← Адаб

Адаб · id 37488

شرح القصائد العشر

الخطيب أبو زكريا التبريزي

Полный текст (334 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يريد إنها زائدة للتوكيد، ويحتمل أن تكون غير زائدة وتكون للتبعيض، والعلياء: بلد، وجرثم: ماء لبني أسد. (جَعَلْنَ القَنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَهُ ... وَكَمْ بِالقَنَانَ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْرِمِ؟) وروى الأصمعي (ومن بالقنان) والقنان: جبل لبني أسد، والحزن والحزم سواء، وهو الموضع الغليظ، والمحل: الذي ليست له ذمة تمنع ولا حُرمة؛ والمحرم: الذي له حرمة تمنع منه، هذا قول أكثر أهل اللغة، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: المحل والمحرم هنا الداخلان في الأشهر الحرم وفي الأشهر التي ليست بحرم، يقال (أحرم) إذا دخل في الشهر الحرام، و (أحل) إذا خرج منه، و (قد حل من إحرامه يحل حلا فهو حلال) ولا يقال حال، و (قد أحرم بالحج يُحرم إحراما فهو مُحرم وحرام) والمعنى: كم بالقنان من عدو وصديق لنا؟ يقول: حملت نفسي في طلب هذه الظعن على شدة أمر بموضع فيه أعدائي لو ظفروا بي لهلكت. (وَعَالَيْنَ أَنْمَاطاً عِتَاقاً وَكِلَّةً ... وِرَادَ الحَوَاشِي لَوْنُهَا لَوْنُ عَنْدَمِ) وروى الأصمعي: عَلَوْنْ بِإَنْطَاكِيَّةٍ فَوْق عَقْمةِ ... وِرَادٍ حَوَاشِيهَا مُشَاكهَة الدَّمِ قوله: (وعالين) أي رفعن الأنماط والكلل على الإبل التي ركبها الظُّعُن، والعتاق: الكرام، والوراد: التي لونها إلى الحمرة، وأراد إنه أخلص الحاشية

стр. 107

بلون والحد لم يعملها بغير الحمرة. والأنطاكية: أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى إنطاكية، وكل شيء جاء من الشام فهو عندهم أنطاكي، وعقمة جمع عقم، مثل شيخة وشيخ، والعقم: أن تظهر خيوط أحد النِّيرين فيعمل العامل به، وإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه وغمضه وأظهر ما يريد عمله، والمشاكهة والمشابهة والمشاكلة سواء. (ظَهَرْنَ مِنَ السُّوبَانِ، ثُمَّ جَزَعْنَهُ ... عَلَى كُلِّ قَيْنِيٍّ قَشِيبٍ وَمُفْأَمِ) ظهرن: معناه خرجن منه، وجزعنه: قطعنه، ومعنى قوله: (ثم جزعنه) عرض لهن مرة أخرى فقطعنه، والسوبان: واد وقيني: منسوب إلى بني القين وقشيب: جديد، ومفأم: واسع، وأراد غبيطا، والغبيط يكون تحت الرحل والقتب تحت المتاع. (وَوَرَّكُنَ فيِ السُّوبَانِ يَعْلُونَ مَتْنَهُ ... عَلَيْهِنَّ دَلُّ النَّاعِمِ المُتَنَعِّمِ) وركن فيه: معناه ملن فيه، ويقال: وركت موضع كذا، ووركت الإبل موضع كذا، إذا خلفته وراء أوراكها، والمتن: ما غلظ من الأرض وارتفع، وقوله: (عليهن) معناه على الظعائن، والتقدير: ووركن في السوبان عاليات

стр. 108

متنه، أي في هذه الحال. (كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْنِ فيِ كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ) ويروى (في كل موقف وقفن به) والعهن: الصوف المصبوغ، شبَّه ما تفتت من العهن الذي علق على الهودج إذا نزلن منه منزلا بحب الفنا، والفنا: شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود، وقال الفراء: هو عنب الثعلب، وقوله: (لم يحطم) أراد أن حب الفنا صحيح؛ لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة، وقال الأصمعي: العهن الصوف صُبغ أو لم يصبغ، وهو هنا المصبوغ. (بَكَرْنَ بُكُوراً واسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ ... فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَاليَدِ لِلْفَمِ) ويروى (فهن لوادي الرس كاليد للفم) والرس: ما ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه، ومعنى (كاليد للفم) أي لا يجاوزن هذا الوادي، أي لا يخطئنه كما لا تجاوز اليد الفم. (فَلَمَّا وَرَدْنَ المَاَء زُرْقاً جِمَامُهُ ... وَضَعْنَ عِصِىَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّمِ) يقال (ماء أزرق) إذا كان صافيا. وجمام: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع، يقال: جم يجم جموما، ويسمى الماء نفسه جما. والحاضر: النازل على الماء، والمتخيم: المقيم، وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة، ويقال (وضع عصاه)

стр. 109

إذا ترك السير، وعصي: جمع عصا، وكان يجب أن يقال: عصو، فأبدل من الواو ياء لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، والجمع باب تغيير، ثم كسرت الصاد من أجل الياء التي بعدها. وصف أنهن في أمن ومنعة، فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه. ونصب (زرقا) على إنه حال للماء، وصلح أن يكون حالا له؛ لأنه قد عادت عليه الهاء في قوله (جمامه) ويرفع جمامه بقوله زرقا، ويكون المعنى يزرق جمامه، وجاز أن يقول زرقا وان كان بمعنى الفعل لأنه جمع مكسر فقد خالف الفعل من هذه الجهة كما تقل: هذا رجل كرام قومه، وكما قال: بَكَرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فَوَجَدْتُهُ ... قُعُوداً لَدَيْهِ بِالصَّرِيمِ عَوَاذِلُهْ ولو كان في غير الشعر لجاز أن يقول قاعدا. ومن روى (زرق جمامه) رفع زرقا على إنه خبر الابتداء، وينوي به التأخير، وجمامه مرفوع بالابتداء، والمعنى فلما وردن الماء جمامه زرق، ويجوز في غير الشعر (أزرق جمامه) لأنه بمعنى الفعل، يقال: أزرق جمامه كما تقول: أزرق جمامه، وجاز أزرق جمامه على أن التقدير جمامه أزرق، كما تقول: الجيش مُقبل. (وَفِيهِنَّ مَلْهىً لِلَّطِيفِ وَمَنْظَرٌ ... أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ المُتَوَسِّمِ) ملهى ولهو واحد، وهو في موضع رفع بالابتداء، وإن شئت بالصفة، واللطيف: المتلطف الذي ليس معه جفاء، وقيل: عنى باللطيف نفسه، أي يتطلف

стр. 110

في الوصول إليهن، و (أنيق) بمعنى مؤنق) أي معجب، والمتوسم: الناظر بتفرس، وقيل: المتوسم الطالب الوسامة وهي الحسن، وروى عن مجاهد إنه قال في قوله : (وَالخَيْل المُسَوَّمَة)، قال: هي الحسنة، والمتوسم: المتثبت. (سَعَى سَاعِيَا غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بَعْدَمَا ... تَبَزَّلَ مَا بَيْنَ العَشِيرَةِ بِالدَّمِ) الساعيان: الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، وقيل: الحارث ابن عوف، وخارجة بن سنان، سعيا في الديات، وقيل: معنى (سعيا) عملا عملا صالحا، وغيظ بن مرة من ولد عبد الله بن غطفان، ومعنى (تبزل) تشقق، وهذا تمثيل، أي كأن بينهم صلح فتشقق بالدم، فسعى ساعيا غيظ بن مرة فأصلحاه، ويقال: (تبزَّلَ الجرح) إذا تشقق فخرج ما فيه، و (تبزل جلدُ فلان) إذا عرق، و (بزل ناب البعير) أي موضع نابه، وذلك في السنة التاسعة. (فَأَقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ) يعني بالبيت الكعبة، وجرهم كانوا ولاة البيت قبل قريش، وبغوا بمكة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهدى لها، ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى وكانت مكة لا بغي ولا ظلم فيها، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة؛ لأنها تُبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها، وقيل: سميت الناسة لأن

стр. 111

أهلها كأنهم ينسون من العطش كما قال: وَبَلَدٍ تُمْسِي قَطَاهُ نُسَّسَا (يَميناً لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدْتُمَا ... عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ) أي نعم السيدان وجدتما حين تُفاجآن لأمر قد أبرمتماه وأمر لم تبرماه ولم تُحكماه، أي على كل حال من شدة الأمر وسهولته، وأصل السحيل والمبرم أن المبرم يفتل خيطين حتى يصير خيطا واحدا، والسحيل: خيط واحد لا يضم إليه آخر. (تَدَارَكْتُمَا عَبْساً وَذُِييْانَ بَعْدَمَا ... تَفَانَوْا وَدَقوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَمِ) قالوا: منشم امرأة عطارة، فتحالف قوم، فأدخلوا أيديهم في عطرها ليتحرموا به، ثم خرجوا إلى الحرب، فقتلوا جميعا، فتشاءمت العرب بها، يقول: فصار هؤلاء بمنزلة أولئك في شدة الأمر، وقال أبو عمرو بن العلاء: عطر منشم إنما هو من التنشيم في الشر، ومنه قولهم (لما نشم الناس في عثمان) وقال أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الحرب، وليس ثم امرأة، كقولهم: جاءوا على بكرة أبيهم، وليس ثم بكرة، وقال أبو عمرو الشيباني: منشم امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرا، فإذا حاربوا اشتروا منها كافورا لموتاهم، فتشاءموا بها، وقال ابن الكلبي: منشم: ابنة الوجيه الحميري.

стр. 112

(وَقَدْ قُلْتُمَا: أن نُدْرِكِ السَّلْمِ وَاسِعاً ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ القَوْلِ نَسْلَمِ) ويروى (من الأمر نسلم) ومعنى واسع ممكن، يقول: نبذل فيه الأموال ونحث عليه، وقوله (نسلم) أي نسلم من الحرب، والسِلم) بكسر السين وفتحها: الصلح يذكر ويؤنث، قال الشاعر: فَلاَ تَضِيقَنَّ أن السِلَّم آمِنَةٌ ... مَلْسَاء لَيْسَ بِهَا وَعْثٌ وَلاَ ضِيقُ (فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِنٍ ... بَعِيدَيْنِ فِيهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَمِ) منها: من الحرب، أي لم تركبا منها ما لا يحل لكما، ونصب (بعيدين) على الحال، وخبر أصبحتما (على خير) والعقوق: قطيعة الرحم. (عَظِيمَيْنِ فيِ عُلْيَا مَعَدٍّ هُدِيتُمَا ... وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزاُ مِنَ المَجْدِ يُعْظِمِ) عليا معد وعلياء معد: أرفعها، ويُعظِم: أي يأتي بأمر عظيم، ويَعظُم: يصير عظيما، ويُعظَم أي يُعظمه الناس. (وَأَصْبَحَ يُحْدَى فِيهِمُ مِنْ تِلاَدِكُمْ ... مَغَانِمُ شَتَّى مِنْ إِفَالٍ مُزَنَّمِ) ويروى (فأصبح يجرى فيهم من تلادكم) ويُحدى: يساق، والتلاد: ما ولد عندهم هذا اصله، ثم كثر استعمالهم إياه حتى قيل لملك الرجل كله: تلاده،

стр. 113

وشتى: متفرقة، يقول: صرتم تغرمون له من تلادكم، وقال: أبو جعفر: قوله (من تلادكم) معناه من كرم سعيكم الذي سعيتم له حتى جمعتم لهم الحمالة. ورواه. ورواه (من نتاج مزنم) والإفال: الفصلان، الواحد أفيل، والأنثى أفيلة، والتزنيم: علامة كانت تجعل على ضرب من الإبل كرام، وهو أن يُسحى ظاهر الأذن، أي تُقشر جلدته ثم تفتل فتبقى زنمة تنوس، أي تضطرب، وروى أبو عبيدة (من افال المزنم) قال: وهو فحل معروف. (تُعَفَّى الكُلُومُ بِالمِثِينَ، فَأَصْبَحَتْ ... يُنَجِّمُهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِمُجْرِمِ) تُعفى: أي تمحى الجراح بالمئين من الإبل، ويُنَجمها: يجعلونها نجوما، وقولهم (عفا الله عنك) أي محا عنك ذنوبك، واستعفى فلان من كذا: سأل أن لا يكون له فيه أثر، ويُنجمها: يجعل لأدائها وقتا، ومعنى قوله (ينجمها من ليس فيها بمجرم) أي يغرمها من لم يجرم ذنبا. (يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ... وَلَمْ يُهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلَْء مِحْجَمِ) ملء الشيء: مقدار ما يملأه، والملء: المصدر. وهذا البيت تفسير الذي قبله. (أَلاَ أَبْلِغِ الأَحْلاَفَ عَنِّي رِسَالَةً ... وَذُبِيْانَ هَلْ أَقْسَمْتُمُ كُلَّ مُقْسَمِ) الأحلاف: أسد وغطفان هنا، واحدهم حلف، وفلان حلف بني فلان؛ إذا منعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأن يكون معهم يدا على غيرهم، ويقال: ذُبيان وذِبيان، والضم اكثر، والأصل ذِبَّان، فأبدل من الباء ياء، كما قالوا تقصيت، ومعنى (هل أقسمتم كل مقسم) أي هل أقسمتم كل أقسام أنكم تفعلون

стр. 114

ما لا ينبغي، وروى الأصمعي (فمن مبلغ الأحلاف عنى) يريد مبلغ الأحلاف، على أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وحكى عن عمارة إنه قرأ (وَلاَ الليلُ سَابِقُ النّهَارَ). (فَلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فيِ صُدُورِكُمْ ... لَيخْفَى، وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلمِ) ويروى (ما في نفوسكم) يقول: لا تكتموا الله ما صرتم إليه من الصلح، وتقولوا أنا لم نكن نحتاج إلى الصلح، وإنا لم نسترح من الحرب، فإن الله يعلم من ذلك ما تكتمونه، وقال أبو جعفر: معنى البيت لا تظهروا الصلح وفي أنفسكم أن تغدروا كما فعل حصين بن ضمضم إذ قتل ورد بن حابس بعد الصلح، أي صححوا الصلح. (يُؤَخّرْ فَيُوضَعْ فيِ كِتَاب فَيُدَّخَرْ ... لِيَوْمِ الحِسَابِ، أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ) أي لا تكتمن الله ما في نفوسكم فيؤخر ذلك إلى يوم الحساب فتحاسبوا به، أو يعجل في الدنيا لكم النقمة له، وقال بعض أهل اللغة: يؤخر بدل من يعلم، كما قال : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ) وكما قال الشاعر: مَتَى تَأَتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فيِ دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَبَا جَزْلاَ وَنَاراً تَأَجَّجَا فأبدل تلمم من تأتنا، وأنكر بعض النحويين هذا، وقال: لا يشبه هذا قوله (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ) لأن مضاعفة العذاب هو لقي الأثام، وليس التأخير العلم، ألا ترى أنك تقول: أن تُعطني تحسن إلى أشكرك، فتبدل تحسن من تعطني؛ لأن العطية إحسان، ولا يجوز أن تقول: أن

стр. 115

تجئني تتكلم أكرمك، إلا على بدل الغلط؛ لأن التكلم ليس هو المجيء، وبدل الغلط لا يجوز أن يقع في الشعر. وأجاز سيبويه إسكان الفعل للشاعر إذا اضطر، برده إلى أصله، فيجوز على مذهب سيبويه أن يكون قوله: (يؤخر) مردودا إلى أصل الأفعال، وقال بعض النحويين (يؤخر) جواب النهي. والمعنى فلا تكتمن الله ما في نفوسكم يؤخر، وأجاز (لا تضرب زيدا يضربك). (وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُم وَذُقْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ) يقول: ما الحرب إلا ما جربتم وذقتموه؛ فإياكم أن تعودوا إلى مثلها، وقوله (وما هو عنها) أي ما العلم عنها بالحديث، أي ما الخبر عنها بحديث يرجم فيه بالظن، فقوله (هو) كناية عن العلم؛ لأنه لما قال (إلا ما علمتم) دل على العلم. قال الله تعالى: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلًونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ) المعنى إنه لما قال (يبخلون) دل على البُخل، كقولهم: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، والمرجم: الذي ليس بمستيقن. (مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً ... وَتَضْرَ - إذا ضَرَّيْتُمُوهَا - فَتُضْرَمِ) تبعثوها: تثيروها، وذميمة: مذمومة، وقال بعض أهل اللغة: فعيل إذا كان بمعنى مفعول كان بغير هاء كقولك (قتيل) بمعنى مقول، وهذا إنما يقع للمؤنث بغير هاء إذا تقدم الاسم كقولك: مررت بامرأة قتيل، أي مقتولة، فإن قلت (مررت بقتيلة) لم يجز حذف الهاء، لأنه لا يعرف إنه مؤنث، ويروى (دميمه) أي حقيرة، و (تضر) تُعود وتدرب، يقال: ضرى ضراوة، ومعنى (تُضرم)

стр. 116

تُشعل. (فَتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا ... وَتَلْقَحْ كِشَافاً، ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ) الثفال: جلد يجعل تحت الرحى، وأراد عرك الرحى ومعها ثفالها، أي عرك الرحى طاحنة، قال الله : (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) المعنى ومعها الدهن، كما تقول: جاء فلان بالسيف، أي ومعه السيف، ويقال: لقحت الناقة كشافا؛ إذا حمل عليها كل عام، وذلك أردأ النتاج، والمحمود عندهم أن يحمل عليها سنة، وتجم سنة، ويقال (ناقة كشوف) إذا حمل عليها كل سنة، وإنما شبه الحرب بالناقة لأنه جعل ما يحلب منها من الدماء بمنزلة ما يحلب من الناقة من اللبن، وقيل: شبه الحرب بالنقاة إذا حملت ثم أرضعت ثم فطمت لأن هذه الحرب تطول، وهو أشبه بالمعنى، وتتئم: تأتي بتوأمين الذكر توأم والأنثى توأمة، وقيل في قوله (كشافا) أي يعجل عليكم أمرها بلا وقت ويقال (أكشف القوم) إذا فعل بإبلهم ذلك. (فَتُنْتَجْ لَكْمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ ... كَأَحَمرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ) يقال: نُتِجَتِ الناقة تُنتج، ولا يقال نَتَجَتْ، وأنتجت، إذا استبان حملها، فهي نتوج، ولا يقال منتج، وهو القياس، و (أشأم) فيه قولان: أحدهما إنه بمعنى المصدر كأنه قال غلمان شؤم، وأشأم هو الشؤم بعينه، يقال: كانت لهم بأشأم، يريد بشؤم، فلما جعل أفعل مصدرا لم يحتج إلى من، ولو كان أفعل غير مصدر لم يكن له بد مِنْ مِنْ، والقول الآخر: أن يكون المعنى غلمان امرئ أشأَم، أي

стр. 117

مشئوم، وكلهم: مرفوع بالابتداء، ولا يجوز أن يكون توكيدا لأشأم ولا لغلمان؛ لأنهما نكرتان، والنكرة لا تؤكد، وما بعد (كلهم) خبر المبتدأ، كأنه قال: كلهم مثل أحمر عاد، و (أحمر عاد) يريد عاقر الناقة واسمه قُدار، وقال الأصمعي: أخطأ زهير في هذا؛ لأن عاقر الناقة ليس من عاد، وإنما هو من ثمود فغلط فجعله من عاد، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: هذا ليس بغلط؛ لأن ثمود يقال لها عاد الأخيرة، ويقال لقوم هود: عاد الأولى، والدليل على هذا قوله تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادا الأولَى). (فَتُغْلِلْ لَكُمْ مَا لاَ تُغِلُّ لأهْلِهَا ... قُرًى بِالعِرَاقِ مِنْ قَفِيز وَدِرْهَمِ) قال الأصمعي: يريد إنها تغل لهم دما وما يكرهون، وليست تغل لهم ما تغل قُرى العراق من قفيز ودرهم، وقال يعقوب: هذا تهكم وهزء، يقول: لا يأتيكم منها ما تسرون به مثل ما يأتي أهل القرى من الطعام والدراهم، ولكن غلة هذا عليكم ما تكرهون، وقال أبو جعفر: معناه أنكم تقتلون وتحمل إليكم ديات قومكم فافرحوا فهذه لكم غلة. (لِحَيٍّ حِلاَلٍ يَعْصِمُ النَّاسَ أَمْرُهُمْ ... إذا طَرَقَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ) الحلال: الكثير، والحلة: مائتا بيت، وقيل: حي حلال إذا نزل بعضهم قريبا من بعض، واللام في قوله (لحي) متعلقة بقوله: (سعى ساعيا غيظ بن مرة، لحى حلال) وقيل: المعنى اذكر هذا لحى حلال، أي هذه الإبل التي تؤخذ

стр. 118

في الدية لحى كثير، وإنما أراد أن يكثرهم ليكثر العقل، وقوله (يعصم الناس أمرهم) معناه إذا ائتمروا أمرا كان عصمة للناس، وطرقت: أتت ليلا، ومعنى (يعصم) يمنع. (كِرَامٍ؛ فَلاَ ذُو الضِّغْنِ يُدْرِكُ تَبْلَهُ، ... وَلاَ الجَارِمُ الجَانِي عَلَيْهِمْ بِمُسْلَمِ) ويروى (فلا ذو التبل يدرك تبله لديهم، ولا الجاني عليهم بمسلم) والتبل: الثأر، والجارم: الذي أتى بالجرم وهو الذنب، ويقال: جرم، وأجرم، وأجرم أفصح، ويقال: جرم الشيء؛ إذا حق وئبت، كما قال: وَلَقَدْ طَعَنْتُ أَبَا عُسَسْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أن يَغْضَبُوا وقال الله : (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ) أي حق ذلك. (رَعَوْا مَا رَعَوْا مِنْ ظِمْئِهِمْ، ثُمَّ أَوْرَ دُوا ... غِمَاراً تَفَرَّى بِالسِّلاَحِ وَبِالدَّمِ) الظمء في الأصل: العطش، وهو هاهنا ما بين الشربتين، وإنما يريد انهم تركوا الحرب مدة ثم رجعوا فحاربوا، ألا تراه قال (أوردوا غمارا) والغمار: جمع غمر، وهو الماء الكثير، و (تفرى) تكشف وتفتح، وأصله تتفرَّى، ويروى: رَعَوْا ظِمْأَهم حتى إذا تَمَّ أوردوا (فَقَضَّوْا مَنَايَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَصْدَرُوا ... إلى كَلإَ مُسْتَوْبَلٍ مُتَوَخِّمِ) الكلأ: العشب، والمستوبل: المستثقل، والمتوخم مثله، ومعنى قوله (ثم أصدروا إلى كلإ) أي إلى أمر استوخموا عاقبته، وهذا مثل.

стр. 119

(لَعَمْرِي لَنِعْمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيْهِمُ ... بِمَا لاَ يُوَاتيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ) (لعمري) في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، كأنه قال: لعمري الذي أقسم به، و (جر عليهم): بمعنى جنى عليهم، من الجريرة، وقوله (بما لا يُواتيهم) أي بما لا يوافقهم، ويروى (بما لا يماليهم حصين بن ضمضم) أي يمالئهم عليه، والممالأة: المتابعة، وكان حصين من بني مرة أبى أن يدخل في صلحهم، فلما اجتمعوا للصلح شد على رجل منهم فقتله. (وَكَانَ طَوَى كَشْحاً عَلَى مُسْتَكِنَّةٍ ... فَلاَ هُوَ أَبْدَاهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمِ) الكشح: الجنب، ومعناه كان طوت كشحه على فعلة، أكنها في نفسه فلم يظهرها، ويروى (ولم يتجمجم) أي ولم يدع التقدم على ما أضمر، وكان هرم بن ضمضم قتله ورد بن حابس، فقتله أخوه حصين به، والمستكنة: الغدرة، وقوله (وكان طوى كشحا) قال أبو العباس: هذا بإضمار قد، والمعنى وكان قد طوى كشحا؛ لأن (كان) فعل ماض فلا يخبر عنها إلا باسم أو بما ضارع الاسم، وأيضا فانه لا يجوز (كان زيد قام) لأن قولك زيد قام يغنيك عن كان، وخالفه أصحابه في هذا فقالوا: الفعل الماضي قد ضارع ايضا؛ فهو يقع خبرا لكان كما يقع الاسم والفعل المستقبل، فأما قوله (إن قولك زيد قام يغني عن كان) فإنه إنما جيء بكان لتؤكد أن الفعل لما

стр. 120

مضى، وقوله (على مستكنة) أي على حالة مستكنة، وقوله (فلا هو أبداها) المعنى فلم يُبدها: أي لم يظهرها، وقال الله : (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلّى) أي لم يصدق ولم يصل، ولا يجيز النحويون (ضربت زيداً لا ضربت عمراً) لئلا يشبه الثاني الدعاء، ولا يجوز أن يكون المعنى ضربت زيداً لم أضرب عمراً؛ لأن هذا إنما يكون إذا كان في الكلام دليل عليه، كما قال الله : (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى) فمجيء لكن يدل على أن لا في قوله: (فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلّى) بمعنى لم يصدق ولم يصل. (وَقَالَ: سَأَقْضِي حَاجَتِي ثُمَّ أَتَّقِي ... عَدُوِّي بِأَلْفٍ مِنْ وَرَائِيَ مُلْجِمِ) يروى (مُلْجَم) و (مُلْجِم) من روى مُلْجَم بفتح الجيم أراد بألف فرس ملجم، ومن روى ملجِم بكسر الجيم أي بألف فارس ملجِم، والملجِم: نعت الألف، والألف مذكر، فإن رأيته في شعر مؤنثا فإنما يذهب بتأنيثه إلى تأنيث الجمع، وحاجته: قتل ورد بن حابس. (فَشَدَّ وَلَمْ يُنْظِرْ بُيُوتاً كَثِيرَةً ... لدَى حَيثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمِ) يُنظر: يؤخر، ويروى (ولم تفزع بيوت كثيرة) أي لم يفزع أهل بيوت، ثم حذف، يقول: شد على عدوه وحده فقتله، ولم يفزع العامة بطلب واحد، وإنما قصد لثأره، وقيل: معنى (ولم تفزع بيوت كثيرة) أي لم يعلموا به، قال أبو جعفر: قوله (ولم ينظر بيوتا كثيرة) معناه لم يؤخر أهل بيت ورد في قتله،

стр. 121

لكنه عجل فقتله، ومن روى (ولم تفزع بيوت كثيرة) أراد إنه لم يستعن عليه بأحد، وموضع (حيث) جر بلدي، وأم قشعم وقشعم قيل: هي المنية، وقيل: هي الحرب، ألا ترى إلى قوله (حيث ألقت رحلها) أي موضع شدة الأمر، وقال أبو عبيدة: أم قشعم العنكبوت، والمعنى فشد على صاحب ثأره بمضيعة من الأرض، وقشعم فعلم، الميم زائدة، هو من قشعت الريح التراب فانقشع، وأقشع القوم عن الشيء، وتقشعوا؛ إذا تفرقوا عنه وتركوه. (لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاَحِ مُقَاذِفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تُقَلّمِ) ويروى (مُقذف) وهو الغليظ اللحم، ومقاذف: مرام، واللبد: جمع لبدة، وهي الشعر المتراكب على زبرة الأسد، وهو ما بين الكتفين من الشعر قد تلبد عليه، وقوله (أظفاره لم تقلم) معناه إنه تام السلاح حديده واللفظ للأسد، والمراد به الجيش، و (شاكي السلاح) معناه سلاحه ذو شوكة وأصل (شاكي) شائك، فقلب كقولهم (جرف هار) أي هائر هذا هو القلب الصحيح عند البصريين، فأما ما يسميه الكوفيون القلب نحو جذب وجبذ فليس بقلب عند البصريين، إنما هما لغتان، وليس بمنزلة شاك وشائك، وإنما يصف شدة الحرب. (جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ ... سَرِيعاً، وإِلاّ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ) ويروى (جريء) أي هو جريء، يعني الأسد، ومعناه أن هذا الجيش

стр. 122

متى يكن له ترة في قوم طلبها، وإن لم يكن له ترة وتر. و (يظلم) مجزوم بالشرط)، و (يعاقب) جوابه، و (سريعا) يجوز أن يكون منصوبا على الحال، وان يكون نعتا لمصدر محذوف، كأنه قال: يعاقب عقابا سريعا، وقوله (وإلا يُبد بالظلم يظلم) الأصل فيه الهمز من بدأ يبدأ، إلا إنه لما اضطر أبدل من الهمزة ألفا، ثم حذف الألف للجزم، وهذا من أقبح الضرورات. وحكى عن سيبويه أن أبا زيد قال قد: من العرب من يقول (قريت) في قرأت، فقال سيبويه: فكيف أقول في المستقبل؟ قال: تقول أقرا، فقال سيبويه: كان يجب أن تقول أقرى حتى يكون مثل رميت أرمى، وإنما أنكر سيبويه هذا لأنه إنما يجيء فعلت أفعل إذا كانت لام الفعل أو عينه من حروف الحلق، ولا يكاد يكون هذا في الألف، إلا أنهم قد حكوا (أبي يأبي) فجاء على فعل يفعل، قال أبو إسحاق: قال إسماعيل بن إسحاق: إنما جاء هذا في الألف لمضارعتها حروف الحلق، شُبهت بالهمزة، يعني فشبهت بقولهم قرأ يقرأ وما أشبهه. (لَعَمْرُكَ مَا جَرَّتْ عَلَيْهِمْ رِمَاحُهُمْ ... دَمَ ابْنِ نَهِيكٍ، أو قَتِيلِ المُثَلّمِ) ويروى (أو دم ابن المهزم) وجرت: جنت، من الجريرة، يقول: ما حملوا دم ابن نهيك ودم ابن المهزم؛ لأن رماحهم كانت حرت عليهم، ولكنهم تبرعوا بذلك ليصلح ما بين عشيرتهم، وقال أبو جعفر: المعنى أن هؤلاء قتلوا قبل هذه الحرب، فلما شملتهم هذه الحرب ادخلوا كل قتيل كلن لهم في هذه

стр. 123

الحرب فطلبوا بهم حمالات وقودا حتى اصطلحوا. (وَلاَ شَارَكَتْ فِي الحَرْبِ فِي دَمِ نَوْفَلٍ ... وَلاَ وَهَبٍ فِيهَا، وَلاَ ابْنِ المُخَزَّمِ) روى يعقوب وجماعة من الرواة (المحزم) بالحاء غير معجمة، وروى أبو جعفر (المخزم) بالخاء معجمة، وفاعل شاركت مضمر فيه من ذكر الرماح، ويروى (ولا شاركت في الموت). (فَكُلاًّ أَرَاهُمْ أَصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُ ... عُلاَلَةَ أَلْفٍ بَعْدَ أَلْفٍ مُصَتَّمِ) يعقلونه: أي يؤدون عقله أي ديته، والعلالة: الزيادة هنا، وأصله من العلل وهو الشرب الثاني، كأنه فاضل عن الشرب الأول، والعرب تقول: عرضت عليه عرض عالة، وفعالة تكون للشيء اليسير نحو القلامة وما أشبهها، والمصتم: التام، ويروى (صحيحات ألف) وكلاَّ: منصوب بإضمار فعل يفسره ما بعده، كأنه قال: فأرى كلا، ويجوز الرفع على أن لا يضمر، إلا أن النصب أجود لتعطف فعلا على فعل؛ لأن قبله (ولا شاركت في الحرب) فصار كقوله: أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَحَ، وَلاَ ... أَمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ أن نَفَرَا وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ أن مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي، وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالمَطَرَا (ومَنْ يَعْصِ أَطْرَافَ الزِّجَاجِ فَإِنَّهُ ... مُطِيعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلِّ لَهْذَمِ) ويروى (يطيع العوالي) والزجاج: جمع زُجّ، وهو أسفل الرمح، والعوالي: جمع عالية، وهي أعلى الرمح، واللهذم: الحاد، وهذا تمثيل، أي من لا يقبل الأمر الصغير يضطره إلى أن يقبل الأمر الكبير، وقال أبو عبيدة: معنى هذا أن من لا يقبل الصلح وهو الزج الذي لا يقاتل به فإنه يطيع الحرب وهو السنان الذي

стр. 124

يقاتل به. (وَمَنْ يُوفِ لاَ يُذْمَمْ، وَمَنْ يُفْضِ قَلْبًهُ ... إلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لاَ يَتَجَمْجَمِ) يقال: وفى، وأوفى أكثر، وقوله (ومن يُفض قلبه) أي بصير، ومطمئن البر: خالصه، ولا يتجمجم: أي لا يتردد في الصُّلح. ويوف: مجزوم بالشرط، والجواب قوله (لا يُذمم) ولم تفصل لا بين الشرط وجوابه كما لم تفصل بين النعت والمنعوت في قولك: مررت برجل لا جالس ولا قائم، وإنما خصت لا بهذا لأنها تزاد للتوكيد كما قال : (مَا مَنَعَكَ أن لاَ تَسْجُدَ) المعنى أن تسجد. (وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلمِ) ويروى: وَمَنْ يَبْغ أَطْرَاف الرِّمَاحِ يَنَلْنَهُ ... وَلَوْ رَامَ أن يَرْقَى السَّمَاَء بِسُلّمِ يقول: من تعرض للرماح نالته، ورام: معناه حاول، والأسباب: النواحي، وإنما عنى بها من يهاب كراهة أن تناله؛ لأن المنايا تنال من يهابها ومن لا يهابها، ونظير هذا قوله : (قُلْ إن المَوْتَ الّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ) والموت يلاقي من فر ومن لم يفر، فيقال: كيف خوطبوا بهذا وأنت إذا قلت

стр. 125

(الذي يجيئك فأكرمه) فإنما يقع الإكرام من أجل المجيء، فالجواب عن هذا إنه عنى به من يفر لئلا يلاقيه الموت، وهذا معنى قول سيبويه. (وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلِ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ ... عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيذْمَمِ) يك: مجزوم بالشرط، وحذف النون - والأصل يكن - لكثرة الاستعمال وأنها مضارعة لحروف المد واللين، ألا تراها تحذف في التثنية والجمع كما تحذف حروف المد واللين في قولك: لم يضربا، ولم يضربوا، فكذلك حذفت في قوله: (ومن يك ذا فضل) وقوله (فيبخل بفضله) معطوف على يك، والجوابي في قوله (يستغن عنه). و (يذمم) معطوف عليه. (وَمَنْ لاَ يَزَلْ يَسْتَرْحِلُ النَّاسَ نَفْسَهُ ... وَلاَ يُعْفِهَا يَوْماً مِنَ الذُّلِّ يَنْدَمِ) ويروى (ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه) فمن روى يسترحل أراد يجعل نفسه كالراحلة للناس يركبونه ويذمونه، ومن رواه يستحمل أراد يحمل الناس على عيبه، قال المازني: قال لي أبو زيد: قرأت هذه القصيدة على أبي عمرو بن العلاء، فقال لي: قرأت هذه القصيدة منذ خمسين سنة، فلما اسمع هذا البيت إلا منك. (وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُوًّا صَدِيقَهُ ... وَمَنْ لاَ يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لَمْ يُكَرَّمِ)

стр. 126

يغترب: يُبعد عن قومه، يقال. رجل غريب وغُرُب، ورجل جانب وجنيب، ويقال: غريب أجنبي، ومعناه تضطره الحاجة إلى البعيد منه. (وَمَنْ لاَ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاَحِهِ ... يُهَدَّمْ، وَمَنْ لاَ يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ) يذُد: يدفع ويطرد، قيل: المعنى من لا يمنع عن عشيرته يذل، قال الأصمعي: من ملأ حوضه ثم لم يمنع منه غُشى وهُدم، وهو تمثيل، أي من لأن للناس ظلموه واستضاموه (وَمَنْ لاَ يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ... يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ) يصانع: يترفق ويُدار، ويُضرس: يُمضغ بضرس، ويوطأ بمنسم: معناه يدل. (وَمَنْ يَجَعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دَونِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ، وَمَنْ لاَ يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ) بفره: أي يتمه ولا ينقصه، يقال: وفرته أفره وفارة ووفرا وفرة. (سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ، وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ حَوْلاً - لاَ أَبَا لَكَ - يَسْأَمِ)

стр. 127

يقال: علىَّ في هذا الأمر تكلفة، أي مشقة، أي سئمت ما تجيء به الحياة من المشقة، يقال: سئم سآمة وسأمة ورأف رآفة ورأفة وكئابة وكأبة، واللام في (لا أبا لك) زائدة، والتقدير: لا أباك، ولولا أنها زائدة لكان لا أب لك؛ لأن الألف إنما تثبت مع الإضافة، والخبر محذوف، والتقدير: لا أباك موجود، أو بالحضرة. (رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاَء؛ مَنْ تُصِبْ ... تُمِتْهُ، وَمَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ) الخبط: ضرب اليدين والرجلين، وإنما يريد أن المنايا تأتي على غير قصد، وليس كما قال؛ لأنها تأتى بقضاء وقدر، ويقال: عشا يعشو، إذا أتى على غير قصد كأنه يمشي مشية الأعشى. (وَمَهْمَ تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَلَوْ خَالَهَا تَخْفَي عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ) الخليفة والطبيعة واحد، قال الخليل: مهما أصله ماما، فما الأولى للشرط، والثانية للتوكيد، فاستقبحوا الجمع بينهما ولفظهما واحد، فأبدلوا من الألف هاء. (وَأَعْلَمُ مَا فِي اليَوْمِ وَالأمْسِ قَبْلَهُ وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ)

стр. 128

أي أعلم ما مضى في أمس، وما أنا في اليوم؛ لأنه شيء قد رأيته فأما ما في غد فلا علم لي به؛ لأني لم أره. معلقة لبيد بن ربيعة العامري وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن معد بن عدنان، وكان يكنى أبا عقيل: (عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا ... بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَمُهَا) الأول من الكامل، والقافية متدارك. عفت: درست، وتأبد: توحَّش، أبدت الدار تأبد أبودا وتأبدت تأبدا إذا توحشت، والأوابد: الوحش، واحدها آبدة، ومنه أوابد الشعر المشار إليه بالجودة، والمحل: حيث يحل القوم من الدار، والمقام: حيث طال مكثهم فيه، وكذلك المصدر المقام من الإقامة، فإن كان من قام فالموضع والمصدر جميعا مقام بفتح الميم، ومحلُّها: بدل من الديار، ومنى: موضع قريب من طخفة بالحمى، والحمى حمى

стр. 129

ضرية، وقال: المراد منى مكة، وهي تؤنث وتذكر، فمن أنث لم يصرفها، ومن ذكر صرفها، وسميت منى لأن آدم لما انتهى إليها قيل له: تمن، قال: أتمنى الجنة، وقيل: سميت منى لما يُمنى فيها من الدم، وقيل: لما يُمنى فيها من ثواب الله، والغول والرجام: بنفس الحمى، وقال بعض الرواة: الغول والرجام جبلان، وقيل: الغول ماء معروف، والرجام: الهضاب واحدتها رجمة، والرجام في غير هذا: حجارة تجمع تجعل أنصابا ينسكون عندها ويطوفون بها، واحدتها أيضا رجمة. (فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عُرِّىَ رَسْمُهَا ... خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُهَا) المدافع: مجاري الماء، وهو التلاع، والريان: واد بالحمى، ويروى (فصدائر الريان) وهو ما صدر من الوادي، وهو أعلاه (عُرى رسمها خلقا) أي ارتحل عنه فعُري بعد أن أخلق لسكونهم إياه (كما ضمن الوحي سلامها) الوحي: جمع وحي، وهو الكتاب، والمعنى: أن آثار هذه المنازل كأنها كتاب في حجارة؛ لأنه لا يتبين من بعيد، لأن نقشه ليس بشيء مخالف للونه، فإنما يتبين لمن يقرب

стр. 130

منه، والسِّلام: الحجارة، الواحدة سلمة، و (خلقا) منصوب على الحال من الرسم، والكاف منصوبة بعُرى، وما: مصدرية، ويروى (كما ضمن الوَحي) بفتح الواو، وأصلاه الموْحُوُّ، فصرف عن مفعول إلى فعيل، كما قالوا مقدُور وقدير، ومقتُول وقتيل. (دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلاَلُهَا وَحَرَامُهَا) الدمن: جمع دمنة، وهي الآثار وما سودوا بالرماد وغير ذلك، وتجرَّم: تقطع، وقيل تكمل، وحول مجرم: مكمل، وقوله (بعد عهد أنيسها) أي بعد نزول الأنيس فيها، والحجج: السِّنُونَ، الواحدة حجة بكسر الحاء، ويقال (حَجَّ حِجَّة) بكسر الحاء، أي عمل عمل سنة، ولا يقال: حَجَّة بالفتح لانك لا تريد قصدة واحدة، فإن أردت المصدر قلت: حَجَجْتُ حَجَّا، و (حلالُها) يريد به الشهور الحلال، و (حرامها) يريد الشهور الحُرم، ورفع حلالها على إنه بدل من حِجَج، وحرامُها معطوف عليه، ويروى (دمنا تجرم) بالنصب على الحال من الديار والمنازل المذكورة، والحجج رفع بتجرَّم. إن قيل: حجج يقع للقليل والكثير، ولا يدري حقيقة ما أراد من المدد، فما معنى تكمل سنين لا يعرف كم هي؟ فالجواب على ما حكاه ابن كيسان عن بندار أن من الناس من يتجنَّب دخول الديار في شهور الحل، وهي ثمانية، ويدخلها في الشهور الحرم، وهي أربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، لأنه آمن، وهذا يصف أن هذه الديار لا يدخلها آمن ولا خائف لخرابها، فقد تكملت لها أحوال على هذا يؤكد بها محو آثارها. (رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ، وَصَابَهَا ... وَدْقُ الرَّوَاعِدِ جَوْدُهَا فَرِهَامُهَا)

стр. 131

ورواه الأصمعي: (مرابيع السحاب) وواحد المرابيع مرباع، وهو المطر الذي يكون في أول الربيع، وأضاف المرابيع إلى النجوم لأنه يقال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، وأراد بمرابيع النجوم نجوم الوسمي وهذا تمثيل؛ لأن المرباع في الأصل هي التي نتجت في أول الربيع، وصابها وأصابها بمعنى واحد، والودق من المطر: الداني من الأرض، ويقال: ودَقَ يَدِقُ؛ إذا دنا، والرواعد: السحائب ذوات الرعد، واحدتها راعدة، والجود: المطر الشديد الكثير، والرهام: جمع رهمة، وهي المطرة اللينة، يصف الأمطار بأنها مالت على هذه الديار فعفت آثارها. (مِنْ كُلِّ سَارِيَةٍ وَغَادٍ مُدْجِنٍ ... وَعَشِيَّةٍ مُتَجَاوِبٍ إِرْزَامُهَا) سارية: سحابة تجيء ليلا، وغاد: يجيء بالغداة، ومدجن: من الإدجان وهو إلباس الغيم السماء، وإرزامها: تصويتها بالرعد، وإرزام الناقة: حنينها على ولدها، ويقال: سحابة رزمة مصوتة بالرعد، ويوم مُدجن: مُتغيم من أوله

стр. 132

إلى آخره، وأنث السارية على معنى السحابة، وذكَّر (غاد) على معنى السحاب، ومن من صلة صابها، ويروى (أرزامها) بفتح الهمزة، أي لكل واحد منها رزمة، أي صوت شديد، وقال أهل اللغة: الهاء في قوله (أرزامها) تعود على العشية. فإن قال قائل: فهل للعشية صوت؟ فالجواب على هذا أن التقدير: وسحاب عشية متجاوب إرزامها، ثم حذف. (فَعَلاَ فُرُوعَُ الأيْهُقَانِ، وَأَطْفَلَتْ ... بِالجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا) ويروى (فَغَلا) بغين معجمة، أي ارتفع وزاد، من قولهم: قد غلا السعر؛ إذا ارتفع، وغلا الصبي يغلو؛ إذا شب، وفعل ذلك في غلوائه: أي في شبابه، ويروى (فاعتم نورُ الأيهقان) واعتم: ارتفع، ومن نصب (فروع الإيهقان) فمنعاه علا السيل فروع الإيهقان، والرفع أجود؛ لأن المعنى فعاشت الأرض وعاش ما فيها، ألا ترى أن بعده (وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها) وقوله (أطفلت) إنما يقال أفرخ النعام، وأرأل، وإنما قال هذا لأن الفرخ بمنزلة الطفل، فصار بمنزلة قول الشاعر: يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحا فحمله على المعنى؛ لأن السيف يُحمل، كأنه قال: ويحمل رمحا، والفروع: الأعالي، والأيهقان: جر جير البر، الواحد أيهقانة، والجلهتان: جانبا الوادي، وهما ما استقبلك منه، يصف أن هذه الديار خلت فقد كثر أولاد الوحش بها، لأمنها فيها. (وَالعِينُ سَاكِنَةٍ عَلَى أَطْلاَئِهَا ... عُوذاً تَأَجَّلُ بالْفَضاءٍ بِهَامُهَا) العين: البقر، واحدتها عيناء، والذكر أعين، وسميت عينا لضخم عيونها،

стр. 133

وساكنة: مطمئنة، وأطلاؤها: أولادها، الواحد طلا، والعوذ: الحديثات النتاج، وتأجل: تصير آجالا الواحد إجل، وهو القطيع من الظباء والبقر والشاء، وقال ابن الأنباري: الإجل القطيع من الظباء، وربما استعمل في البقر، والصُّوار: القطيع من البقر خاصة، والفضاء: المتسع من الأرض، والبهام: جمع بهمة، وهي من أولاد الضأن خاصة، ومجرى البقرة الوحشية مجرى الضائنة في كل شيء، ومحرى الأروبة مجرى الماعزة، وعوذا: منصوب على الحال، يصف أن هذه الديار صارت مألفا للوحش لخلائها، وقال أبو زيد: يقال لولد الغنم ساعة تضعه أمه من المعز والضأن جميعا ذكرا كان أم أنثى: سخلة، وجمعه سخال، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، وجمعها بهم. (وَجَلاَ السُّيُولُ عَنِ الطُّلُولِ كَأَنَّهَا ... زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَهَا أَقْلاَمُهَا) أي جلت السيول التراب عن الطلول، أي كشفته، وكل جلاء كشف، ومنه جلاء العروس، ومنه الجلية الأمر الواضح، والطلول: ما شخص من آثار الدار، وزبر: جمع زبور، وهو الكتاب، فعول بمعنى مفعول، زبرت الكتاب: كتبته، وذبرته: قرأته وتجد: أي تجدد، أي يعاد عليها الكتاب بعد أن درست، ومتونها: ظهورها وأوساطها، وأرادها كلها، ولم يخص المتون، والهاء في (كأنها) تعود على الطلول، وفي (أقلامها) تعود على الزُبُّرُ، يصف

стр. 134

أن هذا السيل قد كشف عن بياض وسواد، فشبهه بكتاب قد تطمس، فأعيد على بعضه وترك ما تبين منه؛ فكأنه مختلف، وكذلك آثار هذه الديار. (أو رَجْعُ وَاشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُهَا ... كِفَفاً تَعَرَّضَ فَوْقَهُنَّ وِشَامُهَا) الرجع: تريدها الوشم، والواشمة: التي تشم يديها، تضربها بالإبرة ثم تحشوها النؤور، والنؤور: حصاة مثل الإثمد تدق فتسفه اللثة واليد فتسودهما، وأصل الإسفاف الإقماح. ومعنى (أسف) سُقى وذُر عليه النؤور، والكفف: الدارات من النقش، الواحدة كُفة، وهي كل دارة وحلقة، وأصله من الكف وهو المنع؛ ومنه سميت اليد كفا؛ لأن الإنسان يمتنع بها، وتعرَّض: أقبل وأدبر، ومنه يقال (تعرض فلان في الجبل) ومن روى تعرض بفتح الضاد جعله ماضيا، ومن روى تعرض بضم الضاد أراد تتعرض ثم حذف إحدى التاءين، ورفع لأنه يريد الفعل المستقبل، وكففا: منصوب على إنه خبر ما لم يسم فاعله يريد أن هذه الديار كهذا الكتاب أو كهذا الوشم الذي هذه صفته. (فَوَقَفْتُ أَسْأَلْهَا، وَكَيْفَ سُؤَالُنَا ... صُمًّا خَوَالِدَ مَا يَبِينُ كَلاَمُهَا؟) ويروى (سُفعا) وهي الأثافي، والسُفعة: سواد إلى الحمرة، والصم: الصخور، والخوالد: البواقي، وقوله: (كيف سؤالنا) تعجب، يقول: كيف تسأل ما لا يفهم،

стр. 135

وقوله (ما يبين كلامها) أي ليس لها كلام فيتبين وقيل: أن المعنى ليس بها من الأثر ما يقوم مقام الكلام فيبين لنا قُرب العهد أو بعده، ومعنى (خوالد) أي لم تذهب آثارها فيذهل عنها. (عَرِيَتْ وَكَانَ بِهَا الجَمِيعُ، فَأَبْكَرُوا ... مِنْهَا، وَغُودِرَ نُؤْيُهَا وَثُمَامُهَا) عربت: أي خلت من أهلها، وهذا تمثيل، كأنه جعل سكانها بمنزلة اللباس لها لأنهم يغشونها بإبلهم ومواشيهم، وقوله (فأبكروا منها) فيه قولان: أحدهما أنهم ارتحلوا منها بكرة، يقال: بَكَر وأبْكَرَ وبَكَّرَ وابْتَكَر، والقول الآخر أن معناه ارتحلوا في أول الزمان، ومنه الباكورة؛ وغودر: تُرك وخُلف، وسمي الغدير غديرا لأن السيل غادره، أو لأن المسافرين يمرون به وهو ملآن ثم يرجعون فلا يجدون فيه شيئا فكأنه غدر بهم، والنؤى: حاجز يجعل حول الخباء لئلا يصل السيل إليه، والثمام: نبت يجعل حول الخباء أيضا ليمنع السيل، ويقي الحر، ويلقونه على بيوتهم وعلى وطاب اللبن؛ لأنه أبرد ظلا. (شَاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيِّ يَوْمَ تَحَمَّلُوا ... فَتَكَنَّسُوا قُطْنُاً تَصِرُّ خِيَامُهَا) شاقتك: أي دعتك إلى الشوق اليها، والظعن: النساء اللواتي في الهوادج، وتحملوا: ارتحلوا بأحمالهم، وتكنسوا: دخلوا في الهوادج، شبهها بالكنس الواحد كِناس، وهو شيء يتخذه الظباء: تجذب أغصان الشجرة فتقع إلى الأرض؛ فيصير بينها وبين ساق الشجرة مدخل تستظل به، والقطن: جمع

стр. 136

قطين وهم الجماعة، والقطن أيضا: الحشم والضبنة والقطين: الجيران، والقطين أيضا: العبيد، ويكون قُطُنا على هذا ينصب على الحال، وقال أبو جعفر: معنى قوله (فتكنسوا قطنا) يريد ثياب قطن قال: وليس القطين هنا معنى، قال: والدليل على إنه عنى أغشية القطن قوله في البيت الذي بعده (من كل محفوف يظل عصيه زوج، البيت) وقوله (تصر خيامها) أي تعجل بهن إبلهن فتهز الخشب فتصر، وقيل: إنما تصر لأنها جدد، وقيل: تصر من ثقلها. (مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ ... زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وَقِرَامَهَا) المحفوف: الهودج قد حُف بالثياب، أي جعلت على أحفته، وهي جوانبه، الواحد حفاف، وعصيه: خشبه، والزوج: النمط الواحد، والكلة: الستر الرقيق، والقرام: يجعل فوق الفراش تحت الرَّجُل والمرأة، والقِرَام والمقرم: ما يُغَطِّى به الشيء، يقال: قرمته أقرمه. (زُجَلاً كَأَنَّ نِعَاجَ تُوضِحَ فَوْقَهَا ... وَظِبَاَء وَجْرَةَ عُطّفاً أَرَْءامُهَا) زُجل: جماعات، الواحدة زُجلة، والنعاج: البقر الوحشية، ولا يقال إلا للإناث منهن، وتوضح ووجرة: موعان، وعطف: ملتفتات،

стр. 137

وقيل: متحننات على أولادهن، ومن روى زجلا فالواحد عنده زاجل، وهو الصيت، وزُحلا: منصوب على الحال من الضمير الذي في (تحملوا) وقوله: (فوقها) الهاء تعود على الهوادج، ويجوز أن تعود على الإبل، وعطفا: منصوب على الحال، ويجوز (عُطَّف أرآمها) على أن يكون المعنى أرآمها عطف. (حُفِزَتْ وَزَايَلَهَا السَّرَابُ، كَأَنَّهَا ... أَجْزَاعُ بِيشَةً أَثْلُهَا وَرِضَامُهَا) حُفزت: دفعت واستحثت في السير، وزايلها السراب: دفعها سراب إلى سراب، ورواها الأصمعي (حزئت وزايلها السراب) وحزئت يهمز ولا يهمز؛ يريد حزاها السراب، أي رفعها، وزايلها: حركها، من قولك: (أزلت فلانا عن مكانه) إذا أحرجته إلى الحركة منه، وقيل: زايلها فارقها، والسراب: لمعان الشمس في الفضاء، وبيشة: موضع، والأثل: شجر، والرضام: جبال صغار، والرضام: صخور عظام يجتمع بعضها إلى بعض، ورضم الحجارة رضما، إذا نضد بعضها على بعض، والواحدة من الرِّضام رَضْمَة ورَضَمَة، وفعال يكون جمعا لفَعْلَة وفَعَلَة جميعا فيقال: صَحْفَة وصِحَاف وثَمَرة وثِمَار. ومعنى البيت أن هذه الأجمال لما زايلها السراب تبينت كأنها شجر قد ضربته الريح فهو يخفق، أو كأنها جبال صغار. وأثلها: بدل من أجزاع، ورضامها: معطوف على أثلها.

стр. 138

(بَلْ مَا تَذَكَّرُ مِنْ نَوَارَِ وَقَدْ نَأَتْ ... وَتَقَطَّعَتْ أَسْبَابُهَا وَرِمَامُهَا) نَوار: اسم امرأة، والنَّوار: النفُور من الوحش، نأَت: بعدت، و (أسبابها) السبب: الحبل، وأراد حبال مودتها، ورمام: جمع رمة، وهي القطعة من الحبل المخلقة، والمعنى: ما تذكر من نوار وقد تقطَّع جديد وصلها وقديمه؟ و (بَلْ) هنا لخروج من حديث إلى حديث، وما في قوله (بل ما تذكَّر) في موضع نصب، والمعنى أي شيء تذكَّر، والأصل تتذكر ثم حذف إحدى التاءين. (مُرِّيَّةٌ حَلَّتْ بِفَيْدَ، وَجَاوَرَتْ ... أضهْلَ الحِجَازِ، فَأَيْنَ مِنْكَ مَرَامُهَا؟) ويروى (وجاورت أهل الجبال) وحلت: نزلت، ومُرية: منسوبة إلى مُرة بن عوف بن سعد بن ذُبيان بن بغيض، ومرامها: مطلبها، ويروى (مُرية) على البدل من نوار. ومعنى البيت أنها مرية، وليست من أهلك، وقد حلت بفيد؛ فقد بعدت عنك - وفيد: موضع في طريق مكة - وهي مجاورة أهل الحجاز وهم أعداؤك فما طلبك لها؟ ثم وصف تنقلها من موضع إلى موضع فقال: (بِمَشَارِقِ الجَبَلَيْنِ أو بِمُحَجَّرٍ ... فَتَضَمَّنَتْهَا فَرْدَةٌ فَرُخَامُهَا) أراد بالجبلين جبلي طيئ أجأ وسلمى، ومحجر - بكسر الجيم - اسم موضع، ويروى عن الأصمعي إنه كان يفتح الجيم، وقال أبو زياد: محجر جبل حوله رمل حُجِّر به، فعلى هذا الجيم مفتوحة، وفردة: أرض، ورخامها: جبل

стр. 139

قريب من فردة، وقال ابن السكيت: هو موضع غليظ كثير الشجر. (فَصُوَائِقٌ أن أَيْمَنَتْ فَمَظَّنِه ... مِنْهَا وِحَافُ القَهْرِ أو طِلْخَامُهَا) البغداديون يروون (أو طلخامها) بالخاء معجمة، وهو الصواب؛ لأن الخيل ذكر هذا الحرف في باب الخاء فقال: طلخام موضع، والطلخام: الأنثى من الفيلة، وصوائق: موضع، ويروى (فصعايد) وأيمنت: أخذت نحو اليمن، وقيل: أخذت ذات اليمين، وقوله: (فمنظنه منها وحاف القهر) أي موضعها الذي تُظن فيه وتُطلب وحاف القهر، والوحاف: إكام صغار إلى جانب القهر، والقهر: جبل، وواحد الوحاف وحفة ووحف، والمعنى خليق بها أن تكون في هذه المواضع. (فَقْطَعْ لُبَانَةَ مَنْ تَعَرَّضَ وَصْلُهُ ... وَلَخَيْرُ وَاصِلِ خُلّةٍ صَرَّامُهَا) ويروى (ولشر واصل خلة) والخُلة: الصداقة، واللبانة: الحاجة، وتعرض وصله: تغير وحال كأنه أخذ يمينا وشمالا، يقال: (تعرض فُلان في الجبل) إذا أخذ يمينا وشمالا، وقال أكثر أهل اللغة: معنى (ولخير واصل خلة صرامها) خير الواصلين من صرم من قطعه، أي كافأه على ما فعل، ومن

стр. 140

روى (ولشر واصل خلة) أي شر الناس من كان يتجنى ليقطع مودة صاحبه، قال أبو الحسن: قال بندار: معنى (ولخير واصل خُلة صرامها) خير الأصدقاء من إذا علم من صديقه أن حاجته تثقل عليه قطع حوائجه منه لئلا يفسد ما بينه، قال بندار: ومثل هذا قول بعضهم: إذا أردت أن تدوم لك مودة صديقك فاقطع حوائجك عنه إذا كنت تكره أن يردك، قال: ومعنى (ولشر واصل خلة صرامها) من صرمه لإنزال الحاجة به، والمعنى يرجع إلى ذلك، فإن كنت تحب مودته فلا تسأله حاجة إذا كان على هذا. (وَاحْبُ المُجَامِلَ بِالجَزِيلِ وَصَرْمُهُ ... بَاقٍ إذا ضَلْعَتْ وَزَاغَ قِوَامُهَا) ويروى (المحامل) والمحامل: المكافئ الذي يحمل لك وتحمل له، والمجامل - بالجيم - الذي يجاملك بالمودة ظاهرا وسره على خلاف ذلك، واحب: من الحباء وهو العطية، وروى أبو الحسن (وزاغ قوامها) والمعنى زاغ استقامتها، ومن روى (قوامها) فمعناه عنده ما تقوم به، ومعنى (ضلعت) مالت وجارت، أي إذا مالت مودته، أضمر المودة ولم يجر لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم، ويقال (حبوته) إذا خصصته بالعطاء، يقول: أخصص من يُظهر لك جميلا بأكثر مما يظهره لك، وصرمه باق: أي ثابت، وقطيعته ثابتة عندك لا تظهرها فاستبقه ولا تعجل بالقطيعة، والواو في قوله (وصرمه باق) واو الحال، وزاغ: مال، والزيغ: الميل. (بِطَلِيحِ أَسْفَارٍ ترَكْنَ بَقِيَّةً ... مِنْهَا فَأَحْنَقَ صُلْبُهَا وَسَنَامُهَا)

стр. 141

الطليح: المعيية، وقيل: المهزولة، أي تركت الأسفار منها بقية، أي بقيت ضامرا، وقوله (فأحنق) أي ضمر، ولا يقال (أحنق السنام) إنما يقال (ذهب) إلا إنه حمله على المعنى؛ لعلم السامع بما يريد، كما يقال: أكلت خبزاً ولبناً، أي وشربت لبنا، وكقوله: عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا والباء في قوله: (بطليح أسفار) متعلقة فاقطع لبانة، أي اقطع حاجتك وحاجة غيرك بهذه الناقة التي من صفتها كذا ليسليك ذهابك عنه. (فَإِذَا تَغَالَى لَحْمُهَا وَتَحَسَّرَتُ ... وَتَقَطَّعَتْ بَعْدَ الكَلاَلِ خِدَامُهَا) تغالى: معناه ذهب وارتفع، قال الأصمعي: معناه ركب رؤوس العظام، وذهب ما سوى ذلك، وتحسرت: معناه تحسر عنها البدن، وقيل: معناه سقط وبرها، وقيل: صارت حسيرا أي معيية، وقيل: هي تفعلت من الحسرة، والخدام: سيور تشد على الأرساغ، الواحدة خدمة، ويقال للخلخال: خدمة، وهذه السيور في موضع الخلاخيل فسميت باسمها، يقول: إذا صارت هكذا فلها هباب. (فَلَهَا هِبَابٌ فيِ الزِّمَامِ كَأَنهَا ... صَهْبَاءُ رَاحَ مَعَ الجَنُوبِ جَهَامُهَا) هباب: هيج ونشاط، يقول: إذا صارت في هذه الحال لم يذهب نشاطها،

стр. 142

وقوله: (كأنها صهباء) أي سحابة صهباء، وإذا اصهابت وقل ماؤها خفت وسرع مرها، أي لهذه الناقة بعد ذهاب لحمها هباب في الزمام مثل هذا السحاب الذي قد هراق ماءه؛ فأدنى ريح تسوقه. (أو مُلْمِعٌ وَسَقَتْ لأحْقَبً لاَحَهُ ... طَرَْدُ الفُحُولِ وَضَرْبُهَا وَكِدَامُهَا) الملمع: التي قد استبان حملها، ويروى (طرد الفحالة ضربها وعذامها) ويروى (وزرُها وكِدامها) والعذم: العض، وكذلك الزَّرُّ والكدم، و (وسقت) قيل: معناه جمعت، قال الله : (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) ومنه سمى الوسق، وقيل: معنى وسقت استجمعت، كأنه بمعنى استوسقت، وقال أكثر أهل اللغة: معنى وسقت حملت، وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد؛ لأن من قال جمعت فمعناه عنده جمعت ماء الفحل فحملت، والأحقب: الذي في موضع الحقب منه بياض، ولاحه: غيره، والطَّرَدُ: اسم، والطَّرْد - بسكون الراء - مصدر، وقوله ضربها يعني ضربها بأرجلها، وكدامها: عضاضها، شبه ناقته بسحاب قد هراق ماءه فهو أسرع لمره، أو بأتان يتبعها حمار هذه صفته. (يَعْلُو بِهَا حَدَبَ الإكَامِ مُجَّجاً ... قَدْ رَابَهُ عِصْيَانُهَا وَوِحَامُهَا) الحدب: ما ارتفع من الأرض، والإكام: الجبال الصغار، الواحدة أكمة، والمسحج: المعضض قد عضضته الحمير، ويروى (مسحَّجٌ) بالرفع، ويروى (مسحجٍ) بالجر؛ فمن رفعه رفعه بفعله وهو يعلو، ومن رواه منصوبا أضمر في يعلو، وجعل مسحجا حالا من المضمر، ومن جره جعله نعتا لأحقب، وقوله (قد رابه) أي قد استبان الريب، وعصيانها: امتناعها عليه، وقوله: (وحامها) الوحم: الشهوة على الحمل، يقال: امرأة وحمى، ونساء وحام ووحامى، وقد وحمت توحم وحما، قال العجاج:

стр. 143

أَزْمَانَ لَيْلَى عَامَ لَيْلَى وَحَمِى أي شهوتي وقوله (يعلو بها) أي يعسفها عسفا ليس يهتم إلا بطردها لا يبالي أين سلكت، وإنما يعلو بها خوف الرامي، وقال أبو الحسن: يقال: وحمت توحم، إذا اشتهت الفحل، والمعنى إنها وادق، وإذا تبعها الفحل منعته لأنها حامل فاستراب بها، وإذا امتنعت منه تبعها وكان أحرص عليها، فشبه ناقته بها في سرعتها. (بِأَحِزَّةِ الثَّلَبُوتِ يَرْبأُ فَوْقَهَا ... قَفْرَ المَرَاقِبِ خَوْفُهَا آرَامُهَا) الأحزة: جمع حزيز، وهو ما غلظ من الأرض، والجمع الكثير حُزَّان، وهو خارج عن القياس؛ لأن نظيره إنما نظيره إنما يجمع على فعلان نحو رغيف ورغفان إلا أن فعيلا وفُعالا يتضارعان، ألا ترى انك تقول طويل وطوال؛ فعلى هذا شبه فعيل بفعال فقيل حزيز وحزان كما يقال: غلام وغلمان، والثلبوت: ماء لبني ذبيان ويربأ: يعلو ويشرف، وريئة القوم: طليعتهم، والمراقب: مواضع مشرفة ينظر منها من يمر بالطريق، والآرام: حجارة تجعل أعلاما ليعرف بها الطريق. والمعنى: أن الحمار يخاف من هذه الحجارة إذا رآها؛ لأنه يتوهم إنها مما تخيفه. (حَتَّى إذا سَلَخَا جُمَادَى سِتَّة ... جَزَآ فَطَالَ صِيَامُهُ وَصِيَامُهَا)

стр. 144

ويروى (حتى إذا سلخا جمادى كلها) يعني العير والأتان خرجا منها، وجمادى: شدة القر، وكذلك كان الشتاء في ذلك الزمان وفيها كان يكون أول المطر، فيقول: لما خرج عنهما كلب البرد وأنبتت الأرض استقبلا الجزء فصاما عن الماء، أي عن الانتجاع في طلب الماء؛ لأنهما قد اكتفيا بالرطب، ويقال: طال قيامهما يفكران أين يردان بعد فناء الرطب، والبيت الثاني يبين هذا المعنى، ومعنى قوله (جمادى ستة) - على ما ذكر الأصمعي - جعل الشتاء كله جمادى؛ لأن الماء يجمد فيه، وأنشد: إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَا ... زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ ويروى (جمادى ستة) و (جمادى حجة)، وقال أبو عبيدة: يعني جمادى بعينها؛ فالمعنى على هذا القول: جمادى تمام ستة، كما تقول: اليوم خمسة عشر يوما، أي تمام خمسة عشر يوما، والمعنى إنه قدَّر جمادى انقضاء الستة فلما انقضى الشتاء جزأ، أي اكتفيا بالرطب؛ لأنهما إذا أكلاه استغنيا عن الماء، ومن روى

стр. 145

جزءا جعل هذه الشهور جزءا، ونصب جزءا على البيان، والجزء: الوقت الذي يتجزأ فيه بالرطب عن الماء، وقال أبو الحسن: قال قوم هذا غلط؛ لأن الجزء إنما يكون شهرين، وقال أبو الحسن: قال بندار: أراد جمادى الآخرة، أي ستة أشهر من أول السنة، ونصب ستة على الحال، كأنه قال: تتمة ستة، فجعل جمادى وقتا لانقطاع الجزء، وعلى هذا يصح البيت. (رَجَعَا بِأَمْرِهِمَا إلى ذِي مِرَّةٍ ... حَصِدٍ، ونُجْحُ صَرِيَمةٍ إِبْرَامُهَا) المرَّة: القوة أي رجعا بأمرهما إلى رأى قوي، أي عزما على ورود الماء بعد طول قيامهما، والحصد: المحكم، والصريمة: العزيمة، كأنه قطع الأمر، وأصل الصرم القطع وقوله: (ونُجْح صريمة إبرامها) أي نجاح الأمر في إبرامه، أي إحكامه. (وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا، وتَهِيَّجَتْ ... رِيحُ المَصَايِفِ سَوْمُهَا وَسَهَامُهَا) الدوابر: مآخير الحوافير، واحدتها دابرة، والسفا: سفا البهمى وهو كشوك السنبل، وهو يجف إذا جاء الصيف، واحدته سفاة، والمصايف: جمع مصيف، وسومها: بدل من الريح، وسهامها: معطوف عليه، وقيل: سومها حرُّها،
следующие страницы →