Полный текст (770 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كوفيا على رأي أبي الأسود، فخرج أبو الأسود إليه في حاجة، فلما رآه أبو ماعز رحب وأكرمه وألطفه وأحسن جائزته.
والشاهد فيه على رفع (مرحب). (واديك) مبتدأ وخبره (مرحب)، و (غير مضبق) وصف لمرحب وهو كقولك: إلا واسع واديك.
ومن روى (ألا مرحبا)، نصبه بإضمار فعل، وجعل (واديك) مبتدأ و (غير مضيق) خبره. ويجوز على نصب (مرحبا) أن يكون (واديك) فاعلا لـ (مرحبا) وتنصب (غير مضيق) وتجعله لمرحب.
الإضافة غير المحضة
قال سيبويه قال المرار:
(سَل الهُمومَ بكل مُعْطي رأسِهِ ... ناحٍ مُخالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعَيسِ)
أَنِفَ الزَّمامَ كأَنَّ صفْقَ نُيوبِهِ ... صَخَبُ المواتح في عراك المخمِسِ
مُغْتالِ أحْبُلِهِ مبينٍ عِتْقُهُ ... في مَنْكِبٍ زَبَنَ المطيَّ عَرَنْدَسِ
الشاهد في إنه أضاف (معطي) إلى رأسه) إضافة غير محضة، وهو في تقدير انفصال، واستدل على أن الإضافة غير محضة وإنه على حكم التنكير؛ إنه نعته بنكرة فقال: ناج مخالط صهبة.
معنى معطي رأسه: يريد إنه منقاد ليس بصعب، والمتعيس: الذي يضرب الى البياض، والاعيس: الأبيض،
стр. 72
أنف الزمام: قيل فيه إنه يأنف من الزمام كأنه غضبان. وقيل فيه: إنه الذي يأذى بالبرة التي يشد فيها الزمام. يقال: قد أنفث الإبل: إذا تأذت بالبرات، والصفق: الصوت، والمواتح: الذين يمدون الدلاء حين تخرج من الآبار، والمخمس: الذي يورد إبله خمسا؛ في ايوم الخامس من اليوم الذي شربت فيه، والعراك: ازدحام الإبل على الماء.
شبه وقع صوت أنيابه بعضها على بعض بأصوات المواتح الذين يستقون، فبعضهم يضاغن بعضا، والأحبل: هي الحبال التي تشد على وسطه، فكأنه لما لم يفضل منها شيء قد استهلكها. والعتق: الكرم وجودة الأصل. يقول: إذا رآه الرائي علم إنه كريم. وقوله: في منكب: يريد مع منكب له عظيم يدفع بها المطي إذا زاحمته، والزبن: الدفع، وفي (زبن) ضمير يعود إلى المنكب. يريد منكبه دفع عنه، والعرندس: الشديد.
الاسم المرفوع بعد: قلما
قال سيبويه قال المرار
صرَمْتَ ولم تُصْرَم وأَنتَ صَروم ... وكيفَ تَصابي مَنْ يُقال حَليمُ
(وصدَّتْ فأطوَلْتَ الصُّدودَ وقَلَّما ... وِصالٌ على طول الصُّدودِ يَدومُ)
стр. 73
يقول: صرمت هذه المرأة قبل أن تصرمك، يخاطب نفسه. ثم قال: وكيف تصابي من قد كبر وحلم، وأراد: من يقال هو حليم. وصدت هذه المرأة فأطولت أنت الصدود، ومع طول الصدود لا يبقى من المودة والمحبة شيء.
والشاهد على إنه أخر الفعل الذي كان ينبغي له أن يقع بعد (قلما وأوقع بعده (وصال) وهو مرفوع بإضمار فعل يفسره (يدوم) هذا الظاهر.
حالة من عطف البيان - إذ لا يجوز البدل
قال سيبويه قال المرار:
(أنا ابنُ التّارِكِ البَكْري بِشْرٍ ... عليه الطيرُ تَرقبُهُ وُقوعا)
عَلاهُ بِضَربَةٍ بعثَتْ بِلَيْلِ ... نوائحهُ وأَرْخَصَتِ البُضُوعا
عنى بشر بن عمرو بن مرثد وقتله رجل من بني أسد، ففخر المرار بقتله. وبشر: هو من بكر بن وائل. والاخصت البضوعا أي: أرخصت الضربة
стр. 74
اللحم على الطيور، والبضوع جمع بضعة، وهو مثل مأنة ومؤون. وقد جاء بدرة وبدور. قال الفرزدق:
فَيَحبوهُ الأمينُ بها بُدورا
ويروى: (البضيعا) مكان (البضوعا). والبضيع: اللحم. وزعم بعض الرواة إنه يريد بالبضوع بضوع نسائه أي نكاحهن.
يقول: لما قتلوه سبوا نساءه، فنكحوهن بلا مهر. والبضوع: النكاح.
والتفسير الأول أعجب إلي.
حذف الفعل لكثرته في كلامهم
قال سيبويه قال الحارث بن ضرار النهشلي يرثي يزيد بن نهشل:
стр. 75
سقى جدثا أمسى بدومة ثاويا ... من الدلو والجَوزاء غادِ ورائح
(لِيُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخُصْومةٍ ... ومختبِطٌ مما تُطيحُ الطوائحْ)
الشاهد في إنه رفع (ضارع) فعل، كأنه قال بعد قوله: ليبك يزيد: للببكه ضارع.
دومة: اسم موضع معروف، والثاوي: المقيم، والضارع: الذي قد ذل وضعف،
والمخبط: السائل، وتطيح: تهلك. يقال: طاح الشيء يطيح: هلك، وأطحته أنا. والغادي: الذي يأتي بالغداة، والرائح: الذي يأتي بالعشي.
وقوله: من الدلو والجوزاء: أراد المطر الذي يجيء عند سقوط هذين النجمين. وقوله: مما تطيح، و (ما تطيح): مصدر بمنزلة الاطاحة، كما تقول: يعجبني ما صنعت، أي يعجبني صنيعك. وأراد: مختبط من أجل ما قد أصابه من إطاحة الأشياء المطيحة، أي من أجل الأشياء المهلكة.
يريد إنه احتاج وسأل من أجل ما نزل به. والطوائح في البيت بمنزلة المطيحات، وهو كما قال : (وأرسلنا الرياح لواقح).
ويروى: (ليبك يزيد) بفتح حرف المضارعة ونصب (يزيد) ويرتفع (ضارع) بـ (يبك).
стр. 76
الفعل بالظرف بين اسم الفاعل ومعموله
قال سيبويه في باب جرى مجرى الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين، في اللفظ لا في المعنى. قال الاخطل:
جَوادٌ إذا ما انحلَ الناسُ مُمْرعٌ ... كريمُ لجوْعات الشتاء قَتْوُلها
ثم ذكر الاخطل بعد هذا البيت بيتين، ثم عطف فقال:
(وكَرّارُ خَلْفِ المجْحَرين جوادَهُ ... إذا لم يُحام دونَ أنثى حَليلُها)
يمدح بهذه القصيدة همام بن مطرف التغلبي، وكان سيد بني تغلب.
أمحل الناس: أجدبوا، والمرع: المكان المعشب. يريد إنه للناس؛ بمنزلة البلد الذي فيه عشب، فالانتفاع به عام كالانتفاع بالبلد المعشب. وهم يصفون الجواد بأنه يقتل الجوع، يعنون إنه يزيل جوع الجياع بالإطعام. فإذا أبطل الجوع بالإشباع فهو بمنزلة القاتل له لأنه أبطله، والمجحرون: المتأخرون.
يقول: الذين قد تأخروا في الهزيمة، ولحقتهم الخيل فقاربت اخذهم؛ يحميهم هو
ويمنع منهم حتى ينجوا. وقوله: (إذا لم يحام دون أنثى حليلها) يريد إنه شجاع يحمي قومه ويمنع منهم إذا بلغ الخوف من الناس اشد مبلغ، حتى يفر الرجل، ويترك زوجته لا يدافع عنها. والخليل الزوج.
ويروى (خلف المرهقتين) وهو مثل معنى المجحرين. ويروى:
حفاظا إذا لم يَحْمِ أنثى حليلُها
يريد: محافظة على حسبه أن يعاب بأنه ترك قومه وانصرف عنهم.
стр. 77
والشاهد فيه إنه أضاف (كرار) إلى (خلف) وجعل (خلف المجحرين) مفعولا على السعة.
الفصل بين المتضايفين
قال سيبويه: ومما جاء مفصولا به بينه وبين المجرور قول الأعشى:
ولا نقاتلُ بالعِصِي ... ولا نرامي بالحِجارهْ
إلا عُلالَةَ أو بُدا ... هَةَ قارحٍ نَهْدِ الجُزارَهْ
هذا إنشاد الكتاب، والبيتان في شعره متفرقان، والترتيب على ما وجدته:
وهناكَ يكذِبُ ظَنكُمْ ... أن لا اجتماعَ ولا زِيارَهْ
ولا بَراَءةَ للبري ... ءِ ولا عطاَء ولا خُفارَهْ
(ألا بُداهَةَ أَو عُلا ... لةَ قارحِ نَهْدِ الجُزارَهْ)
ثم مضى الأعشى في قوله إلى أن قال:
ولا نُقاتلُ بالعِصِي ... ولا نُرامي بالحجارَهْ
ولا تكونُ مَطِينا ... عند المباهاةِ البِكارهْ
يخاطب شيبان بن شهاب يقول: إذا غزوناكم علمتم أن ظنكم بأننا
стр. 78
لا نغزوكم كذب، وأنا لا نجتمع ولا نزوركم بالخيل والسلاح غازين لكم. ولا براءة للبريء، يقول: من كان بريئا منكم لم تنفعه براءته، لأن الحرب إذا عظمت وتفاهمت لحق
شرها البريء؛ كما يلحق غيره. وأراد أننا ننال جماعتكم بما تكرهون، ولا تقبل منكم عطاء ولا خفارة تفتدون بها منا حتى نترك قتالكم.
وأراد لا قبول عطاء لكم ولا خفارة، (إلا بداهة) استثناء منقطع. يقول: نحن لا نقبل منكم عطاء ولا خفارة، لكن نزوركم بالخيل. والبداهة: أول جري الفرس، والعلالة: جري بعد جريه الأول. والقارح من الخيل: الذي قد بلغ أقصى أسنانه. ويروى: سابح. والسابح: الذي يدحو بيديه في العدو، والجزارة من الفرس: رأسه وقوائمه، والنهد: العظيم، ولم يرد أن على قوائمه لحما كثيرا؛ وإنما يريد أن عظامه غليظة. والمطي: جمع مطية وهي الراحلة التي يركب مطاها: وهو ظهرها، والمباهاة: المفاخرة والمعاظمة. يريد أنهم يركبون من الإبل إلا البزل والجلة، وكانوا يعيرون من ركب بكرا. وقوله: لا نقاتل بالعصي، يريد أنهم ليسوا برعاء ولا من السفلة الذين لا سلاح معهم، فإذا تقابلوا تراموا بالحجارة وتضاربوا بالعصي.
ويروى:
ولا نُلاطِمُ بالأكف
والشاهد في البيت الثاني، على إنه فصل بين المضاف والمضاف اليه، وكذا مذهب سيبويه، وعنده أن (علاله) مضاف إلى (القارح) و (بداهة) مضاف إلى شيء محذوف. كأنه قال: إلا علالة قارح أو بداهته.
ومذهب أبي العباس: أن (علالة) مضاف إلى شيء محذوف. و (بداهة) مضاف إلى (قارح). فعلى ما ذهب إليه أبو العباس لا يكون في البيت فصل
стр. 79
بين المضاف والمضاف إليه، وإنما يكون حذف المضاف إليه من الاسم الأول وهو يراد، كأنه قال: إلا علالة قارح أو بداهة قارح، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه.
ولقائل أن يقول: أن قول سيبويه جار على ما يوجبه نظم الكلام، وذلك أن الاسم
إذا احتيج إلى تكرير ذكره ذكر بلفظه الظاهر في أول الكلام، ثم أعيد بلفظ الضمير إلى أن تتم الجملة. كقولك: هذا أخو زيد وصديقه وجاره، ولا تقول: هذا أخو زيد وصديق زيد وجار زيد.
فنحن إذا قدرنا مضافا إلى الظاهر، وقدرنا الثاني مضافا إلى ضمير الاسم المتقدم؛ فقد أتينا بالشيء على أصله.
قال: فإن قال قائل: مذهب أبي العباس أولى؛ لأن البيت على مذهب سيبويه فيه قبح من وجهين:
أحدهما إنه فصل بين المضاف والمضاف إليه في الاسم الأول، وحذف المضاف إليه في الثاني. قيل له: قول أبي العباس فيه قبح من جهة إنه حذف المضاف إليه من الاسم الأول والاسم الثاني على ما توجبه العربية.
قيل له: أن المضاف إليه قد يحذف في الكلام ولا يكون حذفه ضرورة، نحو: يا رب اغفر لي، ويا غلام أقبل، يريد غلامي. قال الله : طلله الأمر من قبل ومن بعد يريد به من قبل كل شيء، ومن بعد كل شيء. فحذف المضاف إليه.
стр. 80
فإن قال: هذا لا يشبه ما ذكرت؛ لأن المضاف إليه إذا حذف جرى المضاف في اللفظ مجرى الاسم الذي ليس بمضاف، وتغير عن اللفظ الذي كان عليه في حال الإضافة.
وقوله (أو بداهة) قد بقي مفتوحا على ما كان عليه في حال الاضافة، غير منون. وهذا لا يكون إلا في الضرورة.
قيل له: إنه ولي (بداهة) اللفظ بـ (قارح) لم يغيروه، لأنه قد وليه ما كان يجوز أن يضاف اليه، فجعلوا اللفظ على لفظ إضافة البداهة إلى القارح. والتقدير على خلاف ذلك.
وجوب اتصال الفعل المتأخر بضمير يعود على
معموله المتقدم
قال سيبويه في: باب من الاستفهام يكون الاسم فيه رفعا: أكل يوم قميص تلبسه. فإذا كان وصفا، فأحسنه أن يكون فيه الهاء، لأنه ليس موضع اعمال، ولكنه يجوز كما جاز في الوصل، لأنه موضع ما يكون من الاسم.
ذكر سيبويه أن الفعل الذي يقع موقع الوصف؛ أحسنه أن يكون فيه الهاء، لأنه بالمضمر يصير وصفا للأول ويلتبس، ولو لم يكن فيه ضمير من الموصوف؛ لم يصلح أن يكون صفة له، فلذلك كان الأحسن ثبات الهاء.
وقوله: لأنه
стр. 81
ليس موضع أعمال يريد أن الاسم المتقدم في أول الكلام، لا يجوز أن يعمل فيه الفعل هو وصف. وقد مثل ذلك سيبويه بأن قال: زيدا أنت رجل تضربه لو حذفت الهاء لم يعمل (تضرب) في (زيد) ولا في (رجل) لأن الفعل الذي هو وصف لا يعمل في الموصوف ولا فيما قبله.
وقوله: ولكنه يجوز كما جاز في الوصل يريد إنه يجوز حذف الضمير من الصفة كما يجوز حذف الضمير من صلة (الذي)، إذا قلت: الذي ضربت زيد. فالصفة تابعة للموصوف ولا تعمل فيه، فجاز حذف الضمير من الصفة؛ كما جاز حذفه من الصلة.
وقال قيس بن حصين بن زيد الحارثي:
(أَكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوونَهُ)
يُلقِحُهُ قَوْمٌ وتنْتِجونَهُ
أرْبابهُ نَوْكَى فلا يَحْمونَهُ
ولا يُلاقونَ طِعاناً دونَهُ
هيهاتَ هيهاتَ لما يَرْجُونَهُ
الشاهد فيه إنه جعل (تحوونه) وصفا لـ (نعم) و (نعم) مبتدأ و (أكل عام) خبره.
وجعل ظرف الزمان خبرا عن النعم، وظروف الزمان لا تكون
стр. 82
أخبارا للجثث لتأويل فيه، وهو إنه يقدر أن الكلام فيه حذف، وأصله: أكل عام أخذ نعم أو تحصيل نعم أو ما أشبه ذلك.
يلحقه قوم: أي يحملون الفحولة على النوق، فإذا حملت أغرتم عليها فأخذتموها وهي حوامل، فنتجتموها: أي ولدت عندكم. ويقال: أنتجت الناقة إذا ولدت عندي.
والنوكى: جمع أنوك وهو الاحمق، الضعيف العمل والتدبير، فما تحمونه: لا تمنعون من أراد الإغارة عليه. هيهات هيهات لما يرجونه: أي رجوا أن يدوم لهم هذا الفعل في الناس، فمنعناهم منه وحمينا ما ينبغي أن نحميه.
وقال زيد الخيل:
(أفي كلَّ عامٍ مأتَمٌ تبعَثونَهُ ... على محِمْر ثَوْبتموهُ وما رُضَى)
تجدونَ خمْشا بعد خمشٍ كأنها ... على فاجع من خير قومِكُمُ نُعَى
الشاهد فيه أن (تبعثونه) وصف لـ (مأتم) والمأتم: الجماعة من النساء. أراد: أفي كل عام اجتماع مأتم. وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهو مثل البيت الأول في التقدير.
والمحمر: البرذون. وقيل: هو السكيت الذي لا خير فيه من الخيل. يريد أنهم يجمعون نساء ليبكين على هذا المحمر. ومعنى ثوبتموه: جعلتموه ثوابا على جميل فعل بكم، وما رضي به ثوابا لقته وحقارته.
والخمش: تخديش الوجه. يريد أنهم يخدشون وجوههم على المحمر مرة بعد مرة، كما يفعلون لو فقدوا سيدا من ساداتهم. والفاجع: الهالك الذي يؤذي فقده
стр. 83
أهله، ويبين عليهم أثر عدمه. ورضا ونعا. أصلهما رضي ونعي، فقلبت الياء فيهما ألفا،
وهذه لغة طائية.
وسبب هذا الشعر، أن بجير بن زهير بن أبي سلمى كان في غلمة يجتنون من جنى الأرض، ثم انطلق الغلمة وتركوا ابن زهير، فمر به زيد الخيل فأخذه، ودار طيء متاخمة لدور بني عبد الله بن غطفان، فسأل الغلام: من أنت؟ فقال: أنا بجير بن زهير، فحمله على ناقة ثم أرسل به إلى أبيه، فلما أتى الغلام أباه، اخبره أن زيد الخيل أخذه، فحمله، وخلاه.
وكان لكعب بن زهير فرس من كرام الخيل، وكان جسيما، وكان زيد الخيل من أعظم الناس وأجسمهم. كان - زعموا - لا يركب دابة إلا أصابت إبهامه الأرض.
فقال زهير: ما ادري ما أثيب به زيدا إلا فرس كعب، فأرسل به إليه وكعب غائب، فجاء كعب فسأل عن الفرس، فقيل: أرسل به أبوك إلى زيد، فقال كعب لأبيه: كأنك أردت أن تقوي زيدا على عطفان! فقال زهير لابنه: هذه أبلي فخذ ثمن وازدد عليه. فلم يرض كعب، واندفع يحرض بني ملقط الطائيين على زيد الخيل، وكان بينهم قتال.
وقال كعب قصيدة يذكر فيها ما بين بني ملقط وبين زيد الخيل. فأجابه زيد الخيل بأبيات أولها ما تقدم إنشاده.
إبدال الظاهر من ضمير المتكلم
قال سيبويه قال عدي بن زيد:
(ذَريني أن أمْرَكِ لنْ يُطاعا ... وما ألْفَيْتِني حِلمي مُضاعا)
стр. 84
الشاهد فيه على إنه أبدل (حلمي) من ضمير المتكلم، كأنه قال: ما ألفيت حلمي. فإن قال قائل: أنتم لا تجيزون الإبدال من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب. قيل له:
الذي يمنع منه، أن البدل يكون على طريق التعريف والإيضاح للمبدل منه، كقولك: رأيتك زيدا ورأيتني عمرا. فهذا لا يجوز لأنه ليس يقع إشكال في المتكلم والمخاطب فيحتاج إلى بدل يوضحه، وهذا الضرب من البدل لا يجوز؛ لأن في الإبدال منه فائدة، تقول: أتبعتني ظهري وضربتك يدك. ومثله:
أوْعدَني بالسَّجْنِ والأدارِهِمِ
(رِجْلي ورِجْلي شَثْنَهُ المَناسِمِ)
أبدل (رجلي) من ضمير المتكلم، و (مضاعا) منصوب على الحال. وألفيتني: وجدتني.
يقول لعاذلته: ذريني من عذلك على ما افعله، فما وجدتني سفيها مضيع الحلم. والمعنى واضح.
تكرار الظاهر دون ضميره في كلامهم
قال سيبويه: وتقول: ما زيد ذاهبا ولا محسن زيد، بالرفع أجود، وأن كان يريد الأول، لأنك لو قلت: كان زيد منطلقا زيد، لم يكن
стр. 85
حد الكلام. وكان هاهنا ضعيفا، ولم يكن كقولك: ما زيد منطلقا هو، لأنك قد استغنيت عن إظهاره.
قال: وقد يجوز النصب. يريد إنه قد يجوز أن تنصب فتقول: ما زيد ذاهبا ولا محسنا زيد، تجعل الظاهر كالمضمر، وتجعله معطوفا على الخبر عن الأول. كما قال سوادة بن عدي. كذا في الكتاب: سوادة بن عدي.
والقصيدة تروى لعدي بن زيد، وتروى لسواد بن زيد بن عدي بن زيد:
(لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقيرا)
يُدركُ الآبِدَ الفَرورَ ويُرْدي الطّيرَ في النيقِ يَبتَنِين الوُكُورا
стр. 86
يريد أرى الموت لا يسبقه شيء. وأراد: نغص الموت عيش ذي الغنى وعيش الفقير. والآبد الفرور: الوحشيء، ويردي: يهلك، والنيق: رأس الجبل، والوكور:
جمع وكر وهو بيت الطائر.
يعني أن الموت يدرك كل حي، ولا يمتنع منه شيء.
النصب على الحث (الإغراء)
قال سييبويه في: باب ما جرى من الأمر والنهي على الفعل المستعمل إظهاره. قال مسكين الدارمي.
وإن ابنَ عم المرءِ فاعْلَمْ جناحُه ... وهل ينهضُ البازي بغير جِناحِ
(أخاكَ أَخاكَ أن مَنْ لا أَخا لهُ ... كَساعٍ إلى الهَيْجا بغير سلاحِ)
كأنه قال: الزم أخاك. الشاهد فيه على إضمار الفعل الناصب (أخاك) ولو اظهر الفعل لم يكرر معه اللفظ بـ (أخاك) مرتين، لأن التكرار لا يستعمل معه الفعل.
الذي أراد: أن هذا يجوز أن يظهر عامله إذا افرد،
стр. 87
وهو كقولك: الطريق الطريق إذا كررت، يجوز إظهار الفعل مع حذف أحد اللفظين.
والمعنى إنه حث على التواصل وأسبابه، واعلم أن من قطع أخاه وصرمه كان بمنزلة من قاتل بغير سلاح. والمعنى واضح.
نصب الاسم بعد واو (مع) بإضمار فعل الكون
قال سيبويه في باب من أبواب (مع): وقد زعموا أن ناسا يقولون: كيف أنت وزيدا، وما أنت وزيدا. ثم مضى في كلامه حتى انتهى إلى قوله: كأنه قال: كيف تكون أنت وقصعة من ثريد، وما كنت أنت وزيدا. يعني إنه نصب الاسم الذي بعد الواو بإضمار الفعل الذي يكثر وقوعه بعد: (ما) و (كيف) وذلك الفعل (كان) و (يكون) لأنه يكثر في كلامهم: كيف تكون أنت وزيدا، وما كنت أنت وزيدا. فلما كان هذا من المواضع التي يكثر استعمال الفعل فيها، تركوا ذكره ونووه.
قال أسامة الهذلي:
(وما أنا والسَيْرَ في مَتْلَفٍ ... يُبَرحُ بالذكَرِ الضّابطِ)
متلف موضع تلف، يبرح بالبعير الذكر: أي يحمله على ما يكره من
стр. 88
السير ويشق عليه، ويقال: لقي منه برحا بارحا: إذا لقي منه شدة. والضابط الشديد.
والشاهد إنه نصب (السير) بتقدير: ما أكون أنا والسير.
نصب الاسم بإضمار فعل - إذ قبح عطفه على
ضمير مجرور
قال سيبويه في: باب يضمرون فيه الفعل، يقبح أن يجري على أوله، وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا.
أراد أنهم لما رأوا هذا الاسم الظاهر لا يصلح عطفه على المضمر المجرور، أضمروا له فعلا ينصبه.
قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
(فما لُكُم والفَرْطَ لا تَقربونَه ... وقد خِلْتُهُ أدنَى مَرادٍ لعاقلِ)
ويروى: لقافل.
الشاهد في البيت على نصب (الفرط). والفرط: اسم موضع.
والمراد: المكان الذي يراد فيه أي يذهب ويجاء. ويروى: (أدنى مرد). أي أدنى موضع يرجع إليه القافل.
وقد وقع في الكتاب: أدنى مراد أعاقل.
والعاقل: الذي يصعد إلى الموضع الذي يحترز فيه، والمعنى فيه ضعف. والقافل ها هنا أجود، يريد الراجع من سفره. ويروى: (أدنى مآب)
стр. 89
أي اقرب موضع رجوع. والمعنى فيه: إنه خاطب بني ظفر من بني سليم وكانوا قد غزوا هذيلا، يقول: ما لكم لم تقربوا هذا الموضع! أي لو قربتموه لقتلكم. وقد كان ذكر في هذه
القصيدة طائفة من هذيل قتلوا رجلا من بني سليم أمه هذلاية، فلامهم على قتله. وقد يجوز أن يخاطب بذلك القوم الذين قتلوا ابن الهذلية.
في عمل الصفة المشبهة
قال سيبويه قال عدي بن زيد:
ليس يُفني عيشَه أحدٌ ... لا يُلاقي فيه إمعْارا
(من حبيبٍ أو أخي ثقةٍ ... أو عدوٍ شاحطٍ دارا)
الشاهد فيه إنه نون (شاحط) ونصب (دارا) وهو شاهد على قولك: مررت برجل حسن وجها. والأصل: أوعدوا شاحط داره: أي بعيدة. والشاحط البعيد، والامعار: الفقر والشدة.
يقول عدي في عتابه للنعمان: أن الناس لابد أن يلاقوا في أعمارهم وأيامهم الشدة والرخاء، ولكل واحد منهم قسط في الخير والشر، أن كان وليا وإن كان عدوا.
إجراء القول مجرى الظن
قال سيبويه في باب طننت. قال الكميت:
(أَجُهالاً تقولُ بني لُؤَيٍ ... لَعَمْرُ أبيك أَم مُتَجاهلينا)
стр. 90
وفي شعره:
أَنُواماً تقولُ بني لُؤَيٍ ... لَعَمْرُ أَبيك أَم مُتَناومينا
عن الرامي الكِنانَةَ لم يُردِها ... ولكنْ كادَ غيرَ مُكايدينا
يريد بذلك أهل اليمن. وبنو لؤي: هم بنو لؤي بن غالب بن مالك بن النضر، وهم قريش. يقول: أتظن أن قريشا تغفل عمن هجا شعراء نزار؟ لأنهم إذا هجوا شعراء مضر والقبائل التي منها هؤلاء الشعراء؛ فقد تعرضوا لسب قريش، فهم بمنزلة الذي رمى رجلا فقيل له: لم رميته؟ فقال: إنما رميت كنانته ولم أرمه.
وكان غرضه أن يصيب الرجل.
فيقول: من هجا بني كنانة وبني أسد ومن قرب نسبه من قريش؛ فهو يعرض بسب قريش. يحرض الخلفاء عليهم والسلطان.
الشاهد فيه على إنه أعمل (تقول) عمل (تظن). (بني لؤي) المفعول الأول و (إجهالا) المفعول الثاني.
اللفظ للمفرد والمعنى للجمع
قال سيبويه في باب الحسن الوجه: وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا والمعنى معنى جمع، حتى قال بعضهم في الشعر ما لا
стр. 91
يستعمل في الكلام.
قال علقمة بن عبدة:
تَتَبَّعُ أفياَء الظِلالِ عشيّةً ... على طُرُقِ كأنَّهنَّ سُبوبُ
(بها جِيَفٌ الحَسْرَى، فأَما عظامُها ... فبِيضٌ، وأَما جلدُها فصَليبُ)
في (تتبع) ضمير يعود إلى ناقته، وقد تقدم ذكرها. يقول: تتبع ناقتي الافياء: وهي جمع فيء وهو ما كانت عليه الشمس فزالت عنه، وكل فيء ظل وليس كل ظل فيئا، لأن الظل الذي يكون بالغداة لا يسمى فيئا. والسبوب: جمع سب وهو ثوب من كنان، وقيل السب: العمامة. شبه الطرق في امتدادها ودقتها بالعمامة الممدودة، أو الثوب الممدود. (بها) أي بهذه الطرق جيف الحسري: وهي جمع حسير، وهي الناقة التي سقطت من الإعياء والكلال. وزعموا أن الصليب: اليابس، وقيل: الصليب كل جلد لم يدبغ. يقول: عظام الإبل التي قد أعيت - وبقيت مكانها حتى ماتت في هذا الطريق - بيض، وجلودها يابسة. ويصف الطريق بالبعد، وأن الإبل تنقطع فيه لطوله وتموت. يذكر الذي مدحه بعد الأرض التي قطعها إليه.
من ضرورات الشعر
قال سيبويه في: باب ضرورة الشعر: قال الأعشى:
стр. 92
أرى رجُلاً منهم أسِيفاً كأنما ... يَضُم إلى كَشْحَيْهِ كفا مُخَضبا
(وما لهُ مِن مَجْدٍ تَليدٍ ولا لهُ ... منَ الريحِ فَضْلُ لا الجَنوبُ ولا الصبا)
الاسيف: الحزين الغضبان، ويقال للحزين خاصة الاسيف. ويقال الاسوف: الغضبان، والكشحان: الجانبان. كأنه من شدة غضبه قد قطعت كفه فضم يده إلى جنبيه وهي مقطوعة.
يقول: هذا الرجل ينظر إلي نظر غضبان كأني قد قطعت يده. وما له من مجد تليد: أي ليس له مجد قديم. ولا له من الريح فضل: أي ليست له علي مقدرة من جهة من الجهات، كذا رأيته فسر.
وهذا جار مجرى قولهم: هبت ريح فلان، إذا علا أمره وعظم شأنه وصارت له دولة، وسكنت عنه ريحه: إذا زال عنه سلطانه ومقدرته.
يهجو بذلك عمرو بن المنذر وقومه، وهو من بني عم الأعشى، لأنه ضرب قائد الأعشى في تهمة أتهمه بها.
والشاهد فيه إنه حذف صلة الضمة وهي الواو من (لهو). (ولا الجنوب) مجرور لأنه وصف الريح. ويروى:
وما عندهُ مجدٌ تَليدٌ
وليس على هذه الرواية شاهد.
стр. 93
وقال الاعشى:
إلى هَوْذَةَ الوهّابِ أهْديتُ مِدْحتي ... أرَجي نَوالاً فاضِلاً من عطائكا
(تَجانَفُ عن جُل اليَمامةِ ناقَتي ... وما قَصدَتْ من أهلها لِسوائكا)
هوذة هذا: هو هوذة بن علي الحنفي. وذكر هوذة كما يذكر الغائب، ثم عدل إلى خطابه. وتجانف: تميل وتعدل، وجل اليمامة: يريد جل أهلها، وجلهم: معظمهم.
يعني إنه لم يقصد سواه من أهل اليمامة. والضمير في (أهلها) يعود إلى اليمامة، وجعل النيل عن غير هوذة وقصد هوذة فعل الناقة؛ وإنما هو فعل صاحبها. ومعناه واضح.
يريد: ما قصدت من أهل اليمامة لغيرك، إنما قصدتك أنت. ويروى:
وما عدلَتْ من أهلها لسوائكا
وقيل: اللام بمعنى (إلى) أي ما عدلت إلى سوائك.
والشاهد فيه إنه أدخل حرف الجر على (سوائك) فجعله من المتمكن، وهو غير متمكن.
قال سيبويه في هذا الباب قال خطام المجاشعي:
لم يبق من آيٍ بها يُحَلَّيْنْ ... غيرُ حُطامٍ ورمادِ كَنْفَيْنْ
стр. 94
وغيرُ نُؤيٍ وحجاجَيْ نُؤيَيْنْ ... وغيرُ وَدٍ جاذِلٍ أو وَدَّيْنْ
(وصالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ)
ذكر ديارا قد ذهب منها أهلها وبقيت آثارهم فيها. والآي جمع آية وهي العلامة. يقول: لم يبق من علامات حلولهم فيها علامة تحلى وتوصف، غير حطام: وهو دق الشجر، يريد به ما بقي على الخيام من الشجر الذي قطعوه وظلوا به. و (رماد) مضاف إلى (كنفين) أي رماد من جانبي الموضع. كذا رأيته، بإضافة (الرماد) إلى (كنفين). ولو روي بالتنوين لم يكن خطأ عندي.
والنؤي: حول البيت، تحفر حفيرة حول البيت، ويؤخذ ترابها فيجعل حاجزا له، فجعل الحاجز حول البيت بمنزلة حجاج العين، وهو العظم المشرف حولها. والجاذل: المنتصب، والصاليات: الاثافي، ويؤثفين: يجعلن في موضع الطبخ. ويقال: صلي بالنار إذا احترق.
والشاهد فيه إنه أدخل الكاف على الكاف، وجعل الثانية في تقدير (مثل)، حتى
صلح أن تدخل عليها الكاف التي هي حرف. ولولا إنه جعل الثانية اسما؛ لما جاز أن يدخل حرف الجر.
وإحدى الكافين زائدة من طريق المعنى، كأنها وردت تكريرا وتوكيدا. والذي يريد: وصاليات كما يؤثفين.
والصاليات: الأثافي صليت بالنار، وهي الحجارة التي توضع عليها القدر. وقوله: كما يؤثفين: يريد أنها كما نصبت وتركت القدر؛ لم يتغير منها شيء، ولم تنح اثفية منها عن موضعها، هي في الموضع الذي كانت فيه حين طبخوا.
стр. 95
ويقال: اثفيت الأثافي، إذا اصلحتها لتضع عليها القدر أو المرجل أو ما أشبه ذلك.
ويروى:
وغيرُ سُفْعٍ كَكَما يؤَثْفَيْن
والسفع: التي قد سفعتها النار، أي سودتها وغيرت لونها. يعني الأثافي.
تأنيث الفعل على اللفظ - بكثرة الاستعمال
قال سيبويه في باب كان: وسمعنا من العرب من يقول ممن يوثق بعربيته: اجتمعت أهل اليمامة، لأنه يقول في كلامه: اجتمعت اليمامة، والمعنى أهل اليمامة. فأنث الفعل وجعله في اللفظ لليمامة؛ فترك اللفظ على ما يكون عليه في سعة الكلام.
يريد سيبويه أن العرب قالت: (اجتمعت) فأنثوا لأن الفاعل مؤنث وهو اليمامة، فأنثوا على اللفظ، ومعنى الإخبار هو عن أهل اليمامة.
وقال بعضهم - بعد استمرار لفظهم على تأنيث الفعل في (اجتمعت اليمامة) -: اجتمعت أهل اليمامة، فترك علامة التأنيث، وقد جعل الفعل للأهل، وكان ينبغي أن يذكر لأن الفاعل هو الأهل، والأهل مذكر، وهو في المعنى فاعل، فلم يذهبوا بالتأنيث إلى اللفظ ولا إلى المعنى، لأن الأهل مذكر في اللفظ والمعنى.
ووجه قولهم: اجتمعت أهل اليمامة؛ أنهم لما اثبتوا التاء في قولهم: اجتمعت اليمامة، وأكثروا استعمال هذا الكلام، ثم أدخلوا الأهل؛ تركوا التاء في قولهم (اجتمعت) ثابتة على ما كانت عليه.
قال: ومثله يا طلحة
стр. 96
اقبل، لأن أكثر ما يدعو طلحة بالترخيم، فترك الحاء على حالها.
يريد أن العرب لما أكثرت استعمال طلحة مرخما، وهو إذا رخم حذفت التاء وبقيت الحاء مفتوحة، واحتاجوا إلى إدخال تاء التأنيث على المرخم، وجعلوا حركة التاء التي دخلت بعد الحاء كحركة الحاء لأنها وقعت طرفا في مثل الموضع الذي وقعت فيه الحاء؛ ففتحت كما كانت الحاء مفتوحة. جعلوها - بعد دخول التاء على الترخيم لكثرة ما يرخم هذا الاسم - كما جعلوا: (اجتمعت أهل اليمامة) على لفظ التأنيث بعد دخول (الأهل).
ثم قال سيبويه: وتقول يا تيم تيم عدي، كما تقول يا طلحة أقبل.
يريد أن إدخال (تيم) الثاني بين المضاف إليه، وترك الكلام على ما كان عليه، وفتح (تيم) الثاني كما أن الأول مفتوح - بمنزلة إدخال تاء التأنيث على (يا طلح)، وفتحها كما كانت الحاء مفتوحة.
وقال جرير:
يا تيمَ تيمَ عدِي لا أبا لَكُمُ ... لا يُلْقِنكُمُ في سَوءةٍ عُمَرُ
يريد تيم بن عبد مناة، وهم قوم عمر بن لجأ، وعدي هم اخوة تيم. يقول
стр. 97
لهم: لا يلقبنكم في مكروه عمر لأجل تعرضه لي، أي امنعوه من هجائي حتى تأمنوا أن ألقيكم في بلية، ونهاهم أن يلقيهم عمر.
والإلقاء ليس من فعلهم إنما هو من فعل عمر، لأن معنى هذا وأشباهه معروف، ويراد به أنكم قادرون على كف عمر أن يجلب عليكم ما تكرهون، فإذا تركتم نهيه
عن ذلك فكأنكم قد اخترتم ما فعل، وكأنكم أنتم الفعلون بترككم لكفيه فنهاهم أن يفعل عمر، لأجل هذا المعنى.
اسم (كان) ضمير الشأن
قال سيبويه في: باب الإضمار في ليس وكان: لو قلت: كانت زيد الحمى تأخذ، أو تأخذ الحمى، لم يجز وكان قبيحا. ومثل ذلك في الإضمار قول العجيز السلولي:
(إذا متُّ كان الناسُ صِنفان: شامتٌ ... وآخرُ مًثْنٍ بالذي كنتُ أصنعُ)
بلى سوفَ تبكيني خصومٌ ومجلسُ ... وشُعْتٌ أهينو حضرة الدارِ رِجُوعُ
الشاهد في البيت الأول، إنه جعل في (كان) ضمير الأمر والشأن و (الناس) بعد (كان) مرفوع بالابتداء، و (صنفان) خبره، والجملة في موضع خبر كان، و (شامت) بدل من (صنفان) و (آخر) معطوف عليه. كأنه قال: صنفان: صنف
стр. 98
شامت وصنف مثن. والمعنى أن له أصدقاء وأعداء، فأصدقاؤه يثنون عليه بالجميل الذي كان يفعله، وأعداؤه يشمتون به.
ويروى:
كان النّاسُ نصفين
على إنه خبر كان، و (الناس) اسمها، وليس فيه شاهد على هذا الوجه. ويكون (شامت) مرفوعا لأنه تبعيض، كأنه قال: بعضهم شامت، وبعضهم مثن. ويروى:
ومثنٍ بنِيْرَيْ جُلَّ ما كنتُ أصنعُ
والنيران: العَلَمان في الثوب، وإنما يريد به إنه يثني بحسن فعله الذي هو في أفعال الناس كالعلم في الثوب. وجل الشيء: معظمه، والشعث: جمع أشعث وه الذي لا يغسل رأسه ولا يسرحه لشقائه والشدة التي هو فيها. و (حضرة الدار) ظرف.
في معاني الفاء
قال سيبويه في: باب ما تنصب فيه الصفة لأنها حال وقع فيها الاسم: وإذا أردت بالكلام أن تجريه على الاسم كما يجري على النعت؛ لم يجز أن تدخل الفاء، لأنك لو قلت: مررت بزيد أخيك فصاحبك والصاحب زيد لم يجز، وكذلك لو قلت: زيد أخوك فصاحبك ذاهب لم يجز، ولو قلتها بالواو حسنت، كما أنشد كثير من العرب لأمية بن أبي عائذ.
стр. 99
تفسير الفاء التي للعطف:
من شأنها أن يكون المعنى الذي اشترك فيه المعطوف والمعطوف عليه؛ حاصلا للمعطوف بعد حصوله للمعطوف عليه بلا مهلة فصل، ويكون حصوله للثاني عقب حصوله للأول. نحو قولك: زيد آتيك فمحدثك، أي يحصل الحديث من قبله بعد إتيانه بلا فصل.
ولا يجوز أن يكون الحديث الذي أخبرت به عنه حصل قبل الاتيان، ولا في الحال التي حصل فيها الإتيان.
وإذا أردت أن تخبر عن شخص من الأشخاص بخبرين هما حاصلان له في حال واحدة؛ لم يجز أن تعطف أحدهما على الآخر بالفاء، لأنهما حصلا في زمان واحد، والفاء توجب أن زمان أحدهما بعد زمان الآخر، فإن أدخلت الفاء فسد معنى الكلام.
وكذلك الصفة أن جئت بالفاء فيها، أوجبت أن المعنى الذي أوجب الوصف الثاني؛ حصل له بعد حصول الصفة الأولى.
قال أمية بن أبي عائذ:
فأَوْرَدَها مَرصَدا حافظاً ... به ابن الدُّجَى لاطِئاً كالطحالِ
مُفِيداً مُعِيداً لأَكْلِ القَني ... صِ ذا فاقةٍ مًلْحِماً للعِيالِ
وَيأْوي إلى نِسوةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثٍ أضيعَ مثلِ السَّعالي)
стр. 100
قال سيبويه: لو قلت (فشعثٍ) قبح. وإنما قبح لأن العطل هو أن لا يكون على المرأة حلي؛ حصل لها مع الشعث في وقت واحد، فجاز أن يعطف أحدهما على الآخر، لأن الواو للجمع وليست للتعقيب، ولو عطفت بالفاء لأوجب أن الشعث صل لهن بعد العطل، وهذا يفسد معنى الشعر، لأنه أراد أن يخبر بالصفات التي حصلت لهؤلاء النسوة في حال واحدة. ولو عطف بالفاء لم يكن الشعث مصاحبا للعطل وكانا في الوقت الذي كان فيه.
وابن الدجى: الصائد الذي يصيد الوحش، وفي (أوردها) ضمير فاعل يعود إلى العير الوحشي، والضمير المؤنث المنصوب يعود إلى الاتن، والمرصد: الذي يرصد فيه الصائد الوحش، والدجى: جمع دجية وهي بيت الصائد والضمير في قوله (به) يعود إلى المرصد، ولاطئا: لطيء بالأرض كيلا تراه الوحش، كالطحال: يريد، لزوقه بالأرض كلزوق الطحال بالجنب.
وقيل في قوله: ابن الدجى: ابن الظلمة، لأنه يكمن للوحش بالليل، والقنيص: الصيد، والمفيد: المكتسب، والمعيد: الذي قد أعاد أكل الصيد مرة، والفاقة: الحاجة، والملحم: الذي يأتي أهله باللحم.
ويأوي هذا الصائد إلى نسوة عطل من الحلى، يريد أنهن فقيرات سيئات الأحوال، وشعث: جمع شعثاء، وهي التي لا تسرح رأسها ولا تدهنه ولا تغسله. والمراضيع: جمع مرضع، والسعالي: الغيلان، الواحدة سعلاة.
ويروى:
له نسوة عاطلاتُ الصدو ... رعوج مراضيع
وليس في هذه الرواية شاهد. والعوج: المهازيل.
стр. 101
والقصيدة تروى على الإطلاق وعلى التقييد، وكلا الأمرين جائز فيها. وهي من المتقارب. أن أطلقت فهي من الضرب الأول، وإن قيدت فهي من الضرب الثاني.
النصب على الظرفية
قال سيبويه في الظروف: هما خطان جنابتي انفها، يعني الخطين اللذين اكتفا جانبي أنف الظبية. قال الأعشى:
(نحن الفوارسُ يومَ الحِنو ضاحيَةً ... جَنْبَيْ فُطَيْمةً لا مِلٌ ولا عُزُلُ)
الشاهد على إنه جعل (جنبي فطيمة) ظرفا.
وفطيمة هذه فطيمة بنت شراحيل بن عوسجة من بني قيس بن ثعلبة قوم الأعشى، وكان لها ابنان من رجل من قومها يقال له أصرم، فأراد أصرم أن ينزع ابنيها ويرهنهما من
стр. 102
يزيد بن مسهر الشيباني. فاستغاثت بقومها، فاجتمعوا وهزموا بني شيبان، ففخر بذلك الأعشى.
والحنو: منعطف الوادي ونواحيه، وضاحية: بارزة، والميل: جمع أميل وهو الذي لا سيف معه، مثل أحمر وحمر، واضطر إلى تحريك الزاي فحركها، كما قال طرفة:
جَردوا منها وِراداً وشُقرْ
و (ميل) خبر ابتداء محذوف كأنه قال: لا نحن ميل ولا نحن عزل. و (ضاحية) منصوب على الحال، والعامل فيه (الفوارس). والفوارس: في معنى المقاتلة. كأنه قال: نحن الجماعة التي قاتلت يوم الحنو بارزة، نحن الدين جاهروا بالقتال. ويجوز أن يكون (ضاحية) وصفا لبقعة، فيكون ظرفا. كأنه قال: نحن المقاتلة في بقعة بارزة. والوجه الأول أحب إلي.
نصب (ويل) بإضمار فعل
قال سيبويه في: باب من النكرة تجري مجرى ما فيه الألف واللام: واعلم أن بعض العرب يقول: ويلا لك وويلة وعولة،
стр. 103
وتجربة مجرى خيبة.
ذكر سيبويه أن بعضهم ينصب (ويلا) لك، وقد قدم في الباب أن هذا الباب؛ الرفع فيه وجه الكلام، ونصبه بإضمار فعل، كأنه: ألزمك الله ويلك، أو أوقع الله الويل، وما أشبه ذلك.
وأنشد لجرير:
(كسا اللؤمُ تَيْماً خُضْرَةً في جلودِها ... فويلا لِتَيْم من سَرابيلها الخُضْرِ)
يهجو جرير بذلك عمر بن لجأ التيمي وقومه، والخضرة: يريد بها سواد الجلد الذي يضرب إلى الخضرة، والسرابيل: القمص. جعل جلودهم مثل القمص عليهم. وأراد أن ألوانهم متغيرة للؤمهم وضعتهم، (ولعله أراد أنهم لا يغتسلون ولا ينظفون أبدانهم، فقد تقادم عليها الوسخ وتضاعف فاسودت).
النصب على المصدر في التوبيخ بإضمار فعل
قال سيبويه في: باب ما ينتصب من المصادر، كان فيه ألف ولام أو لم يكونا فيه، على إضمار الفعل المتروك إظهاره: وأما ما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب فقولك: أقياما يا فلان والناس قعود! أجلوسا والناس يفرون! فلا يريد أن يخبر إنه يجلس، ولا إنه قد جلس، ولكنه
стр. 104
يخبر إنه في تلك الحال جلوس. على طريق التوبيخ.
قال العجاج:
أطريا وأنت قنسري
والدهر بالإنسان دواري (أراد: أتطرب طربا. على طريق التوبيخ).
والقنسري: الكبير المسن، ودواري: أراد بها دوار، وأدخل عليه ياء النسب. والدوار: الذي يدور بالناس ينقلهم من حال إلى حال.
نصب المصادر في الدعاء وسمع رفعها
قال سيبويه في: باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره: وقد رفعت الشعراء بعض هذا فجعلوه مبتدأ، وجعلوه ما بعده مبينا عليه.
يريد أن بعض المصادر التي تنصب في الدعاء على إضمار الفعل المتروك إظماره، قد سمع فيها الرفع من العرب. قال أبو زبيد الطائي:
(أقام وأقْوى ذاتَ يومٍ وخيبةٌ ... لأولِ مَن يَلْقَى وشَرٌّ مُيسرُ)
الشاهد فيه على إنه رفع (خيبة) وهو مصدر يدعا به، والمصادر التي يدعا بها تنصب، ورفعه بالابتداء، و (لأول من يلقى) خبره.
وصف أسدا
стр. 105
أقام في مكان، وأقوى: لم يجد شيئا يأكله، والمقوي: الذي لا زاد له. وأراد أن الأسد جائع فهو يثب على أول من يلقاه، والميسر: المعجل الذي لا يحتبس. ويروى: (أغار وأقوى) يريد إنه أغار على قوم حمل عليهم. ويروى: (وغي ميسر).
الظرف - جواز رفعه
قال سيبويه في الظروف: وقد يكون في (دونها) الرفع. يريد إنه يجوز فيه التمكن.
ووقع بعد هذا في الكتاب بيتان، وقيل إنهما ليسا من الكتاب. أحدهما بيت ذي الرمة:
أفي مِرْيَةٍ عيناك إذْ أنتَ واقِفٌ ... بحُزْوَى من الأظعانِ أم تَسْتَبينُها
فقال أراها يَحْسُرُ الآلُ مرةً ... فتبدو، وأخرى يكتسي الآلَ دونها)
يخاطب نفسه ويقول: أتشك عينك في أنها ليست ترى الاظعان التي تسير؟ أم تستبينها: أم تبينها، وحزوى: موضع معروف، والاظعان: الهوادج فيها النساء، و (من الاظعان) متصل بقوله (أفي مرية) والآل: ما يكون في أول النهار قبيل
السراب، ويحسر: يذهب، ويكتسي الآل: أي يتغطى بالآل، يريد أن الآل يستره، و (دونها): هو المكان الذي بينه وبين الاظعان، وفي (تبدو) ضمير من الاظعان. يعني أن الآل إذا ذهب رأى الاظعان؛ وإذا حجز الآل بينه وبينها استترت عنه. وقوله (وأخرى): في موضع نصب على الظرف
стр. 106
وهو ظرف من الزمان. والمعنى: ومرة أخرى يكتسي الآل دونها، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
في إعراب (عمرك الله) وأشباهه
قال سيبويه في: باب من المصادر ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، ولكنها مصادر وضعت موضعا واحدا لا تتصرف في الكلام. . . (فقعدك) تجري هذا المجرى. يريد أن (قعدك) بمنزلة (عمرك) وأن لم يكن له فعل يعني وأن لم يكن (لقعدك) فعل.
يريد أن بعض المصادر قد يترك استعمال الفعل فيه، ويكون بمنزلة ما استعمل فعله. فقعدك الله بمنزلة وصفك الله بالثبات وأنه لا يزول. يريد سألتك بوصفك الله بالثبات، ثم حذفت الفعل والتاء. ولا يستعمل الفعل فيه ولا حرف، وهو مصدر لا يتصرف، أي لا يستعمل في غير هذا الموضع من الكلام، ولا يستعمل إلا مضافا.
ثم استشهد على استعمال الفعل من (عمرك الله) بقول ابن أحمر:
(عَمَّرْتُكِ اللهَ الجليلَ فإنني ... أَلوي عليكِ لَوَ أن لبَّكِ يهتدي)
هل لامَني من صاحبٍ صاحبْتُهُ ... من حاسِرٍ أو دارِعٍ أو مُرْتَدي
стр. 107
يخاطب امرأة يقول لها عمرتك الله، أي سألتك بوصفك الله بالبقاء، هل علمت أن أحدا صاحبي من الناس لامني على فعل فعلته، من أحد حاسر: وهو الذي لا درع عليه، أو دارع: وهو الذي عليه الدرع، والمرتدي: الذي عليه الرداء. يريد أن كل من صاحبي على اختلاف أحوالهم وهيئاتهم وأخلاقهم لم يذمني. قوله: ألوي عليك: أي أعطف عليك، لو أن لبك يهتدي: أي لو أن قلبك يقبل النصيحة. و (هل
لامني) هو جواب عمرتك الله.
وقال سيبويه في الباب المتقدم: زعم أبو الخطاب أن (سبحان الله) كقولك: براءة الله من السوء.
ذكر سيبويه (براءة) مضافة إلى اسم الله، كما يضاف (سبحان) إذا قلت سبحان الله. و (براءة) منونة غير مضافة، كما تترك إضافة سبحان قال الأعشى:
(أقولُ لما جاءني فخرُهُ ... سبحانَ مِن علقمةَ الفاخِر)
فسبحان في هذا البيت غير مضاف، إلا أن (براءة) منصرف لأنها نكرة وأن كانت منونة، و (سبحان) لا ينصرف لأنه معرفة وفي آخره الألف والنون.
стр. 108
الشاهد في البيت على إنه نصب (سبحان) وهو غير مضاف ولم يصرفه.
وعلقمة هذا الذي ذكره الأعشى، هو علقمة بن علاثة، وكان علقمة قد فاخر عامر بن الطفيل وهو ابن عمه، وكان الأعشى مع عامر بن الطفيل.
يقول الأعشى: لما سمعت أن علقمة يفاخر عامرا، أعظمت هذا. وسبحان تبروا. يريد تبرأت من قبح ما فعل علقمة تبروا، يقول: لم ارض به وأنكرته.
استعمال المصدر الميمي مكان المصدر
قال سيبويه في باب ما يكون من المصادر مفعولا: وكذلك المعصية بمنزلة العصيان والموجدة بمنزلة الوجدان، لو كان الوجد يتكلم به.
يريد أن (المفعلة والمفعلة) في هذه المصادر تجري مجرى المادر التي هي اصل، وربما ترك المصدر الذي هو الأصل على (فعل) واكتفوا بـ (المفعلة). فمن ذلك (الموجدة) مصدر وجدت على فلان إذا غضبت عليه. والوجد في الحزن: وجدت به وجدا إذا حزنت على مفارقته.
وقد أتى الوجد في معنى الغضب، وهو عندي معنى قول الهذلي.
وتضْمِرُ في القلب وَجْداً وخِيفا
وقال ابن أحمر:
لَدُنْ غُدْوَةً حتى كَرَرْنَ عَشِيَّةً ... وَقَرَّبْنَ حتى ما يَجِدْنَ مُقَرَّبا
стр. 109
(تَدارَكْنَ حيّاً من نُمَيْرِ بنِ عامرٍ ... أسارَى تُسامُ الذُّلَّ قتلا ومَحْرَبا)
الشاهد فيه قوله (محربا) وهو مصدر لحربته حربا إذا سلبته ماله. وصف خيلا مضت للحاق قوم حتى يدركوهم، كررن: يعني الخيل؛ واللفظ للخيل والمعنى لفرسانها، وقربن: من التقريب في العدو، التي ما يجدن زيادة على القدر الذي يفعلن من العدو، يعني أنهن قد اخرجن جميع ما عندهن من العدو، ولم يبق عندهن منه بقية.
وتداركن لما غزون حيا من نمير، وتسام الذل: تحمل على فعل ما تكرهه على طريق القهر والإذلال، و (قتلا) منصوب بإضمار فعل دل عليه (تسام الذل) كأنه قال بعد قوله: (تسام الذل): تقتل قتلا وتحرب محربا.
نصب الاسم بعد الأدوات المختصة بالأفعال
قال سيبويه قال النمر بن تولب:
(لا تجزعي أن مُتْفِساً أهْلَكْتُهُ ... وإذا هَلْكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي)
يقول لامرأته: لا تجزعي على ما أنفقته من مالي أجود به وأعطي من سألني، فإني أن بقيت اكتسبت وسعيد في أمر المال حتى أناله، وإنما ينبغي أن تجزعي إذا مت، لأنه لا يكون لك من سيعى سعي.
стр. 110
والشاهد فيه على نصب (منفسا) بإضمار فعل تقديره: أن أهلكت منفسا أهلكته.
إعمال (ما) عمل ليس
قال سيبويه في باب (ما): فإن قلت ليس زيد إلا ذاهبا، أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي، فلم تقو (ما) في قلب المعنى، كما لم نقو في تقديم الخبر.
يعني أن (ما) على مذهب أهل الحجاز تعمل ما دامت على ترتيب الأصل وبقاء معنى النفي، فإن أدخلت (إلا) بين الاسم والخبر؛ بطل معنى النفي فبطل عملها، لأن الخبر يصبح موجبا بدخول (إلا) وأن تقدم الخبر على الاسم بطل العمل؛ لزوال ترتيب الكلام في الأصل، وترتيب الكلام في الأصل أن يكون الاسم قبل الخبر.
قال سيبويه: وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق:
وما أُعيدَ لهمْ - حتى أتَيْتَهُمُ - ... أزمانُ مَروانَ إذ في وَحْشِها غِرَرُ
(فأَصبحوا قد أعادَ اللهُ نعمتَهُمْ ... إذْ هم قريشٌ وإذْ ما مثلَهُمْ بشَرْ)
следующие страницы →