← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 37487

شرح أبيات سيبويه

السيرافي، أبو محمد

Полный текст (770 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اسم (كان) نكرة وخبرها معرفة - في الضرورة قال السيبويه في باب كان: وقد يجوز في ضعف من الكلام، حملهم على ذلك إنه فعل بمنزلة ضرب، وأنه قد يعلم إذا ذكرت زيدا وجعلته خبرا إنه صاحب الصفة، على ضعف من الكلام. يريد إنه يجوز أن تجعل الاسم نكرة والخبر معرفة في الشعر. قال حسان بن ثابت: كأنَّ سُلافةً مِن بيت رأس ... يكون مِزاجَها عَسَلُ وماءُ) على أنيابها أو طَعم غَضٍ ... منَ التُّفاح هصره اجتنِاءُ السلافة: أول ما يسيل من ماء العنب وهو أرق ما فيه، وبيت رأس:

стр. 37

موضع بالأردن. ويروى: كأن خبيئة وهي الخمر المصونة المضنون بها. وقوله: (يكون مزاجها عسل وماء) جملة في موضع الوصف لـ (سُلافة) وخبر كأن: في البيت الثاني، وهو قوله: على أنيابها، وهصره: أماله، والاجتناء: أخذ الثمر من الشجر. شبه طعم ريقها بطعم الخمر قد مزجت بعسل وماء، أو بطعم تفاح غض قد اجتني. و (طعم) منصوب معطوف على اسم كأن. والشاهد في البيت إنه جعل (مزاجها) وهو معرفة خبر يكون. وقد حكي عن أبي عثمان إنه كان ينشد: يكون مزاجها عسلاً وماءُ يرفع (مزاجها) بيكون، وينصب (عسلا) لأنه خبر يكون، يرفع (ماء) بإضمار فعل كأنه قال: ومازجها ماء. وله نظائر. وقيل: قد قال بعضهم: يكون مزاجها عسلٌ وماءُ يجعل في (يكون) ضمير الأمر والشأن، ويرفع (مزاجها) بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة في موضع خبر يكون. وهذان الوجهان لا يدفع جوازهما ولكن الرواية على ما انشد سيبويه، ولم يقل سيبويه إنه لا يجوز غير ما انشده، ولكنه أنشد البيت على الوصف الذي روته الرواة، وذكر وجه روايتهم. فالذي يحسن جعل النكرة في هذا البيت اسما، أن العسل والماء وما أشبههما من الأجناس تؤدي نكرته عن معرفته في المعنى، كما تقول: فلان يأكل خبزا ويشرب ماء، أو يأكل الخبز ويشرب الماء، يريد إنه يأكل من هذا الجنس ويشرب منه. فلو قال: يكون مزاجها العسل والماء، لكان بمنزلة قوله: عسل وماء. وقد يجوز أن ينشد: يكون مزاجها عسل وماء، يجعل في (يكون ضمير السلافة، و (مزاجها) مبتدأ وما بعده خبره، والجملة في موضع خبر (يكون).

стр. 38

ويجوز أن يقال: أن في (يكون) ضميرا من السلافة، و (من بيت رأس) خبر يكون، والجملة وصف للسلافة، و (مزاجها عسل وماء) جملة هي وصف ثان. تأنيث الفعل قال سيبويه: ومثل قولهم: من كان أخاك؛ قول العرب: ما جاءت حاجتك؟. يريد إنه مثله، لأن (من) مبتدأ، وفي (كان) ضمير ممن هو اسم كان، و (أخاك) خبر كان. وكذا: ما جاءت حاجتك: (ما) مبتدأ وفي (جاءت) ضمير يعود إلى (ما) و (حاجتك) خبر (جاءت)، و (جاءت) في الكلام بمنزلة صارت. وقال سيبويه: ولكنه أدخل التأنيث على (ما) حيث صارت (الحاجة). يريد أن القياس أن تقول: ما جاء حاجتك، لأن (ما) اسم مذكر مبهم، يقع على كل شيء سوى ما يعقل، وينبغي أن يكون فعله مستعملا على لفظ التذكير والأفراد لأن (ما) مذكر مفرد، وإن كان يقع على أشياء مختلفة: من مذكر ومؤنث واثنين وجماعة. وفي (جاء) ضمير يعود إلى (ما) فكان ينبغي أن يقول: ما جاء حاجتك ولكنهم أنثوا الفعل وإن كان فاعله ضمير مذكر، لأن الخبر مؤنث، والخبر اسم هو الاسم، فلما كان الخبر هو الاسم والخبر مؤنث؛ أنثوا الفعل لأجل خبره، لأن الاسم والخبر لشيء واحد، وألزموا (جاءت) علامة التأنيث لأنه كالمثل، ثم ساق سيبويه كلامه في هذا المعنى حتى انتهى إلى قوله: ومثل قولهم: ما جاءت حاجتك - إذ صارت تقع على مؤنث - قراءة بعض القراء:

стр. 39

(ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ إلا أن قالوا). معنى قوله: تقع على مؤنث، أن (جاءت) تنصب مؤنثا هو (حاجتك) وأنث (تكن) لأجل تأنيث خبرها وهو (فتنتهم)، و (إن قالوا) بمنزلة القول، فهو في تقدير: ولم تكن فتنتهم إلا القول. وقوله: (تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السّيَّارة) ليس من باب كان ولكنه شاهد على أن الشيء المذكر قد يؤنث إذا كان المذكر بعضا لذلك، وبعض السيارة سيارة فأنث لهذا، كما تقول: تلتقطه السيارة. قال: وربما قالوا في الكلام: ذهبت بعض أصابعه فأنث على (الأصابع). وهذا لا يستعمل إلا في شيء يكون المذكر فيه بعض المؤنث. وقال الأعشى: أَئِنْ كُنْتَ في جُبٍ ثمانينَ قامَةً ... وَرُقَّيتَ أَسبابَ السّماءِ بسُلَّمِ لَيَستدْرِجَنْكَ القَوْلُ حتى تَهِرَّهُ ... وتعلَم أني لستُ عنك بِمحرمِ (وتَشْرَقَ بالقَوْلِ الذي قد أّذّعْتَهُ ... كما شَرِقَتْ صدرُ القَناةِ من الدّمِ)

стр. 40

يخاطب الأعشى بهذا الشعر عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، وهو من بني تغلب. يقول له: لا تعتصم من هجائي بشيْ. ولا يمكنك دفعه، وإن جعلت في قرر الأرض، وأصعد بك إلى السماء ليلحقك من هجائي ما لا تطيقه. والجب: البئر القديمة، ووصفها بأن طولها ثمانون قامة. وأسباب السماء: المواضع التي يوصل إلى السماء منها، أراد ورقيت إلى أسباب السماء، فحذف حرف الجر، وعدى الفعل إلى الأسباب. ولم يرد: لئن كنت في جب ورقيت أسباب السماء في حالة واحدة؛ وإنما يريد: لئن كنت في جب في حال، ولئن رقيت في حال أخرى ولم يمكنه أن يقول أو رقيت لأجل الشعر. والاستدراج: العمل في إيقاع الإنسان في بلية ما كان يشعر بها، وتهره: تكرهه، وأراد القول. والمحرم: الداخل في الشهر الحرام، وهو الداخل في البلد الحرام، وهو المحرم بالحج: وهو الذي له حرمة وذمام. يقول: لست أمتنع من هجاءك في حال من الأحوال، كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام أو البلد الحرام؛ أن يقاتل إنسانا أو يؤذيه. و (تشرق) منصوب معطوف على (تهرة) ومعنى تشرق ينقطع في حلقك، يريد إنه ينقطع كلامك حتى لا تقدر على أن تتكلم؛ بما تسمعه من هجائي لك، كما شرقت صدر القناة. يريد أن الدم إذا وقع على صدر القناة وكثر عليها؛ لم يتجاوز الصدر إلى غيره لأنه يجمد عليه. فأراد أن كلامه يقف في حلقة كما يقف الدم على صدر القناة فلا يذهب. والشاهد إنه أنث (شرقت) والفعل للصدر، لأنه مضاف إلى القناة وهو بعضها.

стр. 41

قال سيبويه: ومثله لجرير: وَلِيتُمْ امرَنا ولَكمْ علينا ... فُضولٌ في الحديثِ وفي القديمِ (إذا بعضُ السّنينَ تَعَرَّقَتْنا ... كَفَى الأيتامَ فَقْدَ أَبي اليَتيمِ) يمدح هشام بن عبد الملك. والفضول: جمع فضل. أي لكم علينا افضال بعد افضال، وقوله تعرقتنا: أذهبت اموالنا، والتعرق: أصله أن يؤخذ ما علي العظم من اللحم، يقال تعرقت اللحم: أخذته عن العظم. وقوله: كفى الأيتام فقد أبي اليتيم؛ أي كفى الأيتام فقد ابيهم، لأنه يقوم للأيتام مقام آبائهم في الكفاية لهم، والحواسة والتيقظ لأحوالهم. وأراد أن يقول: فقد آبائهم فلم يمكنه فقال: أبي اليتيم. والشاهد فيه إنه أنث (تعرقتنا) و (البعض) مذكر، لأن البعض مضاف إلى السنين وهي مؤنثة. وقال جرير: (لما أَتَى خبرُ الزُّبَيْر تَواضَعَتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ)

стр. 42

يريد لما أتى خبر قتل الزبير. وتواضعت: وقعت على الأرض، والخشع: التي قد لطئت بالأرض. والشاهد على إنه أنث (تواضعت) والسور ذكر وهو الفاعل لأنه مضاف إلى المدينة وهو بعضها. وجرير يذكر قتل الزبير، ويردده في هجائه للفرزدق، لأن ابن جرموز قتله في أرض بني مجاشع، فهو ينسبهم إلى إنه غدر به في ارضهم، وانهم لم يدافعوا عنه. ومن الناس من يقول أن السور جمع سورة، ويجعله مما بينه وبين واحده الهاء، والسور على هذا التأويل يصلح فيه التذكير والتأنيث، كما يكون فيما بين جمعه وبين واحده الهاء، نحو برة وبر، وتمرة وتمر. وقال ذو الرمة: (مَشَيْنَ كما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعاليها مَر الرياحِ النَّواسِمِ) يصف نساء، والنواسم من الرياح: اللواتي: نهب هبوبا لينا ضعيفا مثل التنفس. وأراد أن النساء يتثنين ويملن من جانب إلى جانب كما تميل الرماح إذا أصابتها ريح لينة. وقوله: تسفهت أعاليها: أي استخفت الريح أعالي الرماح فحركتها. والشاهد في البيت إنه أنث (تسفهت) وفاعله (مر). وإنما إنه لأن المر

стр. 43

مضاف إلى الرياح وهو منها، كما ذكر في الأبيات المتقدمة. ويروى: تسفهت أعاليها مرضى الرياح. ولا شاهد فيه على الرواية. ويروى: رويدا كما اهتزت. يريد مشين رويدا. وأعالي الرماح: ما قرب من الموضع الذي يركب فيه السنان. من شرورات الشعر - حذف الياء وقال سيبويه في باب ضرورة الشعر. قال الأعشى: (وأَخو الغوانِ متى يَشأْ يَصْر مِنْهُ ... ويَكنَّ أَعداء بُعَيْدَ وِدادِ) الشاهد فيه إنه حذف الياء من الغواني). ويروى: وأَخو النساء. وقوله: متى يشأ يصر منه: يعني أنهن كثيرات الصرم، مودتهن ضعيفة، فمتى يشأ إنسان أن يراهن صوارم رآهن على هذا الوصف. وهذا كقول الناس في الذي يكثر فعل القبيح إذا اخبروا عنه غيره: متى شئت أن يفعل فلان قبيحا فعل، وهو لا يشاء أن يفعل هذا الإنسان قبيحا، ولكن قد صار هذا الكلام عبارة عن هذا المعنى. ويكن أعداء بعد ودهن، والوداد: مصدر وأددت الرجل موادة وودادا، وبعيد: تصغير بعد، ويروى وداد بفتح أوله.

стр. 44

إعمال المصدر المحلى بال ـ قال سيبويه في باب المصادر قال المرار: (لقد عَلِمَتْ أولَى المغيرة أنني ... لَحِقْتُ فلم أَنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسْمَعا) وجدت في هذا الباب البيت منسوبأ إلى المرار، ورأيته في شعر مالك ابن زعبة الباهلي، وكانت بنو ضبيعة قد أغارت على باهلة، فلحقتهم باهلة وهزمتهم. والمغيرة: الجماعة التي أغارت. أولاها: أولها. يريد أنهم علموا ما صنعت حين لحقتهم وضربت مسمعا بالسيف. ولم أنكل: لم أعجز ولم أخم عنه. والشاهد فيه إنه نصب (مسمعا) بـ (الضرب). من ضرورات الشعر - حذف الياء قال سيبويه وكما قال - يعني كما قال الشاعر وهو مضرس بن ربعي الأسدي: وَفِتِيانٍ شَوَيْتُ لهمْ شِواءً ... سَريعَ الشَّي كُنْتُ به نَجيبا

стр. 45

(فَطِرْتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلاتٍ ... دَوامي الأيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريحا) النجيح: المنجح، ويقال: عمل نجيح للذي ينجح صاحبه. والضمير الذي في (به) يعود إلى الشيء. يقول: كنت بشيء لهم نجيحا، ويجوز أن يريد: كنت بعملي نجيحا، لأن الذي في البيت هو عمل. والمنصل: السيف، واليعملات: النوق السراع، والسريح: سيور نعال الإبل، ويخبطن السريح: يطأن بأخفافهن الأرض، وفي الأخفاف السريح. والدوامي: التي قد دميت من شدة السير ووطئها على الحجارة. وقوله: طرت بمنصلي: أي أسرعت ومعي سيفي وأقبلت إلى اليعملات، فعرقبت ناقة منها، وأطعمت لحمها لصحبتي، يريد إنه نحر لأصحابه - وهو مسافر - راحلة من رواحله. والشاهد في البيت الثاني على إنه حذف الياء من الأيدي واكتفى بالكسرة. تمام كان قال سيبويه قال عمرو بن شأس: (بني أَسدٍ هل تعلمون بلاَءنا ... إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشنعا) إذا كانت الحوُّ الطَّوالُ كأَنما ... كساها السلاحُ الأرْجوانَ المُضلَّعا

стр. 46

يريد هل تعرفون. والبلاء: ما يفعلون، يقال: قد أبليت فلانا جميلا: إذا فعلت بع فعلا جميلا. وأراد أن يذكر بني أسد ما فعل بأهله في مواطن الشدة وحضور البأس. وقوله: يوم ذو كواكب: يريد أن الشمس قد ضعف ضوءها فظهرت الكواكب، كما تبدو الكواكب إذا كسف الشمس، وإذا اشتد الحر وارتفع الغبار حجب الشمس وكان كأنها كاسفة. ومثله للنابغة: تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةُ ... لا النورُ نور لا ليْلُ كإظلامِ والاسنع: الذي قد شهر شره. والحو من الخيل: جمع أحوى، وهو الذي قد اصفرت ارفاغه وجحافله واسود سائره، والارجوان: الأحمر. أراد أنها قد اكتست من الدماء فصارت كأنها محمرة، والمضلع: الذي فيه خطوط عراض من الحمرة. يريد أن الحمرة لم تعمتها، إنما هي خطوط عراض. نصب الاسم المعطوف على مجرور بإضمار فعل يناسب المعنى قال سيبويه: لو قلت: مررت بعبد الله وزيدا كان عربيا، فكيف هذا، لأنه فعل، والمجرور

стр. 47

في موضع المنصوب على فعل لا ينقص المعنى. قوله: فكيف هذا: ذكر سيبويه عذا الفصل بعد قوله: زيدا مررت به، فنصب زيدا بإضمار فعل؛ يفسره: (مررت به) وتقدير الفعل الناصب: لقيت زيدا مررت به، ولا يمكن أن تجر زيدا بإضمار باء، لأن حروف الجر لا تضمر، فلا بد أن يحمل على فعل ينصبه، ووجب فيه إضمار الفعل

стр. 48

لامتناع الجر. واستشهد على قوة هذا بأن العرب تنصب في قولنا: مررت بزيد وعمرا، بإضمار (ولقيت) عمرا، وقد أمكنهم أن يقولوا: مررت بزيد وعمرو فيعطفوا عمرا على زيد، ولا يضمروا فعلا. يقول: إذا كانوا يضمرون في مثل هذا مع إمكان الجر؛ فكيف هذا الذي لا يمكن أن يجر بإضمار حرف، وليس في اللفظ ما يعمل فيه؟! وقال جرير: (جِئني بمثلِ بني بدرٍ لقومِهِمِ ... أَو مِثْلَ أسْرَةِ منظور بن سيّارِ) أو مِثْلَ آل زُهير والقنا قثَدٌ ... والخيلُ في رَهَجٍ منها وإعصارِ يخاطب جرير بهذا الشعر الأخطل، ويفخر عليه بقيس عيلان وقبائلها. يقول له: هل في قومك مثل بني بدر الفراريين؟! وهم من بني عدي من فرارة، أو مثل أسرة منظور بن سيار؟! وهو منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر من بني مازن بن فزارة. وزهير هو زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي. والأسرة: أهل الرجل الادنون. والقصد: المتكسرة، والاعصار: غبار يرتفع في السماء، والرهج والقتام: مثله.

стр. 49

إعمال صيغتي فعال وفعول قال سيبويه ومن هذا الباب قول رؤبة كم رامنا من ذي عديد مبزي حتى وقمنا كيده بالرجز برأس دماغ رؤوس العز يريد: كم رامنا من رئيس ذي عدد كثير. والمبزي: الغالب، وقمنا كيده: أبطلنا كيده وأذللناه بالرجز وهو العذاب، برأس حي دماغ رؤوس أهل العز. والرأس: الرئيس. والشاهد فيه إنه نصب (رؤوس) العز بـ (دماغ). قال سيبويه: وأجروه حين بنوه للجمع كما اجري في الواحد ليكون كـ (فواعل) حين أجري مثل (فاعل). يريد أنهم اجروا أسماء الفاعلين في جمعها سوى (فاعل) مجرى (فاعل) حين جمع، يعني أنهم أعلنوها في المفعولين كما اعلموا جمع فاعل. قال طرفة: أسْدُ غاباتٍ إذا ما فُزعوا ... غير أنكاسٍ ولا عوجٍ دُثُرْ (ثم زادوا أنهم في قومِهِمْ ... غُفُرٌ ظُلْمَهُمُ غيرُ فُخُرْ) الغابات: جمع غابة وهي الأجمة. مدح قومه وشبههم بالأسد التي تسكن

стр. 50

الآجام. فإذا تعرض لها شيء قاتلت عن آجامها - حتى تحمي أشبالها - قتالا شديدا. والانكاس جمع نكس وهو من الرجال الرديء الذي لا خير فيه، ومن السهام المنكوس أي المقلوب النصل. والعوج: جمع أعوج، يريد أعوج الخلقة. والدثور وجمعه دثر: المتزمل في ثيابه؛ الملتف من الكسل وضعف البدن والهمة. ثم زادوا على الفضائل التي ذكرتها فيهم أنهم إذا جنى عليهم بعض قومهم وأذنبوا غفروا له ذنبه، مع قدرتهم على الانتقال، ولا يفخرون على قومهم وإن كانوا أفضل منهم. قال سيبويه: وقال أبو طالب بن عبد المطلب في قصيدة يرثي فيها أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: ترى داره لا تبرح الدهَر عندها ... مجعجعةٌ أدْمٌ سِمانٌ وباقرُ إذا أَكِلَتْ يوما أَتى بعدُ مثلُها ... زَواهقُ زُهْمٌ أو مخاضٌ بهازِرُ (ضَروبٌ بنصلِ السيفِ سوقَ سمانها ... إذا عَدِموا زاداً فإنك عاقرُ) الشاهد فيه إنه نصب (سوق سمانها) بـ (ضروب). المعجمة من الإبل: التي قد تركت في الموضع الغليظ الذي لا يظمئن النازل فيه، والجعجاع الأرض الغليظة، والادم جمع آدم، وهو الأبيض من الإبل. والباقر: من البقر؛ كما يقال في الجمال جامل. إذا أكلت: أي أكلها الأضياف والمسترفدون؛ أتى بعد فنائها

стр. 51

مثلها. يريد أنه يدني من موضعه الذي ينزله قطعه من الإبل للنحر والقرى، وكلما فنيت أحضر قطعة أخرى. والزواهق والزهم: السمان، والمخاض: الحوامل، والبهارز: العظيمة الأجسام، الواحدة بهرزة، والسوق: جمع ساق. إذا عدموا: يعني عدم قومك الازواد عقرت أنت الإبل. نصب الاسم مفعولا معه بعد الواو - بتقدير فعل قال سيبويه في باب معنى الواو فيه كمعناها في الباب الأول: وأما الاستفهام فإنما أجازوا فيه النصب لأنهم قد يستعملون الفعل في ذلك الموضع كثيرا، فيقولون: ما كنت؟ وكيف تكون؟ إذا أرادوا معنى (مع). ومن ثم قالوا: أَومانَ قومي والجماعةَ لأنه موضع يدخل الفعل فيه كثيرا، وهذا شبيه بقول صرمة الأنصاري: بدا ليَ أَني لستُ مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا

стр. 52

فحملوا الكلام على شيء يقع هاهنا كثيرا. يريد حملوا الكلام على توهم أن الباء في (مدرك) لأن الباء تدخل في خبر ليس كثيرا. ذكر سيبويه أول هذا الباب ما يكون مرفوعا وفيه معنى (مع) ولا يجوز فيه النصب، وذلك قولك: أنت وشأنك. (أنت) مبتدأ و (شأنك) معطوف عليه. وهذا لا ينصب لأن ليس في الكلام فعل ظاهر، ولا يتقدر فيه فعل محذوف. فإذا دخل الكلام الاستفهام فقالوا: كيف أنت وزيد جاز أن تنصب، لأن الاستفهام يستعمل فيه الفعل كثيرا، فإذا كان الاستفهام من مواضع الفعل استحازوا حذفه وتقديره، ونصبوا بالفعل المحذوف كما ينصبون به لو ظهر فقالوا: كيف أنت وزيدا. وجعل سيبويه تقدير الفعل في هذا الكلام من أجل إنه يحسن استعماله فيه بمنزلة تقدير الباء في خبر ليس، لأن استعمال الباء يحسن فيه، وعطف المتكلم على خبر ليس وجر المعطوف كأنه قدر في الأول الباء. فهو بمنزلة من قال: بدالي أني لست بمدرك ولا سابق. والبيت في الكتاب منسوب إلى صرمة الانصاري، وهو ينسب إلى زهير بن أبي سلمى. ومعنى بدالي: ظهر لي أني لست مدرك ما فاتني. و (أني) وما أتصل به في موضع رفع، لأنه فاعل (بدا) يعني إنه ظهر له العلم بأنه لا يدرك ما فاته من الأشياء الماضية، ولا يفوته ما قدر عليه من الأشياء الجائية. ويروى. ولا سابقي شيء. لا حجة في هذه الرواية على الوجه الذي أراده سيبويه. وقال الأخوص اليربوعي: سيأتي الذي أحدثتم في أخيكُمُ ... رِفاقا من الآفاق شتى مآبها

стр. 53

(مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا بشؤم غرابها) الشاهد فيه إنه جر (ولا ناعب) على تقدير أن الباء في (مصلحين) كأنه قال: ليسوا بمصلحين ولا ناعب. والمآب: المرجع، والنعب: صوت الغراب، والناعب: هو الغراب. يقول: سيأتي حديثكم الموسم، وفيه يجتمع الرفاق من كل ناحية، فإذا رجعوا تفرقوا. وهو معنى قوله: شتى مآبها، أي إذا رجعت تفرقت في كل وجه، وانتشر فيهم قبيح صنيعكم، ونقله من يسمعه إلى من لم يسمعه. قوله: ولا ناعب إلا بشوم غرابها هو على طريق المثل، كما تقول: فلان مشؤوم الطائر. يريد إنه مشؤوم في نفسه. في باب الصفة المشبهة قال سيبويه في باب الحسن الوجه: ومن ذلك قولهم: هذا أحمر بين العينين، وجيد وجه الدار، ومما جاء منونا قول زهير: أهوى لها أسفع الخدين مطرِقٌ ... ريشَ القوادمِ لِم تُنْصَبْ له الشَّبَكْ

стр. 54

الشاهد فيه إنه نون (مطرق) ونصب (ريش القوادم). وأراد بالأسفع صقرا، وأهوى لها: انقض عليها ليأخذها، ويقال أهوى وهوى في معنى واحد. ورواه الأصمعي: هوى لها أسفع الخدين والسفعة: شبيه بالسواد يكون في وجهه. ويقال هوى: انقض: وأهوى: أوما. والقوادم: الريشات العشر اللاتي في مقدم الجناح. والمطرق: الذي بعضه على بعض، يقال منه: طارق بين ثوبين إذا لبس أحدهما فوق الآخر. وقوله لم تنصب له الشبك: أي لم يصد ولم يذلل، وهو وحشي. يريد إنه ليس بصقر متربب في أيدي الناس قد أرسله صاحبه. وقال العجاج: كمْ قد حَسَرْنا مِن علاةٍ عَنْسَ كَبْداءَ كالقوسِ وأُخرى جَلْسِ دِرفْسَةٍ أَو بازلٍ دِرفْسِ (مُحْتَنكٍ ضَخْمٍ شُؤونَ الرأسِ) حسرنا: أتعبنا وأنصبنا وأسقطنا، والعنس: الناقة الصلبة الشديدة، والعلاة: سندان الحداد، شبه الناقة في صلابتها بسندان الحداد، والكبداء: الضخمة الوسط خلقة، وجعلها كالقوس لأنها قد ضمرت واعوجت، والجلس: الشديدة، ويقال الجسيمة، والدرفسة الغليظة، والبازل: الذي له تسع

стр. 55

سنين وقد دخل في العاشرة، والمحتنك: الذي قد بلغ في السن، والشؤون: جمع شأن وهي قبائل الرأس، عظام الرأس التي يتصل بعضها ببعض. والشاهد: في تنوين (ضخم) ونصب (شؤون) الرأس. قال سيبويه: وكان الألف واللام أولى لأن معناه: حسن وجهه، فكما لا يكون هذا - أعني (وجهه) - إلا معرفة؛ اختاروا في ذلك المعرفة، والأخرى عربية، كما أن التنوين عربي مطرد. فمن ذلك: حديث عهد بالوجع. قال عمرو بن شأس: أَلِكني إلى قومي السلامَ رسالةً ... بآيةِ ما كانوا ضِعافا ولا عُزْلا (ولا سيَّئي زِيٍ إذا ما تَلَبَّسوا ... إلى حاجة يوما مخيسةً بزْلا) الشاهد: في تنكير (زي) وترك إدخال الألف واللام عليه. ألكني: بلغ رسالتي، والالوك: الرسالة. وأراد ألكني فخفف الهمزة، وليس قولهم ألكني من لفظ الالوك، وفيه قلب وليس هذا موضع ذكره. و (رسالة) بدل من (السلام) كأنه قال: الكني إلى قومي رسالة. والآية: العلامة و (ما) جحد، والعزل: جمع أعزل وهو الذي لا سلاح معه، و (سيئي) منصوب معطوف على ما تقدم، وقوله تلبسوا. يريد لبسوا ثيابهم، و (إلى حاجة) في

стр. 56

صلة (تلبسوا). ومخيسة: هي المذللة من الإبل والمحبوسة. ونصب (مخيسة) بإضمار فعل كأنه قال: إذا ما تلبسوا وركبوا مخيسة بزلا: ويجوز عندي أن ينصب بـ (تلبسوا) ويكون تقديره: إذا لبسوا يوما مخيسة. يريد أنهم شدوا عليها الرحال وزموها. والذي وقع في شعره: أَلِكْني إلى قومي السلامَ ورحمة ال ... إله، فما كانوا ضعافا ولا عزلا ولا سيئي زِيّ إذا ما تحملوا ... لبعض الهوى يوما مخيَّسة بُزْلا النصب بفعل محذوف يفسره المذكور قال سيبويه في: باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام، وهي حروف النفي شبهوها بألف الاستفهام. . . وكذلك إذا قلت: ما زيدا أنا ضاربه، إذا لم تجعله اسما معروفا. يريد بقوله: (إذا لم تجعله اسما معروفا) أن (ضاربه) في معنى الانفصال يراد به الفعل، كأنه قال: ضارب إياه. قال هدبة بن الخشرم: أَلا يا لَقَومٍ لِلنوائب والدَّهرِ ... ولِلْمَرءِ يُردي نفسه وهو لا يدري وللأرض كمْ من صالح قد تَوَدَّأَتْ ... عليه، فوارَتْهُ بِلَمّاعَةٍ قَفْرِ

стр. 57

فلا ذا جلالٍ هِبْنَهُ لجِلالِهِ ... ولاذا ضَياعٍ هُنَّ يَتْرُكْنَ للفَقرِ الشاهد في نصب (ذا جلال) بإضمار فعل يفسره (هبنه) كأنه قال: فلا هبن ذا جلال هبنه) و (ذا ضياع) ينتصب بـ (يتركن) لأن (يتركن) لم يشتغل بضمير الاسم المتقدم، والضمير المؤنث في (هبنه) وفي (يتركن) يعود إلى (النوائب) المذكورة في البيت الأول. والضياع: هو أن يترك الإنسان لا يلتفت إليه لفقره ومسكنته. ومعنى يردي: يهلك. يقول: الإنسان يسعى في هلاك نفسه من حيث لا يشعر، و (النوائب) في صلة فعل محذوف، كأنه قال: اعجبوا للنوائب وللأرض كم من صالح قد تودأت عليه: أي استوت عليه. ويروى: تهكمت عليه، أي وقعت عليه. واللماعة: الأرض المنبسطة التي يلمع فيها السراب. يقول: المنايا لا تغفل عن أحد، غنيا كان أو فقيرا. وقال زهير: (لا الدارَ غَيَّرها بُعْدُ الأنيسِ ولا ... بالدارِ لو كَلمتْ ذا حاجةٍ صَمَمُ)

стр. 58

الشاهد في إنه نصب (الدار) بفعل يفسره (غيرها) كأنه قال: لا غير الدار غيرها. يقول لم يغير الدار عما اعرفها به بعد الأنيس عنها، غيرتها الأمطار والأرواح مع بعد الأنيس عنها. ويروى: لا الدارَ غَيَّرها بَعدي الأنيسُ يريد: لم يغير الدار قوم نزلوا فيها بعدي فتتغير عما اعرفه منها، ولا بها صمم لو كلمت. يريد إنه وقف في الموضع الذي لو كانت الدار تسمع لسمعت منه كلامه، فلم تجب ولم تتكلم. وقال جرير: (فلا حسباً فَخَرْتَ بهِ لِتَيْمٍ ... ولا جَدَّا إذا ازدحم الجُدودُ) يهجو جرير بهذا عمر بن لجأ التيمي. والشاهد على أن حسبا) منصوب بإضمار فعل يفسره (فخرت به) كأنه قال: فلا ذكرت حسبا فخرت به. (ولا جدا) معطوف على (حسبا) وهو بمنزلة قولك: أزيدا مررت به؟ تضمر لزيد فعلا يتعدى بغير حرف جر، كأنه قال: أجرت زيدا مررت به؟ والجد: الحظ، والحسب: الكرم وشرف الإنسان في نفسه وأخلاقه. يقول: ما ذكرت لتيم شيئا تفجر به؛ لأنك لم تجد لها شيئا تذكره، ولا كان لها حظ في علو المرتبة والذكر الجميل.

стр. 59

توجيه الإعراب تبعا للمعنى قال سيبويه في: باب من اسم الفاعل جرى مجرى الفعل المضارع. ولو قلت: هذا ضارب عبد الله وعمرا جاز على إضمار فعل، أي وضرب، وإنما جاز هذا الإضمار لأن معنى الحديث في قولك: هذا ضارب زيد: هذا يضرب زيدا، وأن كان لا يعمل. فحمل على المعنى. كما قال جل وعز: (ولحم طير مما يشتهون وحور عين) لما كان المعنى في الحديث: لهم فيها؛ حمل على شيء لا ينقض الأول في المعنى. وقد قراءة الحسن وقال كعب بن زهير: فلم يجدا إلا مناخ مطية ... تجافي بها زور نبيل وكلكل ومفحصها عنها الحصى بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهن مفصل (وسُمْرٌ ظِماءٌ واترَتْهُنَّ بدما ... مَضتْ جعة من آخر الليل ذُبَّلُ)

стр. 60

وصف كعب قبل هذه الأبيات ذئبا وغرابا كانا يتبعانه في مسيره، ليصيبا مما معه شيئا، أو يرقبا موت راحلته ليأكلا منها شيئا. فذكر أنهما لم ينالا منه شيئا، وأنهما لم يجدا في المناخ الذي أناخ فيه شيئا، وإنما وجدا المناخ نفسه، وهو موضع الاناخة، وفيه أثر بروكها، وأثر الموضع الذي فحصت حصاه، أي نحت حصاه بعنقها حين مدتها فيه. والنواحي: قوائمها، ومثناها: ما ثنته من قوائمها عند بروكها، لم يخنهن مفصل: أي مفاصلها صحاح لم يصبها ظلع. والجران: باطن العنق فإذا بركت نحت الحصى بعنقها حتى تمد عنقها على الأرض. فلا يكون في الموضع الذي تمد عنقها فيه ما يؤذيها. والكلكل: الصدر، والزور أعلاه، وتجافى بها: رفعها من الأرض، والسمر: بعرات القتها في الموضع الذي بركت فيه، وجعلها ظماء لأنها قد عطشت وجاعت فيبس ما تلقيه من بعرها، واترتهن: القتهن شيئا بعد شيء. والهجعة: النومة، والذبل: جمع ذابل وذابلة، و (ذبل) وصف لـ (سمر). والشاهد فيه إنه لم يعطف (وسمر) على (مناخ مطية) ورفع بالابتداء، وأضمر الخبر، ولو نصب لكان جيدا. أفعال الظن بين الإعمال والإلغاء قال سيبويه في باب الأفعال التي تستعمل وتغلى: ومما جاء في الشعر معملا قول أبي ذؤيب:

стр. 61

فإن تزعمني كنت أجهل فيكم ... فإني شريت الحلم بعدك بالجهل الشاهد في أعمال (تزعمني) كما أعمل (حسبت وظننت) والضمير المنصوب هو المفعول الأول، والجملة في موضع المفعول الثاني، وهي قوله (كنت أجهل فيكم) وقول سيبويه: ومما جاء في الشعر معملا ليس يريد به أن هذا الإعمال إنما يكون في ضرورة الشعر؛ بل يريد: ومما جاء في الشعر شاهدا على إعمال الفعل الأول قول أبي ذويب. يقول لهذه المرأة: أن زعمت أني كنت أجهل في اتباعي الهوى والغزل؛ فإني شريت أي اشتريت - بعد الحال التي كنت عرفتها منى - الحلم بالجهل. يريد استبدلت بجهلي حلما. وقال النابغة الجعدي: (عددتَ قُشَيرا إذ عددْتَ فلم أسَأْ ... بذاك ولم ازعمك عن ذاك معزلا) ويروى: عددت قشيرا إذ فخرت. يخاطب النابغة بذاك سوارا القشيري وكان يهاجيه، يقول: عددت فضائل قشير وأيامها ومكارمها فلم يسؤني

стр. 62

ذاك، لأن قشيرا بنو عمي، ولم أدع أنك لست منهم. أراد إنه يهجوه في نفسه وأنه لا يهجو قومه. والشاهد على أعمال (أزمعك) والكاف المفعول الأول، و (معزلا) المفعول الثاني. النصب في الدعاء - بإضمار فعل يفسره المذكور قال سيبويه في باب الأمر والنهي: وتقول: زيدا قطع الله يده ورجله، وزيدا لعنه الله، وزيدا ليقطع الله يده. وقال: ذكرت ابنَ عباس ببابِ ابن عامر ... وما مر من عيشي ذكرت وما فَضَلْ (أميران كانا اخياني كلاهما ... فكلاَّ جزاه اللهُ عني بما فَعَلْ) كان ابن عباس ﵁ أميرا على البصرة من قبل علي كرم الله وجهه، فكان يكرم أبا الأسود فمدحه. يريد: ذكرت ابن عباس وأنا باب ابن عامر. يريد إنه ذكر إحسانه وما عامله به من الجميل. ويحتمل أن يريد بقوله: (أميران) ابن عباس وابن عامر. والشاهد إنه نصب (كلا) بإضمار فعل يفسره (جزاه الله عني) كأنه قال: فجزى الله عني كلا، جزاه عني.

стр. 63

في البدل قال سيبويه في: باب من الفعل يبدل فيه الآخر من الأول. وقال النابغة الجعدي: ماذا رأيتِ السَّيْلَحِينَ وبارقا ... أغنيْنَ عن حُجرِ بنِ أم قتالِ ويروى: عن حجر وأم قتال: (مَلَكَ الخَوَرْنَقَ والسديرَ ودانَهُ ... ما بيْنَ حِمْيَرَ أهلِها وأولِ) يخاطب عاذلته على إنفاق ماله والجود به والايساع على سائليه. والسيلحون وبارق والخورنق والسدير: هذه كلها مواضع تقرب من الحيرة، ودانه: إطاعة الناس الذين بلادهم من هذه المواضع. والمعنى إنه ما أغنى عن حجر هذا الملك. ولا دفع عنه الموت ما ملك وجمع فإذا كان الغنى لا يدفع الموت فما وجه إمساكه والضن ببذله. والشاهد فيه إنه أبدل (أهلها) من (حمير). في أعمال اسم الفاعل قال سيبويه في: باب من اسم الفاعل جرى مجرى الفعل المضارع وزعم عيسى أن بعض العرب ينشد هذا البيت لأبي الأسود: فذكرْتُهُ ثمَّ عاتَبْتُهُ ... عِتابا رفيقا وقولاً جميلا

стр. 64

(فأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُستَعبٍ ... ولا ذاكر الله إلا قَليلا) يبب هذا الشعر أن رجلا من بني سليم يقال له نسيب بن حميد، كان يغشى أبا الأسود ويتحدث اليه، ويظهر له محبة شديدة. ثم أن نسيبا قال لأبي الأسود: قد أصبت مستقة اصبهانية: وهي جبة فراء طويلة الكمين، فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي حتى أنظر إليها. فأرسل بها، فأعجبت أبا الأسود، فقال لنسيب بعنيها بفيمتها، فقال: لا بل أكسوكها. فأبى أبو الأسود أن يقبلها إلا شراء. فقال له: أرها لمن يبصرها ثم هات قيمتها. فأراها أبو الأسود فقيل له: هي ثمن مائتي درهم، فذكر ذلك لنسيب، فأبى أن يبيعه، فزاده أبو الأسود حتى بلغ الثمن مائتي درهم وخمسين درهما فأبى نسيب بيعها وقال: خذها إذاً هبة. فيقول: ذكرته ما بيننا من المودة فألفيته، أي وجدته غير مستعتب أي غير راجع بالعتاب عن قبيح ما يفعل. والشاهد إنه حذف التنوين من (ذاكر) لالتقاء الساكنين، لا للإضافة. في: الفصل بين المتضايفين قال سيبويه في: باب جرى مجرى الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين في اللفظ لا في المعنى قال ذو الرمة: (كأن أصوات - من إيغالهن بنا - ... أواخرِ المَيْس أصواتُ الفَراريجِ)

стр. 65

الشاهد فيه إنه فصل بين المضاف والمضاف إليه بـ (من وما اتصل بها) أراد: كأن أصوات أواخر الميس. والميس: خشب تعمل منه الرحال، والإيغال: الإبعاد في السير. يقال منه: أوغل يوغل إيغالا. يريد أن رحالهم جدد، وقد طال سيرهم، فبعض الرحال يحك بعضا فيصوت مثل أصوات الفراريج، الضمير المضاف إليه (الإيغال) ضمير رواحلهم. ويروى (أنقاض الفراريج) والأنقاض: التصويت، يقال منه: انقض ينقض أنقاضا. وقوع الجهات ظروفا وقال في وقوع الأسماء ظروفا: ومثل ذا اليمين وذات الشمال: شرقي الدار وغربي الدار. تجعله ظرفا وغير ظرف. وقال جرير: وحبذا نَفَحاتٌ من يَمانية ... تأتيكَ من قَبلِ الرَّيَّانِ أحيانا (هَبَّتْ جَنوبا فَذِكرى ما ذَكرتم ... عِنْدَ الصَّفاةِ التي شَرقَّي حَوْرانا) الشاهد فيه إنه جعل (شرقي حورانا) ظرفا، ولو لم يكن ظرفا لم يكتف بها صلة لـ (التي). والصفاة: الصخرة، وحوران: بلد معروف بالشام. وأراد: ذكرى ذكرتكم، و (ذكرى) مصدر منصوب بـ (ذكرتكم) و (ما) زائدة. أراد

стр. 66

هبت الريح جنوبا. و (جنوبا) منصوب على الحال. ويجوز أن يكون الضمير في (هبت) يعود إلى اليمانية. كأنه: هبت اليمانية جنوبا. والنفحات: جمع نفحة وهي الدفعة التي تندفع من الريح. المعنى إنه لما هبت الريح من ناحية من يحبه تذكره وحن إليه. الحذف للإيجاز قال سيبويه في: باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام: ومنه قولهم: هذه صلاة الظهر أو العصر أو المغرب إنما يريدون صلاة هذا الوقت، واجتمع القيظ، يريد اجتمع الناس في القيظ. قال الجعدي: (وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أصبحَتْ ... حلالتُه كاَبي مَرْحَبِ) الخلالة والمخالة والخلال واحد، أراد أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وفيه الشاهد. وأبو مرحب من بني عمه، وأظنه من بني قشير. يريد أن أبا مرحب قطعه وجفاه في سبب كان احتاج إليه فيه.

стр. 67

النصب على المصدر بإضمار الفعل قال سيبويه في باب له صوت صوت حمار: دَفَعتُ ظِلالَ الموتِ عنهمْ بطعنة ... من المزيداتِ الوئساتِ الأواسيا لها بعدَ استنادِ الكَليم وهَدْئِهِ ... ورنِةِ مَنْ يَبكي إذا كانَ باكِيا (هَديرٌ هديرَ الثّوْرِ يَنْفُضُ رأسَه ... يَذُبُّ بقَرْنَيْهِ الكِلابَ الضواريا) يرثي النابغة في هذه القصيدة وحوحا أخاه لأبيه ويقول: دفعت الموت عن قوم ذكرهم، وقد أظلهم وكاد الموت ينالهم، يقول: طعنت رجلا من أعدائهم الذين يطلبونهم طعننة، كانت سبب انكشافهم وتفرقهم لهولها وعظمها، لها: لهذه الطعنة بعد أن يسند الكليم وهو الجريح، ويهدأ شيئا من الهدوء. والرنة: صوت البكاء يريد أن الطعنة تخرج الدم، لها صوت كصوت هدير الثور من الوحش؛ إذا قاتل كلاب الصيد، والروقان: القرنان، ينفض رأسه، يحركه من جوانبه ليذب الكلاب بقرنيه، ويذب: يدفع بقرنيه عن نفسه الكلاب، والضواري: التي قد ضريت باللحم. والشاهد إنه نصب (هدير الثور) بإضمار فعل، مثلما فعل في قولهم: صوت صوت حمار.

стр. 68

مجيء المصدر على وزن اسم المفعول وقال سيبويه في باب ما يكون من المصادر مفعولا: ومثل ذلك: سرح به مسرحا أي تسريحا، فالمسرح والتسريح بمنزلة الضرب والمضرب. قال جرير: (أَلم تَعْلَمْ مُسَرَّحَي القوافي ... فلا عِياً بِهنَّ ولا اجْتِلابا) ويروى: ألم تخبر بمسرحي القوافي. والمسرح بالتشديد من سرح، والمسرح بالتخفيف من سرح و (القوافي) منصوبة بالمصدر الذي هو (المسرح) وأسكن الياء من (القوافي) لأجل الشعر. وقوله: فلا عيا: مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره: فلا أعيى بهن عيا، ولا اجتلبهن اجتلابا. يقول: القوافي متيسرة لي، لا يلحقني في قولها عي، ولا أحتاج أن آخذها واجتلبها من غيري. نصب الاسم على المصدر بفعل مضمر قال سيبويه قال جرير: سَتَطْلُعَ من ذُرَا شُعَبَى قَوافٍ ... على الكِنْدِي تلتهبُ الْتِهابا (أَعَبْدا حَلَّ في شُعَبَي غريباً ... أَلُوما لا أَبا لَكَ واغتِرابا)

стр. 69

يهجو جرير بهذا العباس بن يزيد الكندي. وشعبى: واد أو موضع والذرا: الأعالي. يقول: سيأتي شعري وهجري الكندي، ويعلوه سبي له، ويكون ما أهجوه به كالنار. وقوله: (اعبدا) منصوب بإضمار (أتقيم) عبدا أو (أتلبث) وما أشبه ذلك. و (الؤما) منصوب بإضمار (أتلؤم) لؤما و (تغرب) اغترابا. يريد أتجمع لؤما وغربة! باب: متصرف رويد قال سيبويه: هذا باب متصرف رويد، تقول: رويد زيدا، تريد ارود زيدا. قال مالك بن خالد الهذلي: (رويدَ علياً جُدَّ ما ثَديُ أمهمْ ... إلينا ولكنْ بُغضُهُمْ متَمائِنُ) كان علي بن مسعود الازدي أخا عبد مناة بن كنانة من امه، فلما مات عبد مناة وضم علي إلى نفسه ولد أخيه مناة وقام بأمرهم؛ نسبوا إليه. وقوله: جد ما ثدي أمهم: (ما) زائدة، وجد: قطع، ولم يرد:

стр. 70

قطع وعندي إنه يريد أن هذيلا: هو هذيل بن مدركة، وكنانة: هو كنانة بن خزيمة بن مدركة. فهذيل عم كنانة. يريد أن كنانة قطعوا ما بينهم وبين هذيل من الرحم، وأظهروا عداوتهم. وجد إلينا: أي جد ثدي أمهم عندنا. ومعنى متمائن: متقادم، يقال: قد تماءن بغضهم لنا: أي تقادم، وهو مهموز. يقول: بغضهم لنا قديم. وقد روي: ولكن ودهم متماين: أي ود كذوب ليس بصحيح، والمين: الكذب، يقال منه: مان يميم مينا. وهو على هذا التفسير غي مهموز. الرفع حملا على المعنى، والمألوف النصب قال سيبويه قال أبو الأسود الدؤلي: جَزَى اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائِهِ ... أبا ماعزٍ من عاملٍ وصديقِ قَضَى حاجتي بالحق ثم أجازَها ... بصِدقٍ وبعضُ القوم غِيرُ صَدوقِ (إذا جئتُ بوابا به قال مرحباً ... ألا مرحبٌ واديك غيرُ مَضيقِ) ويروى: (إذا ما رآني مقبلا قال مرحبا) ويروى. (مرحب) بالرفع والنصب في الموضعين. أبو ماعز: هو عبد الرحمن بن عبد الله الاسدي، ثم احد بني دودان، وكان عاملا لعبيد الله بن زياد على جندي سابور، وكان

стр. 71

كوفيا على رأي أبي الأسود، فخرج أبو الأسود إليه في حاجة، فلما رآه أبو ماعز رحب وأكرمه وألطفه وأحسن جائزته. والشاهد فيه على رفع (مرحب). (واديك) مبتدأ وخبره (مرحب)، و (غير مضبق) وصف لمرحب وهو كقولك: إلا واسع واديك. ومن روى (ألا مرحبا)، نصبه بإضمار فعل، وجعل (واديك) مبتدأ و (غير مضيق) خبره. ويجوز على نصب (مرحبا) أن يكون (واديك) فاعلا لـ (مرحبا) وتنصب (غير مضيق) وتجعله لمرحب. الإضافة غير المحضة قال سيبويه قال المرار: (سَل الهُمومَ بكل مُعْطي رأسِهِ ... ناحٍ مُخالِطِ صُهْبَةٍ مُتَعَيسِ) أَنِفَ الزَّمامَ كأَنَّ صفْقَ نُيوبِهِ ... صَخَبُ المواتح في عراك المخمِسِ مُغْتالِ أحْبُلِهِ مبينٍ عِتْقُهُ ... في مَنْكِبٍ زَبَنَ المطيَّ عَرَنْدَسِ الشاهد في إنه أضاف (معطي) إلى رأسه) إضافة غير محضة، وهو في تقدير انفصال، واستدل على أن الإضافة غير محضة وإنه على حكم التنكير؛ إنه نعته بنكرة فقال: ناج مخالط صهبة. معنى معطي رأسه: يريد إنه منقاد ليس بصعب، والمتعيس: الذي يضرب الى البياض، والاعيس: الأبيض،

стр. 72

أنف الزمام: قيل فيه إنه يأنف من الزمام كأنه غضبان. وقيل فيه: إنه الذي يأذى بالبرة التي يشد فيها الزمام. يقال: قد أنفث الإبل: إذا تأذت بالبرات، والصفق: الصوت، والمواتح: الذين يمدون الدلاء حين تخرج من الآبار، والمخمس: الذي يورد إبله خمسا؛ في ايوم الخامس من اليوم الذي شربت فيه، والعراك: ازدحام الإبل على الماء. شبه وقع صوت أنيابه بعضها على بعض بأصوات المواتح الذين يستقون، فبعضهم يضاغن بعضا، والأحبل: هي الحبال التي تشد على وسطه، فكأنه لما لم يفضل منها شيء قد استهلكها. والعتق: الكرم وجودة الأصل. يقول: إذا رآه الرائي علم إنه كريم. وقوله: في منكب: يريد مع منكب له عظيم يدفع بها المطي إذا زاحمته، والزبن: الدفع، وفي (زبن) ضمير يعود إلى المنكب. يريد منكبه دفع عنه، والعرندس: الشديد. الاسم المرفوع بعد: قلما قال سيبويه قال المرار صرَمْتَ ولم تُصْرَم وأَنتَ صَروم ... وكيفَ تَصابي مَنْ يُقال حَليمُ (وصدَّتْ فأطوَلْتَ الصُّدودَ وقَلَّما ... وِصالٌ على طول الصُّدودِ يَدومُ)

стр. 73

يقول: صرمت هذه المرأة قبل أن تصرمك، يخاطب نفسه. ثم قال: وكيف تصابي من قد كبر وحلم، وأراد: من يقال هو حليم. وصدت هذه المرأة فأطولت أنت الصدود، ومع طول الصدود لا يبقى من المودة والمحبة شيء. والشاهد على إنه أخر الفعل الذي كان ينبغي له أن يقع بعد (قلما وأوقع بعده (وصال) وهو مرفوع بإضمار فعل يفسره (يدوم) هذا الظاهر. حالة من عطف البيان - إذ لا يجوز البدل قال سيبويه قال المرار: (أنا ابنُ التّارِكِ البَكْري بِشْرٍ ... عليه الطيرُ تَرقبُهُ وُقوعا) عَلاهُ بِضَربَةٍ بعثَتْ بِلَيْلِ ... نوائحهُ وأَرْخَصَتِ البُضُوعا عنى بشر بن عمرو بن مرثد وقتله رجل من بني أسد، ففخر المرار بقتله. وبشر: هو من بكر بن وائل. والاخصت البضوعا أي: أرخصت الضربة

стр. 74

اللحم على الطيور، والبضوع جمع بضعة، وهو مثل مأنة ومؤون. وقد جاء بدرة وبدور. قال الفرزدق: فَيَحبوهُ الأمينُ بها بُدورا ويروى: (البضيعا) مكان (البضوعا). والبضيع: اللحم. وزعم بعض الرواة إنه يريد بالبضوع بضوع نسائه أي نكاحهن. يقول: لما قتلوه سبوا نساءه، فنكحوهن بلا مهر. والبضوع: النكاح. والتفسير الأول أعجب إلي. حذف الفعل لكثرته في كلامهم قال سيبويه قال الحارث بن ضرار النهشلي يرثي يزيد بن نهشل:

стр. 75

سقى جدثا أمسى بدومة ثاويا ... من الدلو والجَوزاء غادِ ورائح (لِيُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخُصْومةٍ ... ومختبِطٌ مما تُطيحُ الطوائحْ) الشاهد في إنه رفع (ضارع) فعل، كأنه قال بعد قوله: ليبك يزيد: للببكه ضارع. دومة: اسم موضع معروف، والثاوي: المقيم، والضارع: الذي قد ذل وضعف، والمخبط: السائل، وتطيح: تهلك. يقال: طاح الشيء يطيح: هلك، وأطحته أنا. والغادي: الذي يأتي بالغداة، والرائح: الذي يأتي بالعشي. وقوله: من الدلو والجوزاء: أراد المطر الذي يجيء عند سقوط هذين النجمين. وقوله: مما تطيح، و (ما تطيح): مصدر بمنزلة الاطاحة، كما تقول: يعجبني ما صنعت، أي يعجبني صنيعك. وأراد: مختبط من أجل ما قد أصابه من إطاحة الأشياء المطيحة، أي من أجل الأشياء المهلكة. يريد إنه احتاج وسأل من أجل ما نزل به. والطوائح في البيت بمنزلة المطيحات، وهو كما قال : (وأرسلنا الرياح لواقح). ويروى: (ليبك يزيد) بفتح حرف المضارعة ونصب (يزيد) ويرتفع (ضارع) بـ (يبك).
следующие страницы →