Полный текст (770 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وهو ظرف من الزمان. والمعنى: ومرة أخرى يكتسي الآل دونها، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
في إعراب (عمرك الله) وأشباهه
قال سيبويه في: باب من المصادر ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، ولكنها مصادر وضعت موضعا واحدا لا تتصرف في الكلام. . . (فقعدك) تجري هذا المجرى. يريد أن (قعدك) بمنزلة (عمرك) وأن لم يكن له فعل يعني وأن لم يكن (لقعدك) فعل.
يريد أن بعض المصادر قد يترك استعمال الفعل فيه، ويكون بمنزلة ما استعمل فعله. فقعدك الله بمنزلة وصفك الله بالثبات وأنه لا يزول. يريد سألتك بوصفك الله بالثبات، ثم حذفت الفعل والتاء. ولا يستعمل الفعل فيه ولا حرف، وهو مصدر لا يتصرف، أي لا يستعمل في غير هذا الموضع من الكلام، ولا يستعمل إلا مضافا.
ثم استشهد على استعمال الفعل من (عمرك الله) بقول ابن أحمر:
(عَمَّرْتُكِ اللهَ الجليلَ فإنني ... أَلوي عليكِ لَوَ أن لبَّكِ يهتدي)
هل لامَني من صاحبٍ صاحبْتُهُ ... من حاسِرٍ أو دارِعٍ أو مُرْتَدي
стр. 107
يخاطب امرأة يقول لها عمرتك الله، أي سألتك بوصفك الله بالبقاء، هل علمت أن أحدا صاحبي من الناس لامني على فعل فعلته، من أحد حاسر: وهو الذي لا درع عليه، أو دارع: وهو الذي عليه الدرع، والمرتدي: الذي عليه الرداء. يريد أن كل من صاحبي على اختلاف أحوالهم وهيئاتهم وأخلاقهم لم يذمني. قوله: ألوي عليك: أي أعطف عليك، لو أن لبك يهتدي: أي لو أن قلبك يقبل النصيحة. و (هل
لامني) هو جواب عمرتك الله.
وقال سيبويه في الباب المتقدم: زعم أبو الخطاب أن (سبحان الله) كقولك: براءة الله من السوء.
ذكر سيبويه (براءة) مضافة إلى اسم الله، كما يضاف (سبحان) إذا قلت سبحان الله. و (براءة) منونة غير مضافة، كما تترك إضافة سبحان قال الأعشى:
(أقولُ لما جاءني فخرُهُ ... سبحانَ مِن علقمةَ الفاخِر)
فسبحان في هذا البيت غير مضاف، إلا أن (براءة) منصرف لأنها نكرة وأن كانت منونة، و (سبحان) لا ينصرف لأنه معرفة وفي آخره الألف والنون.
стр. 108
الشاهد في البيت على إنه نصب (سبحان) وهو غير مضاف ولم يصرفه.
وعلقمة هذا الذي ذكره الأعشى، هو علقمة بن علاثة، وكان علقمة قد فاخر عامر بن الطفيل وهو ابن عمه، وكان الأعشى مع عامر بن الطفيل.
يقول الأعشى: لما سمعت أن علقمة يفاخر عامرا، أعظمت هذا. وسبحان تبروا. يريد تبرأت من قبح ما فعل علقمة تبروا، يقول: لم ارض به وأنكرته.
استعمال المصدر الميمي مكان المصدر
قال سيبويه في باب ما يكون من المصادر مفعولا: وكذلك المعصية بمنزلة العصيان والموجدة بمنزلة الوجدان، لو كان الوجد يتكلم به.
يريد أن (المفعلة والمفعلة) في هذه المصادر تجري مجرى المادر التي هي اصل، وربما ترك المصدر الذي هو الأصل على (فعل) واكتفوا بـ (المفعلة). فمن ذلك (الموجدة) مصدر وجدت على فلان إذا غضبت عليه. والوجد في الحزن: وجدت به وجدا إذا حزنت على مفارقته.
وقد أتى الوجد في معنى الغضب، وهو عندي معنى قول الهذلي.
وتضْمِرُ في القلب وَجْداً وخِيفا
وقال ابن أحمر:
لَدُنْ غُدْوَةً حتى كَرَرْنَ عَشِيَّةً ... وَقَرَّبْنَ حتى ما يَجِدْنَ مُقَرَّبا
стр. 109
(تَدارَكْنَ حيّاً من نُمَيْرِ بنِ عامرٍ ... أسارَى تُسامُ الذُّلَّ قتلا ومَحْرَبا)
الشاهد فيه قوله (محربا) وهو مصدر لحربته حربا إذا سلبته ماله. وصف خيلا مضت للحاق قوم حتى يدركوهم، كررن: يعني الخيل؛ واللفظ للخيل والمعنى لفرسانها، وقربن: من التقريب في العدو، التي ما يجدن زيادة على القدر الذي يفعلن من العدو، يعني أنهن قد اخرجن جميع ما عندهن من العدو، ولم يبق عندهن منه بقية.
وتداركن لما غزون حيا من نمير، وتسام الذل: تحمل على فعل ما تكرهه على طريق القهر والإذلال، و (قتلا) منصوب بإضمار فعل دل عليه (تسام الذل) كأنه قال بعد قوله: (تسام الذل): تقتل قتلا وتحرب محربا.
نصب الاسم بعد الأدوات المختصة بالأفعال
قال سيبويه قال النمر بن تولب:
(لا تجزعي أن مُتْفِساً أهْلَكْتُهُ ... وإذا هَلْكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي)
يقول لامرأته: لا تجزعي على ما أنفقته من مالي أجود به وأعطي من سألني، فإني أن بقيت اكتسبت وسعيد في أمر المال حتى أناله، وإنما ينبغي أن تجزعي إذا مت، لأنه لا يكون لك من سيعى سعي.
стр. 110
والشاهد فيه على نصب (منفسا) بإضمار فعل تقديره: أن أهلكت منفسا أهلكته.
إعمال (ما) عمل ليس
قال سيبويه في باب (ما): فإن قلت ليس زيد إلا ذاهبا، أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي، فلم تقو (ما) في قلب المعنى، كما لم نقو في تقديم الخبر.
يعني أن (ما) على مذهب أهل الحجاز تعمل ما دامت على ترتيب الأصل وبقاء معنى النفي، فإن أدخلت (إلا) بين الاسم والخبر؛ بطل معنى النفي فبطل عملها، لأن الخبر يصبح موجبا بدخول (إلا) وأن تقدم الخبر على الاسم بطل العمل؛ لزوال ترتيب الكلام في الأصل، وترتيب الكلام في الأصل أن يكون الاسم قبل الخبر.
قال سيبويه: وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق:
وما أُعيدَ لهمْ - حتى أتَيْتَهُمُ - ... أزمانُ مَروانَ إذ في وَحْشِها غِرَرُ
(فأَصبحوا قد أعادَ اللهُ نعمتَهُمْ ... إذْ هم قريشٌ وإذْ ما مثلَهُمْ بشَرْ)
стр. 111
الشاهد في أعمال (ما) عمل ليس مع تقديم خبرها على اسمها. ومدح الفرزدق بهذا الشعر عمر بن عبد العزيز وكان قد ولي المدينة.
يقول: ما أعيد لأهل المدينة ولمن بها من قريش أزمان مثل أزمان مروان - من الخصب والسعة والخير - حتى وليت أنت عليهم، فعاد لهم مثل ما كانوا فيه من الخير حين كان مروان واليا عليهم.
وقوله: إذ في وحشها غرر، يريد: وحشها لا يذعرها أحد، فهي في غرة من عيشها. ويقال: هو في غرة من العيش، إذا كان في عيش ليس فيه كدر ولا خوف. فأصبحوا بولايتك عليهم قد أعاد الله نعمتهم.
قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت: وهذا لا يكاد يعرف يريد: إعمال (ما) مع تقديم خبرها. وزعم أبو العباس محمد بن يزيد أن (مثلهم) منصوب لا على هذا الوجه، وانه ليس بخبر لـ (ما) وخبر (ما) عنده محذوف. و (مثلهم) منصوب على الحال، والعامل فيه الخبر المحذوف. كأنه قال: وإذ ما في الدنيا مثلهم بشر. وأنكر أبو العباس الوجه الذي ذهب إليه سيبويه من تقديم خبر (ما) مع الأعمال حين اضطر الشاعر، وزعم أن الخبر محذوف.
وحذف الخبر أن لم يكن عليه دليل في الكلام، أو في الحال التي المخبر فيها، لم يجز حذفه. كقولك - وقد جرى ذكر رجل فعل فعلا جميلا، وأحسن إحسانا كثيرا -: عمرو. أي هذا الذي ذكرتهم عمرو. أو يكون مثل قولك - والناس يتراءون الهلال -: الهلال، أي هذا الهلال.
فإن لم يكن عليه دليل فحذفه قبيح. فيكون أبو العباس قد أنكر حمل البيت على وجه
стр. 112
الضرورة في تقديم الخبر، وحمله هو على الضرورة في حذف الخبر.
فإن قال قائل: قد استمر حذف خبر المبتدأ في باب من الأبواب وهو قولك: شربك السويق ملتوتا. . . قيل له: هذا الحذف يكون في المصادر، لأن الخبر فيها على وجه واحد يقع، وهو (إذ كان) و (إذا يكون) فصار كحذف العامل في الظروف وهو (مستقر) لأنه على وجه واحد يقع، فهو معلوم مستغنى عن ذكره. وليس كذا حذف الخبر في البيت.
وجملته: أن سيبويه ذكر أن الضرورة في تقديم الخبر مع الأعمال. وأبو العباس يقول: الضرورة حذف الخبر. فيحتاج أن ننظر أولى القولين بالصواب، فوجدنا قول سيبويه أولى، لأنه ليس أحتاج في قوله إلى تقدير شيء محذوف من الكلام. وفي قول أبي العباس، الضرورة في حذف الخبر، وينبغي أن يحمل الكلام في صحته على ظاهر لفظه، وأنه لم يحذف منه شيء ما أمكن أن يفعل ذلك، فإن لم يمكن حملنا الكلام على أن فيه محذوفا.
وإذا كانت الضرورة في الوجهين جميعا، فالقول: الذي لا يحتاج معه إلى تقدير محذوف.
الظرف - رفعه على الفاعلية
قال سيبويه: قال ذو الرمة:
(وغبراَء يحمي دونها ما وراءها ... ولا يَحْتطِبْها الدهرَ إلا مخاطرُ)
стр. 113
الشاهد فيه إنه رفع (دونها) وجعله فاعلا لـ (يحمي) و (غبراء) مجرور بتقدير (رب) كأنه قال: رب أرض غبراء. يريد أنها مجدبة لا شيء فيها، ولا يرى فيها خضرا، و (دونها) هو المكان الذي هو اولها، يحمي: يمنع من السلوك إلى آخرها وقطعها بالسير؛ لشدته وصعوبة السير فيها، ولا يركبها إلا من خاطر بنفسه. وجواب (رب) في بيت آخر وهو:
قطعتُ بخلقاءِ الدفوف. . .
أي بناقة ملساء الجنبين.
إعراب الاسم بعد (إذا)
قال سيبويه قال ذو الرمة:
أقولُ لها إذْ شمرَ الليلُ واسْوتْ ... بها البيدُ واشتدَّتْ عليها الحرائِرُ
(إذا ابْنُ أبي موسى بِلالاً بَلَغْتِهِ ... فقامَ بفأس بين وصْلَيْكِ جازِرُ)
الضمير في (لها) يعود إلى ناقته، وشمر الليل: ذهب أكثره، واستوت بها البيد: يريد استوى سيرها في البيد ومضت على قصد، واشتدت على الناقة الحرائر: أي الرياح الحارة، وهي جمع حرور. والبيد: جمع بيداء وهي الأرض القفر، وبلال: هو بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري.
стр. 114
دعا على ناقته بالنحر والجزر إذا بلغته ابن أبي موسى. والوصلان تثنيه وصل، والوصل بكسر الواو وإسكان الصاد: ملتقى كل عظمين وهي المفاصل.
ومثله قول الشماخ:
إذا بَلَّغْتِني وحَمَلْتِ رَحلي ... عَرَابَةَ فأشْرقي بدمِ الوتينِ
قال سيبويه قال ذو الرمة:
فأنْمِ القُتودَ على عَيْرانةٍ أجُدِ ... مَهْرِيةٍ مَخَطَتْها غِرْسَها العِيدُ
نَظارةٍ حين تعلو الشمسُ راكبَها ... طَرْحاً بعَيْنَي لياحٍ فيهِ تَحديدُ)
وجدت البيت منسوبا في الكتاب إلى الراعي، ووجدته لذي الرمة.
قال سيبويه: وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر، ويكون بدلا من اللفظ بالفعل. يعني أن شئت نصبت المصدر الذي تذكره بعد الفعل، على إضمار غير الفعل الذي لفظت به، ويكون هذا المصدر الملفوظ به كأنه بدل في اللفظ من الفعل الذي نصبه فتقول: سير عليه سيرا، وضرب به ضربا، كأنك قلت بعد ما قلت: سير عليه، وضرب به: يسيرون سيرا ويضربون ضربا
стр. 115
وينطلقون انطلاقا، ولكنه صار المصدر بدلا من اللفظ بالفعل.
ثم مضى سيبويه في كلام بعد هذا إلى أن انتهى إلى ما أنشده المقدم ذكره. والذي أنشده هو شاهد على إضمار فعل ناصب للمصدر الذي قد ظهر اللفظ به، وهو قوله: (طرحا) (وجعل ما أضمره بعد قوله: سير عليه (يسيرون سيرا) وضرب به (يضربون ضربا) مثل إضمار (تطرح) قبل قوله (طرحا).
نم القتود: ارفعها، والقتود: خشب الرحل. يريد ارفعها على الراحلة، شد الرحل عليها. والعيرانة: الناقة المشبهة بالعير في نشاطها وخفتها في العدو، ومهرية: من إبل مهرة بن حيدان، والعيد: قبيلة من مهرة ينسب كرام الإبل اليها، والغرس: السلا، وهو الجلدة التي تكون على الولد، ومخطتها غرسها: نتجتها هذه القبيلة.
فجعل العيد لما كان نتاجها عندهم بمنزلة من استخرج الولد، يريد: مخطت العيد هذه الناقة، استخرجتها من بطن أمها وهي في الغرس. وتفسير قوله: (مخطتها) هو تفسير على ما رأيته صوابا عندي، والذي قال بعض الرواة: مخطتها أشبهتها. نظارة: يريد أنها تنظر نظرا حادا من النشاط وقوة النفس ينتصف النهار وتكون الشمس على رأس راكبها، وتطرح طرفها طرحا، وتنظر بعين لياح: وهو الثور الأبيض.
وفي كتاب سيبويه (تحديد) بحاء غير معجمة، وفي شعره (تجديد) بجيم. أي في
هذا الثور طرائق من سواد، والجدة الطريقة والجمع جدد. وقوله: فيه تحديد، أي في نظرة تحديد إلى ما ينظر إليه.
стр. 116
جواز حذف عامل الحال
قال سيبويه في: باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل، مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل: فأما قول الله (بلى قادرين) فهو على الفعل الذي أظهر كأنه قال: نجمعها قادرين، حدثنا بذلك يونس. ومعنى (فهو على الفعل الذي أظهر): يريد إنه أضمر (نجمعها) قبل (قادرين) لأنه قد ظهر قبل هذا الكلام: (أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه) فدل قوله تعالى: (نجمع عظامه) على إضمار (نجمع) قبل (قادرين).
قال: قوله - وهو الفرزدق -:
ألم تَرَني عاهدْتُ ربي وإنني ... لَبَيْنَ رِتاجٍ قائما ومَقامِ
على حَلْفَةٍ لا أشْتمُ الدْهرَ مُسْلِماً ... ولا خارجا مِن فِيَّ زُورُ كَلامِ
الشاهد على إنه أضمر الفعل قبل (خارجا) كأنه قال: ولا يخرج خارجا، وهو اسم الفاعل في موضع (خروجا) الذي هو المصدر، وعطف (ولا يخرج) على قوله (ولا اشتم) جوابا للقسم، والقسم الذي هذا جوابه: (عاهدت) كأنه قال: حلفت بعهد الله لا أشتم الدهر مسلما، ولا يخرج من في زور الكلام
стр. 117
خروجا. و (لا أشتم ولا يخرج) هما جواب القسم فيما يستقبل من الأوقات. وقال سيبويه: ولو حملته على إنه نفى شيئا هو فيه، ولم يرد أن يحمله على (عاهدت) لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى.
يريد أن قوله (لا أشتم) في موضع الحال، وهو معنى قوله (نفى شيئا هو فيه) أي نفى ما في الحال ولم ينف المستقبل. يريد إنه حلف وهو غير شاتم ولا خارج من فيه زور كلام.
وقد أجاز سيبويه الوجهين جميعا، والكلام محتمل لهما. وقد قيل: أن الجواب يجوز أن يكون جوابا لقوله (على حلفة). ويكون تقدير الكلام: ألم ترني عاهدت ربي على أني أحلف لا أشتم ولا يخرج من في قبيح.
والرتاج: الباب، يريد باب الكعبة، والمقام: مقام إبراهيم ﵇. وكان الفرزدق حلف لا يقول الشعر، وأقبل على قراءة القرآن، ثم رجع عن هذا.
الإضافة إلى الظرف الفاصل بين العامل
ومعموله
قال سيبويه قال الاخطل:
عَروُفٌ لإضعاف المَرازِئ مالَه ... إذا عَج منحوتُ الصَّفاة بخَيلُها
(وكَرارِ خلفِ المجْحَرِينَ جوادَهُ ... إذا لم يُحامِ دون أنْثَى حليلُها)
الشاهد فيه إنه أضاف (كرار) إلى (خلف). والظرف نصب، إذا نصب المفعول على السعة جاز أن يضاف إليه كما يضاف إلى المفعول به.
والعروف: الصبور وهو العارف، الإضعاف: مصدر أضعف يضعف من المضعف، ضعف الشيء وأضعفته
стр. 118
أنا، والمرازئ: الأمور التي إذا وقعت أوجبت ذهاب المال، واحدها مرزئة.
يمدح بذلك همام بن مطرف التغلبي يقول: هو صبور على هد المرازئ ماله. ومعنى عج: صاح وضج، والصفاة: الصخرة، والمنحوت: الذي يؤخذ منه شيء بعد شيء بشدة.
يقول: هو يعطي إذا ضج من السؤال الرجل الذي يعطي اليسير بعد شدة، ويكون ما يؤخذ منه بمنزلة ما ينحت من الصفاة، وبخيلها: يريد إنه بخيل النفس، و (كرار) معطوف على الأول، والمرهقون: الذين لحقتهم الخيل. يريد إنه يكر
جواده خلفهم حتى يستنفذهم. حفاظا: محافظ على ما يوجبه الكرم في الوقت الذي لا يقاتل الرجل عن امرأته ويفر عنها، وذلك إذا عظم واشتد.
المصدر النائب عن فعله - في الدعاء
قال سيبويه قال الاخطل:
رفَّعْنَ أصْلاً وعُجْنا من نَجائِبنا ... وقد تُحُينَ من ذي حاجةٍ سَفَرُ
(إلى امْرئ لا تُعَرينا نوافِلُهُ ... أظْفَرَهُ الله فَلْيَهنَأ له الظَّفَرُ)
يمدح بهذا عبد الملك بن مروان، ورفعن: يريد انهم رفععوها في السير فترفعت، أي زادت في السير. وجعل (رفعن) بمعنى ترفعن وارتفعن. والأصل: العشي، وعجنا: عطفنا، وقيل: عجنا: كففنا بعض سيرها، وتحين
стр. 119
السفر، يريد: تحين من صاحب حاجة السفر، أي أنى وقت سفره.
وقوله (إلى امرئ لا تعرينا) أي تذهب فواضله عنا في وقت من الأوقات. ورواية الكتاب: (إلى إمام تغتدينا فواضله) والنوافل: ما يعطيه من الأشياء التي لا تلزمه. والفواضل مثل النوافل.
إضافة الصفة المشبهة إلى النكرة
قال سيبويه في باب الحسن الوجه، قال حميد الارقط:
غَيْرانَ مِيفاءٍ على الرُّزونِ
حَدَّ الربيعَ أرِنٍ أَرُونِ
لا خَطِلِ الرَّجْعِ ولا قَرونِ
(لاحقِ بَطْنٍ بِقَرا سَمِينِ)
الشاهد فيه إنه قال (لاحق بطن) فجعل البطن نكرة بعد نقل الضمير عنه، ولم يدخل عليه الألف واللام.
يصف عير وحش. و (غيران) مجرور نعت لاسم مجرور قد تقدم ذكره، والغيران: من الغيرة على اتنه، والميفاء: المشرف، يقال: أوفى على كذا إذا أشرف عليه. والارن: النشيط، والارون مثله، والارن: النشاط. (لا خطل الرجع) الخطل: الاضطراب. يريد أن قوائمه لا تخطل: أي لا تضرب إذا رجع قوائمه ثم وثب في عدوه. وقيل في القرون: إنه لا يجمع بين خطوتين، ومعناه عندي إنه لا تقع حوافر رجليه مواقع حوافر يديه.
والقرا: الظهر، واللاحق: الذي لحق بطنه بظهره،
стр. 120
ويريد إنه ضامر البطن لا من هزال وقلة مرعى، لكن لشغله بالأتن وغيرته عليها من الفحول.
اسم (ليس) ضمير الشأن
قال سيبويه قال حميد الارقط - وكان يهجو الضيف إذا نزل به، وهو من المذكورين بالبخل وبغض الأضياف النازلين. وأراد قوم النزول به، فأراد دفعهم وصرفهم، فقالت له امرأته: يا فلان عندنا جلة هجرية قد قحلت، وما أظنك لو ألقيتها إليهم نالوا منها طائلا فكنت قد قريتهم. فاحتملها فألقاها إليهم وهو يظن أنهم لا يريدون أكلها، وكانوا جياعا فأكبوا عليها إكبابا شديدا. فساءه ما رأى من شدة أكلهم، وقال لهم: أن هاهنا أيتاما فدعوا لهم منها شيئا، فأمسك القوم.
فلما كان السحر أيقظهم للرحلة، ثم ساق وهو يقول:
ومُرمِلين على الأقْتابِ بَزُّهُمُ ... مَدارِعٌ وعَباءٌ فيه تفنينُ
باتوا وجُلَّتُنا الشِهْريزُ بينَهُمُ ... كأنَّ أظفارَهُمْ فيها السّكاكينُ
(وأصْبَحوا والنَّوَى عالي مُعَرَّسِهمْ ... وليس كلَّ النَّوى يُلقي المساكينُ)
الشاهد فيه إنه نصب (كل) بـ (يلقي) وفي (ليس) ضمير الأمر والشأن، و (المساكين) رفع لأنه فاعل (يلقي) والمرمل: الذي لا زاد معه، والاقتاب: الرحال،
стр. 121
وبزهم: ما عليهم من الثياب، والمدارع: جمع مدرعة ومدرع وهو سبيح من
صوف، والمعرس: الموضع الذي نزلوا فيه. وقوله: والنوى عالي معرسهم، يريد أنهم أكلوا التمر وتركوا النوى في الموضع الذي أكلوا فيه.
وقوله: وليس كل النوى يلقي المساكين، يريد أن من كان شديد الجوع محتاجا إلى الطعام وليس معه ما ينفقه؛ فينبغي له أن يأكل التمر مع النوى، ليشبع عن قرب، ولا يأكل تمرا كثيرا. أراد حميد أن يأكل أضيافه التمر بنواه ولا يلقوا منه شيئا.
في عمل اسم الفاعل
قال سيبويه في باب اسم الفاعل. وقال عمر ابن أبي ربيعة:
وكم مِنْ قتيلٍ لا يباءُ به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رَهْنٍ إذا لَفَّهُ مِنَى
(ومن مالئ عَيْنَيْهِ من شَيِْ غَيْرهِ ... إذا راحَ نحو الجَمْرَةِ البِيضُ كالدُّمَى)
ذكر أن ابنة لمروان حجت، فلما أن قضت نسكها، أتت عمر
стр. 122
بن أبي ربيعة وقد غفلت نفسها في نساء معها، فحدثها، فلما انصرفت اتبعها، فعادت إليه بعد ذلك فأثبتها فقالت له: لا ترفع الصوت في شعرك، وبعثت إليه بألف دينار فقبلها، ثم اشترى لها ثيابا من ثياب اليمن وطيبا، فأهداه إليها، فردته، فقال: إذن والله انهبه فيكون مشهورا، فقبلته ثم انصرفت، فقال شعرا، فيه ما تقدم إنشاده.
قوله: وكم من قتيل لا يباء به دم، يريد قتيل الهوى لا يباء به دم، ولا يقتل قاتله. من غلق، الغلق: الذي قد حصل للمرتهن فلا يرده، وأراد: من رهن غلق فقدم، وجعل (الرهن) بدلا من (غلق). يريد: كم من رهن غلق لا يرد على صاحبه، وعنى به: ما يأخذه المحبوب من قلب المحب بمنزلة الرهن الذي قد استهلك فلا يرد.
و (من مالئ عينيه من شيء غيره) يريد من النظر إلى نساءهن لغيره، ليس له فيهن نصيب، والدمى: الصور، الواحدة دمية.
إجراء القول مجرى الظن
قال سيبويه في: باب ظننت قال عمر بن أبي ربيعة:
قال الخليطُ غدا تَصَدعُنا ... أو شَيْعَهُ فمتى تُوَدَّعنا
(أما الرَّحيلُ فدونَ بعدِ غدٍ ... فمتى تقولُ الدارَ تَجْمَعُنا)
стр. 123
الخليط: الجيران الذين يخالطون القوم في الموضع الذي هم نزول فيه، والتصدع: التفرق، وشيع الشيء: ما يتلوه. وقوله: (أما الرحيل فدون بعد غد) يريد أنها قالت له بعد أن قالت (غدا أو شيعه): أما الرحيل فدون بعد غد، كأنها قالت: نرحل غدا أو بعد غد، ثم قالت: بل نرحل غدا، وغد قبل (بعد غد) كأنها أرادت أن تعرف كيف حاله إذا دنا رحيلها، وكيف حزنه على فقدها.
الشاهد في عمل (أتقول) كعمل (أتظن).
جعل الاسم بمنزلة الظرف
قال سيبويه: وتقول: ذهب الشتاء وتصرم الشتاء وسمعنا الفصحاء يقولون: انطلقت الصيف، أجراه على جواب متى، لأنه أراد أن يقول: في ذلك الوقت، ولم يرد العدد. يعني أن ما كان واقعا من الظروف لعدد؛ فهو جواب (كم)، وما كان على وقت بعينه؛ فهو جواب (متى). وزعم أن الشتاء والصيف في جواب (متى) بمنزلة يوم الجمعة ويوم الخميس وما أشبه ذلك.
قال أبو دؤاد:
فنهَضْنا إلى أَشَمَّ كصدر الرّ ... رمح صَعْلٍ في حالبيْهِ اضْطِمارُ
قَد قَصَرْنا الشتاَء بعدُ عليهِ ... فهْوَ للذَّوْدِ أن يُقَسَّمْنَ جارُ)
стр. 124
الشاهد: في إنه جعل الشتاء بمنزلة الوقت المعين، وأجاز بعد إنشاده أن يكون الشتاء والصيف على جواب (كم) وعلى جواب (متى).
نهضنا: قمنا إلى فرس أشم كصدر الرمح في ضمره وصلابته، صعل: يريد
صغير الرأس، والحالبان: عرقان مكتنفا السرة، قد قصرنا الشتاء: أي قصرناه في الشتاء، حبسناه: أي أضمرناه وصناه، ويجوز أن يريد: قصرنا إبلنا عليه، ثم حذف المفعول ولم يذكره.
وقوله (بعد) يريد بعد أن إبلنا عليه في الصيف، يعني أنهم حبسوا غبلهم عليه في الصيف ثم حبسوها في الشتاء ليوفر عليه اللبن. وقوله (بعد) أي بعد الصيف، فحذف المضاف وجعل (بعد) غاية. والذود: جماعة يسيرة من الإبل. يقول: الذود التي جعلناها واقفة لما يحتاج إليه من اللبن، هو جار لها من أن يغار عليها. لأن صاحبه يركبه إذا أغير على الحي.
إضافة اسم الفاعل إلى معموله
قال سيبويه: وذلك قولك: هما الضاربا زيد والضاربو عمرو. وقال الفرزدق:
سَيُبْلغُهُنَّ وَحْيَ القولِ عني ... ويُدِخلُ رأسه تحت القرام
أسيد ذو خريطة نهارا ... من التلقطي قرد القمام
стр. 125
الشاهد: في إنه أضاف (المتلقطي) وأصله المتلقطين، ذهبت النون للإضافة.
ذكر نسوة أرسل إليهن رسولا لا يعلم إنه رسوله، ولا يكون مثله رسولا للفرزدق. وأسيد: تصغير اسود، وخريطة: تصغير خريطة. يريد: معه خريطة يتلقط فيها من القمامات التي يلقيها الناس بأفنيتهم، وهي قطع الصوف، والصوف القرد: الذي يتعقد منه كأنه فلكة أو أصغر منها، والقرام: الستر، والوحي: ما يشار به إشارة لا يصرح به لئلا يفطن به. وقوله (نهارا) أراد به: يرسل إليها على يد هذا الأسود الذي يأخذ الصوف والقمامة بالنهار، لأنه لا ينكر أن يدخل البيوت مثله.
تنازع الفعلين
وقال سيبويه في: باب الفاعلين والمفعولين
وقال طفيل الغنوي:
وِراداً وحُوا مشرفاً حَجَباتها ... بناتَ حِصانِ قد تُعولِمَ مُنْجِبِ
(وكُمْتا مُدَمَّاةَ كأنّ مُتونَها ... جرَى فوقَها واستشعَرَت لونَ مُذْهَبِ)
الشاهد فيه على إعمال الثاني وإضمار الفاعل في الأول على شرط التفسير.
стр. 126
والوارد: جمع ورد وهو الذي ليست حمرته بشديدة، والحو: جمع أحوى وهو الذي بين الأخضر والأسود والادهم، والحجبات: أطراف عظام الوركين التي تلي الظهر، وتعولم: تعالمه الناس، تعارفوه، عرفه بعضهم من بعض والمدمى: الشديد الحمرة، يقال أحمر مدمى، واستشعرت لون مذهب: جعلته شعارا لها، كأنها لصفاء لونها وحسنه قد لبست لونا مذهبا.
رفع (أهل ومرحب) على الخبرية
قال سيبويه قال طفيل:
وكانَ هُرْتَمُ من سِنانِ خليفةً ... وحِصْنٍ ومن أسماَء لمّا تغيَّبُوا
ومن قيسٍ الثاويْ بِرَمّانَ بيتهُ ... ويومَ حَقِيلٍ فادَ آخرُ مُعْجِبُ
(وبالسَّهْبِ ميمونُ النَّقيبة قولُه ... لملْتَمِس المعروفِ أهْلٌ ومَرْحَبُ)
الشاهد فيه رفع (أهل ومرحب)، ورفعه على تقدير خبر لمبتدأ محذوف، كأنه قال: الذي لك عندنا أهل ومرحب، والذي تستحقه أهل ومرحب، أو ما أشبه ذلك.
وهؤلاء جماعة من قوم طفيل هلكوا فرثاهم. ورمان: موضع بعينه،
стр. 127
وأراد ببيته قبره، وحقيل: موضع معروف، وفاد: مات، والسهب: الفضاء، والخليقة: الطبيعة.
وقوله: (قوله) مبتدأ، والجملة التي هي (أهل ومرحب مع المبتدأ المحذوف) في موضع خبر (قوله)، يريد إنه إذا جاءه من يسأله شيئا سر به ورحب وأكرمه، لأنه يفرح إذا جاد وأعطى.
تذكير خبر المؤنث حملا على المعنى
قال سيبويه قال طفيل الغنوي:
أم ما تَسائِلُ عن شَمّاَء ما فعلَتْ ... وما تُحاذِرُ من شماء مفعولُ
(إذا هيَ أحْوى من الرّبْعِي حاجبُهُ ... واعَيْنُ بالإثْمِدِ الحارِي مكحولُ)
الشاهد فيه إنه ذكر (مكحول) وهو للعين، والوجه أن يقول مكحوله. وشماء: اسم امرأة، فيقول: الذي تحاذر من فرقة هذه المرأة وهجرها مفعول، تفعله هي. والأحوى: الظبي الذي عيناه كحلاوان. و (هي) ضمير شماء وأصله: إذ هي مثل ظبي أحوى. والحوة: بين السواد والخضرة، ولم يرد أن الحوة في جسم الظبي وإنما حاجبه. والربعي: الذي ولد في الربيع. وأراد أن هذا الظبي بمنزلة ما نتج في الربيع لقوته، وما نتج في الربيع أقوى مما نتج في الصيف. ويجوز أن يجعل (أحوى) للحاجب، كأنه قال: إذ هي ظبي احوى حاجبه، ويكون (حاجبه) مبتدأ، و (أحوى) خبره، والجملة وصف للظبي بجعل الحوة للحاجب. والعين مبتدأ، و (مكحول) خبر للعين. والاثمد: هذا المعروف بالكحل، والحاري: منسوب إلى الحيرة.
стр. 128
إعمال الأول وإهمال الثاني في تنازع الفعلين
قال سيبويه في: باب إهمال أحد اللفظين. قال طفيل الغنوي:
تَظَلُّ مَداريها عوازبَ وَسْطَهُ ... إذا أرْسَلْتهُ وكذا غيرَ مُرْسَلٍ
(إذا هي لم تَسْتَكْ بِعودِ أراكَةٍ ... تُنُخلَ فاسْتاكَتْ عودُ إسْحِلِ)
الشاهد فيه على أعمال الفعل الأول وهو (تنخل) كأنه قال: تنخل عود أسحل فاستاكت به.
والمداري: جمع مدري وهو الذي يدخل في الشعر، نحو الإصبع وأطول. والعوازب. البعيدة. يريد أن بعض المداري يبعد من بعض لكثافة شعرها وكثرته
إذا أرسلته، يعني إذا نشرت ذوائبها وحلت ضفائرها فهو كثير، وإذا ضفرت ذوائبها وعقصت شعرها فهو كثير. يريد إنه كثير على كل حال. والأراك: شجر تعمل منه المساويك.
فأراد أنها إذا
стр. 129
أرادت شيئا أحضرت لها أشياء حتى تتخير منها، وارا أنها من نعمتها تتخير بعض الشجر على بعض؛ وتطلب ألين المساويك وأنعمها، وتنخل: تخير.
في تكرار الاسم بلفظه الظاهر
قال سيبويه قال الفرزدق:
(لعمركَ ما مَعْنٌ بِتاركِ حقَّهِ ... ولا مُنْسِئُ معنٌ ولا مُتَيسرُ)
أتطلب يا عُورانُ فضْلَ نبيذِهِمْ ... وعنْدَكَ يا عُورانُ زٍِقٌّ موَكَّرُ
الشاهد فيه إنه رفع (منسئ) ولم يعطفه على الخبر المتقدم، ولو عطفه لصار المعطوف على الخبر الأول خبرا عن (معن) الأول، وكان (معن) الثاني يرتفع (بمنسئ) وما كان لمعن الأول. فرفعه بالابتداء وجعل (منسئ) خبرا عنه، وجعل الكلام جملة معطوفة على جملة.
ويجوز: ولا منسئ معن؛ ويعطفه على الأول، ويجعل (معن) الثاني في موضع ضمير يعود إلى الأول. وإذا أعيد ذكر الاسم بلفظه الظاهر؛ كان الاختيار أن يجعل كالأجنبي الذي ليس بالأول، فلذلك قال: ولا منسئ معن.
والمنسئ: المؤخر. يقول: هو لا يؤخر المطالبة بحقه. (ولا متيسر) لا يتيسر على من يقتضيه بل يتعسر. والموكر: المملوء، والمعنى واضح.
إعمال الثاني في تنازع الفعلين
قال سيبويه في باب إعمال أحد الفعلين: وإنما قبح هذا يريد قبح: مررت ومر بي
يزيد، على أعمال الأول لأنهم جعلوا الأقرب
стр. 130
أولى. يريد أنهم جعلوا الفعل الثاني - الذي هو أقرب إلى الاسم - أولى بالعمل فيه من الفعل الذي هو بعيد عنه. وقال الفرزدق:
وليس بِعَذْلٍ أن أسُبَّ مقاعِساً ... بآبائَي الشُّم الكِرامِ الخَضارمِ
(ولكنَّ نِصْفاً أن سَسَبْتُ وسَّبني ... بنو عبد شمسٍ من مَنافٍ وهاشِمِ)
الشاهد فيه إنه أعمل الثاني وهو (سبني) ورفع به (بنو).
هجا الفرزدق بهذا بني مقاعس من بني سعد بن زيد مناة، واسم مقاعس: الحارث. يقول: أن هجوتهم أو سببتهم إذا سبوني صاروا كأنهم امفائي. والشم: الذين في انفهم الشمم وهو ارتفاع الأنف وورود الاربنة. والخضارم: جمع خضرم وهو الكثير العطاء، النصف: الإنصاف. يريد ولكن إنصافا. و (لو) وما بعدها في موضع خبر (لكن) كأنه قال: لكن إنصافا مسابتي بني عبد شمس. وقوله: من مناف، يريد: بني عبد شمس بن مناف، و (هاشم) معطوف على (عبد شمس)، وليس بعطف على (عبد مناف)،
стр. 131
لأن عبد شمس هو عبد شمس بن مناف، وهاشم هو هاشم بن عبد مناف، وهاشم أخو عبد شمس.
في نصب (هنيئا) على المصدر أو الحال
قال سيبويه في المنصوبات: قال أبو الغطريف الهدادي في وقعة كانت بينهم وبين ابن أحمر:
فأَنْكَحْنَ أبكارا وغادَرْنَ نِسْوَةً ... أيامى وقد يحظَى بهِنَّ المعنسُ
(هنِيئاً أربابِ البيوتِ بيتُهمْ ... وللْعَزَبِ المسْكينِ ما يَتَلمَّسُ)
الشاهد فيه نصب (هيئا) بإضمار فعل، وهو دعاء. كأنه قال: ثبت لهم ما حصل بأيديهم هنيئا، ونصبه على الحال، وهو مما لا يظهر الفعل فيه. وأراد بأرباب البيوت: الذين لهم زوجات، لأنه يقال للمزوجة بيت. وهو كما قال الآخر:
أكِبَرٌ غَيَّرَني أَمْ بَيْتُ
و (بيتهم) رفع من وجهين: أحدهما أن يرتفع بالفعل المضمر الذي نصب (هنيئا). ويجوز أن يكون (بيوتهم) رفعا بالابتداء و (لأرباب البيوت) خبره. كأنه ابتدأ هذا الكلام بعد مضي الجملة التي منها (هنيئا).
وقوله: وللعزب المسكين ما يلتمس، يريد أن العزب مصروف الهمة إلى امرأة يقضي منها حاجته، والذي له زوجة لا يهتم بكلب امرأة، فهو مكفي.
стр. 132
تنكير (سبحان) وتنوينه - ضرورة
قال سيبويه: وقد جاء (سبحان) منونا مفردا في الشعر وهذا التنوين هو ضرورة. قال زيد بن عمرو بن نفيل:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهمْ ... أنا النّذيرُ فلا يغْرُرْكُمُ أحَدُ
لا تعبُدُنَّ إلها غيرَ خللِقكُمْ ... وإنْ دُعيتُمْ فقولوا دونَهَ حَدَدُ
(سُبحانَه ثم سبحانا نعوذُ بهِ ... وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ)
البيت في الكتاب منسوب إلى أمية، والذي رأيته ما قدمت ذكره، والحدد: المنع. يقول: دون عبادة آخر غير الله منع، أي نحن نمتنع أن نعبد غير الله تعالى. وقوله: نعوذ به، أي كلما رأينا إنسانا يعبد غير الله تعالى أو يضل عنه، عذنا نحن بتعظيم الله تعالى وتسبيحه حتى يعصمنا أن نضل كما ضل من عبد غيره.
ويروى (سبحانا نعود له) أي تسبيح مرة بعد مرة، والجودي والجمد: جبلان.
حذف نون (لكن)
قال سيبويه في ضرورة الشعر، قال النجاشي:
فقلت له: يا ذئبُ هل لك من أخٍ ... يُواسي بلا من عليكَ ولا بُخْلِ
فقال: هداكَ اللهُ للرُّشدِ إنما ... دَعَوْتَ لِما لم يَأتِهِ سَبُعُ قبلي
стр. 133
(فلستُ بآتِيهِ ولا أستطيعُهُ ... ولاكِ اسْقِني أن كان ماؤكَ ذا فَضْلِ)
الشاهد فيه إنه حذف النون من (لكن) لاجتماع الساكنين، والوجه أن يحرك لالتقاء الساكنين ولا يحذف، ولكنه حذف مضطرا.
وكان النجاشي عرض له ذئب في سفره، فحكى إنه دعا الذئب إلى الطعام وقال له: هل لك في أخ - يعني نفسه - بواسيك في طعامه بغير من ولا بخل؟ فقال له الذئب: إنما دعوتني إلى شيء لم تفعله السباع قبلي من مؤاكلة الآدمين، وهذا لا يمكنني فعاله، ولست بآتيه ولا استطيع فعله، ولكن أن كان في مائك الذي معك فضل عما تحتاج إليه فاسقني.
في المفعول معه
قال سيبويه في باب المفعول معه، قال شقيق ابن جزء بن رياح الباهلي (يرد على جحل بن نضلة الباهلي):
أتوعِدُني بقومِكَ يا بْنَ جَحْلٍ ... أشاباتٍ يُخالُونَ العِبادا
(بما جَمَّعْتَ مِن حَضّنٍ وعَمْروٍ ... وما حَضنٌ وعَمْروٌ والجيادا)
стр. 134
إذا خَطَرَتْ بنو سعدٍ ورائي ... وذادوا بالقنا عني ذِيادا
الشاهد إنه نصب (الجياد) لأنه مفعول معه، والعامل فيه مقدر محذوف تقديره: وما يكون حضن وعمرو والجيادا، معناه مع الجياد.
والاشابات: الأخلاط من الناس الذين لا خير فيهم، يخالون: يظنون أنهم عبيد. و (أشابات) منصوب على الذم بإضمار فعل. كما قال:
أقارعُ عَوْفٍ لا أحاولُ غيرها ... وجوهَ قُرودٍ تبتغي مَن تُجادِعُ
ويجوز أن ينصب على الحال. والأول أحب إلي. وقوله (بما جمعت) في صلة فعل آخر، كأنه بعد البيت الأول قال: أتوعدني بتجميعك حضنا وعمرا. ويجوز أن
يكون (ما) بمعنى (من) ويكون بدلا من (قومك)، وأبدل بإعادة العامل.
وحضن وعمرو والجياد: قبائل.
стр. 135
الرفع على الاستئناف إيثارا للمعنى
قال سيبويه قال عوج بن حزام الطائي:
هل تعرفُ اليومَ رَسَمْ الدارِ والطَّللا ... كما عرفتَ بجَفْنِ الصَّيْقَلِ الخِلَلا
رسماً كسَتْهُ الليالي بعد جِدَّتِهِ ... دقُاقِ تُرْبٍ سَفَتْهُ الرّيحُ فانتخلا
وكلُّ أسحمَ رجّافٌ له زَجَلٌ ... واهِي العَزالي إذا مل انْهَلَّ أو وَبَلا
(دارٌ لمَرْوَةَ إذْ أهلي وأهلُهُمُ ... بالكامِسِية نَرْعَى اللهْوَ والغزَلا)
الشاهد فيه إنه رفع (دار)، والذي قبله: (هل تعرف اليوم رسم الدار) فلم يجعله بدلا مما قبله، واستأنف الكلام به فقال (دار) رفع، وجعله خبر ابتداء محذوف. كأنه قال: هو دار لمروة. والكامسية مكان بعينه.
ويروى (بالكامسيات) والطلل: ما شخص من آثار الدار، والخلل: جلود تنقش وتلبس جفون السيوف، وربما أذهبت.
يشبهون آثار الديار بالخلل التي تكون على جفون السيوف، لأجل النقوش التي فيها والخطوط، وواحدة الخلل خلة. والأسحم: الأسود، وأراد كل سحاب أسحم، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، والرجاف: السحاب الذي يضطرب، والزجل: الصوت، يعني إنه سحاب فيه رعد. والعزالي: جمع عزلاء وهي المزادة، و (واه) غير مشدودة.
стр. 136
شبه ما يجيء من قطر المطر بمنزلة ما يخرج من فم المزادة، وانهل: انصب، ووبل: جاء وابله، والوابل: المطر الذي يجيء بشدة. نرعى اللهو: نقبل على الاشتغال باللهو والغزل؛ كما تقبل الماشية على المرعى.
النصب على المعنى دون البدل مما قبله
قال سيبويه في المنصوبات، قال الدبيري:
يا رِيها يومَ تُلاقي أسْلَما ... يومَ تُلاقي الشَّيْظَمَ المُقَوَّما
عَبْلَ المُشاش وتراه أَهْضَما ... عَبْدَ كرام لم يكُنْ مُكرَّما
تحسَبُ في الأذْنَين منه صَمَما ... قد سالمَ الحياتُ منه القَدَما
س (الأفْعُوانَ والشُّجاعَ الشَّجْعَما) ... وذاتَ قَرْنَينِ زَحوفا عِرزما
الشاهد فيه إنه نصب (الأفعوان) وما بعده بإضمار فعل، ولم يجعله بدلا من الحيات.
قوله ياريها: يريد ياري الإبل، وهذا يقولونه إذا وثقوا بالري، كأنه إذا عرفوا أن الساقي جلد يقوى على الاستقاء لها وإروائها قالوا: ياريها، فنادوه كأنه حاضر، وهو على طريق التعجب من كثرة استقائه وصبره حتى تروى الإبل.
و (أسلم) اسم الرجل الذي يرعاها ويستقي لها، والشيظم: الطويل، والمقوم: الذي ليس فيه أنحاء، عبل المشاش: غليظ العظام، والاهضم:
стр. 137
الضامر البطن، وهو عبد قوم كرام ولم يكن مكرما، لأنه يرعى ويقوم بمصلحة الإبل.
تحسب في الأذنين منه صمما: يعني إنه إذا كلمته لم يجب في أول ما يكلم؛ لأنه
مقبل على شأنه في مصلحة الإبل، مشغول القلب به، فهو لا يسمع حتى يكرر عليه القول. وأراد أن وطأه شديد، إذا وطيئ على أفعى أو حية قتلها، فهي إذا أحست بوطئه تنحت عن طريقه.
والشجاع: ضرب من الحيات، والشجاع الشجعم، وذات قرنين: الأفعى القرناء، وهو ضرب من الأفعى يكون له قرن من جلده، زعموا. وليس كالقرون التي تكون لذوات الظلف، والزحوف من الأفاعي: التي إذا مشت كأنها ترجف، والعزوم الكبيرة.
النصب على الدعاء بإضمار فعل
قال سيبويه: ويدلك على إنه يريد بها الداهية - يريد إنه يدلك أن قول القائل (فاهالفيك) أن الضمير المؤنث يريد به الداهية، كأنه قال فالداهية لفيك - قول عامر بن جوين الطائي:
(وداهيةٍ من دواهي المَنو ... نِ يحسبُها الناسُ لا فَالها)
دفعْتُ سَنا برقِها إذْ بَدَتْ ... وكنتُ على الجَهْدِ حَمّالَها
стр. 138
يريد: ورب داهية عظيمة من دواهي المنون والتلف، يحسبها الناس لا فالها. يريد أن الناس لا يتوجهون لمعرفتها والعلم بدفعها، ولا يصح لهم كيف يصنعون فيها، فهي بمنزلة الحي الذي لا ينطق، فلا يعرف ما يريد، فلا يتوجه لدفعه والتلطف في صرفه.
وقوله (لا فالها) في موضع المفعول الثاني لـ (يحسبها) و (من دواهي المنون) نعت لـ (داهية). ولقائل أن يقول: أن الضمير المتصل بـ (يحسبها) هو المفعول الأول؛ وقوله: (من دواهي المنون) في موضع الثاني و (لا فالها) وصف لـ (داهية). والقول الأول أعجب إلي. و (فا) منصوب بـ (لا) كما ينتصب النكرة في النفي و (لها) خبر (لا).
واضطر إلى أن استعمل (فا) في غير الاضافة، وهو بمنزلة قول العجاج:
خالطَ من سَلمَى خياشمَ وفا
ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، ويكون (فا) مضافا إلى ضمير الداهية، وتكون اللام مقحمة، ويكون مثل قولهم: لا أبا لك. والخبر محذوف تقديره (لا فالها) أو (فيما يعلمه الناس) أو ما أشبه ذلك.
والسنا: ضوء البرق. يريد إنه دفع شرها والتهاب نارها حين أقبلت، وكان هو حمال ثقلها.
النصب على المصدر بإضمار فعل
قال سيبويه في المنصوبات، قال المغيرة بن حبناء:
بَلَوْها فَضْلَ مالكَ يا بْنَ لَيْلَى ... فلم تَكُ عندَ عَثْرتِنا أخانا
كأَنّ رِحالنا في الدارِ حُلَّتْ ... إلى غُفْر اللهازِم مِن عُمانا
стр. 139
(فكيفَ جَمَعْتَ مسألةً وحِرْصا ... وعند الفقر زَحَّارا أنانا)
الشاهد فيه إنه نصب (زحارا انانا) بإضمار فعل.
يخاطب المغيرة بذلك أخاه صخرا؛ وأتاه يسأله شيئا فلم يعطه. يقول: بلوناك وعندك فضل مال حين احتجنا إلى من برفدنا ويقوم بشأننا، فلم ننتفع به، ولم تعطنا منه شيئا، كأن رحالنا - لما وافينا إليك وحططناها عن إبلنا - حطت عند رجل من أهل عمان، بعيد النسب منا لا يعرفنا.
والعفر: جمع أغفر وهو الأبيض، واللهازم: جمع لهزمة، يريد إنه شيخ أهل عُمان، يريد من الازد. فكيف جمعت هذه الأخلاق المذمومة، تحرص وتسأل وأنت غني، وإن افترقت شكوت وتوجعت ولم تصبر؟!
أعمال اسم الفاعل على نية التنوين
قال سيبويه قال شريح بن عمران من بني قريظة، ويقال: أن الشعر لمالك بن العجلان الخزرجي:
بينَ بَني جَحْجَبَى وبين بني ... زيدٍ وأَنَّى لجاريَ التَّلَفُ
стр. 140
(الحافظو عورة العشيرةِ لا ... يأتيهُمُ من ورائِهمْ وَكَفُ)
الشاهد فيه على إنه حذف النون من (الحافظون) ونصب (عورة العشيرة) ولم يحذفها للإضافة.
وجحجبى: بطن من الأنصار، وبنو زيد: بطن منهم أيضا. يريد أن هؤلاء يمنعون من ضيم من يجاورهم ويكون في ذمتهم. (فأنى لمن يجاورني التلف): أي كيف
يتلف أو كيف يضيع له مال. لأن من يكون هؤلاء أنصاره لا يقدم أحد على إتلافه أو إتلاف شيء من ماله.
و (الحافظو) مرفوع لأنه مدح، وهو مرفوع على خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم الحافظو عورة. وعورة العشيرة: الموضع الذي تخاف العشيرة أن تؤتى منه. وأراد أنهم لا يفعلون فعلا تعاب به عشيرتهم. والوكف: الأمر الذي يكسب مأثما أو عيبا أو عارا.
نصب الاسم بعد (إن) على المصدر بإضمار فعل
قال سيبويه في المنصوبات. وأما قول الشاعر:
لقد كَذَبَتْكَ نفسك فاكذِبَنْها ... فإنْ جَزَعا وإنْ إجمال صَبْرِ
стр. 141
قال سيبويه: فهذا محمول على (إما) وليس على الجزاء كقولك: أن حقا وإن كذبا.
يريد سيبويه أن (إنْ) في هذا البيت يراد بها (إما) التي تذكر مع حروف العطف، وتكون لأحد الشيئين، فاضطر الشاعر فحذف (ما) فبقي (إنْ) وأصلها عنده أنها مركبة من: أن وما، فلما اضطر حذف أحد الشيئين وهو (ما) فبقيت (إن)
وإنشاد الكتاب كما ذكرت لك على أن الخطاب لمذكر. والشعر لدريد:
أسركِ أن يكونَ الدَّهرُ وجها ... عليكِ بسْيبِهِ يغدو ويَسْري
وأن لا تُرْزئي أهلا ومالا ... يَضُركِ هلكُه ويطولَ عُمْري
(فقد كذَبَتْكِ نفسُكِ فاصْدقيها ... فإنْ جَزَعا وإنْ إجمالَ صبرِ)
ويروى: فاكذبيها. ويخاطب امرأته يقول لها: أن كنت تظنين أو تحدثك نفسك بأن الدهر يقبل عليك بخيره أبدا، فاصدقيها. وهو معنى قوله: وجها عليك.
والسيب: العطاء، يغدو ويسري: يأتيك بالنهار والليل،
стр. 142
وأنك لا تصابين في أهل ولا مال يضرك ويؤذيك فقده، ويطول عمري معك، ونعيش أبدا، فقد كذبتك نفسك في هذا الذي حدثتك به ومنتك دوامه من السلامة والغنى، فاصدقها أنت عن
الأمر وعرفيها كيف تجري حال الناس جميعا، وأنه لا بد من الموت والمصائب حتى تترك هذا التمني.
ووجه الرواية: فاكذبيها، أي حدثيها من الأمور بما تهواه، وصدقيها فيما تتمناه، وإن كان ما تحدثينها به كذبا، حتى يصلح أمر دنياك، واعتقدي فيه صحة ما قلت لك، وأنه لابد من الذهاب والفناء.
و (جزعا) منصوب على إضمار فعل، كأنه قال: فإما تجزعين جزعا، وأما تجملين صبرا. ويجوز الرفع عادة إنه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: فإما أمرها جزع، وإما أمرها إجمال صبر.
العطف بالرفع بالواو بمعنى (مع)
قال سيبويه في باب من أبواب (مع): كيف أنت وقصعة من ثريد، وما شأنك وشأن زيد. يريد إنه يقدم اسم يعطف عليه ما بعد الواو، كما تقول: أقائم زيد وعمرو، يعني أن الاسم الذي بعد (كيف) مبتدأ، والذي بعد الواو معطوف عليه و (كيف) خبر عنهما.
قال المخبل السعدي:
(يا زِبرِقانُ أخا بني خَلَفٍ ... ما أنت - ويبَ أبيكَ - والفَخْرُ)
يهجو الزبرقان بن بدر وهو ابن عم المخبل، وكلاهما من بني سعد. وويب بمعنى ويل، وقيل إنهم قالوا ذاك لقبح استعمال الويل عندهم فغيروه.
الشاهد فيه إنه عطف (الفخر) على (أنت).
стр. 143
ذكر المفرد وإرادة الجمع
قال سيبويه قال المسيب بن زيد مناة أحد بني عبيد، حين غزا حنظلة بن الأعرف الضبابي، فأخذ غلاما من غني، ثم أخذه أحد بني عبيد، فباعه، فخفي شأنه زمانا،
ثم ظهرت عليه غني فأخذوه في بيت ختن له من بني جعفر، فقتلوه، فبلغهم أن الأعرف يتبعهم يوعدهم. فقال المسيب:
ما لكَ يا أعرفُ تبتغينا
وقد تَقَبَّضْتَ على أخينا
أن نَكُ عَقَّيْنا فقد بُدينا
أو يَكُ مقتولا فقد سُبينا
أو تكُ مجدوعا فقد شُرينا
أو تكُ مفجوعا فقد دُهينا
(في حلقكم عظمٌ وقد شَجينا)
الشاهد قوله: (في حلقكم) فوحد وهو يريد (في حلوقكم) فذكر الواحد في موضع الجمع.
يقول: مالك تبتغينا تطلب أن توقع بنا مكروها، وقد تقبضت على أخينا: يريد إنه قبض على الغلام الذي أسره، فبقي في يديه حتى استخرجوع. وإن نك عقبنا: يعني فعلنا بك فعلا بعد فعلك بنا؛ فقد بدئنا. يقول بدئنا بمكروه فعقبنا كفاء به.
أويك مقتولا: يريد أن يك هذا الرجل الذي هو ختنك قد قتلناه، فقد سبي منا غلام. أوتك مجوعا: بمنزلة من قطع أنفه، لأجل أن ختنك قتل؛ فقد شرينا من سرى يشري
стр. 144
إذا باع. يريد إنه بيعمنهم الغلام المأخوذ.
أو تك مفجوعا بقتل ختنك؛ فقد دهينا بأسر الغلام الذي أخذ منا. وقوله: في حلقكم عظم: هو على طريق المثل، يعني أنهم بمنزلة من قد غص بشيء في حلقه لأجل قتل ختنهم، ونحن قد شجينا بشيء في حلوقنا من أجل الغلام الذي قد سبي منا.
إعمال اسم الفاعل بالـ مجموعا وفيه النون
قال سيبويه في باب اسم الفاعل قال ابن مقبل:
عاد الأذِلّةُ في دار وكان بها ... هُرْت الشقاشِقِ ظلاّمون للجزُر
(يا عينُ بكّي حُنَيْفاً رأسَ حَيهِمِ ... الكاسرين القَنا في عَوْرَةِ الدُّبُرِ)
الشاهد فيه إنه نصب (القنا) بـ (الكاسرين).
والأذلة: جمع ذليل، والهرت: قيل هو جمع هريت، والهريت: الواسع الشدق، وقيل: هو جمع أهرت وهو في معنى هريت. والشقائق: جمع شقيقة، والشقشقة التي يخرجها الفحل من فمه إذا هدر. شبه الرجال الخطباء إذا تكلموا بالحول من الإبل إذا هدرت، والشقائق إنما تكون لفحولة الإبل، وجعلها للرجال على طريق التشبيه.
ظلامون للجزر: ينحرونها من غير علة بها، وينحرونها من أجل أضيافهم. وحنيف حي من بني العجلان، ورأس الحي: ساداتهم، وأراد أن حنيفا رأس بني العجلان. والعورة: الموضع الذي يمكن العدو أن يأتي منه،
стр. 145
لأنه لم يحفظ حفظا، أو لا يتمكن من حفظه، ويجوز أن يكون من فيه ليست له قوة على دفع من يقصده، والدبر: مؤخر الصف، وقيل الدبر: مآخير المنهزمين. المعنى أنهم يطعنون بالقنا في عورة دبر أعدائهم.
أعمال صيغة مفعال في حالة الجمع
قال سيبويه في باب اسم الفاعل. قال ابن مقبل:
يأوي إلى مجلسٍ بادٍ مكارهُهُم ... لا مُطْمِعي ظالمً فيهم ولا ظُلُمُ
(شُمٌّ مهاوينُ أبدانَ الجزور مخا ... ميص العشياتِ لا مِيلٌ ولا قُزُمُ)
يريد أنهم يكرههم عدوهم ويخافهم. لا مطمعي ظالم: يريد أنهم لا يطمعون أحدا في ظلمهم، يريد أن الناس قد عرفوا إنه من ظلمهم انتصفوا منه، فليس يطمع أحد من ظلمهم. ولا ظلم: لا يظلمون أحدا، وظلم: جمع ظلوم.
والشم: جمع أشم وهو الوارد الارنبة، مهاوين: جمع مهوان وهو الذي يهين
الجزور وينحرها، وأراد أبدان الجزر فاكتفى بالواحدة، ويروى: إبداء
следующие страницы →