب السلوك تدريجيا، ويكون لكل مرحلة ما يلائمها حتى يصل بها إلى الهداية والرشاد، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة. قلنا إن النفوس فى الجاهلية كانت نفوسا ضعيفة لا تقوى على مواجهة ما يصيبها من خير أو شر، فالخير يدفعها إلى الكبر والبطر، والمصيبة تلقى بها فى دائرة اليأس. فكيف تعالج هذه النفوس؟ إنها فى
стр. 42
حاجة إلى مجموعة من العناصر التى يتم بها العلاج فهى فى حاجة إلى تصحيح نظرتها إلى الحياة وفى حاجة إلى الإيمان بخالق الحياة، وفى حاجة إلى تخليص هذا الإيمان من مظاهر الشرك وفى حاجة إلى بيان عاقبة الإنسان مع الابتلاء بالشر والخير. وكل هذا لا يتم جملة بل تنزل آيات تفصل فى مفهوم الإيمان وتبينه، وآيات بعد ذلك تبين حقيقة الابتلاء ومجالاته، وآيات تقدم نماذج سابقة لمن وقع فى البلاء بنوعيه، ونماذج ممن نجح فى الابتلاء، ونماذج لم توفق، وعاقبة النموذجين، والأخذ بأيدى الناس فى مواقف عملية يعقب عليها بآيات قرآنية لنخرج من هذه العناصر المترابطة ببناء النفسية القوية فى إيمانها، والقوية فى مواجهتها. فهذه الخنساء مع قولين لها ندرك كيف تغيرت المفاهيم؟
وكيف تغيرت المواجهة لعنصر من عناصر الابتلاء؟ قالت فى جاهليتها فى رثاء أخيها:
يذكرنى طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى
وقالت فى إسلامها تعقيبا على استشهاد أبنائها الأربعة: الحمد لله الذى شرفنى بقتلهم جميعا، وأرجو من ربى أن يجمعنى بهم فى مستقر رحمته. فالنفسية الأولى جزعة يصل بها الجزع إلى الحزن القاتل والتفكير فى التخلص من الحياة؛ وذلك لأن مفهوم الحياة مفهوم «جاهلى» كما سبق، وحقيقة الموت غير واضحة، والإيمان بالخالق سبحانه والبعث والجزاء ليس متحققا فى نفوسهم فكم من الوقت، وكم من التوجيهات، وكم من الجهد يبذل لتصل النفس إلى الإيمان الذى يعد صاحبه الموت فى سبيل الله شرفا، وأن الشهادة والموت لا يفرق تفريقا لا لقاء بعده، بل هناك الجمع واللقاء، والأمل أن يجمع الله الخنساء بأبنائها فى مستقر رحمته.
الجانب الثالث: والمتصل بالتربية: أن تفاعل الناس مع الوحى وظهور مشكلات ذهنية أو اجتماعية أو خصومات فيما بينهم كل ذلك يحتاج إلى تنزلات الوحى ليجيب عن سؤال سائل، أو ليعالج مشكلة وقعت، أو ليبين وجه الحق فى موقف من المواقف، وكل هذه أساليب تربوية تثبت المعانى حيث يعرف السؤال أو الموقف بجوانبه ويعرف الجواب فيعلق ذلك ليستفاد منه وقت النزول وبعده عند حدوث النظير والمشابه من الحوادث، وهذا كله لا يتحقق لو أنزل جملة واحدة.
الجانب الرابع: من المنهج أن التدرج فى التربية يقتضى أن ينسخ حكم سابق بحكم لاحق يدرك الناس منه لطف الله بهم، وتيسيره عليهم، ورفع الحرج عنهم، ورحمته بهم، وهذا يوقع فى اللبس لو أنزل جملة واحدة فكيف يعرف الناسخ من
стр. 43
المنسوخ؟
وإن من دلائل الإعجاز فى نزول القرآن الكريم مفرقا أن يدرك الناس مع هذا التفريق ومع الترتيب الذى رتب عليه القرآن الكريم توقيفا بما يحقق الوحدة العضوية والترابط الدقيق بين أوائل السور وأوسطها وأواخرها كما سنجده واضحا بعد ذلك يدل على أنه كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود].
стр. 44
أول ما نزل من القرآن
ونتناول أول ما نزل من القرآن الكريم لنتبعه ببحث آخر ما نزل من القرآن، ثم نعيش بين أول ما نزل، وآخر ما نزل فى صحبة «متدبرة» وننعم فيها بأحسن الحديث وخير الذكر.
وسبيلنا فى تحديد تاريخ نزول الآيات الكريمة، وتحديد ما ينزل من آيات كريمة بعد أخرى، إنما هو سبيل النقل الصحيح، والروايات الموثقة مع تدبرها، والجمع بين ما يكون من روايات فى ظاهرها التعارض.
فأما أول ما نزل من القرآن الكريم فأمامنا مجموعة من الأقوال المعتمدة على روايات سأذكرها ثم أرجح ما يكون دليله أقوى؛ فمن هذه الأقوال:
القول الأول: أن أول ما نزل صدر سورة العلق إلى قوله سبحانه: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) ودليل هذا القول الروايات الآتية:
الدليل الأول: ما رواه البخارى ومسلم (واللفظ للبخارى) عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب له الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فضمنى الثالثة ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) [العلق]» وفى بعض الروايات حتى بلغ « ... ما لَمْ يَعْلَمْ (٥). فرجع بها إلى خديجة يرجف فؤاده ... » إلى آخر الحديث.
الدليل الثانى: ما صححه الحاكم فى مستدركه والبيهقى فى دلائله عن عائشة أم المؤمنين- أيضا- ﵂ أنها قالت: أول سورة نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
стр. 45
الدليل الثالث: ما صححه الطبرانى فى الكبير بسنده عن أبى رجاء العطاردى، قال: «كان أبو موسى يقرئنا فيجلسنا حلقا وعليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال: هذه أول سورة نزلت على محمد ﷺ .
كما وردت آثار أخرى بهذا المعنى مثال ذلك ما جاء فى رواية الزهرى: أن النبى ﷺ كان بحراء إذ أتى الملك بنمط من ديباج مكتوب فيه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) إلى ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق] والنمط: هو الثياب، والديباج: هو الحرير.
فهذا هو القول الأول الذى يرى بهذه الأدلة أن أول ما نزل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)، والأدلة كما نرى قوية فهى روايات وشهادات موثقة وصحيحة فيها التصريح بذلك ونزداد يقينا بصحة هذا القول عند ما نعرض الأقوال الأخرى من باب الأمانة العلمية، وحتى لا يبقى فى النفس شىء.
فأما القول الثانى: فيرى أن أول ما نزل: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ودليل هذا القول ما رواه الشيخان عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: «سألت جابر بن عبد الله: أى القرآن أنزل قبل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وفى رواية نبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : «إنى جاورت بحراء فلما قضيت جوارى نزلت فاستبطنت الوادى زاد فى رواية: «فنوديت فنظرت أمامى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو- يعنى جبريل- قاعد وفى رواية جالس على عرش بين السماء والأرض فأخذتنى رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر].
وهذا الحديث الذى ذكره جابر بن عبد الله ﵁ فيه ما يشير إلى أن رؤية الرسول ﷺ للملك جبريل لم تكن الأولى فكلمة «فإذا هو» تدل على أنه يشير إلى أنه الملك الذى جاء مرة قبل ذلك بغار حراء فيكون ما نزل فى هذه المرة قد سبق بغيره، ونقل جابر بن عبد الله هذا على أنه أول ما نزل بإطلاق، ولكنه أول ما نزل بعد فترة الوحى. والذى يرجح ما نقول به ما جاء فى رواية جابر بن عبد الله نفسه ﵁ ورواها الشيخان كذلك وفيها: «فبينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى قبل السماء فإذا الملك الذى جاء بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فجثثت حتى هويت إلى الأرض (أى ثقل جسمى عن القيام من الخوف) فجئت أهلى فقلت: دثرونى فدثرونى فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ
стр. 46
فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر].
والظاهر من هذا أن جابرا ﵁ سمع الرسول الكريم وهو يحدث عن فترة الوحى وفاته ما ذكرته أم المؤمنين عائشة ﵁ فى القول الأول، وإن كان ذلك اجتهادا منه ﵁ فإن النص مقدم على الاجتهاد وعلى ذلك يبقى القول الأول أصح.
وأما القول الثالث: فيرى أصحابه أن أول ما نزل سورة الفاتحة ودليلهم على ذلك ما رواه البيهقى في الدلائل بسنده عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «إنى إذا خلوت وحدى سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسى أن يكون هذا أمرا» قالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك، إنك لتؤدى الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه لها وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة فانطلقا فقصا عليه فقال: «إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفى
يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربا فى الأفق»، فقال: لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول. ثم ائتنى فأخبرنى. فلما خلا ناداه يا محمد قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) حتى بلغ: وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة]. وهذا الحديث مرسل سقط من سنده الصحابى فلا تقوى على معارضة حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ فى القول الأول وهو مرفوع إلى النبى ﷺ .
ثانيا: ليس فيه ما يتعارض مع القول الأول فإنه يفهم من هذه الرواية أن الفاتحة لم تسبق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ لأن ذهاب الرسول مع أم المؤمنين خديجة إلى ورقة كان عقب نزول اقرأ والذهاب هنا مع أبى بكر بعد هذه المرة الأولى وبعد سماع الصوت من الخلف ويبقى القول الأول أصح الأقوال.
القول الرابع: تناولنا فيما سبق ثلاثة أقوال فى تحديد أول ما نزل من القرآن الكريم الأول: وهو أصحها اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١).
الثانى: يا أيها المدثر.
الثالث: سورة الفاتحة.
وناقشنا أول هذه الأقوال ورجحنا أدلة القول الأول، ونتابع الآن القول الرابع فى تحديد لأول ما نزل. فيرى أصحاب هذا القول أن أول ما نزل «بسم الله الرحمن الرحيم» ودليلهم ما أخرجه الواحدى بسنده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن «بسم الله الرحمن الرحيم» وأول سورة «اقرأ» ومن وجهة النظر الحديثية نرى
стр. 47
أن الحديث هنا لا يقوى- أيضا- على معارضة حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ والمرفوع إلى النبى ﷺ : لأن الحديث هنا مرسل كذلك.
الأمر الثانى: إن البسملة كانت تنزل صدرا لكل سورة إلا ما استثنى كسورة التوبة، وعلى ذلك نقول: إنها نزلت مع ما نزل من صدر سورة «اقرأ» ولا يعد نزولها مستقلا يقال به ليعارض القول الأول، وبناء على ذلك نرجح القول الأول الذى يرى بالأدلة الصحيحة أن أول ما نزل هو قوله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم» اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق].
وقبل أن نتدبر أول ما نزل نكمل القول فى آخر ما نزل، ثم نتناول ما يتعلق بترتيب الآيات والسور حتى يصبح الأمر واضحا، عند ما نتتبع تاريخ نزول الآيات بعضها إثر بعض، والثمرات التى نجنيها من ذلك، وكيف أن الترتيب الذى تم بتوقيف النبى ﷺ والذى عليه المصحف الآن مظهر من مظاهر الإعجاز القرآنى، حيث بظهر الأحكام والوحدة العضوية مع النزول المفرق والممتد مع حياة النبى ﷺ فى الدعوة.
آخر ما نزل: فأما ما قيل فى آخر ما نزل فقد وجدنا كذلك مجموعة من الأقوال بأدلتها نذكرها ونناقش أدلتها ونرجح ما نراه قويا منها.
الأول: يرى أن آخر ما نزل قول الله تعالى فى سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) أخرجه النسائى من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄، وكذلك أخرج ابن أبى حاتم قال: «آخر ما نزل من القرآن كله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية وعاش النبى ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول.
وهذا القول وإن لم يكن مرفوعا إلى النبى ﷺ إلا أن ما ذكر فيه من الجانب التاريخى والذى يؤكد أن النبى ﷺ عاش بعد نزولها تسع ليال يرجح هذا القول على ما سيأتى من أقوال.
الثانى: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قول الله تعالى فى سورة البقرة كذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) وأخرجه البخارى عن ابن عباس وأخرجه البيهقى عن ابن عمر ﵄.
стр. 48
الثالث: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى من سورة البقرة أيضا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... إلى قوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) وهى آية الدين، وهى أطول آية فى القرآن الكريم. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين.
وأخرج أبو عبيد فى الفضائل عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهدا بالعرش آية الربا وآية الدين.
هذه أقوال ثلاثة جمع بينها السيوطى ﵀ بقوله: إن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها فى المصحف؛ لأنها فى قصة واحدة فأخبر كلّ عن بعض ما نزل بأنه آخر.
ولكن كما ذكر فى القول الأول أن آخر هذه الثلاثة نزولا قول الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) [البقرة] فضلا عن الجانب التاريخى الذى أشرنا إليه نجد المعنى مع ختام الوحى القرآنى فى تهيئة الناس للاستعداد لليوم الآخر الذى يرجع فيه الناس إلى الله لتوفى كل نفس ما كسبت بالقسط.
الرابع: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى فى سورة آل عمران:
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ... [آل عمران: ١٩٥] الآية ودليلهم على هذا ما أخرجه ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ ... إلى آخرها، وذلك أنها قالت يا رسول الله: أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء، فنزلت: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
(٣٢) [النساء] ونزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب: ٣٥] ونزلت هذه الآية، فهى آخر الثلاثة نزولا، وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل فى الرجال خاصة.
وهذا القول لا يفيد أن هذه الآية آخر ما نزل بإطلاق، وإنما كما هو واضح من الرواية أنها آخر ما نزل فى موضوع بعينه، وهو موضوع مخاطبة القرآن الكريم للنساء.
стр. 49
الخامس: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣) [النساء]، ودليلهم على ذلك ما أخرجه الإمام البخارى وغيره عن ابن عباس قال: هذه الآية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وهي آخر ما نزل، وما نسخها شىء، وواضح من قول ابن عباس ﵄: وما نسخها شىء أنه يتحدث عن موضوع معين وهو موضوع قتل المؤمن عمدا، وأن هذه الآية آخر ما نزل فيه وليست آخر ما نزل بإطلاق.
السادس: يرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦]. وهي خاتمة سورة النساء، وأن آخر سورة نزلت سورة: «براءة» ودليل هذا القول ما يرويه البخارى ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر آية نزلت: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، وآخر سورة نزلت «براءة».
ويرد على هذا بحمل الخبر المذكور على أن الآية- هنا- آخر ما نزل فى موضوع المواريث وليست آخر ما نزل بإطلاق، وأن السورة كذلك آخر ما نزل فى شأن تشريع القتال والجهاد فكلاهما آخر بالنسبة إلى موضوع خاص وليس بإطلاق.
السابع: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل «سورة المائدة» ودليلهم رواية عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أخرجها الترمذى والحاكم ولكنها أيضا آخر ما نزل فى الحلال والحرام فلم تنسخ فيها أحكام وليست الآخر بإطلاق.
الثامن: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل خاتمة سورة براءة: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [١٢٨] إلى آخر السورة ودليلهم ما رواه الحاكم، وابن مردويه عن أبى بن كعب، ولكن يجاب عن ذلك أيضا بأنها آخر ما نزل من سورة «براءة» وليس الآخر المطلق. ويؤيد ذلك ما قيل من أن هاتين الآيتين مكيتان بخلاف سائر السورة.
التاسع: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل آخر سورة الكهف: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) ودليلهم ما أخرجه ابن جرير عن معاوية بن أبى سفيان ﵁ ورد ابن كثير على ذلك بقوله: هذا أثر مشكل، ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها، ولا غير حكمها، بل هى مثبتة محكمة فهو آخر مقيّد وليس بإطلاق.
العاشر: فيرى أصحابه أن آخر ما نزل سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
стр. 50
ودليلهم ما رواه مسلم عن ابن عباس ﵁ ولكن يرد على ذلك بأن هذه السورة آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبى ﷺ ، ويؤيد هذا ما روى عن أنه ﷺ قال حين نزلت: «نعيت إلىّ نفسى». وفهم بعض كبار الصحابة ذلك كما ورد وأن عمر ﵁ بكى حين سمعها وقال: الكمال دليل الزوال، كما يحتمل كذلك أنها آخر ما نزل من السور فقط، ويدل على ذلك رواية ابن عباس: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) [النصر].
الحادى عشر: يرى أصحابه أن آخر ما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] من سورة المائدة ودليلهم على ذلك أنها منبئة بكمال الدين وتمام النعمة، ولأن إكمال الدين لا يكون إلا بأن تتم الأحكام والشرائع، ولا يكون هذا إلا بتمام نزول القرآن، ولكن يجاب عن هذا بأن هذه الآية الكريمة نزلت فى يوم عرفة فى حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة، وتوفى رسول الله ﷺ بعد ذلك ببضع وثمانين ليلة، فإذا تذكرنا ما قلناه سابقا من أن قوله تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) [البقرة] قد عاش النبى ﷺ بعد نزولها تسع ليال ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول عرفنا أن الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ليست آخر ما نزل وترجح أن قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ هى آخر ما نزل، وأما تأويل إكمال الدين وإتمام النعمة فهو إنجاحه وإقراره وإظهاره على الدين كله ولو كره الكافرون، ولا شك أن الإسلام فى حجة الوداع قد ظهرت شوكته وعلت كلمته على كلمة الشرك وضربه الكفر وجنده، والنفاق وأهله حتى لقد أجلى المشركون عن البلد الحرام ولم يخالطوا المسلمين فى الحج والإحرام. قال ابن جرير فى تفسير الآية الكريمة: «الأولى أن يتأوّل على أنه أكمل لهم دينهم بإقرارهم بالبلد الحرام وإجلاء المشركين عنه حتى حجه المسلمون لا يخالطهم المشركون». وأيد هذا التأويل بما رواه عن ابن عباس: قال: «كان المشركون والمسلمون يحجون جميعا فلما نزلت سورة «براءة» نفى المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم فى البيت الحرام أحد من المشركين. فكان ذلك من تمام النعمة». وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣].
وبعد تحديد أول ما نزل وآخر ما نزل، وقبل أن نرتع فى رياض الجنة بتتبع نزول الآيات القرآنية الكريمة من قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
стр. 51
خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق]، إلى قوله جل شأنه: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) [البقرة] نتناول قبل هذا التتبع مسألة جديرة بالذكر والدراسة وهى ما يتعلق بالآيات القرآنية الكريمة والسور من جهة معنى الآية، وطريقة معرفتها، وترتيب الآيات فى المصحف، وتقديم الأدلة على كونه توقيفيا، ودلالة ذلك على الإعجاز القرآنى فى النزول المفرق والترتيب المعجز، وكذلك نتعرف على معنى السورة، وأقسام السور، وهل هو توقيفى؟ ومناقشة ما يتعلق بذلك من أقوال، وذلك لندرك الغاية من تتبعنا لتاريخ نزول الآيات الكريمة
والسور، ومطالعة صفحات التنزيل المشرقة، وكيف عالج القرآن الكريم أمة كانت ضالة فهداها الله، وكانت جاهلة فعلمها، وكانت فى ظلمات فأخرجها إلى النور، وكانت خاملة الذكر فأحياها وجعلها خير أمة أخرجت للناس؟ وكيف تم هذا خطوة خطوة؟ وكيف أعطيت التوجيهات، وتفاعل الناس معها فى كل الشئون؟ كما نقف فى الوقت نفسه على الإحكام بعد هذا التنزيل فى الترتيب القرآنى لآياته وسوره.
стр. 52
ترتيب الآيات القرآنية
ونتناول فى ذلك مسألة ترتيب الآيات القرآنية الكريمة، وما يتعلق بها بعد أن عرفنا أول ما نزل وآخر ما نزل، ونرى أن ذلك ضرورى قبل أن نرتع فى روضات الآيات حسب نزولها:
وكلمة «آية» قد جاءت فى كتاب الله بمعان نذكر منها ما يلى:
الآية بمعنى: العلامة ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ٢٤٨]. يعنى علامة ملكه.
وجاءت كذلك بمعنى: العبرة ومن هذا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً [الشعراء: ٨] بمعنى عبرة لمن أراد أن يعتبر.
كما جاءت بمعنى الأمر العجيب، وفى هذا قوله جل شأنه: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [المؤمنون: ٥٠] أى أمرا عجبا، ودالا على قدرة الله .
كما وردت بمعنى البرهان والدليل كما جاء فى قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم: ٢٢]. أى من البراهين والأدلة على قدرة الله الخالق البارئ المصور سبحانه ما خلق من السموات والأرض وما فيهما من آيات، ومنها ما تشاهدونه من اختلاف الألسنة والألوان فيكم.
فهذه المعانى التى جاءت فى هذه الآيات القرآنية إطلاقات لغوية مترابطة المعانى، ومناسبة لمعنى الآية القرآنية فى الاصطلاح، والتى تتضمنها السورة القرآنية، فالآية القرآنية معجزة، وهى علامة على صدق من أنزلت إليه ﷺ ، وفيها العبرة والعظة والذكرى لمن أراد أن يعتبر، وهى من الأمور العجيبة لما فيها من السمو والإعجاز إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن].
وفيها معنى البرهان والدليل لما تتضمنه من هداية وعلم، وكذلك دلالتها على قدرة الله سبحانه وعلمه وحكمته وصدق رسوله ﷺ .
وبعد معرفة معنى «الآية» نتساءل ما السبيل إلى معرفة حدود الآية الكريمة؟ هل هو
стр. 53
توقيفى أم اجتهادى؟ ونجد للعلماء فى هذا رأيين:
الأول: يرى أنه توقيفى، ويقدمون أدلتهم على ذلك، وسنوردها إن شاء الله تعالى.
الثانى: يرى أن معرفة الآيات منه ما هو توقيفى ومنه ما هو اجتهادى.
والراجح من الرأيين أولهما، وهو الذى يرى أن تحديد الآيات توقيفى وليس للقياس والرأى مجال فيها بدليل أن العلماء عدوا «المص» آية ولم يعدوا نظيرها وهو «المر» آية، وعدوا «يس» آية، ولم يعدوا نظيرها وهو «طس» آية، وعدوا حم (١) عسق (٢) [الشورى] آيتين، ولم يعدوا نظيرها وهو كهيعص (١) [مريم] آيتين بل آية واحدة. فلو كان الأمر قائما على الاجتهاد والقياس لكان حكم النظيرين والمثلين واحدا فيما ذكر.
ومن أدلة التوقيف فى هذا الأمر ما جاء فى الأحاديث الآتية والتى يصرح فيها رسول الله ﷺ بذكر الآية والآيات وتسميتها.
أخرج البخارى وأبو داود والنسائى عن أبى سعيد بن المعلى: كنت أصلى فى المسجد فدعانى رسول الله ﷺ فلم أجبه ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إنى كنت أصلى: فقال: «ألم يقل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ» [الأنفال: ٢٤] ثم قال: «لأعلمنك سورة هى أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد». ثم أخذ بيدى فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هى أعظم سورة فى القرآن؟ قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته». فهذا الحديث فيه دلالة على أن الفاتحة سبع آيات، وعلى أنها هى المرادة بالسبع المثانى فى قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) [الحجر: ٨٧].
وأخرج الترمذى والحاكم عن أبى هريرة ﵁ أنه قال: قال النبى ﷺ : «إن لكل شىء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هى سيدة آى القرآن: آية الكرسى».
وكذلك أخرج مسلم والترمذى عن أبى بن كعب: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر. أتدري أى آية من كتاب الله معك أعظم؟» قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُ
стр. 54
الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]، فضرب فى صدرى وقال: «ليهنك العلم أبا المنذر».
كما أخرج الخمسة إلا النسائى عن أبى مسعود البدرى أنه قال: قال النبى ﷺ :
«من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه».
وأخرج الإمام أحمد فى مسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: أقرأنى رسول الله ﷺ سورة من الثلاثين من آل حم، قال: يعنى الأحقاف؛ لأن السورة إذا
كانت أكثر من ثلاثين آية سميت الثلاثين، وقال ابن العربى: ذكر النبى ﷺ أن: «الفاتحة سبع آيات، وسورة الملك ثلاثون آية».
فإذا قيل: إذا قلنا بالتوقيف فلماذا ترى بعض الخلاف فى هذا؟ فالكوفيون- مثلا- يقولون بالتوقيف وعدوا كل فاتحة من فواتح السور التى فيها شىء من حروف الهجاء آية سوى حم (١) عسق (٢) [الشورى] فإنهم عدوها آيتين، وسوى «طس» ولم يعدوا من الآيات ما فيه «ر» وهو «الر» و «المر» وما كان مفردا وهو «ق» و «ص» و «ن» أى لم يعدوا شيئا منها آية.
وأما غير الكوفيين فلا يعتبرون شيئا من الفواتح آية إطلاقا. نقول إن هذا الخلاف لا يتعارض مع القول بالتوقيف، فكلّ وقف عند حدود ما بلغه أو علمه.
وإذا تأملنا الرأى الثانى رأيناه لا يخرج كثيرا عن القول بالتوقيف؛ لأنه يجعل القياس مبنيا على الفاصلة والوصل والوقف، وكل هذا فى حق أصحاب النبى ﷺ قائم على الاتباع والسماع من الرسول الكريم ليس اتباعا للرأى والهوى.
لقد وقفنا على سبيل معرفة تحديد الآية القرآنية الكريمة، وأنه توقيفى، وأن الاختلاف الذى قد نجده بين العلماء فى ذلك يرجع إلى وقوف كلّ عند حدود ما بلغه أو علمه، كما يرجع ذلك فى عد الآيات إلى أن النبى ﷺ كان يقف على رءوس الآى؛ تعليما لأصحابه أنها رءوس آى، حتى إذا علموا ذلك وصل ﷺ الآية بما بعدها لاكتمال المعنى وتمامه فيظن بعض الناس أن ما وقف عليه النبى ﷺ ليس فاصلة فيصلها بما بعدها عادا أن الجميع آية واحدة، والبعض عدها آية مستقلة فلا يصلها بما بعدها، ولا يترتب على هذا الخلاف خطورة، ولا يترتب عليه زيادة ولا نقص فى كتاب الله تعالى، ولكنها الدقة العلمية والتحرى الدقيق الذى جعل العلماء يقبلون على كتاب ربهم إقبالا متدبرا فى جزئياته وكلياته.
ومما ذكروا فى ذلك أيضا: أن آيات القرآن الكريم مختلفة فى الطول والقصر،
стр. 55
فأطول آية هى آية الدّين من سورة البقرة التى هى أطول سورة، وأقصر آية كلمة «يس» والتى هى فى صدر سورة يس.
كما ذكر العلماء من فوائد معرفة الآيات وتحديده ما يلى:
أولا: العلم بأن كل ثلاث آيات قصار معجزة للنبى ﷺ ، وفى حكمها الآية الطويلة التى تعدل بطولها تلك الثلاث القصار. ووجه ذلك أن الله تعالى أعلن التحدى بالسورة الواحدة فقال سبحانه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]. والسورة تصدق بأقصر سورة كما تصدق بأطول سورة، وأقصر سورة فى القرآن هى سورة الكوثر، وهى ثلاث آيات قصار فثبت أن كل ثلاث آيات قصار معجزة، وفى قوتها الآية الواحدة الطويلة التى تكافئها.
ثانيا: حسن الوقف على رءوس الآي عند من يرى أن الوقف على الفواصل سنّة، بناء على ظاهر الحديث الذى استدلوا به فيما يرويه أبو داود عن أم سلمة ﵂:
أن النبى ﷺ كان إذا قرأ قطّع قراءته آية آية يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) ثم يقف الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة] ثم يقف».
وقال بعض العلماء: وفى الاستدلال بذلك الحديث على ما ذكر نظر، وذلك لأنه حديث غريب غير متصل الإسناد. رواه يحيى بن سعيد الأموى وغيره عن ابن جريج عن ابن أبى مليكة عن أم سلمة، والأصح ما رواه الليث عن ابن أبى مليكة عن يعلى ابن مالك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ وصلاته فقالت: ما لكم وصلاته؟ ثم نعتت قراءته مفسرة حرفا حرفا. ذكر ذلك الترمذى.
وجمع بعض العلماء بين هذين الحديثين بأن النبى ﷺ كان تارة يقف على كل فاصلة، ولو لم يقم المعنى بيانا لرءوس الآيات. وكان تارة يتبع فى الوقف تمام المعنى فلا يلتزم أن يقف على رءوس الآى لتكون قراءته مفسرة حرفا حرفا، وعلى هذا يمكن أن يقال: حيثما كان الناس فى حاجة إلى بيان الآيات حسن الوقف على رءوس الآى، ولو لم يتم المعنى، وحيثما كان الناس فى غنى عن معرفة رءوس الآى لم يحسن الوقف إلا حيث يتم المعنى.
ويحتمل أن كلمة: «مفسرة حرفا حرفا» فى الحديث السابق يراد بها الترتيل وإخراج الحروف من مخارجها فلا تعارض الحديث الأول.
ثالثا: اعتبار الآيات فى الصلاة والخطبة، قال السيوطى ما نصه: يترتب على معرفة الآى وعددها وفواصلها أحكام فقهية منها: اعتبارها فيمن جهل الفاتحة، فإنه
стр. 56
يجب عليه بدلها سبع آيات. ومنها اعتبارها فى الخطبة فإنه يجب قراءة آية كاملة، ولا يكفى شطرها- إن لم تكن طويلة وكذا الطويلة على ما حققه الجمهور- ثم قال: ومنها اعتبارها فى السورة التى تقرأ فى الصلاة أو ما يقوم مقامها، وفى الصحيح أنه ﷺ كان يقرأ فى الصبح بالستين إلى المائة، ومنها اعتبارها فى قراءة قيام الليل ... إلى آخر ما قال.
هذا ما يتعلق بتعريف الآيات وتحديدها وعددها، فماذا عن ترتيبها على النمط الذى نراه اليوم فى المصاحف؟
لقد انعقد إجماع الأمة على أن ترتيب آيات القرآن الكريم على هذا النمط الذى نراه اليوم فى المصاحف كان بتوقيف من النبى ﷺ عن الله تعالى، ولا مجال للرأى والاجتهاد فيه، فكان جبريل ﵇ ينزل بالآيات على رسول الله ﷺ ويدله على موضع كل آية من سورتها، ويقرؤها الرسول ﷺ على أصحابه كما علمه جبريل، كما يأمر كتّاب الوحى بكتابة الآيات المنزلة فى سورها مبينا لهم موقع الآيات من هذه السور الكريمة، وكان يقرأ الآيات بترتيبها فى سورها على المسلمين فى صلواتهم، وفى خطبه ومواعظه.
كما كان جبريل ﵇ ينزل كل ليلة من ليالى رمضان ليدارس رسول الله القرآن الكريم، فكان يعرض عليه القرآن كل عام مرة، وفى العام الأخير عرضه عليه مرتين، وجاء فى صفة النبى ﷺ : «كان أجود الناس وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة»، وكان هذا على الترتيب الذى بين أيدينا الآن.
وكذلك كان كل من حفظ القرآن أو شيئا منه من الصحابة حفظه مرتب الآيات على هذا النمط، وشاع ذلك وذاع وملأ الأسماع، ويتدارسونه فيما بينهم فى حلقات علمهم على ذلك، ويأخذ بعضهم عن بعض بالترتيب القائم.
فليس لواحد من الصحابة والخلفاء الراشدين يد ولا تصرف فى ترتيب شىء من آيات القرآن الكريم، بل الجمع الذى كان على عهد أبى بكر ﵁ لم يتجاوز النقل من
стр. 57
العسب واللخاف وغيرها فى مصحف واحد، والجمع على عهد عثمان ﵁ لم يتجاوز نقله من المصحف فى مصاحف، وكلا هذين كان وفق الترتيب المحفوظ والمستفيض عن النبى ﷺ عن الله تعالى، وعلى ذلك انعقد الإجماع وممن حكى هذا الإجماع، جماعة منهم الزركشى فى البرهان وغيره.
وأما دليل هذا الإجماع فنذكره إن شاء الله مستقبلا فيما يلى.
стр. 58
دليل هذا الإجماع (وجمع المصحف)
يقوم هذا الإجماع على نصوص كثيرة: منها ما رواه الإمام أحمد عن عثمان بن أبى العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه، ثم قال:
أتانى جبريل فأمرنى أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ... إلى آخرها [النحل: ٩٠].
ومنها ما يثبت فى السنن الصحيحة من قراءة النبى ﷺ بسور عديدة كسورة البقرة وآل عمران والنساء. ومن قراءته لسورة الأعراف فى صلاة المغرب، وسورة «قد أفلح المؤمنون»، وبسورة الروم فى صلاة الصبح، وقراءة سورة السجدة، وسورة «هل أتى على الإنسان» فى صبح يوم الجمعة، وقراءته سورة الجمعة، والمنافقين فى صلاة الجمعة، وقراءته سورة «ق» فى الخطبة، وسورة «اقتربت» و «ن» فى صلاة العيد، وكان يقرأ ذلك كله مرتب الآيات على النحو الذى فى المصحف على مرأى ومسمع من الصحابة.
ومنها ما أخرجه البخارى عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة: ٢٣٤] نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها (والمعنى لماذا تكتبها؟ أو قال: لماذا تتركها مكتوبة؟ مع أنها منسوخة)، قال: يا ابن أخى لا أغير شيئا من مكانه. فهذا حديث واضح الدلالة فى أن إثبات هذه الآية فى مكانها مع نسخها توقيفى، لا يستطيع عثمان ﵁ باعترافه أن يتصرف فيه لأنه لا مجال للرأى فى مثله.
ومن ذلك ما رواه مسلم عن عمر قال: ما سألت النبى ﷺ عن شىء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه فى صدرى وقال: تكفيك آية الصيف التى فى آخر سورة النساء، فالرسول ﷺ دله على موضع تلك الآية من سورة النساء، وهى قوله سبحانه: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦].
هذا ما يتعلق بترتيب الآيات وقد رأينا أنه توقيفى وعرفنا أدلة ذلك، فما القول فى السورة القرآنية وما يتعلق بها؟
стр. 59
إن معنى السورة فى اللغة: المنزلة، وهى فى الاصطلاح قريبة الصلة بهذا المعني اللغوى، فهى فى القرآن منزلة بعد منزلة، ومن معانيها اللغوية كذلك الشرف، وما طال من البناء وحسن، وكذلك العلامة وغير ذلك. وقيل فى وجه العلاقة بين اسم السورة القرآنية وسور المدينة: إن فى سور القرآن وضع كلمة بجانب كلمة، وآية بجانب آية كالسور توضع كل لبنة منه بجانب لبنة، ويقام كل صف منه على صف، ولما فى السورة من معنى العلو والرفعة المعنوية الشبيهة بعلو السور ورفعته الحسية وإما لأنها حصن وحماية لرسول الله ﷺ ، وما جاء به من كتاب الله القرآن ودين الحق الإسلام باعتبار أنها معجزة تخرس كل مكابر، ويحق الله بها الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، وهذا أشبه بسور المدينة؛ يحصنها ويحميها غارة الأعداء وسطوة الأشقياء.
وسور القرآن الكريم تختلف طولا وقصرا؛ فأقصر سورة فيه سورة الكوثر وأطول سورة فيه سورة البقرة، وبين سورة البقرة وسورة الكوثر سور كثيرة تختلف طولا وتوسطا وقصرا. ويرجع الطول والقصر والتوسط إلى الذى أنزله وحده جل شأنه لحكم سامية تعلمها ويدركها من رسخ فى العلم، وصفت سريرته، ومن هذه الحكم ما أشار إليه المتأملون فيما يلى:
التيسير على الناس وتشويقهم فى حسن استقبالهم للقرآن الكريم استقبال الفهم والحفظ والعمل والمدارسة والتدوين والتعليم.
ومن ذلك أيضا: معالجة الموضوعات معالجة تتلاءم مع حجم الموضوع وأهميته، والدلالة على موضوع الحديث ومحور الكلام، وهذا يتضح بما ورد فى سورة البقرة مثلا من موضوعات، وسورة يوسف وسورة النحل وسورة الجن وهكذا.
ومنها: الإشارة والبينة إلى أن طول السورة ليس شرطا فى إعجازها، بل هى معجزة وإن بلغت الغاية فى القصر كسورة الكوثر.
ومنها: أن القارئ إذا أتم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ فى الآخر كان أنشط له وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثل هذا كمثل المسافر إذا قطع مسافة معينة نفّس ذلك عنه ونشط للسير ومن ثم جزّأ القرآن أجزاء وأخماسا.
ومنها: أن الحافظ إذا صدق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيعظم عنده ما حفظه ومن ذلك حديث أنس ﵁: «فإن الرجل إذا قرأ البقرة
стр. 60
وآل عمران جل فينا».
وقسمت سور القرآن إلى أربعة أقسام، خص كل منها باسم معين وهي: الطوال، والمئين، والمثانى، والمفصل.
فالمئون: هى السور التى تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.
والمثانى: هى التى تلا المئين في عدد الآيات، وقال الفراء: هى السور التى آيها أقل من مائة آية لأنها تثنّى (أى تكرر) أكثر مما تثنّى الطوال والمئون.
والمفصل: هو أواخر القرآن وسمى بالمفصل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل لقلة المنسوخ منه، ولهذا يسمى المحكم أيضا كما روى البخارى عن سعيد بن جبير قال: «إن الذى تدعونه المفصل هو المحكم».
والمفصل ثلاثة أقسام: طوال، وأوساط، وقصار؛ فطواله من أول «الحجرات» إلى سورة «البروج»، وأوساطه من سورة «الطارق» إلى سورة «لم يكن»، وقصاره من إِذا زُلْزِلَتِ إلى آخر القرآن.
هذا ما يتعلق بمعنى السورة، وتقسيمات السور القرآنية، أما ما يتعلق بترتيبها فسنوضحه فى الصفحات التالية.
стр. 61
ترتيب السور القرآنية
لقد وجد فى ترتيب سور القرآن الكريم ثلاثة أقوال:
الأول: يرى أن ترتيب السور كلها بتوقيف من النبى ﷺ كترتيب الآيات القرآنية تماما، وأنه لم توضع سورة فى مكانها إلا بتوجيه منه- ﵊ ويستدل أصحاب هذا القول بما يلى:
إن الصحابة أجمعوا على المصحف الذى كتب فى عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد رضوان الله عليهم، وإجماعهم لا يكون إلا إذا كان الترتيب الذى أجمعوا عليه عن توقيف، ولأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم، لكنهم لم يتمسكوا بترتيبهم بل عدلوا عنه، وأحرقوا الصحف التى كانت معهم، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه.
وذكر أصحاب هذا القول روايات تؤيد هذا الإجماع؛ منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن حذيفة الثقفى قال: كنت فى الوفد الذين أسلموا من ثقيف- وجاء فى هذه الرواية- فقال لنا رسول الله ﷺ : «طرأ علىّ حزب من القرآن فأردت ألا أخرج حتى أقضيه» فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة، وحزّب المفصل من «ق» حتى تختم. قالوا: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو فى المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ ، واحتجوا كذلك بأن السور المتجانسة فى القرآن لم يلتزم فيها الترتيب والولاء، ولو كان الأمر بالاجتهاد للوحظ مكان هذا التجانس والتماثل دائما، لكن ذلك لم يكن بدليل أن سور المسبّحات لم ترتب على التوالى بينما هى متماثلة فى افتتاح كل منها بتسبيح الله. بل فصل بين سورها بسور «قد سمع»، و «الممتحنة»، و «المنافقون»، وبدليل أن «طسم الشعراء» و «طسم القصص» لم يتعاقبا مع تماثلهما، بل فصل بينهما بسورة أقصر منهما وهى «طس» وأيد هذا المذهب أبو جعفر النحاس فقال: والمختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله ﷺ لحديث واثلة: «أعطيت مكان التوراة السبع الطوال»، وكذلك انتصر أبو بكر الأنبارى لهذا المذهب فقال: أنزل الله القرآن إلى سماء الدنيا ثم فرقه فى بضع
стр. 62
وعشرين سنة فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستجد، ويوقف جبريل النبى ﷺ على موضع السورة والآيات والحروف كله من النبى ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها أفسد نظم القرآن.
وأخرج ابن أشتة فى كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: سمعت ربيعة يسأل: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد أنزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم من ألفه به إلى أن قال: فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه.
ويناقش أصحاب هذا القول بأن الرواية التى ساقوها وأمثالها خاصة بمحالّها، فلا ينسحب حكم التوقيف على الكل. ثم هى ظنية فى إفادة كون الترتيب عن توقيف، وأن حديث ابن عباس والذى جاء فيه قوله: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها فى السبع الطوال؟ فقال عثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا أنزل عليه شىء دعا بعض من يكتب فيقول: «ضعوا هذه الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ، ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتهما فى السبع الطوال، فهذا الحديث من ابن عباس صريح فى أن عثمان قد اجتهد فى ترتيب الأنفال والتوبة ويونس.
كما يناقش أصحاب هذا القول بأن الإجماع الذى استندوا إليه لا يدل علي توقيف فى ترتيب جميع السور؛ لأنه لا يشترط أن يسند الإجماع إلى نص فى ترتيب جميع السور، فحسب الصحابة أن يحملهم الاجتهاد الموفق على أن يجمعوا على ترتيب عثمان للسور ويتركوا ترتيب مصاحفهم، توحيدا لكلمة الأمة، وقطعا لعرق النزاع والفتنة إذا ترك كلّ ورأيه فى هذا الترتيب.
وأما القول الثانى: فيرى أصحابه أن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبى ﷺ ، وترتيب بعضها الآخر كان باجتهاد من الصحابة، وقد ذهب إلى هذا
الرأى مجموعة
стр. 63
من العلماء، ويرى بعض المحدثين أنه أمثل الآراء، ويعلل ذلك بأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض- كما مر بنا في الرأى السابق والقائل بالتوقيف- وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب فى البعض كان عن اجتهاد، كالحديث السابق المروى عن ابن عباس ﵄، ولكن المؤيدين لهذا القول اختلفوا فى السور التى جاء ترتيبها عن توقيف، والسور التى جاء ترتيبها عن اجتهاد، فقال القاضى أبو محمد ابن عطية: إن كثيرا من السور قد علم ترتيبها فى حياة النبى ﷺ كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأما سوى ذلك فيمكن أن يكون فوّض الأمر فيه إلى الأمة بعده.
وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى فيها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف كقوله ﷺ : اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران» رواه مسلم. وكحديث سعيد بن خالد: قرأ رسول الله ﷺ بالسبع الطوال فى ركعة، رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه وفيه: أنه- ﵊ كان يجمع المفصّل فى ركعة.
وروى البخارى عن ابن مسعود أنه قال: قال ﷺ فى بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: «إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى»، والعتاق: جمع عتيق وهو القديم من كل شىء، والمراد بالعتاق- هنا: ما نزل أولا، والتّلاد ضد الطارف وهو:
المستحدث من المال ونحوه، والمراد بالتلاد هنا: ما نزل أولا- أيضا- وفى الحديث:
«هن من تلادى» يعنى: السور أى من الذى أخذته من القرآن قديما. فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها.
وفى صحيح البخارى أنه ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: «قل هو الله أحد، والمعوّذتين».
القول الثالث: فيرى أن ترتيب السور كان باجتهاد من الصحابة رضوان الله عليهم، وينسب هذا القول إلى جمهور من العلماء منهم: مالك والقاضى أبو بكر فيما اعتمده من قوليه، وإلى هذا المذهب يشير ابن فارس فى كتاب المسائل الخمس بقوله:
جمع القرآن على ضربين:
أحدهما: تأليف السور كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين فهذا هو الذى تولّته الصحابة ﵃، وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات فى السور فذلك شىء تولاه النبى ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه . ودليلهم على هذا ما يلى:
стр. 64
أولا: أن مصاحف الصحابة كانت مختلفة فى ترتيب السور قبل أن يجمع القرآن فى عهد عثمان، فلو كان هذا الترتيب توقيفيا منقولا عن النبى ﷺ ما ساغ لهم أن يهملوه، ويتجاوزوه، ويختلفوا فيه ذلك الاختلاف الذى تصوره الروايات؛ فهذا مصحف أبى بن كعب روى أنه كان مبدوءا بالفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام .. إلخ، وهذا مصحف على كان مرتبا على النزول فأوله «اقرأ» ثم «المدثر» ثم «ق» ثم «المزمل» ثم «تبت» ثم «التكوير»، وهكذا إلى آخر المكى والمدنى.
ثانيا: ما جاء فى المصاحف من طريق إسماعيل بن عباس عن حبان بن يحيى عن أبى محمد القرشىّ قال: أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال فجعل سورة الأنفال وسورة التوبة فى السبع، ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، وهو يشير بهذا إلى ما رواه أحمد والترمذى والنسائى وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى، وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟ وقد ذكرنا هذه الرواية بتمامها فى مناقشة القول الأول.
ويناقش هذا القول وهذا المذهب بالأحاديث الدالة على التوقيف- والتى ذكرناها فى القولين السابقين- كما يناقش دليلهم الأول باحتمال أن اختلاف من خالف من الصحابة فى الترتيب إنما كان قبل علمهم بالتوقيف، أو كان فى خصوص ما لم يرد فيه توقيف دون ما ورد فيه. كما يمكن مناقشة دليلهم الثانى بأنه خاص بمحل وروده، وهو سورة الأنفال والتوبة ويونس فلا يصح أن يصاغ منه حكم عام على القرآن الكريم كله.
وبعد أن عرضنا للأقوال الثلاثة بأدلتها، ومناقشة هذه الأدلة نذكر ما قاله السيوطى ﵀ فى هذا فيقول: والذى ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقى وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفى إلا براءة والأنفال، ولا ينبغى أن يستدل بقراءة سور أوّلا على أن ترتيبها كذلك، وحينئذ فلا يرد حديث قراءة النساء قبل آل عمران، لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز.
والإمام الزركشى يرى: أن الخلاف من أساسه لفظى، فقال فى البرهان: والخلاف بين الفريقين- أى القائلين بأن الترتيب عن اجتهاد، والقائلين بأنه عن توقيف- لفظى لأن القائل بالثانى يقول: إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته،
стр. 65
ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى ﷺ مع قوله بأن ترتيب السور كان باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قوليّ أو بمجرد إسناد فعلىّ بحيث يبقى لهم فيه مجال للنظر، وتبعه فى ذلك جعفر بن الزبير.
وحتى لو قيل بالاجتهاد من الصحابة فى بعض المواضع من الترتيب فقد علمنا من قبل أن اجتهاد الصحابة قائم على الاتباع، وعلى ما ألفوا وسمعوا من رسول الله ﷺ وليس اجتهادا قائما على الرأى والهوى.
وسواء أكان ترتيب السور توقيفيا أم اجتهاديا، فإنه ينبغى احترامه، خصوصا فى كتابة المصاحف؛ لأنه عن إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- والإجماع حجة، ولأن خلافه يجر إلى الفتنة، ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب.
أما ترتيب السور فى التلاوة فليس بواجب، إنما هو مندوب قال الإمام النووى فى كتابه البيان: قال العلماء: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران، ثم ما بعدها على الترتيب سواء أقرأ فى الصلاة أم فى غيرها، حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ فى الركعة الأولى سورة قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) [الناس] يقرأ فى الثانية بعد الفاتحة من البقرة، قال بعض أصحابنا: ويستحب إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها التى تليها، ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغى أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ فى الأولى سورة السجدة، وفى الثانية: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ، وصلاة العيد فى الأولى «ق» وفى الثانية: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وركعتى الفجر فى الأولى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) وفى الثانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)، وركعات الوتر فى الأولى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)، وفى الثانية: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)، وفى الثالثة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) «والمعوّذتين». ولو خالف الموالاة فقرأ سورة لا تلى الأولى، أو خالف الترتيب فقرأ بسورة قبلها جاز، فقد جاءت بذلك آثار كثيرة، وقد قرأ عمر بن الخطاب ﵁ فى الركعة الأولى من الصبح بالكهف، وفى الثانية بيوسف. وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قيل له: إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال:
ذلك منكوس القلب.
стр. 66
وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فممنوع منعا متأكدا؛ لأنه يذهب بعض ضروب الإعجاز، ويزيل حكمة ترتيب الآيات.
وأما تعليم الصبيان من آخر المصحف إلى أوله فحسن، ليس هذا داخلا فى قولنا، وذلك من باب تسهيل الحفظ عليهم.
وننتقل بعد هذا لنرتع فى روضات القرآن الكريم مع آياته الكريمة وسوره المباركة على حسب نزولها.
стр. 67
ليلة نزول القرآن الكريم
بدأ تنزل النور الذى أضاء الله به الأرض وما عليها فى الليلة المباركة، وفى هذا لفت نظر إلى أن هذا التنزيل سيبدد الظلمات بالنور، وسيفرق فيها بين الحق والباطل، وسيقيم الناس على المحجة البيضاء، وكانت الليلة المباركة التى هى خير من ألف شهر.
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) [القدر]، إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) [الدخان]، وكانت الليلة المباركة فى الشهر المبارك شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [البقرة: ١٨٥] وشاء الله أن يكون شكر الأمة لله على هذه المنة بنزول القرآن الكريم فى هذا الشهر العظيم أن يصومه المسلمون فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]، فالصيام فى نهاره، ويقوم المسلمون ليله بهذا الذكر الحكيم، فكان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.
فى مثل هذا الزمن الفاضل كان نزول أولى الآيات القرآنية الكريمة على رسول الله ﷺ فى غار حراء حيث كان يتحنث فيه الليالى ذوات العدد، فجاءه الملك « ... وقال:
اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال:
اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق]».
وعند ما تكون بداية الوحى أمرا بالقراءة لإمام هذه الأمة ولمن تبعه فإنها بداية موجهة للأمة إلى الوجهة التى شرفها الله بها، وإلى المهمة التى يعدها الله لها، إنها مهمة التعليم والتزكية والتربية والتبليغ والدعوة، بهذه المهمة كانت البعثة: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ
стр. 68
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) [آل عمران]. وعلى هذه المهمة تكون أمته كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] والطريق إلى القيام بهذه المهمة يتضح منذ اللحظة الأولى، ومن التوجيه الأول والأمر الكريم «اقرأ»، وتستطيع بناء على ذلك أن تقرر أن أول مبدأ يقرره الوحى، القراءة والتى هى مفتاح العلم الذى سيرد ذكره بعد قليل. وعلى ذلك يمكن أن نقول أيضا: إن من بين المقاييس بل ومن أهمها فى قياس درجة تفاعل الأمة مع إسلامها، ومع وحى ربها مقياس القراءة، فالأمة المسلّمة لربها أمة قارئة عالمة.
وتتبع هذا المبدأ ملازمة ومنهج صحيح يرش طريق القراءة، وهو مبدأ القراءة باسم الله الرب الخالق العظيم ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
وللعلماء فى توجيه ذلك أقوال منها: ما قاله أبو عبيدة: أن الباء زائدة وعلى ذلك يكون المعنى اقرأ اسم ربك، ومعنى ذلك اذكر اسمه. ولكن يذكر الرازى ضعف هذا الرأى
لوجوه يقول فيها: أحدها أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول ما أنا بقارئ. أى لا أذكر اسم ربى. وثانيها: أن هذا الأمر لا يليق بالرسول؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولا به أبدا، وثالثها:
أن فيه تضيع الباء من غير فائدة.
ولكن يمكن أن نناقش رد الرازى لهذا الرأى بقولنا: إن إجابة الرسول عن قول جبريل: «اقرأ» فقط كما جاء فى الرواية التى ذكرناها سابقا، فكان يضمه ويقول له:
«اقرأ» فيقول: «ما أنا بقارئ» وليست الإجابة إذن كما يذكر الإمام الرازى عن قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١]. بل نزلت الآية بعد الضمة الثالثة وإجابة الرسول: «ما أنا بقارئ»، تقرير للأمية التى هى دليل إعجاز للنبى ﷺ ، حتى لا يقال ما قاله بعض المشركين أنه قرأ كتب الأولين: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت]. وهذا يناسب أيضا الآية الكريمة التى تنبهه أن قراءته ستكون باسم الله وتعليمه وقوته وليست من ذاتك أو جهدك الشخصى أو تعلمك السابق.
أما قول الرازى: إن هذا لا يليق بالرسول؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله،
стр. 69
فإنه يجاب عن هذا بأن هذا الأمر لرسول الله ﷺ أمر لأمته، ولا يعنى الأمر بذكر اسم الله عند القراءة، وعند طلب العلم، وعند القيام بالعمل أن الرسول لا يذكر الله فى كل أحيانه، بل هذا تدعيم لما كان عليه من الذكر الدائم، وأمر لأمته بأن يكونوا على ذلك.
والقول الثانى: فى تفسير ذلك أن المراد من قوله: «اقرأ» أى اقرأ القرآن إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه، قال تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) [القيامة] وقال وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء] وقوله بِاسْمِ رَبِّكَ تحتمل وجوها أحدها: أن يكون التقدير: اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أى قل:
باسم الله ثم «اقرأ» وفى هذا دلالة علي أنه يجب قراءة التسمية فى ابتداء كل سورة كما أنزل الله تعالى وأمر به، وفى هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبا ولا يبتدئ بها.
وثانيها: أن يكون المعنى: اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك، وتحقيق ذلك أنه لما قال له: «اقرأ» فقال له: «لست بقارئ»، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، أى استعن باسم ربك واتخذه معينا فى تحصيل ما تيسر عليك، وثالثها: أن قوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أى اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله كما تقول: بنيت هذه الدار باسم فلان ولأجله فإن العبادة إذا صارت لله تعالى فكيف يجترئ الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى، فإن قيل: كيف يستقيم هذا التأويل فى قولك، قبل الأكل: باسم الله، وكذا قبل كل فعل مباح؟ ويجيب الرازى عن هذا بوجهين:
أحدهما: إن الإضافة هنا للفعل إلى العظيم- ﷻ ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك، فقد روى أن: من لم يذكر اسم الله شاركه الشيطان فى ذلك.
والثانى: أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى، وعلى طاعة الله فيصير المباح طاعة، فيصح ذلك التأويل فيه.
إذا كانت الآيات الكريمة الأولى في التنزيل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ تقرر مبدأ القراءة أولا، ومبدأ أن تكون هى والعمل جميعا باسم الله استعانة وطلبا لمرضاته، يبقى أن نتأمل ذكر كلمة «الرب» - سبحانه- فى قوله تعالى: بِاسْمِ رَبِّكَ، وذلك مناسب غاية المناسبة لموقفين:
أحدهما: مع رسول الله ﷺ والآخر مع الناس؛ أما مع النبى ﷺ فإن الرسول الكريم بلقائه مع جبريل فى صورته الملكية والتى خلق عليها فزع وخشى على نفسه،
стр. 70
وذكر كلمة الرب مع هذا تزيل ما فى نفسه من خشية أو فزع، وكأنما يقال للرسول الكريم: هو الذى رباك فكيف يفزعك؟ ومعنى آخر فيه تذكر للنبى ﷺ بما منّ الله به عليه من تربية: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) [الضحى]، فالتذكير بهذه النعم التى منحها الرب سبحانه تطمين للنبى ﷺ ، وفى الوقت نفسه تحفيز لهم للقيام بواجب الشكر عليها، وقضاء هذا الدين بلا تكاسل.
والأمر الثانى: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربى الله رسوله منذ البداية فكيف يضيعه، أى منذ أن كان علقة لم يدعه، فكيف بعد أن صار خلقا نفسيا موحدا عارفا بالله كيف يضيعه؟
وأما ما يتعلق بالناس فكذلك تذكير لهم بما صنع من آيات يقرون بها تدعو إلى الإيمان بالرب الخالق الرازق المنعم سبحانه، وتؤهلهم بهذا الإيمان إلى الاستجابة لما يوحى به إليهم من أمر أو نهى فناسب ذلك أن يقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ولذلك جاء عقبها الَّذِي خَلَقَ (١) [العلق]، فكأن العبد يقول: ما الدليل على أنك ربى؟ فيقول له: لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوما ثم صرت موجودا، فلا بد لك فى ذاتك وصفاتك من خالق، وهذا الخلق والإيجاد تربية يدل ذلك على أنى ربك، وأنت مربوبى، وفى هذا تقرير لمبدأ ثالث وهو الخلق لله وحده: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤] فله الخلق الذى يلفت نظرنا إليه بصورة مطلقة تشمل كل مخلوق.
«فالذى خلق» الأولى تكون بمعنى أنه الذى جعل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه، إنه خلق كل شىء.
وخَلَقَ الثانية تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات، وذلك إما لأن التنزيل إليه، أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض باختصاص الله له بوحيه وشرعه وتكريمه، وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) [الإسراء] ففي ذلك التخصيص تعميم لخلق
الإنسان ودلالة على عجيب قدرته؛ ولذلك احتج جماعة من العلماء بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى، قالوا: لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن سائر الذوات، وكل صفة هذا شأنها؛ فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها.
فالربوبية إشارة إلى الخالقية. وهذه المعانى التى نقف عليها فى هذا التنزيل تضع
стр. 71
أمامنا مبدأ آخر، وهو: وجوب معرفة الرب الخالق- وهذه المعرفة من أول الواجبات، ومن أهمها وقد بدأ بها القرآن الكريم مع الناس بداية تتلاءم مع ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، فالحكيم- لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين لو قال له: اقرأ باسم ربك الذى لا شريك له لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم لذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأن الحق سبحانه يقول: إن هؤلاء عباد الأوثان فاذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فهذا التدريج مقرون بأنى أنا المستحق للثناء دون الأوثان، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] فإذا أيقنوا بذلك وصلوا إلى التفريق بين من يخلق ومن لا يخلق أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] ووصولا بذلك إلى الإذعان لأمره ونهيه، وحققوا فى أنفسهم توحيد الألوهية مع توحيد الربوبية.
وفى ذكر الخلق من علق غير مشاهد للإنسان وقت نزول الوحى وأصبح اليوم معلوما مشاهدا بالأدوات الطبية والمناظير وأصبحت أطوار خلق الإنسان التى حكى عنها القرآن الكريم تفصيلا معروفة، دليل واضح على صدق رسول الله ﷺ فى تبليغه لكلام ربه الذى لا يعلم الغيب إلا هو ولا خالق سواه، وعلى ذلك يكون الترتيب كما سبق «اقرأ» فالقراءة مفتاح العلم، وإذا كان العلم دليل العمل والعمل باسم الله الرب الخالق الرازق الكريم، وأول ما ينبغى أن يعلم ويعرف توحيد الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ثم يأتى التكرار المؤكد لما سبق الذى يقدم مع التأكيد مزيدا من المعانى فيقول تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) [العلق].
ويوجه بعض العلماء هذا الأمر بالقراءة مع الأمر السابق أن الأول لنفسه والثانى للتبليغ. أو الأول للتعلم من جبريل والثانى للتعليم. وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فمن كرمه تعالى أن خلق ورزق، وربّى ومنح خلقه بلا عوض، وهذا هو معنى الكريم، فالكرم إفادة ما يبتغى بلا عوض وهو سبحانه أكرم، وفى بيان وجوه بعض أكرميته يقول بعض العلماء: إنه كم من كريم يحلم وقت الجناية، لكن لا يبقى إحسانه على الوجه الذى كان قبل الجناية وهو تعالى أكرم، لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية، ومنه قول القائل:
متى زدت تقصيرا تزد لى تفضلا ... كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا
стр. 72
وثانيها: إنك كريم لكن ربك أكرم، وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعا ويدفع ضررا، أما الله سبحانه فالأكرم إذ لا يفعله إلا لمحض الكرم.
ثالثها: أنه الأكرم؛ لأن له الابتداء فى كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بالتقصير.
رابعها: يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة، أى هذا الأكرم؛ لأنه يجازيك بكل حرف عشرا، وحثا على الإخلاص أى اقرأ لأجلى، ودع علىّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدا فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك.
ومع وصف الله سبحانه لنفسه جل شأنه بأنه خلق الإنسان من علق، وأنه علّم بالقلم فما المناسبة بين الأمرين؟
إن الآيات الكريمة تبين مزيد كرم الله الأكرم سبحانه حيث تفضل على الإنسان بخلقه أولا، وتفضل عليه ثانيا بنقله من حالة مهينة إلى تشريفه بالعلم وإدراك حقائق الأشياء، وصيره إلى أشرف مراتب المخلوقات ويذكر ذلك فى هذا السياق القرآنى الكريم وفى بداية نزول الوحى ليرتبط بقضية التوحيد الكبرى فى حياة الإنسان، فهذا التحويل من أحسن المراتب إلى أشرفها يلفت نظر الإنسان إلى وجود المدبر والمقدر فيذعن لأمره ونهيه، كما أن فى هذا تنبيها على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، وكأن الآيات الكريمة تقول لنا الإيجاد والإحياء والأقدار والرزق كرم ربوبيته، أما الأكرم فهو الذى أعطاك العلم؛ لأن العلم هو النهاية فى الشرف.
كما أن العلاقة بين المعنى السابق فى خلق الإنسان من علق بفضل ربه وكرمه وبين الذى علم بالقلم، انتقال بالإنسان كذلك من الوقوف على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة إلى الوقوف على الأحكام التى لا يستقيم الخلق إلا بها، والتى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتعلم والاستماع إلى ما يأتى به رسول الله ﷺ من عند ربه، فالحالة الأولى معرفة الربوبية. والثانية: الوقوف على النبوة وتقديم الأولى على الثانية تأهيل للإنسان للإقبال على النبوة وما يتبعها من تكليف إقبالا صحيحا مستجيبا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].
وأما قوله تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) [العلق] فإشارة إلى أهمية هذه الآلة وتلك
стр. 73
الأداة التى يتم بها تقيد العلم فيجتمع للإنسان فضلان عظيمان؛ فضل القراءة وبها يحصل العلم، وفضل تقييد العلم بالكتابة، ولذلك شبه الكلام بالريح الذى لا تبقى وقيده بالكتابة، وشبه العلم بالصياد الذى يصيد العلوم، والبدء بمبدإ الكتابة مع القراءة سبيلا للعلم النافع فى بداية نزول القرآن الكريم نقل للعرب خاصة، وللعالمين عامة من أمية متفشية، ومن جهالة مطبقة، ومن ضلال مبين، ومن ظلمات إلى حالة التعلم والتعليم، وإلى الحلم ونور المعرفة، وإلى الهدى والرشاد، إلى النور والوضوح والطريق المستقيم، فالعرب كانوا أميين، وكان عدد الذين يقرءون ويكتبون فى جزيرة العرب ضئيلا جدا، وكانت الجهالة عامة فيهم، وأما بقية العالمين فكانت تعيش ما يسمى بعصر الظلمات فى جوانب حياتها كلها. ولذلك وجدنا عناية الإسلام من اللحظة الأولى بنقل الإنسان إلى نور العلم وسبيل ذلك القراءة وكذلك الكتابة، وإذا اجتهد الإنسان وسلك سبيل العلم بالقراءة والكتابة باسم ربه وامتثالا لأمره وجد المزيد من توفيق الله له فعلمه ما لم يكن يعلم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢]، فمن علم
بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم.
هذه هى الآيات الأولى التى عطرت الدنيا، فكانت أول ما نزل من وحى ربنا من فضله وكرمه ومنته على العالمين، ورأينا كيف اجتمع فيها من المبادئ ما يمكن أن نقول:
إنها المفاتيح لهذه الأمة لتبدأ مكانتها، ولتنقل إلى الرشد والهدى، إن هذه الآيات الكريمات ذكرت الناس بربهم ليستجيبوا، وليمسكوا بمفتاح فلاحهم، وليقرءوا ما أنزل إليهم من ربهم، وما ينفعهم فى حياتهم، وليكتبوا ما تعلموه حتى يفيد منه أبناؤهم، وحتى يتمكنوا من تبادل معلوماتهم. بهذا أمرهم من خلقهم من علق، ومن نقلهم إلى هذا الشرف العلمى، ومن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ومنحهم العيون التى يقرءون بها، والآذان التى يسمعون بها، والشفاه التى يتكلمون بها، والبيان الذى ينطقون به، والأيدى التى يكتبون بها، فإذا استجابوا منحهم المزيد من علمه.
إنها ربطت المخلوقين بربهم، ووضعتهم على سبيل رشادهم، ونلاحظ مع هذه الآيات الكريمة أنها بدأت بأمر «اقرأ» ولكنه أمر ممتزج ببيان ما يتيسر تنفيذه، وما يرشد استعماله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] وتلا ذلك الإخبار والتذكر والنظر المتدبر، فأخبرت الآيات عن أن الله سبحانه خلق، وخلق الإنسان من علق؛ ليتأمل السامع والقارئ ذلك وتكون هذه من الأسس والقواعد التى تفصل بعد ذلك فى كتاب الله تعالى؛ لتشتمل
стр. 74
على الأمر والنهى فيما يسمى بالأحكام المتعلقة فيما بين العباد وربهم، وفيما بين العباد وبعضهم، وتشتمل على العقيدة التى هى أساس الأحكام وغيرها، فتربط الناس بربهم سبحانه بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتشتمل كذلك على ما تصحب هذا التعلم من معرفة شاملة لما يتحلى به من خلق كريم، وما يعرف من أخبار سبقت أو حوادث تجرى، كما تدعو إلى التأمل والتدبر فيما يكون فى حياة الإنسان وخلقه، هذه هى البدايات المباركة فى آيات الذكر الحكيم، ويبقى بعد ذلك أن نذكر المناسبة بين هذه الآيات الكريمة الأولى والآيات التى تلتها والتى تبدأ بقول الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق].
فمتى نزلت وهل هى تالية فى نزولها لهذه الآيات الأولى أم لا؟
لقد تتابعت الآيات فى السورة الكريمة في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) ... إلى آخر السورة الكريمة فهل هذا الترتيب على ترتيب نزولها؟ نقول إن ما تضمنته الآيات الكريمة من معانى تدل على تأخر نزولها، وأنه نزلت آيات أخر بعد الآيات السابقة سنذكرها إن شاء الله فى حينها- بعد إكمال سورة العلق- ولكن لم يعرف على وجه التحديد الدقيق متى نزلت الآيات الكريمة من قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) إلى قوله جل شأنه: لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق] حتى نجعلها فى مكانها من ترتيب نزولها إلا أن ما تضمنته من المعانى يجعل وقت نزولها قريبا من هذه الآيات الأولى، كما أن ترتيب هذه الآيات الكريمة بالآيات السابقة- وهو ترتيب توقيفى كما مر بنا- يجعل المعانى مترابطة ترابطا وثيقا تتحقق فيه الوحدة العضوية لتكون سورة العلق بمجموعها مشتملة على المبادئ الأساسية فى حياة الدعوة، وفى حاجة الناس، والتى فصلت بعد ذلك فى السور القرآنية والأحاديث النبوية وعلى ذلك سنتناول هذه الآيات بالحديث عنها هنا.
ففي قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) [العلق] يذكر أكثر المفسرين أن المراد من الإنسان هنا: إنسان واحد هو أبو جهل، ومنهم من قال: نزلت السورة من هنا إلى آخرها فى أبى جهل، وقيل: نزلت من قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إلى آخر السورة فى أبى جهل: قال ابن عباس: كان النبى ﷺ يصلى فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبى ﷺ فقال أبو جهل: تالله إنك لتعلم أنى أكثر أهل
стр. 75
الوادى ناديا فأنزل الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) [العلق] قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق، فلا يليق به التكبر فهو عند ذلك ازداد طغيانا وتعززا بما له ورئاسته فى مكة، ويروى أنه قال: ليس بمكة أكرم منى، ولعله- لعنه الله- قال ذلك ردا لقوله تعالى:
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) وعلى ذلك نقول: إن المناسبة بين الآيات قائمة وخاصة عند من يقول: بأن المراد من الإنسان المذكور فى هذه الآية جملة الإنسان، فبين الله تعالى أنه خلقه من علقة، وأنعم عليه بالنعم التى قدمنا ذكرها؛ إذ أغناه، وزاد فى النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد فى المعاصى واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة هكذا يستمر السياق إلا أن القول الأول أظهر بحسب الروايات وهذا ما يجعلنا نقول: أن هذا يقتضى أن يكون الرسول الكريم قد صدع بأمر ربه، وعرف المؤمنون به والمعارضون له والواقفون فى طريق دعوته، والذين تمادوا بعد ذلك فى المبالغة والتجاوز فى إيذائه وتعذيب أصحابه، وعلى ذلك يكون نزول هذه الآيات الكريمة بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة، نزلت فيها آيات أخرى سنتناولها- إن شاء الله- فى مكانها، وقد عرفت هذه الفترة بالفترة السرية والتى انتهت بصعود النبى ﷺ على جبل الصفا وندائه على بطون قريش وإعلانه لهم بأنه رسول الله إليهم، وأنه نذير لهم بين يدى عذاب شديد، ومن يومها كانت الشرارة الأولى فى التحديات، والتى أطلقها عمه أبو لهب قائلا: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ومن هذه الساعة أخذت الفتنة البدنية والمالية طريقها وشملت رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن هذه الفتنة التى لحقت رسول الله ﷺ وضع القاذورات والنجاسات عليه وهو ساجد، وكذلك وضع الشوك فى طريقه كما كانت تصنع امرأة أبى لهب وابنتها، بالتدبير لقتله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال]، وكانت هذه المحاولات لصرف الرسول عن دعوته وتخويف الناس حتى لا يؤمنوا به ومحاولة التأثير على من آمن به للعودة إلى الكفر.
ولذلك تجد الآيات من سورة العلق تذكر مثل هذه التصرفات الطائشة من المشركين الذين وقفوا فى طريق الدعوة؛ لتردعهم ولتزجر غيرهم؛ ولتعلمهم أنهم بقوتهم
ضعفاء أمام قوة الله وقدرته، وأن الله سينصر رسوله ويعلى كلمته ولو كره المشركون. قال تعالى: (كلا) وجاء فى معناها أنها للردع والزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، والكلام يدل عليه وإن لم يذكروا الوجه الثانى- وقال به مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أن الله
следующие страницы →