← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 37487

شرح أبيات سيبويه

السيرافي، أبو محمد

Полный текст (770 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

كشحاً طوى من بَلَدٍ مُخْتارا (من يأسَةِ اليائسِ أو حِذارا) الشاهد فيه إنه نصب (حذارا) وعطفه على موضع (من) وهو عطف على معنى الكلام المتقدم، كأنه قال: طوى كشحا مختارا يأسة اليائس، أي ليأسة اليائس، وهو مفعول له. والأذكار: جمع ذكر. يقول: ما ذكرك يا صاحبي الأشياء التي ذكرتها، وأراد بالأذكار الأشياء المذكورات، وعنى به إنه ذكر المعاني التي لام فيها، ثم قال: ما لمعت من فعل إنسان قضى أوطاره، وما كانت نفسه تدعوه إليه من الزيارة والإلمام ممن يحب، ثم طوى بعد ذلك كشحه مختارا للفرقة. ويقال للذي فارق: قد طوى كشحه، وأصله أن الذي يولي عن الإنسان الذي يخاطبه أو يكلمه إذا ولى عنه، ثنى كشحه وجنبه وأدبر عنه. وقوله: من يأسة اليائس أو حذارا؛ يريد إنه وإن فارق مختارا للفراق لأجل يأسه ممن قصده، أو حذره على نفسه. ولم يبين لأي الوجهين طوى كشحه، لأجل اليأس أو لأجل الحذر. إعمال الفعل الأول والإضمار للثاني قال سيبويه قال المرار: فردَّ على الفؤاد هوى عميداً ... وسوئل لو يُبينُ لنا السؤالا

стр. 247

(وقد نَغْنَى بها ونرى عُصوراً ... بها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا) الشاهد فيه على أعمال (نرى) ونصب (الخرد الخدالا) بنرى، وهذا على أعمال الفعل الأول. وفي (يقتدننا) ضمير الخرد الخدال، والخرد الخدال في تقدير التقديم، لأن العامل فيها (نرى) كأنه قال: ونرى الخرد الخدال عصورا بها يقتدننا. وفي (رد) ضمير الربع المسؤول عن أهله الذين ارتحلوا عنه، فقال بعد ما سألاه: فرد على الفؤاد هوى عميدا، وهو المعمود الذي عمده الحب، أي: شدخه ورضه، ومن ذلك قولهم: عميد سنام البعير يعمد عمدا إذا انشدخ. كأنه لما وقف على الربع وتذكر من كان يحله، عاوده حزنه على مفارقتهم، وألم قلبه لما تذكرهم. وسوئل الربع عنهم لو يبين لنا السؤالا، أراد: لو يبين لنا جواب السؤال، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقد نغنى بها: أي بهذه الدار، والعصور: جمع عصر، والخرد: جمع خريدة وهي الحية، والخدال: جمع خدلة وهي التي على قصبها لحم وشحم، ويقتدننا ويقدننا بمعنى واحد، أي قد كنا عصورا في هذه الدار نتبع الهوى ويقتادنا الحسان الخرد الخدال. فأما (نرى) فالوجه أن يكون من رؤية القلب، ويكون (الخرد) المفعول الأول و (يقتدننا) في موضع المفعول الثاني. فإن قال قائل: قد أجاز النحويون إعمال الثاني في هذا الشعر - وأن كان

стр. 248

لا يسوغ في الإنشاد - على التقدير فقالوا: لو أعمل الثاني لقال: وقد نغني بها ونرى عصورا بها تقتادنا الخرد الخدال. فإذا أجازوا هذا فـ (نرى) أين مفعولاها؟ وقيل له: يجوز أن يكون المفعول الأول ضمير الأمر والشأن، وحذفه، كأنه قال: ونراه عصورا بها تقتادنا الخرد الخدال، أي نرى الأمر. ومثله مما ذكر سيبويه: (إن بك زيد مأخوذ) على معنى: إنه بك زيد مأخوذ. ويجوز أن يكون (عصورا) المفعول الأول، والجملة التي بعد (عصور) في موضع المفعول الثاني، ويعود إلى (عصور) من الجملة التي هي المفعول - الضمير المتصل بالباء، وكأنه قال: ونعلم عصورا في هذه الدار بها - أي بالعصور - تقتادنا الخرد الخدال. ومعنى (نَغْنَى) نقيم، أي: وقد نقيم بهذه الدار. رفع (مكان) على الابتداء قال سيبويه: في الظروف: قال الشاعر: (وأَنتَ مكانُك من وائلٍ ... مكانُ القُرادِ من اسْتِ الجَمَلْ)

стр. 249

الشاهد فيه إنه رفع (مكانك) بالابتداء، ورفع (مكان القراد) وجعله خبرا لـ (مكانك) ولم يجعله ظرفا، ولو نصبه لكان جائزا وفيه اتساع. وتقديره: مكانك من وائل مثل مكان القراد من أست الجمل. يعني من أخس قبائل بكر بن وائل وأوضعها، وأنه - في خسة المنزلة وسقوطها وأنه لا يلتفت إليه - مثل القراد الذي يتعلق باست الجمل. (لبي) مثنى (لب) في لبيك قال سيبويه في المنصوبات: (دعوتُ لِما نابني مِسْوَراً ... فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَر) الشاهد فيه أن قوله (لبي) تثنيه لب، وهو شاهد على أن (لبيك) تثنيه، وليس كما زعم يونس أن (لبيك) أصلها لبا، وأن الألف زائدة فيها على (لب) مثل جرا، وأن الألف انقلبت ياء لما اتصلت بالضمير، كما انقلبت الألف في (عليك). ولو كانت الألف لغير التثنية لم تنقلب مع الظاهر، كما أن ألف (على) لا تنقلب في قولك: على زيد مال. وقد انقلبت الألف مع (يدي) - وهو ظاهر - ياء، فعلمنا أن الألف للتثنية. والمعنى أن مسورا معوان حسن الصداقة والمودة، إذا دعاه صديق للمعونة على نائبة نابتة لباه وأظهر سرورا بمعونته، ولم يتثبط عنه. وقوله فلبى: أي لباني لما دعوته. وقوله: فلبي يدي مسور: أي فلبي مسور متى دعاني، أي إذا دعاني أجبنه كما أجابني حين دعوته. وعبر عن مسور بيدي مسور، أي أنا أطيعه وأتصرف تحت مراده وأكون كالشيء الذي يصرفه بيديه.

стр. 250

النصب على الحال بعامل محذوف قال سيبويه في المنصوبات: قال الشاعر: (ألِحْقْ عذابَكَ بالقومِ الذينَ طَغَوْا ... وعائذاً بكَ أن يَعْلُوا فيُطْغوني) الشاهد فيه إنه نصب (عائذا بك) على الحال والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بك عائذا، أو أخضع لك عائذا، أو أستجير بك عائذا وما أشبه ذلك. دعا الله أن يلحق عذابه بالطاغين، وأن يسلمه منهم، واستعاذ بالله أن يزيد أمر الطغاة فيفسدوا عليه دينه. والواو من قوله (أن يعلوا) هي ضمير الطغاة، وقوله: فيطغوني أي: يدخلوني في طغيانهم، أو يحملوني على الطغيان كرها. وأراد بقوله: أن يعلوا أي: تعلوا أمورهم. قال سيبويه في المنصوبات قال الشاعر: أَفي السَّلم أعيارا جفاءً وغلظةً ... وفي الحرب أمثالَ النساءِ العواركِ)

стр. 251

الشاهد فيه نصب (اعيارا) على الحال بإضمار فعل، و (أمثال النساء العوارك) معطوف على (اعيار) كأنه قال: أتثبتون في السلم أشباه اعيار وأمثال اعيار وما أشبه ذلك، ويجوز أن تضمر: أتعرفون أمثال اعيار. ويدل على هذا الإضمار قوله: (وفي الحرب أمثال النساء العوارك) فجاء بـ (أمثال) في المعطوف والإعراب فيهما واحد. والسلم: الصلح، والعوارك: النساء الحيض. المعنى أنكم جفاة في وقت الصلح لأمنكم، وأنكم لا تخافون عدوا، يعني أنهم يجفون على الناس ويغلظون عليهم في الخطاب، فإذا أقبلت الحرب وبطل السلم ضعفتم ولنتم وذللتم وذللتم من فزعكم، وهذا يدل علي جبنكم ولؤمكم. قال سيبويه في المنصوبات: قال الشاعر: (أفي الولائمٍ أولادا لواحدةٍ ... وفي العِيادة أولادا لِعلاّتِ) الشاهد فيه على نصب (أولادا) بإضمار فعل، كأنه قال: أتثبتون مؤتلفين في الولائم. وقوله (أولادا لواحدة) بمنزلة قوله: مؤتلفين، ونصب (أولادا لعلات) بإضمار فعل، كأنه: أتمضون متفرقين في العيادة. والمعنى أنهم تجتمع جماعتهم إذا دعوا لوليمة، ولا يتخلف منهم أحد، فكأنهم بمنزلة أولاد لامرأة واحدة لا يقع بينهم خلف لأن أمهم واحدة،

стр. 252

هي تؤلف بينهم وتحفظ جماعتهم، فهم مؤتلفون لا يفارق بعضهم بعضا. وقوله (وفي العيادة أولادا لعلات) العلات: جمع علة وهي الضرة، وأولاد الضرائر متقاطعون، لا يكادون يأتلفون لأجل ما بين أمهاتهم من التباعد، ولا يجتمع بعضهم إلى بعض. يريد أنهم لحرصهم على الولائم، يجتمعون في أسرع وقت، فإذا وجب عليهم حق من عيادة أو غيرها، ثقل عليهم فعله، ففعله الواحد منهم بهد الآخر في أزمنة متفرقة، لا يجتمع اثنان منهم في قضاء حق كما لا يجتمع أولاد العلات. الرفع في باب الدعاء - الوجه نصبه قال سيبويه في المنصوبات: قال الشاعر: (لقد ألَبَ الواشون ألبْا لِبَيْنِهمْ ... فتُرْبُ لأفواهِ الوُشاةِ وجَنْدلُ) الشاهد فيه على رفع (ترب) وهو من باب الدعاء وهو مسموع من العرب، وسيبويه يعمل في هذا على السماع ولا يقيس بعضه على بعض، والقياس في جميعه النصب، لأن الدعاء بالأفعال، والمصادر تقوم مقامها، وتحذف الأفعال بعد أن نصبت المصادر، لأن رفع منها شيء فعلى الابتداء، وفيه معنى الدعاء كما كان في المنصوب. و (ترب) مرفوع بالابتداء، و (جندل) معطوف عليه و (لأفواه الوشاة) خبر الابتداء. وألب يألب: إذا سعى ومشى. أراد: لقد سعى الواشون في الإفساد لبعدهم، أي لأن يفترقا، والبين هاهنا: الفراق، والذي عندي إنه أراد (لبينهما)

стр. 253

ولكنه ذكره بلفظ الجمع لأجل الشعر، و (ألبا) مصدر (ألب) وأتى مؤكدا. وقوله: فترب لأفواه الوشاة، يقول: جعل الله الترب والجندل حشو أفواههم عقوبة لهم على كذبهم وسعيهم في الفرقة، والجندل: الحجارة. الرفع بإضمار فعل دون الإتباع قال سيبويه في المنصوبات: أسقى الإلهُ عُدُوات الوادي وجَوْفَه كلَّ مُلِثٍ غادي كلُّ أجشَّ حالكِ السّوادِ) الشاهد فيه على إنه رفع (كل أحبش) ولم يجره على (كل ملث) وصفا ولا بدلا، ورفعه بإضمار فعل دل عليه ما قبله، كأنه لما دعا لهذا الوادي بالسقيا فقال: (أسقى الإله عدوات الوادي وجوفه كل ملث) دل الكلام على إنه بمعنى: سقى الوادي كل ملث، ولما كان المعنيان متقاربين رفع (كل أجش) بإضمار: سقاها كل أحبش. والعدوات: جمع عدوة وهي ناحية الوادي وجانبه، ويقال فيها: عدوة وعدوة، وجوف الوادي أسفله، والملث: السحاب الدائم المطر. أراد: أسقى الإله عدوات الوادي مطر سحاب ملث. والغادي الذي يبدأ مطره من أول النهار، والأجش من السحاب: الذي فيه رعد، والحبشة: صوت فيه غلظ، والحالك: الشديد السواد.

стр. 254

حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه قال سيبويه قال الحطيئة: (وشرُّ المنايا ميّتٌ بين أهله ... كهُلْكِ الفتى قد أسلم الحي حاضُرُهُ) الشاهد فيه على حذف المضاف. وتقدير الكلام: وشر المنايا منية ميت بين أهله. يعني أنه: شر ضروب الموت الموت على الفراش، يقصد إلى أن الشجعان وأصحاب النجدة والبأس كانوا يقتلون ولا يموتون على فرشهم. ومثله: تَسيلُ على حدّ الظُّباتِ نفوسُنا ومثله قول عبد الله بن الزبير بما بلغه قتل مصعب أخيه: لسنا كأولاد أبي العاصي، إنا لا نموت إلا طعنا بالرماح وقعصا بالسيوف. وقوله: كهلك الفتى أي: المنية التي هي شر المنايا كهلك الفتى. فتقدير قوله: (كهلك الفتى) إنه خبر ابتداء محذوف. وقوله: (قد أسلم الحي حاضره) أي: قد أسلم الإنسان الحي الذي قد أشرف على الموت حاضره: الذين حضروه من أهله. ويجوز عندي أن تكون الجملة التي هي قوله: (قد أسلم الحي حاضره) في موضع الحال من (الفتى).

стр. 255

فإن قال قائل: الفعل الماضي لا يكون عند سيبويه حالا، قيل له: إذا دخل عليه (قد) جازت فيه الحال. فإن قال: فليس في الجملة عائد إلى (الفتى) قيل له: (الحي) في موضع الضمير من طريق المعنى، كأنه قال: قد أسلمه أهله، وإنما حسن هذا لأن الكلام تقديره: كهلك الفتى الحي قد أسلمه أهله للموت. فجعل (الحي) مفعول (أسلم) وهو في المعنى الفتى. ومثله قول الله : (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) معناه: أنا لا نضيع أجره، لأن من أحسن عمله مؤمن. جر الظرف غير المتمكن - لغة قال سيبويه قال رجل من خثعم: (عَزَمْتُ على إقامةِ ذي صَباحٍ ... لشيءٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ) الشاهد فيه إنه جر (ذا صباح) وهو ظرف لا يتمكن، والظروف التي لا تتمكن لا تجر ولا ترفع، ولا يجوز مثل هذا إلا في لغة لقوم من خشعم، أو يضطر إليه شاعر. يريد: عزمت على الإقامة إلى وقت الصباح لأني وجدت الرأي والحزم

стр. 256

يوجبان ذلك، ثم قال: لشيء ما يسود من يسود (ما) زائدة، أي لشيء يسود من يسود. يقول: أن الذي يسوده قومه، لا يسودونه إلا الشيء من الخصال الجميلة والأمور المحمودة، رآها قومه فيه فسودوه من أجلها. ولا يجوز أن يسود السيد بغير سبب من أسباب السيادة، وأراد إنه سوده على علم منه وخبرة به. في عطف الظاهر على المضمر قال سيبويه قال جرير: (فإيّاك أنت وعبدَ المسي ... حِ أن تَقْربا قِبلةَ المسجدِ) الشاهد فيه على نثب (عبد المسيح) وعطفه على (إياك) بعد أن أتى بـ (أنت) وجعله توكيدا للضمير في (إياك) وأراد أن يعلمك أن التوكيد إذا أتى جاز أن يقع العطف عليه ويرفع المعطوف؛ وجاز أن تعطف مع مجيء التوكيد على (إياك). و (أن تقربا) مفعول ينتصب بالفعل الذي عمل في (إياك) وأصله أن يدخل عليه حرف الجر، ولكنه حذف منه لطوله. أراد أنهما رجسان لا يقرب مثلهما المساجد، ولم يقصد القبلة بعينها، ولكنه أراد المسجد واحتاج إلى ذكر القبلة للوزن. ويجوز أن يكونا قد أما الناس وصليا بهم، فنهاهما عن القرب من القبلة وهو يريد الإمامة. الرفع على الخبرية - للمعنى قال سيبويه قال الشاعر: اعتادَ قلبُكَ من سَلّمى عوائده ... وهاجَ أهواءك المكنونة الطَّلَلُ

стр. 257

(رَبْعٌ قَواءٌ أذاعَ المُعصراتُ به ... وكلُّ حيرانَ سارٍ ماؤه خَضِلُ) الشاهد فيه إنه رفع (ربع) على خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو ربع قواء اعتاد إياه مرة بعد مرة. وقوله: من سلمى، يريد من أجل حب سلمى، عوائده: جمع عائدة وهو ما يعوده من وجده بها وشوقه إليها. وهاج ما في قلبك - من الأهواء التي كنت تكنها وتسترها - الطلل الذي عرفته لها وعهدتها فيه، يعني أن نظره إلى الطلل ذكره ما كان في قلبه منها. والطلل: ما شخص من آثار الدار، والربع: الموضع الذي نزلوا فيه، والقواء: الخالي، والمعصرات: السحاب التي فيها أعاصير والواحد إعصار، وهي الرياح اللواتي تهب بشدة، وأذاع به: فرقه وطمس أثره. يعني أن الريح والأمطار محت الدار، وعفت رسومها. والحيران: السحاب الذي كأنه متحير لا يقصد إلى جهة لثقله وكثرة مائه، والساري: الذي ينشأ بالليل ويسير، و (سار) من نعت (حيران) و (ماؤه) مبتدأ و (خضل) خبر المبتدأ، والخضل بمعنى المخضل الذي يبل ويندي. في أعمال المصدر قال سيبويه قال الشاعر: (فلولا رجاءُ النصرٍ منكَ ورهبةٌ ... عقابكَ قد صاروا لنا كالمواردِ)

стр. 258

الشاهد فيه على أعمال المصدر كعمل الفعل، و (عقابك) منصوب بـ (رهبة). والموارد: الطرق الواحدة موردة. المعنى: لولا أنهم يرجون أن تنصرهم علينا أن حاربناهم، ولولا أنا نرهب عقابك أن قتلناهم، لقد صاروا لنا أذلاء نطأهم كما يوطأ الطريق. قال سيبويه قال الشاعر: (بضربٍ بالسيوف رؤوس قومٍ ... أزلنا هامَهُنَّ عن المقيلِ) الشاهد فيه على تنوين المصدر، وعمله في المفعول النصب، والمفعول (رؤوس قوم) وقوله: أزلنا هامهن: أي أزلنا هام الرؤوس، فالضمير المجموع المؤنث يعود إلى الرؤوس. والمقيل: يراد به المستقر، يعني أنهم أزالوا الرؤوس عن مستقرها بأن قطعوها. قال سيبويه قال الشاعر: (ضعيفُ النِّكايةِ أعداَءهُ ... يَخالُ الفِرارَ يُراخي الأَجَلْ)

стр. 259

الشاهد فيه على أعمال المصدر الذي هو (النكاية) وفيه الألف واللام. ومعنى يخال: يظن، ويراخي: يباعد. يهجو رجلا بالضعف، والعجز عن مكافأة أعدائه والانتصار منهم إذا ظلموه. ثم ذكر إنه يحسب الفرار يباعد اجله ويحرس نفسه. العطف على الموضع قال سيبويه قال الشاعر: (هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا ... أو عبد ربٍ أخا عونِ بنِ مِخراقِ) الشاهد فيه على نصب (عبد رب) وعطفه على موضع (دينار). والأصل: هل أنت باعث دينارا. ويجوز أن تنصب بإضمار فعل، كأنه قال: هل ا، ت باعث دينارا أو تبعث عبد رب. وكلام سيبويه يدل على هذا. الاسم: عبد ربه، ولكنه ترك الإضافة وهو يريدها، واخاعون: وصف لعبد رب. قال سيبويه قال الشاعر: (يَهدي الخميسَ نِجاداً في مطالعها ... إمّا المِصاعَ وإمّا ضربةٌ رُغُبُ)

стр. 260

الشاهد فيه على إنه رفع (ضربة رغب) ولم يعطفها على المصاع. و (المصاع) منصوب بإضمار فعل كأنه قال: إما يماصع المصاع، وإما فعله أو أمره ضربة رغب. الخميس: الجيش، والنجاد: جمع نجد وهو الطريق، والنجد أيضا: المكان المرتفع، والمصاع: القتال، والضربة الرغب: الواسعة. قال الشاعر: لإن قتلتهُ فلم آلُهُ ... وإنْ يَنْجُ منها فجرحٌ رَغيبْ المعنى إنه يمدح رجلا بالنجدة والشجاعة والهداية، وأنه يقود الجيوش فتتبعه وتأتم به، والمطالع: المواضع المرتفعة المشرفة، يعني إنه يتقدمهم، ويشرف على المواضع التي يظنون أن فيها قوما من أعداهم ينفض لهم الطريق. وقوله إما المصاع يقول: إذا غزا فبلغ الحي الذي يريده فهو: إما يقاتلهم، وإما يضرب فيهم بالسيف ضربات واسعة. قال سيبويه قال الشاعر: بادتْ وغيرّ آيَهُنَّ مع البِلَى ... إلا رواكدَ جمهرُهُنّ هَباءُ (ومشجَّجٌ أما سَوءُ قَذالِهِ ... فبدا، وغيَّرَ سارَه المَعْزاءُ) الشاهد فيه على رفع (مشجج) وترك عطفه على (رواكد) كأنه قال: وثم مشجج.

стр. 261

وكلام سيبويه فيه واضح. وفي (بادت) ضمير من ديار تقدم ذكرها. وآيهن: علاماتهن والآثار اللاتي فيهن، الواحدة آية. قال الراجز ووصف منزلا: لم يُبْقِ هذا الدهرُ من آيائِهِ غيرَ أثافيه وأرْمِدائِهِ وفي (غير) ضمير من مطر أو إعصار أو غيرهما مما يعفو الديار ويمحو الآثار. يقول: ما أصاب الديار عفى آثارها والبلى مع ذلك عفاها، والرواكد: الأثافي، الواحدة راكدة، وإنما وصفها بالركود لأنها مقيمة ثابتة لا تبرح، وهي منصوبة على الاستثناء من (آيهن). يريد أن جميع ما في الدار تغير إلا الأثافي، و (جمرهن هباء) جملة في موضع الوصف لـ (رواكد). وقوله: جمهرهن هباء، يعني أن الذي كان جمهرا وقت الإيقاد وإشعال النار هو الآن هباء. والهباء: الذي صار كالتراب المدقق الذي تسفيه الرياح. والضمير الذي في (جمهرهن) يعود إلى الرواكد، والمشجج: الوتد، وإنما سمي مشججا لأنه يضرب رأسه إذا أرادوا إثباته في الأرض، فإذا نقلوا البيت من موضع إلى موضع؛ قلعوا الأوتاد ثم أثبتوها في الموضع الذي يريدونه، وضربوا رؤوس الأوتاد حتى تثبيت. فالوتد في كل موضع يضرب رأسه، إذا كثر ضربهم إياه تكسر وتفرق خشبه، وسواد الرأس: أعلاه ووسطه، وأراد بالقذال: الرأس: يعني أن رأس الوتد ظاهر لم يعله التراب، وأن بقيته قد سفت

стр. 262

عليها الريح التراب والحصى، والمعزاء: يريد به الحصى الصغار، ويقال للمكان الذي فيه حصى صغار: أمعز، وللأرض التي فيها حصى: معزاء، والسار: السائر حذفت منه الهمزة، وهو مثل هار وهائر وشاك وشائك. في إعمال المصدر قال سيبويه قال الشاعر: (وَرأْيَ عَيْنَيَّ الفتى أخاكا) يعطي جزيلا فعليكَ ذاكا الشاهد فيه نصب (رأي عيني). و (الفتى) مفعول (رأي عيني) و (أخاكا) بدل منه، و (يعطي) في موضع مفعول ثان لـ (رأي عيني) وجزيلا: كثيرا، وتقديره يعطي عطاء جزيلا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقوله: فعليك ذاكا إغراء و (ذا) في موضع نصب، كما تقول: عليك زيدا و (ذا) إشارة إلى الفتى. أي فعليك ذاك الفتى فاقصده، ويجوز أن تكون الإشارة إلى العطاء، أي فعليك ذاك العطاء فافعله. إضافة اسم الفاعل بالـ إلى معموله قال سيبويه قال الراجز: (الفارجي بابِ الأميرِ المبْهَمِ)

стр. 263

الشاهد فيه على إضافة (الفارجي) إلى (باب الأمير) كما تقول: الضارب غلام الرجل. ومعنى الفارجي: الفاتحي، والمبهم: الذي لا يتجه لفتحه، ويتعذر - على من رام - الوصول إليه. والمعنى إنه يمدح قومه ويقول: أن أبواب الأمراء لا تغلق في وجوههم، والمراد أنهم يصلون إلى الملوك إذا وفدوا إلى الملوك ولا يحجبون عنهم، لعزهم ومحلهم في نفوس الملوك. العطف بارفع؛ والواو بمعنى (مع) قال سيبويه قال الشاعر (وأنت امرؤٌ من أهلِ نجدٍ وأهلُنا ... تَهامٍ، فما النَّجديُّ والمُتَغَوّرُ) الشاهد فيه على رفع (المتنور). وقوله: فما النجدي والمتغور: (ما) اسم مبتدأ، و (النجدي) خبره و (المتغور) معطوف عليه. ولو نصب (المتغور) في قصيدة منصوبة لجاز. كما نقول: ما أنت وقطعة من ثريد. المعنى: أنت امرؤ مخالف لنا في المكان الذي تسكنه من الأرض، أنت من أهل نجد ونحن من أهل تهامة، والموضعان مختلفان، فنحن لا نتفق، ويبعد ما بيننا كلعد بلادي من بلادك. وقوله: وأهلنا تهام، أفرد (تهام) ولم يقل

стр. 264

تهامون لأنه اكتفى بالواحد من الجمع. والمعنى: كيف ننفق ونقيم في مكان وأنا احب المقام عند أهلي ولا أكره أرضهم، وأنت تحب أهلك والمقام فيهم. . . إبدال الفعل من الفعل قال سيبويه قال الراجز: أن عليَّ اللهَ أن تُبايعا (تؤخذّ كَرْهاً أو تَجيءَ طائعا) الشاهد فيه على إبداله (تؤخذ) من (تبايع)، وعطف (تجيء) على (تؤخذ) كأنه قال: أن علي الله أن تؤخذ كرها بالبياع، أو تجيء إليه طائعا. حلف الشاعر بالله على المخاطب، إنه لابد من أن يبايع طوعا أو كرها، وتقدير الكلام: أن عليّ والله أن تبايع. و (أن تبايع) اسم أن و (عليّ) خبر إنّ، والقسم معترض بين الخبر والاسم. ومثله: ألا ربَّ مَنْ قلبي به الله ناصحُ. . . . . . . .

стр. 265

النصب على الحال أو التمييز مع جواز الظرفية قال سيبويه قال الراجز: إذا أكلتُ سمكاً وفَرْضا (ذهبْتُ طولاً وذهبْتُ عَرْضا) الشاهد في نصبه (ذهبت طولا) و (ذهبت) إنه نصبهما على الحال، كأنه قال: ذهبت في جهة طويلا وذهبت في جهة عريضا. والفرض: ضرب من التمر، وأراد أن أكله السمك وهذا الضرب من التمر؛ قد أطاله وأعرضه وأسمنه. النصب خلاف الظاهر - للمعنى قال سيبويه قال الشاعر: (بينا نحن نرقبه أتانا ... معلقَ وَفْضَةٍ وزنادَ راعي) الشاهد في نصبه (وزناد راع) ونصبه على المعنى، لأنه إذا قال: أتانا معلق وفضة فكأنه قال: معلقا وفضة فنصب (وزناد راع) على تقدير: ويعلق زناد راع. ونرقبه: ننتظره، والوفضة: هي جعبة السهام، وأراد بها في البيت شيئا يصنع مثل الخريطة والجعبة، يكون مع الفقراء والرعاة يجعلون فيه أزوادهم. وزعموا أن أهل الصفة ﵏ كانت معهم وفاض، وفي الحديث: أن

стр. 266

رسول الله ﷺ أمر أن تجعل الصدقة في الاوفاض، قيل: إنه أراد أهل الصفة. وزناد راعي، الزناد: الخشبة التي تقدح بها النار. أعمال اسم الفاعل المنون قال سيبويه ش قال امرؤ القيس: (أني بحبلِكِ واصلٌ حبلي ... وبريشِ نَبْلِكِ رائشٌ نَبْلي) ما لم أجِدْكِ على هُدَى أثرٍ ... يَقْرو مقَصَّكِ قائفٌ قبلي الشاهد فيه على تنوين (واصل) وإعماله عمل الفعل ونصب (حبلي) به، وكذلك (رائش) منون وقد نصب (نبلي). يقول لهذه المرأة التي ذكرها في أول القصيدة: إني متقرب إليك، ومجتهد في أن تعلمي أني أهواك بكل وجه من وجوه التقرب، ومتابع لك على ما تريدين. فإذا مددت سببا إلى أمر تهوينه مددت أنا إليه سببا لمعونتك حتى تبلغي ما تحبين. وبريش نبلك رائش نبلي، يقول: أحتذي في أفعالي على المثال الذي تجري عليه، ما لكم أجدك إذا اتبعك على أمر تمضين فيه هادية، وقد اتبعك إنسان قبلي ممن يهواك. يعني أنها خالت غيره هجرها وقطعها ولم يلتفت اليها. ويقرو: يتبع، والمقص: موضع اتباع أثر الماشي والراكب. يقال: قصصت أثره قصا إذا اتبعه، والقائف، المتتبع. يقال: قاف يقوف إذا تتبع.

стр. 267

إلغاء فعل الظن لتوسطه قال سيبويه قال جرير: (أَبِالأَراجيز يت بْنَ اللُّؤمِ توعِدُني ... وفي الأراديز - خِلْتُ - اللؤْمُ والخَوَرُ) الشاهد في البيت إنه ألغى (خلت) ولم يعلمها لأنها توسطت الجملة، ورفع (اللؤم) بالابتداء وعطف عليه (الخور) و (في الأراجيز) خبر المبتدأ و (خلت) ملغاة من طريق اللفظ وليست بملغاة من طريق المعنى. أراد بهذا الكلام عمر بن لجأ. يقول: أتهددني بأن تهجرني بالأراجيز، وفي الأراجيز خلت لؤم الشعراء وخورهم، وعندهم أن الشعر الفحل هو القصيد، وفحول الشعراء هم أصحاب القصيد، والخور: الضعف.

стр. 268

في أعمال صيغة المبالغة (فعل) قال سيبويه قال الشاعر: (حَذِرٌ أموراً لا تَضيرُ وآمنٌ ... ما ليس مُنْجِيَهُ من الأقدارِ) الشاهد فيه إنه أعمل (حذر) وهو على (فعل) عمل الفعل. لا تضير: لا تؤذي ولا تخاف لها عاقبة، وآمن من الأقدار ما ليس ينجيه، يقول: الإنسان لقلة علمه وضعفه في نفسه يحذر ما لا يضيره، ويأمن ما لا ينجو منه. و (حذر) مرفوع على كلام متقدم و (آمن) معطوف عليه و (ما) بمعنى الذي. وقد زعم قوم أن أبا يحيى اللاحقي حكى أن سيبويه سأله عن شاهد في أعمال (فعل) فعمل له البيت. وإذا حكى أبو يحيى مثل هذا عن نفسه، ورضي أن يخبر إنه قليل الأمانة، وأنه أؤتمن على الرواية الصحيحة فخان، لم يكن مثله يقبل قوله ويعترض به على ما قد أثبته سيبويه. وهذا الرج أحب أن يتجمل بأن سيبويه سأله عن شيء، فخبر عن نفسه بأنه فعل ما يبطل الجمال، ويثبت عليه عار الأبد. ومن كانت هذه صورته؛ بعد في النفوس أن يسأله سيبويه عن شيء.

стр. 269

النصب على المعنى بإضمار فعل قال سيبويه قال الشاعر: (يذهَبْنَ في نجدٍ وغَوْراً غائرا) الشاهد في نصب (غورا غائرا) بإضمار فعل، كأنه قال: يذهبن في نجد ويسلكن غورا غائرا. تهامة وما يليها، ونجد: هو من نحو فيد إلى الكوفة وإلى البصرة وما يلي ذلك. يعنى بذلك قصائد قد سارت في الغور وتهامة، أو أفعالا يفتخر بها، أو حروبا قد غار ذكرها وأنجد. الجر بـ (حتى) على الغاية قال سيبويه قال الشاعر: (ألقى الصحيفة كي يخففَ رَحْلَه ... والزادَ حتى نعلِهِ ألقاها) الشاهد فيه على جر (نعله) على الغاية، كأنه قال: ألقى الصحيفة والزاد وما معه من المتاع وغيره حتى انتهى الإلقاء إلى نعله. ويكون قوله (ألقاها) تكريرا للفعل على طريق التوكيد. ويجوز نصب (نعله) على أن (حتى) بمنزلة الواو، كأنه قال: ألقى الصحيفة حتى نعله، يريد ونعله، كما تقول: أكلت السمكة حتى رأسها بنصب (رأسها) وتقديره: أكلت

стр. 270

السمكة ورأسها، ويكون (ألقاها) مكررا توكيدا. ويجوز أن ينصب بإضمار فعل يفسره (ألقاها) كأنه قال: والزاد حتى ألقى نعله ألقاها، كما يقال في الواو وغيرها من حروف العطف. كأنك قلت: وألقى نعله ألقاها. ويجوز رفع (نعله) بالابتداء، ويكون (ألقاها) في موضع الخبر، وتكون الجملة معطوفة على الجملة المتقدمة. والصحيفة: الكتاب. يريد إنه ألقى ما على رحله وكل شيء حتى ألقى زاده ونعله. ويجوز أن يكون فعل ذلك لأنه خشي عطب راحلته فخفف عنها. إعمال صيغة المبالغة (فعول) قال سيبويه قال الشاعر: (بَكَيْتُ أخا الّلأْواءِ يُحْمَدُ يومُه ... كريمٌ رؤوسَ الدارعين ضروبُ) الشاهد في إنه نصب (رؤوس الدارعين) بـ (ضروب). واللأواء: الشدة، وقوله: بكيت أخا اللأواء يريد أنك بكيت رجلا، وهو يعني بكيت عليه وعلى فقده، كان يعطي في أوقات الشدة وعدم الازواد وامتناع الناس من الجود. وأخو الأواء كقولك: أخو الشدة والجهد. يراد به الذي يجود ويعطي في الشدة وجهد الناس. وقوله: يحمد يومه، أي كل يوم له فيه فعل محمود.

стр. 271

الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف قال سيبويه قال الشاعر: (وقائلةٍ: خَوْلانُ فانْكِحْ فتاتَهُمْ ... وأكْرومَةُ الحيَّيْينِ خِلْوٌ كما هيا) الشاهد فيه إنه رفع (حولان) وتقدير الكلام: هذه خولان فانكح فتاتهم. وقد ذكر سيبويه السبب الذي من اجله لم يجز أن يكون قوله (فانكح فتاتهم) في موضع خبر (خولان). وخولان: قبيلة من قبائل اليمن

стр. 272

ومساكنهم بالشام وما والاه، واكرومة الحيين: يريد الفتاة التي هي كريمة الحيين - يريد حيين من خولان - خيلو لم تتزوج بعد، وهي كما هي، كما عهدتها أيما فتزوجها. قال سيبويه قال عدي بن زيد: (أرَوَاحٌ مودعٌ أم بُكورُ ... أنتَ، فانظر لأيّ ذاك تصيرُ)

стр. 273

الشاهد فيه إنه أتى بـ (أنت) وهو مرفوع بالابتداء، وجعل خبره شيئا محذوفا تقديره: أنت الهالك ولا يجوز أن يجعل (فانظر) خبرا لـ (أنت). وقد ذكر سيبويه السبب الذي منع من ذلك.

стр. 274

ويروى: أرواح مودع أم بكور ... لك فاعمد لأي حال تصير وقوله: أرواح مودع؛ الفعل للروح، يقول: لأرواح يودعك، أي يكون آخر الأوقات التي تنتهي حياتك إليها. فالرواح ترد عليه لأنك تفارق أوقات الدنيا بعده؛ أم بكور يودعك. يقول: أنت هالك لا شيك فيه ولا مرية، ولابد من أن تنتهي حياتك إلى وما بينهما، فقرب من أحدهما فهو في حكمه. يعظ عدي بن زيد بهذا النعمان بن المنذر ويقول: أن الموت لابد من نزوله، فاعمل لآخرتك فإنك منته إلى أن تفارق الدنيا وتحصل على عملك. وفي إعراب هذا البيت وجوه تذكر أن شاء الله.

стр. 275

حذف الياء بغير تنوين - ضرورة قال سيبويه في ضرورة الشعر، قال الشاعر: كنواحِ ريشِ حمامةٍ نجديةٍ ... ومسحْت بالثَتَيْنِ عَصْفَ الاثمدِ) الشاهد فيه على حذف الياء من (نواحي) وهو جمع ناحية مثل شارية وشوار وجارية وجوار، وحذف الياء في الاضافة، وحذفها في غير الإضافة أسهل. والحمامة: يعني به قمرية أو ما أشبهها من الحمام ذوات الأطواق. ونواح ريشها: أطرافه وجوانبه. وعندي إنه ذكر حمامة نجدية، ونسبها إلى نجد وهو يعني الفاختة لأن الفاختة لا تسكن الغور وتهامة وما والاها، وإنما تسكن في نواحي نجد. والعصف: ورق الزرع، والاثمد: هذا الكحل المعروف، والكحل حجارة تؤخ من معدن من المعادن وليس بشيء ينبت فيكون له ورق، ولم يكن الأثمد من الأشياء التي تكون في بلاد العرب فهم لا يقفون على حقيقته. ومثل ذلك قول أبي نخيلة: بَريّةٌ لم تأكلِ المُرَقَّقَا ولم تَذُقْ من البقولِ الفُستُقا وقوله: ومسحت باللثتين عصف الاثمد، اراد: مسحت اللثتين بعصف الأثمد فقلب، لأن الكلام لا يدخله لبس، وكانت النساء تتزين بأن تسود اللحم

стр. 276

الذي في أصول الأسنان واللثات بالنوءور وهو دخان الشحم أو الاثمد، وكانوا يستحسنون ذلك. شبه سواد لثة هذه المرأة بسواد أطراف ريش الحمامة، وهم لا يقصدون بذلك أن يكون سواد اللثات حالكا، وإنما يريدون أن يضرب إلى السواد. وهذا البيت منسوب إلى خفاف بن ندبة في الكتاب، وزعم قوم إنه لابن المقفع، وليس الأمر كما قالوا، وجميع ما ينسب إلى ابن المقفع مقطوعتان أوثلاث، بعضها في الحماسة. وليس له مقطوعة على هذا الوزن ولا على هذا الروي. فأما نسبته إلى الخفاف فليس من عمل سيبويه؛ وقد ذكرنا ذلك، ولا يمتنع أن يكون لخفاف كما ذكر من نسبه إليه. وأن كان لم يقع في ديوانه. كما ينسب إلى زهير. تشديد لام (أفعل) ضرورة قال سيبويه في ضرورة الشعر: قال رؤبة: ثُمَّتَ جئتُ حيةً أصمّا (ضخماً بحب الخلقَ الأضْخَمّا) الشاهد فيه على إنه شدد الميم من (الأضخم) وهو على أفعل من الأحسن والأكرم، ثم وصل الميم بالألف التي للإطلاق. وهذه الميم لا تشدد إلا في الوقف إذا كانت منتهى الكلمة. والخلق الأضخم: الأكبر الأعظم.

стр. 277

النصب على نزع الخافض قال سيبويه قال الشاعر: (استغفرُ اللهَ ذنباً لستُ مُحصِيهُ ... ربَّ العباد إليه الوجهُ والعملُ) الشاهد فيه على حذف حرف الجر من (ذنب) والأصل: استغفر الله من ذنب، ولكنه حذف الحرف. وقوله: استغفر الله ذنبا، أراد به جميع ذنوبه، فلفظ بالواحد وهو يريد الجمع، ويدل عليه قوله: لست محصية، أي أنا لا أضبط عدد ذنوبي التي اذنبتها، وأنا استغفر الله من جميعها، (رب العباد) وصف الله . وقوله: إليه الوجه والعمل، أي إليه التوجه في الدعاء والطلب والمسألة والعبادة، والعمل له، يريد: هو المستحق للطاعة. ضمير الشأن في (ليس) قال سيبويه قال هشام أخو ذي الرمة: (هي الشفاءُ لدائي لو ظفِرْتُ بها ... وليس منها شِفاءُ الداء مبذولُ) الشاهد فيه إنه جعل في (ليس) ضمير الأمر والشأن، والجملة التي بعده في موضع خبره. و (شفاء الداء) مبتدأ و (مبذول) خبره (ومنها) في صلة (مبذول) أصله: وليس شفاء الداء مبذول منها.

стр. 278

ويجوز أن يكون (منها) منصوبا بإضمار فعل، كأنه قال: أعني منها، أو أريد منها. والضمير المؤنث يعود إلى المرأة. يقول: هي الشفاء لدائي لو ظفرت برؤيتها والاجتماع معها، وليست تبذل ليس شفاء أستشفي به من نظرة أو سلام أو إيماء. يعني إنه قد قطع طمعه من إنها تنيله شيئا مما يحبه، فبليته عظيمة ومحنته شديدة ليأسه منها. اختلاس صلة الضمير الغائب - ضرورة قال سيبويه في ضرورة الشعر: قال رجل من باهلة: (أَو مُعْبَرُ الظهر يُبْني عن وليتِه ... ما حجَّ رُّبه في الدنيا ولا اعْتَمَرا) الشاهد فيه على اضطرار الشاعر لما حذف صلة ضمير الغائب، وهي الواو التي تتبع الضمير (الهاء) أراد: ربهو، فحذف الواو. والمعبر من الإبل: الذي يترك وبره لا يجز سنين، و (الولية) البرذعة التي تقع على ظهره، وينبي: يرفع. وأراد أن يقول: ينبي وليته، فلم يستقم له فال: عن وليته. وإذا كثف الوبر على سنامه وعظم نبت وليته وارتفعت. وقوله: ما حج ربه في الدنيا ولا اعتمرا: يريد أن صاحبه لو كان حج أو اعتمر لاحتاج إلى النظر في إصلاح بعيره والقيام عليه وجز وبره، حتى تقع الولية عليه والرحل وقوعا جيدا متمكنا، فيتمكن الراكب عليه.

стр. 279

قال سيبويه في ضرورة الشعر: قال الشاعر: (بَيْناهُ في دارِ صِدْقٍ قد أقام بها ... حينا يعللُنا وما نُعللُهُ) الشاهد فيه إنه حذف الواو من (هو) الذي هو ضمير المذكر في الانفصال، والواو من نفس الضمير. والأصل: بيننا هو في دار صدق. ودار صدق: هي الدار التي يحمد المقام فيها، ولا يلحق المقيم بها أذى من شيء يكون، ولا عيب يعاب به لجلالتها. والتعليل: أن يتعهدهم بما يحبون في الوقت بعد الوقت، وأنا قوله: ما نعلله، فإنه يحتمل أمرين. أحدهما أن تكون (ما) حرف نفي، كأنه قال: هو يعللنا لغناه وسعة ماله وجوده، ونحن لا نعلله لأنه لا أموال لنا ولا يمكننا تعليله. الوجه الآخر أن تكون (ما) بمعنى الذي، وتكون (نعلله) صلة لها، وموضعها من الإعراب نصب وهي معطوفة على الضمير المتصل بـ (يعللنا). والمعنى؛ أن الرجل الممدوح يعللنا ويعلل ما يجب علينا أن نعلله من أهلنا وأموالنا. يعني إنه يتعهدهم ويتعهد أهلهم وأموالهم وما يحتاجون إليه. (ولا يَنطِقُ الفحشاَء مَنْ كان منهمُ ... إذا جلسوا منّا ولا مِنْ سِوائِنا)

стр. 280

الشاهد فيه على إنه جر (سوائنا) ومكنه وهو غير متمكن. يمدح جماعة من قومه. وقوله: إذا جلسوا منا، أي لا ينطقون بالفحش إذا جلسوا عندنا وفي مجالسنا، ولا ينطقون بالفحش أيضا إذا جلسوا عند قوم غير قومهم. وقد كتبت خبر هذا البيت في موضع آخر. النصب على نزع الخافض قال سيبويه قال الفرزدق: (منا الذي اخْتِيرَ الرجالَ سماحةً ... وَجُوداً إذا هبَّ الرياحُ الزعازعُ) ومنّا الذي قادَ الجيادَ على الَجَا ... بنجرانَ، حتى صبَّحَتْها النزائعُ الشاهد فيه إنه حذف حرف الجر في قوله: منا الذي اختير الرجال سماحة، يريد اختير من الرجال فحذف (من)، و (سماحة وجودا) مصدران يحتملان أمرين: أحدهما أن يكونا منتصبين على طريق التمييز. والوجه الآخر أن يكونا منصبين على الحال، كأنه قال: اختير من الرجال سمحا جوادا. أي اختير في حال سماحته وجوده. والزعازع: جمع زعزع وهي الريح التي تهب بشدة. وعنى بذلك الشتاء، وفيه تقل الألبان، وتعدم الأزواد، ويضن الجواد، فيقول: هو جواد في مثل هذا الوقت الذي يقل الجود فيه. وعندي إنه يعني بهذا المدح أباه غالب بن صعصعة وكان جوادا. والذي

стр. 281

قاد الجياد على الوجا، يقال: إنه عمرو بن حدير من بني نهشل، ويقال: الأضبط بن قريع من بني سعد، ويقال: الأقرع بن حابس. وهذا أشبه بالشعر. والوجا: الحفا، يريد إنه أبعد الغزاة حتى حفيت خيله إلى أن أتى نجران فسبى وغنم. والنزائغ: الخيل الكرام، قيل: التي انتزعت من أيدي الأعداء، وقيل: التي تنزع إلى أوطانها. قال سيبويه قال الشاعر. (نُبئتُ عبدَ اللهِ بالجَوَّ أصبحتْ ... كِراماً مَواليا لِئاماً صَميمُها) الشاهد فيه إنه حذف حرف الجر، وكان الأصل عنده: نبئت عن عبد الله بالجو أنها أصبحت. وجو: قصبة اليمامة، والجو: بطن الوادي وكل بطن واد جوّ. وقوله: أصبحت كراما مواليها، يهزأ بهم، يقول: موالي هذه القبيلة كرام وهم لئام. والصميم: خالص القوم ومن لا يشك في نسبه منهم. العدول عن العطف، إلى النصب بإضمار فعل - للمعنى قال سيبويه في المنصوبات قال الشاعر: (وجَدْنا الصالحين لهم جزاءٌ ... وجنّاتٍ وعيناً سَلْسَبيلا)

стр. 282

الشاهد فيه إنه نصب (جنات) بإضمار فعل تقديره: ووجدنا لهم جنات وعينا سلسبيلا، ويكون الفعل الأول قد دل على الفعل الثاني فحسن حذفه. وعطف ما بعد (جنات) عليها. و (وجدنا) في البيت بمعنى علمنا، وهو يتعدى إلى مفعولين. و (الصالحين) المفعول الأول و (لهم جزاء) مبتدأ وخبر في موضع المفعول الثاني. مثلما تقول: وجدت زيدا له علم، ووجدت أخاك له مال وما أشبهه. وأراد بقوله: وعينا سلسبيلا أي عينا ماؤها سلسبيل، والسلسبيل: السهل النزول. قال سيبويه في المنصوبات: قال ابن أبي ربيعة أو غيره من الحجازيين: (فَواعديه سرحَتَيْ مالكٍ ... أو الربا بينهما أَسْهلا) الشاهد فيه إنه نصب (سهلا) بإضمار فعل، كأنه قال بعد قوله: فواعديه. . . أو الربا بينهما: إيت مكانا أسهل. يجوز أن تعني: مكانا أسهل مما حوله، ويجوز أن تعني: مكانا سهلا، وتجعل (أسهل) في موضع سهل كما أتوا بأوجل في معنى وجل، ولهذا قالوا: أحمق وحمق ولها نظائر. والربا: جمع ربوة، وهو المكان الذي ارتفع عما حوله، وكانت الربا

стр. 283

بين السرحتين، والسرح: ضرب من ضروب الشجر يعظم ويكبر، الواحدة سرحة. والمعنى أنها قالت لرسوله أو لأمها: واعديه الليلة أن يقصد السرحتين، ويلتمس مكانا سهلا يقرب من ذلك الموضع، لأنهما إذا علوا الربا عرف مكانهما. واتسع فجعل (سرحتي مالك) ظرفا. والتقدير: فواعديه المكان الذي فيه سرحتا مالك. إيثار النصب مفعولا معه دون العطف للمعنى قال سيبويه قال الشاعر: (فكونوا أنتمُ وبني أبيكمْ ... مكانَ الكُلْيتين من الطحالِ) الشاهد فيه إنه نصب (وبني أبيكم) ولم يعطه على الضمير الذي هو فاعل (كونوا) وإنما انتصب لأنه مفعول معه، والناصب له (كونوا). وقوله: مكان الكليتين من الطحال، يقول: اقربوا من بني أبيكم وعاضدوهم، وليكن مكانكم من مكانهم كمكان الكليتين من الطحال.

стр. 284

قال سيبويه قال الشاعر: (وكانَ وإياها كحَرّانَ لم يُفِقْ ... عن الماء إذ لاقاه حتى تَقَدَّدا) الشاهد فيه إنه نصب (وإياها) على إنه مفعول معه، وفي (كان) ضمير هو اسمها. والحران: الشديد العطش، لم يفق: لم يقلع عن شرب الماء لما وصل إليه، حتى تقددا: يريد حتى كاد يتشقق جوفه من كثرة الشرب، وقددت الشيء إذا شققته طولا، وانقد هو إذا انشق. يعني لما رأى هذا المرأة واجتمع معها؛ كان كالعطشان الشديد العطش حين رأى الماء، فلم يقلع عن شربه. يريد إنه لم يبرح من عندها ينظر إليها ويستمتع بها. العطف بالرفع، مع إمكان النصب بفعل محذوف قال سيبويه قال الشاعر: (وكنتَ هناك أنت كريمَ قَيْسٍ ... فما القَيْسيُّ بعدك والفَخارُ) الشاهد فيه إنه رفع (الفخار) وعطفه على (القيسي) ولم يضمر له فعلا فينصبه. والتاء اسم كان و (أنت) توكيد أو فصل و (كريم قيس) خبر كان

стр. 285

و (هناك) ظرف والعامل (كريم قيس)، ومن أجاز من أصحابنا أن يعمل (كان) في الظروف أعملها في (هناك). والمعنى أن المكارم التي كانت تفخر بها قيس كانت مجتمعة فيك، فلما فقدومك لم يكن لهم طريق إلى الفخر بإنسان منهم، لأنه لم يكن لواحد منهم خصلة من خصال الكرم التي حويتها. إلغاء الظرف والجار والمجرور - بجعل الخبر غيرهما قال سيبويه: وتقول: أن زيدا لفيها قائما، وإن شئت ألغيت (لفيها) كأنك قلت: أن زيدا لقائم فيها. ويدلك على أن (لفيها) تلغى أنك تقول: أن زيدا لبك مأخوذ. قال أبو زبيد الطائي: أن امرءاً خصّني عمدا مودته ... على التنائي لَعندي غيرُ مكفورِ) أرعَى وأرْوَى وأدناني وأظهرني ... على العدو بنصرٍ غيرِ تعذيرِ ذكر سيبويه في الفصل الذي قبل البيت أن (إن) إذا وقع بعد اسمها ظرف تام يصلح أن يكون خبرا لها، أو حرف جر يجري مجرى الظرف، ومع الظرف اسم فاعل يصلح أن يكون خبرا لها، أو غيره مما يكون خبرا - كنت مخيرا في أن تجعل أيهما شئت الخبر. فإن جعلت الظرف خبرا، نصبت الاسم الذي بعده على الحال، وكان العامل في الظرف محذوفا كما يحذف في قولنا: أن زيدا خلفك. وإن جعلت اسم الفاعل الخبر جعلته عاملا في الظرف
следующие страницы →