Полный текст (770 стр.). Показаны 736–770 · переход к 741.
стр. 736
وشأس هو أخو علقمة بن عَبَدة، ومدح بهذه القصيدة الحارث بن أبي شَمِر الغساني، وكان شأس في يديه أسيراً. والذَنوب: النصيب، والندى: الجود والسخاء.
أي اسْتحق شأس أن تتفضل عليه، كما عممت الأحياء بفضلك. فقال الحارث لما سمع: (فحق لشأس من نداك ذنوب): نعم وأذْنِبة.
وقوله: خبطت بنعمة: أصلها الطالب والمجتدي ومن أشبههما يخبط المواضع التي يسير فيها إلى من يرجوه ويأمل معروفه، ثم قيل لكل طالب: خابط ومختبط. ويجوز أن يكون من قولهم: خبطت الشجرة إذا جمعت أغصانها، ثم ضربتها ليسقط ورقها، فتعلفَه الإبلَ، ثم قيل لكل طالب: خابط. وهذا الوجه أحب إلي من الأول.
ومثله زهير:
وليس مانعَ ذا قربى ولا رَحِمٍ ... يوماً ولا مُعْدِماً من خابطٍ وَرَقا
وليس ثم خبط للورق، إنما يريد به أنه لا يمنع معروفه من التمسه. وقوله: قد خبطت بنعمة: أي خبطت لكل حي بنعمة، أي أنعمت عليهم، فكنت كمن خبط لهم الشجر.
في الحذف للتخفيف (عالأرض)
قال سيبويه في باب ما جاء شاذاً فخففوه على ألسنتهم: (ومن الشاذ قولهم في بني العنبر وبني الحارث: بَلْحارث وبَلْعنبر، وعَلْماءِ بنوفلان).
قال الفرزدق:
стр. 737
هلمَّ إلى الإسلامِ والدِّينِ عندنا ... فقد مات عن أرضِ العراق خَبالُها
(فما أصبحتْ عالأرضِ نفسُ فقيرةُ ... ولا غيرُها إلا سليمانُ مالها)
هذا البيت يقع في بعض النسخ وفي بعضها لا يقع.
والشاهد فيه حذف اللام من (على) بعد حذف الألف منه لالتقاء الساكنين، كما فعل في: (بني الحارث وبني العنبر). ورأيت هذا الموضع قد ضبط في الخط، وشددت اللام فكتب (علرض) عين بعدها لام مشددة. وهذا لا يشبه قولهم: علماء بنو فلان
وما تقدم ذكره، لأن تشديد اللام يوجب أنه: خفف الهمزة من (الأرض) وطرح حركتها على لام التعريف فصار (عللرض) بلامين متحركتين ثم أدغم اللام من (على) في اللام من الأرض، فليس في هذا الكلام لام محذوفة.
وإنما الشاهد يصحّ إذا أُنشد بتحقيق الهمزة (عالأرض) بلام ساكنة، وهي لام التعريف وبعدها همزة (الأرض).
стр. 738
وفي إنشاد الكتاب: (نفس بريئة)، وفي شعره: (فقيرة).
ويروى: (فما أصبحت في الأرض. . .) وليس في هذه الرواية شاهد.
يمدح الفرزدق بهذا الشعر سليمان بن عبد الملك، ويهجو الحجاج بعد موته. يقول: ذهب عن أرض العراق خبالها، يريد فسادها، لأن الحجاج مات فصلح أمرها. وقوله: (إلا سليمانُ مالها يريد: إنما حفظُ أموال الناس وصلاحُ أمرهم به، والمعنى واضح.
الإبدال للتخفيف
قال سيبويه في باب الإدغام في حروف طرف اللسان: (وقالوا: في مفتعِل - من صبرتُ - مصطبر، أرادوا التخفيف حين تقاربا).
يريد أنهم أبدلوا التاء الزائدة طاء لتكون أخف عليهم. لأن الطاء أخت الصاد في الإطباق، فهي إليها أقرب من التاء. ثم ذكر المواضع التي تبدل فيها التاء طاء، وذكر إبدالها مع الطاء، ثم قال: (وذلك قولك: مظطعن ومظطلم) كما قال زهير:
(هو الجوادُ الذي يعطيك نائله ... عفواً، ويُظلم أحياناً فيظطلمُ)
стр. 739
الشاهد في إبدال التاء طاء في فيظطلم.
يمدح بذلك هرم بن سنان المري، يقول: هو يعطي ماله عفواً بسهولة، لا يمُن به، ولا يمطل سائله، ولا يعطي نزرْاً. ويظلم أحياناً: يطلب منه في غير موضع طلب فيحتمل ذلك لمن يسأله، ولا يرد من سأله في جميع الأوقات التي مثلها يطلب فيه،
وفي الأوقات التي مثلها لا يطلب فيه.
من الثلاثي المزيد (فيعول) للاسم والصفة
قال سيبويه في الأبنية التي فيها زوائد من الثلاثي: (ويكون على (فيعول) في الاسم والصفة، فالاسم نحو قيصوم والحيزوم، والصفة نحو: عيثوم وقيّوم وديموم). قال علقمة بن عَبَدة.
إذا تزغم من حافاتها رُبَعُ ... حنتْ شغاميمُ من أوساطها كومُ
(يهدي بها أكلفُ الخدّينِ مختبَرُ ... من الجِمال كثيرُ اللحم عيثومُ)
وصف إبلاً، وحافاتها: جوانبها، والتزغم في هذا البيت: صوت معه غضب، والتزغم بزاي معجمة: غضب معه كلام، والرُّبَع: ولد الناقة، والشغاميم: الطوال الجسام الواحد شغوم، حنت: حن بعضها إلى بعض، الكوم: العظام الأسنمة جمع أكْوَم وكَوْماء.
يريد أنها إذا سمعت صوت الرُّبَع حنت. وقوله: يهدي بها أي يقدمها ويتقدمها
стр. 740
جمل أكلف الخدين، والأكلف: الذي تضرب حمرته إلى سواد، وقيل إنه مستحب، والمختبر: هو المجرَّب الذي عُرفت نجابته من الفحول وعرف ما عنده، وقيل: إن المختبر هو الكثير اللحم والوبر. وزعموا أن الخبير هو الوبر، وقال الشاعر:
حتى إذا ما طال من خبيرها
والعيثوم: الضخم العظيم الخَلْق، ويقال لأنثى الفيلة عيثوم.
(أفعَلان) صفة من الثلاثي
قال سيبويه في أبنية الثلاثي: (ويكون على (أفعَلان) وهو قليل، لا نعلمه جاء إلا (أنبَجان) وهو وصف، قالوا: عجين أنبجان وهو المختمِر، و (أرونان) وهو وصف. قال الجعدي).
(فظلَّ لنِسوة النعمان منا ... على سَفوانَ يومُ أره ناني)
فعدّينا حليلته وجئنا ... بما قد كان جمَّع من هِجانِ
سفوان موضع معروف، والأرونان: الشديد، والهِجان: كرام الإبل وخيارها. فعدينا حليلته: يريد عدينا عنها. يريد أنهم انصرفوا عن زوجة النعمان لم يأخذوها، وأخذوا إبله وماله.
وقد وقع في الكتاب: (يوم أرونانُ) بالرفع، وكذا يقع هذا البيت في الشواهد والقصيدة مجرورة. وأولها:
стр. 741
جلبنا الخيلَ من تثليثَ حتى ... أتين على أُوارةَ فالعَدانِ
ويُنشد البيت في القصيدة: (يوم أرونانيْ) وهو منسوب قد خففت ياء النسب منه، أراد (أرونانيُّ) فخفف. ومثله:
إني لِمَن أنكرني ابنُ اليَثرِبيْ
قتلتُ علباءَ وهندَ الجَمَليْ
أراد: اليثربيّ والجمليّ وينبغي ان يكتب بياء، لأنه منسوب وتزول عنه الشبهة.
(أفْعل ويفاعيل) من الثلاثي للاسم والصفة
قال سيبويه في الأبنية: (ويكون على (أفنعَل) في الاسم والصفة. فالاسم نحو: ألَنحَج وأبَنْبَم، والصفة نحو: ألَنْدَد). قال الطِرِمّاح:
كم دونَ إلفِكَ منِ نياطِ تنوفةٍ ... قذَفٍ تظلُّ بها الفرائضُ ترْعَدُ
فيها ابنُ بَجْدَتِها يكادُ يذيبه ... وقدُ النهار إذا استدار الصيخَدُ
(يوفي على جِذْم الجُذولِ كأنه ... خصْمُ أبرَّ على الخصوم ألَندَدُ)
التنوفة: الأرض الواسعة وجمعها تنائف، والنياط: البُعد،
стр. 742
والقَذَف: البعيدة، والفرائص: جمع فريصة وهي لحمة في مرجع الكتف. وأراد أن فرائص من يسلك هذه التنوفة ترعد من الخوف فيها. وقوله: فيها ابن بجدتها، يريد: في هذه
التنوفة ابن بجدتها وزعموا أنه يعني بابن بجدتها الحرباء، ويقال للرجل المقيم بالبلد لم يبرح منه قط: ابن بجدته، ويقال للعالم بالأرض ابن بجدتها.
والصَّيْخد: الحر الشديد، ويقال: شمس صيخد إذا كانت حارة. يعني أن الحر يكاد يذيب الحرباء، واستدار: يريد علت الشمس، فصار حرها كأنه مستدير على الرؤوس، ويوفي: يشرف، والجِذم: أصل الشجرة، والجذول: جمع جِذْل وهو أيضاً الأصل من أصول الشجرة. أبرَّ على الخصوم: غلبهم، والألندد: الشديد الخصومة.
شبه الحرباء - حين ارتفع على أصل الشجرة، ومد رأسه نحو الشمس - بخصم قد غلب خصومه، فرأسه مرتفع لم يطأطئه، لأنه لم يُغلب فيطأطئ رأسه.
قال سيبويه في الأبنية: (ويكون على (يَفاعيل): في الاسم نحو: يرابيع ويعاقيب ويعاسيب، والصفة نحو: اليحاميم واليخاضير، وصفوا باليحموم كما وصفوا باليخضور).
قال غيْلان بن حُريث:
كأنهمْ للناظرِ المُتيرِ
(عَيْدانُ شطيْ دجلةَ اليَخضورِ)
стр. 743
وصف ظعُناً تحملت وسارت، وشبه الهوادج على الإبل بالعَيْدان من النخل، الذي قد طال وفات المتناول، كأنهم - يعني القوم الذين ساروا - للإنسان الذي ينظر إليهم، والمُتير: المُتئر بالهمز وبغير الهمز: هوالذي يديم النظر. يقال: أتأر وأتار.
و (عيدان) مرفوع خبر (كأن) وشطا دجلة: جانباه، و (اليخضور) مجرور، وظاهره أنه نعت لـ (عيدان) و (عيدان) مرفوع، فكان ينبغي أن يقول: (اليخضورُ) بالرفع، ووجه الجر فيه عندي أنه نعت لشيء محذوف، والتقدير فيه أنه أراد: (عيدان نخل شطي دجلة اليخضور) فحذف (النخل) وأقام المضاف إليه
مقامه، ونعَت على لفظ ذلك المحذوف.
فإن قال قائل: فالعَيْدان هو النخل، فكيف أضاف العيدان إلى (نخل)؟ قيل له: ليس كل نخل عيداناً، وإنما العيدان بعضه، فهو في تقدير قائل قال: كأنهم أوساط النخل أو صغار النخل أو ما أشبه ذلك.
وقال العجاج:
كأنّ ريحَ جوفه المَزْبورِ
بالخُشْب تحت الهَدَب اليَخضورِ
مَثواةُ عطارِين بالعُطورِ
وصف كِناس الثور الوحشي. يعني كأن ريح جوف الكِناس،
стр. 744
والمزبور: المَطويّ بالخشب، و (بالخُشْب) في صلة (المزبور)، يريد المزبور بالخشب، وفي الشعر تضمين. والهدب: ورق الشجر، واليخضور: الأخضر. يريد أنه طُوي أسفلُ الكِناس بالخشب الذي ليس فيه ورق، والورق الأخضر في أعلى الكناس.
والمثواة والمثوى: موضع الإقامة، والعطور: جمع عطر. يصف طِيب ريح الكناس الذي هوبيت الثور الوحشي. و (مثواة) رفع خبر كأنّ.
في مسألة (لاثٍ وشاكٍ) وأمثالهما
قال سيبويه: (وأما الخليل فكان يزعم أن قوله: (جاءٍ وشاءٍ) ونحوهما اللام فيهن مقلوبة. وقال: ألزَموا ذلك هذا واطرد فيه، إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة).
يريد أن الخليل يقول: كل ما كان من الأسماء معتل العين، ولامه همزة، وبنيتَ منه (فاعلاً) فإنك تقدم اللام إلى موضع العين، وتجعل العين في موضع اللام.
واحتج الخليل بأن قال: قد رأيناهم يَكرهون إعلال العين وقبلها همزة، في بعض الصفات التي لام الفعل منها حرف صحيح، فيقولون - في (لائث) وهو من لاث
يلوث، وفي (شائك) وهو من الشوكة، وفعله شاك يَشاك -: (لاثٍ وشاكٍ).
فإذا كانوا قد ثقل عليهم في بعض المواضع أن يُعلوا العين مع صحة اللام حتى أخروها، ألزموا ما كانت عين الفعل فيه حرف علة ولامه همزة، تقديم الهمزة في موضع العين، حتى يقل إعلامهم، لأنهم لو أعلوا العين لهمزوها، وإذا همزوها اجتمع
стр. 745
في الكلمة همزتان: همزة العين، والهمزة التي هي لام، ولزم أن تقلب الهمزة الثانية ياء، لئلا يجتمع همزتان في كلمة، فكان عنده أن تقديم اللام - في هذا ونحوه - أسهل من صنعة النحويين:
قال العجاج - ووصف امرأة:
كأنما عظامُها بَرْدِيُّ
سقاه رَيّاً حائرُ رَويُّ
بالمأدِ حتى هو يمؤوديُّ
في أَيكهِ فلا هو الضحيُّ
ولا يلوحُ نبته الشتيُّ
(لاثٍ به الأشاءُ والعُبْريُّ)
عَنى بعظامها ساقيها وذراعيها، وأراد أنها تشبه أصول البَرْديّ في بياضه ونعمته، والحائر: المكان الذي يجتمع فيه الماء، ويتحير فيه فلا يخرج منه، والمأد: اهتزاز النبت.
يريد أن البَرديّ يهتز من نعمته ورِيّه، واليمؤودي مثل المأد، والأيكة: جماعة الشجر المجتمعة بمكان، والضحي: البارز للشمس و (هو) ضمير يعود إلى (البَردي). يقول: البردي نابت في حائر، حوله نخل وشجر يُكنه، فليس يبرز للشمس. ولا يلوح نبت هذا الحائر أي لا يظهر في الشتاء للشمس، لأن الشمس لا تعلوفي أوسط السماء حتى تقع على ما في وسط الحائر.
والأشاء: صغار النخل، والعُبري: السِّدر البري، واللائث واللاثي: الذي يحيط به ويدور حوله.
مجيء (فعلاء) اسماً
قال سيبويه قال زبّان بن سيار الفزاري:
(رحلتُ إليكَ من جَنفاَء حتى ... أنختُ فِناَء بيتكَ بالمَطالي)
стр. 746
فإنّ قلائصاً طَوَّحْنَ شهراً ... ضلالاً ما رحلنَ إلى ضلالِ
كان زبّان بن سيار أنعمَ على حنظلة بن الطفيل بن مالك، ثم رحل زبان إليه يستثيبه. والمطالي: جمع مَطلاء وهي أرض سهلة. يريد أنه رحل إليه، وأناخ بفناء بيته ليُثيبه. و (إن قلائصاً طوحن شهراً ضلالاً) يعني أنها سارت شهراً حتى وصلت إلى الموضع الذي قصدته. وطوحن: ذهبن وبعُدن في الأرض، والتطويح: بُعد الذهاب.
يقول: إن إبلاً طوحت شهراً ضلالاً، يعني أنها بعد سيرها، ووصولها لم يحظ بشيء مما أرادته - فسيرها كان ضلالاً. يقول: إن قلائص سارت شهراً في ضلال ما رحلتا ضلالاً إلى الذي سارت إليه، لأنه كافأه وأثابه، لم تكن قلائصه رحلت ضلالاً، مثلَ قلائص رجل آخر سار شهراً إلى موضع أراده فلم ينل منه شيئاً.
إدغام (التاء في الضاد) (واللام في الشين)
قال سيبويه في الإدغام، قال القنانيّ:
عَمْرُكَ ما زيدُ بنامَ صاحبُهْ
ولا مُخالطُ الليان جانبهْ
يَرعى النجومَ مشرفاً مناكِبُهْ
إذا القمير غابَ عنه حاجبُهْ
(ثار، فضجت ضّجّةً ركائبُهْ)
стр. 747
يقول: ما زيد برجل نام صاحبه، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. يريد إن الذي يصاحبه في السفر لا ينام، لأنه قليل النوم متيقظ جَلد لا يكسره السفر، ولا ترخيه سُرى الليل، ولا يلين جانبه من تعب ولا عمل، يرعى النجوم لئلا يضل في سيره.
والمشرف: العالي المرتفع، وحاجب قمر: جانبه، والركائب: جمع رِكاب، والركاب: جماعة الإبل التي تركب في الأسفار. يعني أن القمر لما غاب ثار هو، فشد الرحال على الإبل، فضجت: رغت وصاحت.
والشاهد فيه إدغام التاء في الضاد.
قال سيبويه في الإدغام، قال طريف بن ربيعة العنبري:
(تقولُ إذا استهلكْتُ شيئاً للذّةٍ ... فكيْهَةُ هشيءُ بكفيكَ لائقُ)
فقلت لها: إن الملامةَ نفعُها ... قليلُ، وليستْ تستطاعُ الخلائقُ
стр. 748
الشاهد فيه على إدغام اللام من (هل) في الشين من (شيء).
وفكيهة امرأته، واللائق: اللازم اللازق، والخلائق: الطبائع. يريد أن امرأته لامته على إنفاق ماله في لذاته وقالت: هل شيء من المال ثابت في كفيك. وقوله: (فقلت لها إن الملامة نفعها قليل) يعني أن ملامتها له لا ينتفع بها، لأنه لا يقبل منها ما تقول، ولا يترك إنفاقَ ماله في لذاته.
وقوله: وليست تستطاع الخلائق، يريد: وليس يمكن تغيير الخلائق، أي تغيير الطباع.
يقول: إنه من كان من طبعه الجود والإنفاق، لا يمكن تغيير خلقه. والمعنى: ليس يستطاع تغيير الخلائق، حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
تصحيح عين (تفعِلة) اسماً
قال سيبويه: (وكذلك (تفعِلة) منهما) يريد من بنات الواو والياء - يُتَمّ - يعني أنه لا يُعل، ليُفَرّق بين هذا وبين (يَفعِل فعْلا) (ويذلك على أن هذا يجري مجرى ما أوله الهمزة مما ذكرنا قول العرب من: دار يدور تدْوِرَة).
стр. 749
يريد أن ما يبنى اسماً وفي أوله زائدة من زوائد الفعل وعينه معتلة، تصحح عينه ولا تعل، ليفرَّق بين هذا البناء اسماً وبينه فعلاً. وذكر من هذا النوع (تدْوِرَة) وهي (تفعِلة) من: دار يدور، وصححت فيها العين لأجل أنها اسم. قال ابن مقبل:
ليتَ اللياليْ يا كبَيشةُ لم تكنْ ... إلا كليْلتِنا بحَزْمِ طِحالِ
في ليلةٍ جَرَتِ النحوسُ بغيرِها ... يبكي على أمثالِها أمثالي
(بِتنا بتدْوِرَةٍ يضيء وجوهَنا ... دَسَمُ السَّليطِ على فتيلِ ذُبالِ)
كبيشة امرأته، وطِحال: أكمة بعينها، وحزمها: ما غلظ من الأرض حولها، في ليلة جرت النحوس بغيرها: أي لم يكن فيها نحس، والتدورة: قطعة من الرمل تستدير، والذبال: الفتل، الواحدة ذُبالة وهي الفتيلة. ودَسَمُ السَّليطِ: أراد به دهن السليط، وهودهن السِّمسِم، وبعضهم يقول: هوالزيت.
يريد أنهم أشعلوا في تلك الليلة مصابيحهم بدهن السمسم، يريد أنه بات هو وكبيشة في الموضع، على الوصف الذي ذكر. ويروى: (بدَيِّرة) مكان تدورة.
стр. 750
صيغة (إفعَوْل) للاسم والصفة
قال سيبويه في الأبنية: (ويكون على إفعَوْل). وذكر ما جاء منه اسماً، ثم ذكر الإزموْل في الصفة وقال: (إنما يريدون الذي يَزمُل).
قال ابن مقبل:
ولو تألفُ مَوْشِيّاً أكارعُه ... من فدْرِ سَوْطى بأدنى دَلها ألفا
(عَوْداً أحَمَّ القرا إزْمَوْلَةً وقلاً ... يأتي تراثَ أبيه يتبعُ القذُفا)
وصف امرأة ثم قال: ولو تألفُ - وأراد تتألف - هذه المرأة وعْلاً موشياً أكارعه، والموشي: الذي في قوائمه خطوط شِبه الوشي في الثوب، والفدْر: جمع فدور، والفادر والفدور واحد وهو الوعل المسنّ، وسَوطى: موضع بعينه، والدَلْ: الشكل والظرف وحسن الزِيّ وعذوبة الحديث.
يقول: لو أرادت أن يدنو إليها الوعل الذي مسكنه في رؤوس الجبال، لدنا منها لما يدعوه إليها من حسنها وملاحتها، وهذا على طريق المبالغة. وهو كقول النابغة:
стр. 751
بِتكلمٍ لو تستطيعُ حِوارَه ... لدَنتْ له أرْوَى الجبالِ الصخدِ
ثم وصف الوعل فقال: عَوْداً أحم القرا. والعَوْد: الكبير المسن، والأحم الأسود، والقرا: الظهر، والإزْمَوْلَة: الذي يَزْمُل: يمشي في شِق من بغيه ونشاطه، وقيل الإزمولة: الضخم، الوقل: الذي يتوقل في الجبل يصعد فيه. وقوله: يبغي تراث أبيه: يريد أنه يسكن الجبال الذي كان أبوه يسكنها، والتراث: الميراث، والقذف: نواحي رأس الجبل، وهو الموضع الذي إن زلّ عنه هوى في الأرض.
في قلب الواو همزة
قال سيبويه فيما اعتلت فاؤه: (ولكنّ ناساً من العرب يُجرون الواو - إذا كانت مكسورة - مُجرى المضمومة، فيهمزون الواو المكسورة إذا كانت أولاً. فمن ذلك قولهم: إسادة وإعاء) في وسادة ووعاء. قال ابن مقبل:
(إلا الإفادةَ فاستولتْ رَكائِبَنا ... عند الجبابيرِ بالبأساءِ والنعَمِ)
стр. 752
الشاهد فيه أنه قلب الواو في (الوفادة) همزة، وهي من: وفد يفد.
والوفادة: هي الوفود إلى الملوك والجبابرة، والجبابير: الملوك، والبأساء: الشدة، والركائب: جمع ركاب. يريد انهم إذا حضر وفد بني عامر عند الملوك استولت عليهم، وإن كانت للملوك نِعم كانت عليهم، فإن نزلت بالملوك شدة قاموا بها.
وفي شعره:
أما الوفادةُ فاستولتْ رَكائِبَنا ... عند الجبابيرِ بالبأساءِ والنعَمِ
أما العُرامُ فمن يذهبْ يُعارِمُنا ... يَعْضَضْ بإبهامِه من واجمِ الندمِ
العُرام: الخصومة والقتال، والواجم: الساكت على غم وحزن، وأراد: من وَجوم الندم، وجعل اسم الفاعل في موضع المصدر، ويجوز أن تقدر الكلام، لا تجعل معه اسم الفاعل في موضع المصدر، ويكون التقدير: يعضض بإبهامه من جريرة واجم الندم.
في الأبنية (فعُلان)
قال سيبويه في الأبنية: ويكون على (فعُلان) وهو قليل، قالوا: السَّبُعان، وهو اسم المكان. قال ابن مقبل):
(ألا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعان ... أملَّ عليها بالبِلى المَلوانِ)
الملوان: الليل والنهار. يريد أن الليل والنهار أكثرا عليها من أسباب البلى والدروس، فكأنهما أملاها من كثرة ما أصاباها به من ذلك. وهو مأخوذ من: أمللتَ الرجلَ إذا أضجرته بحديثك أو بغيره مما يكره كثرته وطوله، يعني أملَ عليها بأسباب البلى.
стр. 753
في إبدال الواو تاءً
قال سيبويه فيما اعتلت فاؤه: (وقد دخلت على المفتوح كما دخلت الهمزة عليه، وذلك قولهم (تيقور) وزعم الخليل أنها من الوقار).
يريد أن التاء دخلت على ما أوله ولو مفتوحة فجُعلت بدلاً منها، كما أبدلت التاء من الواو المضمومة في: تكلان وتجاه وتخَمة. قال العجاج:
(فإنْ يكنْ أمسى البلى تيْقوري)
والمرءُ قد يصيرُ للتصييرِ
مقرِراً بغيرِ لا تقريرِ
يقول: إن كان بِلى جسمي، وضعفُ قوتي، قد صيراني وقوراً قليل الحركة. يريد أنه صار وقوراً لكبره وبلاه وضعفه. وفي (يكن) ضمير الأمر والشأن، و (البلى) اسم (أمسى) و (تيْقوري) خبر (أمسى)، والتصيير: ما يصير إليه الإنسان من حال بعد حال.
يريد أن الإنسان يُنقل من حال إلى حال، لا يدوم له شبابه وقوته ونشاطه وقوله: مقرَّراً، يقول: تقرر على حال يجعل عليها، ثم لا يترك عليها حتى يُنقل إلى حال أخرى. وجواب (إن يكن) يأتي بعد هذه الأبيات، ولم أذكره لأني كرهت الإطالة.
стр. 754
تثقيل (فعُل) مما عينه واو - ضرورة
قال سيبويه في التصريف: (فأما (فعُل) فإن الواوفيه تسكن لاجتماع الضمتين والواو، فجعلوا الإسكان فيها نظيراً للهمزة في الواو في (أدْؤُر) وذلك قولهم: عَوان وعُوْن، ونَوار ونوْر).
يريد أنهم أسكنوا ما كان على (فعُل) مما عينه واو، وجعلوا التخفيف بالإسكان كهمزهم لواو (أدْؤُر وأنؤُر) وحملوا (عُوْن ونوْر) في التخفيف على تخفيفهم في الصحيح، مثل قولهم: رُسْل في رُسُل، وطُنب في طُنب، وعدلوا إلى التخفيف بالإسكان، كما عدلوا إلى التماس التخفيف بقلبهم الواو التي تقع في (أفعُل) عيناً همزةً.
ثم مضى سيبويه في كلامه حتى انتهى إلى قوله: (ويجوز تثقيله في الشعر) يعني تثقيل (فعُل) مما عينه واو.
قال عدي بن زيد:
قد حان لو صحوتَ أن تقصِرُ ... وقد أتى لما عَهِدْتَ عُصُرْ
(عن مُبْرِقاتٍ بالبُرِين وتبدو ... بالأكُفِّ اللامعاتِ سُوُرْ)
стр. 755
الشاهد فيه تحريك الواومن (سُوُر) بالضم، وهوجمع سِوار.
تصحو: تفيق من طلبك النساء واللهومعهن، وقوله: (عن مُبْرِقات) في صلة (تقصر). يريد: قد حان أن تقصر عن طَلَبة نساءٍ مبرقات بالبُرين، والعصر: الدهر.
يقول: قد أتى لما عهدت من أفعالك في شبابك عُصُر، يريد: قد مضى دهر بعد شبابك، فقد حان أن تنصرف عما كنت تفعله. والبُرين: الخلاخيل، وهي شبيهة بالحَلَق التي تجعل في أنوف الإبل، وتكون من صُفْر. والمبرقات: جمع مُبْرقة، وهي التي تُظهر حَلْيَها وتلوح به حتى ينظر إليه الرجال فيميلوا إليها.
وقوله: وتبدو بالأكُفِّ اللامعات، يريد بأذرع الأكف اللامعات، لأن السوار إنما يكون في الذراع لا يكون في الكف، وسُوُر: جمع سِوار مثل حمار وحُمر ويقال سُوار بالضم. وقد جاء إسوار في هذا المعنى. والمعنى أنهن يُظهرن حُليَّهن ليراها الرجال.
وزن (فَيْعل) خاص بالمعتل (سيِّد)
قال سيبويه: (وكان الخليل يقول: سَيِّد: فيْعِل وإن لم يكن (فيْعِل) في غير المعتل، لأنهم قد يختصون المعتل بالبناء لا يختصون به غيره) ثم ذكر (كَيَّنونة) وأنها (فيْعَلولة) وليس له نظير في الصحيح، وكذلك قضاة وزنها فعَلَة، وليس يُجمع (فاعل) إذا كان صحيحاً على (فعَلَة).
стр. 756
وحكى عن بعض النحويين أنها (فيْعَل) مفتوح العين، ولكنهم غيروا الحركة، وقال: (قول الخليل أعجب إليّ، لأنه قد جاء في المعتل بناء لم يجئ في غيره، ولأنهم قد قالوا: هَيَّبان وتيّحان فلم يكسروا) يعني أنه لو كان الأصل عندهم الفتح في (فيْعِل) وعدلوا به عن الفتح إلى الكسر لفعلوا مثل هذا في: هَيَّبان وتيّحان، لأن
صدر هذا وأمثاله: هيَّب وتيَّح مثل فيْعَل، فلو كان الأصل في (سيِّد) وأشباهه (فيْعَل) ثم كُسر، لكسر هَيَّبان وتيّحان.
ثم حكى أن بعض العرب فتح قول رؤبة:
(ما بالُ عَيْني كالشعيب العَيَّنِ)
وبعضُ أغراضِ الشجون الشّجنِ
دارُ كرَقمِ الكاتبِ المُرَقنِ
الشاهد فيه أنه فتح الياء من (العيَّن)، فلو كان هذا البناء أصله،
стр. 757
وعدلوه عن الفتح إلى الكسر لم يجز فتح هذا.
والشَّعيب: المَزادة تعمل من أديمين، والعيَّن: التي قد أخلق جلدها ورقّ، فهولا يمسك الماء. يريد أن عينه يجري منها الدمع كما يجري من هذه المزادة الخَلَق، التي قد تعينت، والشجون: جمع شَجَن وهو الحاجة. والشُّجن: جمع شاجن وهو مبالغة في الشجون، كأنهم قالوا: شَجَنُ شاجن أي مُهمّ، كما تقول: شُغُل شاغل، ثم جمعوا الشَّجَن على شُجون، والشاجن على الشُّجَّن كما تقول: أشغال شواغل.
والأغراض: جمع غرض، وهو ما يقصده الإنسان ويريد فعله، و (بعضُ) رفع بالابتداء و (دار) خبره، كأنه قال: وبعض أغراضي سؤال دار أو مخاطبة دار أو ما أشبه ذلك، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ورَقم الكاتب: خطه وما يستدير منه، والمرقن: الذي يحلق حلقاً. شبه آثار الدار بكتابة كاتب يخط، ويدوّر نحو الميم والواو والهاء.
(اليمي) من حروف (اليوم) لنعته بالشدة
قال سيبويه في التصريف، قال أبو الأخزر الحِمّني:
(مَروانُ مَروانُ أخو اليوم اليَمي)
كان متى يعطِفْ عَلوقاً ترْأمِ
стр. 758
رِئمانَ أُمٍّ لبةِ التأمّمِ
الشاهد فيه على أنه قلب (اليمي) من (اليوم)، وأراد باليمي الشديد، وأخذه من لفظ اليوم، كما تقول: شغل شاغل، وداهية دهياء، يشتقون من حروف الكلمة لفظاً يجعلونه صفة لشدة الشيء المذكور أونباهتِه.
يمدح بهذا مروان بن محمد، والعَلوق: التي إذا عُطِفت على ولد غيرها، شمّته بأنفها ولم تدرّ عليه، فإن عطفتْ عليه فدرّت قيل: رئمت تَرأم، فأراد أنه تنقاد له الأمور الصعبة التي لا تنقاد لغيره، ولا يظن أنها تنقاد لأحد، كما أنّ العَلوق لا يُرجى عطفها على ولد. واللبَّة: المرأة المحبة لولدها التي لا تفارقه. يقول: إنه يسهل الأمور، وينقلها إلى ضد ما كانت عليه.
جَمَع (عُوّار) على (عواور) فحذف ولم يقلب
قال سيبويه في التصريف، قال جَندّل الطهَويّ:
غرَّكِ أن تقاربتْ أباعري
وأنْ رأيتِ الدهرَ ذا الدوائرِ
حنى عظامي وأراهُ ثاغري
(وكحَّلَ العينينِ بالعواوِرِ)
وفي شعره:
وكاحلاً عيني بالعوارِ
стр. 759
الشاهد فيه أنه حذف الياء من (العواوير) ولم يقلب الواو - التي بعد الألف - همزة كما تقلب في (أوائل) لأن الياء المحذوفة في تقدير ما هو ملفوظ به.
خاطب جندل امرأة فقال لها: غرّك - حتى اجترأت على مخالفتي - أني قد كبرت، وتقاربت أباعري. يريد أنه ترك السفر والرحلة إلى الملوك، فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضاً وثاغري: كاسر أسناني. والعواوير: جمع عُوّار وهو وجع
العين. يريد أن مرّ الزمان أفسد بصره، وحتى عظامه، وقصّر خطوه.
إجراء ما عينه ولامه ياءان - مجرى المضاعف
من الصحيح
قال سيبويه: (وقد قال بعض العرب: حيّوا وعيّوا لما رأوْها في الواحد والاثنين والمؤنث إذا قالوا: حيَّت المرأة بمنزلة المضاعف).
وأراد سيبويه أن من العرب من يُجرى ما عينه ولامه ياءان، مُجرى المضاعف من الصحيح نقول: حَيَّ الرجل كما تقول: قد عضّ، وحيّوا كما تقول: عضّوا وحيّا بمنزلة عضّا. وقال عَبيد:
(عيّوا بأمرِهِمِ كما ... عيَّت ببيضتها الحمامهْ)
وضعَتْ لها عودَيْن من ... ضَعَةٍ وعوداً من ثمامَهْ
стр. 760
يريد أنهم لم يتوجهوا للخلاص مما وقعوا فيه. يقول عبيد هذا لقومه بني أسد، ويسأل بعض الملوك في أمرهم حتى يصفح عنهم وينعم عليهم. وإنما جعلهم كالحمامة لأن فيها خُرْقا، أي هي قليلة الحيلة. ويقال في الأمثال: (هو أخرق من حمامة) وذلك أنها تبيض في شر المواضع وأخوفها على البيض، فإن اشتدت الريح وتحركت الشجر سقط بيضها. والضعة: ضرب من الشجر، والثمام أيضاً شجر. يريد أنها جمعت عيداناً من هذه الشجر، وجعلتها عشاً وباضت فوقها، ولم تمكن العش.
ويروى:
بَرِمتْ بنو أسد كما ... برمت ببيضتها اليَمامَهْ
ولا شاهد فيه على هذا الوجه.
ندرة الأبنية على (فعَلاء)
قال سيبويه في الأبنية وقال الشاعر:
كأنّ حوافرَ النحّام لما ... ترَوَّحَ صُحبتي أُصلاً مَحارُ
(على قرَماء عاليهِ شَواهُ ... كأنّ بياضَ غرَّتِهِ خِمارُ)
стр. 761
النحام: اسم فرسه - وكان النحام نفق - وتروح صحبتي: من الرواح وهو سير العشيّ، والمحار: الصدف، الواحدة محارة. شبه حوافره بالمحار لملاستها. وقوله: على قرَماء، يجوز أن يريد: لما تروح صحبتي من قرماء، وجعل (على) مكان (من). ويجوز أن يريد: كأن حوافر النحام محار على قرماء.
وقوله: عاليه شواه - والشوَى: القوائم - يريد أنه انتفخ بطنه وارتفعت قوائمه فصارت عالية. و (شواه) مبتدأ و (عاليه) خبره، والضمير يعود إليه. ويروى: (عاليةُ شواه).
ويؤنث الشوى، ويجعلها جمع شواة. ورأيت بعض من يفسر الشعر ذكر غير هذا، وفسر الشعر على أن الفرس حي، وقال: قوله (عاليهِ شواه) أراد أنه مشمر ليس به قِصر.
في قلب الواو ياء
قال سيبويه: (وقال الشاعر فيما قلبت الواو فيه ياء من غير الجمع) يريد به قلب لام الفعل - إذا كانت واواً - إلى الياء، في نحو: مغزو ومدعو، يجوز في جميع هذا الباب أن تقلب واوه ياء، فيقال: مغزي ومدعي. قال عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
стр. 762
(وقد علمتْ عرسي مليكةُ أنني ... أنا الليثُ مَعدِيّا عليّ وعاديا)
الشاهد في قوله: (معدياً) وهو من: عدا يعدو، أراد معدُوّا.
(وعرسه: زوجته). وقوله: معدواً عليّ: يريد أن من عدا عليه فهو بمنزلة من عدا
على الأسد فهو يهلك من قصده، وإذا قصد هو شيئا أهلكه.
إجراء (حَيوا) مجرى (خشوا)
قال سيبويه في المعتل العين واللام، قال مودود العنبري:
(وكنا حسبْناهُمْ فوارسَ كَهْمَسٍ ... حيُوا بعد ما ماتوا الدهرِ أعْصُرا)
الشاهد في قوله (حَيُوا) وأنهم أجروها مجرى (خَشوا) ولم يُدغموا العين في اللام. وكهمس هذا هو كهمس بن طلق الصَّريمي، وكان في جملة الخوارج مع بلال بن مرداس وكانت الخوارج قد أوقعت بأسلم بن زرعة الكلابي،
стр. 763
وهم في أربعين رجلاً وهو في ألفي رجل، فقتلت قطعة من أصحابه وانهزم إلى البصرة.
قال مودود هذا الشعر في قوم من بني تميم، فيهم شدة، كانت لهم وقعة بسجستان فشبههم في شدتهم بالخوارج الذين كان فيهم كهمس، عاشوا بعدما ماتوا بسنين.
التخفيف بحذف اللام لامتناع الإدغام
قال سيبويه في الإدغام، قال الفرزدق:
(فما سُبق القيسيُّ من ضَعف قوةٍ ... ولكنْ طفَتْ عَلماءٍ غرْلَةُ قنْبرِ)
стр. 764
كان قنبر سابَقَ رجلاً في السير في السفن، فسبقه القيسي فدخل البصرة، ثم إن الفرزدق أراد أن يخرج من البصرة إلى الحجاج في السفن، فركب في سفينة مع الركاب، وتفرد قنبر في سفينة خفيفة، فطوى الفرزدق وسبقه إلى واسط، فقال الفرزدق هذا البيت. والبيت يدل على أن القيسي كان قاصداً إلى واسط. وقوله: (طفَتْ عَلماء) يريد أن قنبراً بصير بالركوب في السفن، يريد أنه ليس بعربي نشأ في البادية، إنما نشأ مع الملاحين وكان يسبح قبل أن يُختن، فلذلك قال: طفَتْ عَلماءٍ قُلفَة قنْبر.
وفي شعره: (لكنْ طفت في الماء) وليس في هذه الرواية شاهد.
(أُفعول) في الاسم والصفة
قال سيبويه في الأبنية، قال أبو السَّكْب المازني:
(إني أرِقْتُ على المِطلي وأشأزني ... برقُ يضيءُ أمامَ البيت أُسكوبُ)
المِطلي موضع بعينه، والواحد من المطالي: مِطلاء، ويجوز أن يكون قَصَر المِطلاء. وأشأزني: أقلقني، والأُسكوبُ الذي إذا برق امتد إلى جهة الأرض.
стр. 765
قوله (مؤرنَب) على الأصل - والوجه (مُرنَب)
قال سيبويه قالت ليلى الأخليلية:
فلما أحسّا رِزّها وتضوّعا ... وآبتهُما من ذلك المتأوَّبِ
(تدلتْ إلى حُصِّ الرؤوس كأنها ... كُراتُ غلامٍ من كساءٍ مؤرنَبِ)
وصف قطاة وفراخها، والرِز: الصوت: والتضوع: التحرك، وآبتها: رجعت إليها، إلى الفرخين من الموضع الذي شربت منه الماء، والمتأوَّب: مصدر تأوبت، وليس بمصدر آبت، ولو أتى بمصدر آبت لقال: وآبتها من ذلك المآب، ولكنها أتت بمصدر في معنى المصدر من الفعل المتقدم وهذا كقوله : (وتبتل إليه تبتيلا).
تريد أن الفرخين تحركا لما سمعا صوت جناحيها، والحُص: التي لا ريش عليها. وشبهت الفراخ بكرات، وهي جمع كرة معمولة من كساء مشبه بجلد الأرنب.
قوله (يحامم) دون إشباع - ضرورة
قال سيبويه في الإدغام قال أبو الأسود الدؤلي:
وكنتَ متى لا ترْعَ سرَّكَ تنتشِرْ ... فوارعُه من مخطئٍ ومصيبِ
стр. 766
(فما كلُّ نصحٍ بمؤتيك نصحَه ... وما كلُّ مؤتٍ نصحَه بلبيبِ)
فوارعه: أعاليه. يقول: إن لم تحفظ أنت سرك، وألقيته إلى من لا يحفظه، انتشر وأدى إلى ضررك، فاختر لسرك رجلاً يجمع العقل والنصح لك.
قال سيبويه في الإدغام قال صقر بن حكيم بن مُعَيَّة ويروى لغَيْلان بن حُريث:
لم يبق منها غيرُ نؤْيٍ طاسمِ
(وغيرُ سُفعٍ مُثلٍ يَحلمِمِ)
وغيرُ ثاو في الدِيارِ قائمِ
الشاهد فيه على أنه لم يشبع حركة الميم الأولى من (يحامم) والإدغام فيها غير ممكن، فاختلس الحركة اختلاساً.
والنؤي: الحاجز من التراب يُجعل حول البيت لئلا يدخله السيل والمياه، والطاسم:
الدارس، والسُّفع: الأثافيّ الواحدة سَفعاء، سفعتها النار: سودتها، والمُثل: جمع ماثل وماثلة وهو المنتصب. ويقال في الماثل هو اللاطئ بالأرض، وهو من الأضداد، ويحامم: جمع يَحموم
стр. 767
وهوالأسود، وكان ينبغي أن يقول (يَحاميم) ولكنه اضطر إلى حذف الياء.
والثاوي: الوتد. ثوى في الدار: أقام بها بعد ارتحال أهلها عنها. وصف دياراً خلت من أهلها وبقيت آثارهم فيها، نحو: الإناء والأثافي والأوتاد.
قال سيبويه في الإدغام قال صقر بن حكيم:
أحينَ لاحَ الشيبُ من عَمائمي
وحينَ وفيْتُ بقولِ الزاعمِ
ستينَ أو كنتُ بقولِ العالِمِ
وامتاحَ مني حَلباتِ الهاجمِ
شأو مُدِلٍّ سابقِ اللهامِمِ
جاري الرَّقاقِ واثبِ الجراثمِ
الشاهد فيه أنه أخفى حركة الميم من (اللهامم).
والحلبات: جمع حلبة، والهاجم: الحالب، والشأو: السَّبْق، والشأو: الطلق، واللهامم: جمع لهموم وهو الغزير، وهومن وصف النوق بالغزْر يقال: ناقة لُهموم، وأراد به أنه غزير في الجري والمسابقة لا يُدرَك ما عنده.
стр. 768
شبه نفسه مع الذين يفاخرونه ويطاولونه بخيل في رهان قد سبقها هو وبرّز عليها.
وقوله: (أو كنت) يريد: أو كنت مقارباً للستين، فحذف خبر كان. وامتاح وماح: أخذ مني، جعل ما أخرجه من الجري بمنزلة امتياح الماء وغيره مما يستخرج. وفي الكتاب (حلباتِ) بالنصب و (شأو) بالرفع. وفي شعره (حلباتُ) مرفوعة و (شأو) منصوب. وهو أجود والمعنى عليه، كأنه قال: وأخذتْ حلباتُ الحالب مني شأو مُذكٍّ. يعني أنها استخرجت منه المسابقةَ والفضل في القدم، وفي الكتاب (مدلّ) بلام ودال غير معجمة، وفي شعره (بذال معجمة وكاف) وهو أحب إليّ، والمُذَكّي من الخيل: الذي علت سنه، وجريه أجود من جري الجِذاع والثنِيّ والرُّبَع.
стр. 769
قال سيبويه قال الشاعر غيْلان بن حُريث:
(إني بما قد كلفتني عشيرتي ... من الذَّبِّ عن أحسابها لحقيقُ)
الشاهد فيه أنه اختلس حركة الباء التي في (بما) ولم يمكنه أن يدغم الباء في الميم لأنه كان يجتمع ساكنان في حشو الشعر وهذا لا يجوز، ولو كان في غير البيت لجاز أن يدغم، لأن الساكن الذي قبل الباء حرف من حروف المد واللين، يجوز أن يقع بعده الساكن المدغم.
والذب: الدفع والمنع. يقول: أنا حقيق بأن تجعلني عشيرتي ذاباً عن أحسابها، ودافعاً عنها مَن ذمها أو هجاها أو عابها، لأني أقوم بما جعلته أولاً ولا أعجز عن
نصرها والمحافظة على حسبها ومجدها.
إدغام اللام في التاء - للتخفيف
قال الشاعر:
(فذَرْ ذا ولكنْ هتعين متيّماً ... على ضوء برقٍ آخرَ الليل ناصبِ)
الشاهد فيه على إدغامه اللام من (هل) في التاء من (تعين).
والرق الناصب: الذي يُرى من بعد، والمتيم: الذي تيمه الهوى،
стр. 770
استعبده. (فذر ذا) يريد ذر ذا الحديث والأمرَ الذي ذكره، ولكن هل تعين متيماً. والمتيم: يعني به المتكلمُ نفسَه، ومعونته له أن يسهر معه أو يحادثه ويسليه، ليخفَّ ما يجده من الوجد بمن يهواه. لأن ذلك البرق لمع من الجهة التي فيها من يحبه فذكره وأرِق، هاج حزنه.
آخر ما خرج من هذا التفسير، والحمد لله حمد الشاكرين، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً.