حدث بعاد وثمود وبمدين وأمثالهم لما كذّبوا الرسل، وهذه مساكنهم ودورهم وهؤلاء المشركون ليسوا خيرا من أولئك ولا أقوى، قال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤).
وتختم السور الكريمة ببيان عظيم حلم الله سبحانه بخلقه مع بيان شؤم المعصية والمخالفة لأمر الله سبحانه. وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ أما بنو آدم فلذنوبهم وأما غيرهم فلشؤم معاصى بنى آدم، قال ابن مسعود ﵁: كاد الجعل أن يعذّب فى جحره، بذنب ابن آدم، وقال يحيى بن أبى كثير:
أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك؛ فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت؟ والله الذى لا إله إلا هو- ثم قال: والذى نفسى بيده، إن الحبارى لتموت هزلا فى وكرها بظلم ظالم. وقال الثّمالى ويحيى بن سلام فى هذه الآية: يحبس الله المطر فيهلك كل شىء «١».
قال تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥).
стр. 317
سورة «مريم»
نزلت بعد فاطر فهى مكية بإجماع، ومما يدل على مكيتها ما ذكره أبو داود «١»: لما كانت وقعة بدر، وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: «إن ثأركم بأرض
الحبشة، فأهدوا إلى النجاشى، وابعثوا إليه رجلين من ذوى رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش، فتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر؛ فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة، فسمع رسول الله ﷺ ببعثهما، فبعث رسول الله ﷺ عمرو ابن أمية الضّمرىّ، وكتب معه إلى النجاشى فقدم على النجاشى، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبى طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم: كهيعص (١) وقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢). وقرأ إلى قوله تعالى:
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣). وفى السيرة «٢» فقال النجاشىّ: هل معك مما جاء به عبد الله شىء؟ قال جعفر: نعم، فقال له النجاشى: اقرأه علىّ. قال: فقرأ: كهيعص (١) فبكى والله النجاشى حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفتهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، فقال النجاشىّ: إن هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا «٢». فهذا يدل على نزول سورة «مريم» فى مكة وحفظ الصحابة لها قبل ذهابهم إلى الحبشة وهجرتهم إليها فكانت قراءة جعفر لها على النجاشى والقسيسين.
وقد قيل: إن قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨). آية مدنية، ذكر ذلك مقاتل «٤» وقيل كذلك: إن قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) آية مدنية. ولكن ليس مع القولين دليل قوىّ مما جعل القرطبى يحكى أنها مكية بإجماع دون أن يستثنى وكذلك الشوكانى فذكر ما أخرجه النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت بمكة سورة كهيعص (١) وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة مريم بمكة «٥».
стр. 318
وتقرر السورة الكريمة فى هذه الفترة التوحيد الخالص لله سبحانه، وكمال قدرته وتنزهه جل شأنه عما لا يليق بجلاله مما انحرف فيه وضل أهل الكتاب من نسبة الولد والشريك لله عن قولهم، وتتناول السورة الكريمة فى هذا البيان جانبين الأول: قصص الأنبياء بدءا بزكريا ﵇ وما كان من توحيدهم الخالص وما حدث معهم من مظاهر العبودية الصادقة فى حسن التوجه إلى الله، والطمع فى رحمته مع بيان مظاهر قدرة الله سبحانه فى تحقيق ما طلبوا، وكذلك آيات قدرته فى خلقه حتى وجدنا اسم السورة الكريمة مبرزا هذا المعنى فى «مريم» ﵍.
والجانب الثانى: فى بيان انحراف الناس وضلالهم فى فطرتهم إلى أنبيائهم، ورسل الله إليهم ودعوتهم إلى الصواب الذى يتفق مع ما جاء به هؤلاء الأنبياء. فهذا زكريا ﵇ يدعو ربّه ويذكر حاله ولا يستبعد أن يحقق الله له رغبته فى الذرية الصالحة على الرغم من حالته وحالة زوجته فيبشّر بالغلام ويسمّى ونقف على آيات قدرته سبحانه فى هذا الخلق وكيف يكون الإنجاب فى مثل هذه الحالة وكيف يكون غلاما زكيا ويكون برا بوالديه ويكون تقيا، وهذه عاقبة الاستقامة مع الله سبحانه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة قال جل شأنه: كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥).
وفى عرض هذه القصة تعليم وتوجيه للناس فى التوجه إلى الله سبحانه لتحقيق المراد، والثقة الكاملة فى فضل الله ورحمته، وكمال قدرته والخضوع والتذلل له، وذكر نعمه وآلائه يصاحب الدعاء والمسألة وفى ذكر القصة بتفصيلاتها وجوانبها الخفية ما يدلّ على أن هذا كلام الله سبحانه وحده، فلا علم بهذه الجزئيات الخفية لدى الناس.
وبعد ذكر قصة زكريا ويحيى ﵉ وما كان من حالهما، وتناول ذكر مريم ﵍ والتى سميت السورة الكريمة باسمها، وما كان من شأنها فى انقطاعها لعبادة
стр. 319
ربّها، وكيف جاءها الملك ليبشّرها بالولد وتتعجب كيف يكون الولد من غير أن يمسسها بشر وهنا يكون الحال مدعّما لما سبق ذكره مع زكريا ﵇ وزوجته حيث رزقه الله بالغلام وليسا فى حالة تسمح بالإنجاب، وكان الغلام مظهرا من مظاهر قدرة الله سبحانه، ويكون الغلام هنا كذلك من مريم آية على قدرة الله جل شأنه وكانت المواجهة بعد أن ظهر الحمل وكان الموقف النفسى شديدا مع مريم ﵍: ويطمئن كذلك من الجانب المعنوى حيث تكون آية القدرة الأخرى بعد الولادة فى
كلام عيسى ﵇ فى المهد، وكلامه يبرئ أمه الطاهرة ويدعّم العبودية لله سبحانه، وأنه عبد الله ورسوله والمؤدى لما يطلب منه من صلاة وزكاة، وبارّ بوالدته فهو بشر ولد وسيموت وسيبعث، فليس كما زعم الضالون ولدا لله سبحانه فما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه، قال تعالى فى بيان ذلك: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦).
ومع بيان هذه الحقائق فى شأن عيسى ﵇ وأمه وتصحيح المفاهيم الخاطئة نحوهما وتنزيه الله سبحانه عن افتراء الضالين وكذبهم تكشف الآيات الكريمة بعد ذلك حال الناس بعد هذا البيان وتذكر الوعيد الذى ينتظر الظالمين، قال تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) وبعد الوصول إلى الوعيد
стр. 320
مع سمع قوى وبصر قوى يقفون بهما على الحقائق يبقى الظالمون فى ضلالهم المبين لا يستطيعون عودة لتصحيح عقيدة أو سلوك: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) وأىّ حسرة أشد ممن يقع فى هذا الوعيد ويفوته رضا الله وجنته وسيتحقق سخطه وعذابه ولا يستطيع الرجوع ليستأنف العمل: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠).
وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ... الآية وأشار بيده، قال: أهل الدنيا فى غفلة» «١». وأخرج النسائى وابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبى هريرة مرفوعا نحوه.
وفى تجلية هذه الحقائق للناس تخليص للإيمان من الشوائب التى ضل فيها البشر من اتخاذ الشركاء، أو من نسبة الولد إلى الله سبحانه فأى ضلال أبين من أن يعتقد المرء فى إنسان حمله الرحم وأكل وشرب وأحدث واحتاج أنه إله أو ابن لله، وينسى أن الله سبحانه قادر يفعل ما يشاء وإذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
وبعد وقوفنا عند قصة مريم وابنها عيسى ﵉ وتصحيح المفاهيم نحوهما، والوقوف على مظاهر قدرة الله فى خلقه وفى كلامه فى المهد، وفى تقريره لعبوديته لله سبحانه- تذكر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك قصة إبراهيم ﵇ وما كان من موقفه مع أبيه الذى وقع فى الشرك، فعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنه شيئا وكيف تلطف إبراهيم ﵇ فى دعوته لأبيه فقدمها فى رفق وضمّنها حججه القوية، وحذّره من عبادة الشيطان بطاعته كما أنذره وخوّفه من عذاب الله، وكان موقف أبيه الإعراض والتهديد لإبراهيم بالرجم، قال تعالى فى بيان ذلك لرسوله ﷺ حتى يدرك الناس حرص الابن على هداية أبيه وكيف يكون الإعراض من الأب، وأن عاقبة الطاعة لله الخير والبركة وعاقبة الكفر العذاب والهلاك: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ
стр. 321
لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠).
وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك مجموعة من أنبياء الله ورسله، وتبرز فى الوقت نفسه مجموعة من الصفات والمنح والعطايا من الله سبحانه لهم فموسى ﵇ كان مخلصا وكان رسولا نبيا وكلّمه الله ووهب له هارون نبيا يساعده على أمره قال تعالى:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣).
وهذا إسماعيل ﵇ تبرز الآيات الكريمة فيه صدق الوعد مع الرسالة والنبوة وأمره لأهله بالصلاة والزكاة وكان عند الله رضيا زاكيا صالحا، قال تعالى: وَاذْكُرْ
فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
(٥٥).
فهذه مجموعة من الأخلاق التى تجعل الإنسان صالحا فى حياته مع الله وفى حياته مع الناس.
وهذا إدريس ﵇ يقول الله فيه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧).
وبعد ذكر هؤلاء الصفوة تفصيلا يذكرون إجمالا بإنعام الله عليهم: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) ومعنى ذلك أن هؤلاء التقوا بصلاحهم على تباعد ما بينهم من زمن وأنهم جميعا يشتركون فى صدق توجههم إلى ربهم وحسن تلقيهم لآيات الرحمن بالسجود والبكاء.
وبعد ذكر هؤلاء المخلصين يأتى الإخبار والتحذير من خلف أتى بعدهم، ولم يكن على حالهم فبدّلوا وغيروا وصاروا إلى فساد يتمثل فى إضاعة الصلاة ومن ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع «١»، واتبعوا شهوات أنفسهم فنفوسهم ليس لها ضابط بتضييعهم للصلاة، واتباع شهوات النفس والإسراف فيها يزيدهم بعدا، وسيوقعهم فى العذاب
стр. 322
الشديد إن لم يتداركوا أنفسهم بالتوبة الصادقة النصوح والإيمان الصحيح وما يتبعه من عمل صالح فإن تداركوا أنفسهم بذلك وجدوا رحمة الله واسعة، ووجدوا أنفسهم فى جنات عدن وعدا من الله سبحانه لا يتخلف وهذا ما وعد الله به عباده المتقين قال جل شأنه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣).
وبعد ذكر الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وما ذكر من وعيدهم، وفتح الباب أمامهم كى يتوبوا ويؤمنوا ويعملوا صالحا؛ ليجدوا رحمة الله ونعيمه فى جنات عدن.
بعد ذلك نجد الآيات الكريمة تضع الناس أمام مجموعة من الحقائق منها: أن نزول الوحى على رسول الله ﷺ إنما يكون بأمر الله سبحانه فى الوقت الذى يريد وبالأمر الذى يريد سبحانه، ومنها: ارتباط هذا التنزيل بما وصف الله سبحانه به نفسه، فله الأمر كله ماضيا وحاضرا ومستقبلا فى الزمان والمكان، وأنه سبحانه لا ينسى شيئا، وهو ربّ السموات والأرض وما بينهما خلقا وتدبيرا، وهو وحده المستحق للعبادة، والعبادة تحتاج إلى صبر ومجاهدة، وليس لله سبحانه نظير حتى يشاركه فى العبادة. ومع هذه الحقائق التى تملأ قلب الإنسان يقينا فى قدرة الخالق الرازق الذى بيده ملكوت كل شىء لا يستكثر الإنسان أن يخرج حيا بعد الموت، وقد خلق من قبل ولم يك شيئا أصلا فإعادته بعد أن صار شيئا أيسر وأسهل فى حساباته العقلية. فإذا لم يفد الإنسان من هذه الآيات الباهرات فأمامه من الوعيد الشديد حيث يحضر جاثيا على ركبتيه من شدة الهول وسينزع من كل طائفة وفرقة من الظالمين أشدهم ظلما فهم قادة الظلم والكفر فى الدنيا، والمقدّمون إلى العذاب يوم القيامة، وينجى الله الذين اتقوا من هذا العذاب. «١»
تبسط هذه الحقائق فى قوله تعالى: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ
стр. 323
هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) أخرج البخارى ﵀ وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا»؟
فنزلت: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ... الآية، وزاد ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وكان ذلك الجواب لمحمد «١».
وبعد بيان هذه الحقائق السابقة وما يتنزل بأمر الله من الوحى، تذكر الآيات الكريمة مقالة الكافرين للذين آمنوا فى المقارنة بين فقراء أصحاب النبى ﷺ وما كانوا عليه من خشونة فى العيش، والمشركين وما كانوا فيه من ترف، وخدعوا فى هذه المقارنة فلم يبصروا القيم التى تجعل الإنسان إنسانا كريما فرأوا أن أصحابهم أحسن مظهرا، ونسى هؤلاء سنة الله فى الإمهال، وأن من كان فى الضلالة مثلهم فليدعه فى طغيانه، جهله وكفره، ليجد مصيره الأليم وهذا غاية فى التهديد والوعيد، وهذا المصير قد يكون فى الدنيا فيعذبون بالنصر عليهم وقد يكون فى الآخرة، قال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦).
وتقدم الآيات الكريمة بعد ذلك صورة من الغرور والجهل الذى كان عليه المشركون فقد روى الأئمة- واللفظ لمسلم- عن خباب قال: كان لى على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لى: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: فقلت له: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث، قال: وإنى لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال وكيع: كذا قال الأعمش فنزلت هذه الآية: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) وفى رواية قال: كنت قينا فى الجاهلية أى كان حدادا فعملت للعاص بن وائل عملا فأتيته أتقاضاه. خرّجه البخارى- أيضا- وقال الكلبى ومقاتل: «كان خباب قينا فصاغ للعاص حليّا ثم تقاضاه أجرته، فقال العاص: ما عندى اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضينى، فقال العاص: يا خباب مالك؟ ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب فقال خباب: إنى كنت على دينك فأما اليوم فأنا على دين الإسلام مفارق لدينك. قال
стр. 324
أولستم تزعمون أن فى الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال خباب: بلى. قال فأخّرنى حتى أقضيك فى الجنة- استهزاء- فو الله لئن كان ما تقول حقا إنى لأقضيك فيها فو الله لا تكون أنت يا خباب وأصحابك أولى بها منى فأنزل الله تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا يعنى العاص بن وائل- الآيات» «١».
ومع ذكر النموذج المغرور الذى كفر بآيات الله، وطمع مع كفره فى المال والولد وسخر واستهزأ وتوعّده الله بالعذاب.
تنزل الآيات الكريمة بعد ذلك لتبين سببا من أسباب اتخاذ الآلهة من دون الله، وذلك لينالوا بها العز ويمتنعوا بها من عذاب الله وأنها ستكون عليهم بلاء: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) لقد ترك هؤلاء الكافرون لأهوائهم كما أرسلت الشياطين عليهم تعرفهم بالكفر والشر، وتقول للواحد منهم: امض امض فى هذا الأمر حتى توقعه فى النار.
وبقاء الكافرين فى الحياة على ما قدّر الله سبحانه وكل ما يتصل بهم من لحظات وأعمال معدود عليهم عدا: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)، وتقدم الآيات الكريمة هذا المشهد الذى يدعو إلى التفكير كيف يحشر المتقون فى صورة كريمة إلى النعيم وكيف يساق المجرمون إلى الجحيم: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) وليس للمشركين عهد عند الله، وفى ختام السورة الكريمة تذكير بأهم ما تعالجه سورة مريم من تنزيه الله سبحانه عما لا يليق بجلاله من نسبة الولد إليه سبحانه نتيجة قصور الفهم لدى الضالين الذين لم يدركوا أن الله يخلق ما يشاء، وهو القادر الذى يقول للشيء كن فيكون، فتعرض الآيات الكريمة لقول هؤلاء الضالين وأنه منكر من القول وزورا تتفطر منه السموات وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، والحق أن كلّ من فى السموات والأرض عبد لله من خلقه وتحت قدرته ومشيئته، وسيأتى كل إنسان إلى ربّه يوم القيامة فردا، قال تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥).
وبعد ذلك تبين الآيات الكريمة مكانة المؤمنين الذين يعملون الصالحات عند الله
стр. 325
سبحانه فى قوله الكريم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) ولقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الرحمن ابن عوف أنه لما هاجر إلى المدينة وجد فى نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية وهذه الرواية لا تستقيم ولا تصح، لأن السورة الكريمة كما ذكرنا من قبل مكية كلها، وقال ابن كثير معلقا على هذه الرواية: وهو خطأ، فإن السورة مكية بكمالها لم ينزل شىء منها بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك «١».
وأخرج الطبرانى وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت فى علىّ بن أبى طالب إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) قال: محبة فى قلوب المؤمنين. وأخرج ابن مردويه والديلمى عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ لعلىّ: «قل اللهم اجعل لى عندك عهدا واجعل لى عندك ودّا واجعل لى فى صدور المؤمنين مودة» فأنزل الله الآية فى على وأخرج عبد الرزاق والفريابى وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس: «ودا» قال: محبة فى الناس فى الدنيا. وأخرج الحكيم الترمذى وابن مردويه عن علىّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) ما هو؟ قال: «المحبة الصادقة فى صدور المؤمنين» وثبت فى الصحيحين وغيرهما من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إنى قد أحببت فلانا فأحبّه فينادى فى السماء، ثم ينزل له المحبة فى أهل الأرض فذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إنى قد أبغضت فلانا فينادى فى أهل السماء، ثم ينزل له البغضاء فى الأرض».
وتجمل الآيتان الأخيرتان من سورة مريم ما قصّه الله لرسوله ﷺ فى كتابه الكريم من أنباء السابقين ممن اصطفاهم الله من خلقه، وكيف كان صلاحهم، وممن خالف وكفر وصار ذلك ميسّرا لمن أراده يبشّر به المتقون وينذر به المبطلون، كما تقدّم عبرة التاريخ التى يجدونها والتى ينبغى أن يفيدوا منها فقد أهلك هؤلاء من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من المعاندين المكذبين لما استمروا فى طغيانهم فلا صوت لهم ولا حركة، قال تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨).
стр. 326
سورة «طه»
وهى مكية فى قول الجميع نزلت بعد سورة «مريم»، وكان نزولها قبل إسلام عمر ﵁ روى الدارقطنى فى سننه عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج عمر متقلدا بسيف فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خبّاب، وكانوا يقرءون «طه» فقال: أعطونى الكتاب الذى عندكم فأقرأه- وكان عمر ﵁ يقرأ الكتب- فقالت له أخته: إنك رجس ولا يمسّه إلا المطهّرون، فقم فاغتسل أو توضأ فقام عمر ﵁ وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ: «طه».
وذكره ابن إسحاق مطولا: فإن عمر خرج متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ وقتله، فلقيه نعيم بن عبد الله، فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الصابئ الذى فرّق أمر قريش وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسبّ آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟ فقال: وأىّ أهل بيتى؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما. قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما خبّاب بن الأرتّ معه صحيفة فيها «طه» يقرئهما إياها، فلما سمعوا حسّ عمر تغيّب خبّاب فى مخدع لهم أو فى بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خبّاب عليهما، لما دخل قال: ما هذه الهينمة التى سمعت؟ (والهينمة: الكلام الخفىّ الذى لا يفهم) قالا له:
ما سمعت شيئا. قال: بلى والله لقد أخبرت أنّكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفّه عن زوجها فضربها فشجّها.
فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى وقال لأخته:
أعطنى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرءونها آنفا أنظر ما هذا الذى جاء به محمد. وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها. قال لها: لا تخافى وحلف لها بآلهته ليردّنّها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت فى إسلامه، فقالت له: يا أخى إنك نجس على شركك وأنه لا يمسها إلا الطاهر فقام عمر واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها
стр. 327
طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خبّاب خرج إليه، فقال له: يا عمر والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه فإنى سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب» فالله الله يا عمر. فقال له عند ذلك: فدلنى يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم، وذكر الحديث «١».
وعلى ذلك فإن سورة «طه» مكية نزلت قبل إسلام عمر ﵁ وأما ما ذكره بعض الناس من أن الآيتين الكريمتين: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١). مدنيّتان فليس لهذا القول دليل يعتدّ به، وقد أشار إلى ذلك القرطبى ﵀ فى مسألة ذكر فيها قول ابن عطية فقال القرطبى: «قال بعض الناس: سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، قال: نزل ضيف برسول الله ﷺ ، فأرسلنى ﵊ إلى رجل من اليهود، وقال: قل له يقول لك محمد: نزل بنا ضيف ولم يلف عندنا بعض الذى يصلحه فبعنى كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفنى إلى هلال رجب»، فقال: لا، إلا برهن. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال:
«والله إنى لأمين فى السماء، أمين فى الأرض، ولو أسلفنى أو باعنى لأدّيت إليه، اذهب بدرعى إليه» ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا، قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سببا؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية فى آخر عمر النبى ﷺ ؛ لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودى بهذه القصة التى ذكرت وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى وبّخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعّدهم بالعذاب المؤجّل، ثم أمر نبيه بالاحتقار بشأنهم والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما فى أيديهم من الدنيا، إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزى «٢».
وعند ما نتناول ما تضمنته سورة «طه» من المعانى على ترتيب نزولها فأول ما نظفر به من هذه المعانى، ما خوطب به النبى ﷺ من بيان خصائص الوحى المنزل عليه، وأنه يرفع الحرج ويدفع المشقة وهو اليسر كلّه ومع بيان الغاية من تنزيل القرآن الكريم، وأنه تذكرة يأتى البيان بأن أهل التذكرة والانتفاع به هم أهل
الخشية. كما يأتى البيان الذى يطمئن الناس على كمال هذا الوحى وشموله وعلاجه لما خفى وما ظهر، وهدايته العامة
стр. 328
للتى هى أقوم فى كل شىء تذكر الآيات الكريمة صفات من أنزله سبحانه، قال جل شأنه: طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨).
وهذا التنزيل المبارك على رسول الله ﷺ امتداد لفضل الله على عباده منذ آدم ﵇، ولكنّ الناس مع الوحى المبارك مختلفون، فتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك قصة الوحى مع نبى الله موسى ﵇ وكيف بدأ نزوله معه، فكما بدأ نزول الوحى على رسول الله ﷺ فى غار حراء فكانت أولى آيات القرآن الكريم فإنه بدأ مع نبى الله موسى بالواد المقدس طوى وأن ما خوطب به موسى ﵇ هو ما خوطب به رسل الله جميعا عليهم الصلاة والسلام من توحيد الله سبحانه، وعبادته وحده، والاستقامة على وحيه، والاستعداد لليوم الآخر، والتحذير من المعوقات التى تقف فى طريق الدعاة إلى الله من شياطين الإنس والجن، قال تعالى: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦).
وبعد هذا تذكر الآيات الكريمة سنة الله مع رسله من تأييدهم بالآيات الدالة على صدقهم ومعرفة رسل الله بهذه الآيات التى يجريها الله على أيديهم ومن هذه الآيات- هنا- العصا. واليد. ومع هذه الآيات لا غنى للداعى إلى الله من شرح صدر الله له وتيسير أمره. كما تدل الآيات الداعين على أهمية التعاون والتآزر فى تبليغ الدعوة وعبادة الله سبحانه قال تعالى لنبيه موسى ﵇ بعد ذكر اختياره: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤)
стр. 329
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦).
ومن بيان أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يختارون لتبليغ رسالات الله وتشملهم عنايته ورعايته فى جميع أحوالهم، وحياتهم يأتى ذكر منّة الله على موسى ﵇ طفلا حيث أنقذه من عدو الله فرعون وعدو موسى الذى أراد ذبحه باعتباره طفلا من أطفال بنى إسرائيل، وأما كيف تم الإنقاذ؟ فإنه توجيه آخر لبيان كيفية إنفاذ الله لما يريد بقدرته وكيف يتم المراد بالإمهال على عكس ما يتصور البشر، فإلقاء الطفل فى التابوت ثم إلقاؤه فى اليم ثم وصول التابوت إلى مصدر الخطر. كل ذلك فى نظر الناس إلقاء بالنفس إلى التهلكة، ولكن مع رعاية الله سبحانه تتحول المخاطر إلى وسائل للنجاة فألقى الله المحبة فى قلب زوج فرعون ليلغى الأمر بالذبح، وحرّم الله عليه المراضع ودلّت أخته على أمّه باعتبارها مرضعة لا تعرفه ليتحقق وعد الله، ويعود موسى إلى أمه. كما يذكّر الله سبحانه بما يدل على عنايته به فى حياته إذ نجاه من القتل عند ما وكز الرجل، وكان فيها القضاء وكيف رعاه وهو فى أهل مدين ليجد أهلا وترحيبا وأمنا.
كل هذه النعم دلالة على الاختيار للرسل وفيه ما يطمئن المرسل إليهم إلى اصطفاء الله لرسلهم، قال تعالى: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١).
ومع ذكر مظاهر عناية الله بالمرسلين فى حياتهم كلها، وذكّر الله نبيه موسى ﵇ بذلك. تذكر الآيات الكريمة بعد هذا تكليف موسى وأخيه بالذهاب إلى فرعون، ومداومة ذكر الله سبحانه مع بيان منهج الدعوة الذى ييسر للمدعو سبيل التذكر والخشية، وهو القول الليّن الذى يجعل المستمع فى هدوء أما القول المعبر عن الشدة فإنه يشغل المدعو بمواجهة الداعى، ولا يترك له فرصة التفكير فيما يدعى إليه.
ولكن قد يحدث أن يكون المدعو فى قمة الطغيان التى يتوقع معها أن يفرط على الداعى، ويكون سبيل الأمان أن يستشعر الداعى إلى الله سبحانه أن الله معه يسمع ويرى، كما تبين الآيات الكريمة بعد هذا الأهداف التى من أجلها يبعث الرسل والمذكور منها- هنا- إنقاذ البشر من ظلم الطغاة، وإشاعة السلام بين الناس باتباع الهدى، وإنذارهم من التكذيب والإعراض، ومواجهة المدعوين بالحجة وبيان ما غمض عليهم
стр. 330
وإقحامهم إذا أرادوا الجدل بالباطل ببيان ما ينبغى أن يشغل الإنسان به مما يعود عليه بالمنفعة، وبعد هذا البيان لكل الدعاة ينبغى أن يعلموا أن من الناس من يعرض على الرغم من الالتزام بالمنهج الرشيد فى الدعوة فإذا حدث ذلك لرسول الله محمد ﷺ فإن الآيات الكريمة تذكّره بما حدث من فرعون مع قوة الآيات ووضوحها فلا يحزن قال جل شأنه مخاطبا موسى ﵇: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦).
بل قد لا يكتفى المدعو بالإعراض وإنما يوجّه التهم إلى الداعى، ويقلب حقائق الأمور. فرماه بمثل ما عرف من تخييل السحرة، وأنه سحرهم بهذه الآيات ليخرجهم من الأرض وأيّد الله رسوله فى اللقاء الجامع الذى جمع فيه فرعون كيده ثم أتى.
وأبطل الله ما صنع السحرة على الرغم من شدة التمويه، وإحكام الصنعة حتى أوجس فى نفسه خيفة موسى وثبّته الله. وأيّده بالعصا التى تلقف ما صنع هؤلاء. وأدرك السحرة أن ما جرى على يد موسى ليس من قبيل سحرهم وبضاعتهم، ولذلك آمنوا برب هارون وموسى.
وهنا يظهر الطغيان فى صورته التى لا يقبلها عقل، فإن فرعون بطغيانه تصوّر أنه يملك قلوب الناس وعقولهم، فكيف يؤمن السحرة قبل أن يأذن لهم فرعون بالإيمان ثم أكّد اتهامه وقوّاه بزعم لا سند له من الواقع فى أن موسى ﵇ هو كبيرهم الذى علمهم السحر ثم هدد بالتعذيب البدنى، وهذه نهاية الإفلاس لدى الطغاة أن يهددوا بالتعذيب، ولكنّ صدق إيمان السحرة جعلهم يستهينون بتهديد فرعون ولا يعبئون به ويرون قصر الحياة الدنيا، ويرجون ربهم أن يغفر لهم ما بدر منهم. ثم تذكر الآيات عاقبة من أجرم، وعاقبة من آمن: قال تعالى فى موقف فرعون: قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ
стр. 331
وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣).
ومع بيان نتيجة الإجرام ونتيجة الإيمان تعقيبا على موقف فرعون من موسى وهارون ﵉ والموقف من السحرة الذين آمنوا وذلك فى قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٤٧) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦).
فإنه قبل أن يلقى فرعون مصيره يرى آية أخرى فى الطريق الذى جعله الله لموسى ومن آمن معه فى البحر، ولكن العمى كان قد تحكم من فرعون فلم ينتفع بالآيات كلّها بل أضلّ قومه وكان مصيره أن يموت فى البحر. قال تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩).
وإذا كان هذا نذيرا للطغاة فى كل عصر فإن الآيات الكريمة بعد ذلك تحكى لرسول الله ﷺ ما حدث من قوم موسى؛ ليقف على ما كان من أمر بنى اسرائيل، وما كان من شأن هذه الأمة. لقد ذكرت الآيات ما منّ الله به على بنى إسرائيل من النجاة من عدوهم وما نزّل عليهم من المنّ والسلوى وطيبات الرزق، ولكن بعد نجاتهم من إضلال فرعون وقعوا تحت تأثير إضلال السامرىّ لهم، فلما تركهم موسى أضلّهم السامرىّ بالعجل ونهاهم هارون ولكن لم يستجيبوا له. وعاقب الله المضلّ وحرّق العجل ونسف
стр. 332
فى اليمّ نسفا، قال تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ
رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
(٩٧).
وبعد هذا تستخلص العبرة وصولا إلى التوحيد الخالص والتأكيد على أهمية الذكر الحكيم وعدم الإعراض عنه، والتذكير بيوم القيامة وما يحدث فيه. والعود إلى ذكر التنزيل وغايته، وبيان شوق الرسول ﷺ إليه، وضمان جمعه فى صدره تأكيدا لما ذكر فى أول السورة الكريمة، قال تعالى: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً (١٠٤).
أخرج «١» ابن المنذر وابن جريج قال: قالت قريش: كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧). وتستمر الآيات فى بيان ما سيحدث يوم القيامة فيقول الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
стр. 333
فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤).
وتستمر الآيات الكريمة لتعطى الأمة الخاتمة خلاصة تجارب السابقين وما كان منهم فتذكر لنا ما كان من أبى البشر آدم ﵇ حيث عهد إليه وأمر فالتزم وأذعن ومع ذلك نسى وانتقضت عزيمته وتاب وتاب الله عليه كما تبصّر الآيات الكريمة بنى آدم بتكريم الله لأبيهم وعداوة إبليس وإغوائه لآدم ﵇ وأسلوبه فى الإغواء ونزول الوحى والهدى وانقسام الناس فى قبول الوحى إلى قسمين. قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧).
وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك العبرة التاريخية فيما حدث للسابقين وكيف تكون سنة الله فى خلقه فى الإمهال. قال تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩).
ثم توجه الآيات الكريمة إلى رسول الله ﷺ لتقويته فى مواجهة التحديات بالصبر على ما يقولون، والتسبيح بحمد الله وصولا إلى الرضا، والرضا بما قسم الله، وأمر الأهل بالصلاة والاطمئنان على رزق الله، وهذه سبل تدعيم الشخصية لكل مؤمن. قال تعالى: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ
стр. 334
اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢).
وتختم السورة الكريمة بذكر مطلب المشركين فى أن يأتيهم الرسول ﷺ بآية كالناقة والعصا، أو أن يأتيهم بالآيات التى يقترحونها كما جاء فى قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً
رَسُولًا (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
(٩٤) [الإسراء].
وهذا مطلب عجيب فقد جاءهم البينات فى هذا الذكر الحكيم فهو كتاب معجز وقص عليهم أخبار السابقين وأحوالهم؛ ومنها: ما ذكر فى سورة «طه» من ظهور الآيات أمام فرعون ولم ينتفع بها. فمع التعنت والعناد والظلم لا تغنى الآيات.
لقد أقيمت الحجة عليهم بما جاءهم من الحق والبينات، وليس لديهم ما يتعللون به حين يرون العذاب والخزى. وإذا كان المشركون يتربصون بالنبى ﷺ فإن العاقبة ستظهر من كان على صراط مستقيم ومن اهتدى، قال تعالى: وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥).
стр. 335
سورة «الواقعة»
نزلت بعد سورة «طه» فهى مكية فى قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. وأما ابن عباس وقتادة فيستثنيان آية منها نزلت بالمدينة وهى قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)، وأما الكلبى فيقول: إنها مكية إلا أربع آيات منها آيتان نزلتا فى سفره ﷺ إلى مكة وهما قوله تعالى: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)، وآيتان نزلتا فى سفره ﷺ إلى المدينة وهما قوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) «١».
وفى صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: مطر الناس على عهد النبى ﷺ فقال النبى ﷺ : «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا»، قال: فنزلت هذه الآية: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) «٢».
وعلى ذلك تكون الآيات المدنية عشر آيات منها: هذه الآيات الثمانية والآيتان:
ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠).
وعن ابن عباس ﵄: أن النبى ﷺ خرج فى سفر فعطشوا، فقال النبى ﷺ :
«أرأيتم إن دعوت الله لكم فسقيتم لعلكم تقولون: هذا المطر بنوء كذا» فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلّى ركعتين ودعا ربّه فهاجت ريح، ثم هاجت سحابة فمطروا، فمرّ النبى ﷺ ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول: سقينا بنوء كذا ولم يقل: هذا من رزق الله فنزلت: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) أى: شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة وتقولون: سقينا بنوء كذا.
وفى الموطأ عن زيد بن خالد الجهنىّ أنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل (أى بعد مطر) فلما انصرف أقبل على
стр. 336
الناس وقال: «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بالكوكب ... فأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بى» «١».
وعلى ذلك فإن سورة الواقعة تتضمن تصحيح نظرة الإنسان إلى آيات الله الكونية، فإن هذا الكون بما فيه من آيات كونية من خلق الله سبحانه فهو الذى خلقها وهو الذى يسيرها وفق حكمته ومشيئته فلا يتوجّه إلى الآيات، ولا ينسب إليها فعل، فلا حول لها ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ونستطيع أن نجد تأسيس النظرة الصحيحة إلى الكون فى سورة الواقعة فيما يلى:
أولا: نظرة التوافق والانسجام، فالكون بآياته يسبح لله، طائع له، فإذا كان الإنسان كذلك طائعا لربه مستجيبا لأمره ونهيه شعر بالألفة والحب نحو هذا الكون للتوافق فيما بينهما.
ثانيا: نظرة التأمل والاعتبار فلا يمر المؤمن عليها بغفلة، وإنما يستدل منها على قدرة خالقها سبحانه وعظيم صنعه فيؤمن بقدرة الله سبحانه فلا يستصعب البعث والحساب وما يكون إذا وقعت الواقعة.
ثالثا: نظرة التسخير والانتفاع فإن الله سبحانه جعل فى هذه الآيات ما يستمتع به الإنسان وينتفع به فى حياته فيزداد بالتفكير فى آيات النعمة حبا للمنعم سبحانه والعمل لمرضاته.
نتعلم هذا من سورة الواقعة فيما تثيره من تساؤلات عن النطفة وعن الحرث وعن النار التى ينتفع بها الإنسان وهكذا. فإذا ما استقامت نظرة الإنسان إلى الكون بهذه الصورة تهيأ لما سيكون بعد الموت وما سيكون إذا وقعت الواقعة.
ولذلك سيكون فى حياته عابدا لربه شاكرا له فيكافأ بالعطاء فى الدنيا والجزاء العظيم فى الآخرة؛ لهذا جاء فى فضل تلاوة سورة «الواقعة» ما أخرجه البيهقى فى الشعب عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة، كلّ ليلة لم تصبه فاقة أبدا» وذكر ذلك أيضا ابن عبد البر فى التمهيد كما سميت فى روايات أخرى بأنها سورة الغنى «٢».
ومما تضمنته سورة «الواقعة» من المعانى على ترتيب نزولها، بعد أن نزلت آيات كثيرة فى السور الكريمة السابقة تذكر يوم القيامة وما يحدث فيه من بعث ونشور وما
стр. 337
يكون من حساب وجزاء، وثواب وعقاب، وجنة ونار، وتخاطب فى كل ذلك ما يقنع العقل ويحرّك القلب حتى أصبح الأمر لمن أراد الهداية يقينا لا شك فيه تنزل سورة الواقعة لتذكّر بهذا اليقين، ولتذكر نتيجة وقوع الواقعة من الخفض لقوم والرفع لآخرين وارتباط هذا الخفض والرفع بأعمال المكلّفين، ومظاهر هذه الواقعة من الرّج والبسّ وتغيّر الأحوال وانقسام الناس بأعمالهم إلى ثلاثة أقسام. يقول الله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) تذكر الأصناف الثلاثة.
أما المقربون فيذكرون بصفتهم ومصيرهم وحجمهم من الأمة فى أوّلها وآخرها ومن غيرهم، ومظاهر نعيمهم، قال تعالى: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦). أخرج أحمد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبى هريرة قال: لما نزلت: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) شق على أصحاب رسول الله ﷺ ، فنزلت: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) فقال النبى ﷺ : «إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، أو شطر أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الثانى» «١».
غير أن هذا الوصف لحجم المنعمين يأتى مع أصحاب اليمين، فيذكرون بمظاهر نعيمهم، وأنهم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين.
فيقول تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠).
وأما أصحاب الشمال فيذكرون بمصيرهم ومظاهر عذابهم وصور من أعمالهم وسلوكهم، قال تعالى: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا
стр. 338
يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦).
ولما ذكر فى الآيات السابقة ما كان من أصحاب الشمال من التكذيب بيوم الدين، وما يحدث فيه، وما يتبع ذلك من عدم استقامة المكذب فى التعلق بالدنيا والاشتغال فيها بالباطل وارتكاب كبائر الذنوب، كانت الآيات الكريمة بعد ذلك معينة على سبيل الاستقامة وذلك بعرض مجموعة من آيات الله الكونية المشاهدة، والتى تتناول خلق الإنسان وأصله ونهايته، وما يكون من الزرع الذى لا غنى له عنه، والماء الذى يشربه وكيف ينزله الخالق المنعم سبحانه عذبا فراتا برحمته، والنار التى تشاهد وينتفع بها.
كل هذه الآيات المشاهدة للإنسان تنطق بعظيم قدرة خالقها ﷻ فإذا تأملها الإنسان آمن بأنه سبحانه على كل شىء قدير فلا يستكثر الإنسان أن يعيده الله سبحانه مرة أخرى بعد أن يموت ويكون ترابا وعظاما، وأن يحاسبه على ما قدم، قال تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ
(٧٤).
وهذا التدبر والتأمل فى آيات الله الدالة على قدرته سبحانه، وعلى عظيم نعمه تورث فى القلب اليقين، وحسن التلقى لآيات الكتاب العزيز.
ومما تضمنته سورة الواقعة من المعانى على ترتيب نزولها من تقدم الآيات الكريمة ما يعين الإنسان على بلوغ اليقين من تأمله وتدبره فى آيات الله الكونية، والتى يعيش فيها وينعم بها ولا يستطيع الحياة بدونها. فإذا بلغ الإنسان هذا اليقين بهذه المشاهدة وجد القسم الذى يزيده يقينا فى كتاب الله سبحانه، وأنه كلامه الذى يعتز الإنسان به وأنه محفوظ ممن نزله سبحانه وعلى هذا تكون قوة المؤمنين فى الاعتزاز والجهر به أمام العالمين، قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠)
стр. 339
أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢).
فالآيات الكريمة تربط الإنسان بمشاهد الكون الدالة على قدرة الخالق سبحانه وعظمته وأن القرآن الكريم كلامه الذى أنزله وحفظه فلا ينبغى أن يشعر المرء بضعف وهو يحمل كلام القوى العزيز، ولا ينبغى أن يقابل نعم الله الغامرة بالتكذيب باليقين الذى لا ريب فيه وخاصة عند مواجهة الأعداء، وكما أشرنا أن نزول الآيتين: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) كان فى سفر النبى ﷺ إلى مكة.
وتقدم الآيات الكريمة- بعد ذلك- مظهرا من مظاهر قدرة الله سبحانه فى وقوع الموت ببنى آدم وعجز الإنسان أمام هذا الحق الذى لا مفر منه، وإبراز هذا الجانب من مظاهر القدرة المشاهدة فى الموت يسلم للحقيقة التى بعده والتى تتعلق بالبعث بعد الموت وانقسام الناس إلى: المنعّمين على درجاتهم من المقربين ومن أصحاب اليمين، وإلى:
المعذبين من المكذبين الضالين.
وعلى هذا فإن سورة الواقعة تقدم للناس حق اليقين فى كل ما أخبر الله عنه من أمور الغيب ودعم هذا اليقين بإثارة الفكر ليتأمل الإنسان آيات القدرة والنعمة فى حياته والتى تجعله يسبح باسم ربه العظيم من قلبه، قال تعالى: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦).
стр. 340
سورة «الشعراء»
وبعد سورة الواقعة وما تضمنته من المعانى التى تؤسس اليقين فى القلوب نحو اليوم الآخر، وتأخذ بالعقول للتفكير فى آيات الله الكونية، وما يكون من وقع الموت بالإنسان ومصيره فى الآخرة تنزل سورة الشعراء، لتدعم اليقين، فى آيات الكتاب المبين، وكيف حفظه من أنزله سبحانه على قلب رسوله ﷺ ، وتبيّن موقف الناس منه، وما تضمنه من وجوه الإعجاز، وتنزهه عن المشابهة بكلام البشر، فسورة الشعراء مكية عند الجمهور وقال مقاتل: منها مدني؛ الآية التى يذكر فيها الشعراء، وقوله تعالى:
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة «١» وهى قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧).
وتبدأ السورة الكريمة بالحديث عن القرآن الكريم، وأنه كتاب مبين ولكنّ موقف الناس منه عجيب فقد كذّب به- مع وضوحه- فريق منهم، وهذا الموقف أحزن رسول الله ﷺ حزنا شديدا.
وهم بهذا الإعراض مع التكذيب والاستهزاء يعرّضون أنفسهم لعذاب الله، قال تعالى: طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦).
فهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله مع وضوحها عمى عن آيات الله الكونية، لم يفتحوا عيونهم ليروا تحت أقدامهم الأرض، وما أنبت الله فيها من كل زوج بهيج ليكون فى هذا النظر فتح لقلوبهم، قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩).
стр. 341
ومع بيان وصف الكتاب العزيز بأنه مبين، ومع هذا كان موقف بعض الناس منه الإعراض والتكذيب، لأنهم لم يفتحوا عيونهم على آيات الله الكونية فعميت قلوبهم عن آيات الله القرآنية، وتقدّم الآيات الكريمة- بعد ذلك- وجها من وجوه الإعجاز فى هذا الكتاب المبين وهو الإخبار عن السابقين وما كان من موقف الأمم السابقة مع رسلهم، وهى أخبار لا يعلمها إلا الله سبحانه الذى نزّل الكتاب على عبده. وفى الوقت نفسه يكون فى هذه الأخبار ما يفيد من أراد الهداية والانتفاع من تجارب الآخرين، والسعيد من وعظ بغيره فبدأت الآيات بالحديث عن موسى ﵇، وقد سبق الحديث عنه فى آيات كريمات من سور سابقة ولكن نجد أن تجدّد ذكر الأنبياء مع أقوامهم فى مواضع متعددة يكون مصحوبا بجوانب تربوية ومواقف تتناسب مع السياق الذى ترد فيه. ففي موضع تذكر جزئيات خاصة وفى موضع آخر يفصّل فى غيرها وهكذا فتعرض الآيات الكريمة- هنا- شيئا مما يتعلق بنبى الله موسى ﵇ وقد ذكر من قبل- مثلا- فى سورة طه فى جوانب من نعم الله عليه منذ ولادته إلى بعثته، وما جرى مع قومه- وهنا تأتى جوانب من حياته لتعين الناس على استخلاص العبرة من قصة موسى مع القوم الظالمين وضيق صدره من مواجهة الطاغين، وكيف أيده الله وأعانه وشد أزره بأخيه هارون، قال تعالى: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧).
ثم تبين الآيات بعد ذلك موقف فرعون منهما ومحاولته صرف موسى عن دعوته بذكر ما صنعه معه وليدا، وما فعله موسى عند ما استغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى، قال تعالى: قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)، وكان جواب موسى ﵇ مبصّرا لفرعون ومبينا له حقيقة استعباده لشعب بنى إسرائيل فى مقابل ما يذكره من صنيعه بموسى ﵇، قال تعالى: قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢).
ثم تعرض الآيات الكريمة سؤال فرعون لموسى عن ربّ العالمين، وكان جوابه ﵇ مصححا لما أوقعه فرعون فى الناس من ضلال فأجابه بأنه سبحانه ربّ هذا الكون بسمائه وأرضه وما بينهما، ورب الناس الذين يعيشون فى هذا الكون، وربّ الزمان والمكان، ولا شريك له فى ذلك، وهو الذى يستحق العبادة وحده فلا إله إلا هو، قال
стр. 342
تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩).
وقدّم موسى الآيات الدالة على صدقه فى العصا واليد ولكنّ فرعون رماه بالسحر وبالتآمر على الناس، قال تعالى: قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥). ولما وجد الناس رمى فرعون لموسى ﵇ بالسحر أشاروا عليه بجمع السحرة ومواجهته بهم، وتمت المواجهة ووعد السحرة بالأجر والمكانة وتحرك الباطل، فخدع الناس وخيّل إليهم من سحرهم أن عصيهم تسعى ولكنّ الحق تحرّك أيضا بإلقاء موسى للعصا التي أسكنت بالباطل ودفعته، وأدرك السحرة أنه الحق فآمنوا. قال تعالى:
قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨).
ولكن شأن الطغاة أن يتصوروا أنهم يملكون الناس ظاهرا وباطنا، وأنه لا ينبغى للإنسان أن يفكر إلا إذا أذن له سيده، ولا أن يؤمن إلا إذا سمح له فرعون، وتبع هذا التصور الباطل رمى فرعون لموسى ﵇ بالسحر، وأنه كبير السحرة، وأنهم تعلموا على يديه ثم اتّجه إلى السحرة وتوعّدهم بالتعذيب، وقابله السحرة بالإيمان والثبات والتفكير فى المصير والطمع فى مغفرة الله. قال تعالى: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١).
ويؤمر موسى ﵇ بالسير ليلا لأنهم متّبعون، ويقوم فرعون بحشد إعلامى ليشتد غيظ الناس على بنى إسرائيل، وتكون العاقبة فى إخراج الظالمين من النعم الكثيرة وتمكين الضعفاء المستعبدين منها. وتأتى العاقبة فى بيان يشدّ انتباه السامعين إلى هذا
стр. 343
الموقف الذى يتراءى فيه الجمعان: جمع الطغاة، وجمع المؤمنين ويخشى المؤمنون الموقف، ولكن موسى يطمئنهم: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)، ويكون الأمر بضرب البحر بالعصا لتتحقق هذه الآية العظيمة فى وجود الطريق بين جبلين من الماء الجامد لينجو المؤمنون بهذا الطريق، ويعود البحر إلى حالته الأولى لإغراق الظالمين. قال تعالى:
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
(٦٨).
ثم تقدم الآيات الكريمة المنزلة بعد هذا ما كان من نبأ إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه ومواجهتهم فى العبادة، وبيان بطلان ما هم عليه بيانا عقليا ليجدوا أنفسهم فى دائرة التقليد الأعمى للآباء فحسب. قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧).
ويعرّف إبراهيم ﵇ الناس بمجموعة من النعم التى تغمرهم، وينبّه إلى مجموعة من الأمور التى ينبغى أن يحرص الناس عليها وأن يشتغلوا بتحقيقها، وأن يتضرعوا إلى الله ليعينهم على تحقيقها. فهو سبحانه الذى خلق، وهو الذى يهدى، وهو الذى يطعم ويسقى، وهو الذى يشفى إذا قدّر المرض، وهو الذى يميت، وهو الذى يحيى وهو الذى يرجى فى التطهر من الخطايا لخطورتها فى الدنيا وفى يوم الدين. فهذه ينعم بها عباد الله وعليهم أن يجتهدوا فيما يحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة من طلب العلم النافع الذى جاء فى وحى الله، وأن يجد نفسه مع الصالحين، وأن تكون آثاره فى الناس طيبة ليجد الذكر الحسن، وأن يكون من أهل الجنة، وأن يدرك واجبه نحو والديه فى طلب المغفرة والرحمة لهما، وكان دعاء إبراهيم بالمغفرة لأبيه عن موعدة وعدها إياه. ومن الأمور التى يحرص عليها كذلك ويدركها الناس من دعاء إبراهيم ﵇ أن يجنّب الله الإنسان الخزى يوم يبعثون وذلك بتجنيب أسباب الخزى وأن هذا اليوم لا
стр. 344
ينفع فيه إلا الذين تعهدوا قلوبهم بالصقل والتنقية بالإيمان الصحيح والاستغفار وذكر الله سبحانه والأعمال الصالحة وتطهيره من الأمراض التى تصيبه، قال جل شأنه فيما ذكره إبراهيم فى مواجهة قومه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩).
وبعد هذا التعريف بالنعم والحضّ على ما يغتنم يأتى التنبيه بما سيكون من تقريب الجنة للمتقين، وإظهار الجحيم للغاوين الكافرين الذين يندمون ويتلاومون على اتخاذهم الأنداد من دون الله حيث يدركون فى وقت لا ينفعهم فيه الإدراك أنهم كانوا فى ضلال، وأنه لا شفيع ولا صديق ويتمنى هؤلاء العودة مرة أخرى ليكونوا من المؤمنين ولكن لا ينفعهم التمنى فتزداد الحسرة. قال تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤).
ومع التنبيه والتذكير بما سيكون من مصير المتقين ومصير الغاوين الكافرين. تتناول الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك ما كان من قوم نوح من التكذيب وعدم الاستجابة والنظرة المتكبرة إلى المؤمنين، والاشمئزاز منهم والتهديد والوعيد بالرجم لمن يدعوهم إلى الهدى والتقوى، قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦).
ولما وصل الأمر إلى هذه النتيجة المؤسفة دعا نوح ربّه أن يحكم بينه وبينهم، وأن ينجيه ومن معه ونجّاه الله ومن معه فى الفلك، وأغرق الكافرين. قال تعالى: قالَ
стр. 345
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢).
ثم تقدم الآيات الكريمة بعد ذلك ما كان من تكذيب عاد، وكيف دعاهم أخوهم هود إلى تقوى الله والطاعة وأنه لا يريد مقابل ذلك أجرا منهم ونبّههم إلى ما هم عليه من بطش وتجبّر، وعرّفهم بنعم الله عليهم وحذرهم من عذابه، ولكنهم مع كل هذا كذّبوا فأهلكهم الله، قال تعالى: كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠).
وهذا التعقيب الكريم الذى يذكر من صفات الله سبحانه العزة والرحمة تنبيه للمخاطبين بأنه سبحانه لا يغلب وأنه رحيم بعباده يقص عليهم هذه الأنباء، ليفيدوا منها وليدركوا أنفسهم قبل أن يقع العذاب بهم مثلما وقع بغيرهم.
ثم تذكر الآيات الكريمة- بعد ذلك- ما كان من ثمود من تكذيب، وقد دعاهم أخوهم صالح إلى تقوى الله والطاعة وأنه لا يريد منهم أجرا على نصحه ودعوته، فجزاؤه على ربّ العالمين سبحانه، وأنهم لن يتركوا فى نعيم مع الكفر فإن الكفر عاقبته وخيمة وحذرهم من طاعة المسرفين المفسدين فى الأرض فرموه بالسحر، وطلبوا منه آية تدل على صدقه وأيده الله بالآية فكانت الناقة، ولكنهم عقروها فاستحقوا العذاب ووقعوا فى الندامة. قال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ
стр. 346
ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩).
وبعد ذلك تتناول الآيات الكريمة المنزلة ما كان من قوم لوط من تكذيب ودعاهم أخوهم لوط إلى تقوى الله والطاعة، وأنه لا يريد منهم أجرا فأجره على رب العالمين وحذّرهم من سوء الخلق وإتيان الذكران من العالمين، ودعاهم إلى الطّهر والعفة فتوعدوه بالإخراج، وتبرأ من عملهم وعبّر عن كرهه له ودعا ربّه لينجّيه وأهله مما يعملون فاستجاب الله له وتحققت النجاة له ولأهله إلا عجوزا بقيت فى العذاب وأهلك الآخرون بالخسف والحصب «١». قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥).
وتتناول الآيات الكريمة بعد ذلك ما كان من أصحاب الأيكة (والأيك: الشجر الكثير الملتف، والواحدة أيكة، وكانت فى البادية). وقد أرسل إليهم شعيب ﵇ ودعاهم إلى تقوى الله وأنه لا يريد منهم أجرا فأجره على رب العالمين، ودعاهم إلى الإصلاح الاقتصادى المتمثل فى سلامة الميزان والكيل وعدم البخس والتحذير من الفساد فى الأرض بصوره، فرموه بالسحر وكذبوه وطلبوا العذاب، فأخذهم عذاب يوم الظلة.
قال ابن عباس: أصابهم حرّ شديد، فأرسل الله سبحانه سحابة فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها صيح بهم فهلكوا، وقيل: أقامها الله فوق رءوسهم وألهبها حرّا حتى ماتوا من الرّمد، وكان من أعظم يوم فى الدنيا عذابا «١»، قال تعالى:
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)
стр. 347
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١).
إن تقديم هذه الصور للأمم السابقة مع رسلهم وبيان حالة كل أمة، وكيف كانت عاقبتها تعليم وتوجيه وتربية لهذه الأمة الخاتمة، ففرعون صورة للطغيان والاستبداد والفساد فى الأرض وقوم فرعون يمثلون الضلال واتخاذ الأنداد ووجهوا بالحجة، وقوم نوح يمثلون نظرة السخرية والتنكير على المؤمنين، وعاد يمثلون العلوّ والكبر والتعلق بالدنيا، وكذلك ثمود بإسرافهم وفسادهم وقوم لوط بفاحشتهم وشذوذهم، وأصحاب الأيكة بفسادهم الاقتصادى. فهذا الفساد المتعدد يتكرر على مرّ الأيام والناس فى حاجة إلى معرفة النتائج لهذه الأعمال الفاسدة، وقد نبأنا الله من أخبار هؤلاء فى كتابه الكريم، فمع إمكانية الانتفاع بهذه المواقف بالتدبر والتأمل، واستخلاص العبر تأتى الأوامر المباشرة ليحمل الناس على صلاحهم حملا. تتناول الآيات الكريمة بعد هذا الحديث عن القرآن الكريم وبيان مسيرته الآمنة حيث نزل به الروح الأمين لينزل على أطهر مكان وأحكمه على قلب النبى ﷺ . وليس للشياطين عليه من سبيل فلا يستطيعون سرقة شىء منه. وهو فى وضوح تام؛ لأنه بلسان عربى مبين، وقد تضمّن كل أسباب الهداية، فهو يهدى للتى هى أقوم فى كل شىء ففيه الدعوة إلى التوحيد والعبودية الخالصة لله وحده، وفيه خفض الجناح للمؤمنين، وفيه التحذير من المعصية والمخالفة، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦).
وأما الآية التى قال مقاتل إنها مدنية فهى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧). فإن مجاهدا يقول: يعنى عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما
ممّن أسلم، وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد- ﵊ فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد فى التوراة نعته وصفته. يقول القرطبى: فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم أو لم يسلم على هذا القول، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون فى أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب؛ لأنهم مظنون بهم علم «١».
وتحذّر الآيات الكريمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من التكذيب بالحق
стр. 348
واستعجال العذاب، فإن قلوب المجرمين لا تذعن إلا إذا تطهرت، وفى حالة إجرامها فلن تؤمن بالقرآن الكريم وإعجازه ولو أنزله الله على أعجمى، ولن يؤمنوا به حتى ينزل عليهم العذاب. ولو كان تكذيبهم لانغماسهم فى الشهوات فهل المتعة بالشهوات تغنى إذا وقع العذاب؟. قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)، قال مقاتل: قال المشركون للنبى ﷺ : يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتى به؟ فنزلت: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)، ثم ينزل هذا التساؤل الذى يجعل متع الدنيا لا قيمة لها مع وقوع العذاب فيقول تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧).
وتبين الآيات بعد ذلك سنة الله مع خلقه فى أنه سبحانه ما أهلك قرية من القرى إلا بعد الإنذار إليهم والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب ليذّكر هؤلاء قال تعالى:
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩).
وتنبّه الآيات الكريمة بعد ذلك إلى أمور جديرة بالعناية حتى يتخلص الناس من الأوهام والظنون التى شغلوا أنفسهم بها نحو وحى الله سبحانه لرسوله ﷺ ، فبعد الاطمئنان السابق على تنزيل القرآن الكريم من رب العالمين على قلب رسوله ﷺ عن طريق الروح الأمين ﵇ يأتى النفى والرد لما زعمه الكفرة فى القرآن الكريم أنّه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة. فهذا الزعم مردود لأن الله حفظ كتابه، قال تعالى: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢). ولو أن هؤلاء آمنوا وفتحوا قلوبهم للتوحيد لتطهّرت قلوبهم من هذه الأوهام ولذلك يأتى الخطاب إلى النبى ﷺ بالتوحيد مع كونه منزّها عنه معصوما منه لحثّ العباد على التوحيد ونهيهم عن شوائب الشرك وكأنه قال: أنت أكرم الخلق علىّ وأعزّهم عندى، ولو اتخذت معى إلها لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد «١».
قال تعالى: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وإذا كان هذا تنبيها إلى إقامة الناس على التوحيد، فإن الأمر الذى يلى هذا أن ينذر الرسول ﷺ عشيرته الأقربين، وإذا كان الرسول ﷺ سينذر عشيرته الأقربين فليس معنى ذلك أن دعوته لهم وحدهم كما تصوّر بعض الناس، بل إن ذلك من التدرج الصحيح فى الدعوة والتى تبدأ بالداعى ثم الذى يليه فقد ذكر قبلها مباشرة: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ
стр. 349
الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤). وإذا كان رسول الله يبعث بلسان قومه فرسول الله محمد ﷺ بعث كذلك بلسان قومه، وأنزل عليه القرآن الكريم بلسان عربى مبين ليفهم عنه من ستبدأ الدعوة بهم، ثم يقوم هؤلاء بمهمتهم فى دعوة غيرهم، وهكذا تتسع الدائرة من العشيرة الأقربين إلى أمّ القرى ثم من حولها لتشمل العالمين.
روى مسلم من حديث أبى هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) دعا رسول الله ﷺ قريشا فاجتمعوا فعمّ وخصّ فقال: «يا بنى كعب ابن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى مرّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذى نفسك من النار فإنى لا أملك لكم من الله شيئا غير أنّ لكم رحما سأبلّها ببلالها». أى أصلكم فى الدنيا ولا أغنى عنكم من الله شيئا «١».
ولو فهم الناس أن هذه الدعوة خاصة بعشيرته فحسب لاستجاب له الأقربون بدافع العصبية ولكنّ الأقربين أنفسهم أدركوا أن الدعوة لهم ولغيرهم أى ليست من قبيل الدعوات العنصرية وإنما تنظر إلى الناس جميعا نظرة المساواة وتعمّ بخيرها العالمين.
ولذلك رأينا من الأقربين المستجيب والمعرض، قال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠).
ولإزالة الوهم ودفعه تنبه الآيات الكريمة بعد ذلك إلى تنزّه القرآن الكريم عن المشابهة لكلام البشر فيما عرفه الناس من كلام الكهان وشعر الشعراء، وصلة الشياطين
بهذين النوعين من الناس، ورسول الله ﷺ ليس بكاهن وليس بشاعر، وما أنزل إليه ليس من قبيل سجع الكهان وشعر الشعراء، قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧).
ولما كان الشعر يمثل جانبا كبيرا وخطيرا من أساليب العرب فى القول وجدنا هذا التفصيل المذكور فى الآيات الكريمة بعد نفى المشابهة بين القرآن الكريم والشعر من جهة وبين الرسول ﷺ والشعراء والكهان من جهة أخرى. وهذا يرجع إلى مكانة الشعر فى
стр. 350
حياة الناس عند نزول الوحى، وكيف عنى العرب بفنّ القول، وأجادوا فيه وأنزل الله كلامه الذى أعجزهم بيانه فلم يستطيعوا الإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، ولو تظاهر فى ذلك الإنس والجن. فأسلوب المخلوق يستحيل أن يرقى إلى كلام الخالق سبحانه.
ولكنّ عدم المشابهة بين القرآن الكريم والشعر وغيره من الكلام الفصيح والبليغ لا يفهم منها محاربة القرآن الكريم للشعر والشعراء بصورة عامة بل إن إعجاز القرآن الكريم فى جانبه البيانى يكون أكثر وضوحا عند ما يعتاد الناس جيد القول نثرا وشعرا، وعند ما يفشو فيهم تذوق الكلمة، ولذلك فإن هذه السورة الكريمة التى سميت بسورة الشعراء تلفت الانتباه إلى حقيقة التفضيل فى أمر الشعر والشعراء. وأن الشعر وإن كان كلاما موزونا مقفى، فإنه لا ينبغى أن يخرج عن دائرة الضوابط الشرعية التى ترشد الكلمة، لتكون طيبة نافعة تؤتى ثمارها، فجيّد الشعر كجيد الكلام مقبول، وقبيح الشعر كقبيح الكلام مذموم ومرفوض، ويرتبط الكلام بقائله فى الحالتين شعرا ونثرا.
ولقد وجد الناس هذا المعنى فى نظرة الرسول ﷺ إلى الشعر والشعراء ولا يفهم من هذا أن الإسلام ضيّق الأمر على الشعراء أو أثّر على شاعريتهم تأثيرا سلبيا كلا؛ بل إنه أطلق لهم الإبداع فى التعبير عن المعانى المستحسنة شرعا وطبعا وفى ظل ضوابطه كان إنتاج الكثير من الشعراء موافقا لتصور الإسلام للشعر والشعراء.
روى مسلم من حديث عمرو بن الشّريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صلى يوما فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبى الصّلت شىء؟، قلت: نعم. قال:
«هيه» فأنشدته بيتا. فقال: «هيه» ثم أنشدته بيتا، فقال: «هيه» حتى أنشدته مائة بيت «١». يقول القرطبىّ: وفى هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعانى المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبى ﷺ من شعر أمية؛ لأنه كان حكيما، ألا ترى قوله ﵊: «وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم».
ولذلك أطلق العلماء على الشعر الأحكام الفقهية من الحل والحرمة والندب والكراهة والإباحة. قال أبو عمر: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولى النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدرة إلا وقد قال
стр. 351
الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله؛ وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: «أصدق كلمة- أو أشعر كلمة- قالتها العرب قول لبيد: ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل» أخرجه مسلم وزاد: «وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم» وروى عن ابن سيرين أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر. فقال: ويلك يا لكع، وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا فى القوافى، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.
وأما ما رواه مسلم ﵀ عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يملئ شعرا» وفى الصحيح- أيضا- على أبى سعيد الخدري ﵁ قال: «خذوا الشيطان- أو أمسكوا الشيطان- لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» فإن للعلماء توجيها لهذا قالوا فيه: إنما فعل النبى ﷺ هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقا للتكسب فيفرط فى المدح إذا أعطى، وفى الهجو والذم إذا منع، فيؤذى الناس فى أموالهم وأعراضهم ولا خلاف فى أن من كان على مثل هذه الحالة، فكلّ ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه.
وقيل كذلك: إن الذى غلب عليه الشعر وامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شىء من الذكر ممن يخوض به فى الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول، ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية لحكم العادة الأدبية، وهذا المعنى هو الذى أشار إليه البخارى فى صحيحه لما بوّب على هذا الحديث: «باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر».
وقد ذكرت الآيات الكريمة تعليلا لمذمة الشعراء الذين يتبعهم الغاوون فى أنهم فى كل لغو يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق لأن من اتّبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما
стр. 352
يقوله تثبّت، ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالى ما قال.
والآيات الكريمة تستثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا، ولذلك لما نزلت: وَالشُّعَراءُ جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبى ﷺ ، فقالوا: يا نبى الله، أنزل الله تعالى هذه الآية وهو تعالى يعلم أنا شعراء؟ فقال: «اقرءوا ما بعدها: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... الآية- أنتم وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا أنتم» أى بالرد على المشركين. قال النبى ﷺ : «انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ولا تذكروا الآباء والأمهات».
стр. 353
سورة «النمل»
وهى مكية كلّها فى قول جميع العلماء «١» نزلت بعد سورة الشعراء، وتبدأ السورة الكريمة بالحديث عن القرآن الكريم، كما بدأت من قبل سورة الشعراء؛ لأن معالجة هذا الأمر يمثل أساسا عظيما للإيمان وما يتبعه من استجابة لأوامر الله سبحانه ورسوله ﷺ ، فإذا تجلّت حقيقة الوحى وعرف الناس قدر نعمة القرآن الكريم، وأنه كتاب الله المبين، وأنه يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين ويثمر فيهم صلاحا مع الله سبحانه فى إقامة الصلاة يتبعه صلاح مع الناس فى إيتاء الزكاة مع اليقين فى اليوم الآخر، وما يكون فيه من حساب، إذا عرف الناس ذلك أدركوا سبب الفساد الذى يقع فيه من لا يؤمن، قال تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥).
فهذا القرآن الكريم أساس كل خير وهو كلام العليم الحكيم سبحانه، هذه الحقيقة تقدّم فى بداية سورة النمل وقبل أن تبسط أحوال الأمم السابقة مع رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه، قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦).
وإذا كان موسى ﵇ قد مرّ بنا ذكره فى مواضع سابقة من القرآن الكريم فكما أشرنا فى أن هذا التكرار لذكر اسمه ﵇ مصحوب بمناسبة الجزئية التى تذكر من حياته ومواقفه مع السياق الذى وردت فيه. وهنا يذكر من هذا الجانب ما يتعلق بموضوع الوحى وما يقترن به من الخير وما يصحب الرسل من آيات تدل على صدقهم. فالقرآن الذى أنزله الله على رسوله محمد ﷺ فيه آيات إعجازه ومنها هذه القصص التى تساق لتدل على أن الذى أخبر بها رسوله على هذا النحو الدقيق إنما هو الحكيم العليم سبحانه. وهذا الوحى مصدر كل خير فموسى ﵇ يريد لأهله الخير والدفء فوجد الخير الأعم فى وحى الله سبحانه: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩).
стр. 354
ويؤيد الله نبيه بالمعجزة وتذكر الآيات القرآنية الكريمة ما يفيد أن هذه المعجزة التى يؤيد الله بها رسولا من رسله ليست من صنع الرسول، وإنما يجريها الله سبحانه على يديه تأييدا له ودليلا على صدقه، والدليل على ذلك أن موسى ﵇ لما أمر بإلقاء العصا ورآها تهتز كأنها جانّ ولّى مدبرا، وطمأنه الله فلو كانت من صنعه لما خاف. قال تعالى: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١).
وأمر الله سبحانه موسى ﵇ بإدخال يده في جيبه ليريه آية أخرى، ومع كثرة الآيات وقوتها ووضوحها تلقاها القوم الفاسقون بالجحود والكبر مع تيقنهم من أنها من عند الله سبحانه، قال تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤).
ثم تخبرنا الآيات الكريمة بعد ذلك عن وحى الله ونعمته على داود وسليمان ومقابلة هذه النعم بالحمد، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨). وفى الوقت الذى تعرض فيه هذه الصورة للملك الكبير والذى كان عليه سليمان ﵇ ومع هذا الملك يكون الخضوع لأمر الله والثناء عليه وعدم الكبر وعدم البطش بالضعفاء ولذلك سرّ سليمان ﵇ من قول النملة: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) أى لن يفعلوا ذلك بعلم منهم لعدلهم ورحمتهم بالنمل وغيره: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩).
وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك موقفا لسليمان ﵇ مع الطير وهو موقف تعليمىّ فى العلاقة بين القائد وجنده، وكيف يكون القائد عارفا بأحوال جنده، وكيف يعرف الجند النظام والطاعة فسليمان ﵇ يتفقد الطير فلم يجد الهدهد ومعنى ذلك أنه غاب بغير إذن وتكون العقوبة على قدر ما فعل، فقد تكون تعذيبا وقد تكون ذبحا، وقد يأتى بما يرفع عنه العقوبة من عمل عظيم أو عذر مقبول. قال تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما
стр. 355
لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١).
ومع ذكر موقف القائد من جنده فى تفقدهم وتعويدهم النظام فيما يعملون وكيف فصّل سليمان ﵇ العقوبة المتوقعة لصنيع الهدهد. ولكنّ الهدهد جاء بعلم لم يحط به نبىّ الله سليمان ﵇ وهو فى صالح الدعوة وعلى ذلك يدفع الهدهد عن نفسه العقوبة التى فصّلت فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣). وهذه المرأة التى ملّكت وآتاها الله من كل شىء ومكّن لها. كان الموقف الذى يراه الهدهد ضروريا ومناسبا أن تعرف الله وحده وأن تخلص العبودية له ولكنّه وجدها على غير ذلك وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦). وهذا الإحساس من الهدهد التابع لمملكة سليمان ﵇ يدل على معرفة يقينية بما ينبغى من العباد نحو الإله الحق سبحانه، ومن المخلوق نحو الخالق ﷻ وأن الهدهد يعرف من حياته كيف يسّر الله له ولأمثاله من الطيور إخراج الخفىّ من الأرض، وأنّ علم الغيب لله وحده ويطلع عليه من شاء من خلقه.
والموقف التعليمى الآخر الذى يتمثل فى تلقى القائد للأخبار وأنّ عليه أن يتثبت من صحة الخبر الذى يلقى إليه، وأن يسلك السبيل إلى اليقين فى الأخبار ولذلك كان موقف سليمان ﵇: قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨)، وإذا كان هذا الموقف يمثل الحال فى مملكة الإيمان والاستقامة على وحى الله فللقائد أن يتفقد وله أن يحاسب، وللجند أن يعبر عن موقفه وأن يدافع عن نفسه، وأن القائد والجند يغارون على دين الله، فإن الحال فى المملكة التى لا تعرف التوحيد على غير هذا يتبين ذلك فى موقف الملكة مع رعيتها: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)، بعد أن قرأت الرسالة ووصفت الكتاب بأنه كريم وأنه من سليمان وفيه التصدير بالرحمة والدعوة إلى الله وعدم الكبر طلبت منهم الرأى: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣).
وهذا الموقف ليس مستقيما؛ لأنها طلبت رأيهم وماذا تصنع، ولم يعطوا لها رأيا