← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 37487

شرح أبيات سيبويه

السيرافي، أبو محمد

Полный текст (770 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الشاهد فيه إدخال النون الخفيفة في جواب القسم، وهو قوله (ليفعلا). ويروى: وأقسم حقاً إنْ فعلتَ ليَفعلا وسوّار هوسوّار القشيري، وكان يهاجي النابغة الجعديّ، فقال النابغة: لسوّار شيئاً أغضب ليلى، فهجت النابغة. وقولها تساور: تفاخر وتعاظم، والمساورة: المواثبة، أي تفاخر سواراً وتفاضله، ولئن فعلت ليفعلا: ليفاخرنك ويغلبنك. ويروى: تنافر سواراً تريد أنّ مناقب سوّار وقومه ومفاخرهم كثيرة لا تقعد بهم، ولا يخشون - إنْ فاخرتهم - أن تفضل عليهم. وقولها: وفي ذمتي أي في ذمتي القيام بما أدّعيه لسوّار، وما أضمنه من مفاخرتك ومغالبتك. وليست (في) معلقة بالشرط ولا بجوابه، إنما هي في موضع خبر ابتداء محذوف. بناء (يسارِ) على الكسر معدولاً عن الميسرة قال سيبويه فيما لا ينصرف قال حميد بن ثور: (فقلت امكثي حتى يسارِ لعلنا ... نحجُّ معاً، قالت أعاماً وقابِلهْ!) الشاهد فيه أن (يسارِ) مصدر بمعنى الميسرة، والبيت في شعره مرفوع وإنشاده: فقلت امكثي حتى يسارِ لعلنا ... نحجُّ معاً قالت أعاماً وقابلهْ؟

стр. 667

لقد طال ما أكببتُ تحتَ بجادِكمْ ... وما كَسَرَتني كلَّ عام مَغازِلهْ وأول القصيدة: وقالت أغِثنا يا بنَ ثور ألا ترى ... إلى النجْدِ تُحدَى نوقه وجمائلهْ كانت امرأته سألته أن يتركها حتى تمضي إلى الحج، فقال لها: اصبري حتى يصير لي يسارُ وأنفق عليك، ولعلي أخرج أنا وأنت. فقالت له: أعام، تقديره: أوقت حجنا عامُنا هذا وقابِله؟ وقولها: أعام وقابلهْ؛ تريد أن الاستعداد للحج، والخروج إلى مكة، والرجوع، يكون في بعض سنتين، فيكون الاشتغال بأسباب الحج وبالحج، يكون بعض شهور السنة التي هي فيها، وبعض شهور السنة التي بعدها. وهذا التأويل أحب إليّ من أن أجعل الواوفي معنى (أو) وتكون أرادت أن تقول: أعام أوقابله. وقولها: لقد طال ما أكببتُ تحتَ بجادِكمْ، تريد: لقد طال ما أكببتُ على المغزل. والبجاد: بَت يُعمل من الصوف. تريد أنها لزمت القعود في البيت مكبة على المغزل. وما كسرتني المغازل: تريد أنها قوية، وما أضعفها كثرة غزلها. تأنيث حرفي الكاف والميم قال سيبويه قال سيبويه فيما لا ينصرف، قال الراعي:

стр. 668

(أشاقتكَ آياتُ أبانَ قديمُها ... كما بُيِّنتْ كافُ تلوحُ وميمُها) الشاهد فيه أنه أنث الكاف والميم. وأبانَ قديمُها: بمعنى تبيّن واستبان، ويقال بان الشيءُ وأبان وبيّن وتبيّن واستبان بمعنى واحد. ويروى: (كما تبيَّنتْ كافُ) بفتح الباء والياء. شبه ما بان من آثار الديار. التي ذهب أهلها منها - بالحروف المكتوبة. وهذا معنى يتداوله الشعراء وهوواضح. تذكير (حي) وصرفه قال سيبويه فيما لا ينصرف، قال الراعي:

стр. 669

فأما مُصاب الغاديات فإننا ... على الهَوْلِ راعوه ولوأن نُقارِعا (بِحَيٍّ نمَيريٍّ عليه مَهابةُ ... جميعٍ إذا كان اللئامُ جنادعا) الشاهد فيه أنه ذكر الحي ووصفه بـ (نميري). والغاديات: السحاب التي تمطر غدوة، ومصابها: مواقع مطرها، وراعوه: يعني أنهم يرعون العشب الذي ينبت بالواضع التي يقع فيها الغيث أين كان من الأرض، والهول: الفزع. يقول: إذا فزعوا أن يردوا مكاناً فيه عشب - خوفاً أن يغار عليهم - فإننا نرعاه ولو أن نقارع، أي ولو أن نقاتل حتى نغلب عليه. وجميع: مجتمِع الشأن، أمره واحد لا يخالف بعضهم بعضاً. والجنادع: جمع الجُندُع وفسروا الجنادع بالأوائل. وأظن أنهم يعنون الأوائل في الهرب. ويجوز عندي أن يعني بالجنادع الأقلاّء، والجنادع: دوابّ صغار تكون في جِحَرة الضِباب واليرابيع وما أشبهها إذا حفرت الجحرة خرجت. المعنى أنهم يكونون بمنزلة الجنادع في الذِلة. ويقال في الشر: ظهرت جنادعه، إذا ظهرت أوائله. إسكان الياء في حالة النصب - ضرورة قال سيبويه فيما لا ينصرف، قال الحطيئة: (يا دارَ هندٍ عفتْ إلا أثافيها ... بين الطوِيِّ فصاراتٍ فواديها)

стр. 670

الشاهد في إسكان الياء من (أثا فيها) وهي منصوبة. والأثافيّ: الحجارة التي تنصب عليها القِدر، والطويّ وصارات: مواضع. يعني أنه درستْ معالمها فلم يبق منها إلا الأثافي. الاقتصار على ذكر حرف من جملة الكلام قال سيبويه في باب ما لا ينصرف. وأنشد: (بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شرّاً فا) (ولا أريد الشرَّ إلا أنْ تا) بألف بعد الفاء في البيت الأول، وألف بعد تاء في البيت الثاني. والشاهد فيه أنه اقتصر على ذكر حرف من جملة الكلام، وذكر الحرف يدل على بقية الكلمة، وتكون الألف للمد تابعة لفتحة الفاء وفتحة التاء. وأراد بالخير خيراتٍ وإنْ شرّاً فشر، فذكر الفاء وحدها ومدّها، ولا أريد الشر إلا أنْ تشائي أيتها المرأة، فذكر التاء وحدها، ثم أتبعها الألف. وعلى هذا الوجه يكون حرف الروي مختلفاً: يكون في البيت الأول فاء، وفي البيت الثاني تاء، ويكون الشعر من السريع من الضرب الأخير منه (مفعولن). وهذا الشعر يروى لنعيم بن أوس، من ربيعة بن مالك. قال: إنْ شِئْت أشرَفْنا كِلانا فَدَعا اللهَ جَهراً رَبَّه فأسْمَعا

стр. 671

بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شرّاً فأاْ ولا أريد الشرَّ إلا أنْ تأَاْ وعلى هذا الإنشاد يكون الشعر من مشطور الرجز، ويكون بعد الفاء همزة مفتوحة يتبعها ألف، وكذلك بعد التاء، ويكون البيتان المتقدمان روبّهما العين، والبيتان المتأخران رويّهما الهمزة. ووجه هذا الإنشاد، أنه زاد ألفاً بعد فتحة الفاء والتاء ثم همَزَها. وقيل إنه أراد: وإنْ شراً فالشر وأثبت الهمزة التي تكون مع اللام للتعريف وهي مفتوحة، وأتبعها الفاء وجعل ما بعد التاء مثل ذلك - وإن لم يكن بعدها ألف - حتى يستقيم الشعر. وقوله: بالخير خيراتٍ متصل بفعل كأنه قال: دَعا وسأل أن يُجزى - مَن فعل منه ومن امرأته - بفعل الخير خيراتٍ، وإن فعل شراً فشراً يُجزى. إدخال النون الخفيفة على فعل الدعاء قال سيبويه في النون الخفيفة، قال عبد الله بن رواحة الأنصاري: واللهِ لولا اللهُ ما اهْتدَيْنا ولا تصدَقنا ولا صليْنا (فأنِزلنْ سَكينةً علينا) وثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقيْنا ويقال: إن النبي ﷺ أنشد هذه الأبيات وهو يحفر الخندق. والشاهد فيه أنه أدخل النون الخفيفة على فعل الدعاء.

стр. 672

والسكينة: ما يجعله الله في قلوبهم من الطمأنينة وسكون النفس والثبات إذا لقوا عدوهم، وأنهم إذا لحقتهم المكاره في الدنيا أعطاهم الله أعواض ما يلحقهم في الجنة ما هوأعود عليهم من جميع ملاذ الدنيا ومنافعها. حكاية الجملة دون إعمال الفعل في لفظها قال سيبويه فيما لا ينصرف، قال بِشر: (وجدْنا في كتاب بني تميم ... أحقُّ الخيلِ بالركضِ المُعارُ) ويروى هذا البيت للطرماح. والشاهد فيه أنه حكى الجملة ولم يُعمل (وجدنا) في لفظها. و (أحقُّ الخيل) مبتدأ، و (المعار) خبره، والجملة في موضع نصب بـ (وجدنا). ويحتمل (وجدنا) وجهين: أحدهما أن يكون بمعنى علمنا، وتكون الجملة في موضع المفعول الأول، و (في كتاب بني تميم) المفعول الثاني. والوجه الآخر أن يكون (وجدنا) بمعنى أصبنا، كأنه قال: وجدنا في كتاب بني تميم هذا الكلام، كما تقول: أصبت في كتاب بني تميم هذا اللفظ. والمُعار: الذي أعاره صاحبه، والركض: تحريك الفارس الفرسَ برجله

стр. 673

ليجدّ في عدوه. ومعنى قوله: (أحقُّ الخيلِ بالركضِ المُعارُ) أي أحقُّ الخيل بالركوب والركض والاستعمال الخيلُ التي استعيرت من أصحابها، حتى يُودِع المستعيرون خيولهم بركوب الخيل المستعارة. وهو نحو قولهم في العَليقة والجَنيبة: إنهما الناقة يرسلها الرجل مع القوم ليمتاروا له عليها، فيُودِعون ركابهم ويحملون بعض ما معهم عليها، ومَن أعيا منهم ركبها، فهي تلقَى شدة. ومثله قول الراجز: أرسلها عَليقةٍ وقد عَلِمْ أنّ العَليقاتِ يُلاقيِنَ الرَّقِمْ وقال الآخر: رِكابه في القوم كالجنائبِ ومثله: . . . . . ... ومن لذةِ الدنيا رُكوبُ العلائقِ يهجوهم بهذا، أي هم يتغنمون عارية الخيل، ويسألون الناس أن يعيروهم ليرفهوا خيلهم. والكرام من شأنهم أن يحيلوا خيلهم، أي يعطوها لمن يغزو عليها وينتفع بها ليُشكروا. إثبات الياء في (قريشي) على القياس قال سيبويه في النسب قال الشاعر:

стр. 674

(بكل قرَيْشيٍّ عليه مهابةُ ... سريع إلى داعي الندى والتكرُّمِ) الشاهد فيه أنه أثبت الياء في (قريشي) وهو القياس عند سيبويه. والمهابة: الهيبة، وداعي الندى: الذي يدعو إلى فعل السخاء والجود، والتكرم: إظهار الكرم. يريد أنهم يسرعون إذا دعاهم داعي الجود والكرم. والمعنى واضح. عدم صرف (معدّ) حملاً على القبيلة قال سيبويه فيما لا ينصرف. قال الشاعر: (عَلِم القبائلُ من معدَ وغيرِها ... أنَّ الجواد محمدُ بنُ عُطارِدِ) الشاهد فيه أنه لم يصرف (معد) وجعله اسماً للقبيلة. ومحمد بن عطارد بن محمد بن عطارد بن حاجب بن زُرارة الدارميّ وكان سيداً وآباؤه سادات، والمعنى واضح. جعل (الجنوب) اسماً للريح قال سيبويه فيه أيضاً. قال الشاعر حالت وحيل بها وغيَّر آيَها ... صَرْفُ البِلى تجري به الرِيحانِ

стр. 675

(ريحُ الجَنوبِ مع الشَّمالِ وتارةً ... رِهَمُ الربيعٍ وصائب التهتانِ) الشاهد فيه أنه أضاف (ريحُ الجَنوب) وجعل (الجَنوب) اسماً لهذه الريح التي تجيء من يمين الكعبة. و (الريحان) رفع بـ (تجري) و (ريحُ الجَنوب) بدل من (الريحان). فإن قال قائل: البدل ينبغي أن يكون مثل المبدل منه في العدد، ولا يكون ناقصاً عنه، وأنت إذا جعلت (ريح الجَنوب) بدلاً من (الريحان) ولم تأت ببدل آخر، نقصت العِدّة. ومثله قولك: مررت برجلين زيدٍ، وهذا لا يحسن حتى تقول: زيدٍ وعمرو، فإن نقصت العدة رفعت على خبر ابتداء محذوف فتقول: مررت برجلين زيدُ. أي أحدهما زيد. قيل له: إن قوله: (ريحُ الجَنوبِ مع الشَّمال) في تقدير: ريحُ الجَنوب وريحُ الشمال ولم يمكنه أن يقول: وريح الشمال فقال: مع الشمال. ولو قال قائل: إن (ريح الجَنوب) مرفوعة على خبر ابتداء محذوف - كأنه قال: إحداهما ريح الجنوب - لكان وجهاً، وهوضعيف في المعنى، والأول أحب إليّ. وفي (حالت) ضمير يعود إلى الدار، يريد أن الدار حالت عما كانت عليه - من العمارة، وحلولِ أهلها بها، وآثارهم الحسنة فيها - فدرست معالُمها وانمحت آثارها. وحيل بها: أي غيّرت، يعني أن مرَّ الزمان يُحيلها ويغيرها.

стр. 676

والآي: جمع آية وهي العلامة من العلامات التي يعرف بها المكان، وصرف البلى: تصرفه وعمله في إبطال الشيء وإهلاكه، و (تجري) في موضع الحال من (الصرف)، والعامل في موضع الحال (غيَّر) والرِهَم: جمع رِهْمَة وهي المطْرة. والتهتان: المطر الشديد وقعِ القطر، والصائب: النازل من السحاب، يقال منه صاب يصوب. وقوله: (وتارةً رِهَمُ الربيع) يقول: مرة تمحو آثارَ الديار الرياحُ، وتارة الأمطارُ، فقد درست لتعاقب أسباب الدروس عليها. (يا) للنداء أوللتنبيه قال سيبويه وأما (يا) فتنبيه، ألا تراها في النداء وفي الأمر، كأنك تنبه المأمور. قال الشماخ: (ألا يا اسْقِياني قبلَ غارةِ سِنجالِ ... وقبل منايا قد حضرْنَ وآجالِ) وقبل اختلافِ القوم من بين سالبٍ ... وآخرَ مسلوبٍ هَوَى بين أبطالِ الشاهد في البيت الأول على أنه أدخل (يا) على فعل الأمر. سنجال اسم موضع بناحية أذربيجان، أواسم رجل كان في ذلك الموضع. ورثى الشماخ في هذه القصيدة رجلاً من بني ليث بن عبد مناة بن

стр. 677

كنانة أصيب بأذربيجان، وكان مع سعيد بن العاصي، أومع الأشعث ابن قيس الكندي، ولم يُرد: اسقياني قبل مقتل هذا الرجل، وإنما أراد: اسقياني قبل أن أُقتل كما قتل هذا الرجل. جمع (ساعة) على (ساع) قال سيبويه: (راحُ وراحةُ وراحات، وشامُ وشامةُ وشامات). قال القَطامي: ثبتنا ما مِنَ الحيَّينِ إلا ... يظلُّ ترَى لكوكبه شعاعا (وكنا كالحريق أصاب غاباً ... فيخبوساعةً ويهب ساعا) وقال سيبويه بعد البيت: (فقال: ساعةُ وساعُ). الشاهد في البيت الثاني على أنه جمع (ساعاً) واقعاً على جميع الساعات، وجعله مما بينه وبين واحدِه الهاء؛ مثل الأسماء التي تقدم ذكرها في الباب. أراد القطامي وصف حرب كانت بين قومه بني تغلب، وبين قيس بن عيلان. وقوله (ثبتنا) يريد ثبت كل واحد من الحيين لصاحبه، وقوله: (ما من الحيين) يريد: ما حيُّ من الحيين. و (من الحيين) وصف لـ (حي) وحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقال الله تعالى: (وإنْ من أهل الكتاب إلا ليُؤمِننَّ به) محذوف. وكوكب الكتيبة: معظمها، وفي (يظل) ضمير يعود إلى (الحي) المحذوف، وما

стр. 678

بعده خبره. والغاب: جمع غابة وهي الأجمة. يريد أن بريق السيوف وارتفاعها - إذا حمل بعضهم على بعض - بمنزلة ارتفاع النار في الأجمة. ويجوز أن يعني أن أصوات وقع سيوفهم بمنزلة صوت التهاب النار في الحطب، ويجوز أن يعني حفيفهم إذا حمل بعضهم على بعض. وقوله يخبو: يسكن. جعل الاتباع مصدر (تتبّع) قال سيبويه: (وزعموا أنّ في قراءة ابن مسعود: (وأُنزل الملائكةُ تنزيلا) لأن معنى انزل ونُزّل واحد). وقال الفطاميّ: (وخيرُ الأمر ما استقبلتَ منه ... وليس بأن تتبَّعَه اتباعا) الشاهد فيه على أنه أتى (بالاتباع) الذي هو مصدر (اتبع) فجعله في موضع (التتبّع) الذي هو مصدر (تتبَّع). يقول: خير الأمور ما فكرتَ فيه ونظرت وشاورت قبل فعله، فلم تفعله إلا بعد إحكام الرأي، فإن ركبتَ أمراً ففعلت من غير تأمل ومشاورة، ثم رأيت منه ما تكره، لم يمكنك أن تتلافى ما فرّطت فيه، ولم ينفعك ندمك على أنك فعلته.

стр. 679

جعل (المقيل) في موضع (القيلولة) قال سيبويه: (وقالوا المعصية والمعرفة كقولهم المعجِزة). يريد أن (المَفعِلة) قد جاءت في المصادر. وذكر قبلُ أنه قد يأتي في المصادر من هذا النحو الوجهان، قالوا: مَعذَرَة ومَعذِرَة، ومعتبة ومعتبة. قال: (وربما استغنوا (بمفعِلة) عن غيرها، وذلك قولك: المشِيئة والمحْمِيَة). يريد أنهم يستعملونها في المصدر والاسم بالكسر، ولم يستعملوا فيها الفتح في المصدر، كأنهم جعلوا الكسر الذي يكون للاسم مستعملاً في المصدر، واستغنوا به عن الفتح. وقال الراعي: (بُنِيَتْ مرافقهُنّ فوق مَزِلةٍ ... لا يستطيعُ بها القرادُ مَقيلا) وصف إبلاً بالسِّمَن وملاسة الجلد، وأن مرافقها لم تحُزَّ في جلودها. يقول: موضع المرفق من كل واحد منها ليس به ناكث ولا حاز ولا ضاغط، وجميع هذا مما يؤثر حدّ مرفقها في جنبها، فإذا أصاب جنبَها شيء من ذلك، اجتمع جلدها وتكسر وتغضّن، فصار فيه موضع للقراد لتكسُّره وتثنّيه. فإذا املاس لم يستطع القراد أن يثبت عليه، ولا يجد موضعاً يقيل فيه، إنما يجد شيئاً أملس يزلّ عنه. ومثله لكعب بن زهير:

стр. 680

يمشي القرادُ عليها ثم يُزلِقه ... منها ليانُ وأقرابُ زَهاليلُ الشاهد في البيت أنه جعل المَقبل في موضع القيلولة. في معنى (بل) قال سيبويه: (وأما (بل) فلترك شيء من الكلام وأخذٍ في غيره). قال لبيد: (بل مَن يَرى البرقَ بِتُّ أرقبُه ... يُزْجي حَبيّاً إذا خبا ثقبا) الحبيّ من السحاب: ما ارتفع وعلا، ويقال: حبا الرمل إذا أشرف، ويزجي: يسوق، إذا خبا: سكن لمعانه، وثقب: اتقد. يريد أنه يتقد البرق. وقوله: بِتُّ أرقبُه، يريد أنه بات ينظر أنىّ يمطر سحابُه، وجعل البرق يسوق السحاب، وإنما الريح تزجي السحاب الذي البرق فيه، فيجعل الفعلَ له. جمع (سعد) علماً على (فعول) في الكثرة قال سيبويه قال طرفة: (رأيتُ سُعوداً من شعوبٍ كثيرةٍ ... فلم أر سعداً مثلَ سعدِ بنِ مالكِ)

стр. 681

الشاهد في البيت أنه جمع (سعداً) اسم رجل على (فعول) في الكثرة فقال: رأيت سُعوداً. يقول: لم أر فيمن يسمى (سعداً) أكرمَ من سعد بن مالك، وهو سعد بن مالك بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل. والشعوب: جمع شعب، وهو أكبر من القبيلة. حذف ياء المتكلم تشبيهاً بياء (القاضي) قال سيبويه في باب: (ما يحذف من الأسماء من الياءات في الوقف، التي لا تذهب في الوصل). يريد الياءات التي تقع في آخر الكلام، في المواضع التي لا يدخلها التنوين، مثل ياء (غلامي وصاحبي وأكرمني وأعطاني) بحذف الياء من (غلامي) في الوقف، وهي اسم المتكلم، وتحذف النون والياء - التي هي ضمير المتكلم - في النصب، وفي كل موضع تقع الياء فيه وحدها أوالياء والنون. ومثل ذلك سيبويه بقولك: (هذا غلامْ، وأنت تريد (غلامي) وقد أسقانْ، تريد (أسقاني). وقال النابغة الذبياني: (إذا حاوْلتَ في أسدٍ فجوراً ... فإني لستُ منك ولستَ مِنْ) همُ دِرعي التي استلأمْتُ فيها ... إلى يومِ النِّسار وهم مِجَنّْ (وهمْ وردوا الجِفارَ على تميمٍ ... وهمْ أصحابُ يومِ عكاظَ، إنْ)

стр. 682

شهِدتُ لهم مواطنَ صالحاتٍ ... أثبْنهُمُ بِودِّ الصَدرِ مِنْ المخاطب بهذا الشعر عُيينة بن حِصن الفزاري، والذي حَمَل النابغة على مخاطبته بذلك، أنه أراد أن يقطع الحلف الذي بين بني أسد وبني ذبيان، لأن بني أسد قتلوا رجلين من بني عبس، ولم يحب النابغة قطع الحلف، فقال هذه القصيدة. والفجور أراد به نقض ما بين عيينة وبين بني أسد من الأمان والحلف. وقوله: لستُ منك أي لا أدخل معك في قطع الحلف الذي بينك وبينهم، ولا أتابعك عليه، والنسار: موضع كانت فيه وقعة بين غطفان وبني أسد وبين بني تميم. واللأمة: الدرع، واستلأ مْتُ: لبست اللأمة، والمجن: الترس، والجِفار: موضع أيضاً. يقول: بنوأسد لبني ذبيان بمنزلة الدرع والترس للمحارب، يقونهم بأنفسهم، وهذه الأفعال التي فعلوها أثبتت لهم في صدري وداً لا يزول. مد الصوت في قافية الشعر قال سيبويه في باب: (وجوه القوافي في الإنشاد): (وأما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والياء والواوما ينوَّن وما لا ينون، لأنهم أرادوا مدّ الصوت. وذلك قولهم):

стр. 683

(قفا نبكِ من ذكرَى حبيبٍ ومنزلي) ... . . . . . أمر صاحبيه بأن يقفا عليه وينتظراه لمّا مر بالدار التي كان من يهواه فيها، حتى يبكيَ على فقده، فيخف ما به من الحزن لفرقته. و (نبك) مجزوم جواب الأمر، أراد من أجل ذكرى حبيب. والشاهد في البيت أنه مد آخره، وألحق بعد كسرة اللام ياء لمد الصوت والترنم. وأنشد سيبويه بعد هذا بيتاً في قصيدة امرئ القيس، ويروى لابن الطثْرية: (فبِتنا تصدُّ الوحشُ عنا كأننا ... قتيلان لم يعلمْ لنا الناسُ مصرعا) الشاهد فيه إدخال الألف في آخر البيت لمد الصوت. والمعنى أنه بات مع المرأة التي كان يهواها، في موضع بعيد من الحي يكون فيه الوحش، فكانت الوحش تنفر منهما، وتصد عن قرب الموضع

стр. 684

الذي هما فيه. وشبّه نفسه وإياها - وهما نائمان - بقتيلين لم يعرف موضعهما، لأنه بات معها في موضع لا يعرفه أحد من الناس غيرهما. قال سيبويه: (واعلم أن المجزوم والساكن يقعان في القوافي، ولولم يفعوا ذلك لضاق عليهم، ولكنهم توسعوا بذلك فإذا وقع واحد منهما في القافية حُرِك). يريد أنه يحرك بالكسر كما تحرِك لالتقاء الساكنين، ثم ساق كلامه في هذا المعنى إلى أن أنشد بيت امرئ القيس: (أغرَّكِ مني أنَّ حبكِ قاتلي ... وأنكِ مهما تأمري القلبَ يفعلِ) يقول لهذه المرأة: أغرَّك - حتى اجترأتِ على تعذيبي وهجري ومخالفتي - أنك تعلمين شدة محبتي لك، وأنك تعتقدين أني أموت إن هجرتني، وأن قلبي لا يطاوعني على أن أصرمك، وأقطع ما بيني وبينك، وأنك تأمرين قلبك بما تحبين فينقاد لك. يريد أنه إذا أرادت هجره طاوعها قلبها وصبرت عنه، وإذا أراد هجرها لم يطاوعه قلبه، فقلبها ينقاد لها، وقلبه لا ينقاد له. و (يفعل) مجزوم لأنه جواب الشرط، ولكن حرّكه بالكسر لأجل القافية. والشاهد عليه. وقال طرفة:

стр. 685

(متى تأتِني أصْبَحْكَ كأساً رويَّةً ... وإنْ كنتَ عنها غانياً فاغنَ وازْدَدِ) الشاهد في هذا مثل الشاهد في البيت المتقدم. والصَّبوح: شرب الغداة، والكأس: الإناء المملوء شراباً، والروية: المُرْوية، والغاني المستغني. يقول: إن كنت محتاجاً إلى الشرب سقيتك، وإن كنت مستغنياً فاغن، ويقال غنيَ يَغنَى فهوغانٍ، في معنى استغنى يستغني فهو مستغن. وقوله: فاغن فيه معنى الدعاء، كما تقول: اسلمْ. (وازدد) معطوف عليه وهو مبني على سكون، ولكنه احتاج إلى تحريكه فكسره. جعل (علِ) بمنزلة فوق قال سيبويه في باب عِدّة ما يكون عليه الكلم: (و (عَلُ) معناه الإتيان من فوق. قال امرؤ القيس): (مِكَرٍ مِفرٍ مُقبلٍ مُدبرٍ معاً ... كجلمود صخرٍ حطهُ السيلُ من عَلِ) الشاهد فيه على أن (علِ) بمنزلة (فوق) كأنه قال: حطهُ السيلُ من فوق.

стр. 686

وصف فرساً، وذكر أنه يصلح للكر إذا أراد فارسه أن يكُر، وللفر إذا أراد فارسه أن يفِر، ويصلح للإقبال والإدبار إذا أريد منه شيء منهما. وقوله (معاً) أي هو في كل حال من أحواله يصلح لكل فن أخذ من هذه الأشياء، التي وصف أنه فعلها. والجلمود: الصخرة والحجر، وزعموا أن الصخرة إذا كانت في أعلى الجبل، كانت أصلب من الصخرة التي تكون في أسفله، فأراد أن هذا الفرس صلب كصلابة هذه الصخرة. ويجوز أن يريد أنه أملس الجلد لاكتناز لحمه، وصلابة جسمه، فكأنه بمنزلة الصخرة الملساء. ويجوز أن يريد أنه في سرعته يهوي في عدوه كما تهوي الصخرة من رأس الجبل، أراد أنه يسرع في العدو كإسراع هذه الصخرة من النزول من الجبل. ورود صيغة (فيعِل) للمذكر والمؤنث قال سيبويه في باب: تكسير ما كان من الصفات على أربعة أحرف: (وقد جاء شيء من (فَيْعِل) في المذكر والمؤنث سواء، قال الله جل وعز (وأحيينا به بلدةً مَيْتا) وقالوا: ناقة ريِّض. وقال الراعي): (وكأنّ ريِّضَها إذا ياسَرْتها ... كانت معاوِدةَ الرحيلِ ذَلولا)

стр. 687

الريِّض: الناقة التي لم تَمْهَر الرياضة، أي لم تتعلم المشي، هي في أول أمرها وتعليمها، وياسَرْتها: من اليُسر، يريد لم تشادّها، والذلول: المنقادة. وصف إبلاً، وذكر إن التي هي في أول رياضتها منها، بمنزلة التي قد فرغ من رياضتها وذلت وطاوعت وانقادت، فهي بمنزلة ناقة قد شُد عليها الرحل، ورُكبت مرة بعد مرة، وعُودت ذلك، فهي لا تُتعب راكبها. وصف كرم هذه الإبل. تسكين المتحرك للضرورة قال سيبويه قال الأخطل: (إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا ... وإنْ شِهْدَ أجْدَى فضلُه ونوافلُهُ) يمدح بذلك بشر بن مروان بن الحكم، يقول: غيبته عنا وبعده كغيبة الماء الفرات عنا. يعني أن حاجتهم إليه كحاجتهم إلى الماء الفرات، وإنْ حضر أجدى فضله، أي أغناهم بما يتفضل به عليهم، ونوافله: زياداته في العطاء الذي يعطيه. ويروى: إذا غاب عنا غاب عناربيعُنا أي هوبمنزلة الربيع الذي يحيا به الناس. ويروى: أجدى فيضُه وجداولهْ يريد ما يفيض من عطائه، والجداول: الأنهار. شبه اتصال جوده وذهابه في كل وجه بالأنهار التي تتشعب فتذهب في كل وجه.

стр. 688

تشبيه الكاف بالهاء (من أحلامِكِم) قال سيبويه في باب ما تُكسر فيه الهاء من علامات الإضمار: (وقال أناس من بكر بن وائل: (من أحلامِكِمْ) و (بِكِمْ) شبهها بالهاء لأنها عَلم إضمار قد وقعت بعد الكسرة، فأتبع الكسرةَ الكسرةَ حيث كانت حرفَ إضمار، وكان أخف عليهم من أن يضم بعد أن يُكسر. وهذه لغة رديئة جداً، وسمعنا أهل هذه اللغة ينشدون للحطيئة): (وإن قال مولاهمْ - على جُلِّ حادثٍ ... من الدهر: رُدّوا فضلَ أحلامِكِمْ رَدّوا) يمدح بني لأي بن شماس، ومولاهم: ابن عمهم وحليفهم، وجل الشيء: معظمه. يقول: هؤلاء القوم إذا جنى ابن عمهم - أو حليفهم أوجارهم عليهم وخشي عقابهم - سألهم أن يحملوا عنه فأجابوه. ورُدّوا فضلَ أحلامِكِمْ: أي ردوا على جنايتي حلمكم الواسع، فإن أحلامكم واسعة لغفران ذنوب من جنى عليكم. تقييد القافية بحذف الضمير عند الوقف قال سيبويه في باب القوافي، قال ضرار بن الأزور الأسدي: (وأعلمُ علمَ الحق أنْ قد غوَيْتمُ ... بني أسدٍ، فاستأخروا أو تقدمُ)

стр. 689

بني أسدٍ قد ساءني ما صنعتمُ ... وليس لقوم حاربوا الله مَحْرَمْ الشاهد فيه أنه حذف الواوالتي هي وصل - وهي ضمير - حين وقف. والذي عندي في معناه: أن ضراراً قرّع قومه على ما صنعوا في أمر الردة، وكان ضرار في جملة جيش خالد بن الوليد حين نهض لقتال أهل الردة. يقول: من خالف ما أمره الله به، لم يَحْرُم دمه وماله، ولم يكن له حرمة في شيء من أمره. حذف الياء من آخر الفواصل والقوافي عند الوقف قال سيبويه في باب ما يحذف في أواخر الأسماء في الوقف من الياءات: (وجميع ما لا يحذف في الكلام وما يُختار فيه أن لا يُحذف في الفواصل والقوافي، فالفواصل قول الله تعالى: (والليلِ إذا يَسْرْ) و (ذلك ما كنا نَبْغْ) و (يوم التنادْ) والأسماء أجدر أن تحذف، إذ كان الحذف فيها في غير الفواصل والقوافي). أراد سيبويه أن الفواصل والقوافي، يُحذف فيها من الياءات ما لا يحذف في غير الفواصل والقوافي، وذلك أن ما فيه الياء من الأفعال نحو (يرمي

стр. 690

ويقضي) لا تحذف منه الياء إلا في آخر آية أو في آخر بيت، فهذا الذي لا يحذف في الكلام. وما يُختار فيه أن لا يحذف هو ما فيه الألف واللام من هذه الأسماء التي في أواخرها الياء نحو (الرامي والغازي) وما أشبههما، لا تحذف منها الياء إلا في آخر آية أوفي آخر بيت. وقوله: (والأسماء أجدر أن تحذف، إذ كان الحذف فيها في غير الفواصل والقوافي). يقول: الأسماء التي فيها الألف واللام أجدر أن تحذف من أواخرها الياءات، إذ كانت الياءات فيها قد تحذف قبل دخول الألف واللام عليها في الوقف، في غير الفواصل والقوافي. نحو (هذا قاض، ومررت برام) والفعل المعتل من هذا الباب، ليس له مكان تحذف فيه الياء في غير الفواصل والقوافي، فكان حذف الياء مما فيه الألف واللام أحسن من حذفها من الفعل. وقال زهير: (وأراكَ تفري ما خلقتَ وبعضُ ... القومِ يخلقُ ثم لا يَفرْ) ويروى: ولأنت تفري. الخلق في هذا الموضع: التقدير للشيء قبل أن يُقطع، وقد يكون الفرْيُ القطعَ، وزعموا أن الفري هوالقطع على جهة الإصلاح، والإفراء: القطع على اي وجه كان. يمدح بذلك هرم بن سنان المُرّيّ، يقول له: أنت إذا قدرت أن

стр. 691

تصنع أمراً اوهممت به، مضيت ولم تتوقف، لجرأتك وشجاعتك وجودة رأيك، ولم يحبسك عنه جبن ولا هيبة. وفي كلام الحجاج لأهل العراق وتوعّده لهم: (إني لا أهُمّ إلا مضيت، ولا أخلُق إلا فريت). يريد أنه إذا قدّر امراً، مضى له، ولم يحبسه عن فعله عجز ولا هيبة. ومثله قول الآخر: ماضٍ على الهَمِّ مقدامُ الوغَى بطلُ والشاهد في البيت حذف الياء من (يفري) لأجل القافية. حذف ياء المتكلم مع الكسرة قبلها - ضرورة قال سيبويه في: ما يحذف من الأسماء من الياءات في الوقف. ثم أنشد للأعشى من قصيدة بيتين متباعدين، وجمع بينهما في الإنشاد لأجل أن في آخر كل واحد منهما شاهداً على ما ذكر من الحذف. قال الأعشى: وما إنْ أرى الموتَ في صَرْفِهِ ... يغادرُ من شارخٍ أويَفنْ (فهل يمنعني ارتيادي البلادَ ... من حَذَرِ الموتِ أنْ يأتِيَنْ) الشارخ: الصغير السن الحدث، واليفن: الكبير، ويغادر: يترك. يقول: الموت لا يترك أحداً لا صغيراً ولا كبيراً. وصرفه: تصرفه وتقلبه، وارتياده: ذهابه ومجيئه وطوفه في البلاد، يقال منه: راد يرود إذا ذهب وجاء، وارتاد يرتاد. يقول: هل يمنعني تطوّفي في البلاد،

стр. 692

وتنقلي من موضع إلى موضع من حذر الموت، أن يأتيني الموت؟ أخرجه مُخرج الاستفهام، وما كان من ألفاظ الاستفهام في تقرير وتوبيخ، فإنما يأتي بألف الاستفهام، وقد استعمله الأعشى بـ (هل)، و (أن يأتيني) منصوب مفعول (يمنعني). يقول: هل يمنع مني الموتَ أن ينزل بي - طوفي في البلاد. ثم قال: تيممُ قيساً وكم دونه ... من الأرض من مَهْمَةٍ ذي شزَنْ (ومن شانئٍ كاسفٍ وجهُهُ ... إذا ما انتسبْتُ له أنكَرَنْ) يمدح قيس بن معد يكرب الكندي، تيمم: تقصد. وفي (تيمم) ضمير يعود إلى راحلته، وكم دونه: يريدكم دون بلاده من مهمه، والمهمه: الأرض القفر البعيدة الأطراف، والشزن: الغلظ من الأرض، يقال أرض شزنة إذا كانت صعبة المسلك، والشانئُ: المبغض، يقال منه شنأ يشنأ، والكاسف: المتغير العابس، يقال كَسَف وجهُه يكسِف. وقوله: إذا ما انتسبت له أنكرنْ، للعداوة التي بينهما.

стр. 693

وأراد الأعشى بما وصفه أن يعدد على قيس ما لقي من الأهوال والشدائد في طريقه حتى وصل إليه. والشاهد في حذف ياء المتكلم والكسرة التي قبلها في (أنكرنْ) وفي (يأتينْ). إثبات الواوفي الروي المضموم قال سيبويه: في باب القوافي: (وقال في الرفع للأعشى: (هريرةَ ودِّعْها وإنْ لام لائمو ... غداةَ غدٍ أم أنت للبَيْن واجمو) يريد أنهم وقفوا على آخر البيت بواوثابتة في اللفظ، فهذا ما وقفوا عليه بحرف مد مما كان منوناً في الكلام. و (هريرة) منصوب بإضمار فعل تفسيره هذا الظاهر، ولم يجز أن يكون نصبه بالظاهر لاشتغال الظاهر بالعمل في ضميرها، واختير فيها النصب بإضمار فعل، لأن معنى الكلام الأمر، والأمر لا يكون إلا بفعل، فاختير في الجملة التي هي أمر أن يكون فعل الأمر مبدوءاً به في اللفظ. وإنْ تأخر واشتغل بضمير الاسم المتقدم، قُدر فعل مثله في أول الكلام، نحو

стр. 694

قولك: اضرب زيداً، وزيداً اضربه. تريد: اضرب زيداً اضربه. والواجم: الحزين الساكت، يريد انه شغله حزنه بفراقها حتى بقي واجماً متحيراً، لا يمكنه أن يودعها لما قد اصابه. و (أم) في هذا الموضع فيها معنى الإضراب. كأنه قال: بل أنت للبين واجم. وقال جرير فيما لا ينون: (أقِلي اللومَ عاذلَ والعِتابا ... وقولي إنْ أصبتُ لقد أصابا) أراد: يا عاذلةُ فرخم. يقول: أقلّي لومي يا عاذلةُ، ودعيني وتأملي ما أفعله فإذا كنتُ مصيباً فصوّبيني، ولا تعذُلي على شيء ما عرفتِهِ ولا تبينتِه، حتى تَخْبُري فتقولي ما تقولينه على علم. وقال جرير: (متى كان الخيامُ بذي طلوح! ... سُقيتِ الغيثَ أيتها الخيامُو) طُلوح موضع في بلاد بني يربوع، والخيام: شبه البيوت تُعمل من الشجر وإنما كانوا يعملونها إذا ارتبعوا، فإذا انقضى ربيعهم، وعادت كل

стр. 695

قبيلة إلى دارها وموضعها تركوا الخيام كما هي، فإذا مرّ بمرتبعهم راكب قد رآهم فيه - وقد كان رأى فيهم من يهواه، فإذا اجتاز بالموضع الذي ارتبعوا فيه بعد رحيلهم، ورأى الخيام وآثارهم - تذكرهم وحنّ إلى لقائهم. فلهذا تُذكر الخيامُ في المواضع التي كان فيها الناس وارتحلوا عنها. وأخبرنا أبو بكر بن مِقْسَم قال: اخبرنا أبوالعباس ثعلب قال: قال لي يعقوب: قال لي ابن الكلبي: بيوت العرب ستة: قبة من آدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وأقنة من حجَر. وقوله: سُقيتِ الغيث: المعنى أنه دعا لها أن يُمطر الموضع الذي هي فيه حتى يخرج نباته، فإذا صار فيه نبت نزله الناس في وقت الربيع. والشاهد فيه إثبات الواو في آخره في الوقف. قال سيبويه: (وأما ناس كثير من بني تميم، فإنهم يبدلون مكان المدة النون فيما ينون وما لا ينون لمّا لم يريدوا الترنم، أبدلوا مكان المَدة نوناً ولفظوا بتمام البناء وما هو منه، كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد). قال العجاج: ما هاجَ أحزاناً وشجْواً قد شَجَنْ؟ (من طللٍ كالأتحميِّ أنهجَنْ)

стр. 696

(ما) استفهام يعني: أي شيء هاج عليّ حزني؟ والشجو: الحزن. يقال: شجاني يشجوني شجواً إذا أحزنني، والطلل: كل شخص من آثار الديار، و (من طلل) في صلة (هاج)، والأتحميّ: ضرب من البرود فيه سواد وحمرة، وأنهج: أخلق. (كالأتحميِّ) وصف للطلل، و (أنهج) يصلح أن يكون في موضع الحال بمعنى (مُنهِجاً). فإن قال قائل: الفعل الماضي عند سيبويه لا يكون حالاً، وأبو الحسن يجعله في موضع الحال؟ قيل له: إذا دخل الفعل الماضي (قد) صلح أن يكون للحال، لأن (قد) يكون للتوقع، فإذا قيل: قد كان كذا. . . فهو إخبار عن وقوع الشيء الذي كان يتوقع في الوقت الذي يليه الوقت الذي هو حال، وقد تحذف (قد) من الفعل وهي تراد. ويجوز أن يكون (أنهج) وصفاً للطلل، يريد أن الطلل أنهج كما ينهج الثوب. يقول: أي شيء هاج عليّ حزني حين نظرت إلى الطلل؟ وهو استفهام في معنى التعجب من نظره إلى هذا الطلل. وقال العجاج: (يا صاحِ ما هاجَ العيونَ الذُّرَّفنْ) من طللٍ أمسى تخالُ المُصْحَفنْ

стр. 697

رسومَه والمُذهَبَ المزخرَفنْ الذُّرَّف: جمع ذارفة، وهي التي يذرف دمعها يسيل، ولم يرد أن الطلل هاج العيون التي تبكي ويسيل دمعها، وإنما يريد أن الطلل هاج العيون التي كانت غير باكية فبكت، وإنما صارت ذُرفاً لهَيْج الطلل، فعبر عنها بما صارت إليه حالها. ومثله: والسبُّ تخريقُ الأديمِ الألخَنِ أراد أن السب تخريق الصحيح الذي إذا سُب يصير ألخَن. ومثله للعجاج: والشوقُ شاج للعيون الحُذَّلِ الحُذَّلِ: التي قد فسدت، وإنما شجاها وهي عيون صِحاح، فبكت فحَذلَت. و (المصحف) المفعول الأول، و (رسومته) المفعول الثاني، والمذهب: الجلد الذي عليه ذهب، أو اللوح أو ما أشبه ذلك، والمزخرف: المزين. شبه آثار الديار بمصحف وبجلد منقوش مذهب. حال الواو والياء في الوقف - روياً أو وصلاً قال سيبويه: (وزعم الخليل أن ياء (يقضي) وواو (يغزو) إذا كانت واحدة منهما حرفَ الروي لم تحذف، لأنها ليست بوصل

стр. 698

حينئذ، وهي حرف روي ، كما أن القاف في قوله - يريد قول رؤبة -: (وقاتمِ الأعماقِ خاوي المخترَقْ) حرف روي فكما لا تحذف هذه القاف، لا تحذف واحدة منهما. يريد أن الياء والواو، إنما يحذفان في الوقف - في أواخر الأبيات - إذا كانتا وصلاً، فإن كانتا روياً لم يجز حذفهما في الوقف، وجرتا مجرى الحروف الصحاح نحو القاف في (المخترق) وغير ذلك. والسبب في ثباتهما في مثل هذا - وأنه لا يجوز حذفهما - أنهما إذا كانتا روياً، فما قبلهما من الحروف مختلف، فإن أسقطتهما في الوقف اختلف أواخر البيت في القصيدة، فصار آخر كل بيت في القصيدة يخالف ما قبله وما بعده. ومن ذلك قول الشاعر: حلأها عن شربها من الطوي كلُّ غليظِ الرُّكْنِ مضبوحُ شَقِي لكنْ ربيعُ قد سقاها بِسَقي قوْلي لها حَرِ وإن عِشْتِ حَرِي

стр. 699

لو حذف الياء في هذا وأشباهه في الوقف، لصارت أواخر الأبيات مختلفة تخرج عن حد الشعر. والقاتم: هو الأغبر، أراد: ورب بلد قاتم الأعماق، والأعماق: جمع عمق وهو البعد، ويقال: بلد عميق ومتعيق أي بعيد، والخاوي: الخالي، والمخترق: الموضع الذي يُمَرّ فيه. يريد أن الطرق في هذا الموضع خالية، لأنها لا تُسلك. قال سيبويه: (وإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي) يريد أن الألف التي تبدل من التنوين في المنصوب، تثبت في الوقف في القوافي) (لم تكن التي هي لام أسوأ حالاً). يريد أن الألف التي هي من حروف الكلمة، لا يجوز حذفها في القوافي إذا وقفتَ، كقولك: مولى ويَخشى وملهى. . . وما أشبه ذلك، يقول: إذا كانوا لا يحذفون الألف - التي هي بدل من التنوين في المنصوب - لم يحذفوا الألف التي هي من نفس الكلمة، ثم قال: (ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: لم يعلم لنا الناس مصرعْ في الوقف (فتحذف الألف لأن هذا لا يكون في الكلام، فهو في

стр. 700

القوافي لا يكون). ثم مضى في كلامه حتى انتهى إلى أن أنشد لرؤبة: (داينْتُ أروَى والديونُ تقْضَى) فمَطلَتْ بعضاً وأدَتْ بعضا وقال بعده: (فكما لا تحذف ألف (بعضا) لا تحذف ألف (تقضى). الشاهد فيه أنه جعل الألف التي هي من الكلمة، بمنزلة الألف التي هي بدل من التنوين. وقال: فكما لا تحذف التي هي بدل من التنوين، كذلك لا تحذف التي هي الكلمة. وأروى: امرأة، وقوله: داينت أروى، يريد أنه أسلفها محبة ووفاء يوجبان عليها المكافأة له ومجازاته، فلم تجازه على جميع ما فعله، فمطلت بعضه وامتنعت من دفعه إليه، وهو يطالبها به، وأعطته بعض ما كان التمس منها. جواز تسكين الروي الموصول بمد قال سيبويه: (وأما الثالث: فأن يُجروا القوافي مجراها

стр. 701

لو كانت في الكلام ولم تكن قوافي شعر، جعلوه كالكلام حيث لم يترنموا وتركوا المَدة، لعلمهم أنها في أصل البناء) يريد في أصل بناء البيت، وأن وزنه لا يتم إلا بحرف المد. قال: (وسمعناهم يقولون: أقليّ عاذلَ والعتابْ ... . . . . . وقف على الباء ولم يتبعها ألفاً. وقال الأخطل: (دَعِ المغمَّرَ لا تسألْ بمصرعه ... واسألْ بمصقلةَ البكريِّ ما فَعَلْ) يمدح الأخطل مَصقلة بن هبيرة الشيباني. والمغمر: الضعيف الرأي الذي لم يجرب الأمور، وقيل: إنه عرّض في قوله: المغمَّر بالقعقاع بن شَوْر الذهلي، وقيل: إنه عرّض بمالك بن مسمع. وقوله: لا تسأل بمصرعه، أي لا تسأل عن مصرعه، واسأل عن خبر مصقلة وحاله، فإنه أهل لأن يُعنى بالمسألة عنه.

стр. 702

جمع (فَعْل) على (أفعال) على غير القياس قال سيبويه في باب الجمع المكسّر: (والقياس في (فَعْل) ما ذكرنا، وأما ما سوى ذلك فلا يُعلم إلا بالسمع، ثم تَطلُب النظائر كما أنك تطلب نظائر الأفعال هاهنا). يريد أن الجمع (فعْل) في القلة (أفعُل) وفي الكثرة (فعول وفِعال) وذكر غير ذلك مما جاء جمع (فعْل) عليه. فإن جاء له شيء خارج عن القياس حملْت على نظيره مما جاء خارجاً عن القياس. ثم قال: (فتجعل نظير الأزناد قول الشاعر) قال الأعشى: (إذا روَّحَ الراعي اللقاحَ مُغرِباً ... وراحتْ على آنافها غبَراتها) أهَنا لها أموالنا عند حقها ... وعزَّتْ بها أعراضُنا لا نفاتها جعل سيبويه نظير (الأزناد) في الخروج عن القياس: الآناف. والقياس فيهما: أزْند وآنف. ويروى: (على آفاقها غبراتها). والمغرِب: الذي يرعى متباعداً عن الحي. يريد أن المغرب يروح إلى الحي ولا يقيم بمكانه، لأنه يخشى على الإبل من شدة البرد لأنها مهازيل،

стр. 703

والمهازيل يخشى عليها أن يؤذيها البرد. والضمير في (آنافها) يعود إلى اللقاح. ومَن روى (آفاقها) أراد آفاق السماء، ولم يجر للسماء ذكر، لأنه معلوم انه يراد به ضمير السماء. ويروى (معجِّلاً) مكان (مغرِباً)، يراد به أنه يعجِّل رواحها. والغَبَرات: جمع غَبّرة، والضمير المضاف إليه (الغبرات) يراد به الأرض. يريد أنه راحت الإبل وعلى آنافها غبرات الأرض، وغنما جعل لها غبرات لأنها مجدبة لم تمطر بعد. ولو كانت مُطرت ما بان لها غبرة. مدح الأعشى بذلك قومه. يقول: إذا أجدب الناس، أهنّا لها: أي للسنة المجدبة أموالنا عند حقها، أي عندما يلزمنا من بذل الأموال، وإعطاء السائل، وقِرى الأضياف. وعزّت بها أعراضنا، أي عزت فيها، في هذه السنة المجدبة أعراضنا. يريد أنهم صانوا أعراضهم في مثل هذه السنة، أن يوصفوا بالبخل وبالتهاون بأمر الأضياف ورد السائل. وقوله: (لا نفاتها) أي لا يفوتنا صيانتها، يريد لا نسبق بذمِّنا قبل أن نَسبق نحن بالعطاء. قال سيبويه: (واعلم أنه قد يجيء في (فعْل) (أفعال) مكان (أفعُل)، قال الأعشى): فإنْ حميرُ أصلحَتْ أمرَها ... وملتْ تسابِيَ أولادِها (وُجِدتَ إذا اصطلحوا خيرَهم ... وزَندُك أثقبُ أزنادِها)

стр. 704

يمدح بهذا الشعر سلامة ذا فائش الحميري. والتسابي: أن يَسبي بعضُهم بعضاً. يقول: إذا اصطلحت حمير فيما بينهما وملت الحرب، فأنت خيرهم في السلم، وأعطاهم للمال. وذكر بعد هذين البيتين حاله وجلده وصبره إذا وقعت بينهم الحروب. وقوله: وزندك أثقب أزنادها: أي أنت أسرعهم عطاء، وأكثرهم نوالاً، وأقلهم مطلاً. ويقال: ثقب الزندُ: إذا خرجت ناره. جعل سرعته بمنزلة سرعة قدح الزند للنار. و (وُجِدْتَ) في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، والتاء قد قامت مقام المفعول الأول، و (خيرَهم) المفعول الثاني و (زندك) مبتدأ و (أثقب) خبره، والجملة في موضع نصب، وهي معطوفة على المفعول الثاني، كأنه قال: وُجدتَ خيرَهم، ووجدت زندك أثقب أزنادها، والضمير في (أزنادها) يعود إلى القبيلة، يريد بها حِمير قوم الممدوح. قال سيبويه: (وقد يجيء (خمسة كلاب) يريد به خمسةُ من الكلاب، كما تقول: هذا صوت كلاب، أي هذا من هذا الجنس، كما تقول:

стр. 705

هذا حبّ رمّان). يريد أنه بُيّن العدد القليل بالجمع الكثير فقال: هذا يراد به خمسة من هذا الجنس، لم يجيء به لبيان العدد، إنما أراد أن يذكر الجنس الذي منه العدد، ولم يقصد أن يبيّن العدد بجمع، وفائدة الكلام بإبانة العدد بجمع، وبإضافته إلى الجنس الذي منه المعدود، واحدة. وقوله: هذا صوت كِلاب يريد أنه صوت هذا الجنس. والفرق بين قولهم: خمسة أكلب، وخمسة كلاب، أنك إذا قلت: خمسة أكلب، فأكلب بيان للخمسة من أي جنس هي، وجئت بـ (أكلب) وأكلب هي الخمسة. وإذا قلت: خمسة كلاب، فكلاب ليست بتبيين للخمسة، وإنما (الكلاب) لفظ يعم جميع الجنس، وجميع الجنس أكثر من خمسة. قال:: وكما تقول هذا حَبُّ رمان. أراد أن الرمان اسم جنس، وأراد حب هذا الجنس. قال، فإضافة خمسة إلى كلاب بمنزلة إضافة حَبّ إلى رمان، قال الراجز: تقول يا ربّاه يا ربِّ هلِ إن كنتَ من هذا منجِّي أحبُلي إمّا بتطليقٍ وإما بأرْحَلي (ظرفُ عجوزٍ فيه ثنتا حنظلِ) حَكى هذا الشاعر عن امرأة أنها دعت على زوجها، وطلبت الراحة منه.
следующие страницы →