Полный текст (770 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ناداها. وقوله اقوت، معناه خلت من أهلها وصارت قفرا ليس بها شيء، والقواء: القفر من الأرض، والاصرام: جمع صرم والصر: بيوت مجتمعة في مكان واحد.
و (عاما) منصوب بـ (أقوت) يريد أنها خلت منهم عاما واحدا، يعني إنه عهدهم في ذلك المكان منذ سنة، ثم قال: وما يعنيك من عامها، أي ما يهمك وما يشغل قلبك من أجل خلوها سنة.
والشاهد فيه إنه جعل (دارا) معرفة.
قال سيبويه: وتقول: يا أيها الرجل وزيد، ويا أيها الرجل وعبد الله لأن هذا
محمول على (يا). يريد إنه معطوف على الاسم المنادى، وليس بمعطوف على الاسم الذي هو صفة للمنادى. يقول: أن قولك (زيد، وعبد الله) عطف على (أن) وليس على (الرجل). وجعله كما قال رؤبة:
(يا دارَ عفراءَ ودارَ البَخْدَنِ)
بكِ المها من مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ
الشاهد فيه إنه عطف (دار البخدن) على (دار عفراء) ولا يصلح أن تكون (دار البخدن) مجرورة معطوفة على (عفراء) لأنه يكون التقدير فيه (يا دار دار البخدن) وهو لم يرد أن يجعل لدار البخدن لدار البخدن دارا، إنما أراد أن بنادي دار عفراء، وينادي دار البخدن. وشاهد سيبويه فيه.
وعفراء: امرأة، والبخدن يروى على وجهين: البخدن على وزن جعفر،
стр. 317
والبخدن على وزن زبرج. وزعموا أن البخدن: امرأة الرخصة الرطبة، والمها: بقر الوحش، الواحدة مهاة، والمطفل: التي معها طفل، والمشدن التي قد شدن ولدها أي قوي ومشى معها.
وعندي إنه عنى بالبخدن عفراء، أضاف الدار إلى اسمها تارة، وإلى صفتها أخرى، والدار دار واحدة. وهذا كما تقول: يا غلام زيد وغلام العاقل، والعاقل هو زيد.
ويدل على أن الدار دار واحدة قوله: بك المها، فجعل الخطاب لواحدة، وكذا فعل بعد ذين البيتين.
جواز نعت صفة المنادى بمرفوع مضاف
قال سيبويه: واعلم أن هذه الصفات التي تكون والمبهمة بمنزلة شيء واحد، إذا وصف بمضاف، أو عطف على شيء منها كان رفعا من قبل إنه مرفوع غير منادى.
يريد أن نعت (أي) وما كان في معناها من المبهمة إذا نعت كان بمنزلة مرفوع يقع في غير النداء، فيجري الوصف لنعت (أي) مجرى ما ينعت من النعوت من غير النداء. ومثال هذا أن تقول: جاءني زيد أخوك العاقل. تجعل (أخوك) نعتا لـ (زيد) وتجعل (العاقل) وصفا لـ (أخوك).
فكذا إذا قلت: أيها الرجل ذو المال، (ذو المال) مرفوع لأنه وصف لـ (الرجل)، و (الرجل) ليس بمنادى إنما هو وصف منادى، ووصف المنادى لا يجري مجرى المنادى، فلذلك صلح أن ينعت (الرجل) بنعت مرفوع مضاف.
قال رؤبة:
(يا أيها الجاهلُ ذو التَنَزي)
لا تُوعِدَنّي حيّةً بالنَّكْزِ
стр. 318
التنزي: التوثب، والتنكز: قيل هو كنز الحية بنابها أي عضها، وقيل النكز بأنفها، ويقال: نكزة بالعصا مثل وكزه. يقول: أنا لا ارهب وعيد متوعد وإن كان خبيئا داهية، وعنى بالحية الرجل الشجاع.
(ابن) تصف ما قبلها تتبعه في حركته
قال سيبويه في باب ما يكون الاسم والصفة فيه بمنزلة شيء واحد، فيضم قبل الحرف المرفوع فيه حرف، ويكسر فيه قبل المجرور حرف، ويفتح ذلك الحرف في المنصوب.
يريد سيبويه أن يجعل المنادى إذا كان اسما علما - وأضيف بابن إلى اسم علم، نحو: يا زيد بن عمرو - بمنزلة (امرئ) في أن راءه تحرك بحركة مثل حركة همزته، فإن ضممت الهمزة الراء، وإن فتحت الهمزة فتحت الراء، ويفعل مثل ذلك بالكسر، تجعل حركة الراء مثل حركة الهمزة.
ويفعل مثل هذا في النداء الذي وصفته لك: تجعل حركة آخر الاسم الأول بمنزلة
حركة النون من (ابن) تتبعها. فتقول: يا زيد بن عمرو، ويا خالد ابن جعفر. وكذا يفعل في غير النداء. وإنما فتح لتتبع حركة آخر الاسم حركة آخر النعت.
والحركة الأولى حركة بناء، والحركة الثانية إعراب، وهو مثل (امرئ) في أن حركة الهمزة إعراب وحركة الراء بناء. وقال الكذاب الحرمازي:
стр. 319
(يا حَكَمَ بنَ المُنذرِ الجارودْ)
سُرادِقُ المجدِ عليكَ ممدودْ
الممدوح: الحكم بن المنذر بن الجارود العبدي وكان من السادات. وأراد أن المجد قد امتد في وجهه كامتداد السرادق.
وقال العجاج:
يا عُمَرَ بنَ مَعْمَرٍ لا مُنْتَظَرْ
بعدَ الذي عدا القُروصَ فحزَرْ
يخاطب العجاج عمر بن عبد الله معمر التميمي، وكان قد ولي حرب الخوارج بعد أن عظم امرهم واشتد. والقروص: أن يخمض اللبن حموضة يسيرة، والحزور: أن تشتد حموضته، ومثل من أمثالهم في إفراط الأمر: عدا القروض فحزر.
يقول: لا منتظر بعد ما جرى من الخوارج، يريد: لا تتوقف عن محاربتهم فقد جاوزوا إلى أشد مما كان يخاف منهم.
стр. 320
جواز عطف المعرفة على مجرور (رب)
قال سيبويه في باب (إجراء الصفة فيه على الاسم في بعض المواضع أحسن): وأما رب رجل وأخيه منطلقين، ففيه قبح حتى تقول: وأخ له، فالمنطلقان عندنا مجروران من قبل أن قوله: وأخيه، في موضع نكرة، لأن المعنى إنما هو: وأخ له. ثم ذكر كلاما اتصل بكلامه المتقدم، ومسائل، وامتد كلامه حتى انتهى إلى أن قال:
وقال الأعشى:
وكم دونَ بيتكَ من صَفْصَفٍ ... ودَكْداكِ رَمْلٍ واعقادِها)
ويهماَء بالليل غَطْشَى الفَلاةِ ... يؤرقني صوتُ فيّادها
ووضْعِ سقاءٍ وأحقابهِ ... وحَل حُلوسٍ واغمادِها
وفي الكتاب بعد الشعر: هذا حجة لقوله: رب رجل وأخيه. والشاهد على قوله (واعقادها) عطفه على المجرور بـ (من) ومن، لا تدخل في هذا الموضع إلا على نكرة، كما أن (رب) لا تدخل إلا على نكرة، فلما ادخل (من) على النكرة عطف على النكرة ما هو مضاف إلى ضمير النكرة، كما فعل في: (رب رجل وأخيه) كأنه قال: من ضفصف، ومن دكداك رمل واعقادها.
стр. 321
وكذا الشاهد في قوله: (ووضع سقاء وأحقابه) الهاء تعود إلى السقاء. وكذا: (وحل حلوس وأغمادها) يعود الضمير فيه إلى الحلوس.
يمدح الأعشى بهذا الشعر سلامة ذا فائش الحميري، يقول له: كم دون بيتك من صفصف قد قطعته وجزته إليك. والصفصف: المستوي من الأرض، الدكداك: الرمل اللين، والعقد وجمعه اعقاد: ما تعقد من الرمل وتراكم بعضه على بعض.
ووجه تأنيثه الضمير الذي أضاف الاعقاد اله - والاعقاد هي اعقاد الدكداك، والدكداك واحد - إنه في معنى الدكادك، وهو واحد يراد به الجنس، ولذلك قال: واعقادها. واليهماء: الأرض القفرة، والغطشى: العمياء التي لا يبصر أحد فيها شيئا، وليس فيها علم يستدل به، والغطش: ضعف البصر، والفياد: ذكر البوم، يؤرقني: يمنعني من النوم.
ووضع سقاء: على الأرض، إذا ترك ليشرب منه. وأحقابه: شده وراء رحله، يقال: احقبت الشيء إذا شددته وراءك. والحلوس: جمع حلس وهو مثل البرذعة، يكون تحت الرحل. يريد: حلها إذا نزل، وأغمادها: شدها على ظهر راحلته.
يقال: اغمد متاعه على ظهر دابته، إذا تركه، ويقال: إغماد الحلوس: إدامتها تحت الرحال. ويقال: إغمادها: إدخال بعضها على بعض.
والمعنى الذي قصده الأعشى، إنه وصف ما لقيه من الشدة والعناء والتعب في السير، حتى لقي سلامة ذا فائش. وإنما يقول له مثل هذا ليعظم حال قصده له.
جمع (ابن) لغير العاقل على (بنون)
قال سيبويه قال النابغة الجعدي:
стр. 322
وصهباَء لا تُخْفي وهْيَ دونَهُ ... تُصَفَّقُ في راووقِها ثم تُقْطَبُ
(شَرِبْتُ بها والديّكُ يدعو صباحهُ ... إذا ما بنو نَعْشِ دنَوا فتصوبوا)
الشاهد فيه إنه جمع (ابنا) من غير ما يعقل جمع العقلاء المذكورين وقال (بنو) وكان ينبغي أن يقول (بنات) وقد سيبويه وجه قوله.
وأراد بالصهباء: الخمر، أراد ورب صهباء، لا تخفي القذى أي لا تستره إذا وقع فيها لأنها صافية، فالقذى يرى فيها إذا وقع، وقوله: وهي دونه، يريد أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء رآه الرائي في الموضع الذي هو فيه، والخمر اقرب إلى الرائي من القذى، وهي فيما بين الرائي وبين القذى.
يريد أنها يرى ماوراءها. تصفق: تصفى وتدار من إناء إلى اناء. ووقع في الكتاب (شربت به) وإنما هو (شربت بها) يريد شربتها. ومثله:
نضربُ بالسيف ونرجو بالفَرَجْ
أي نرجو الفرج.
وفي شعره (تمززتها) أي شربتها قليلاً قليلا. وقوله يدعو صباحه: أي يدعو في وقت إصباحه، وقوله دنوا: أي مالت بنات نعش إلى جانب السماء.
стр. 323
قال سيبويه وقال الأعشى:
(فإما تَرَيْ لِمَّتي بُدلَتْ ... فإن الحوادثَ أودَى بها)
الشاهد على إنه ذكر (أودى) وفيه ضمير الحوادث. ومثل هذا في الشعر ضرورة.
واللمة: الشعر الذي نزل من الرأس إلى ما بين الكتفين. وقوله: إما تري يريد أن تري. ومعنى بدلت: ذهب بعضها بالصلع، وشاب بقيتها. فإن حوادث الدهر أهلكها؛ يعني أن مرور الدهر يغير كل شيء، وأودى: هلك.
ويروى: فإن تعهديني ولي لمة.
ويروى: فإن الحوادث ألوى بها.
ويروى: أزرى بها.
والشاهد في جميع هذه الروايات على طريقة واحدة.
العدول عن البدل صونا للمعنى
قال سيبويه في باب المعرفة من النكرة، والمعرفة من المعرفة: وإن شئت قلت: مررت برجل عبد الله، كأنه قيل لك: من هو؟
أو ظننت ذلك. ومن البدل أيضا: مررت بقوم عبد الله وزيد وخالد والرفع جيد. يريد أن الاسم الذي تجعله بدلا يجوز فيه أن ترفعه
стр. 324
بالابتداء، وإنما يحسن في البدل، إذا كان البدل مثله يصلح أن يكون جوابا لـ (من) أو غير (من) ممن يقتضيه المعنى. قال مالك بن خالد الهذلي:
يا ميَّ أن تفقدي قوما ولَدْتِهمِ ... أو تُخْلَسيهِمْ فإن الدهرَ خَلاّسُ
(عمروٌ وعبدُ مَنافٍ والذي عَهِدَتْ ... ببطنِ عَرْعَرَ أبي الضيم عبّاسُ)
تخلسيهم: يؤخذون منك بغتة، فإن الدهر من شأنه أن تؤخذ فيه الشيء بغتة: وعرعر: مكان معروف.
والشاهد فيه رفع (عمرو) وما بعده، ولم يجعلهم بدلا من (قوما) و (عباس) بدل من (الذي). ولو أبدلت فسد الكلام، لأننا إذا نصبنا (الذي) وجب أن ننصب الذي هو بدل منه، فكنا نقول: عباسا:
وقوله: والذي عهدت، الضمير عندي يرجع إلى مي، وترك لفظ الخطاب وأخبر عنها باللفظ الذي يكون للغائب، أراد. والذي عهدت، فلم يستقم له، فأتى باللفظ الذي للغائب.
الرفع على الاستئناف دون الاتباع تجديدا للمعنى
قال سيبويه في باب ما ينتصب على المدح والتعظيم: وذلك قولك: الحمد لله
стр. 325
الحميد، والملك لله أهل الملك. ولو ابتدأته ورفعته كان حسنا. قال الأخطل.
نفسي فداءُ أميرِ المؤمنين إذا ... أبدى النّواجّذَ يومٌ باسلٌ ذَكَرُ
(الخائضُ الغَمْرَ والمَيْمونُ طائرهُ ... خليفةُ الله يُستسقى به المَطَرُ)
يمدح بذلك عبد الملك بن مروان.
والشاهد فيه إنه رفع (الخائض الغمر) وما بعده، على إنه خبر ابتداء محذوف، او على إنه مبتدأ وخبره محذوف.
والنواجذ: أقصى الأضراس، وقال بعضهم: هي التي تلي الأنياب. وإنما تبدو النواجذ إذا اشتد فزع الإنسان. تقلصت شفته فبدت أسنانه وما في فمه. والباسل: الشديد الكريه، والذكر: الذي ليس فيه إلا الجيد والعمل. ووصف اليوم بأنه باسل لأن البسالة تقع فيه.
يقول: هو في مثل هذا اليوم
стр. 326
يخوض الغمرات، والميمون طائره: الذي يتبرك به، والمعنى واضح. ويجوز فيه: الخائض بالنصب، ويجوز فيه الجر على الصفة.
النصب على التمييز
قال سيبويه: في النفي: وإن شئت قلت: لا مثله رجلا، على قولك: لي مثله غلاما. يريد إنه ينتصب على التمييز. وقال ذو الرمة:
رجعْتُ إلى عِرفانِها بعد نَبْوَةٍ ... فما زِلْتُ حتى ظَنّني القومُ باكيا
(هي الدارُ إذْ مَيٌّ لأهِلكَ جيرةٌ ... لياليَ لا أمثالهنَّ لياليا)
يريد إنه وقف بالدار فلم يعرفها في أول وقوفه، ثم تذكرها وتبين أمرها بعد أن بصره عنها وأنكرها، فعرفها. فقوله: حتى ظنني القوم باكيان يقول: وقفت بها واجما حزينا، وأطلت الوقوف حتى ظن أصحابي أنني أبكي.
وقوله: هي الدار: أي الدار التي عهدت فيها ميا، والجيزة، المجاورون، وأراد: إذ أهل مي لأهلك جيرة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. يقول: كانوا جيراننا في ليال ليس لها مثل في الليالي و (لياليا) العامل فيه (أمثالهن)، وهذا كما تقول: على التمرة مثلها زبدا، وخبر (لا) محذوف كأنه قال: لا أمثالهن ليالي لنا.
(أولاد أحقب) وأشباهه نكرة
قال سيبويه في باب: (من المعرفة يكون الاسم الخاص شائعا في الأمة، ليس واحد منها أولى به من الآخر): فإذا أخرجت الألف واللام صار
стр. 327
الاسم نكرة يعني إذا أخرجت من ابن اللبون وابن المخاض وما أشبه ذلك، لأنه صار معرفة بالألف واللام، فإذا نزعتا منه تنكر. ثم انشد. كذا في الأصل.
ثم قال: وكذلك كل ابن أفعل إذا كان ليس باسم لشيءز لم يمثله سيبويه بشيء، وهو مثل قولك: مررت بابن أشر، ومررت بابن اخضر. يريد مررت بمهر ابن فرس اشقر، وبطائر ابن طائر أخضر، فأخضر وأشقر ليسا باسمين وهما صفتان.
وقال سيبويه: وقال ناس: كل ابن افعل معرفة لأنه لا ينصرف وهو ما مثلت من قولهم: ابن أشقر وابن أخضر، وزعم هؤلاء أن أخضر وأشقر وما أشبههما، إذا أضفت إلى واحد منهما (ابنا) فهو معرفة، لأنه لا ينصرف. وقال سيبويه: وهذا خطأ لأن (أفعل) لا ينصرف وهو نكرة، ألا ترى أنك تقول: أحمر قمد.
стр. 328
يريد أن (أحمر) نكرة، ولو لم يكن نكرة لم يوصف بـ (قمد) وقمد نكرة. قال ذو الرمة:
(كأنا على أولادِ أحقَبَ لاحَها ... ورْميُ السَّفا أنفاسها بسِهامِ)
جَنوبٌ ذوَتْ عنها التّناهي وأنزلتْ ... بها يوم ذبابِ السبيبِ صيامِ
الأحقب: الحمار الوحشي الذي بموضع الحقيبة منه بياض. ويقول: كأنا على حمير وحش. شبه رواحلهم في السرعة بالحمر الوحشية. ويروى:
كأنا على أولاد خطباء. . .
والخطباء: الأتان، والخطب: الخضرة التي في متنها، لاحها: غيرها وأضمرها والضمير في (لاحها) يعود إلى أولاد أحقب، و (جنوب) مرفوعة فاعلة (لاحها) والسفا: شوك البهكي. وقوله (أنفاسها) يريد به انوافها وموضع أنفاسها ومناخرها، والسهام: هي شوك البهمى. يريد أن الريح اقتلعت السفا فرمت به أنوف الحمير، وإنما يكون ذلك إذا يبس النبت ولم يكن للحمير رطب ترعاه، فتقبل على رعي اليبيس، فإذا رعت البهمى وهي يابسة؛ حملت الريح سفا البهمى فشكته في أنوف الحمير.
والتناهي: جمع تنهية وهو موضع ينتهي السيل اليه، ويقف فيه مدة من الزمان، فإذا اشتد الحر جفت التناهي. ومعنى ذوت: جفت، وأنزلت بها أي بالحمير، وفي (أنزلت) ضمير يعود إلى (الجنوب)، يريد أن الجنوب أنزلت بالحمير يوما شديدا.
وقيل: أنزلت بها: أي أحلت بها؛ في معنى أحلتها وأنزلتها. جعل اليوم كأنه محل،
стр. 329
كما تقول: أحلتها مكانا شديدا. وقيل: السبيب: أذنابها التي تذب بها، وكان ينبغي أن يقول: يوم ذبابة السبائب، يريد يوم تذب الحمير بأذنابها. وقيل: ذباب السيب: الثور الوحشي يذب عن نفسه بذنبه في شدة الحر. و (صيام) نعت لأولاد أحقب.
والشاهد فيه أن (صيام) نكرة وهو وصف لـ (أولاد احقب) فلو كان أولاد احقب معرفة كما زعم هؤلاء القوم كان المضاف إليه معرفة، وإذا صار معرفة لم يجز أن يوصف بنكرة.
وقد وقع في البيت ضرورة قبيحة، وهو تقديم المعطوف على المعطوف عليه.
لأن قوله (ورمي السفا) معطوف على (جنوب) وهذا كما تقول: قام وعبد الله زيد. ومثله:
. . . عليكِ ورحمةٌ اللهِ السّلامُ
ومثله:
جَمَعْتَ وبُخْلاً غِيبَةً ونَمِيمَةً. . .
يريد إنه لاحتها الجنوب ورمي السفا.
العطف بالرفع على محل (لا) النافية للجنس
قال سيبويه في باب: ما جرى على موضع المنفي لا على الحرف الذي عمل في المنفى. فمن ذلك قول ذي الرمة:
بلادا بها اهلون ليسوا بأهلنا ... وأخرى من البلدان ليس بها أهلُ
стр. 330
(بها العين والارآم لا عِدَّ عندهَا ... ولا كَرَعٌ إلا المَغاراتُ والربْلُ)
(بلادا) منصوب بشيء متقدم قبل هذا البيت بأبيات.
يريد إنه قطع إلى هذا الممدوح بلادا كثيرة، بعضها فيها ناس ليسوا بأهله ولا يعرفهم، وبعضها خال ليس به أحد، وفيه الوحش، والعين: البقر الوحشية، والآرام: الضباء البيض، والعد الماء القديم الذي له مادة، والكرع: الماء الذي يكرع، يشرب من الموضع الذي اجتمع فيه، والمغارات: جمع مغارة وهي مواضع في الجبال شبه الحجرة والبيوت، تتسع وتضيق. وقيل: إنه أراد بالمغارات مكانس الوحش، والربل: كا ينبت في آخر الصيف ببرد الليل وفي أول الشتاء. ويروى:
سوى العِيبن والأرآم. . .
والشاهد إنه عطف (كرع) على موضع (لا) وهي في موضع ابتداء.
في باب النداء
قال سيبويه في باب النداء: وأما قولك: يا أيهاذا الرجل،
стр. 331
فإن (ذا) وصف لـ (أي) كما كان الألف واللام وصفا له، لأنه مبهم مثله، فصار له كما صار الألف واللام. يريد أن (أيا) المبهمة يوصف في النداء بما فيه الألف واللام وبالأسماء التي للإشارة، فإذا قلت: يا أيهذا فكأنك قلت: يا أيها الرجل. قال ذو الرمة:
(ألا أيُّهذا المنزلُ الدّارسُ الذي ... كأنك لم يَعهدْ بكَ الحي عاهدُ)
(ذا) وصف لـ (أي) و (المنزل) وصف لـ (ذا) و (الدارس) وصف لـ (المنزل) و (الذي) وصف لـ (المنزل) أيضا. وقوله: كأنك لم يعهد بك الحي عاهد، هو على لفظ الخطاب، والذي يجب أن يعود إلى (الذي) على لفظ الغيبة، لم يعهد به الحي عاهد. وإنما جاز هذا على الاتساع. وهو مثل قولهم: أنت الذي قمت وأنا الذي قمت، فلما تقدم النداء وهو للمخاطب استجاز معه أن يجعل ضمير المخاطب في موضع ضمير الغائب. ويروى:
ألا أيها الرَّبْعُ الذي غير البِلَى ... كأنَّك لم يَعْهَدْ بك الحيَّ عاهدُ
ترخيم (اثالة) في غير النداء
قال سيبويه في الترخيم: قال ابن أحمر:
стр. 332
وأيةَ ليلةٍ تأتيكَ سَهْواً ... فتصبحَ لا ترى منهمْ خَيالا
(أبو حَنَشِ يُؤرّقنا وطَلْقٌ ... وعبّادٌ وآونةً أثالا)
ذكر ابن أحمر جماعة من قومه لحقوا بالشام وأقاموا بها. والسهوة: اللينة الساكنة. يقول: إذا أتى أول الليلة بالسكون والطمأنينة، رأيت خيالهم في آخرها فأزعجني تذكرهم، وحزنت على مفارقتهم. وذكر منهم جماعة فقال: أبو حنش يؤرقنا، أي يمنع تذكره من النوم.
وذكر سيبويه أن اثالا ترخيم اثالة.
والشاهد على ترخيم (اُثل) في غير النداء. وروى الرواة أن اسم الرجل كان اثالا، وأنه غير مرخم ونصبه على إضمار فعل، كأنه: وآونة نتذكر أثالا.
النصب المنادى إذ بدا من قبيل الشبيه بالمضاف
قال سيبويه في النداء: قال ذو الرمة:
أداراً بِحُزْوَى هِجْتِ للعَيْنِ عَبْرَةً ... فماءُ الهوَى يَرْفَضُّ أو يترقْرَقُ)
الشاهد فيه إنه نصب (دارا) لأنها منادى منكور.
وحزوى مكان بعينه و (بحزوى) وصف لـ (دار) وبرفض: يتفرق
стр. 333
ويجيء شيئا بعد شيء، ويترقرق: يجري ويسيل. وأراد بماء الهوى: الدموع التي تجري من عين من في قلبه هوى. والمعنى واضح.
(ابن ماء) وأشباهه نكرة
قال سيبويه قال ذو الرمة:
وماءٍ قديمِ العهدِ بالناسِ آجنٍ ... كأنَّ الدَّبا ماَء الغَضا فيه يَبْصٌقُ
(وردْتُ اعتسافا والثُرَيّا كأنّها ... على قِمةِ الرأس ابنُ ماءٍ مُحَلَّقُ)
الآجن: الماء المتغير، قديم العهد بالناس: لم ينزل عليه أحد لأنه في موضع من الفلاة لا يسلك كثيرا. والدبا: من الجراد الذي لم تنبت أجنحته، والغضا: شجر معروف. و (ماء الغضا) منصوب بـ (يبصق) يقول: كأن الدبا أكل الغضا، ثم يصق في هذا الماء، وبصاقه أسود شبه ما يبصقه الدبا بما يخرج من الغضا، والذي يخرج منه قطران أو شبيه بالقطران.
وردت هذه الماء اعتسافا، أي على غير هداية. يقال اعتسف الطريق: إذا ركبه على غير هداية. والجملة التي بعد قوله: (اعتسافا) في موضع الحال من التاء. أي وردت في هذه الحال. و (الثريا) مبتدأة والجملة التي بعدها خبرها.
وقمة الرأس: أعلاه، ابن ماء: طائر من طير الماء، ومحلق: مرتفع في الجو يريد إنه ورد هذا الماء والثريا قد توسطت السماء.
والشاهد في البيت الثاني على إنه أتى بـ (ابن ماء) نكرة.
стр. 334
في الإضافة غير المحضة
قال سيبويه قال ذو الرمة:
ألا خَيَّلَتْ خَرقاءُ بالبين بعدما ... مضى الليلُ إلا خَطَّ أبلقَ جاشِرٍ
(سرَتْ تخبطُ الظلماَء مِن جانبي قَسا ... وحُبَّ بها من خابطِ الليلِ زائرِ)
خرقاء: امرأة، وخيلت: من التخييل. أراد أنها أرته خيالها في النوم والبين: القطعة من الأرض، وقيل: البين ملتقى كل ارضين، وأراد بالأبلق ضوء الفجر، والجاشر: المضيء، يقال: جثر الصبح إذا أضاء. وأراد بالاستثناء إنه مضى الليل إلا مقدارا منه قد لاح فيه ضوء الفجر، فجعل (إلا خط ابلق) بمنزلة قوله: إلا بقية فيها خط أبلق.
وتصحيح لفظه إنه في تقدير استثناء متصل، كأنه قال: مضى الليل إلا بقية خط أبلق، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وسرت: سارت بالليل، يعني خيالها، وحب بها: أصله حبب بها ثم أدغم، يريد ما احبها إلي، وقسا موضع بعينه، وتخبط الظلماء: تأتي على غير هداية، و (خابط) مضاف إلى الليل والليل معرفة، ولم يتعرف خابط بإضافته إلى الليل. و (زائر) نعت لـ (خابط) ولو كان (خابط) معرفة لم ينعت بـ (زائر) وهو نكرة.
стр. 335
في لغة (أكلوني البراغيث)
قال سيبويه: واعلم أن من العرب من يقول؛ ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذا بالتاء التي يظهرونها في: قالت فلانة. . . وهي قليلة. قال الفرزدق:
ستعلمُ يا عمرو بنَ عَفْرا من الذي ... يُلام إذا ما الأمر غَبَّتْ عواقِبُهْ
نَهيتُ عَفْرا أن يُعفر أمَّه ... بحَجْر السَّلا إذْ عَفَّرَتْهُ ثعالِبُهْ
فلو كنتَ ضَبياً صفحْتُ ولو سرَتْ ... على قدمي حيّاتُهُ وعقارِبُهْ
(ولكنْ دِيافي أبوه وأمه ... بحَورانَ يعصِرْنَ السَّليطَ أقاربه)
الشاهد فيه إنه قال (يعصرن) فأتى بالحرف الذي يكون ضميرا، علامة للجمع على حد قولهم: أكلوني البراغيث، والفاعل هو (أقاربه) فأتى بعلامة الجمع.
стр. 336
وقوله: غبت عواقبه، أي إذا أتتك مكافأتي بالهجاء بعد وقت. والسلا: الجلدة التي تخرج على الولد من بطن أمه، وعفرته: جرته في التراب حتى يلتزق به، والعفر: التراب، ودياف: قرية بالشام فيها قوم أشباه النبط، وحوران مدينة من مدن الشام؛ والسليط: الزيت.
وسبب هذا الشعر أن عمرو بن عفرا قال لعبد الله بن مسلم الباهلي وقد أعطى الفرزدق خلعة؛ وحمله على دابة، وأمر له بألف درهم، فقال له عمرو بن عفرا الضبي: ما يصنع الفرزدق بهذا الذي أعطيته. إنما يكفي الفرزدق ثلاثون درهما: يزني بعشرة، ويأكل بعشرة، ويشرب بعشرة. فهجاه الفرزدق.
قال سيبويه: قال الفرزدق:
وما زالَ باني العز منا وبَيْتِه ... وفي الناس باني بيت عِزّ وهادِمُهْ
(قديما ورثناه على عهدِ تُبَّعٍ ... طويلاً سواريهِ شَديداً دعائِمُهْ)
الشاهد فيه على تذكير (طويل) والفاعل له السواري، وكذا قوله (شديد دعائمه) ذكر ولم يقل شديدة.
فخر الفرزدق بقومه. يقول: ليس كل الناس يبني عزا مثل ما نبني
стр. 337
نحن، وأراد أن العز حاصل لهم وفيهم؛ منذ الوقت الذي كان تتبع فيه ملكا. والسواري: الأساطين؛ الواحدة سارية، والدعائم: واحدتها دعامة وهو ما يدعم به الشيء أي
يسند. يريد أن بيت العز فيهم ثابت عظيم الشأن؛ مثل البيت الذي فيه سوار عوال ودعائم تسنده.
وهذا الشعر في قصيدة يهجو بها بني نهشل ورئيسهم يزيد بن مسعود.
(من) اسم نكرة بدليل وصفه بنكرة
قال سيبويه قال الفرزدق:
(إني وإياك إذْ بَلَّغْنَ أرحلَنا ... كم بِواديه بعد المحل ممطورِ)
وفي يمينك سيف الله قد نصرتْ ... على العدو، ورزقٌ غيرُ محظورِ
الشاهد فيه على إنه جعل (من) اسما نكرة موصوفا بـ (ممطور) وليست له صلة و (إياك) ضمير المخاطب وهو يزيد بن عبد الملك، وكان الفرزدق قد مدحه بهذه القصيدة. والنون في (بلغن) ضمير الرواحل.
المعنى: إني إذا سارت الرواحل، وحملت أرحلنا حتى بلغنا إليك، كرجل كان واديه محلا فمطر بعد ذلك، وظهر نباته، وحسنت حاله. يريد أن ما نالوا من خيره بعد الحال التي كانوا فيها؛ كحال من كان محله جدبا غير ممطور، ثم مطر فأخصب.
стр. 338
و (بعد المحل) منصوب بـ (ممطور) والباء التي في قولك (بواديه) متصلة بـ (ممطور) أيضا. أراد كإنسان ممطور بواديه بهد المحل. وقوله (وإياك) اسم معطوف على الضمير المنصوب بـ (إن)، وهو ضمير: يزيد عبد الملك الممدوح، وليس في بقية البيت ما يعود إلى إياك). والكاف في قولك (كم) وما اتصل بها خبر لضمير المتكلم. وقد جاء مثل هذا. قال الشاعر:
فمَنْ يَكُ سائلاً عني فإني ... وجِروةَ لا تَرودُ ولا تُعارُ
لم يخبر عن نفسه وأخبر عن حروة.
ويقدر في مثل هذا ما يعود إلى الاسم الآخر، كأنه قال: كإنسان مطر بخيرك وجودك. فإن قال قائل: ففي الكلام ضمير محذوف يعود إلى (إياك) وهو قوله: إذ
بلغن أرحلنا، معناه: إذ بلغنك أرحلنا؛ قيل له: (إذ) وما اتصل بها لا يصلح أن يكون خبرا لـ (إياك). فإن قال: لست أخبر عن (إياك) بإذ وما اتصل بها؛ ولكني أجعل (إذ) ظرفا منصوبا بـ (كمن) فتكون الكاف وصلتها خبرا عنهما، ويكون العائد إلى (إياك) الضمير المحذوف المنصوب بـ (بلغن) - كان في هذا القول نظر.
في الجر على الجوار
قال سيبويه في باب الجر: قال الخليل: لا يقولون إلا: هذان جحرا ضب خربان، من قبل أن الضب واحد والجحر جحران، وإنما يغلطون إذا كان الآخر بعدة الأول وكان مذكرا مثله أو مؤنثا فقال: هذه
стр. 339
جحرة ضباب خربة، لأن الضباب مؤنثة والجحرة مؤنثة والعدة واحدة.
يقول: هذا الذي تجره العرب على الجوار، إنما تجعله على بعض الأوصاف، وهو أن يكون النعت الذي يجره يوافق الاسم الذي يجاوره في: عدته وفي تذكيره وتأنيثه. فإن اختلفت العدة، أو كان أحدهما مذكرا والآخر مؤنثا، استعملوا الكلام على أصله، ولم يجروه على المجاورة.
لا يقولون: هذا وجار ضبع واسع، ر يجرون (واسع) على الجوار للضبع، لأن (واسع) مذكر والضبع مؤنثة. فلو قلت: (هذا وجار ثعلب واسع) لجاز الجر، لأن الثعلب مذكر و (واسع) مذكر، والعدة واحدة.
ولو قلت: هذا مكان ثعالب واسع؛ لم يجز الجر لاختلاف العدة. وسيبويه يخالفه، ويجيز الذي منع من جوازه. وقد احتج سيبويه لقوله بما هو بين في الكتاب. ثم انشد للعجاج ما يوضح قوله. قال العجاج:
(كأن نسجَ العنكبوتِ المُرْمَلِ)
على ذُرَى قُلاّمِهِ المُهَدَّلِ
стр. 340
سُبوبُ كَتّانٍ بأيدي الغُسلِ
الشاهد فيه على إنه جر (المرمل) على الجوار وهو مذكر، وأجراه على العنكبوت وهي مؤنثة. وهذا يشهد لصحة ما ذهب إليه سيبويه.
ذكر ماء ورده، والمرمل: المنسوج، والفلام: ضرب من النبت، وزعموا إنه الذي يعرف بالقاقلي، والذرى: الأعالي الواحدة ذروة، والمهدل: المدلى. يعني أن العنكبوت قد نسجت على القلام الذي حول هذا الماء، والسبوب: جمع سب وهو ثوب من كتان ابيض. شبه ما نسجت العنكبوت على هذا الماء بثوب رقيق من الكتان، والغسل: جمع غاسل وغاسلة.
أخوات (كم) الاستفهامية والخبرية
قال سيبويه في باب ما جرى مجرى (كم) في الاستفهام وذلك قولك: كذا وكذا درهما.
يريد أن (درهما) ينتصب بـ (كذا وكذا) كما ينتصب بـ (كم) إذا استفهمت. ثم ساق كلامه إلى أن قال: وكذلك كأين رجلا قد رأيت. يعني أن (كأين) ينصب (رجلا) كما ينصب (كم) (رجلا) في الاستفهام وأن لم يكن (كأين) استفهاما، إلا إنه مثله في إنه ينصب ما بعده.
و (كأين) في المعنى بمنزلة (كم) وقد جعلها سيبويه بمنزلة (رب) كما جعل (كم)
стр. 341
في الخبر بمنزلة (رب) في أنها تدخل على نكرة وهي نقيضتها: (كم) للتكثير و (رب) للتقليل. ثم قال: إلا أن أكثر العرب يتكلمون بها مع (من) قال الله تعالى: كأين من قرية وقال عمرو بن شأس:
ومنُ حجُرٍ قد أمكنَتْكُمْ رِماحُنا ... وقد سار حَوْلاً في مَعدٍ وأوْضَعا
(وكائِنْ رَدَدنا عنكمُ من مدججٍ ... يجيء أمامَ الخيلِ يَرْدي مُقنَّعا)
ويروى:
وكم مِن هُمامٍ قد وَطِئْنا متوجٍ ... يَجيء أمام الخَيلِ. . .
المدجج: الشاك في السلاح، والرديان: ضرب من العدو؛ يقال منه: ردى يردي. يريد أن الفرس يعدو بالمدجج الرديان، فجعل الفعل للمدجج وإنما هو لفرسه، والمقنع: الذي عليه مغفر وهو الذي ينسج من زرد يغطى به الرأس والوجه. والمتوج: الذي عليه تاج، والايضاع: سير شديد.
стр. 342
يمن عمرو بن شأس على بني أسد بما فعل رهطه من المدافعة عن بني أسد والذب عنهم، وحجر هو أبو امرئ القيس.
العطف بالرفع، ولو نصب على التعظيم لجاز
قال سيبويه قال مالك بن خالد الخناعي:
يا مَيَّ لا يُعجزُ الأيامَ ذو حِيدٍ ... في حومةِ الموتِ رزّام وفراسُ
يحمي الصريمةَ، أحْدانُ الرجالِ له ... صيدٌ، ومجترئ بالليل همّاسُ)
كذا وقع الإنشاد في كتاب سيبويه، وقد الف صدر بيت إلى عجز بيت آخر، والبيت الأول الذي انشده؛ صدره في صفة وعل، وتمامه في صفة أسد. وصحته:
يا ميَّ لن يُعجزَ الأيامَ ذو حِيدٍ ... بمُشْمَخِرّ به الظَيانُ والآسُ
وذو حيد: يريد به الوعيل، والحيد مواضع تنشأ في قرنة. ويروى: حيد بفتح الحاء. والرواية الأولى أجود وهي المختارة عند البصريين. ويروى: ذو خدم، والخدم: البياض المستدير في جوانحه، والمشمخر:
стр. 343
الجبل العالي، والظيان: ياسمين البر، والآس: قط من العسل تقع من النحل على الحجارة، فيستدلون بتلك النقط على مواضع النحل.
يقول: الآفات التي تقع في الدهر، ولا يسلم منها هذا الوعل الذي في رأس الجبل، له ما يرعاه وما يشربه. وصحة تمامه:
يا مَيَّ لن يُعجزَ الأيام مبتركٌ ... في حَوْمَةِ الموتِ رزّامٌ وفرّاسُ
أحمى الصّريمَةَ. . .
والمبترك: هو الأسد والمبترك: المعتمد، وحومة الموت: الموضع الذي يدور فيه الموت لا يبرح منه، والرزام: المصوت، يقال: رزم الأسد برزم؛ وإذا برك الأسد على فريسته رزم. وفراس: يدق ما يصيده. والصريمة: رملة فيها شجر، أحماها: منع الناس من أن يدخلها شيء من خوفه، وأحدان الرجال: الذين يقول أحدهم: أنا الذي لا نظير له في الشجاعة والبأس.
يقول: هذا الأسد يصيد هؤلاء الذين يدلون بالشجاعة. و (احدان) يروى بالرفع والنصب، فمن رفع قال: (أحدان) رفع بالابتداء، و (صيد) خبر الابتداء. ومن نصب جعله مفعول (أحمى) كأنه قال: أحمى الصريمة من احدان الرجال، أي منعهم من الدخول إليها، و (صيد) يرتفع على هذا الوجه بالابتداء و (له) خبره و (مجترئ) يجوز رفعه على إنه خبر ابتداء محذوف، كأنه
стр. 344
قال: وهو مستمع ووجه آخر، وهو أن يعطف على (رزام وفراس) وهذا الوجه الذي أراده سيبويه.
والشاهد على إنه عطف. و (هماس) من الهمس وهو الصوت الخفي. يريد إنه يخفي صوت وطئه ولا يشده حتى لا يسمع فيشعر به.
إبدال الجزء من الكل
قال سيبويه قال ذو الرمة:
(ترى خَلْقَها نِصفْاً قناةً قويموً ... ونِصْفاً نَقاً يرتَجُّ أو يتمرمَرُ)
الشاهد على إنه أبدل (نصفا) من (خلقها).
وقناة: في معنى منتصبة، فجعلها وصفا. وقويمة: مقومة، ونقا: بمعنى مستدير ضخم أملس، يرتج: يتحرك إذا مس، يتمرمر: أي يترجرج يذهب ويجيء لرطوبته.
ويروى: نصف قناة قويمة. على الابتداء والخبر (نصف) مبتدأ و (قناة) خبره،
وكذلك (ونصف نقا) وصف امرأة، وجعل نصفها الأعلى مستويا معتدلا لا يخرج بعضه عن
стр. 345
بعض. يريد أن بطنها ضامر فهو بمنزلة القناة وليست بضخمة والنصف الأسفل بمنزلة نقا، وهو يريد عجزها.
أعربت الصفة حالا؛ لتقدمها على صاحبها
وقال سيبويه في باب ما ينتصب لأنه قبيح أن يوصف يما بعده، ويبني على ما قاله: وذلك قولك: هذا قائما رجل، وفيها قائما رجل. يعني أن قائما) لا يجوز أن يكون وصفا للاسم المتأخر وهو (رجل)، ولا يجوز أن يكون (قائم) مبتدأ و (هذا) خبره. . . لأنه لا يحسن أن نقوم الصفة مقام الموصوف في كل حال.
ولا يجوز أن يكون (رجل) نعتا لـ (قائم)، فلما قبحت هذه الوجوه - وقد جاز عندهم أن يكون (قائم) الذي هو وصف النكرة حالا منها، في الموضع الذي يحسن فيه - فإذا تقدم الوصف وبطل أن يكون نعتا بعد تقدمه؛ ألزموه الحالة التي كانت، فيجوز فيه وهو متأخر.
ثم ساق سيبويه كلامه في هذا المعنى حتى انتهى إلى قول ذي الرمة. قال ذو الرمة:
فأصبحنَ قد نَكبْنَ حُزْوى وقابلتْ ... من الرملِ ثَبْجاءُ الجماهير عاقرُ
(وتَحتَ العوالي في القَنا مستطِلَّةً ... ظباءٌ أعارتْها العيونَ الجآذِرُ)
الشاهد نصب (مستظلة) على الحال لما تقدم، ولو تأخر كان نعتا لـ (ظباء).
وصف ظعنا سارت، وحزوى: مكام بعينه، نكبن: عدلن عنه،
стр. 346
والجماهير: جمع جمهور، وهو رمل يشرف ويعظم، والبج: الوسط، والاثج: العظيم البكن، ورملة ثبجاء الجماهير أي جماهيرها عظام. يريد أن الظعن قابلتهم من الرمل (رملة ثبجاء الجماهير)، والعاقر: الرملة التي لا تنبت شيئا، والعوالي عوالي الهوادج، في القنا: يريد القنا الذي يعطف على الهزادج، أو يريد الخشب الذي يجعل كهيئة القبة
في الهودج؛ شبه خشبة بالقنا، والجآذر: جمع جؤذر، وهو ولد البقرة الوحشية، شبه النساء بالظباء، وجعل عيونهن كعيون أولاد البقر الوحشية.
الفصل بالمجرور بين (كم) الخبرية ومجرورها
قال سيبويه في باب كم: قال الفرزدق يمدح خندف وقبائلها:
كم فيهِمِ مَلِكٍ أغَرَّ وسُوقَةٍ ... حَكَمٍ بأردية المكارمِ مُحتبي
وإذا عَدَدْتَ وجدتَني لنجيبةٍ ... غَرّاَء قد أدَّتْ لِفَحْلٍ مُنجِبِ
الشاهد إنه فصل بين (كم) وبين (ملك) بـ (فيهم).
وفي شعره: كم في ملك، يريد: كم في حيي وقومي. والأغر: المشهور الظاهر الذي لا يخفى أمره على الناس، والسوقة: من ليس هو بملك، والحكم: الذي يقنع بقوله ويرجح إليه، بأردية المكارم محتبي: أي إذا جلس مع القوم في مجلس واحتبى تكرم وأعطى وجاد، فصار - لأجل فعله للمكارم - بمنزلة من احتبى بثياب المكارم. وأردية المكارم: أفعاله الكريمة التي تظهر منه كظهور ردائه عليه. والمعنى واضح.
стр. 347
الرفع إغناء للمعنى - دون البدل مما قبله
قال سيبويه: وقد يكون: مررت بعبد الله أخوك، كأنه قيل له: من هو؟ أو قيل: من عبد الله؟ فقال: أخوك. وأنشد:
(ورِثْتُ أبي أخلاقَهُ عاجَل القِرى ... وعَبْطَ المَهاري كومها وشَنونُها)
استشهد به في رفع (كومها وشنونها) ولم يجعلهما بدلا من (المهاري)، والقصيدة مرفوعة، وقد وضع البيت في الكتاب وضعا ليس بصحيح، ولعل الذين نقلوه غيروا إنشاده، فمن تغييره: إنشادهم (كومها وشنونها) والقصيدة بائية وليست بنونية. وهي للفرزدق.
قال:
رأيتُ بني مروانَ إذ شُقَّت العصا ... وهَرَّ من الحَرْبِ العَوانِ كَليبُها
شَفَوا ثائرَ المظلوم واستمسكتْ بهم ... أكُفُّ رجالٍ رَدَّ قَسْراً شَعوبُها
ورِثْتَ إلى أخلاقِه عاجلَ القِرَى ... وضَرْبَ عراقيب المَتالي شَبوبُها
стр. 348
الممدوح: هشام بن الملك، وقوله: ورثت هو خطاب لهشام. وإنشاده في الكتاب بضم التاء على إنه للمتكلم. يريد: ورثت إلى أخلاق أبيك عاجل القرى ونحر الإبل المهاري، والعبط: نحر لم يهرم منها، نحو الحقاق والثنى والربع.
والمتالي: الإبل التي تتلوها أولادها، والشبوب السيف، ويكون (شبوبها) مرفوعا بالمصدر الذي هو (ضرب)، ولا يكون في البيت شاهد على رفع الشيء الذي يجوز أمن يكون بدلا مما قبله، والكوم: العظام الاسمنة، والشنون: التي فيها شيء من سمن.
(مرو) ترخيم مروان
قال سيبويه في الترخيم. قال الفرزدق:
(يا مَرْوَ أن مطيَّتي محبوسةٌ ... ترجو الحِباَء وربها لم يَبْأسِ)
وأثبْتَني بصحيفة مختومةٍ ... يُخشَى عليَّ بها حِباءُ النقْرِسِ
كان مروان بن الحكم لما جاءه الفرزدق - وهو عامل المدينة - تقدم إليه أن لا يهجو أحدا، فخالفه، فكتب له كتابا إلى بعض عماله، وتقدم إليه بأنه إذا ورد عليه الفرزدق ضربه وحبسه، وختم مروان الصحيفة. فلما أخذها الفرزدق خشي أن يكون فيها ما يكره، فلم يمض إلى الذي كتب له إليه، وقال مروان للفرزدق:
قُلْ للفرزدقِ والتفاهةُ كاسْمها ... أن كنتَ تاركَ ما أمرتُكَ فاجْلِسِ
стр. 349
يقول: أن كنت لم تحمل صحيفتي إلى الموضع الذي كتبت لك إليه، وسلمت مما فيها، فلا تجاورني بالحجاز، واذهب إلى نجد. ويقال لمن أتى نجدا: قد جلس.
فقال له الفرزدق:
يا مَرْوَ أن مطيتي محبوسةٌ. . .
يقول: أنا أرجو أن كتبت الكتاب، أن تعطف علي وتحبوني. وقوله: ترجو الحباء يريد: يرجو صاحبها حباءك، لم ييأس منه.
نصب على المدح، ولم يبدل مما قبله
قال سيبويه وقال الفرزدق:
ولولا بنو هندٍ لنالت عقوبتي ... قُدامةَ أوْلَى ذا الفَمِ المتثلمِ
ولكنّني استبقيتُ إعراضَ مازنٍ ... وأيامها من مستنبرٍ ومظْلمِ
أناساً بثغرٍ لا تَزالُ رماحُهُمْ ... شَوارعَ من غير العشيرةِ في الدَّمِ)
كان رجل من بني مازن يسمى ديسما، نهى عن سقي إبل الفرزدق، اولى: وعيد وتهدد، ذا الفم: أراد يا ذا الفم، المتثلم: المتكسر الاسنان، ولكنني استبقيت إعراض مازن: يريد أبقيت عليها لم اهجها، لأنها إعراض قوم كرام، ولهم أيام وآثار بينة، والمستنير: المضيء.
وقوله: أناسا بثغر: يريد أن دار بني مازن تلي دار بكر بن وائل، فهم في ثغر بني تميم، يمنعون عنهم بكر بن وائل، والرماح الشوارع: التي ترد إلى الدماء،
стр. 350
يعني تدخل في الأبدان، والشوارع: الدواب الداخلة في الماء، يريد: هم يطعنون أعداء عشيرتهم ولا يقاتلون بني تميم وأهلهم.
والشاهد فيه نصب (أناسا) بإضمار فعل. وقد روي (أناس) بالرفع على تقدير: هم أناس.
النصب على التمييز
قال سيبويه قال عباس بن مرداس:
ومارسَ زيدٌ ثم أقْصِدَ مُهرُه ... وحُقَّ في مِثلها أن يمارسا
(ومُرةُ يحميهمْ إذا ما تبددوا ... ويطعنهم شَزْرا، فأبرحتَ فارسا)
في الكتاب: ومرة يحميهم. وفي شعره: وقرة، وهو قرة بن مالك بن قنفذ، بطن من بني سليم.
وقال عباس هذا الشعر يذكر وقعة كانت بينهم وبين بني زبيد: يحميهم: يريد أنه يحمي من تبدد من قومه ويطعن أعداءه شزرا. وأبرحت: أتيت بالبرح وهو العجب، يعني إنه أتى بالعجب في قتاله، قاتل قتالا عجب الناس منه.
والشاهد فيه إنه نصب (فارسا) على التمييز.
النصب بإضمار فعل دون العطف أو الاستئناف
- للمعنى
قال سيبويه قال الاخطل:
стр. 351
لقد حَمَلَتْ قيسَ عيلانَ حربُنا ... على مستَقِلٍ للنوائبِ والحربِ
(أخاها إذا كانت غِضابا سَمالها ... على كل من ذَلولٍ ومن صَعْبِ)
يريد أن قيس بن عيلان حاربت من يخف عليه أمر الحرب، ولا يثقل عليه ما ينزل به من نائبة أو عظيمة.
يريد أنها حملت حربها على بني تغلب.
يقول: حاربت بني تغلب وهم يستقلون ما ينزل عليهم، وسمالها: ارتفع، والذلول: الجمل المنقاد، والصعب: الذي لا ينقاد، وجعل الأمر الذي ينال بسهولة بمنزلة الذلول، والأمر الذي يصعب بمنزلة الجمل الصعب الذي يؤذي ركوبه.
وقد أنشدت هذا الشعر على ما وجدته في الكتاب، وفي شعره ترتيب يخالف هذا. قال:
إليكَ أميرَ المؤمنين رحلْتُها ... على الطائرِ الميمون والمنزل الرْحبِ
إلى مؤمنٍ تجلو صفيحةُ وجهِهِ ... بلابلَ تَغْشَى من هُمومِ ومن كَرْبِ
стр. 352
مُناخِ ذوي الحاجات يستمطرونه ... عطاءً جزيلا من أسارَى ومن نَهْبِ
ترى الحلَقَ الماذِي تجري فضولُه ... على مستقلٍ بالنوائب والحْربِ
أخوها إذا كانت عُضالا سمالها ... على كل حال من ذَلول ومن صَعْبِ
إمام يقودا الخيلَ حتى تقلقلَتْ ... قلائدُ في أعناقِ مُعْمَلَةٍ حُدْبِ
فهذا الترتيب يبعد منه إنشاد الكتاب. يريد بالمستقل الممدوح، والمستقل بالشيْ: الذي ينهض به.
يريد إنه ينهض بالقيام بما ينوء به وبمحاربة من حاربه. أخوها: يريد أخو النوائب والحرب، والعضال: التي لا يهتدى لدفها والتخلص منها، والمعملة: التي تعمل في السير، يسار بها سيرا متتابعا، حدب: التي قد هزلت وتقوست أصلابها.
الرفع على الحكاية
قال سيبويه في باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة: وأما قول الأخطل:
(ولقد أبيتُ من الفَتاةِ بمَنْزلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرومُ)
стр. 353
ويروى: ولقد أكون. . .
وقوله: لقد أكون يريد: ولقد كنت، وجعل المستقبل في موضع الماضي. وكذا: ولقد أبيت يريد: ولقد بت. والذي يريد: أن يخبر عن حاله فيما مضى.
ومثله لجرير:
. . . ولقد يكون على الشباب نضيرا
يعني: ولقد كان
والفتاة الجارية الحديثة السن، يريد إنه كان في شبابه تحبه الفتيات ويبيت عندهن،
بمنزل يعني بمنزلة جميلة، والحرج: المضيق عليه. يقول: أن موضعه لم يكن ضيقا به، ولا هو محروم من جهتها ما يريده.
ومذهب سيبويه أن رفع (لا حرج ولا محروم) بمنزلة:
. . . فأنا أبن قيسٍ لا بَراحُ
ويجعل (لا) بمنزلة (ليس)، ويرفعه بها ويحذف الخبر. وقد شرح الأقوال التي فيه، وحكى ذكر ما يطعن به عليها.
النصب على التمييز بتعجب مضمر
قال سيبويه قال الاخطل:
وقد أراها شَعبُ الحَيَّ مجْتَمِعٌ ... وأنت صَبٌّ بمن عُلقْتَ مُعتَمدُ
стр. 354
(أيامَ جُمْلٌ خليلاً لو يَخاف لها ... صَرْماً، لخولِطَ منه العقلُ والجَسدُ)
الشاهد فيه إنه نصب (خليلا) بفعل مضمر، وذلك الفعل هو فعل التعجب، كأنه قال: أيام جمل أكرم بها خليلا، والظرف معلق بالبيت.
وشعب الحي: اجتماعه، والشعب: الاجتماع، وهو أيضا الافتراق وهو من الأضداد، يريد أنه رآها قبل أن يتفرق قومها وقومه، والمعتمد: الذي عمده الحزن: أثر فيه، فهو عميد ومعمود، لو يخاف لها صرما لفسد عقله وجسمه.
وفي شعره: أيام جمل خليل. . . (جمل) مبتدأ و (خليل) خبره، وأضاف (الأيام) إلى جملة الكلام.
في الإضافة غير المحضة (اللفظية)
قال سيبويه في باب ما جرى عليه صفة ما كان من سببه. قال الاخطل:
تَفادى من الحادي الكَميشِ وقَوَّمَتْ ... سوالفَها الركبانُ والحَلَقُ الصفْرُ
(حَمَيْنَ العراقيبَ العصا فتركْنَه ... به نَفَسٌ عالٍ مُخالطُهُ بُهرُ)
стр. 355
الشاهد فيه إنه أضاف (مخالطه) وأجراه نعتا للأول، وليس بفعل للموصوف إنما فعل سببه، ولم ينصبه على الحال، لأن المخالطة فاعلها البهر و (مخالطه) مرفوع صفة لـ (نفس).
والكميش: السريع الجاد في العمل، وفي (تفادى) ضمير يعود إلى الإبل التي ذكرها. ومعنى تفادى: يفتدي بعضها ببعض من أن يضربها السائق، والسوالف: جوانب الأعناق، والركبان: راكبوها، قومت الركبان رؤوسها ومنعتها من أن تميلها يمنة ويسرة، والحلق: يريد بها الحلق التي فيها آنفها وهي البرى.
و (الصفر) بدل من (الحلق) أن أراد بالصفر النحاس، يعني الحلق المعمولة من صفر. ويجوز أن يريد أن ألوانها صفر فذكر لونها، وقوله: حمين العراقيب العصا، يعني أنهن سرن سيرا شديدا ففتن السائق فحمين عراقيبهن أن يلحقها فيضربها، وعدا خلفها حتى يلحقها فأخذه البهر، وهو شدة النفس من التعب.
(ابن مخاض) نكرة
قال سيبويه قال الفرزدق:
(وجدْنا نهشلاً فَضَلتْ فُقَيْماً ... كفضل ابنِ المَخاضِ على الفَصيلِ
إذا حلّوا لَصافِ بَنَوْا عليها ... بيوتَ اللؤم والذل الطويلِ
следующие страницы →