← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37483

تاريخ نزول القرآن

محمد رأفت سعيد

Полный текст (359 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) فالله سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو المعبود بحق وهو يحيى ويميت ومنّ على خلقه السابقين والحاضرين برسله وخاتمهم النبى الأمىّ الذى جاء مصدّقا بكلمات ربه فليس أمام من يريد الهدى من العالمين إلا أتباعه ﷺ . وتذكر الآيات المنزلة بعد ذلك ما كان من شأن قوم موسى من وجود أمة يهدون بالحق، وما كان من فضل الله عليهم بموسى وسقيهم بالماء وتظليلهم بالغمام، وإنزال المنّ والسلوى وطيبات الرزق، وتوجيه القول لهم بسكنى هذه القرية، وماذا يصنعون لتحقيق المغفرة، لكن بدّل الذين ظلموا منهم قولا غير الذى قيل لهم فكان العذاب قال تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢). وأما قوله تعالى لرسوله ﷺ : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ فقد نزلت بالمدينة على نحو ما فصّلنا فى بداية السورة الكريمة وفيها ذكر صنيع اليهود فى التحايل وصولا إلى ما يريدون: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وفيها ذكر موقفهم من المواعظ وقسوة قلوبهم ونسيانهم، مما جعلهم أهلا للعقوبة الشديدة والمسخ وتسليط غيرهم عليهم وتقطيعهم فى الأرض، قال تعالى: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ

стр. 282

لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠). وتستمر الآيات الكريمة من سورة الأعراف فى بيان ما حدث مع قوم موسى لكشف ما كانوا عليه من ناحية، ولبيان أن رسالة الرسول ﷺ إلى الناس أجمعين، وأن مسيرة الوحى منذ آدم ﵇ مستمرة إلى خاتمة الوحى فى رسالة رسول الله محمد ﷺ إلى العالمين، وتؤكد الآيات على معنى الأخذ بهمة وقوة لوحى الله؛ حتى يثمر فى الأخذ كما تأخذ الآيات على من يفصل بين العلم والعمل فلا يأخذها للعمل بهمة ونشاط، فلا ينتفع بها، ولا يتجمل بها ويصبح كالإنسان الذى انسلخ من جلده، فصار فى منظر كريه تشمئز منه النفس السوية فالجلد يجمّل الإنسان، وبه عناصر الحسّ الإنسانى فمن ينسلخ منه يفقد زينته، ويفقد حسّه وكذلك الذى تأتيه الآيات، فلا يحسن فى أخذها والانتفاع بها والعمل بما تضمنته من المعانى. ويخرج كذلك الإنسان بهذا الإهمال وهذا التعطيل من دائرة التكريم الذى جعل الله عليه الإنسان، فهو تكريم مرتبط بمدى استجابة الإنسان لربّه، وإذا لم يستجب خرج من دائرة التكريم إلى دوائر مهينة- كما ذكر فى الآيات الكريمة هنا- حيث يكون كالكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ كما تحذر الآيات من الغفلة والتقليد الأعمى للمبطلين وأن هذا لا يصلح للتبرير يوم الحساب قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ

стр. 283

الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨). وتستمر الآيات الكريمة فى بيان أن الإنسان يبقى فى دائرة التكريم الإلهى ما دام مستجيبا لوحى ربه فإذا لم يكن كذلك خرج من هذه الدائرة إلى دوائر أخرى مهينة فالذى آتاه الله قلبا ولكن لا يفقه به وآتاه عينا ولكن لا يبصر بها الحق وآتاه الله أذنا ولكن لا يسمع بها. إن الذى أوتى هذه الأجهزة، ورزق هذه النعم فلم يحسن الانتفاع بها فى حسن تلقيها لوحى ربها خرج من دائرة التكريم وصار فى دائرة الأنعام، يقول الله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩). وتقدم الآيات الكريمة بعد ذلك تعريفا للناس بالله سبحانه فله جل شأنه الأسماء الحسنى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠). وتبين الآيات الكريمة انقسام الخلق إلى أمة تهدى بالحق، وإلى المكذبين بالآيات وهؤلاء يستدرجون من حيث لا يعلمون. ثم تنبه المخاطبين بالوحى فى أن يفكروا، لأنهم بالفكر السليم والنظر الثاقب سيدركون خطورة تكذيبهم وسيعلمون منّة الله عليهم فى بعثة الرسول من أنفسهم لينذرهم، قال تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦). وتقدم الآيات بعد ذلك جوابا عن سؤال وجّه إلى رسول الله ﷺ عن الساعة ومتى هى فتبين الآيتان علمها عند الله وأنها ستأتى فجأة. وفى هذا بيان للناس أن ما يتعلق بعلم الغيب فلا أحد يعلم عنه إلا ما شاء الله وأن رسوله ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ

стр. 284

إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨). تأتى بعد ذلك الآيات الكريمة لتنبه الناس إلى حقيقة الخلق وما ينبغى أن يكون الإنسان عليه مع تذكّره، قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) فالخالق هو الله فله الخلق وحده. والناس جميعا خلقهم الله من نفس واحدة، ومنّ الله على الإنسان بنعمة السكن النفسى فجعل من آدم ﵇ زوجة ليسكن إليها فهذه بداية البشرية. فالكل يعود إلى أصل واحد «كلكم لآدم» وزوجته منه، وليست من شىء آخر منفصل عنه. فلا تمايز- إذن- بين الناس من ناحية الخلق يجعلهم فى تحاسد وتباغض وكبر وأمراض تدفع بهم إلى الصدود عن الهدى، وعدم الاستجابة للداعى إلى الحق والرشاد. والخالق سبحانه الذى أنعم على الإنسان بنعمة الخلق والسكن والذرية من حقه على خلقه أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، ولكنّ البشرية قد نكبت بوقوع الشرك فيها من الشرك فى التسمية، كأن يسمّى الإنسان بعبد الحارث وعبد العزى وهكذا، أو ما حدث من بعض البشر من الشرك فى العبادة. وقد نبّه المفسرون إلى الانتقال من النوع إلى الجنس، فإن أوّل الكلام فى آدم وحواء ثم انتقل الكلام فى الجنس أى ما حدث من الذرية. وتقدم الآيات الكريمة ما يعين الإنسان على التخلى عن عبادة غير الله سبحانه والتطهر من الشرك. فإن هؤلاء الشركاء لا يخلقون شيئا بل هم مخلوقون ولا

стр. 285

يستطيعون دفع مكروه عمن يعبدونهم ولا عن أنفسهم. إنهم لا يسمعون ولا يبصرون. إنهم يشتركون مع عابديهم فى أنهم مملوكون لله سبحانه فهى مخلوقة كذلك. بل الإنسان له رجل يمشى عليها وله يد يبطش بها وله عين يبصر بها وله أذن يسمع بها، أما هؤلاء فحجارة وأخشاب فكيف تعبد من الإنسان. وإذا ذكّرت الآيات الكريمة الإنسان بهذه الحقائق فإنها توجهه إلى العبودية الحقّة لله سبحانه وحده إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ كما ترشده إلى سبيل الصلاح وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦). ومن المعانى التى تذكر فى الآيات الكريمة بعد بيان بطلان الشركاء ما يدعّم مكارم الأخلاق وحسن المعاملة، قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) ونزول الآية الكريمة بهذه المعانى فى الفترة المكية تعين الرسول ﷺ على مواجهة الأذى من المشركين، كما تعين المؤمنين على ذلك، قال جابر بن سليم أبو جرىّ: ركبت قعودى ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله ﷺ فأنخت قعودى بباب المسجد فدلّونى على رسول الله ﷺ ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك السلام». فقلت: إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء؛ فعلّمنى كلمات ينفعنى الله بها. قال: «ادن» ثلاثا، فدنوت، فقال: «أعد علىّ» فأعدت عليه، فقال: «اتق الله ولا تحقرنّ من المعروف شيئا، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك فى إناء المستسقى وإن امرؤ سبّك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبّن شيئا مما خوّلك الله تعالى» قال أبو جرىّ: فو الذى نفسى بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. أخرجه أبو بكر البزار فى مسنده بمعناه «١». فهذه الأخلاق التى تبلغ الذروة من المكارم يوجّه الناس إليها فى مواجهة الجاهليين والمسيئين والقاطعين. روى البخارى من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير فى قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا فى أخلاق الناس. وجاء فى تفسيرها: «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطى من حرمك وتصل من قطعك» «٢». وبعد ذكر هذه المكارم الخلقية يأتى التوجيه إلى التحصين من الشيطان إذا استثار الإنسان ليغضبه أو ليأمره بالسوء والفحشاء أو القول على الله بما لا يعلم الإنسان. وأن

стр. 286

المتقين على بصيرة ووعى، لا يستطيع الشيطان أن يدخل إليهم وأما إخوانه الشياطين وأولياؤهم فإنهم إذا اقترفوا الذنوب لا يزالون يمدونهم فى الغى ذنبا بعد ذنب. قال تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢). وتختم سورة الأعراف بذكر قضية كبرى ينبغى أن يعرفها الناس، وهى أن الوحى يتنزل بأمر ربك وأن مهمة الرسول ﷺ التبليغ واتباع الوحى بما فيه من حجج وهدى ورحمة. وأن الواجب مع القرآن الكريم الاستماع والإنصات حتى يؤخذ بهمة، وينال المتلقى رحمة الله. وأن يتحصن الإنسان بذكر ربه وألا يقع فى دائرة الغفلة، وأن ما يؤديه المرء من وجوه العبادات، فإنما هى لخيره وسعادته، فالناس فى أشد الحاجة إلى عبادتهم لله سبحانه وهو الغنى عنهم، قال تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦).

стр. 287

سورة «الجن» نزلت بعد سورة «الأعراف» فهى مكية، قال القرطبى: فى قول الجميع وقال ابن عباس ﵄: نزلت سورة «الجن» بمكة «١»، وعن عائشة ﵂ وابن الزبير مثله «٢». وقد أخرج أحمد والبخارى ومسلم والترمذى وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: «انطلق النبى ﷺ فى طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذى حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبى ﷺ وهو بنخلة عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا والله الذى حال بينكم وبين خبر السماء، فهنا لك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: «يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا» فأنزل الله على نبيه ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وإنما أوحى إليه قول الجنّ». وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذى وصححه والنسائى وابن جرير والطبرانى وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كانت الشياطين لهم مقاعد فى السماء يسمعون فيها الوحى، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوا فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم: ما هذا إلا من أمر قد حدث فى الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله ﷺ قائما يصلى بين جبلين بمكة فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذى حدث فى الأرض» «٣». وأما ما تضمنته سورة الجن من المعانى على ترتيب نزولها فإنها تعالج معارف الناس عن نوع من مخلوقات الله سبحانه قد اختلط على الناس الفهم لحقيقة هذا النوع المتمثل

стр. 288

فى الجن. فنظرا لكون الجن يمثل للإنسان غيبا مجهولا فإن نظرة الناس إلى الجنّ شابها كثير من الأخطاء حيث تصور البعض من الناس أن الجن يعلم الغيب، واستعاذ بعض الإنس بالجن، واستعان بعضهم كالشعراء مثلا بالجن فى قرض الشعر، وهكذا نزلت سورة الجن لتبرز هذه المعانى المتصلة بالجن فهم أمة كالإنس منهم المؤمنون ومنهم غير ذلك، ومنهم المخدوعون بأكاذيب الإنس والجن عن الله سبحانه ونسبة الصاحب والولد إليه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥). وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك ما كان من استعاذة الإنس بالجن وعاقبة ذلك. قال الحسن وابن زيد وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال: أعوذ بسيد هذا الوادى من شرّ سفهاء قومه فيبيت فى جواره حتى يصبح فنزلت هذه الآية «١»: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثم من بنى حنيفة، ثم فشا ذلك فى العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم «١»، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: كان القوم فى الجاهلية إذا نزلوا بالوادى قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادى من شرّ ما فيه، فلا يكون بشيء أشدّ ولعا منهم بهم فذلك قوله فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) «٣». كما تذكر الآيات الكريمة بعد ذلك وقوع بعض الجن فى التكذيب بالبعث قال تعالى: وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧). كما تذكر الآيات تحصين السماء من استراق السمع وخاصة بعد بعثة النبى ﷺ قال تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩). وقد ذكر الإمام الشوكانى أنهم قد اختلفوا هل كانت الشياطين ترمى بالشهب قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم: لم يكن ذلك. وحكى الواحدى عن معمر قال: قلت للزهرى: أكان يرمى بالنجوم فى الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها ... الآية، قال: غلّظت وشدّد أمرها حين بعث محمد ﷺ . قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه ولكن لم يكن مثله فى شدة الحراسة بعد مبعثه

стр. 289

وكانوا يسترقون فى بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلا «١». وفى مواجهة ظن بعض الناس أن الجن تعلم غيبا جاء قوله تعالى: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠). وعلى ذلك فلا يلجأ إلى الجن لطلب معرفة الغيب فهم لا يعلمون شيئا. ثم يأتى بعد ذلك تعريف الناس بحقيقة الجن فى قول الله تعالى فى شأن الجن: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) فالجن جماعات متفرقة وأصناف مختلفة، قال السدى والضحاك: على أديان مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة، وقال سعيد بن المسيب: كانوا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس، وكذا قال مجاهد. وقال الحسن: الجنّ أمثالكم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة «٢». وعلى ذلك فليسوا سواء فمنهم الصالحون ومنهم غير الصالحين على اختلاف درجات السوء. وهؤلاء الذين يعرفون حقيقة أنفسهم ويعترفون بما هم فيه من اختلاف يقرّرون كذلك ضعفهم وعجزهم أمام قدرة الخالق ﷻ قال تعالى: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢). وهذه المجموعة المؤمنة من الجن تحكى كيف آمنت بعد سماعها للهدى كما تذكر الآية الكريمة عاقبة هذا الإيمان قال تعالى: وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) بل تذكر الآية الكريمة بعد ذلك إدراك هؤلاء الجن لمعنى الإسلام كذلك كما أدركوا من قبل معنى الإيمان كما تنبه الآية الكريمة إلى عاقبة الإسلام أيضا، وعاقبة من حاد عن الطريق الحق. قال تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وبعد هذا التعريف بالجن وحقيقته حتى لا يضل الناس الفهم لهذا النوع من المخلوقات يأتى تذكير الناس بأن الاستقامة على وحى الله وهديه هى سبيل الرزق الحسن الذى يتطلع إليه الناس مع تعريف الناس بأن ما يرزق به الإنسان يكون موضع اختبار لهم. وفى مقابل هذه الاستقامة الإعراض عن ذكر الله، وهذا الإعراض سبيل لدخول الإنسان فى العذاب الشاق. قال تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧). وبعد ذكر هذا التوجيه الكريم للإنس وللجن. يقول سعيد بن جبير: قالت الجنّ: كيف لنا أن نأتى المساجد ونشهد معك الصلاة، ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: وَأَنَ

стр. 290

الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وعلى ذلك يكون ذكر المساجد هنا يعنى المواضع التى بنيت للصلاة فيها، وقال الحسن: أراد بها كل البقاع؛ لأن الأرض كلّها مسجد، وقال سعيد بن المسيب: أراد بالمساجد الأعضاء التى يسجد عليها العبد وهى القدمان والركبتان واليدان والجبهة، يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا يسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله. أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عباس ﵄ فى قوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية فى الأرض مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إيلياء ببيت المقدس. وتذكر الآية الكريمة بعد ذلك كيف كان ازدحام الجن على رسول الله ﷺ ، وهو يعبد ربّه ويقرأ القرآن الكريم، وفى هذا توجيه للإنس للإقبال على القرآن الكريم وسماعه، قال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩). أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس فى الآية قال: لما سمعوا النبى ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى آتاه الرسول فجعل يقرئه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وأخرج عبد بن حميد والترمذى وصححه وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء فى المختارة عنه أيضا فى الآية قال: «لما أتى الجنّ إلى رسول الله ﷺ وهو يصلى بأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه، فقالوا لقومهم: لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا. ثم تذكر الآية بعد ذلك التأكيد على توحيد الربوبية والألوهية فى هذا الأمر الإلهى فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً وأنه لتخليص هذا التوحيد فلا يعتقد أن رسول الله ﷺ يملك لأحد ضرا ولا رشدا، قال تعالى: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) وسبب نزول هذه الآية: أن كفار قريش قالوا للنبى ﷺ : إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذ فنحن نجيرك قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) أى لا أقدر أن أدفع عنكم ضرا، ولا أسوق إليكم خيرا كما تؤكد آيات السورة الكريمة أن الناس جميعا أمام الله فى الطاعة والمعصية سواء، وأن مهمة الرسول ﷺ هى البلاغ. وعلى ذلك فتكون آيات سورة الجن لتخليص المخلوقين: من الجن والإنس من كل شوائب الشرك والتعلق بغير الله رغبة ورهبة، قال تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣).

стр. 291

كما حذرت الآيات من المعصية ببيان عاقبتها، وأن وعد الله ووعيده يتحققان، وأن وعيد الله سبحانه لا يقربه استعجال أحد، وإنما ينزله الله إن شاء، وأن هذا فى الغيب الذى لا يعلمه إلا الله. وأن الله سبحانه لا يطلع على غيبه إلا من شاء من رسله ولا تستطيع أى قوة أن تأخذ من هذا الغيب شيئا فيتحقق إبلاغ رسالات الله فى أمن تام. قال الله تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨).

стр. 292

سورة «يس» نزلت بعد سورة «الجن» وهى مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢) نزلت فى بنى سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول ﷺ أى أنها مدنية «١». أخرج عبد الرزاق والترمذى وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى فى الشعب عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: «كان بنو سلمة فى ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: «إنه يكتب آثاركم». ثم قرأ عليهم الآية، فتركوا «٢» وأخرج الفريابى وأحمد فى الزهد وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبرانى وابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وفى صحيح مسلم وغيره من حديث جابر ﵁ قال: إن بنى سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم ويتحوّلوا قريبا من المسجد، فقال لهم رسول الله ﷺ : «يا بنى سلمة دياركم تكتب آثاركم» «٢» وعلى ذلك فالآية مدنية وأما بقية السورة فمكية. أخرج ابن مردويه وأبو نعيم فى الدلائل عن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبى ﷺ يقرأ فى المسجد فيجهر بالقراءة، حتى تأذى به ناس من قريش، حتى قاموا ليأخذوه، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمى لا يبصرون، فجاءوا إلى النبى ﷺ ، فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا للنبى ﷺ فيهم قرابة، فدعا النبى ﷺ حتى ذهب ذلك عنهم فنزلت يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد يقول الإمام الشوكانى ﵀: وفى الباب روايات فى سبب نزول ذلك هذه الرواية أحسنها وأقربها إلى الصحة «٤».

стр. 293

وعلى ذلك فإن الآيات الكريمة تؤكد بهذا القسم صدق الرسول فى رسالته، ووصف القرآن الكريم بالحكمة فهو يهدى للتى هى أقوم، ويضع أمور الناس فى مواضعها لتستقيم حياتهم فى شتى صورها، وأن رسوله ﷺ على صراط مستقيم فى كل شىء فيما جاء به من عقيدة التوحيد، وفيما دعا إليه من مكارم الأخلاق، وفيما يبسطه للناس من وحى ربه ليخرجهم فى معاملاتهم من الظلمات إلى النور. وأن الله سبحانه هو الذى أنزل على رسوله كتابه وهو العزيز الذى يحمى كتابه بعزته عن التغيير والتبديل وهو الرحيم بعباده فى بعثة رسوله إليهم بهذا الكتاب الكريم، لينذر الناس الذين غرقوا فى الغفلة والجهالة وعمتهم الضلالة. وتكاشفهم الآيات الكريمة بما صاروا إليه مع التنزيل الحكيم فمنهم من أعرض ورفض الحق وهؤلاء حق القول عليهم فلم يؤمنوا وظلوا على شركهم وكفرهم وكان فيهم قول الله تعالى بعد ذلك: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠). وأما الآخرون الذين يفيدون من البشير النذير ﷺ فهم الذين يخشون الرحمن بالغيب وهم الذين يتبعون النبىّ الكريم وهؤلاء لهم البشرى بالمغفرة والأجر الكريم، قال تعالى: إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١). تأتى بعد ذلك الآية الكريمة المدنية لتقرر ما سبق تأكيده فى السور الكريمة السابقة من إحياء الله سبحانه للموتى وتذكر ما يصحب هذا الإحياء من المحاسبة على ما قدّم الإنسان من أعمال وعلى آثار هذه الأعمال. فالمسئولية ليست عن العمل فحسب وإنما المسئولية عن العمل وعن أثر هذا العمل. وهذا تنبيه للفريقين معا فإن من استجاب إلى رسول الله ﷺ ستكتب استجابته وسيكتب عمله الصالح، فإن دعا غيره إلى الاستجابة والهدى فله من الأجر مثل أجور من اتبعه. ومن أعرض وكذب وعمل سوءا فسيكتب إعراضه وسيكتب عمله. فإذا ما صدّ عن سبيل الله وآذى غيره فسيكتب أثر عمله فمن دعا إلى ضلالة فعليه مثل آثام من اتبعه. قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢). ويضرب المثل لهؤلاء المكذبين بما يشبه حالهم مع رسول الله ﷺ وتكذيبهم وكيف كانت عاقبة المكذبين بعد حرص الرسل على هدايتهم، وفى هذا المثل كشف لفساد تصور المكذبين للرسل، واصطفاء الله لهم من البشر، وبيان مهمة الرسل فى التبليغ. وسوء ظن المكذبين وتطيرهم وإيذائهم للرسل. وموقف بعض العقلاء فى القوم الذين يدركون حقائق الأمور وينصحون أقوامهم ليهتدوا، ويسلكون فى نصحهم الأدلّة

стр. 294

القوية. فهذا رجل يسعى لنصح قومه ويأمرهم باتباع المرسلين ويذكر لهم أن المرسلين لا يريدون منهم مقابل دعوتهم أجرا وأنهم مهتدون، وكيف لا يعبد من خلقه ومن إليه المرجع وهو الذى بيده ملكوت كل شىء وليس للشركاء نفع ولا ضر. وعاقبة أمثال هذا الرجل الجنة ويتمنى هؤلاء أن يعرف القوم هذه العاقبة حتى يهتدوا. ولكنّ المكذبين لا ينتفعون حتى يقع بهم الهلاك، فليعتبر المخاطبون بالقرآن الكريم بهذا المثل. وفى قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩). إن العباد تدركهم الحسرة فى الدنيا والآخرة إن استقبلوا دعوة الرسل بالاستهزاء، ولم يبصروا عبرة التاريخ وما حدث للسابقين عبر القرون، قال تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢). وتقدم الآيات الكريمة بعد ذلك آيات بينات تجمع بين دلائل القدرة وتحقيق البعث الذى ينكره المكذبون. فالأرض الميتة يشاهدونها ويشاهدون الحياة تدب فيها، إن الذى أحياها هو الله القادر سبحانه وهو الذى أخرج منها حبا يأكل منه هؤلاء. أى أنهم يلمسون موتها ويلمسون حياتها بالرؤية والأكل وما يتبعه من حواس. وجعل الله سبحانه فيها ما يجدونه من جنات ومن عيون. ومع الإيمان بقدرة الخالق سبحانه الذى لا يعجزه شىء تنبه الآيات الكريمة إلى مظاهر النعمة فى هذه الآيات، فهذه الخيرات التى جعلها الله فى الأرض ليأكل منها هؤلاء وليؤدوا حق الشكر للمنعم ﷻ ،

стр. 295

فسبحانه خلق الأزواج كلها مما يعلمه الناس من الأرض ومن أنفسهم وكذلك مما لا يعلمون. فهذه مظاهر القدرة والنعمة والإحياء بعد الموت فيما يشاهد الناس فى الأرض، قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦). ثم تقدم الآيات الكريمة آية أخرى تتصل بالسماء وما فيها من آيتى الشمس والقمر وما يتبع ذلك من آيتى الليل والنهار، وفيها كذلك آيات القدرة والنعمة والإحياء والإحكام، فالليل يسلخ منه النهار فتكون الظلمة والشمس تجرى فيكون النهار، وتغيب فيكون الليل ومعه القمر بمنازله، والكل يسبح وفق تقدير الخالق سبحانه. قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠). ثم تقدم الآيات الكريمة آية أخرى فى الفلك المشحون وما يكون من أمر تطورها بفضل الله فى تعليم الإنسان وتوجيهه ليصل إلى تسييرها بما يكتشف من قوى حتى يصل بها إلى أقصى سرعة مستطاعة فى السير، ثم ما يكون على شاكلتها من مخترعات أخرى، فيحمل الإنسان على الماء كما يحمل فى الهواء وهذه من الآيات الباهرات كذلك والدالة على قدرة الله سبحانه فى تسيير الإنسان فى البر والبحر والجو برعايته وعنايته وحفظه، قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤). وتكشف الآيات الكريمة بعد ذلك لهؤلاء المكذبين حقيقة موقفهم مع هذه الآيات البينة وأن نظرهم إليها لا يثمر؛ لأنهم معرضون ولا تجعلهم كذلك أهلا للنصح بل يظل هؤلاء فى تخبط أفكارهم الباطلة. فإذا دعوا إلى التقوى لا يتقون، وإذا دعوا إلى ملء بطون الجائعين أعماهم فكرهم السقيم. قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ

стр. 296

أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧). فمن المعانى على ترتيب نزولها، كشف الآيات الكريمة لحال المعرضين المكذبين وكيف فسدت تصوراتهم وضلّ فكرهم، ومن هذا ما حكاه القرآن الكريم من قولهم: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) قال ابن عباس ﵄: كان بمكة زنادقة؛ فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا: لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن؟. وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئة فيقولون: لو شاء الله لأغنى فلانا، لو شاء الله لأعز، ولو شاء الله لكان كذا. فأخرجوا هذا الجواب فخرج الاستهزاء بالمؤمنين، وبما كانوا يقولون من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى «١»، وقيل: إن أبا بكر الصديق ﵁ كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال: والله يا أبا بكر ما أنت إلا فى ضلال، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت؟ فنزلت هذه الآية «١». وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك قول المكذبين بالبعث، واستبعادهم وقوعه وأن ذلك قريب وسيجدون أنفسهم مأخوذين فجأة وهم فى لهوهم وجدالهم، وسيجدون أنفسهم بعد نفخة الصور مسرعين إلى ربهم للحساب العادل، قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤). وبعد ذكر الحساب العادل تذكر الآيات الكريمة ما يصير إليه الناس من فريقين: فريق الجنة وما أعدّ لهم من نعيم، وفريق المجرمين الذين اتبعوا الشيطان كفرا وضلالا ليجدوا عاقبة كفرهم جهنم وليجدوا أن جوارحهم تنطق بما صنع هؤلاء فى حياتهم. قال تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى

стр. 297

الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) ومن آيات القدرة المشاهدة فى خلق الإنسان أن الإنسان إذا بلغ ثمانين سنة- مثلا- تغير جسمه وضعفت قوته فطول العمر لا تتبعه زيادة فى القوة بل يصير الشباب هرما، والقوة ضعفا، والزيادة نقصا. إن الإنسان فى هذه السنن يرد إلى أرذل العمر. فالآية تذكر هؤلاء بأن من فعل هذا بكم قادر على بعثكم. قال تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨). وتستمر الآيات الكريمة في معالجة البعث والإحياء وإقناع الإنسان عقلا بالبعث وتحريكه قلبا ليعمل بمقتضى هذا الاقتناع وتتناول الآيات الذكر المنذر به ﷺ ومعجزته، فدليل إعجازه هذا الذكر وهذا القرآن الكريم، وليس كما ألف الناس الشعر فما علّمه ربه الشعر وما ينبغى له. كما تذكر الآيات الكريمة أن من يفيد من الرسول ﷺ هو من كان له قلب وفيه حياة، وأما الكافرون فلا ينتفعون وأمرهم عجب حيث يعيشون بين مظاهر النعم والقدرة، ولا يهتدون بل يتخذون من دون الله آلهة يستنصرون بها. فالأنعام نعمة ودليل قدرة لخالقها سبحانه وتذليلها حتى يستطيع الناس جميعا الانتفاع بها مع قوتها وضخامتها كذلك، وما جعل فيها من منافع ومشارب كذلك أيضا فلماذا لا يشكرون ويستجيبون؟ وإذا كان هذا الموقف العجيب يحزن رسول الله ﷺ فإن الآيات تسليه، قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦). وتنبه الآيات الكريمة الإنسان إلى خلقه الأول وأنه من نطفة ونسيان هذا الخلق من أسباب إنكار البعث؛ لأن الإنسان لو تذكر كيف خلق من ماء مهين، ورأى مظاهر قدرة الله فى تحوّل الماء إلى علقة ثم إلى مضغة ثم خلق العظام المتعددة فى أشكالها وطبيعتها

стр. 298

ثم كسو العظام لحما. والتصوير فى هذا القرار المكين وكيف يسّر للإنسان سبيل الخروج. إذا تذكر كل هذا الخلق الأول لن يسأل هذا السؤال: من يحيى العظام وهى رميم؟ ولكن الإنسان الكافر سأل بعد نسيانه وتأتى الإجابة القرآنية الكريمة فى سورة «يس» لتخاطبه عقلا فى أن الذى خلق أوّل مرة هو الذى سيعيد الإنسان فى المرة الثانية فهل هذا مستحيل عقلا؟ ثم بعد هذا الإقناع العقلى تأخذ الآيات الكريمة الإنسان فى جولة فكرية فى السموات والأرض ليرى مظاهر قدرة الخالق سبحانه فى السموات كيف رفعت؟ وهل خلق الإنسان وبعثه أشدّ من خلق السموات؟ وفى الأرض كيف سطحت. ثم ما يراه فى الأرض فالذى خلق ويبعث خلقه هو الذى جعل من الشجر الأخضر نارا. إن الإنسان يخرج من هذه الجولة الفكرية بقوله: أعلم أن الله على كل شىء قدير. فإذا أيقن بهذا لم يستبعد أن يعود إلى الحياة مرة أخرى. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم فى معجمه والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقى فى البعث والضياء فى المختارة عن ابن عباس ﵄ قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل ففتّه بيده، فقال: يا محمد، أيحيى الله هذا بعد ما أرى؟، قال: «نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنّم» فنزلت الآيات الكريمة: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣).

стр. 299

سورة «الفرقان» وبعد سورة «يس» وما قدمته من إحياء القلوب بالقرآن كما تحيا الأرض بالغيث، وإحياء الناس بعد الموت وحال الناس مع هذا الكتاب الحكيم، تنزل سورة الفرقان لتفصّل القول فى التوحيد فهو الأهم، وهو الأساسى وكذلك تفصّل القول فى النبوة وتصحح مفهومها للناس ثم فى المعاد وما يتعلق به، فسورة الفرقان مكية كلّها فى قول الجمهور، وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهى قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠). وقد أخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أى الذنب أكبر؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: ثم أى؟ قال: «أن تزانى حليلة جارك»، فأنزل الله تصديق ذلك: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ، وأخرجا وغيرهما أيضا عن ابن عباس ﵄: أن ناسا من أهل الشرك قد قتّلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا ﷺ : فقالوا: إن الذى تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنّ لما عملنا كفارة، فنزلت وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ الآية، ونزلت: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ... الآية [الزمر: ٥٣]. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: «لما نزلت وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآية اشتد ذلك على المسلمين، فقالوا: ما منا أحد إلا أشرك وقتل وزنى، فأنزل الله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ... الآية، يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا فى الشرك، ثم نزلت هذه الآية: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فأبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم، وأخرج ابن المنذر والطبرانى وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: قرأناها على عهد رسول الله ﷺ سنين: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) ثم نزلت: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ فما رأيت رسول الله ﷺ فرح بشيء قط فرحه بها وفرحه ب إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.

стр. 300

وتبدأ السورة الكريمة فى بيان عظمة الخالق الكاملة وتفرده بالوحدانية وكثرة خيراته وإحسانه، ومن أعظم هذه الخيرات أن ينزل الفرقان علي عبده ليكون فارقا بين الحق والباطل فى كل شىء، وهاديا للتى هى أقوم فى كل أمر: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١). ومع بيان التوحيد الخالص يذكر وصف المنزّل عليه، وخير وصف له وصفه بالعبودية لله سبحانه، كما يعرّف الناس بأن رسول الله ﷺ أنزل عليه الفرقان لينذر العالمين فرسالته عامة وليست لقومه فحسب. وأساس هذه الرسالة التوحيد الخالص ويذكر من جوانبه: أنه سبحانه له ملك السموات والأرض، فله التصرف فيهما وحده وكل من فيهما عبيد له خاضعون لربوبيته فقراء إلى رحمته، وأنه سبحانه منزه عما وصفه به الضالون من نسبة الولد إليه أو الشركاء فى الملك. وتجاور هذه الصفات الجليلة لله سبحانه تعين السامع والقارئ على التنزيه، فكيف يكون له الملك والكل عبيد له خاضعون لربوبيته ثم يزعم قوم أن له ولدا أو شريكا وهو القاهر وغيره مقهور والغنى والمخلوقون مفتقرون إليه قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣). ثم تذكر الآيات الكريمة بعد ذلك مزاعم الكافرين الذين واجهوا رسول الله ﷺ وما جاء به من عند ربه. فطعنوا فى القرآن الكريم وطعنوا فى المنزّل عليه ﷺ . وهى مطاعن مزيّفة قادهم إليها الهوى والحقد والحسد وخشية فوات المغانم المادية، وسوء فهمهم للنبوة واصطفاء الله سبحانه لمن شاء من خلقه ليكون للناس رسولا. فوصفوا القرآن وهو أصدق الكلام وأعظمه وأجلّه بأنه كذب وافتراء، ووصفوا الرسول ﷺ وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين، وأقروا بصدقه وأمانته نتيجة عشرة ومعرفة بحقيقته أكثر من أربعين سنة «١» - بالكذب على الله، وأنه ينسب هذا الكلام إلى الله وقد علّمه إياه قوم آخرون، وترد الآيات عليهم بأنهم ظالمون كاذبون فى مطاعنهم هذه. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦). وتذكر الآيات بعد ذلك فساد تصور هؤلاء عن الرسالة والرسول وصفاته وما يكون

стр. 301

عليه. ذكر ابن إسحاق وغيره أنهم لما عجزوا عن معارضة القرآن ولم يرضوا به معجزة اجتمع رؤساء قريش بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلي محمد ﷺ فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فآتهم، فجاءهم رسول الله ﷺ وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بدو وكان رسول الله ﷺ حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم. فكان مما قالوه فى هذا المجلس: «سل ربّك أن يبعث معك ملكا يصدّقك بما تقول ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة» يغنيك بها عما زاك تبتغى، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى تعرف فضلك ومنزلتك من ربّك إن كنت رسولا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ : «وما أنا بفاعل وما أنا بالذى يسأل ربه هذا وما بعثت بهذا إليكم ولكن بعثنى بشيرا ونذيرا- أو كما قال- فإن تقبلوا فى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة وإن تردوا علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم بينى وبينكم» «١». فهؤلاء عيّروا الرسول ﷺ بأكل الطعام؛ لأنهم تصوروا أن يكون الرسول ملكا، وعيّروه بالمشى فى الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة يترفعون عن الأسواق وكان ﵊ يخالطهم فى أسواقهم ويأمرهم وينهاهم فكان ردّ القرآن الكريم عليهم مع تسلية الرسول ﷺ فى قوله تعالى: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠). وتبين الآيات الكريمة بعد ذلك أن سبب هذا الفساد لدى المشركين تكذيبهم بالساعة، وجهل هؤلاء الوعيد الشديد من الله سبحانه لمن كذب بالساعة، فإن التكذيب بالساعة يفعل بالإنسان مثل ما حدث من هؤلاء المشركين من ظنون فاسدة وأعمال سيئة، ويعقبه ويل وهلاك. وفى نفسه ينعم المؤمنون المتقون بوعد الله الصادق جزاء إيمانهم وتقواهم واستقامتهم قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ

стр. 302

عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا (١٦). ثم تذكر الآيات الكريمة بعد ذلك- كيف تتقطع الأسباب بين الضالين المكذبين ومن عبدوهم من دون الله. وكيف يتبرأ هؤلاء المعبودون بالباطل من عابديهم الضالين. وأن السبب فى ضلالهم وافتراءاتهم انغماسهم فى المتع التى غمرهم الله بها ولكن بدلا من أن يشكروا ربّهم نسوا الذكر وكانوا من الهالكين. ويقع المكذبون فى العذاب ولا يستطيعون أو يستطيع أحد أن يصرفه عنهم، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩). وتخاطب الآيات بعد ذلك رسول الله ﷺ مسلّية له فى مواجهة المكذبين وافتراءاتهم وبيان حكمة الله فى اختبار خلقه فالكل يبتلى والله بصير بعباده ويعلم من يظفر فى الاختبار ومن لا يوفق فيه قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠). قال ابن عباس: لما عيّر المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة وقالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ... الآية حزن النبى ﷺ لذلك، فنزلت تعزية له؛ فقال جبريل ﵇: السلام عليك يا رسول الله، الله ربّك يقرئك السلام ويقول لك: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ أى يبتغون المعايش فى الدنيا «١». وأما قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ فقد نزلت فى أبى جهل ابن هشام والوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل، وعقبة بن أبى معيط وعتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث حين رأوا أبا ذرّ وعبد الله بن مسعود وعمارا وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة وسالما مولى أبى حذيفة ومهجعا مولى عمر بن الخطاب وجبرا مولى الحضرمى، وذويهم؛ فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين أَتَصْبِرُونَ خاص للمؤمنين المحقين من أمة محمد ﷺ ، كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين، أى اختبارا لهم. ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا [المؤمنون: ١١١] «٢».

стр. 303

كما تستمر الآيات الكريمة فى بيان تصورات الكافرين الفاسدة فى أن الرسالة تكون عن طريق الملائكة، أو تشهد الملائكة للرسول بالرسالة، أو أن يكلمهم الله سبحانه ويقول: هذا رسولى فاتبعوه، وهذا منطق الكبر والعتوّ، ويوم يرى هؤلاء المجرمون الملائكة فلن تكون الرؤية البشرى لكفرهم وعنادهم كما أن أعمالهم التى بنيت على الكفر لن ننفعهم شيئا فى الآخرة. فى الوقت الذى ينعم فيه المؤمنون الصالحون بالجنة، قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦). ومن المعانى التى تضمنتها سورة الفرقان على ترتيب نزولها ما جاء فى قوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) بعد ذلك تذكر الآيات نوعا من الكافرين الظالمين الذين يشتد ندمهم وتشتدّ حسرتهم لأنهم كفروا بعد إيمانهم وكان كفرهم بسبب سماعهم لخليل السوء الذى يحرّض خليله على الضلال وفى هذا تنبيه للناس إلى عداوة شياطين الإنس وشياطين الجن الذين يحرصون على إضلال من آمن واهتدى، قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩) أخرج ابن مردويه وأبو نعيم فى الدلائل بسند قال السيوطى: صحيح من طريق سعيد ابن جبير عن ابن عباس: أن أبا معيط كان يجلس مع النبى ﷺ بمكة لا يؤذيه، وكان رجلا حليما، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبى معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ ما كان أمرا، فقال: ما فعل خليلى أبو معيط؟ فقالت: صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحيّاه فلم يردّ عليه التحية، فقال: مالك لا تردّ علىّ تحيتى؟ فقال: كيف أردّ عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال: أو قد فعلتها قريش؟ قال: نعم، قال: مما يبرئ صدورهم إن أنا فعلته؟ قال: تأتيه فى مجلسه فتبزق فى وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم، ففعل فلم يرد رسول الله ﷺ على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال: «إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا»، فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن

стр. 304

يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا، قال: وعدنى هذا الرجل إن وجدنى خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقى صبرا، فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين وحمل به جمله فى جدود من الأرض، فأخذه رسول الله ﷺ أسيرا فى سبعين من قريش، وقدّم إليه أبو معيط، فقال: أتقتلني من بين هؤلاء؟ قال: «نعم بما بزقت فى وجهى»، وفى رواية قال: «نعم بكفرك وعتوّك» «١» فأنزل الله فى أبى معيط وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ إلى قوله تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩) «٢» وأخرج أبو نعيم هذه القصة من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس، وذكر أن خليل أبى معيط هو أبىّ بن خلف. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أيضا فى قوله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ قال: أبىّ بن خلف وعقبة بن أبى معيط، وهما الخيلان فى جهنم «٣». ومع إعراض الكافرين عن وحى ربهم ونكوصهم، ومع حرص الرسول على هداية الناس أجمعين يأتى ذكر القرآن الكريم لحال رسول الله ﷺ يشكو إلى الله إعراض هؤلاء. ويسلّيه القرآن الكريم بما حدث لكل نبى من وجود هذا الفريق الذى أجرم ولم يهتد، قال تعالى: وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١). ومع الإعراض من الكافرين يكون التصور الفاسد للأشياء وما يتعلق بالوحى والنبوة ومن هذا نظرهم إلى نزول القرآن الكريم مفرّقا على رسول الله ﷺ وعدوّا ذلك نوعا من التعذيب لرسول الله ﷺ ، وغاب عنهم ما يكون من الحكم المصاحبة لنزول القرآن الكريم مفرقا فمنها: ما يتصل برسول الله ﷺ لتثبيت فؤاده وتقويته فى مواجهة التحديات الشديدة والمستمرة، ومنها: ما يتصل بالناس وتلقيهم للقرآن الكريم ليحسنوا سماعه وفهم معانيه وحفظه والعمل به، ومنها: ما يتصل بالمنهج الذى يتم به نقل هؤلاء الناس من الضلال إلى الهدى ومن الظلمات إلى النور بصورة مناسبة تجعلهم خير أمة أخرجت للناس. وكان إعراض هؤلاء الكافرين وفساد تصورهم حاجبا لهم عن رؤية هذه الحكم وغيرها، وإعراضهم هذا وكفرهم يصل بهم إلى جهنم. أخرج ابن أبى حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء فى المختارة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال

стр. 305

المشركون: لو كان محمد كما يزعم نبيا فلم يعذّبه ربّه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة، ينزل عليه الآية والآيتين والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤). ومع سوء فهم الكافرين لحكمة نزول القرآن الكريم مفرقا وإعراضهم الذى وصل بهم إلى جهنم. تذكر الآيات الكريمة بعد ذلك لرسول الله ﷺ ما حدث مع أنبياء الله ورسله من أقوامهم وكيف كان إعراضهم وعاقبة هذا الإعراض، وكيف أن هؤلاء الكافرين يرون آثار ما وقع بهؤلاء الكافرين السابقين، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠). وتذكر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك أسلوبا وصورة من صور التحدى التى يراد بها التأثير على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين وهو أسلوب السخرية والاستهزاء. فكان أبو جهل يقول للنبى ﷺ مستهزئا: «أهذا الذى بعث الله رسولا» فنزل فيه قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١). كما تذكر الآيات ما كان من شأن الكافرين فى قلب الحقائق حيث يصفون من يهدى إلى التوحيد وإلى الصراط المستقيم بأنه يضلهم عن آلهتهم، ولكنهم صبروا واستمسكوا بآلهتهم، ويكشف القرآن ضلالهم فى أنهم يتبعون أهواءهم فى عبادتهم لهذه الآلهة المزعومة، ومن هنا يكون العجب من إضمارهم الشرك، وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه سبحانه خالقهم ورازقهم، ثم يقصدون حجرا يعبدونه من غير حجّة، قال ابن عباس ﵄: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر فى الجاهلية، فإذا وجد حجرا أحسن منه رمى به وعبد الآخر «١». قال تعالى: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣).

стр. 306

وتبين الآيات الكريمة بعد ذلك ضلال هؤلاء الكافرين الذين لا يسمعون الوحى سماع قبول والذين لا يفكرون فيما يقوله الرسول فيعقلونه فصاروا بمنزلة الأنعام فى الأكل والشرب ولا يفكرون فى الآخرة، وفيما ينفعهم بل هم أضل من الأنعام إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام، والأنعام تمضى فيما سخّرت له، وإن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك. وعلى ذلك فإن الآيات الكريمة تربط كرامة الإنسان باستجابته لوحى ربّه وحسن تلقيه له بالسمع والفهم والطاعة وإلا خرج من دائرة الإنسان إلى دوائر الأنعام المهينة، قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا. وللسموّ بالعقل الإنسانى ليخرج من دائرة الضلال، وللوقوف به على آيات القدرة والنعمة فى هذا الكون الذى يعيش فيه الإنسان، ووصولا إلى الحبّ والخشية للمنعم القادر سبحانه تبسط الآيات الكريمة بعد ذلك آية الظل وكيف مدّه الله سبحانه لينتفع الناس به، وآية الليل ليسكن الناس فيه، وآية النوم ليستريح الناس به، وآية النهار ليسعى الناس فيه، وآية الرياح وما تحمل من آثار رحمة الله بخلقه وآية الماء الطهور الذى تحيا به البلاد ويشرب منه الناس والأنعام، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (٥٠). فهكذا تكون الآيات للتذكير ولكن لا ينتفع بها من الناس إلا من كان له سمع وتدبر وعقل وهؤلاء من الناس قليلون. وإذا كانت هذه الآيات تحمل مظاهر النعمة والقدرة من الله على خلقه فإن أجلّ هذه النعم من الله على عباده نعمة الوحى لخلقه واختيار المنذرين منهم ليرشدوهم ولو شاء الله لبعث فى كل قرية نذيرا منهم ولكن شاء الله أن تكون معية الرسول ﷺ نعمة عامة للناس أجمعين قال تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢). وتستمر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك فى تذكير الناس بآيات النعم والقدرة فهذان البحران يلتقيان بقدرة الخالق سبحانه، ويحافظ كل منهما على خصائصه لينتفع الناس من كل بحر بما جعل الله فيه من خصائص دون أن يبغى بحر على بحر. وهو سبحانه القادر الذى خلق من الماء البشر على كثرتهم. وكل هذه الآيات تقتضى من البشر أن يعبدوا الله وحده، ولكن الكافرين لم

стр. 307

ينتفعوا بالآيات قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥). ومع وقوفنا عند آيات القدرة والنعمة التى يفيد منها المؤمنون ولا ينتفع بها الكافرون فيعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وهذا يحزن رسول الله ﷺ وهو الحريص على هداية الناس، تخاطبه الآيات الكريمة بعد ذلك بما يخفف عنه هذا وبما يوقظ فى نفوس الناس رغبة اتباع الرسول الذى لا يطلب منهم على هدايتهم أجرا. فهو يدعو إلى الله وحده ويتوكل عليه ويسبح بحمده وكل ذلك من أسباب تقوية النفس «فى مواجهة هذه المواقف من الناس، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩). وفى هذه الآيات تعريف للناس بكيفية معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا فليس الأمر فيها على الهوى، وإنما نثبت ما أثبته الله سبحانه لنفسه وما أثبته رسوله ﷺ ، وننفى ما نفاه عن نفسه سبحانه من غير تأويل أو تعطيل أو تشبيه. فالله سبحانه الخبير الذى عرفنا بنفسه فى كتابه الكريم وفى سنة رسوله ﷺ وأهل العلم النافع هم الذين يلتزمون بهذا ويسألون من قبل غيرهم ليخبروهم بهذا. وإذا كان هذا منهج سلف الأمة فإن الكافرين المستكبرين الجاحدين يتساءلون كبرا عن الرحمن سبحانه، وهو الذى خلق ورزق ورحم عباده ببعثه رسوله، وكثر خيره على خلقه فجعل لهم ما يرونه فى السماء من بروج، وجعل فيها شمسا وقمرا وجعل لهم الليل والنهار. وإذا كان موقف الكافرين الاستكبار فإن للرحمن عبادا زانهم إيمانهم بربهم فعاملوا الناس بمكارم الأخلاق، وعبدوا الله بصدق وإخلاص فصلوا بالليل والناس نيام وعرفوا عاقبة الكافرين والمعرضين فاستعاذوا بالله من النار وعرفوا الوسطية فى إنفاقهم. قال تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦)

стр. 308

وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧). وأما الآيات الثلاث التى تلا الآية السابقة فى سورة الفرقان والتى تذكر من صفات عباد الرحمن، قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) فإنها آيات مدنية فى قول ابن عباس وقتادة. وأما بقية آيات سورة الفرقان فتذكر من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور الذى يمكن أن يقع فيه غيرهم، ومعنى ذلك أنهم لا يقولون الزور ولا يفعلونه وأنهم كرام لا يشهدون لغوا ولا يأتونه، وأنهم يحسنون الإقبال على آيات الله بكل ما أوتوا من قدرات. وهم الذين يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يهبهم من المحيطين بهم من أزواج وذرية ما تقر به أعينهم، وأن يجعلهم فى الخير أئمة يقتدى بهم، وجملة هذه الصفات تدل على سمو حال هؤلاء وصلاحهم مع ربهم ومع أقرب الناس إليهم ومع الذين يتعاملون معهم، ولذلك استحقوا الجزاء من جنس حالهم فجزاهم الله الغرفة بهذه الخصال التى لا ينال إلا بالصبر فبمثل هذه الخصال يكون قدر الإنسان عند الله سبحانه قال تعالى: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧).

стр. 309

سورة «فاطر» نزلت بعد سورة الفرقان، وهى مكية، قال القرطبى: فى قول الجميع، وأخرج البخارى وابن مردويه والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس ﵄ قال: أنزلت سورة فاطر بمكة. وتوجه السورة الكريمة أنظارنا من الآية الأولى فيها إلى جملة من المعانى التى توقظ فى القلب الإحساس بالنعم، والعرفان بالجميل من الخيرات التى منّ الله بها على خلقه والتى تقتضى إفراد الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه بالعبودية فلا إله إلا هو سبحانه. فالآية الأولى تعلمنا هذا المعنى من تقدير النعم والثناء على المنعم سبحانه الْحَمْدُ لِلَّهِ، ويقترن الحمد فى الآية الأولى وما بعدها من آيات السورة الكريمة بدلائل النعم ودلائل القدرة، لتؤكد معنى الحب والخشية، وليكون توجّه العباد إلى الله وحده رغبة ورهبة. فهو سبحانه فاطر السموات والأرض، وهو الذى جعل الملائكة بهذا الخلق العظيم وأرسلها لتنفيذ ما أمروا به فهو سبحانه على كل شىء قدير، ولا ينبغى لأحد من خلقه أن يتعلق بغيره سبحانه فرحمته تصل لمن شاء من خلقه لا يقوى على إمساكها أحد، وما يمسك فلا قوة تستطيع إرسال ذلك فهو سبحانه القاهر فوق عباده وهو الذى يضع الأشياء فى موضعها. فلا عبودية إلا له سبحانه. هذا المعنى الذى تفتتح به السورة الكريمة يدعّم فى السورة كلّها بعد ذلك، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢). ويأتى بعد ذلك الأمر الصريح بتذكر هذه النعم؛ لأن بعض الناس يمرّ بالآيات مرور الغافلين اللاهين، وبعضهم يغمر بالنعم فينسى المنعم سبحانه، ولذلك فإنه بعد ذكر السموات والأرض وما يتعلق بهما من آيات النعم والقدرة يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) فهو الخالق سبحانه ومظاهر الخلق دالة على كمال قدرته وهو الرازق سبحانه ولا رازق سواه فكيف يتوجه إلى غيره بالعبودية. فإذا حدث هذا ولم يفده مع بعض الناس التصريح بذلك فلا تحزن فقد حدث مثل هذا مع المرسلين قبلك: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤).

стр. 310

ولكن رحمة بهذه الأمة فإن الله سبحانه قد ذكر لها من أنباء السابقين ومن سائر صنوف التنبيه ما يعينها على تخطّى العقبات وتجاوز المعوقات التى تقف فى طريقها وتريد فتنتها. فوعد الله حق فلا ينبغى أن تفتن الدنيا الإنسان، لتصرفه عن مصيره ومرجعه إلى ربه ووصوله إلى الآخرة وصولا حسنا فتؤخذ بمنهج الله ويسعى فيها الإنسان بما أمر به ونهى عنه، ولا ينبغى كذلك أن يفتنه الشيطان فهو عدوّ وغايته واضحة، وهو يريد بمدعوّيه الوصول إلى السعير. وأمام هذا التنبيه كذلك توقف الآيات المنزلة الناس على حالهم وانقسامهم إلى كافرين لهم عذاب شديد وإلى مؤمنين صالحين لهم المغفرة والأجر الكبير، وإلى من وقع تحت فتنة تزيين الشيطان للسوء فيراه الغافلون حسنا، وإلى أهل البصيرة الذين لا يقعون تحت تأثيره ولذلك فلا تحزن عليهم قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨). وتعين الآيات الكريمة المنزلة الناس على حسن السير فى الطريق المستقيم فتمزج بين الآيات الدالة على قدرة الله سبحانه، ليثق الناس بوعد الله وأن مظاهر البعث يشاهدونها فى آيات قدرة الخالق سبحانه، وبين آيات النعم السابغة وما يقتضى ذلك من صلاح الكلمة والعمل وتجنب السيئات، فآية الرياح وما تثيره من السحاب والذى يسوقه الله لإحياء البلاد والأرض بعد موتها آية قدرة ودليل على النشور. ومقتضى ذلك أن يسلك الإنسان سبيل الاستقامة فى الكلمة والعمل فتكتب له العزة، لأنها لله سبحانه وكتبها لأهل طاعته، وخلق الإنسان من تراب ثم من ماء، والزوجية والحمل والوضع والعمر المتعدد طولا وقصرا للإنسان آيات قدرة قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١). وتستمر الآيات الكريمة المنزلة فى بيان هذه الآيات الموجهة إلى مظاهر نعم الله على الإنسان، ومظاهر قدرة الخالق سبحانه فى هذه الآيات وما يقتضى ذلك. فهذان بحران أحدهما: عذب فرات، والآخر: ملح أجاج منهما يأكل الناس اللحم الطرى ويستخرجون

стр. 311

ما يتحلوا به لبسا، وفيهما تسير الفلك التى تحمل الناس فى أسفارهم، ويقتضى مع هذه النعم ومظاهر قدرة الله فيها أن يعرف الإنسان فضل الله عليه فيشكره. وهذا الإيلاج لليل فى النهار وللنهار فى الليل وتسخير الشمس والقمر فيهما، وهذا الجرى للأجل المسمى دليل على قدرة الرب الخالق سبحانه وعظيم نعمه وفضله على خلقه، ومقتضى ذلك التوجه الخالص إليه بالعبادة، فله الملك والذين يدعون من دونه لا يملكون شيئا ولا يسمعون دعاء المشركين؛ لأن هؤلاء المدعوّين جمادات أو أموات أو ملائكة مشغولون بطاعة ربهم، ولو سمع هؤلاء فإنهم لا يملكون شيئا ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولذلك سيتبرءون من عابديهم يوم القيامة وبهذا تجتث الآيات القرآنية الكريمة ما وقع فيه بعض الناس من الشرك، وتوجه القلوب إلى المعبود بحق سبحانه ولا يستحق سواه شيئا من العبادة وأن عبادة ما سواه باطلة ومتعلقة بباطل. قال تعالى: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤). وتقرّر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك مجموعة من المبادئ والحقائق التى لا غنى للناس عنها منها: الافتقار إلى الله سبحانه فى كل شىء فى الخلق والرزق والهداية والنجاة وغير ذلك فهو الغنى الحميد، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) وفيها أن الناس لا يملكون وجودهم فالله وحده الذى خلقهم هو الذى يميتهم وهو الذى يحييهم وهو القادر على أن يذهبهم- إن شاء- وأن يأتى بخلق جديد يكونون أحسن حالا منهم. قال جل شأنه: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧). ومنها تقرير المسئولية الشخصية، ولا تفريط فيها ولو مع الأقربين، قال تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨). ومن هذه الحقائق: أن الذى ينتفع بوحى الله هو الذى يخشى ربّه بالغيب ويقيم الصلاة، ومنها: أن منافع الهداية بوحى الله تعود على النفس فى ذاتها وفى علاقاتها بغيرها، ومنها: اليقين فى أن مصير الناس إلى الله سبحانه الذى خلقهم ورزقهم وأمرهم

стр. 312

ونهاهم وهو سائلهم ومحاسبهم ومجازيهم. وأمام هذه الحقائق وغيرها بما فصّل للناس فمنهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم المستجيب ومنهم المعرض ومنهم السعيد ومنهم الشقى. وإذا كانت الأضداد لا تتساوى فإن هذه المعانى السابقة لا تتساوى كذلك، قال تعالى: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً (٢٤). وتعطى الآيات الكريمة ما يدعّم النبى ﷺ فى مواجهته لقومه بالتأكيد على بعثته بشيرا ونذيرا. وأن سنة الله مع الأمم أن يرسل فى كل أمة نذيرا، وإن وجد الرسول من أمته من يكذّب فإن الأمم السابقة قد حدث فيها هذا أيضا. وقد أخذ الكافرون أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦). وتوجّه الآيات الكريمة الأنظار بعد ذلك فى آيات قدرة الله سبحانه فيما يشاهده الناس فالماء ينزل من السماء بقدرة الله سبحانه فيخرج به ثمرات مختلفة فالمادة واحدة والأصل واحد ويرى التفاوت واضحا فيما يخرج من هذا الأصل الواحد، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨). هذه الآيات يقف أمامها العقلاء موقف التأمل والتدبر فتغرس فى نفوسهم الخشية وبقدر العلم بالله سبحانه وآيات قدرته تكون الخشية: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨). ومع مظاهر قدرة الله سبحانه فى تعدد الأشكال والألوان وغيرها والأصل واحد والمادة واحدة وأن أهل العلم هم أهل الخشية الذين ينتفعون بهذه الآيات. بعد ذلك تعرض الآيات تجارة رابحة لمن يقوم بعناصرها المتمثلة فى الإقبال على كتاب الله سبحانه تلاوة، وفى إقامة الصلاة، وفى الإنفاق مما رزقه الله سبحانه سرا وعلانية. وسيجد التاجر مع الله سبحانه الأجر العظيم والفضل الكبير ومغفرة الذنوب. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠). وتذكر الآيات المنزلة بعد ذلك لرسول الله ﷺ ما ينبغى أن يعيه الجميع من أن

стр. 313

الموحى به من الكتاب هو الحق الذى يوافق ما كان من وحى سابق فى كتب سابقة، وجاء به رسل سابقون وقد بشّر بهذا الحق فى هذه الكتب وعلى ألسنة هؤلاء الرسل فمسيرة وحى الله فى خلقه سابقة منذ الجماعة البشرية الأولى فى آدم وزوجته وخاتمة الوحى فى هذا الكتاب العزيز، وعلى لسان رسول الله محمد ﷺ . وضمّن الله وحيه ما يناسب خلقه وما يسعدهم فى شئون حياتهم ومعادهم، فهو سبحانه الخبير البصير وكان من فضل الله الكبير على هذه الأمة أن اصطفاها واصطفى لها الإسلام دينا، وأورثها الكتاب المهيمن والمصدق لما قبله ولكن تعادت أفراد هذه الأمة فمنهم من ظلم نفسه بالمعاصى، ومنهم من اقتصر على أداء الواجبات ومنهم من سارع فى الخيرات واجتهد فسبق بتوفيق الله له. وشملهم جميعا فضل الله فأسكنهم جنات عدن على درجاتهم، وفى هذا حثّ لهذه الأمة أن تكون من القسم السابق بالخيرات بإذن الله، قال تعالى: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥). ومع ذكر أهل الجنة مع تفاوت مراتبهم تذكر الآيات الكريمة الكافرين وجزاءهم الذى يصيرون إليه فى نار جهنم، وحالتهم الشديدة فى هذا العذاب والذى يتفق مع تماديهم فى الكفر وإصرارهم عليه، وكيف يطلبون العودة فى غير وقتها وتنبه الآيات الناس إلى هذه الحقيقة، وتضع أمامهم مثل هذا المطلب ليكون فى أدائه ويتدارك الإنسان موقفه قبل أن تضيع فرصة العمل فى هذه الحياة، قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧). وتعين الآيات المنزلة بعد ذلك الناس للنجاة من الكفر وأعماله فإن الكفر لا سند له من العقل أو النقل، وأنه لا معبود بحق إلا الله. فهو عالم غيب السموات والأرض، وهو الذى خلقهما وخلق ما فيهما وما بينهما، ويعلم ما تكنّه صدور الناس ويعلم أن الذين يطلبون العودة إلى الدنيا بعد فوات الأوان كاذبون، وأنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه. ولذلك فإن من أراد النجاة من الكفر فلينظر إلى حقيقة أمره وكيف كانت مسيرة

стр. 314

الخلق فقد جعل الله الناس خلائف فى الأرض خلفا بعد خلف، وقرنا بعد قرن وقد رأى الناس عاقبة من كفر فى الدنيا من الضلال والهلاك والمقت والغضب والخسران. ثم لينظر الكافر إلى من اتخذه معبودا له من دون الله هل خلق شيئا من الأرض أم له مشاركة فى خلق السموات وتدبيرها؟. فإن لم يكن هؤلاء المعبودون قد خلقوا بل خلقوا بأيدى عابديهم من الكافرين فكيف يعبدون؟ وهل زعم أحد أن الله سبحانه أمر أحدا من خلقه باتخاذ هؤلاء شركاء له فى العبادة سبحانه؟. الأمر إذن ليس إلا تزيين الشيطان لضعاف العقول باتخاذ هؤلاء شركاء لله سبحانه واستمرار هؤلاء المغرورين بتزيين الشيطان فى توارث هذا الضلال والكفر. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (٤٠). ومع تزيين الشيطان لضعاف العقول باتخاذ الشركاء واستمرار هؤلاء المغرورين فى توارث هذا الضلال والكفر، وأن آلهتهم المزعومة لا تقدر على خلق شىء من السموات والأرض. بعد ذلك تخبر الآيات الكريمة أن خالق السموات والأرض وممسكهما هو الله فلا يوجد حادث إلا بإيجاده ولا يبقى إلا ببقائه، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٠). فالآية الكريمة تحرّك العقول والقلوب أمام هذا الخلق العظيم الذى لا يقدر عليه إلا الله، وهذه النعمة الكبرى فى أنه سبحانه يمسك السموات والأرض عن الزوال ليحصل لخلقه القرار والانتفاع بهما، فيتحقق للناظر المعتبر ما يكون من الإجلال والتعظيم للقادر العظيم ﷻ ، والحب له ﵎ لعظيم نعمه على خلقه، وليستحى الكافرون من التعلق بالضعفاء العاجزين ولتتوجّه قلوبهم إلى الخالق المنعم الرحيم بعباده سبحانه. كما يمكن أن يفهم السامع لهذا التقرير الكريم شؤم الشرك والمخالفة لأمر الله سبحانه فشركهم يقتضى زوال السموات والأرض كما جاء فى قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) [مريم]. ولكنه حليم ويمهل ولا يهمل، كما سيتضح من المعانى الآتية فى هذه السورة الكريمة. فقد كشفت الآيات المنزلة بعد ذلك حال هؤلاء المشركين، ومنه ما كان من غيّهم أن يكون منهم رسول كما كان الرسل فى بنى

стр. 315

إسرائيل فلما جاءهم رسول الله محمد ﷺ ما وفّوا بما أقسموا عليه بالأيمان الغليظة بل زادهم مجيئه نفورا وتوقف الآيات الكريمة الناس على سببين خطيرين لهذا الموقف من المشركين وهما سببان نفسيان خطيران: إنهما الاستكبار فى الأرض، والمكر السيئ. فالاستكبار جاء من تصورهم الفاسد للنبوة، وأنها تكون لمن كان عظيما فى تصورهم بكثرة المال والعصبة وهذا العتوّ والاستكبار تبعه السبب الثانى، وهو المكر وخداع الضعفاء من الناس حتى يتبعوهم ويصدوهم عن الإيمان برسول الله محمد ﷺ . ومع ذكر السببين تذكر الآيات الكريمة خطورة مسلك هؤلاء المشركين، وفى الوقت نفسه تطهّر المؤمنين من مثل هذه الأخلاق المرذولة ففي الحديث: «المكر والخديعة فى النار». وهذا يعنى دخول أصحابها فى النار لأنها من أخلاق الكفار لا من أخلاق المؤمنين الأخيار ولهذا جاء فى سياق هذا الحديث: «وليس من أخلاق المؤمن المكر والخديعة والخيانة» «١». والآية الكريمة تؤكد للناس هذا المعنى فعن ابن عباس ﵄: أن كعبا قال له: إنى أجد فى التوراة: «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها» فقال ابن عباس: فإنى أوجدك فى القرآن ذلك. قال: وأين؟ قال: فاقرأ: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «٢» وفى أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا». وروى الزهرى أن النبى ﷺ قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله تعالى يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣] ولا تبغ ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠] وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» [يونس: ٢٣] «٣». ومعنى هذا أن الآيات الكريمة ترسى القيم الخلقية المؤسسة على التوحيد الخالص فى نفوس الناس. قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) وإذا لم يجد مع هؤلاء نصح بعد كشف حالهم وكذلك فإن سنة الله ماضية لا تتخلف فقد أنزل العذاب بالكافرين، وجعل ذلك سنة فيهم فهو سبحانه يعذب بمثله من استحق لا يقدر أحد أن يبدل ذلك ولا أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره. وهذه السنة الإلهية يراها هؤلاء فى الذين من قبلهم وعليهم أن يسيروا وينظروا ماذا

стр. 316

حدث بعاد وثمود وبمدين وأمثالهم لما كذّبوا الرسل، وهذه مساكنهم ودورهم وهؤلاء المشركون ليسوا خيرا من أولئك ولا أقوى، قال تعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤). وتختم السور الكريمة ببيان عظيم حلم الله سبحانه بخلقه مع بيان شؤم المعصية والمخالفة لأمر الله سبحانه. وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ أما بنو آدم فلذنوبهم وأما غيرهم فلشؤم معاصى بنى آدم، قال ابن مسعود ﵁: كاد الجعل أن يعذّب فى جحره، بذنب ابن آدم، وقال يحيى بن أبى كثير: أمر رجل بالمعروف ونهى عن المنكر، فقال له رجل: عليك بنفسك؛ فإن الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت؟ والله الذى لا إله إلا هو- ثم قال: والذى نفسى بيده، إن الحبارى لتموت هزلا فى وكرها بظلم ظالم. وقال الثّمالى ويحيى بن سلام فى هذه الآية: يحبس الله المطر فيهلك كل شىء «١». قال تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥).

стр. 317

سورة «مريم» نزلت بعد فاطر فهى مكية بإجماع، ومما يدل على مكيتها ما ذكره أبو داود «١»: لما كانت وقعة بدر، وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: «إن ثأركم بأرض الحبشة، فأهدوا إلى النجاشى، وابعثوا إليه رجلين من ذوى رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش، فتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر؛ فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبى ربيعة، فسمع رسول الله ﷺ ببعثهما، فبعث رسول الله ﷺ عمرو ابن أمية الضّمرىّ، وكتب معه إلى النجاشى فقدم على النجاشى، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبى طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم: كهيعص (١) وقاموا تفيض أعينهم من الدمع فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢). وقرأ إلى قوله تعالى: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣). وفى السيرة «٢» فقال النجاشىّ: هل معك مما جاء به عبد الله شىء؟ قال جعفر: نعم، فقال له النجاشى: اقرأه علىّ. قال: فقرأ: كهيعص (١) فبكى والله النجاشى حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفتهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، فقال النجاشىّ: إن هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا «٢». فهذا يدل على نزول سورة «مريم» فى مكة وحفظ الصحابة لها قبل ذهابهم إلى الحبشة وهجرتهم إليها فكانت قراءة جعفر لها على النجاشى والقسيسين. وقد قيل: إن قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨). آية مدنية، ذكر ذلك مقاتل «٤» وقيل كذلك: إن قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) آية مدنية. ولكن ليس مع القولين دليل قوىّ مما جعل القرطبى يحكى أنها مكية بإجماع دون أن يستثنى وكذلك الشوكانى فذكر ما أخرجه النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت بمكة سورة كهيعص (١) وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة مريم بمكة «٥».

стр. 318

وتقرر السورة الكريمة فى هذه الفترة التوحيد الخالص لله سبحانه، وكمال قدرته وتنزهه جل شأنه عما لا يليق بجلاله مما انحرف فيه وضل أهل الكتاب من نسبة الولد والشريك لله عن قولهم، وتتناول السورة الكريمة فى هذا البيان جانبين الأول: قصص الأنبياء بدءا بزكريا ﵇ وما كان من توحيدهم الخالص وما حدث معهم من مظاهر العبودية الصادقة فى حسن التوجه إلى الله، والطمع فى رحمته مع بيان مظاهر قدرة الله سبحانه فى تحقيق ما طلبوا، وكذلك آيات قدرته فى خلقه حتى وجدنا اسم السورة الكريمة مبرزا هذا المعنى فى «مريم» ﵍. والجانب الثانى: فى بيان انحراف الناس وضلالهم فى فطرتهم إلى أنبيائهم، ورسل الله إليهم ودعوتهم إلى الصواب الذى يتفق مع ما جاء به هؤلاء الأنبياء. فهذا زكريا ﵇ يدعو ربّه ويذكر حاله ولا يستبعد أن يحقق الله له رغبته فى الذرية الصالحة على الرغم من حالته وحالة زوجته فيبشّر بالغلام ويسمّى ونقف على آيات قدرته سبحانه فى هذا الخلق وكيف يكون الإنجاب فى مثل هذه الحالة وكيف يكون غلاما زكيا ويكون برا بوالديه ويكون تقيا، وهذه عاقبة الاستقامة مع الله سبحانه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة قال جل شأنه: كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥). وفى عرض هذه القصة تعليم وتوجيه للناس فى التوجه إلى الله سبحانه لتحقيق المراد، والثقة الكاملة فى فضل الله ورحمته، وكمال قدرته والخضوع والتذلل له، وذكر نعمه وآلائه يصاحب الدعاء والمسألة وفى ذكر القصة بتفصيلاتها وجوانبها الخفية ما يدلّ على أن هذا كلام الله سبحانه وحده، فلا علم بهذه الجزئيات الخفية لدى الناس. وبعد ذكر قصة زكريا ويحيى ﵉ وما كان من حالهما، وتناول ذكر مريم ﵍ والتى سميت السورة الكريمة باسمها، وما كان من شأنها فى انقطاعها لعبادة

стр. 319

ربّها، وكيف جاءها الملك ليبشّرها بالولد وتتعجب كيف يكون الولد من غير أن يمسسها بشر وهنا يكون الحال مدعّما لما سبق ذكره مع زكريا ﵇ وزوجته حيث رزقه الله بالغلام وليسا فى حالة تسمح بالإنجاب، وكان الغلام مظهرا من مظاهر قدرة الله سبحانه، ويكون الغلام هنا كذلك من مريم آية على قدرة الله جل شأنه وكانت المواجهة بعد أن ظهر الحمل وكان الموقف النفسى شديدا مع مريم ﵍: ويطمئن كذلك من الجانب المعنوى حيث تكون آية القدرة الأخرى بعد الولادة فى كلام عيسى ﵇ فى المهد، وكلامه يبرئ أمه الطاهرة ويدعّم العبودية لله سبحانه، وأنه عبد الله ورسوله والمؤدى لما يطلب منه من صلاة وزكاة، وبارّ بوالدته فهو بشر ولد وسيموت وسيبعث، فليس كما زعم الضالون ولدا لله سبحانه فما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه، قال تعالى فى بيان ذلك: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦). ومع بيان هذه الحقائق فى شأن عيسى ﵇ وأمه وتصحيح المفاهيم الخاطئة نحوهما وتنزيه الله سبحانه عن افتراء الضالين وكذبهم تكشف الآيات الكريمة بعد ذلك حال الناس بعد هذا البيان وتذكر الوعيد الذى ينتظر الظالمين، قال تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) وبعد الوصول إلى الوعيد

стр. 320

مع سمع قوى وبصر قوى يقفون بهما على الحقائق يبقى الظالمون فى ضلالهم المبين لا يستطيعون عودة لتصحيح عقيدة أو سلوك: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) وأىّ حسرة أشد ممن يقع فى هذا الوعيد ويفوته رضا الله وجنته وسيتحقق سخطه وعذابه ولا يستطيع الرجوع ليستأنف العمل: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠). وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيؤمر به فيذبح ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ... الآية وأشار بيده، قال: أهل الدنيا فى غفلة» «١». وأخرج النسائى وابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبى هريرة مرفوعا نحوه. وفى تجلية هذه الحقائق للناس تخليص للإيمان من الشوائب التى ضل فيها البشر من اتخاذ الشركاء، أو من نسبة الولد إلى الله سبحانه فأى ضلال أبين من أن يعتقد المرء فى إنسان حمله الرحم وأكل وشرب وأحدث واحتاج أنه إله أو ابن لله، وينسى أن الله سبحانه قادر يفعل ما يشاء وإذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون. وبعد وقوفنا عند قصة مريم وابنها عيسى ﵉ وتصحيح المفاهيم نحوهما، والوقوف على مظاهر قدرة الله فى خلقه وفى كلامه فى المهد، وفى تقريره لعبوديته لله سبحانه- تذكر الآيات الكريمة المنزلة بعد ذلك قصة إبراهيم ﵇ وما كان من موقفه مع أبيه الذى وقع فى الشرك، فعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنه شيئا وكيف تلطف إبراهيم ﵇ فى دعوته لأبيه فقدمها فى رفق وضمّنها حججه القوية، وحذّره من عبادة الشيطان بطاعته كما أنذره وخوّفه من عذاب الله، وكان موقف أبيه الإعراض والتهديد لإبراهيم بالرجم، قال تعالى فى بيان ذلك لرسوله ﷺ حتى يدرك الناس حرص الابن على هداية أبيه وكيف يكون الإعراض من الأب، وأن عاقبة الطاعة لله الخير والبركة وعاقبة الكفر العذاب والهلاك: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ
следующие страницы →