أمامنا مبدأ آخر، وهو: وجوب معرفة الرب الخالق- وهذه المعرفة من أول الواجبات، ومن أهمها وقد بدأ بها القرآن الكريم مع الناس بداية تتلاءم مع ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، فالحكيم- لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين لو قال له: اقرأ باسم ربك الذى لا شريك له لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم لذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به، فكأن الحق سبحانه يقول: إن هؤلاء عباد الأوثان فاذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فهذا التدريج مقرون بأنى أنا المستحق للثناء دون الأوثان، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧] فإذا أيقنوا بذلك وصلوا إلى التفريق بين من يخلق ومن لا يخلق أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] ووصولا بذلك إلى الإذعان لأمره ونهيه، وحققوا فى أنفسهم توحيد الألوهية مع توحيد الربوبية.
وفى ذكر الخلق من علق غير مشاهد للإنسان وقت نزول الوحى وأصبح اليوم معلوما مشاهدا بالأدوات الطبية والمناظير وأصبحت أطوار خلق الإنسان التى حكى عنها القرآن الكريم تفصيلا معروفة، دليل واضح على صدق رسول الله ﷺ فى تبليغه لكلام ربه الذى لا يعلم الغيب إلا هو ولا خالق سواه، وعلى ذلك يكون الترتيب كما سبق «اقرأ» فالقراءة مفتاح العلم، وإذا كان العلم دليل العمل والعمل باسم الله الرب الخالق الرازق الكريم، وأول ما ينبغى أن يعلم ويعرف توحيد الله توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ثم يأتى التكرار المؤكد لما سبق الذى يقدم مع التأكيد مزيدا من المعانى فيقول تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) [العلق].
ويوجه بعض العلماء هذا الأمر بالقراءة مع الأمر السابق أن الأول لنفسه والثانى للتبليغ. أو الأول للتعلم من جبريل والثانى للتعليم. وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فمن كرمه تعالى أن خلق ورزق، وربّى ومنح خلقه بلا عوض، وهذا هو معنى الكريم، فالكرم إفادة ما يبتغى بلا عوض وهو سبحانه أكرم، وفى بيان وجوه بعض أكرميته يقول بعض العلماء: إنه كم من كريم يحلم وقت الجناية، لكن لا يبقى إحسانه على الوجه الذى كان قبل الجناية وهو تعالى أكرم، لأنه يزيد بإحسانه بعد الجناية، ومنه قول القائل:
متى زدت تقصيرا تزد لى تفضلا ... كأنى بالتقصير أستوجب الفضلا
стр. 72
وثانيها: إنك كريم لكن ربك أكرم، وكيف لا وكل كريم ينال بكرمه نفعا ويدفع ضررا، أما الله سبحانه فالأكرم إذ لا يفعله إلا لمحض الكرم.
ثالثها: أنه الأكرم؛ لأن له الابتداء فى كل كرم وإحسان، وكرمه غير مشوب بالتقصير.
رابعها: يحتمل أن يكون هذا حثا على القراءة، أى هذا الأكرم؛ لأنه يجازيك بكل حرف عشرا، وحثا على الإخلاص أى اقرأ لأجلى، ودع علىّ أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا يخطر ببالك، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدا فأنا أكرم من أن آمرك بهذا التكليف الشاق ثم لا أنصرك.
ومع وصف الله سبحانه لنفسه جل شأنه بأنه خلق الإنسان من علق، وأنه علّم بالقلم فما المناسبة بين الأمرين؟
إن الآيات الكريمة تبين مزيد كرم الله الأكرم سبحانه حيث تفضل على الإنسان بخلقه أولا، وتفضل عليه ثانيا بنقله من حالة مهينة إلى تشريفه بالعلم وإدراك حقائق الأشياء، وصيره إلى أشرف مراتب المخلوقات ويذكر ذلك فى هذا السياق القرآنى الكريم وفى بداية نزول الوحى ليرتبط بقضية التوحيد الكبرى فى حياة الإنسان، فهذا التحويل من أحسن المراتب إلى أشرفها يلفت نظر الإنسان إلى وجود المدبر والمقدر فيذعن لأمره ونهيه، كما أن فى هذا تنبيها على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، وكأن الآيات الكريمة تقول لنا الإيجاد والإحياء والأقدار والرزق كرم ربوبيته، أما الأكرم فهو الذى أعطاك العلم؛ لأن العلم هو النهاية فى الشرف.
كما أن العلاقة بين المعنى السابق فى خلق الإنسان من علق بفضل ربه وكرمه وبين الذى علم بالقلم، انتقال بالإنسان كذلك من الوقوف على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة إلى الوقوف على الأحكام التى لا يستقيم الخلق إلا بها، والتى لا سبيل إلى معرفتها إلا بالتعلم والاستماع إلى ما يأتى به رسول الله ﷺ من عند ربه، فالحالة الأولى معرفة الربوبية. والثانية: الوقوف على النبوة وتقديم الأولى على الثانية تأهيل للإنسان للإقبال على النبوة وما يتبعها من تكليف إقبالا صحيحا مستجيبا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤].
وأما قوله تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) [العلق] فإشارة إلى أهمية هذه الآلة وتلك
стр. 73
الأداة التى يتم بها تقيد العلم فيجتمع للإنسان فضلان عظيمان؛ فضل القراءة وبها يحصل العلم، وفضل تقييد العلم بالكتابة، ولذلك شبه الكلام بالريح الذى لا تبقى وقيده بالكتابة، وشبه العلم بالصياد الذى يصيد العلوم، والبدء بمبدإ الكتابة مع القراءة سبيلا للعلم النافع فى بداية نزول القرآن الكريم نقل للعرب خاصة، وللعالمين عامة من أمية متفشية، ومن جهالة مطبقة، ومن ضلال مبين، ومن ظلمات إلى حالة التعلم والتعليم، وإلى الحلم ونور المعرفة، وإلى الهدى والرشاد، إلى النور والوضوح والطريق المستقيم، فالعرب كانوا أميين، وكان عدد الذين يقرءون ويكتبون فى جزيرة العرب ضئيلا جدا، وكانت الجهالة عامة فيهم، وأما بقية العالمين فكانت تعيش ما يسمى بعصر الظلمات فى جوانب حياتها كلها. ولذلك وجدنا عناية الإسلام من اللحظة الأولى بنقل الإنسان إلى نور العلم وسبيل ذلك القراءة وكذلك الكتابة، وإذا اجتهد الإنسان وسلك سبيل العلم بالقراءة والكتابة باسم ربه وامتثالا لأمره وجد المزيد من توفيق الله له فعلمه ما لم يكن يعلم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٢]، فمن علم
بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم.
هذه هى الآيات الأولى التى عطرت الدنيا، فكانت أول ما نزل من وحى ربنا من فضله وكرمه ومنته على العالمين، ورأينا كيف اجتمع فيها من المبادئ ما يمكن أن نقول:
إنها المفاتيح لهذه الأمة لتبدأ مكانتها، ولتنقل إلى الرشد والهدى، إن هذه الآيات الكريمات ذكرت الناس بربهم ليستجيبوا، وليمسكوا بمفتاح فلاحهم، وليقرءوا ما أنزل إليهم من ربهم، وما ينفعهم فى حياتهم، وليكتبوا ما تعلموه حتى يفيد منه أبناؤهم، وحتى يتمكنوا من تبادل معلوماتهم. بهذا أمرهم من خلقهم من علق، ومن نقلهم إلى هذا الشرف العلمى، ومن أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ومنحهم العيون التى يقرءون بها، والآذان التى يسمعون بها، والشفاه التى يتكلمون بها، والبيان الذى ينطقون به، والأيدى التى يكتبون بها، فإذا استجابوا منحهم المزيد من علمه.
إنها ربطت المخلوقين بربهم، ووضعتهم على سبيل رشادهم، ونلاحظ مع هذه الآيات الكريمة أنها بدأت بأمر «اقرأ» ولكنه أمر ممتزج ببيان ما يتيسر تنفيذه، وما يرشد استعماله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] وتلا ذلك الإخبار والتذكر والنظر المتدبر، فأخبرت الآيات عن أن الله سبحانه خلق، وخلق الإنسان من علق؛ ليتأمل السامع والقارئ ذلك وتكون هذه من الأسس والقواعد التى تفصل بعد ذلك فى كتاب الله تعالى؛ لتشتمل
стр. 74
على الأمر والنهى فيما يسمى بالأحكام المتعلقة فيما بين العباد وربهم، وفيما بين العباد وبعضهم، وتشتمل على العقيدة التى هى أساس الأحكام وغيرها، فتربط الناس بربهم سبحانه بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وتشتمل كذلك على ما تصحب هذا التعلم من معرفة شاملة لما يتحلى به من خلق كريم، وما يعرف من أخبار سبقت أو حوادث تجرى، كما تدعو إلى التأمل والتدبر فيما يكون فى حياة الإنسان وخلقه، هذه هى البدايات المباركة فى آيات الذكر الحكيم، ويبقى بعد ذلك أن نذكر المناسبة بين هذه الآيات الكريمة الأولى والآيات التى تلتها والتى تبدأ بقول الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) [العلق].
فمتى نزلت وهل هى تالية فى نزولها لهذه الآيات الأولى أم لا؟
لقد تتابعت الآيات فى السورة الكريمة في قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) ... إلى آخر السورة الكريمة فهل هذا الترتيب على ترتيب نزولها؟ نقول إن ما تضمنته الآيات الكريمة من معانى تدل على تأخر نزولها، وأنه نزلت آيات أخر بعد الآيات السابقة سنذكرها إن شاء الله فى حينها- بعد إكمال سورة العلق- ولكن لم يعرف على وجه التحديد الدقيق متى نزلت الآيات الكريمة من قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) إلى قوله جل شأنه: لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق] حتى نجعلها فى مكانها من ترتيب نزولها إلا أن ما تضمنته من المعانى يجعل وقت نزولها قريبا من هذه الآيات الأولى، كما أن ترتيب هذه الآيات الكريمة بالآيات السابقة- وهو ترتيب توقيفى كما مر بنا- يجعل المعانى مترابطة ترابطا وثيقا تتحقق فيه الوحدة العضوية لتكون سورة العلق بمجموعها مشتملة على المبادئ الأساسية فى حياة الدعوة، وفى حاجة الناس، والتى فصلت بعد ذلك فى السور القرآنية والأحاديث النبوية وعلى ذلك سنتناول هذه الآيات بالحديث عنها هنا.
ففي قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) [العلق] يذكر أكثر المفسرين أن المراد من الإنسان هنا: إنسان واحد هو أبو جهل، ومنهم من قال: نزلت السورة من هنا إلى آخرها فى أبى جهل، وقيل: نزلت من قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إلى آخر السورة فى أبى جهل: قال ابن عباس: كان النبى ﷺ يصلى فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبى ﷺ فقال أبو جهل: تالله إنك لتعلم أنى أكثر أهل
стр. 75
الوادى ناديا فأنزل الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) [العلق] قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق، فلا يليق به التكبر فهو عند ذلك ازداد طغيانا وتعززا بما له ورئاسته فى مكة، ويروى أنه قال: ليس بمكة أكرم منى، ولعله- لعنه الله- قال ذلك ردا لقوله تعالى:
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) وعلى ذلك نقول: إن المناسبة بين الآيات قائمة وخاصة عند من يقول: بأن المراد من الإنسان المذكور فى هذه الآية جملة الإنسان، فبين الله تعالى أنه خلقه من علقة، وأنعم عليه بالنعم التى قدمنا ذكرها؛ إذ أغناه، وزاد فى النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد فى المعاصى واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة هكذا يستمر السياق إلا أن القول الأول أظهر بحسب الروايات وهذا ما يجعلنا نقول: أن هذا يقتضى أن يكون الرسول الكريم قد صدع بأمر ربه، وعرف المؤمنون به والمعارضون له والواقفون فى طريق دعوته، والذين تمادوا بعد ذلك فى المبالغة والتجاوز فى إيذائه وتعذيب أصحابه، وعلى ذلك يكون نزول هذه الآيات الكريمة بعد فترة زمنية ليست بالقصيرة، نزلت فيها آيات أخرى سنتناولها- إن شاء الله- فى مكانها، وقد عرفت هذه الفترة بالفترة السرية والتى انتهت بصعود النبى ﷺ على جبل الصفا وندائه على بطون قريش وإعلانه لهم بأنه رسول الله إليهم، وأنه نذير لهم بين يدى عذاب شديد، ومن يومها كانت الشرارة الأولى فى التحديات، والتى أطلقها عمه أبو لهب قائلا: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ومن هذه الساعة أخذت الفتنة البدنية والمالية طريقها وشملت رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن هذه الفتنة التى لحقت رسول الله ﷺ وضع القاذورات والنجاسات عليه وهو ساجد، وكذلك وضع الشوك فى طريقه كما كانت تصنع امرأة أبى لهب وابنتها، بالتدبير لقتله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال]، وكانت هذه المحاولات لصرف الرسول عن دعوته وتخويف الناس حتى لا يؤمنوا به ومحاولة التأثير على من آمن به للعودة إلى الكفر.
ولذلك تجد الآيات من سورة العلق تذكر مثل هذه التصرفات الطائشة من المشركين الذين وقفوا فى طريق الدعوة؛ لتردعهم ولتزجر غيرهم؛ ولتعلمهم أنهم بقوتهم
ضعفاء أمام قوة الله وقدرته، وأن الله سينصر رسوله ويعلى كلمته ولو كره المشركون. قال تعالى: (كلا) وجاء فى معناها أنها للردع والزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، والكلام يدل عليه وإن لم يذكروا الوجه الثانى- وقال به مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أن الله
стр. 76
هو الذى خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ وذلك لأنه عن صيرورته غنيا يطغى ويتكبر ويصير مستغرق القلب فى حب الدنيا، فلا يتفكر فى هذه الأحوال ولا يتأمل فيها. والوجه الثالث: ذكره الجرجانى صاحب النظم وهو: أن (كلا). هاهنا بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شىء تكون (كلا) ردا له، وهذا كما قالوه فى كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) [المدثر] فإنهم زعموا أنه بمعنى «إى والقمر» والطغيان هو التكبر والتمرد، وتصبح العلاقة بعد هذا البيان بين الآيات أن الله تعالى لما ذكر فى مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد والقدرة والحكمة؛ بحيث بعد من العامل ألا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها اتبعتها بما هو السبب الأصلى فى الغفلة عنها وهو حب الدنيا، والاشتغال بالمال والجاه والثروة والقدرة، فإنه لا سبب لعمى القلب فى الحقيقة إلا ذلك، وخاصة عند ما نعلم أن معنى: (استغنى) أن الإنسان رأى نفسه إنما نالت الغنى؛ لأنها طلبته وبذلت الجهد فى الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد لا أنه نالها بإعطاء الله وتوفيقه وهذا من الحماقة والجهل بحقائق الأمور، فكم من باذل وسعه فى الحرص والطلب وهو يموت جوعا. ولذلك فإن الطغيان يأتى نتيجة هذا المفهوم الخاطئ للغنى، وأما المفهوم الصحيح الذى يسعى فيه المؤمن سعيا نشيطا وهو مستعين بالله ومتوكل عليه ويعلم أن رزقه بيديه فإنه يزداد بالغنى شكرا وتواضعا وهكذا كان حال الأنبياء كسليمان ﵇.
ومن المبادئ والقيم التى أرستها الآيات الأولى من التنزيل والتى تسهم في تأسيس الأفراد والأمم:
المبدأ الأول: أن الأمر لله سبحانه وكان الأمر الأول منه اقرأ؛ فالقراءة إذن أساس عظيم من أسس البناء الفردى والجماعى.
المبدأ الثانى: أن الخلق له سبحانه فهو الذى خلق وخلق الإنسان من علق، ويرتبط بهذا المبدأ مبدأ آخر وهو النظر والتأمل، فذكر الخلق بصورة عامة والتخصيص في خلق الإنسان من علق- دعوة إلى النظر والتأمل فى الخلق والآفاق، وفى النفس، وفى امتزاج الأمر والخلق فى الآيات الكريمة توجيه إلى ضرورة تحقيق الجانبين، ومقتضياتهما فى نفس الإنسان، فنظره وتأمله فى الخلق والنفس يملأ قلبه حبا وتعظيما للخالق البارئ المصور سبحانه، ويهيئ القلب للاستجابة لأمر الآمر النّاهى جل شأنه.
стр. 77
ولذلك نجد المبدأ التالى يدعم ما مضى حيث يقترن الأمر بالقراءة بالتذكير بالرب الأكرم سبحانه؛ فمنه وحده النعم التى يسديها بلا مقابل، وهذا يملأ القلوب حبا للمنعم ﵎.
المبدأ الثالث فى الآيات: أن أجل نعم الله على الإنسان أن علّمه وهداه إلى الانتفاع بهذا العلم، فأرشده إلى تقييده بالقلم واستثارته بالقراءة؛ فالعلم إذن منه سبحانه، ولا علم للإنسان إلا من خالقه الأكرم سبحانه، فهو الذى خلقه وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا وأمده بأجهزة التعلم فجعل له السمع والأبصار والأفئدة، وعلمه ما لم يكن يعلم.
وذكر العلم فى هذا السياق وامتزاجه بالمبادئ السابقة يجعله علما نافعا مفيدا للإنسان وللبشرية؛ فهو علم مسبوق ومصحوب بذكر الخالق سبحانه، وذكر آلائه ونعمه، ومسبوق بالتهيئة النفسية للاستجابة لأمر الله، وتحقيق التوحيد فى قلب الإنسان؛ توحيد الألوهية والربوبية.
من هذا، نستنتج تاريخ هذه المبادئ القرآنية، وأنها تمثل أهمية كبرى حيث بدئ بها وعنيت بها الآيات الأولى من التنزيل الحكيم وهي إذن مفاتيح البناء التى ينبغى أن نعنى بها فى تربية أبنائنا ونفوسنا.
وتمضى بنا آيات السورة الكريمة الأولى فى تقرير مجموعة أخرى من المبادئ التى تمثل تحذيرا من الخروج عن المبادئ الأولى السابقة، فالأول منها التحذير من الوقوع فى دائرة الطغيان، ويرتبط بذلك بيان عامل هذا الطغيان الأساسى، وهو أن يتصور الإنسان فى لحظة من اللحظات أنه يمكن أن يستغنى عن خالقه ورازقه وآمره وناهيه، فينسب ما فيه من رزق إلى مهارته وجهده ناسيا كيف خلق من علق؟ وكيف رزق وعلم؟ وكيف وجه وأمر من ربه ليرشده إلى فلاحه؟ أو أن يصل إلى الغنى المادى بطريق غير مشروع فيرى نفسه غنيا فيدعوه هذا الغنى بالباطل إلى الطغيان، وتجاوز الحد فى البغى والعدوان.
المبدأ الثانى فى هذه التنبيهات والتحذيرات- والذى يمثل وقاية للإنسان من هذا الطغيان: أن يتذكر مبدأ الرجوع إلى الله إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)، وهذا أول تنبيه من الوحى للإنسان نحو هذه الحقيقة التى نسيها أو تعامى عنها أو أنكرها، وحول حياته نتيجة لهذا الإنكار أو التغافل إلى حياة ظالمة طاغية عاشت على الظلم واستمرأته،
стр. 78
ودافعت عنه ووقفت فى وجه من أراد أن ينقذ البشرية من هذا الطغيان، ومن ظلم الإنسان لنفسه ولغيره. فتقرير مبدأ الرجعى والمنتهى والمعاد مبدأ فى السورة الأولى، وهو- كما أشرنا- أساسى وضرورى يعصم الإنسان من الطغيان لنفسه ولغيره، وتقدم لنا الآيات الكريمة فى استفهام بلغت للسامع صورة من صور هذا الطغيان المواجه للخير والاستقامة، والذى يدل على إصرار صاحبه فى المحافظة على جو الظلم وظلماته، فيمنعه أن يسمع كلمة يهدى الحيارى، أو أن يرى فعلا يوقظ فى الإنسان معنى العبودية لله تعالى، إنه لا يحب أن يرى صالحا فى نفسه أو هاديا إلى البر والصلاح والتقوى فيقول الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) [العلق].
والذى يلفت نظرنا هنا: أن الآيات الأولى تقرر الحقائق بصورة مجملة ليتبعها التفصيل بعد ذلك، فذكر المعاد يذكر إجمالا؛ ليفصّل بالأدلة والبراهين بعد ذلك لتنتقل بنا الآيات الكريمة إلى معوقات البناء الإنسانى المتمثلة فى نماذج الطغاة، ومنهم الطاغية الذى أشارت إليه الآيات بهذا الاستفهام، وهو أبو جهل- لعنه الله.
أخرج ابن المنذر عن أبى هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفر وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل لأطأن على رقبته،
ولأعفرن وجهه فى التراب، فأنزل الله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ... (٦) الآيات. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يصلى فجاءه أبو جهل فنهاه، فأنزل الله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) إلى قوله تعالى: كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦).
وفى رواية أنه رأى رسول الله ﷺ فى الصلاة فنكص على عقبه، فقالوا له:
مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن بينى وبينه لخندقا من نار وهولا شديدا، وفى هذا الموقف دلالة على أن الآيات الأخيرة من السورة الكريمة نزلت بعد أن انتشر الأمر وعرف الناس الصلاة بالصورة التى بدئت بها فى أول الأمر، ولكن ليس الفارق الزمنى كبيرا.
لقد تعرفنا على مجموعة من المبادئ التى تضمنها القسم الأول من السورة، ثم تعرفنا على المبادئ الضابطة للسلوك الإنسانى ليستقيم على هذه المبادئ؛ ومنها حمايته من الطغيان بتذكره لربه وفقره إليه عدم استغنائه عنه، ثم بتذكر الرجعى، ثم بالوقوف
стр. 79
على نموذج الطغاة متمثلا فى أبى جهل، وكيف كان حاله؟ إن حاله يدعو إلى العجب الذى نجده فى الخطاب مع الرسول على سبيل التعجب أَرَأَيْتَ؟ ووجه التعجب فى ذلك أمور منها: أن الرسول ﷺ كان يدعو: اللهم أعز الإسلام إما بأبى جهل بن هشام أو بعمر فكأنه تعالى قال له: كنت تظن أنه يعز به الإسلام أمثله يعز به الإسلام؟ وهو ينهى عبدا إذا صلى، ومن وجوه التعجب كذلك: أن أبا جهل كان يلقب بأبى الحكم فكأنه تعالى يقول: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن طاعة ربه؟ أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان؟ ومن هذه الوجوه كذلك: أن ذلك الأحمق يأمر وينهى، ويعتقد أنه يجب على الآخرين طاعته مع أنه ليس بخالق ولا رب، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق ألا يكون هذا غاية الحماقة؟
وينهى من؟ ينهى عبدا، والتنكير هنا يفيد أمورا منها: الدلالة على كون العبد كاملا فى العبودية، كأنه يقول: إنه عبد لا يفى العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه فى عبوديته، يصدق هذا المعنى ما روى من أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر فى أيام خلافته فقال: أخبرنى عن أخلاق رسولكم، فقال عمر: اطلبه من بلال فهو أعلم به منى.
ثم إن بلالا دله على فاطمة ثم فاطمة، دلته على على ﵃ فلما سأل عليّا عنه قال:
صف لى متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه، فقال الرجل: هذا لا يتيسر لى، فقال على: عجزت عن وصف متاع الدنيا، وقد شهد الله على قلته حيث قال: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]. فكيف أصف أخلاق النبى وقد شهد الله تعالى بأنه عظيم حيث قال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم]، فكأنه تعالى قال: ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عن الجهل الحمق.
كما يدل التنكير على أن هذا النهى كان دأبه وعادته فينهى كل من يرى وهذا أبلغ فى الندم.
كما أن هذا له دلالة كذلك فى التخويف لكل من نهى عن الصلاة، ويستمر التعجب فى خطاب الله سبحانه لرسوله ﷺ : أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢)؟
[العلق] وهذا ينسجم مع الخطاب السابق أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً، وينسجم مع الخطاب اللاحق: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)؟ ويكون المعنى: أرأيت إن كان هذا الكافر على الهدى، أى صار على الهدى، واشتغل بأمر نفسه، أما كان يليق به ذلك
стр. 80
إذ هو رجل له عقل وذو ثروة، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى، أما كان ذلك خيرا له من الكفر بالله والنهى عن طاعته؟ فكيف فوت على نفسه المراتب العالية، ووقع بالمراتب الدنيئة؟ وهذا الخطاب المبكر لرسول الله ﷺ فى الآيات الأولى وفى بداية الدعوة، والمتضمن لما كان ينبغي أن يكون عليه هذا الناهى عن الصلاة، وهو أن يكون على الهدى أو أن يكون آمرا بالتقوى، فالذى شق على أبى جهل من الرسول ﷺ أمران: الصلاة والدعاء إلى الله؛ فالرسول الكريم كان يرى فى أحد هذين الأمرين ويدعى إلى ذلك كل مؤمن، وهو كذلك سبيل الخروج من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وأن يكون فى إصلاح نفسه وذلك بفعل الصلاة، وفى إصلاح غيره وذلك بالأمر بالتقوى كما كان ﵊ فى صلاته على الهدى وآمرا بالتقوى؛ لأن كل من رآه وهو فى الصلاة كان يرق قلبه فيميل إلى الإيمان، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل، وهو أقوى من الدعوة بلسان القول، وهذا كان يطغى أبا جهل وهذا يدعو إلى العجب.
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣)؟ ويستمر الخطاب مع رسول الله ﷺ لبيان حال هذا المستغنى الطاغى الذى كذب بالدلائل القوية السابقة المذكورة فى الآيات الكريمة من الخلق والرزق والكرم والتعليم وتولى عن طاعة مولاه بل منع غيره عن الطاعة، أيعلم بعقله السليم أنه على الباطل وأنه لا يفعل ذلك إلا عنادا أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) يرى منه هذه الأعمال القميئة ويعلمها، أفلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال؟
ولذلك نجد هنا الضابط الآخر والمهم فى ضبط السلوك الإنسانى، وهو يعين الإنسان بمراقبة الله له، وأنه يسمعه ويراه فهذا يعصم الإنسان من الطغيان، ويعصمه من الظلم لنفسه وللناس، وهذا المبدأ العاصم الذى يقرر منذ اللحظات الأولى فى عمر الدعوة المباركة يفصل تفصيلا بعد ذلك فى آيات الكتاب العزيز، وفى أحاديث النبى ﷺ ليجعل من المسلم محسنا فى أقواله وأفعاله وأحواله فيعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتختم السورة بمضامين تحتاج إلى تفصيل نذكرها إجمالا:
أولا: الذى يقع فى دائرة الطغيان لنفسه ولغيره يعرض نفسه للعقوبة التى تلائم طغيانه.
ثانيا: عقوبة تجاوز حدود الله فى الدنيا والآخرة.
ثالثا: التوجيه للمؤمنين بعدم السير فى ركاب الطغاة وطاعتهم والاستقامة على وحى الله وهديه.
стр. 81
تفصيل ما تضمنته سورة العلق
وتأتى الآيات بعد ذلك للردع والزجر لتذكّر بما سيصيب هؤلاء الطغاة فيقول الله تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق].
فهذا ردع لأبى جهل ومنع له عن نهيه عن عبادة الله تعالى، وأمره بعبادة اللات وما يفهم من (كلا) كذلك: كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول من أنه يقتل محمدا أو يطأ عنقه بل إن تلميذ محمد هو الذى يقتله ويطأ صدره. ومن المعانى التى قال بها مقاتل كذلك: كلا لا يعلم أن الله يرى وإن كان يعلم لكن إذا كان لا نفع بما يعلم فكأنه لا يعلم. ثم يقول تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ أى عما هو فيه مما سبق ذكره لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥)، والسفع له وجوه من المعانى منها: لنأخذنه بناصية، ولنسحبنه بها إلى النار، فيكون السفع هنا بمعني القبض على الشيء وجذبه بشدة، ومثال ذلك قوله تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) [الرحمن]، ومنها السفع الضرب أى لنلطمن وجهه ومنها: لنسودن وجهه قال الخليل: تقول للشيء إذا لفحته النار لفحا يسيرا يغير لون البشرة: قد سفعته النار، قال: والسفع: ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر، سميت بذلك لسوادها، قال: والسفعة: سواد فى الخدين، وبالجملة فتسويد الوجه علامة الإذلال والإهانة. ومنها: لَنَسْفَعاً قال ابن عباس فى قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم] إنه أبو جهل ومنها: لنذلنه.
وهذا التهديد لهذا الطاغية من الله- جل فى علاه- جزاء وفاقا، ويذيقه للطغاة فى الدنيا والآخرة، وإن كانت الآخرة أشد وأبقى، فالسفع- هنا- لهذا الطاغية يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار فى الآخرة، وأن يكون المراد منه في الدنيا وذلك لما يلى:
أولا: ما روى من أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يصلى لأطأن عنقه، فأنزل الله هذه الآيات، وأمر جبريل رسول الله ﷺ أن يقرأ على أبى جهل ويخر لله ساجدا فى آخرها، ففعل فقدم إليه أبو جهل ليطأ عنقه، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعا،
стр. 82
فقيل له: ما لك؟ قال: إن بينى وبينه فحلا فاغرا فاه لو مشيت إليه لالتقمنى.
ثانيا: إن الله تعالى مكن المسلمين من ناصيته يوم بدر لما لم ينته عن غيه وطغيانه، فروى أنه لما نزلت سورة الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) قال ﵊ لأصحابه: من يقرؤها منكم على رؤساء قريش، فتثاقلوا مخافة أذيتهم فقام ابن مسعود وقال: أنا يا رسول الله فأجّله الرسول ﷺ ثم قال: من يقرؤها عليهم؟ فلم يقم إلا ابن مسعود، ثم ثالثا كذلك إلى أن أذن له، وكان ﷺ يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جسمه، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة، فافتتح قراءة السورة فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه ورماه، فانصرف وعيناه تدمع، فلما رآه النبى- ﵊ رق قلبه، وأطرق رأسه مغموما فإذا جبريل ﵇ يجيء ضاحكا مستبشرا فقال: يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكى؟ فقال: ستعلم، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ فى المجاهدين، فأخذ يطالع القتلى، فإذا أبو جهل مصروع يخور، فخاف أن تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح فى منخره من بعيد فطعنه، دليل هذا قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم]، ثم لما عرف عجزه، ولم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: لقد ارتقيت مرتقى صعبا، فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فقال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلىّ منه فى حياتى، ولا أحد أبغض إلىّ منه حال مماتى، فروى أنه- ﵊ لما سمع ذلك قال:
«فرعونى أشد من فرعون موسى، فإنه قال: آمَنْتُ [يونس: ٩٠] وهو قد زاد عتوا»، ثم قال أبو جهل لابن مسعود: اقطع رأسى بسيفى هذا؛ لأنه أحد وأقطع، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله ﷺ ، وجبريل بين يديه يعلمه ويقول: يا محمد أذن بأذن، ولكن الرأس هاهنا مع الأذن.
ثالثا: أخرج الترمذى وغيره عن ابن عباس قال: كان النبى ﷺ يصلى فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبى ﷺ ، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر منى، فأنزل الله فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) [العلق] قال الترمذى: حسن صحيح، وقال ابن عباس ﵄: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية من ساعته معاينة، وقيل هذا إخبار من الله تعالى بأنه يجر فى الدنيا كالكلب، وقد فعل به
стр. 83
ذلك يوم بدر، وقيل: بل هذا إخبار بأن الزبانية يجرونه فى الآخرة إلى النار.
ويكون التوجيه الأخير فى السورة الأولى: ألا يعبأ أهل الطاعة بأهل المعصية، وألا يخافوهم، وألا يطيعوهم بل عليهم أن يستقيموا على صراط الله المستقيم: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق] فلا طاعة للكافرين، وصل واخضع لأمر ربك وابتغ بسجودك قرب المنزلة من ربك، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والله ينصرك ويقويك.
هذه مجموعة المبادئ الأولى فى السورة الأولى، فماذا من آيات كريمة نزلت بعد هذه الآيات؟ وماذا تضمنت من مبادئ وقيم وتوجيهات؟ هذا ما نتناوله إن شاء الله فى
الصفحات الآتية.
стр. 84
سورة «القلم»
ونتدبر روضة ثانية من روضات القرآن الكريم، مع السورة الثانية من سور التنزيل والتى تلا سورة العلق وهى سورة «ن» أو «القلم»، والسورة كلها مكية فى قول الحسن وعكرمة وجابر «١»، وأما ابن عباس وقتادة فيذهبان إلى التفصيل فى ذلك فيذكران أن فى السورة آيات مكية وآيات مدنية؛ فمن أولها إلى قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) مكى، ومن قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إلى قوله تعالى:
كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) مدنى، ومن قوله تعالى:
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) إلى قوله تعالى: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) [القلم] مدنى، وما بقى مكى «١».
وأخرج ابن أبى حاتم: أن أبا جهل قال يوم بدر: خذوهم أخذا فاربطوهم فى الحبال، ولا تقتلوا منهم أحدا، فنزلت: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [القلم: ١٧] «٣». وهذا ما دعا إلى التفضيل فى مكيّها ومدنيها من الآيات الكريمة، إلا أن التأمل فى مضمون هذه السورة الكريمة يرجح أنها نزلت دفعة واحدة، أو نزلت على دفعات متتابعة بعد سورة العلق على التفصيل الذى ذكر سابقا فى سورة العلق. فبعد إرساء مجموعة من المبادئ فى السورة الأولى، وبعد استماع الناس لها، وبعد رؤيتهم لرسول الله ﷺ وهو يصلى ونهى أبى جهل له، وبعد الدعوة إلى التأمل والتعلم لبناء النفس والمجتمع يأتي التنزيل الحكيم بهذه السورة الكريمة التى تدور حول محور «هو وهم» الداعى والمدعو، رسول الله ﷺ والناس، وتبدأ بهذا القسم الذى استوقف ابن القيم، ووفق فى الربط بينه وبين مضمون سورة العلق، حيث وجدنا من المبادئ التى أرساها مبدأ القراءة والتعلم بالقلم لنجد التنويه بأداة التعلم قراءة وكتابة فى سورة «القلم»، فيقول الله تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) يقول ابن القيم: الصحيح أن «ن» و «ق» و «ص» من حروف الهجاء
стр. 85
التى يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور، وهى أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة، ولم تذكر قط فى أول سورة إلا وأعقبها بذكر القرآن؛ إما مقسما به وإما مخبرا عنه، ما خلا سورتين سورة «كهيعص»، و «ن».
كقوله تعالى: الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة]، وقوله جل شأنه: الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [آل عمران]، وقوله تعالى: المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف]، وقوله تعالى: المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ [الرعد: ١]، وهكذا ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف، وعظم قدرها وجلالتها إذ هى مبانى كلامه وكتبه التى تكلم سبحانه بها، وأنزلها على رسله، وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده، وعرفهم بها الخير والشر، والحسن والقبيح، وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما فى أنفسهم بأسهل طريق وأقل كلفة ومشقة، وأوصله إلى المقصود وأدله عليه، وهذا من أعظم نعمه عليهم، كما هو من أعظم آياته، ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم، وامتنّ على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان فى ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته، وكمال إحسانه وإنعامه، فهى أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات، فهى دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله.
وقد جمع سبحانه بين الأمرين- أعنى القرآن ونطق اللسان- وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال تعالى: الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) [الرحمن] فبهذه الحروف علم القرآن، وبها علم البيان، وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان، وبها أنزل كتبه، وبها أرسل رسله، وبها جمعت العلوم وحفظت، وبها انتظمت مصالح العباد فى المعاش والمعاد، وبها يتميز الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، وبها جمعت أشتات العلوم، وبها أمكن تنقلها فى الأذهان، وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة، وأقيلت بها من عثرة، وأقيمت بها من حرمة، وهدى بها من ضلالة، وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل، فآياته سبحانه فى تعليم البيان كآياته فى خلق الإنسان، ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل فى لحم ولا عصب. فسبحان من هذا صنعه فى هواء يخرج من قصبة الرئة فينغم فى الحلقوم، وينغرس فى أقصى الحلق، ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله، وعلى وسط
стр. 86
اللسان وأطرافه، وبين الثنايا، وفى الشفتين والخيشوم، فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف، فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض، فإذا هى كلمات قائمة بأنفسها، ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض فإذا هى كلام دال على أنواع المعانى أمرا ونهيا، وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا، وإقرارا وإنكارا، وتصديقا وتكذيبا، وإيجابا واستحبابا، وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب؛ نظمه ونثره وموجزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق، كل ذلك صنعته- ﵎ فى هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره، فى مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله، ثم تأليفه
وتوصيله، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين «١».
ومن تأمّل الإمام ابن القيم فى شأن الحرف المخلوق، وافتتاح السورة به، تدرك كيف تكون بدايات التنزيل تحريكا للعقول البشرية؛ لتفكر وتتأمل وتنظر وتتعلم، فالسورة الأولى بدئت بقوله تعالى: اقْرَأْ [العلق: ١]، ووجهت إلى التعليم، والسورة الثانية يذكر فى بدايتها مع صيغة قسم ما يذكر بالحروف وأداة الكتابة والتعلم.
ويأتى القسم الكريم، والذى يذكر بالحروف التى هى أوعية المعانى وأبنيتها، وبالقلم الذى هو أداة العلم وتسطيره، ليؤكد هذا القسم على أهمية العلم الذى ذكره فى السورة الأولى، وتأتى الآية الكريمة التالية؛ لتستنبط منها كيف أن الناس قد خاضوا فى شخصية الرسول ﷺ ، وأن بعضهم رماه بالجنون، وهذا يدل على أن حديث الوحى وما نزل من القرآن قد شاع بين الناس وانقسموا تجاهه بين مؤمن وكافر، وأن الكافرين قد سلكوا مسلك التحدى والعناد والمواجهة، ومن صور ذلك الخوض فى هذه الشخصية الكريمة التى صيغت على عين الله ﵎ وبفضله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) [الضحى]. فقالوا عنه:
«مجنون» فهل يعدون الخروج على باطلهم جنونا؟ وهل يعدون الذكر المنزل، والذى يحملهم ويشجعهم على الفكر والتعلم جنونا؟، وهل يعدون إنقاذه لهم من الضلال المبين الذى شمل عقائدهم وتصوراتهم وسلوكهم جنونا؟. إنّ الله يقسم ليسمعوا وليعلموا ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم].
стр. 87
فهذا هو رسول الله المبرأ من محاولات تشويه أعدائه والذى أعطاه الله أجرا غير مقطوع لصبره عليهم، وشهد له بأنه على خلق عظيم.
أما هم فستعلم ويعلمون من الذى به جنون. إنهم هم الذين فتنوا بالجنون وهم الذين ضلوا عن سبيل الله، وهم الذين كذبوا، وهم الذين يودون أن تركن إليهم، وأن تداهنهم على باطلهم. ومنهم الحلاف المهين، والعياب المغتاب، والساعى بالإفساد بين الناس. ومنهم المناع للخير، والبخيل بالمال عن الحقوق، والظالم الآثم، والغليظ الجافى، والدعى فى قريش على ماله الكثير وعلى البنين. إذا تليت عليهم آيات الله نسبها إلي أباطيل الأولين.
تذكر السورة الكريمة هذا لبيان الحالين فيقول تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم].
وذكر ما كان من حال المشركين فى بداية الدعوة مناكبة لطريقها إلى الناس، وتعليما للدعاة فى كل عصر أن الأمر لا يقابل بالتسليم المطلق من الجميع، بل يوجد من يقبل عليها طائعا، ومن يرفضها، بل ومن يواجهها مواجهة المحارب العنيد، كما أن سورة القلم فى هذه الآيات الكريمة تحذر من صفات يعيش عليها المشركون، وتدعو إلى التطهر منها، وعدم الوقوع فيها، والتشبه بالمشركين فى التخلق بها وهى أخلاق ذميمة؛ منها ما يتصل بعقيدة الإنسان، ومنها ما يتصل بشخصه ومنها ما يتصل بعلاقاته الاجتماعية وسلوكه العام.
وإذا انتقلنا إلى الآيات الكريمة التى نزلت بعد ذلك فى السورة نفسها وتركنا قليلا ما ذكر من أنه مدنى والذى يتمثل فى امتحان أهل مكة إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ [القلم: ١٧] نجد أن المعنى ينتقل من بيان وصف المشركين ووعيدهم إلى الحديث عن صفة المؤمنين، وبيان قيم جديدة تستحق الاهتمام والعناية فيقول تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) [القلم] فالقيمة الجديدة والتى سبق لها ذكر فى السورة الأولى هى قيمة
стр. 88
التقوى فقال تعالى فى سورة العلق: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) [العلق] وفى سورة القلم- هنا- بيان لمن اتصف وتخلق بها، وما أعد الله لهم من جنات النعيم.
ويوضع من تخلق بالقيم الجديدة التى جاء بها الإسلام فى كفة ميزان، ومن أجرم فى حق نفسه وفى حق غيره فى كفة أخرى، فهل يستوى من أسلم مع من أجرم؟.
قال ابن عباس ﵄ وغيره: قالت كفار مكة: إنا نعطى فى الآخرة خيرا مما تعطون فنزلت: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)، ثم وبخهم فقال: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) [القلم] هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين، أم لكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصى، وزاد فى التوبيخ فقال: أم لكم عهود ومواثيق مؤكدة علينا أن يدخلكم الله الجنة وليس الأمر كذلك، وسل يا محمد هؤلاء المتقولين على الله أيهم كفيل بما ذكر، وأيهم قائم بالحجة والدعوى. أم أن لهم شركاء يشهدون على ما زعموا إن كانوا صادقين في دعواهم فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم «١».
يقول الله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
[القلم].
وفى هذه الآيات المنزلة فى السورة الثانية إرساء لعقلية جديدة ناجحة ينبغى أن تنظر فى الأمور وأن تزن الأعمال والمواقف، وأن تلزم فى نظرتها الحجة والبرهان، وليس التخير بالهوى وإلا تسلك سبيل الادعاء.
وتستمر الآيات الكريمة المنزلة فى السورة الثانية فى تقديم الضوابط للسلوك الإنسانى حتى يستقيم وينهض من اعوجاجه، فتذكر باليوم الآخر الذى سبق ذكره فى السورة الأولى إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) [العلق] ولكن هنا فى السورة الثانية يقول الله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً
стр. 89
أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) [القلم].
قال ابن عباس ﵄: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة «١». وهذه الآية من بدايات البيان والتفصيل لهول يوم القيامة، وما يحدث للناس فيه، تقرع به الآذان لتستيقظ من غفلتها، ولتثوب إلى رشدها، ولتكون على يقين الرجعى إلى الله، فينضبط سلوكها فى الحياة. فعن أبى بردة عن أبى موسى قال: حدثنى أبى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فى الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس، فيقولون: إن لنا ربا كنا نعبده فى الدنيا ولم نره، قال: وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون: نعم، فيقال: فكيف تعرفونه ولم تروه، قالوا: إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إلى الله تعالى، فيخرون له سجدا، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصى البقر (يعنى قرونها) فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) «٢».
ويأتى التنبيه للربط بين العمل فى الدنيا والجزاء فى الآخرة على هذا العمل فى هذا المشهد الذى يدعى فيه هؤلاء إلى السجود فى هذا اليوم الشديد فلا يستطيعون، فإنهم كانوا يدعون فى الدنيا- وهى دار الأعمال- إلى هذا السجود فلم يستجيبوا من أجل هذا ذلت أبصارهم وذل حالهم فى الدار الآخرة.
وتنتقل الآيات الكريمة لتضع أمام الناس سنة من سنن الله مع خلقه ممن كذب بهذا الحديث، إنها سنة الاستدراج وهى الأخذ قليلا قليلا من حيث لا يعلمون، فلا يستعجلون وكذلك من سنته سبحانه أن يملى لهم فلا يعاجلهم بل يعطيهم ويمهلهم حتى إذا أخذهم كان أخذ عزيز مقتدر. يقول الله تعالى مسليا لرسوله ﷺ وهو يرى موقف من كذب بالوحى المنزل: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥). أى إن عذابى لقوى شديد فلا يفوتنى أحد.
وتستمر الآيات الكريمة فى بيان شأن المشركين المعرضين عن الوحى، والمعاندين لرسول الله ﷺ لتتساءل هل تثاقلهم عن الاستجابة نتيجة لطلبك منهم أجرا على ما تقدم
стр. 90
لهم من خير؟ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦). وفى هذا قطع للعوائق فليس رسول الله طالبا للأجر منهم بل هو الذى يبذل من نفسه وماله جهادا فى توصيل الخير إليهم فليطمئنوا إلى ذلك. أم أن هؤلاء ينزل عليهم وحى مما يقولون يخاصمونك به، وأنهم أفضل منكم، وأنهم لا يعاقبون، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون؟ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧).
فإذا ما انتقلنا إلى الآية الواحدة والخمسين من سورة القلم وتركنا ما قبلها مما ذكر أنه مدنى، رأينا الآية الكريمة تخبر رسول الله ﷺ بشدة عداوة الكافرين له، ومحاولتهم إصابته بعيونهم الحاقدة الحاسدة لما سمعوا النبى يقرأ القرآن، ونسبوه إلى الجنون.
وهكذا تأتى خاتمة السورة لتذكر بأولها فى تناسق بديع، وترابط قوى، ففي أولها القسم: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)، وفى ختامها وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢). فالقرآن الكريم ذكر للعالمين، والمنزل عليه القرآن ذكر للعالمين يتذكرونه به «١»، وقيل: معناه شرف أى القرآن كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤]، والنبى ﷺ شرف للعالمين أيضا شرفوا باتباعه والإيمان به ﷺ .
وأما ما ذكر من أنه مدنى فى آيات السورة الكريمة فإنه يتطابق مع محور السورة الكريمة فى الحديث عن النبى ﷺ والحديث عن المشركين.
وهذه الآيات هى قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)
وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
(٣٣).
فالصلة بين حديث الآيات السابقة عن المشركين، وهذه الآيات قوية لدرجة ترجح
стр. 91
نزول هذه الآيات جميعا دفعة واحدة، فالمراد بالابتلاء هنا أهل مكة، والمعنى:
أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ليبطروا فلما بطروا وعادوا محمدا ﷺ ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم.
وأما الآيات الأخرى والتى يذكر أنها مدنية فى السورة فقوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠).
وفى هذه الآيات تدعيم لشخصية النبى ﷺ وتقويتها بالصبر فى مواجهة كيد المشركين؛ وذلك بتقديم صور من النماذج السابقة لطلب الفائدة منها، وهذا التدعيم سنراه جليا ومتتابعا بعد ذلك، ومنه ما جاء فى الآيات التى تلت آيات سورة القلم فى السورة الثالثة وهى سورة «المزمل».
стр. 92
سورة «المزمل»
ومع روضة جديدة من رياض الذكر الحكيم مع سورة «المزمل» والتى نزلت بعد سورة «القلم»، وهى مكية كلها فى قول الحسن وعكرمة وجابر، وأما ابن عباس وقتادة فيستثنيان آيتين منها وهما قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) [المزمل].
كما يروى الإمام أحمد ﵀ فى مسنده ما ذكره سعيد بن هشام من أسئلته لأم المؤمنين عائشة ﵂ حيث قال: «قلت: يا أم المؤمنين أنبئينى عن خلق رسول الله ﷺ ، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن فهممت أن أقوم ثم بدا لى قيام رسول الله ﷺ . قلت: يا أم المؤمنين أنبئينى عن قيام رسول الله ﷺ ؟ قالت: ألست تقرأ هذه السورة «يا أيها المزمل»؟ قلت: بلى.
قالت: فإن الله افترض قيام الليل فى أول هذه السورة فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله تحتها فى السماء اثنى عشر شهرا ثم أنزل الله التخفيف فى آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة.
فهممت أن أقوم ثم بدا لى وتر رسول الله ﷺ ، فقلت: يا أم المؤمنين أنبئينى عن وتر رسول الله ﷺ ، قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلى ثمانى ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم ينهض وما يسلم، ثم يقوم ليصلى التاسعة ثم يقعد فيذكر الله وحده ثم يدعوه، ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم فتلك إحدى عشرة ركعة يا بنى، فلما أسنّ رسول الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما سلم فتلك تسع. يا بنى وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا أثقله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة، ولا أعلم رسول الله ﷺ قرأ القرآن كله فى ليلة حتى أصبح، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان» «١». روى ذلك الإمام أحمد بتمامه، وقد أخرجه الإمام مسلم فى صحيحه من حديث قتادة نحوه.
стр. 93
وعلى ذلك يكون بين نزول الآيات الأولى من السورة والآيات الأخيرة فيها عام.
ويؤيد ذلك أيضا ما ذكره ابن أبى حاتم حيث قال: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن سمّاك الحنفى سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول «المزمل»، كانوا يقومون نحوا من قيامهم فى شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة، وهكذا رواه ابن جرير وقال الثورى ومحمد بن بشر العبدي كلاهما عن مسعر، عن سماك، عن ابن عباس: كان بينهما سنة، كما روى ابن جرير عن أبى كريب، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن قيس بن وهب عن أبى عبد الرحمن قال: لما نزلت: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قاموا حولا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠]، قال: فاستراح الناس، وقال هذا أيضا الحسن البصرى والسدى «١».
وفى أسباب نزول السورة الكريمة نجد رواية جابر والتى أوردها ابن كثير فى تفسيره وفيها يقول: اجتمعت قريش فى دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما يصد الناس عنه. فقالوا: كاهن، قالوا: ليس بكاهن، قالوا: مجنون، قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبى ﷺ فتزمل فى ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ «٢».
والمزمل هو المتغطى بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف قد حصل لرسول الله ﷺ قبل نزول هذه السورة الكريمة فى أول لقاء جبريل ﵇ برسول الله
ﷺ فى غار حراء على التفصيل الذى جاء فى رواية الإمام البخارى ﵀، حيث عاد النبى ﷺ إلى أم المؤمنين خديجة ﵂ يرجف فؤاده ويقول: «زملونى. زملونى» كما أن المزمل تتسع كذلك لتشمل معنى المتزمل للنبوة؛ أى المستمر المجد فى أمرها «٣».
وعلى الأمرين فإن السورة الكريمة تنزل؛ لتدعم الشخصية المحمدية فى مواجهة ما يحيط بالرسول الكريم من تحديات، فالأمر قد انتشر واشتهر وظهرت الأحقاد واشتدت الخصومات، وظهر الكيد والتدبير من المعاندين، ولا بدّ من تبصير النبى ﷺ بطبيعة الأمر
стр. 94
من كل جوانبه فالمسئولية كبيرة والمهمة خطيرة، والتحديات كبيرة ومستمرة، ولا بدّ من تدعيم المؤمنين ليصمدوا وليثبتوا وليكونوا فوق الأحداث وأكبر من التحديات، وسبل التدعيم فى هذه المرحلة المبكرة كما يلى: قيام الليل فهو مدعم للنفس ويقويها، وتوجيه هذا الأمر إلى النبى ﷺ فيه معنى آخر فى البناء النفسى وهو جانب الأسوة فى رسول الله ﷺ ، فهو يضع أمامهم ما يؤمر به، وهم يقتدون به، وبهذا شهد القرآن الكريم لهم، وبدأ قيام الليل بصورة تلائم شدة الموقف، وتمنح النفس قوة تتجاوز بها المخاطر، وتشد بها العزائم فتهون المحن، وتذلل الصعاب، فقيام الليل المأمور به أول الأمر يشمل نصف الليل، أو أقل من النصف بقليل أى نحو الثلث، أو يزيد على النصف فيكون نحو الثلثين.
وقبل أن نذكر بقية المدعمات نذكر أن قيام الليل سيجمع عددا من هذه المدعمات الطيبة؛ ولذلك فقيام الليل مع مضمون هذا القيام يكون هذه الشخصية القوية التى تقترب من ربها، وتنجو من آثار سيئاتها، وتطرد الأسقام عن البدن. فالقوة- إذن- فى قيام الليل قوة مادية وقوة معنوية. فعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد»، رواه الطبرانى فى الكبير ورواه السدى فى الدعوات من الجزء الأول منه «١».
قيام الليل جامع لعناصر أخرى من هذه المدعمات منها: ترتيل القرآن الكريم، والترتيل هو التمهل والمد وإشباع الحركات وبيان الحروف، وذلك يعين على التفكر فى معانى القرآن الكريم «٢». فإذا أضفنا الترتيل إلى قيام الليل، فإن أوقات الليل كما تشهد لها الآيات: وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) [المزمل]؛ لخلو الذهن من المشاغل والبعد عن مزعجات الأصوات والحركة، فالليل مقترن بالسكون والبعد عن الشواغل من بشر أو أعمال.
وأما صلة الترتيل بهذه الهيئة وتدعيم النفس فقوية وواضحة؛ فإن الترتيل سيجعل المرتل دائم الاستيعاب لمعانى القرآن الكريم، وما أنزل من توجيهات، فيتفاعل معها وتهديه للتى هى أقوم فى كل شىء.
وذكر هذا فى بدايات التنزيل مع الأمر الأول فى قوله تعالى: اقْرَأْ [العلق: ١]
стр. 95
تربية عملية وتوجيه للنبى ﷺ ولأمته أن تكون صلتهم بما نزل إليهم مستمرة فبهذا الذكر حياتهم، وعطاء القرآن الكريم لهم عطاء متجدد ومستمر فعليهم أن يتعاهدوه بالترتيل والتدبر لينتفعوا به، ولتقوى به نفوسهم.
ومن المدعمات كذلك وضوح الرؤية أمام الإنسان ليقدر الأمور على حقيقتها وليهيئ نفسه على حجمها، ولا يفاجأ بما لم يحسب له حسابا: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) وقيل فى هذا الوصف خمسة أقوال: أحدها: أنه يسمى ثقيلا لما كان النبى ﷺ يلقاه من الشدة عند نزول الوحى عليه، حتى أن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد، وقد كان يثقل جسمه- ﵊ بذلك حتى إذا أوحى إليه وهو على ناقته بركت به، وأوحى إليه وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن ترض فخذ زيد. الثانى: أنه ثقيل على الكفار بإعجازه ووعيده. الثالث: أنه ثقيل فى الميزان. الرابع: أنه كلام له وزن ورجحان. الخامس: أنه ثقيل لما تضمن من التكاليف والأوامر والنواهى، وهذا الوجه الأخير اختيار ابن عطية «١».
ومن دعائم بناء النفس المسلمة وضع الأمور فى مواضعها فالنهار مجال للتصرف فى الأشغال، والليل للسكن والعبادة الصافية.
ومن المدعمات ذكر الله سبحانه، فبه تطمئن القلوب، وتقوى العزائم، ويتجدد الأمل، وفيه التبتل وهو الانقطاع إلى الله، والإنابة إليه أى تخليص القلب من التعلق بالخلائق رغبة ورهبة وعملا.
وفيها التوكل على الله وتفويض الأمر كله إليه؛ فهو الحافظ والمدبر للأمور كلها: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩).
ومنها الصبر على أذى الأعداء فى أقوالهم وأفعالهم، فلا تتأثر النفس بقول العدو ولا ينبغى أن يؤثر فيها.
ومنها الهجر الجميل للعدو، حيث اقتضت المصلحة الهجر الذى لا أذية فيه بل يعاملهم بالهجر والإعراض عن أقوالهم التى تؤذيه، ويستمر فى دعوتهم وجدالهم بالتى هى أحسن.
стр. 96
ومنها اليقين فى وعد الله ووعيده فيما يراه المؤمنون من أحوال المسلمين وغيرهم فى القبض والبسط فى الرزق فإنما هو بتقدير الله وتيسيره فكثرة النعم مع الكفر لا تعنى الإهمال، وقلة النعم مع الإيمان لا تعنى الغضب من الله: ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣).
وعلى ذلك فإن الجزاء ليس فى الدنيا وحدها بل الآخرة هى دار الجزاء وتكرار ذكرها حتى لا تنسى يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا (١٤).
وهذا الأمر من الجزاء الدنيوى والجزاء الأخروى ينبغى أن يكون واضحا لدى الناس جميعا والصورة التاريخية ينبغى أن يقرأها المعاندون؛ لأن التجارب التاريخية مكررة، وما حدث للأولين يحدث للآخرين، فالله أرسل إليكم رسولا يشهد عليكم فاقرءوا ما حدث للرسل وأقوامهم، فقد أرسل الله رسوله إلى فرعون فعصى فرعون الرسول فأخذ فى الدنيا مع عذاب الآخرة: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩).
ومنها: تقدير مسئولية الإنسان عن اختياره ومشيئته فإن الله تعالى أقدر العباد على أفعالهم ومكنهم منها «١» فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩).
ومنها: اليقين فى وعد الله لعباده المؤمنين من البشرى على أعمالهم الطيبة، فقد شهد الله لرسوله وللمؤمنين معه بامتثال ما أمروا به من قيام الليل على مشقته، ووجود الأعذار معهم وخفف عنهم، وفى هذا توجيه بتقدير العاملين ومكافأتهم حتى يزدادوا نشاطا: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ.
وفى هذا تبشير للمؤمنين فى تلك الفترة أن العاقبة لهم، وأن النصر حليفهم، وأنهم سيمنحون الحياة المستقرة، منهم من يضرب فى الأرض يبتغى من فضل الله، ومنهم من يخرج مقاتلا فى سبيل الله، فمع وجود هذه الأعذار خذوا من الأعمال ما
стр. 97
تطيقون: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠).
هذه مجموعة المدعمات التى جاءت فى سورة المزمل تثبيتا لفؤاد النبى ﷺ ، وتدعيما له ولمن معه فى مواجهة التحديات.
стр. 98
سورة «المدثر»
ومع روضة أخرى من رياض الذكر الحكيم مع سورة «المدثر»، والتى نزلت بعد سورة «المزمل» وهى مكية فى قول الجميع «١»، وهى ست وخمسون آية، والمدثر هو:
الذى قد تدثر بثيابه، أى تغشى بها ونام، وجاء فى سبب نزولها ما جاء فى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ وكان يحدث، فقال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحى: «فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالسا على كرسى بين السماء والأرض، قال رسول الله ﷺ :
«فجئثت منه فرقا- أى ذعرت وخفت «٢» - فرجعت فقلت: زملونى زملونى، فدثرونى فأنزل الله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)».
ثم تتابع الوحى والخطاب «٣» فى هذه السورة الكريمة- كما كان فى السورة السابقة سورة المزمل فيه ملاطفة، إذ ناداه الكريم سبحانه بحاله، وعبر عنه بصفته ولم يقل:
يا محمد، ويا فلان؛ ليستشعر اللين ومثل ذلك فى الأساليب قول النبى ﷺ لعلى ﵁ إذ نام فى المسجد: «قم أبا تراب»، وكان خرج مغاضبا لفاطمة ﵂، فسقط رداؤه، وأصابه ترابه، أخرجه مسلم. وهذه الملاطفة كان لها وقعها الكريم، وهى عنصر من عناصر التكوين النفسى لمواجهة التحديات الخطيرة فى تلك الفترة فالمشركون يكيدون كيدا، ويقفون فى طريق الدعوة، ويحاولون تشويه شخصية النبى ﷺ لدى من لا يعرفه من القادمين إلى
مكة، ويتعرضون بالأذى للنبى ﷺ ولمن آمن معه فكان- كما سبق أن ذكرنا مع سورة المزمل- البناء والتدعيم من الله تعالى لرسوله ﷺ وللمؤمنين.
ويستمر هذا العطاء الكريم فى هذه السورة الكريمة ففي المزمل قال الله لرسوله:
«قم»، وفى المدثر قال له أيضا: «قم»، ولكن القيام السابق فى المزمل قيام الليل لبناء النفس وتقويتها فى حسن وقوفها بين يدى الله فى صلاة خاشعة، وفى المدثر قيام بهذه النفسية القوية لمواجهة الناس بالإنذار مع استمرار التدعيم والتقوية لاستمرار عناد
стр. 99
المشركين وتحديهم، فقد اجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصى بن وائل ومطعم بن عدى، وقالوا: قد اجتمعت وفود العرب فى أيام الحج، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد اختلفتم فى الإخبار عنه، فمن قائل يقول: مجنون، وآخر يقول: كاهن، وآخر يقول: شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع فى رجل واحد، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه وتسميه العرب به، فقام منهم رجل فقال: شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام ابن الأبرص، وأمية بن أبى الصلت، وما شبه كلام محمد كلام واحد منهما، فقالوا:
كاهن، فقال: الكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط، فقام آخر فقال:
مجنون، فقال الوليد: المجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط. وانصرف الوليد إلى بيته، فقالوا: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل، وقال: مالك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونك، زعموا أنك قد احتجت وصبأت فقال الوليد: ما لى إلى ذلك حاجة، ولكن فكرت فى محمد، فقلت: ما يكون من الساحر؟ فقيل: يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلت: إنه ساحر. شاع هذا فى الناس وصاحوا يقولون: إن محمدا ساحر.
ورجع رسول الله ﷺ إلى بيته محزونا، فتدثر بقطيفة ونزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) نزلت بما يقوى نفس النبى ﷺ ونفوس أصحابه، وبما بين حال هؤلاء المعاندين المشوهين، وما توعدهم الله به من عقاب، ويذكر الناس باليوم العسير على الكافرين، ويكون التدعيم والتقوية النفسية بما يلى فى هذه السورة الكريمة:
«النشاط فى الدعوة والإعلان بها» يتمثل ذلك فى قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) أى قم بجد ونشاط، ودع التدثر لتواجه أهل مكة بتخويفهم وتحذيرهم العذاب- إن لم يسلموا- وهذا يؤكد أن ما نزل سابقا من القرآن الكريم، ومن أمر الدعوة قد انتشر بين الناس، وأن الكافرين يصدون الناس عن اتباع الهدى والحق، فهم فى حاجة إلى الإنذار، فلا تحزن على ما يفعلون، وواجه هؤلاء بتخويفهم وبيان عاقبة كفرهم وعنادهم.
«التكبير والتقديس والتنزيه لله سبحانه» وذلك يمنح النفس قوة فلا ترى فعلا إلا له، ولا نعمة إلا منه، ولا تتخذ النفس وليا غيره، ولا تعبد سواه كما أن وصف الرب ب «أكبر» فذلك- أيضا- ينبه ويحذر الكافرين من اتخاذ الأنداد والأصنام، ولذلك روى أن أبا سفيان لما قال يوم أحد: أعل هبل، قال النبى ﷺ :
«قولوا الله أعلى وأجل».
стр. 100
ولذلك لمّا قرأ النبى ﷺ : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) قام وقال: الله أكبر، فكبرت خديجة وعلمت أنه الوحى من الله تعالى وصار هذا اللفظ فى تكبير العبادات كلها أذانا- بعد ذلك- وصلاة وذكرا، وصار من موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله تخليصا له من الشرك وإعلانا باسمه فى النسك.
«طهارة المظهر» فالدعوة التى جاء بها رسول الله ﷺ إلى الناس لا تفرق بين ظاهر وباطن، بل تجمل الاثنين معا وترى أنهما مترابطان وينبغى أن يكونا معا ظاهرين، فتبنى النفس على الطهر ويجمل الظاهر كذلك بالطهر، فالمسلم جميل نظيف طاهر فى مجتمعه وينبغى أن يرى الناس منه ذلك: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)، ولذلك جاء فى بيان هذه الآية الكريمة أقوال متضافرة لأداء هذا المعنى، فمنها: تطهير الثياب الظاهرة، ومنها: الأعمال كلها يقصد بتطهيرها؛ تخليصها والنصح بها وإبقائها على أكمل الوجوه وتنقيتها من المبطلات والمفسدات والمنقصات ومن شر ورياء ونفاق وعجب وتكبر وغير ذلك.
ومن مدعمات النفس فى سورة «المدثر» ما جاء فى قوله تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وجاء فى بيان الرجز ما ذكره مجاهد وعكرمة من هجر الأوثان، ودليله قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠] وأما ابن عباس يزيد على هذا المعنى هجر المآثم أى تركها ويذكر ذلك أيضا إبراهيم النخعى حيث يقول: الرجز الإثم، والرّجز والرّجز لغتان مثل الذّكر والذّكر، وأصل الرجز: العذاب، قال الله تعالى:
لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ [الأعراف: ١٣٤]، وقال تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ [الأعراف: ١٦٢]، فسميت الأوثان رجزا لأنها تؤدى إلى العذاب وكذلك الآثام، وتكون تقوية النفس- إذن- بهجر أصل الشرور والآثام من الشرك والتعلق بالأوثان، واقتران الآثام بالبناء المبكر للنفس المسلمة يأخذ بيدها جملة وتصفيتها ظاهرا
وباطنا.
ثم يأتى توجيه آخر فى تدعيم النفس يتمثل فى قوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦). وهذا بناء قوى تحتاجه النفس المسلمة فى هذا الوقت المبكر، ورسول الله ﷺ إمام المربين وقدوة المؤمنين فيخاطب فى هذه السورة بجملة هذه الآداب والأخلاق، فالنعمة عظيمة وهى منة الله على خلقه جميعا، والأذى شديد من المشركين ولا بدّ من توجيه النفس حتى تضع كل أمر فى موضعه، فلا تمنن النفس على الرب سبحانه بما تتحمله من أثقال، ولا تضعف أن تستكثر من الخير، ولا تعظم النفس عملها فى عينها، فإنه مما أنعم الله به عليها قال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من
стр. 101
نفسك، إنما عملك منّة من الله عليك إذ جعل الله لك سبيلا إلى عبادته. كما أنه لا ينبغى للنفس أن تمن على الله بالعمل فتستكثره، وإذا قامت النفس بعمل جليل فليكن تعلقها فى طلب الأجر والثواب من الله وليس من الناس.
هذه المعانى وغيرها قيلت فى بيان هذه الآية الكريمة، وأظهرها ما قاله ابن عباس ﵄: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال، يقال: مننت فلانا كذا، أى أعطيته، ويقال للعطية: المنة، فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا ارتقاب ثواب من الخلق عليها؛ لأنه ﵊ ما كان يجمع الدنيا، ولهذا قال: «ما لى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم»، وكان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث؛ لأنه كان لا يملك لنفسه الادخار والاقتناء وقد عصمه الله تعالى عن الرغبة فى شىء من الدنيا، ولذلك حرمت عليه الصدقة وأبيحت له الهدية فكان يقبلها، ويثيب عليها. وقال: «لو دعيت إلى كراع لأجبت (والكراع مسترق الساق من الرجل) ولو أهدى إلىّ ذراع لقبلت».
والنفس تقوى بهذا التوجيه الكريم، لأنها سترى المنة فى كل شىء لله سبحانه فلن يكون العمل إلا له، ولن يكون التعلق إلا به، ولن يكون الطمع إلا فى رحمته وثوابه، ولن تستكثر شيئا من الأعمال التى ترضيه، فلو أطاع ابن آدم ربه العمر كله من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض الشكر.
ثم نجد التوجيه الكريم المتكرر فى بناء النفس، والذى وجدناه فى السور السابقة وهو الأمر بالصبر لله وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) أى ولسيدك ومالكك فاصبر على أداء رسالته وعلى حسن عبادته، وعلى ما أوذيت فى سبيله، وعلى ما حملت من أمر عظيم، وعلى مواجهة التحديات الخطيرة من قبل المشركين، وعلى موارد القضاء، وعلى البلوى، وعلى الأوامر والنواهى، وعلى فراق الأهل والأوطان. وكل ذلك كان يتعرض له المؤمنون فى تلك الفترة.
فهذه مجموعة من المدعمات فى أول سورة المدثر تتبع ببيان ما ينبغى أن يحسب الناس له حسابا من اليوم العسير على الكافرين: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) وعلى ذلك تعطى الآيات لرسول الله ﷺ مادة الإنذار باليوم الآخر ثم تقديم الإنذار فى عرض نموذج لرجل من الكافرين خص بكفر النعمة، وإيذاء الرسول ﷺ وكان يسمى بالوحيد فى قومه.
стр. 102
قال ابن عباس ﵄: كان الوليد يقول: أنا الوحيد بن الوحيد ليس لى فى العرب نظير ولا لأبى المغيرة نظير وكان يسمى بالوحيد فقال الله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) أى وحيدا بزعمه لا أن الله تعالى صدقه بأنه وحيد، وذرنى ومن خلقت وحيدا تهديد ووعيد لهذا المتكبر الذى حمله كبره على الكفر بالنعم والإيذاء لك وللمؤمنين، ويرى مجاهد أن هذه الصفة تعنى كيف خلق وحيدا فى بطن أمه لا مال له ولا ولد، فأنعم الله عليه فكفر، وقيل: الوحيد الذى لا يعرف أبوه، وكان الوليد معروفا بأنه دعى كما جاء فى تفسير قوله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) [القلم] فهو فى صفة الوليد أيضا «١».
فالإنذار باليوم الآخر والإنذار بتقديم النماذج البشرية الفاسدة وما توعد الله به هذه النماذج من أساليب التربية المبكرة مع نزول السور الأولى من سور التنزيل الكريم.
لقد أشرنا إلى تقديم سورة المدثر لوجهين من وجوه الإنذار التى ينبغى أن يعرفها الناس، الأول: التذكير باليوم العسير على الكافرين، الثانى: تقديم نموذج للبشر يظهر ما منح من نعم كانت تقتضى التعرف على المنعم وتقديم الشكر له والاستجابة لأمره ونهيه، ولكن حدث غير هذا ففصلت الآيات الكريمة مظاهر هذه النعم، ومظاهر عناده ورتبت العقوبات الرادعة، فيكون الإنذار بالخبر، ويكون كذلك بمعاينة النماذج التى عاصرت نزول الوحى، ويشاهدها الناس ويعرفونها معرفة يقينية فيقول الله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) فهو الوحيد- كما زعم- بمعنى، خلقه الله وحيدا فى بطن أمه لا مال له ولا ولد فأنعم الله عليه، فكفر «١».
ومظاهر النعم التى يعرف بها، المال والبنون، فالمال جعله الله له ممدودا أى خوله وأعطاه مالا ممدودا يتمثل فيما كان له بين مكة والطائف من الإبل والخيل والنعم والجنان وتشير كلمة «ممدود» إلى ما لا ينقطع رزقه، بل يتوالى كالزرع والضرع والتجارة. وأما البنون فجعل الله له البنين شهودا أى حضورا لا يغيبون عنه فى تصرف. وفضلا عن ذلك بسط له فى العيش بسطا حتى أقام ببلدته مترفا يرجع إلى رأيه.
وهذا النموذج من البشر لا تجد لأطماعه حد فيطمع دائما فى الزيادة على الرغم من موقفه المعاند للدعوة، وكفره، بل يذكر بعض المفسرين أن الطمع قد زاد إلى حد
стр. 103
أنه يطمع أن يدخله الله الجنة استمرارا لنعمة المال والبنين، وما لذ وطاب من النعيم فينسب إلى الوليد قوله: إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لى. وقطع الله رجاءه
فى الجانبين كَلَّا أى لن أزيده، فلم يزل يرى النقصان فى ماله وولده حتى هلك، كما توعده سبحانه بقوله سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) قال ابن عباس: المعنى:
سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيه، وقيل: إنه تصاعد نفسه للنزع، وإن لم يعقبه موت ليعذب من داخل جسده كما يعذب من خارجه «١».
وأما وعيد الله سبحانه له فى الآخرة فيقول الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) أى سأدخله سقر لكى يصلى حرها. وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) أى وما أعلمك أى شىء هى؟ وهذه كلمة تعظيم ومبالغة فى وصفها، ثم فسر حالها لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لا تذر لهم عظاما ولا لحما ولا دما إلا أحرقته ثم يعادون خلقا جديدا، فلا تزد أن تعاود إحراقهم هكذا أبدا لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) أى مغيرة فتلفح وجوههم لفحة تدعها أشد سوادا من الليل عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وهذا الوعيد بتلك الحالة ينبه أصحاب الأموال الممدودة والبنين الشهود أن العواقب خطيرة، لا تبقى ولا تذر فى الدنيا ولا فى الآخرة، فالذى أعطى هو الذى يمنع فى الدنيا، والكفر والعناد من سبل الحرمان والنقم، ومن سبل الوصول إلى سقر التى لا تبقى ولا تذر.
وتفصل الآيات بعد مظاهر النعم ومن خلالها مظاهر العناد من هذا البشر العجيب الذى يمنح الرزق فيكفر بالرازق ويعاند. فمن هذه المظاهر: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) أى معاندا للنبى ﷺ وما جاء به من آيات ربه، كما يعنى العناد مخالفة الحق ورده مع معرفته بأنه حق، وقيل: يعنى المجاهر بعداوته، وعن مجاهد قال:
مجانبا للحق معاندا له معرضا عنه.
والمعانى كما نرى متقاربة فى بيان هذا النموذج من الناس الذين لم يكتفوا بالإعراض بل عاندوا وجاهروا بالعدوان والصد عن دين الله، واستمروا على ذلك بتدبر خبيث وإصرار واستمرار لهذه العداوة، ومن مظاهر ذلك ما ذكر فى حق الوليد هذا من قوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)
стр. 104
إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥).
وهذا الوصف الدقيق له دلالات متعددة، إنه وصف لهذا العناد الذى أعمل فيه الوليد فكره، وخالط هذا الفكر نفسه، وخرج هذا فى سلوكه، فى فطرته، فى عيونه، فى سواد وجهه حقدا وغيظا، فى حركته إدبارا، واستكبارا، فى قوله وإشاعاته وحكمه الباطل على الحق بما ليس فيه. إنه فكر وقدر يعنى: فى شأن النبى ﷺ والقرآن الذى استمع إليه ونطق لسانه بما عرف فقال: «والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر» «١»، وفكّر فى موقف زعماء المشركين منه، ومكانته فيهم فلم تنفعه هذه المعرفة لما سمع، وغلبه هواه وغلبته عصبيته، واستكباره فيهم فهيأ الكلام فى نفسه، والعرب تقول: قدّرت الشيء إذا هيأته: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) أى لعن على أى حال قدر، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) إنه لأمر مهول أن يغالط الإنسان نفسه، فيعرف أمرا على وجهه الصحيح ثم يهيئ فى نفسه ما يخالف هذا الأمر، لعن لعنا بعد لعن كيف يكون هذا حاله؟ وبدأ أثر التفكير والتقدير يظهر فى نظراته الحسية غيظا، وفى نظره المعنوى بأى شىء يرد هذا الحق ويدفعه، ويظهر فى عبوسه فى وجوه المؤمنين عند ما دعوه إلى الإسلام، ويظهر كذلك فى كلاحة وجهه وتغير لونه، ويظهر كذلك فى إدباره وإعراضه وذهابه إلى جانب أهله المشركين، وفى استكباره أن يؤمن ويصير مع المؤمنين.
ولكن ماذا يقول فى الرسول ﷺ وفى القرآن الكريم الذى عبر عنه التعبير السابق ولامه عليه المشركون، فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) لقد كذب الوليد وكذب نفسه فى الوصفين، فقد رد على الناس وصفهم للرسول ﷺ بأنه ساحر، وقال كذلك بعد سماعه القرآن الكريم: وما يقول هذا بشر.
ولقد أراد بهذا تشويه شخصية النبى ﷺ عند ما لا يعرفه من القادمين إلى مكة، وأراد أن يقول لهم: إن من يتبعه ليس عن اقتناع منه بل نتيجة سحره، وبهذا يكون قد طعن فى القرآن الكريم- أيضا- ولذلك استحق لعنا بعد لعن: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠).
ومن وجوه الإنذار التى أمر النبى ﷺ أن يبلغها الناس فى سورة «المدثر» والتى
стр. 105
بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ما يتعلق «بسقر» والتى ذكرنا شيئا عنها، ونذكر بقية ذلك الآن، قال تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١).
فعلى سقر تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها ويلقون فيها أهلها، ويذكر القرطبى فى تفسير هذه الآية الكريمة قوله: «والصحيح- إن شاء الله- أن هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال الله تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وقد ثبت فى الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال
رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». وقد وصف أصحاب النار من الملائكة بأنهم غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) [التحريم] وذلك ليقوموا بما أمروا به من جزاء عادل وليحذر الكافرون من ذلك فيجتنبوا سبل سقر، ولا يكون الحال كما كان من أبى جهل- لعنه الله- ومن معه من المشركين، قال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبى كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدّهم- أى العدد- والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، قال السدى: فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحى: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبى الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبى الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزئا.
وقيل: إن أبا جهل قال: أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فنزل قول الله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أى لم يجعلهم رجالا فتتصورون فعاليتهم، وقيل كذلك: جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة ولا يستريحون إليهم؛ ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم، ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا «١».
وإذا كان من وجوه الإنذار التى جاءت فى هذه السورة الكريمة ما يتعلق بالغيب
стр. 106
كالإنذار بسقر وما فيها، والإنذار بأصحابها فإن الله تعالى جعل فى هذا الإنذار آية اختبار فيما يتعلق بعدة أصحاب النار من الملائكة، فإن المنتسبين إلى التوراة والإنجيل سيجدون أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم، ويكون ذلك مدخلا لليقين إن كانوا أهلا لتقبل الحق والتسليم له، وأما المؤمنون المصدقون فيزدادون بهذا إيمانا، لأنهم يؤمنون بالغيب، وكل اخبار جديد فى آية منزلة تزيدهم إيمانا وتزيدهم معرفة يقينية بعالم الغيب، وأما الذين فى قلوبهم مرض من شك وارتياب، وهذا كان الحال فى الفترة المكية وفى بدايات التنزيل وذلك ما جعل الحسن بن الفضل يقول: السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق، فالمرض فى هذه الآية الخلاف «١»، ولكن أكثر المفسرين يذهبون إلى القول: بأن الذين في قلوبهم مرض هم الذين فى صدورهم شك ونفاق من منافقى أهل المدينة الذين ينجمون فى مستقبل الزمان بعد الهجرة- سيقول هذا الفريق المريض: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا أى ماذا أراد بهذا العدد الذى ذكر عن خزنة جهنم، وهذا موقف المرضى أمام التنزيل، فهم لا يريدون العمل به فيكثرون من التساؤلات والتشكيك ويضيعون الوقت فى ذلك بدلا من التلبية والإذعان والعمل، ولقد جمع الله- بين الذين فى قلوبهم مرض، وطائفة الكافرين فى هذا التساؤل لا تحادهم فى الهدف واتحادهم من حيث نفوسهم مع خطورة إخفاء المنافقين لحالهم وإظهارهم الإسلام.
وعلى ذلك تكون هذه السورة الكريمة قد نبهت إلى طوائف التحدى لهذا الدين من وقت مبكر ليكون الرسول الكريم والذين معه على بينة من أمرهم فيتعرفون على أساليب الطوائف التى ظهرت، والطوائف التى ستظهر بعد ذلك. ولا يعلمها إلا الله:
كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) وبهذا يعطى القرآن الكريم عظته مع بيان حال الناس منها وقت التنزيل، وتبقى الآيات وما ذكر منها من المعانى ذكرى للبشر، ليحسنوا التعامل معها إيمانا وتصديقا وامتثالا وعملا بمقتضى هذه العظة، ولا يكونوا كالذين حرموا من الانتفاع بهذه الآيات. فالقرآن الكريم للأجيال كلها إلى يوم القيامة، وما يذكره من وجوه الإنذار يخاطب به الناس إلى يوم القيامة. فبعد هذا الذكر لهذا الإخبار عن أمر غيب، تأتى الآيات الكريمة لتؤكد الإنذار بما شاهده الناس من آيات كونية يقسم الله بها إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) أى أن هذه النار لإحدى الكبر الدواهى وتكذيبهم لرسول الله ﷺ وما جاء به من الوحى لكبيرة من الكبائر الخطيرة التى تهلك الإنسان فى حياته الدنيا والآخرة.
стр. 107
وهذه النار التى وضعت فى هذه السورة نذيرا للبشر. حتى قال الحسن: والله ما أنذر الخلائق بشيء أدهى منها.
ومن وجوه الإنذار التى أمر النبى ﷺ بتوجيهها إلى الناس، الإنذار بوعيد الله بنماذج من البشر كفرت بأنعم الله، وأنذر بسقر وما يتعلق بها من أخبار غيبية: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) وأكد هذا الإنذار بآيات كونية يلفت القرآن الكريم النظر إليها:
كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧). فالقسم بآيات كونية هنا ينبه إلى أمور يحتاجها الإنسان فى إنذاره وبنائه على العقيدة الصحيحة التى بعث بها النبى ﷺ ، منها: التأمل والنظر فى مظاهر قدرة الله سبحانه فى آياته الكونية فالقمر الذى جعله نورا، والليل الذى ولى بظلامه، والصبح الذى أضاء، آيات كونية تنبه الإنسان إلى عظيم خلق الله وقدرته، وتنبهه إلى منة الله عليه ونعمته، وكيف سخر له هذه الآيات لينتفع بها، وإذا كانت هذه الآيات الكونية المذكورة تنكشف بها الأشياء انكشافا لا خفاء فيه فالقمر بنوره الهادئ والصبح كذلك، وذهاب ظلمات الليل تجعل الإنسان يبصر الأشياء ويدرك وجودها فالذى جلى الأشياء للإنسان بهذه الآيات الكونية وكشفها هو الذى يخبر عن سقر ويقسم: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧).
ومن هنا ندرك من بدايات التنزيل كيف يوجه القرآن الكريم الإنسان إلى النظر والتفكير فى آيات الله المبثوثة فى هذا الكون، وفى النفس الإنسانية نظرة تأمل
واعتبار، ونظرة إدراك تسخير الله سبحانه لهذه الآيات الكونية لانتفاع الإنسان بها، ونظرة التوافق التى تجعل الإنسان لا يشعر برهبة أمام هذه الآيات الكونية، لأنها مخلوقة ومسخرة، ولا حول لها ولا قوة إلا بخالقها ومسيرها .
ومع وجوه الإنذار فى هذه السورة الكريمة يأتى تقرير المسئولية الفردية والتى تقوم على ما منح الله الإنسان من القدرة على الفعل والترك والتقدم والتأخر والاختيار لما يعمل من خير أو شر، فالنذارة كذلك لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة، أو يتأخر إلى الشر والمعصية نظيره: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ [الحجر: ٢٤]، أى فى الخير وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) [الحجر] أى عنه. ويذكر الحسن أن قوله تعالى:
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله
стр. 108
تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]، ويجمع ابن عباس بين المعنيين فيقول: هذا تهديد وإعلام أن من تقدّم إلى الطاعة والإيمان جوزى بثواب لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة وكذب محمدا ﷺ عوقب عقابا لا ينقطع، وأما السدى فيقول: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ- إلى النار (المتقدم ذكرها) - أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) - عنها إلى الجنة.
وعلى كل حال فتقرير المسئولية عما يكتسب الإنسان تنبيه «مبكر» يجعل الإنسان يسأل نفسه عن الإقدام والإحجام، ويربى فى النفس هذه الملكة التى تسأل وتراجع وتراقب قبل العمل، وبعده لنجد النفس المحامية المراقبة اللوامة قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) أى مرتهنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما خلصها وإما أوبقها.
إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) وهذا الاستثناء الحكيم ليس فيه ما قد يفهمه البعض من الخروج عن قاعدة المسئولية الفردية، بل هو تدعيم لها فإن أصحاب اليمين لا يرتهنون بذنوبهم؛ لأنهم إما أن يكونوا غير مكتسبين للذنوب، أو أدوا ما كان عليهم. ولذلك اختلف فى تعيينهم، فابن عباس فى الدين يقول: إنهم الملائكة وهؤلاء لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وعلىّ بن أبى طالب ﵁ يقول: إنهم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم، وقال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين لأنهم أدوا ما كان عليهم، وقيل: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم.
فالمسئولية- إذن- مقررة كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨).
ويأخذ الإنذار وجها آخر فى هذه السورة الكريمة المنذرة، وهو عرض للمقارنة بين تبصير المؤمنين والكافرين، وذكر ما يتصل بالفريقين من أعمال، ومعنى ذلك أن من فضل الله على خلقه أن تتعدد الأساليب تشجيعا لأهل الإيمان، وحفزا لهممهم للقيام بتبعات الدعوة ومسئولياتها، وتحذيرا لأهل الشرك حتى يعودوا إلى الحق والرشاد ويتخذوا سبيل المؤمنين وإلا فالمصير أليم، فالمؤمنون الصالحون أصحاب اليمين فى الجنات وما أعد الله لهم فيها، والمشركون يوصفون بالإجرام؛ لأنهم أجرموا فى حق أنفسهم، وفى حق غيرهم ممن وقفوا منهم موقف الإيذاء والتعذيب والسخرية والاستهزاء، وحال الفريقين مكشوف وظاهر، أما أهل الإيمان فهم فى أمن وسلام ونعيم يسمح لهم بهذا التساؤل عن غيرهم، والتساؤل- هنا- عن المجرمين، وعن الأعمال التى أدخلتهم سقر وكانوا بها مجرمين، وتعرض السورة الكريمة المنذرة أقوال أهل سقر والتى تتضمن
стр. 109
قواعد الفساد فى علاقة الإنسان بربه سبحانه، وفى علاقته بصفات قومه، وفى مساندته ووقوفه مع أهل الباطل، وفى فساد معرفته وتصوراته، وفى استمرار هذا الفساد طيلة حياتهم الدنيا ... قال تعالى: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨).
إن أساس الإجرام والفساد عدم الإيمان الذى يجعل المجرم يقطع صلته بربه بترك الصلاة، ويتبع هذا الفساد قسوة القلب على الضعفاء فلا يطعمون المسكين ولا يتصدقون، ويغذى هذا الفساد مخالطة أهل الباطل فى باطلهم، والخوض فى أمر رسول الله ﷺ من مثل قولهم- لعنهم الله: «كاهن أو مجنون»، أو «شاعر أو ساحر»، ومما يزيد من حجم هذا الإجرام التكذيب بيوم الجزاء والحكم. ومما يدل على تعمق الإجرام وتحكمه فى هؤلاء الاستمرار على هذا الحال إلى الموت. فهؤلاء بهذا الإجرام محرومون من الشفاعة التى جعلها الله للمذنبين من أهل التوحيد الذين يعذبون بذنوبهم ثم شفع فيهم، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة فأخرجوا من النار وليس للكفار شفيع يشفع فيهم «١».
ونتابع القول فى وجوه الإنذار التى جاءت فى سورة المدثر، والتى فصلت فيها من بدايتها إلى آخر السورة الكريمة حيث يقول الله تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦).
فالإنذار- هنا- له وجهان عظيمان، الوجه الأول: التذكرة بالقرآن الكريم، والوجه الثانى: الإنذار بالآخرة والتخويف بما يكون فيها.
فأما الوجه الأول: فيكون فى هذا التساؤل عن إعراض أهل مكة، وتوليهم عما جاء به رسول الله ﷺ ، وهو إعراض عجيب بنى على تصور فاسد، إنه إعراض عن التذكرة بالقرآن الكريم يتمثل فى الجحود والإنكار، ويتمثل تبعا لذلك فى ترك العمل بما
стр. 110
فيه، وأما فساد التصور الذى قام عليه هذا الإعراض فيتمثل فى فهمهم الفاسد للنبوة ووظيفتها ومهمة الرسل فى تبليغ ما أمروا به، وأن الله مصطف من عباده من يشاء لهذه المهمة، ولا يخاطب كل فرد من خلقه خطابا منفردا كما أراد أبو جهل، وجماعة من قريش حين قالوا: يا محمد: ائتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها: إنى قد أرسلت إليكم محمدا ﷺ «١»، وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. قال مطر الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال المشركون لرسول الله ﷺ : بلغنا أن الرجل من بنى إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، قال مجاهد: أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله : إلى فلانا بن فلان. إنه فساد فى تصور النبوة من جانب وحقد على رسول الله ﷺ من جانب آخر لفساد نفوس المشركين، وفساد مقاييسهم للبشر، فهم لا يريدون هذا الأمر لمحمد ﷺ ؛ لأن مقياس العظمة عندهم لم يكن فيما يرزق الإنسان من كمال الأخلاق ومكارمها، بل من كثر ماله وكثر رجاله يعد عظيما فيهم، وحصروا بهذا المقياس الأمر فى رجلين ذكر القرآن الكريم قولهم فيهما:
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) [الزخرف] ورد عليهم أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الزخرف: ٣٢].
وأما العجب فى هذا الإعراض فإنه يكمن فى مظهر هذا الإعراض، إن الإعراض يكون طبيعيا عند ما يكون من شىء يضر الإنسان، أما الإعراض عما ينفع فهذا يدعو إلى العجب، ويدل على أسباب فاسدة وراء هذا الإعراض، وقد ذكرنا بعضها من فساد التصورات والحقد والحسد، والذى يجعل هذا العجب شديدا أن ترى هذا الإعراض مصحوبا بحركات هستيرية، كأن الداعى لهم يريد الفتك بهم، فتراهم يفرون منه يمينا وشمالا وهم فى ذعر وخوف عجيب، وهذا دليل على أن الجوانب الإنسانية التى تقدر ما يفيدها قد امتهنت فيهم، وصاروا كما وصفهم القرآن الكريم فى هذا الإعراض كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) فوصفهم بالحمر يدل على أن الإنسان الذى جعله الله فى محل التكريم قد يتدنى وينزل من دائرة التكريم إلى دائرة الحيوانية المهينة بإعراضه عن وحى ربه، إن الوحى يحمله ويرقيه ويجعله إنسانا كريما،