Полный текст (334 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
شبَّه عينيها بالماويتين لصفائهما، والماويتان: المرآتان، واستكنتا: حلتا في كن، والكهف: غار في الجبل، وهو هنا غار العين الذي فيه مقلتها، والحجاج: العظم المشرف على العين الذي ينبت عليه شعر الحاجب، والقلت: نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء مؤنثة وجميعها قلات، وقوله (قَلْتِ مورد)، بدل من صخرة، وإذا كانت الصخرة في ماء كان أصلب لها، والمراد أن صفاء عينيها كصفاء ماء القلت، وقوله (مورد) أراد أن ماء المطر يردها، ولو وردها الناس لكدروها.
(طَحُورَانِ عُوّارَ القَذَى، فَتَرَاهُمَا ... كَمَكْحُوَلَتْي مَذْعُورَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ)
(طحوران) أي دفوعان: يقال طحره ودحره، أي دفعه، والعوار والعائر: ما أفسد العين من الرمد، فيقول: عينها صحيحة لا قذى فيها كأنها قد طحرته، وقوله (فتراهما كمكحولتي مذعورة) يريد كعيني بقرة مذعورة، وفرقدها: ولدها، وإذا كانت مذعورة مطفلا كان أحد لنظرها.
(وَصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للِسُّرى ... لَهِجْسٍ خَفيٍّ أو لِصَوْت مُنَدَّدِ)
يعني أذنيها، أي لا تكذبها إذا سمعت النبأة، والتوجس: التسمع بحذر، والهجس: الصوت الخفي، وقوله (للسرى) أي في السرى أو عند السرى، ويقال: سرى وأسرى؛ إذا سار بالليل، وقيل للنهر (سرِيٌّ) من هذا؛ أن الماء يسري فيه، قال المبرد: خص النهر بهذا الاسم من قولهم (خير المال عين ساهرة لعين نائمة) أي لا تنام وإن نمت عنها، ويروى (لصَوْت مُندِّد) بالإضافة،
стр. 72
والمندِّد: الذي يرفع
صوته، والرواية الجيدة (صَوْتٍ مُنَدِّد) والمندد صفة للصوت.
(مُؤَللّتَانِ، تَعْرِفُ العِتْقَ فِيِمَا ... كَسَامِعَتَيْ شَاة بِحَوْمَلَ مُفْرَدِ)
المؤلل: المحدد كتحديد الآلة، وهي الحربة، والعتق: الكرم، ويريد هنا الحسن والنقاء، ويريد بالشاة هنا الثور الوحشي وقال (مُفرد) بلا هاء لأنه أراد الثور الوحشي؟، وإذا كان مفردا كان أسمع له؛ لأنه ليس معه ما يشغله وقيل: العتق أن لا يكون في داخلهما وبر؛ فهو أجود لسمعهما، وكذلك آذان الوحش.
(وَأَرْوَعُ نَبَّاضٌ أًَحَذّ ُ مُلَمْلَمٌ ... كَمِرْدَاةِ صَخْرٍ فِي صَفِيحٍ مُصَمَّدِ)
(أروع) يعني قلبها، وهو الحديد السريع الارتياع، ونباض: ينبض: أي يضرب من الفزع، والأحذ: الأملس الذي ليس له شيء يتعلق به، وقال أبو عمرو: هو الخفيف، وقال ابن الأعرابي: الأحذ الذكي الخفيف، وململم: مجتمع، وقولهم للشعر (لمة) من هذا، وألم بنا: أي ادخل في جماعتنا، وبنو تميم يقولون: لم بنا، وقوله : (الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ) معناه إلا أن يقاربوا ولا يدخلوا في معظم الشيء، وليس في الكلام دليل على إنه أباح اللمم؛ لأنه استثناء ليس من الأول، وهو مثل قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) فليس فيه دليل على إنه أباح ما سلف، وإنما المعنى ولكن ما قد سلف
стр. 73
فإن الله يعفو عنه. وكذلك قوله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأَ) أي ولكن أن قتله خطأ فعليه ما أمر به، وقولهم: (لمَّ الله شَعَثَك) فيه قولان: أحدهما أن المعنى جمع الله مفترقك، والثاني - وهو قول المبرد - أن المعنى جمع الله ما يزيل الشعث عنك. والمرداة: صخرة تدق الصخرة بها والمراد كمرداة من صخر. والصفيح من الحجارة: العريض، والمصمد: الصلب الذي لا خور فيه.
(وَإِنْ شِئْتَ سامي وَاسِطَ الكُورِ رَأْسُها ... وَعَامَتْ بِضَبْعَيْها نَجاَء الخَفَيْدَدِ)
سامي: عالي، وواسط الكور: العود الذي بين موركة الرحل ومؤخره، وموركة
الرحل: الموضع الذي يضع عليه الراكل رجله، وقيل: الموركة: مهاد يمهده الرجل لرجله إلى جانب الواسط أسفل منه، فإذا أعيا من الغرز نزع رجله من الغرز وجعلها على الموركة، وقيل: الواسط للرحل كالقربوس للسرج وعامت: سبحت، والضبع: العض، والنجاء: السرعة، والخفيدد: الظليم، وهو ذكر النعام.
(وَإِنْ شِئْتَ لم تُرْقِلْ، وَإِنْ شِئْتَ أَرقَلَتْ ... مَخَافَة مَلْوِيٍّ مِنَ القِدِّ مُحْصَدِ)
الإرقال: ضرب من السير السريع، وأراد بالملوى السوط، والمحصد: المحكم، ومخافة: منصوب لأنه مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا.
стр. 74
(وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ مِنَ الأنْفِ مَارِنٌ ... عَتِيقٌ مَتَى تَرْجُمْ بِهِ الأَرْضَ تَزْدَدِ)
أراد بالأعلم: مشفرها، والإبل كلها علم، والعلم: شق في الشفة العليا، فإن كان في السفلى قيل له: أفلح، والمخروت: المشقوق، وخرت كل شيء: شقه وثقه، والمارن: اللين، وقوله. (متى تَرْجُمْ بِه الأرضَ) أي إذا أدنت رأسها من الأرض في سيرها فذلك رجمها إياها، يقول: إذا أومأت برأسها إلى الأرض ازدادت سيرا.
(عَلَى مِثْلِهَا أَمْضِى إذا قَالَ صَاحِبِي ... أَلاَ لَيْتَنِي أَفْدِيكَ مِنْهَا وَأَفَتدِي)
أي على مثل هذه الناقة أسير وأمضي إذا قال صاحبي: إنا هالكون من خوف الفلاة، وقوله (ألا ليتني أفديك منها وأفتدى) معناه من الفلاة. فجاء بمكنيها ولم يجر لها ذكر لدلالة المعنى عليها، كقوله تعالى (حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجْاب)، وقوله (أفديك منها) أي أعطيك فداءك وتنجو، وأفتدى أنا منها: أي أنجو، وقيل: معناه ليتني أقدر على أن أفتديك منها وأفتدى نفسي، و (على) تتعلق بأمضى، وكذلك إذا.
(وَجَاشَتْ إليه النَّفْسُ خَوْفاً وَخَالَهُ ... مُصَاباً وَلَوْ أَمْسَى عَلَى غَيْرِ مَرْصَدِ)
جاشت: ارتفعت إليه من الخوف ولم تستقر كما تجيش القدر إذا ارتفع غليانها، وقوله (اليه) أي إلى صاحبه، وقوله (وخاله) يعني وخال نفسه، وإنما جاز أن
يقال (خاله مصابا) ولم يجز (ضربه) إذا أردت ضرب نفسه على مذهب سيبويه انهم
стр. 75
استغنوا عن ضربه بقولهم (ضرب نفسه) والذي يذهب إليه أبو العباس إنه لم يجز (ضربه) لئلا يكون فاعلا مفعولا في حال وجاز (خاله) لأن الفاعل في المعنى مفعول لأنه إنما رأى شيئا فأظنه، وقوله (ولو أمسى على غير مرصد) أي ولو أمسى لا يرصد ولا يخاف من أحد لظن إنه هالك من العطش لهول المفازة، أي فأنا أنجو منها على ناقتي.
(إذا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتًى خِلْتُ أَنَّنِي ... عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ، وَلَمْ أَتَبَلَّدِ)
يقول: إذا قالوا من فتى لهذه المفازة خلت أنهم يعنونني ويقولون ليس لها غيره؛ فلم أكسل عن أن أقول أن لها ولم أتبلد عن سلوكها، ويقال (رجل بليد، ومتبلد) إذا أثر فيه الجهل كي يذهب به عن فطن الناس واحتيالهم وكذا يقال في الدواب، وأصل البلادة والتبلد من التأثير، يقال: في جلده بلد، إذا كان فيه أثر، وكذلك في غير الجلد، ويقال لكركرة البعير (بلدة) لأنها تؤثر في الأرض، أو تؤثر فيها الأرض، قال الشاعر:
أَنِيخَتْ فَأَلقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلٍ بِهَا الأَصْوَاتُ إِلاَّ بُغَامُهَا
وبهذا سميت البلدة والبلد؛ لأنه موضع مواطن الناس وتأثيرهم.
(أَحَلْتُ عَلَيْهَا بِالقَطِيعِ فَأَجْدَمَتْ ... وَقَدْ خَبَّ آلُ الأَمْعَزِ المُتَوَقِّدِ)
القطيع: السوط، أي أقبلت عليها بالسوط، يقال: أحلت عليه ضربا، إذا
стр. 76
أقبلت عليه تضربه ضربا في أثر ضرب، أو على ضرب، ومنه قوله:
يُحِيلُونَ السِّجَالَ عَلَى السِّجَالِ
أي يصبون دلوا على إثر دلو، وأجذمت: أسرعت، وخب الآل: جرى واضطرب، والآل يكون بالغداة والعشي والأمعز والمعزاء: الموضع الغليظ الكثير الحصى، والمتوقد: الذي يتوقد بالحر، والواو في قوله (وقد خب) واو الحال.
(فَذَالَتْ كَمَا ذَالَتْ وَلِيدَةُ مَجْلِسٍ ... تَرِى رَبَّهَا أَذْيالَ سَحْل مُمَدَّدِ)
أي ماست في مشيها وتبخترت، يقول: تبخترت هذه الناقة في مشيها كما تتبختر وليدة أي أمة عرضت على أهل مجلس فأرخت ثوبها واهتزت بأعطافها، وخص (وليدة مجلس) يريد إنها ليست بممتهنة فإذا مشت تبخترت وجرت أذيالها، والسحل: الثوب الابيض، والممدد: الذي ينجر في الأرض، ومعنى البيت: إني أبلغ على هذه الناقة حاجتي بأقل تعب.
(وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً ... وَلَكِننْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ)
التلاع: مجارى الماء من رءوس الجبال إلى الأودية، والمعنى إني لست ممن يستتر في التلاع، أي لا أنزلها مخافة فتواريني من الناس حتى لا يراني ابن السبيل والضيف، ولكن أنزل الفضاء، وأرفد من يسترفدني، وأعين من استعان بي، والرفد: العطية، والرفد: المعونة، و (مخافة) ينتصب على إنه مفعول له، أو على المصدر، ويروى (ولست بحلالِ التلاع ببيته).
стр. 77
(وَإِنْ تَبْغِنِي فيِ حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقَنِى ... وَإِنْ تَقْتَنِصْنِي فيِ الحَوَانِيت تَصْطَدِ)
يقول: أن تبغني - أي تطلبني - في موضع يجتمع فيه الناس للمشورة وإجالة الرأي تلقني؛ لما عندي من الرأي، لا أتخلف عنهم، وإن تطلب صيدي في حوانيت الخمارين تجدني أشرب وأسقي من يحضرني، والحانوت: يذكر ويؤنث والحوانيت: بيوت الخمارين، والحوانيت أيضا: الخمارون.
(مَتَى تَأْتِنِي أَصْبَحْكَ كَأساً رَوِيَّةً ... وَإنْ كُنْتَ عَنْهَا غَانِياً فَاغْنَ وَازْدَدِ)
ويروى (وإن تأتني أصبحك كأسا) أصبحك: من الصبوح، والصبوح: شرب الغداة، والكأس مؤنثة، قال الفراء: الكأس الإناء الذي فيه لبن أو ماء أو خمر أو غير ذلك، وان كان فارغا لم يقل له كأس كما أن المهدى الطبق الذي يكون للهدية، فإن أخذت منه الهدية قيل له طبق ولم يقل له مهدى، وأكثر أهل اللغة
يقول: لا يقال للإناء كأس حتى يكون فيها الخمر، وقال بعضهم: قد يقال للزجاجة كأس، وللخمر كأس، كقوله تعالى: (يُطافُ عَلَيْهِمْ بكأسٍ مِنْ مَعِين، بَيضاءً لذَّةٍ للِشَّارِبِينَ) فاللذة هاهنا: الخمر (وإن كُنتَ عنها غانيا) أي غنيا، والمعنى: متى تأتني تجدني قد أخذت خمرا كثيرا مروية لمن يحضرني، ومعنى (فاغن وازدد) فاغن بما عندك وازدد.
стр. 78
(وَإِنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الجَمِيعُ تُلاَقِنِي ... إلى ذِرْوَةِ البَيْتِ الرَّفِيعِ المُصَمَّدِ)
يقول: إذا التقى الحي الجميع الذين كانوا متفرقين للمفاخرة وذكر المعاني تجدني في الشرف، و (إلى ذروة) أي مع ذروة، وذروة كل شيء: أعلاه، وإنما يريد بالبيت هنا الأشراف، والمصمد والصمد: الذي يُصمد إليه في الحوائح والأمور، أي يُقصد.
(نَدَامَايَ بِيضٌ كَالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ ... تَرُوحُ إِلَيْنَا بَيْنَ بُرْدٍ وَمُجْسَدِ)
ويروى (تروح علينا) الندامى: الأصحاب، يقال (فلان نديم فلان) إذا شاربه، و (فلانة نديمة فلان) ويقال ذلك أيضا إذا صاحبه وحدثه وإن لم يكونا على شراب، قال أبو جعفر: سمي النديم نديما لندامة جذيمة حين قتل جذيمة مالكا وعقيلا اللذين أتياه بعمرو ابن أخته، فسألاه أن يكونا في سمره، فوجد عليهما فقتلهما، وندم، فسمى كل مشارب نديما، وقيل من الندم: ندمان وندمى، وقيل: الأصل فيهما واحد؛ لأنه إنما قيل للمتواصلين (ندامى) لأنهم يجتمعون على ما يندم عليه من إتلاف المال. وقوله: (كالنجوم) أي هم أعلام، والقينة: الأمة مغنية كانت أو غير مغنية، وإنما قيل لها قينة لأنها تعمل بيديها مع غنائها، والعرب تقول لكل من يصنع بيديه شيئا: قين، والمجسد: الثوب المصبوغ بالزعفران، ومعنى قوله (بين برد ومجسد) أي
стр. 79
عليها برد ومجسد، وقيل: معناه مرة تأتي وعليها بُرد ومرة تأتي وعليها مُجسد، والمجسد: المصبوغ الذي قد يبس عليه الصباغ من قولهم (جسد
الدم) إذا يبس عليه، والمجيد أيضا: الذي يلي الجسد من الثياب، وقيل في الذي يلي الجسد (مِجسد) بكسر الميم.
(رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا، رَفِيقَةٌ ... بِجَسِّ النّدَامَى، بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ)
ويروى (رحيب قطاب الجيب) بالإضافة، والرحيب: المتسع، وقطاب الجيب: مُجتمع الجيب، قطب: أي جمع، ومنه (قطب بين عينيه) أي جمع، و (جاء الناس قاطبة) أي جميعا، والجس: المس، وجس الندامى: أن يجسُّوا بأيديهم يلمسونها، كما قال الأعشى:
لجسِّ النَّدَامَى فيِ يَدِ الدِّرْعِ مفتق
وذلك أن القينة كان يُفتق فتق في كمها إلى الرفع، فإذا أراد الرجل أن يلمس منها شيئا ادخل يده فلمس، ويد الردع: كمه، وقال بعضهم: بجس الندامى بما يطلب الندامى من اقتراحها وغنائها، والجس بمعنى الطلب و (قطاب) يرتفع برحيب، ومعنى قوله (رحيب قطاب الجيب) أن عنقها واسع فتحتاج إلى أن يكون جيبها واسعا، والبضة: البيضاء الرخصة، والمُتجرد: جسدها المتجرد من ثيابها
(إذا نَحْنُ قُلْنَا أَسْمِعِينَا انْبَرَتْ لَنَا ... عَلَى رِسْلِهَا مَطْرُوفَةً لَمْ تَشَدَّدِ)
أسمعينا: غنِّينا، وانبرت: اعترضت، و (على رسلها) على هينتها، أي ترنمت في رفق، ومطروفة - بالفاء - ساكنة الطرف وفاترته، كأنها قد طرفت عن كل
стр. 80
شيء تنظر إليه وطرف طرفها، ومن روى (مطروقة) بالقاف فمعناه مسترخية، (لم تشدد) لم تجتهد، وقيل في المطروفة بالفاء: إنها التي عينُها إلى الرجال، وانبرت: جواب إذا، وهو العامل فيه، ومطروفة: منصوب على الحال.
(وَمَا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِي ... وَبَيْعيِ وَإِنْفَاقِي طَرِيفي وَمُتْلَدِي)
تشراب: تفعال من الشرب، إلا أن تشرابا يكون للكثير، والشرب يقع للقليل والكثير والطارف، والطريف: ما استحدثه الرجل واكتسبه، والمُتلد والتالد والتليد والتلاد:
ما ورثه عن آبائه، ومعناه المتولد، والتاء بدل من الواو.
(إلى أن تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا ... وَأُفْرِدْتُ إفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ)
تحامتني: تركتني، والعشيرة: أهل بيته، ويدخل فيه غيرهم ممن يخالطه، وأفردت إفراد البعير: أي أفردت إفراداً مثل إفراد البعير، والمعبد: الأجرب، وقيل: هو المهنوء الذي سقط وبره فأفرد عن الإبل، أي تُركت ولذَّاتي.
(رَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاَء لاَ يُنْكِرُوَنِني ... وَلاَ أَهْلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَدَّدِ)
الغبراء: الأرض، وبنو غبراء: الفقراء، ويدخل فيهم الأضياف، والمعنى انهم يجيئون من حيث لا يحتسبون، و (أهل) مرفوع معطوف على المضمر الذي في (ينكرونني)، قال الله : (سَيَقُولُ الَّذِينُ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ
стр. 81
اللهُ مَا أَشْرَكْنَا ولاَ آبَاؤُنَا)، والطراف: قبة من أدم يتخذها المياسير والأغنياء، والممدد: الذي قد مد بالأطناب، والطراف: لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجمع، ومعنى البيت إنه يخبر أن الفقراء يعرفونه؛ لأنه يُعطيهم، والأغنياء يعرفونه؛ لجلالته.
(أَلا أَيُّهذَا الّلائمِي أَحْضُرُّ الوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ الّلذَّاتِ، هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي؟)
ويروى (أَلا أَيُّها الّلاحِي أن أَحْضُرُّ الوَغَى)، واللاحي: اللائم، لحاه يلحوه ويلحاه، إذا لامه، والزاجر: الناهي، وقد روى (أَلا أَيُّهذَا الّزاجري أَحْضُرَ الوَغَى) على إضمار أن، وهذا عند البصريين خطأ؛ لأنه أضمر ما لا يتصرف وأعمله، فكأنه أضمر بعض الاسم، ومن رواه بالرفع فهو على تقديرين، أحدهما أن يكون قدره (أن أحضُر) فلما حذف أن رفع، ومثله على أحد مذهبي سيبويه قوله : (قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تأمُرُونِّي أعْبُدُ) المعنى عنده أن أعبد، والقول الآخر في رفع (أحضر) - وهو قول أبي العباس - أن يكون في موضع الحال، ويكون (وأن أشهد) معطوفا على المعنى؛ لأنه لما قال: (أحضر) دل على الحضور كمما تقول: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، ومعنى قوله: (هل أنت مُخلدي)
هل أنت مُبقى، ومعنى البيت: ألا أيهذا اللائمي في حضور الحرب لئلا أقتل وفي أن أنفق مالي لئلا أفتقر، ما أنت مُخلدي أن قبلت منك، فدعني أنفق مالي ولا أخلفه.
стр. 82
(فإن كُنْتَ لاَ تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي ... فَدَعْنِي أُبَادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي)
أي فدعني ولذاتي قبل أن يأتيني الموت، ويقال: معناه أبادر المنية بإنفاق ما ملكت يدي في لذاتي.
(فَلَوْلاَ ثَلاَثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى ... وَجَدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي)
عيشة الفتى: ما يعيش به ويلتذ، وقد بينهن فيما بعد، وقوله: (وَجدك)، قيل: معناه وحقك، وقيل: معناه ونفسك، وقيل: معناه وأبيك، وقوله: (لم أحفل) أي لم أبال، وعوده: من يحضره عند موته في مرضه وينوح عليه.
(فَمِنْهُنَّ سَبْقُ العَاذِلاَتِ بِشَرْبَةٍ ... كُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالماءِ تُزْبِدِ)
الكميت من الخمر: التي تضرب إلى السواد، وقوله: (متى ما تُعل بالماء) أي متى تمزج به (تزبد)؛ لأنها عتيقة.
(وَكَرِّي إذا نَادَى المُضَافُ مُحَنَّباً ... كَسِيد الغَضَا نَبَّهْتَهُ المُتَوَرِّدِ)
كري: عطفي، والمضاف: الذي قد أضافته الهموم، والمحنَّب: فرس أقنى الذراع، والسِّيد: الذئب، والغضا: شجر، وذئابه أخبث الذئاب، ونبهته: هيجته، والمتورد: الذي يطلب أن يرد الماء، وقوله (محنبا) منصوب بكرى، والمعنى: وكري فرسا محنبا، والكاف من قوله: (كسيد) في موضع نصب؛ لأنها من نعت المحنب.
стр. 83
(وَتَقَصْيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ ... بِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الطِّرَافِ المُعَمَّدِ)
الدجن: قيل هو الندى والمطر الخفيف، وقيل: هو إلباس الغيم السماء وإن لم يكن مطر يقول: أقصره باللهو، ويوم اللهو وليلة اللهو قصيران، قال بعض الأعراب:
لكن أيَّامُنَا أَمْسَتْ طِوَالاَ ... لَقَدْ كُنَّا نَعِيشُ بِهَا قِصَارَا
أراد طالت بالحزن وقصُرت بالسرور، وقال:
ظَلِلْنَا عِنْدَ دَارِ أبي أنِيسٍ ... بِيَوْمٍ مِثْلِ سَالِفَةٍ الذُّبَابِ
وقال آخر:
وَيَوْمٍ كَإبْهَامِ القَطَاةِ مُزَيَّنٍ ... إلى صِبَاه غَالِبٍ لِيَ بَاطِلُهْ
(والدجن معجب) أي يعجب من رآه، والبهكنة: التامة الخلق، ويروى (بهيكلة) والهيكلة: العظيمة الألواح والعجيزة والفخذين، ويروى (تحت الخباء المعمد) أي ذي العمد.
(كَأَنَّ البُرِينَ وَالدَّمَالِيجَ عُلِّقَتْ ... عَلَى عُشَرٍ أو خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّدِ)
البرين: الخلاخيل، واحدتها بُرة، والعُشر: شجر أملس مستو ضعيف العود، شبه عظامها وذراعيها به لملامسته واستوائه، وكل ناعم خروع، (لم يُخضد) لم يُثن، يقال: خضدت العود أخضده خضدا؛ إذا ثنيته لتكسره، وفي (برين) لغتان، من العرب من يجعل إعرابه في النون، ومنهم من يجعله بمنزلة مُسلمين،
стр. 84
والدماليج: جمع دُملُج، وكان يجب أن يقول دمالج؛ فيجوز أن يكون جمعا على غير واحده، ويجوز أن يكون أشبع الكسرة فتولدت منها ياء، ويجوز أن يكون بناه على دملوج، وهو الوجه.
(فَذَْنِي أُرَوِّ هَامَتِي فِي حَيَاتِهَا ... مَخَافَةَ شِرْبٍ فِي الحَيَاةِ مُصَرَّدِ)
الشِّرب بكسر الشين، والشُّرب بضمها: اسمان للمشروب، والشَّرب بالفتح: مصدر، وقد تكون الثلاثة مصدرا، والمصرد: المُقلل والمنغص.
(كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِ ... سَتَعْلَمُ أن مُتْنَا غَداً أَيُّنَا الصَّدِى)
ويروى (إن متنا صدى) أي عطشا، والصدى: العطشان، ويروى (إن متنا صدى أينا الصدى) والمراد بالصدى في هذه الرواية ما كانت العرب تزعمه في الجاهلية أن الرجل إذا قتل ولم يُدرك بثأره خرج من رأسه طائر يشبه البُوم فيصيح:
(اسقوني، اسقوني) فإذا أخذ بثأره سكن، والصدى في غير هذا قالوا: بدن الميت، والصوت الذي تسمعه من ناحية الجبل ونحوه، وذكرُ البوم، ويقال: (هو صدى مال) أي الذي يقوم به، وقوله: (يروى نفسه) أراد يروى نفسه من الخمر، ثم حذف لعلم المخاطب، ومن روى (إن متنا صدى)
стр. 85
أراد أن متنا عطشا، ومن روى (صدى أينا الصدى) بالإضافة أراد صدى أينا العطشان.
(أَرَى قَبْر نَحَّامٍ بَخِيلٍ بِمَالِهِ ... كَقَبْرِ غَوِيٍّ فيِ البَطَالَةِ مُفْسِدِ)
النَّحام: الزَّحار عند السؤال البخيل، والغوي الذي يتبع هواه ولذاته، ومعنى البيت أن من يبخل بماله عند أداء الحق، وعند السؤال، وعند لذاته، إذا مات فقد استوى هو ومن ينفق ماله ويقضي لذاته، وفضله من ينفق في حياته.
(تَرَى ِجُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ)
الجثوة: التراب المجموع، يقال للرجل: (إنما هو جثوة اليوم أو غد)، ويقال لكل مجتمع (جُثوة) والجمع جُثى، وفي الحديث: (مَنْ دَعَا دُعَاء الجاهلية فإنه من جُثَى جهنم) أي من جماعات جهنم، ويروى (من جثى جهنم) وهو جمع جاث، والصُّمُّ: الصلبة، والمُنضد: الذي قد نضد بعضه على بعض.
(أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ، وَيَصْطَفِي ... عَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدِّدِ)
يعتام: معناه يختار، يقال: اعتامه، واعتماه، إذا اختاره، وعقيلة كل شيء: خيرته وأنفسه عند أهله، ويروى (يعتام الكريم)، والكريم: الشريف
стр. 86
الفاضل، قال الله تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، أي شرفناهم وفضلناهم، ويقال للصفوح كريم لفضله، كما قال : (إنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم)، ويقال للكثير كريم، كقوله تعالى: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم) أي كثير، ويصطفي: يختار صفوته، والفاحش: القبيح السيئ الخلق، والمُتشدد: البخيل، وكذلك الشديد، قال الله تعالى: (إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، قال أبو العباس: إنه من أجل حب الخير لبخيل.
(أَرَى الدَّهْرَ كَنْزاً نَاقِصاً كُلَّ لَيْلَةٍ ... وَمَا تَنْقُصِ الأيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَدِ)
أراد أهل الدهر، ويروى (أرى العيش)، و (أرى العمر)، والكنز: ما استعد وحُفظ، وقوله: (ما تنقُص الأيام) أي ما تنقصه الأيام ينفد.
(لَعَمْرُكَ أن المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ)
الطول: الحبل، وثنياه: ما ثُنى منه، ويقال: طرفاه، لأنهما يُثنيان، وقوله: (ما أخطأ الفتى) أي في إخطائه الفتى، أي في أن يطول عمره بمنزلة حبل رُبطت به دابة يُطوَّل لها في الكلأ حتى ترعاه، فيقول: الإنسان قد مُدَّ له في أجله وهو آتيه لا محالة، وهو في يدي من يملك قبض روحه، كما أن صاحب الفرس الذي قد طوَّل له إذا شاء اجتذبه وثناه اليه، وموضع (ما) نصب، وهو
стр. 87
في تقدير المصدر.
(فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمّيَ مَالِكاً ... مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ)
معناه إذا أردت وده ودنوه تباعد مني، وقال (ينأ عنى ويبعُد) ومعناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، وإنما المعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك.
(يَلُومُ وَمَا أَدْرِي عَلاَمَ يَلُومُنِي ... كَمَا لاَمَنِي فِي الحَيِّ قُرْطُ بْنُ أَعْبَدِ)
قُرْطُ: رجل لامه على ما لا يحب أن يلام عليه، وقوله: (علام) الأصل (على ما) لأن المعنى على أي شيء يلومني، إلا أن هذه الألف تحذف في الاستفهام مع ما، إذا كان قبلها حرف خافض ليفرق بين ما إذا كانت استفهاما وبينها إذا كانت بمعنى الذي، ويكون الحرف الخافض عوضا مما حذف.
(وَأَيْأَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُهُ ... كَأَنَّا وَضَعْنَاهُ إلى رَمْس مُلْحَدِ)
أي جعلني ذا يأس من الخير، فهو بمنزلة الموتى إذ كان لا يُرجى منه خير، والرمس: القبر، والملحد: اللحد.
(عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ قُلْتْهُ، غَيْرَ أَنَّنِي ... نَشَدْتُ فَلَمْ أُغْفِلْ حَمُولَةَ مَعْبَدِ)
معبد: أخو طرفة، قال ابن الأعرابي: كان لطرفة ولأخيه إبل يرعيانها يوما
ويوما، فلما أغبها طرفة قال له أخوه معبد: لم لا تسرح في إبلك؟ وكأنك ترى
стр. 88
أنها أن أُخذت يردُّها شعرُك هذا؟ قال: فإني لا أخرج فيها أبدا حتى تعلم أن شعري سيردها أن أخذت، فتركها، وأخذها ناس من مُضر، فادَّعى جوار عمرو وقابوس ورجل من اليمن يقال له بشر بن قيس، فقال في ذلك طرفة:
أَعَمْرُو بْنَ هِنْدٍ مَا تَرَى رَأْىَ صِرْمَةٍ
وقال غيره: هذه إبل ضلت لمعبد، فسأل طرفة ابن عمه مالكا أن يعينه في طلبها، فلامه وقال: فرَّطت فيها ثم أقبلت تتعب نفسك في طلبها.
ويقال: نشدت الضالة، إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، والحمولة: الإبل التي تحمل، والحمولة: الأحمال، وقوله: (فلم أغفل) أراد نشدت حمولة معبد فلم أغفل ذلك، وأعمل الفعل الثاني، ولو أعمل الأول لقال: فلم أغفلها، ويروى (فلم أغفل حمولة معبد) أي لم أغفل عن ذلك. يقول: لامني على غير ذنب كان مني اليه، الا إنني طلبت حمولة معبد، و (غير) منصوب على الاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول، وعلى ذلك يجوز أن تكون متعلقة بلا منى أو بأيأسنى.
(وَقَرَّبْتُ بِالقُرْبَى، وَجَدِّكَ إِنَّنِي ... مَتَى يَكُ أَمْرٌ للِنَّكِيِثَةِ أَشْهَدِ)
أي أدللت على مالك بالقرابة، والنكيثة: بلوغ الجهد، وقيل: النكيثة شدة
стр. 89
النفس، وقوله: (وجدِّك) أي وحظك، يخاطب مالكا ويقول: أدللت بما بيني وبينك من القرابة، ويحلف إنه متى يك أمر للنكيثة يشهد ذلك الأمر، ويعينه على حضوره، ويروى (وَجَدِّك إنه) والهاء للأمر والشأن.
(وَإِنْ أُدْعَ فيِ الجُلَّي أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهَا ... وَإِنْ يَأْتِكَ الاعْدَاءُ بِالجَهْدِ أَجْهَدِ)
ويروى (وإن أدع للجلي) والجلي: الأمر العظيم الجليل، قال يعقوب: الجلي فعلى من الأجل كما تقول الأعظم والعظمى، وقال غيره: الجلي بضم الجيم مقصورة، فإذا فتحت جيمها مددت فقلت: الجلاء، أبو جعفر النحاس: الجلي الأمر الجليل،
وأنثه على معنى القصة والحال، ويقال: جليل وجلال، كما يقال: طويل وطوال، وقولهم جلل للعظيم والصغير، قال أصحاب الغريب المحض: هما ضدان، وقال أهل النظر: جلل للعظيم على بابه وجلل للصغير على بابه من الجل وهو الشيء الذي لا يُعبأ به، ويجوز أن يكون جلل لما جاوز في العظم والصغر، وقالوا في قول الله : (إِنَّ اللهَ لاَ يَستَحِي أن يَضْرِبَ مَثَلاَ مَا بَعُوضَةً فمَا فَوْقَهَا) أي فما فوقها في الصغر، ومعنى: (أكُنْ من حماتها) أي ممن يدفع ويقاتل، يقال: حميت الموضع؛ إذا دفعت عنه، وأحميته: جعلته ذا حمى، ووحميت أنفي محمية، إذا استنعت من الضيم.
(وَإنْ يَقْذِفُوا بالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهِمْ ... بِكَأْسِ حِيَاضِ المَوْتِ قَبْلَ التَّهَدُّدِ)
ويروى (بشرب حياض الموت قبل التنجد) القَذْع والقَذَع: اللفظ
стр. 90
القبيح والشتم، والصحيح في العِرْضِ إنه النَّفْسُ كما قال:
فإن أَبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ محمدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
والمعنى: أن شتمك الأعداء عاقبتهم قبل أن أتهددهم، والتنجد: الاجتهاد فيمن رواه.
(بِلاَ حَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وَكَمُحْدِثٍ ... هِجَائِي وَقَذْفِي بِالشَّكَاةِ وَمُطْرَدِي)
الباء في (بلا حدث) يجوز أن تكون متعلقة بقوله: (ينأ عني) ويجوز أن تكون متصلة بقوله يلوم وبقوله أيأسنى، والكاف في (كمحدث) في موضع رفع، المعنى: هو كمحدث هجائي: أي هو متعد عليّ، ويجوز أن يكون المعنى: وأنا كمحدث هجائي، أي قد صيرتي بمنزلة من قد فُعِل هذا به، ومن روى (مُطردي) بضم الميم فهو من أطرده إذا جعله طريدا، ومن فتح الميم فهو من طرده إذا نحاه، ويروى (كمحدَثٍ) بفتح الدال؛ فمن كسر الدال أراد الرجل الذي هجاني كرجل أحدث حدثا عظيما، ومن فتح الدال أراد هجائي كأمر محدَث عظيم، قال الأصمعي: يقال هجأ غرثه، وأهجَأَ غَرَثَهُ، إذا كسره، والهجاء: الذم، يقال: فلانة
تهجو زوجها، أي تذُمُّ صحبته، وقال في قوله (كمحدث)
стр. 91
بفتح الدال: أي كإحدَاثي شكايته إياي.
(فَلَو كَانَ مَوْلاَيَ امْرَءاً هُوَ غَيْرُهُ ... لَفَرَّجَ كَرْبِي أو لأَنْظَرَنِي)
ويروى (فلو كان مولاي ابن اصرم مسهر) ومولاي في موضع نصب خبر كان في هذه الرواية، وفي الرواية الأولى في موضع رفع اسم كان، ويجوز أن يروى (فلو كان مولاي امرُؤُ) على أن يكون امرؤ اسم كان ومولاي الخبر، ويكون مثل قوله:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ ؤَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
إلا إنه في بيت طرفة أحسن؛ لأنه قد وصله بقوله هو غيره، فقارب المعرفة وقوله: (لفرَّج كربي) أي أعانني على ما نزل بي من الهم (أو لأنظرني غدى) أي تأنى عليَّ فلم يعجلني.
(وَلَكِنَّ مَوْلاَي امْرْؤٌ هُوَ خَانِقِي ... عَلَى الشُّكْرِ وَالتَّسْآلِ أو أَنَا مُفْتَدِ)
معناه يسألني أن أشكره وأفتدى منه بمالي، وقال الأصمعي: أو أنا مفتد منه، ويروى (أو أنا مُعتد) أي معتد عليه.
стр. 92
(وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أَشَدُّ مَضَاضَةً ... عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ)
قيل: أن هذا البيت لعدى بن زيد العبادي، وليس من هذه القصيدة، وقوله (أشد مضاضة) أي أشد حُرقة من قولهم: مضني الشيء، وأمضني.
(فَذَرْنِي وَخُلْقِي؛ إِنَّنِي لَكَ شَاكِرٌ ... وَلَوْ حَلَّ بَيْتِي نَائِياً عِنْدَ ضَرْغَدِ)
ضرغد: اسم جبل، وقيل: هو حرة بأرض غطفان.
(فَلَوْ شَاَء رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ خَالِدٍ ... وَلَوْ شَاَء رَبِّي كُنْتُ عَمْرو بْنَ مَرْثَدِ)
قال أبو عبيدة: قيس بن خالد من بني شيبان، وعمرو بن مرثد: ابن عم طرفة، فلما بلغ هذا عمرو بن مرثد وجه إلى طرفة فقال له: أما الولد فالله يعطيكهم، وأما
المال فسنجعلك فيه أسوتنا، فدعا ولده - وكانوا سبعة - فأمر كل واجحد فدفع إلى طرفة عشرا من الإبل، ثم أمر ثلاثة من بني بنيه فدفع كل واحد منهم إلى طرفة عشرا من الإبل، وكان الثلاثة الذين دفعوا إلى طرفة يفتخرون على من لم يدفع، ويقولون: جعلنا جَدُّنا بمنزلة بنيه.
(فَأُلْفِيتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، وَعَادَنِي ... بَنُونَ كِرَامٌ سَادَةٌ لمسَوَّدِ)
ويروى (فأصبحت ذا مال) ابن كيسان يقال: عادني واعتادني، وزارني
стр. 93
وازدارني. وقوله (سادة لمسود) أي سادة أبناء سيد، كما يقال: شريف لشريف، أي شريف ابن شريف.
(أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الّذِي تَعْرِفُونَهُ ... خَشَاشٌ كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ)
الضَّرْبُ: الخفيف، ومن روى (الجعد) أراد المجتمع الشديد والخشاش: الرجل الذي ينخش في الأمور ذكاء ومضاء، وروى الأصمعي خِشاش بكسر الخاء، وقال: كل شيء خِشاش بالكسر إلا خَشاش الطير لخسيسه. وقوله (كرأس الحية) العرب تقول لكل متحرك نشيط: رأسه كرأس الحية، وأما الحديث الذي يروى في صفة الدجال (كأن رأسه أصلة) فإن الأصلة الأفعى، والمتوقد: الذكي، يقال: توقدت النار توقدا ووقدت تقد وقدانا ووقدا وقدة.
(فَآلَيْتُ لاَ يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطَانَةْ ... لِعَضْبٍ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدِ)
ويروى (لأبيض عضب) آليت: حلفت، ولا ينفك: لا يزال، والكشح: الجنب، ومعناه لا يزال جنبي لاصقا بالسيف، والعضب: السيف القاطع، وشفرتاه: حدَّاه، ومُهنَّد: منسوب إلى الهند.
(حُسَامٍ إذا مَا قُمْتُ مُنْتَصِراً بِهِ ... كَفَى العَوْدَ مِنْهُ البَدْءُ لَيْسَ بِمِضْدِ)
الحُسام: القاطع، وقوله (كفى العود) أي كفت الضربة الأولى من أن يعود، وقولهم (رجع عوده على بدئه) أي رجع ناقضا لمجيئه، وعوده منصوب لأنه في موضع
الحال عند سيبويه، ويجوز أن يكون مفعولا، لأنه يقال: رجع
стр. 94
الشيء ورجعته، ويجوز (رجع عوده على بدئه) أي وهذه حاله، كما تقول: (كلمته فوه إلى فِيَّ) وإن شئت نصيته، والمعضد: الكال الذي يُعضد به الشجر، وقوله (منتصرا) معناه متابعا للضرب، ويقال: قد تناصر القوم على رؤية الهلال؛ إذا تتابعوا، ونصر الله أرض بني فلان؛ إذا جادها بالمطر، ويقال: منتصرا معناه ناصرا، وقيل: منتصرا أنتصر من ظلمي.
(أَخِي ثِقَةٍ لاَ يَنْثَنِي عَنْ ضَرِيبَةٍ ... إذا قِيلَ مَهْلاً قَالَ حَاجِزُهُ قَدِي)
أخي ثقة: أي يثق بسيفه، ومعنى (لا ينثني عن ضريبة) أي لا ينبو عنها ولا يعوج، والضريبة: المضروبة، وحاجزه: حده، وقول قد أي قد فرغ.
(إذا ابْتَدَرَ القَوْمُ السِّلاَحَ وَجَدْتَنِي ... مَنِيعاً إذا بَلَّتْ بِقَائِمِهِ يَدِي)
أي إذا عجلوا إليه وتبادروا، ومنه يقال: (ناقة بدرية) إذا كانت تبكر اللقاح وتنتج قبل الإبل، وذلك من فضل قوتها وجودتها، قال الراجز:
لِسَالِمٍ أن سَكَتَ العَشِيَّهْ ... عَنِ البُكَاءِ نَاقَةٌ بَدْرِيَّهْ
والسلاح يُذكَّر ويؤنث، ويروى (وجدتُني) بضم التاء، والمنيع: الذي لا يوصل إليه، ومعنى (بَلَّتْ) ظفرت وتمكنت، وقائم السيف: مقبضه.
(وَبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أَثَارَتْ مَخَافَتِي ... نَوَادِيَهَا أَمْشِي بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ)
البرك: جماعة إبل أهل الحواء، وقال أبو عبيدة: البرك يقع على جميع
стр. 95
ما يبرُكُ من الجمال والنوق على الماء وبالفلاة من حر الشمس أو الشبع، الواحد بارك، والأنثى باركة، وقيل لها برك لاجتماع مباركها، وبرك البعير إذا ألقى صدره على الأرض، يقال للصدر: برك وبركة، ويقال: أن البركة مشتقة من البرك؛ لأن معناها خير مقيم وسرور يدوم، وقولهم (مُبارك) معناه الخير يأتي بنزوله، و (تبارك الله) منه، ونواديها: ما ندَّ منها، ويروى (هواديها) وهو أوائلها، والهجود:
النيام، وإنما خصَّ النوادي لأنه أراد: لا يفلت من عقري ما قرب وما شذّ، وأمشي: حال، أي قد أثارت مخافتي نوادي هذا البرك في حال مشي إليه بالسيف.
(فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلاَلَة ... عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ)
الكهاة: الضخمة المسنة، والخيف: جلد الضرع الأعلى الذي يُسمى الجراب، وناقة خيفاء: إذا كان ضرعها كبيرا، والجُلال والجليلة: العظيمة، والوبيل: العصا، وقيل: هي خشبة القصَّارين، وكل ثقيل وبيل، ومنه قوله : (فَأَخَذْنَاهُ أَخَذاً وَبِيلاً)، واليلندد: الشديد الخصومة.
(يَقُولُ وَقَدْ تَرَّ الوَظِيفُ وَسَاقُهَا: ... أَلَسْتَ تَرَى أن قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤَْيِدِ؟)
تر الوظيف: انقطع، وأتررته: قطعته، والوظيف: عظم الساق والذراع، والمؤيد: الداهية، ويروى (بُمويد) أي جئت بأمر شديد يُشدد فيه من عقرك هذه الناقة.
стр. 96
(وَقَالَ: أَلاَ مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ ... شَدِيدٍ عَلَيْنَا بَغْيُهُ مُتَعَمِّدِ؟)
ويروى (سخطه متعيد) والمتعيد: الظلوم، قال الشاعر:
يَرَى المُتَعَيِّدُونَ عَلَىَّ دُونِي ... أُسُودَ خَفِيَّةَ الغُلْبَ الرِّقَابَا
وموضع (ماذا) نصب بترون، ويجوز أن يجعل (ما) في موضع رفع، ويكون التقدير: ما الذي ترونه بشارب.
(فَقَالَ: ذَرُوهُ إنما نَفْعُهَا لَهُ ... وَإِلاَّ تَرُدُّوا قَاصِيَ البَرْكِ يَزْدَدِ)
وروى أبو الحسن (فقالوا ذروه) وهو الصواب؛ لأن المعنى: وقال الشيخ يشكو طرفة إلى الناس، فقالوا - يعني الناس - ومن روى (فقال) فروايته بعيدة؛ لأنه يحتاج إلى تقدير فاعل، والهاء في قوله (ذَرُوهُ) تعود على طرفة، وكذلك في قوله (نفعُها لهُ) وقال أبو الحسن: الهاء في قوله (ذرُوهُ) تعود على طرفة، وفي قوله نفعها له على الشيخ، و (قاصي البرك) ما تباعد منه، والمعنى أنكم أن لم تردوه يزدد في عقره، ويروى (تزدد) - بالتاء - أي تزدد نفارا، أي ذروه لا تلتفتوا
إليه، واطلبوا قاصي البرك لا يذهب على وجهه.
(فَظَلَّ الإمَاءُ يَمْتَلِلْنَ حُوَارَهَا ... وَيُسْعَى عَلَيْنَا بِالسَّدِيفِ المُسَرْهَدِ)
الإماء: الخدم، الواحدة أمه، وقد تجمع على إموان، والجمع السلم أموات، وحكى
стр. 97
الكوفيون أميات، و (يمتللن) أي يشتوين في الملة، وهي الرماد والتراب الحار، وقولهم (أطعمنا ملة) خطأ)؛ لأن الملة الرماد، ويحتمل أن يكون المراد أطعمنا خبز ملة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله : (واسْأَلِ القَرْيَةَ) والحوار: ولد الناقة، والسديف: شطائب السنام، الواحدة شطيبة، وهو ما قطع منه طولا، والمسرهد: الناعم الحسن الغذاء.
(فإن مِتُّ فَانْعَيْنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَىَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ)
انعيني: أي اذكري من أفعالي ما أنا أهله، يقال: فلان ينعى على فلان ذنوبه، إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها، المعنى: فإن مت من قصدي هذا، يخاطب ابنة أخيه.
(وَلاَ تَجْعَلِينِي كَامْرِئٍ لَيْسَ هَمّهُ ... كَهَمِّي، وَلاَ يُغْنِي غَنَائِي وَمَشْهَدِي)
أي لا يغني غناء مثل غنائي، أي لا يغني في الحرب غنائي ومشهدي في المجالس والخصومات.
(بَطِيءٍ عَنِ الجُلَّي، سَرِيعٍ إلى الخَنَا ... ذَلِيلٍ بإجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ)
ويروى (ذلول) والجلي: الأمر العظيم الذي يُدعى له ذوو الرأي، والخنا: الفساد في المنطق، والذليل: المقهور، وهو ضد العزيز، يقال: ذلَّ يذلُّ ذُلا فهو ذليل وذالّ، والذَّلُول: ضد الصعب، وإجماع: جمع جُمع، وهو ظهر الكف إذا جمعت أصابعك وضممتها، والملهد: المضروب وهو المدفَّع.
стр. 98
(فَلَوْ كْنْتُ وَغْلاً فيِ الرِّجَالِ لَضَرَّنِي ... عَدَاوَةُ ذِي الأصحاب وَالمُتَوَحِّدِ)
الوغل: الضعيف الخامل الذي لا ذكر له والمتوحد: المنفرد.
(وَلَكِنْ نَفَى عَنِّي الأعَادِيَ جُرْأَتِي ... لَمَيْهِمْ وَإِقْدَامِي وَصِدْقِي وَمَحْتِدِي)
ويروى (ولكن نفى عني الرجال جراءتي) ويروى (ولكن نفى الأعداء عني جرأتي) والمحتد: الأصل يقول: محتدى وصدقي وجرأتي نفين عني إقدام الرجال وتسرع الأعداء إلى أن يقدموا عليَّ بالمساءة.
(لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَىَّ بِغُمَّةٍ ... نَهَارِي، وَلاَ لَيْلِي عَلَىَّ بِسَرْمَدِ)
الغمة: الأمر الذي لا يُهتدى له، والمعنى: إني لا أتحير في أمري نهارا، ولا أؤخره ليلا فيطول على الليل؛ لأن السرمد الطويل.
(وَيَوْمًٍ حَبَسْتُ النَّفْسَ عِنْدَ عِرَاكِهِ ... حِفَاظاً عَلَى عَوْرَاتِهِ وَالتَّهَدُّدِ)
ويروى (ويوم حبست حبست النفس عند عراكها) ويروى (حفاظا على روعاته) أصل العراك الازدحام، أي صبرت النفس عند ازدحام القوم في الحرب والخصومات على روعات اليوم، وهن فزعاته، ومن روى (على عوراته) فمعناه على مخافة العدو، قال الله : (يَقُولُونَ أن بُيُرتَنَا عَوْرَة، ومَا هِيَ
стр. 99
بِعَوْرَةٍ) أي إنها حذاء العدو، والعورة: موضع المخافة، ومن روى (عند عراكه) أي عراك اليوم وهو علاجه، ومن روى (عند عراكها) أراد الحرب.
(عَلَى مَوْطِن يَخْشَى الفَتَى عِنْدَهُ الرَّدَى ... مَتَى تَعْتَرِكْ فِيهِ الفَرَائِصُ تُرْعَدِ)
الموطن هنا: مستقر الحرب، والردى: الهلاك، والفرائص: جمع فريصة، وهي المضغة التي تحت الثدي مما يلي الجنب عند مرجع الكتف، وهو أول ما يُرعد من الإنسان ومن كل دابة إذا فزع، و (على) تتعلق بقوله (حبست) في البيت الذي قبله.
وروى أبو عمرو الشيباني - ولم يروه الأصمعي، ولا ابن الأعرابي - بيتا، وهو:
(وَأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ نَظرْتُ حِوَارَهُ ... عَلَى النَّارِ وَاسْتَوْدَعْتُهُ كَفَّ مُجْمِدِ)
عنى بالأصفر قدحا، وإنما جعله أصفر لأنه من نبع أو سدر، والأصفر هنا الأسود، والمضبوح: الذي قد غيرته النار، والحوار: المرد، يقال: ما أدري ما
حوار هذا الكلام، والحوار: مصدر حاورته، و (على النار) أي عند النار، وذلك في شدة البرد، كانوا يوقدون النيران، وينحرون الجزور، ويضربون عليها القداح، وأكثر ما يفعلون ذلك بالعشي عند مجيء الضيفان، وقوله (نظرتُ حواره) أي انتظرت فوزه (واستودعته كف مجمد) المجمد هنا: الذي يضرب بالسهام، والمجمد: الذي يأخذ بكلتا يديه ولا يخرج من يديه شيء، ويقال (أجمد الرجل)
стр. 100
إذا لم يكن عنده خير.
(سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تزَوِّدِ)
أي ستظهر لك الأيام ما لم تكن تعلمه، ويأتيك بالخبر من لم تسأله عن ذلك ولم تزود.
وروى جرير:
(وَيَأْتِيكَ بِالأنْبَاء مَنْ لَمْ تَبِعْ لَهُ ... بَتَاتاً، وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ)
تبع له بتاتاً: أي تشتر له زاداً.
وأنشدوا بيتين، وقيل: إنهما لعذي بن زيد:
(لَعَمْرُكَ مَا الأيَّامُ إِلاَّ مُعَارَةٌ ... فَمَا اسْطَعْتَ مِنْ مَعْرُوفِهَا فتَزَوَّدِ)
(عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُ ... فإن القَرِينَ بِالمُقَارِنِ يَقْتَدِي)
معلقة زهير بن أبي سلمى المزني
وقال زهير بن أبي سُلمى، وليس في العرب سُلمى بضم السين غيره، وأبو سلمى هو ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد ابن لاطم بن عثمان بن مزينة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وآل أبي سلمى حلفاء في بني عبد الله بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ابن مضر.
وكان ورد بن حابس العبسي قتل هرم بن ضمضم المري الذي يقول له عنترة:
وَلَقَدّ خَشِيتُ بأَنْ أَمُوتَ وَلَم تَكُنْ ... لِلْحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلَى ابْنَيْ ضَمْضَمِ
قتله في حرب عبس وذبيان قبل الصلح، ثم اصطلح الناس، ولم يدخل
стр. 101
حصين بن ضمضم أخوه في الصلح، فحلف لا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يُطلع على ذلك أحدا، وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهرم بن سنان بن أبي حارثة، فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم حتى نزل بحُصين بن ضمضم، فقال: ممن أنت أيها الرجل؟ قال: عبسي، قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى غالب، فقتله حُصين، فبلغ ذلك الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، فاشتد ذلك عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو الحارث، فلما بلغ الحارث ركوب بني عبس وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم، وإنما أرادت بنو عبس أن يقتلوا الحارث، بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه، وقال للرسول: قل لهم: اللبن أحب إليكم أم أنفسكم. وأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال، فقال الربيع بن زياد: أن أخاكم قد أرسل إليكم: الإبل أحب إليكم أم ابنه تقتلونه؟ فقالوا ظك بل نأخذ الإبل، ونصالح قومنا، ويتم الصلح، فقال زهير يمدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان:
(أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لم تَكَلَّمِ ... بِحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فَالمُتَثَلَّمِ)
التقدير أمن دمن أم أوفى دمنة، لأن من هاهنا للتبعيض، فأخرج الدمنة من الدمن (لم تكلم) أي لم تبين، والعرب تقول لكل ما بين من أثر وغيره (تكلم) أي ميز،
فصار بمنزلة المتكلم، وروى أن بعض المتقدمين وقف على معاهد فقال: أين من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ ثم قال:
стр. 102
أن لم تتكلم حوارا، تكلمت اعتبارا، وقال أهل النظر في قول الله تعالى: (فَقَال لَهَا وَلْلأرْضِ ائتيِا طَوْعاً أو كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) إنه إنما كانت إرادة فكانت على ما أراد، والدمنة: آثار الناس وما سوَّدوا بالرماد وغيره، فإذا اسوَّد المكان قيل قد دمن، والدمن: البعر والسرجين، والحومانة: المكان الغليظ المنقاد، وقيل: الحومانة القطعة من الرمل، وجمعها الحومان والحوامين، والدراج بفتح الدال وضمها، وحومانة الدراج والمتثلم: موضعان بالعالية منقادان.
(دِيَارٌ لَهَا بالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّهَا ... مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ)
قال الأصمعي: الرقمتان إحداهما قرب المدينة، والأخرى قرب البصرة، ومعناه بينهما، وقال الكلابي: الرقمتان بين جُرثم وبين مطلع الشمس بأرض بني أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة والرمل، والرقمتان أيضا حذاء ساق الغرو؛ وساق الغرو جبل في أرض بني أسد، والرقمتان أيضا بشط فلج أرض بني حنظله، وقوله (مراجع وشم) يعني ما رجع وكرر، و (فلان يُرجِّع صوته) أي يكرره، والوشم: الخضرة التي تحدث من غرز الإبرة، والنواشر: عروق ظاهر الذراع، وقيل: النواشر عصب الذراع من باطنها وظاهرها،
стр. 103
والمعصم: موضع السوار شبه الآثار التي في الديار بمراجع الوشم، ويروى (ودار لها بالرقمتين).
(بِهَا العِينُ وَالأرَْءامُ يَمْشِينَ خِلْفةً ... وَأَطْلاَؤُهَا يَنْهَضْن مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ)
العين: البقر، واحدها أعين وعيناء، وقيل لها ذلك لكبر عيونها، والأصل أن يجمع على فُعل كأحمر وحمر، إلا أن العين كسرت لمجاورتها الياء والأرءام: الظباء، وأطلاؤها، الواحد طلا. والمجثم: الموضع الذي يُجثم فيه، أي يقام فيه وخلفه: فوج بعد فوج، وقيل: خلفة مختلفة هذه مقبله وهذه مدبرة وهذه صاعدة وهذه
نازلة. و (خلفة) في موضع الحال بمعنى مختلفات.
(وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً ... فَلأَياً عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ)
الحجة: السنة، يقال: حَجٌّ وحِجٌّ، فإذا جئت بالهاء كسرت لا غير، وقال أهل النظر بالأعراب: الحِجَّة السنة والحَجَّ الفعلة من الحج، واللأى:
стр. 104
البُطء، قالوا: المعنى فبعد لأي، كأنهم يُقدَّرونه على الحذف، والأجود أن يكون المعنى فعرفت الدار لأياً، يكون قوله (لأيا) في موضع الحال والمعنى مبطئا، فهذا بغير حذف. ومعنى البيت: أن عهدي بهذه الدار قد قدم حتى أشكلت على.
(أَثَافِيَّ سُفْعاً فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ ... وَنُؤْياً كَجِذْمِ الحَوْضِ لَمْ يَتَثَلّمِ)
الأثافي: الحجارة التي تُجعل عليها القدر، الواحدة أثفية، والسُّفع: السود، فأمل قوله تعالى: (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيةِ) فمعناه لنأخذا، يقال: سفعت بناصيته، إذا أخذت بها، والمعرَّس هنا: الموضع الذي يكون فيه المرجل، وكل موضع يُقام فيه يقال له مُعَرَّس، والمرجل: كل قدر يطبخ فيها من حجارة أو حديد أو خزف، وقيل: لا يكون المرجل إلا من حديد أو نحاس، والنؤى: حاجز يجعل حول الخباء يمنع من السيل، وجذم الحوض: بقيته، ومعنى قوله (لم يتثلم) أي قد ذهب أعلاه ولم يتثلم باقيه، ويروى (أثافي سُفعا) بتخفيف أثاف، والتخفيف أكثر - وإن كان الأصل التثقيل - لكثرة استعمالهم إياها، وقوله (أثافي سفعا) منصوب بقوله بعد توهمي أثافي سُفعا. ويروى (ونؤيا كجُدِّ الحوض) والجُدُّ: البئر العتيقة، والجُدّ: الطريق في الماء، ويقال للموضع الذي ترفأ فيه السفن (جَدِّ) ويقال له (جَدّة) أيضا.
(فَلَمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرَبْعِهَا: ... أَلاَ انِعَمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَمِ)
الرَّبع: المنزل في الربيع، ثم كثر استعمالهم إياه حتى قيل لكل منزل
стр. 105
ربع، وقوله (ألا انعم صباحا) أي كن في نعمة، يدعو له أن لا يدرس، وروى الأصمعي (ألا عم صباحا) ومعناه انعم صباحا، وقال: هكذا تنشده عامة العرب وتقدير الفعل
الماضي منه وعم يعم، ولا ينطق به، قال الفراء: وقد يتكلمون بالأفعال المستقبلة ولا يتكلمون بالماضي منها، فمن ذلك قولهم: عم صباحا، ولا يقولون وعم، ويقولون: ذر ذا، ودعه، ولا يقولون: ورته ولا ودعته، ويتكلمون بالفعل الماضي ولا يتكلمون بالمستقبل، فمن ذلك قولهم: عسيت أن أفعل ذاك، ولا يقولون أعسى ولا أعس ولا عاس، وكذلك يقولون لست أقوم، ولا يتكلمون منه بمستقبل ولا دائم، و (صباحا) منصوب على الظرف.
(تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ ... تَحَمَّلْنَ بِالعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ)
الظعائن: النساء في الهوادج، واحدتها ظعينة، ويقال للمرأة وهي في بيتها ظعينة، وسميت ظعينة لأنها يُظعن بها، أي يسافر، وأكثر أهل اللغة يقول: لما كثر استعمالهم لهذا سموا المرأة ظعينة، وسموا الهودج ظعينة، وقال أبو الحسن ابن كيسان: هذا من الأسماء التي وضعت على شيئين إذا فارق أحدهما صاحبه لم يقع له ذلك الاسم ى يقال للمرأة ظعينة حتى تكون في الهودج، ولا يقال للهودج ظعينة حتى تكون فيه المرأة، كما يقال جنازة للميت إذا كان على النعش، ولا يقال للميت وحده جنازة، ولا للنعش وحده جنازة، وكما يقال للقدح الذي فيه الخمر كأس، ولا يقال للقدح وحده كأس، ولا للخمر وحدها كأس، وقال الأصمعي: من في قول (من ظعائن) زائدة،
стр. 106
يريد إنها زائدة للتوكيد، ويحتمل أن تكون غير زائدة وتكون للتبعيض، والعلياء: بلد، وجرثم: ماء لبني أسد.
(جَعَلْنَ القَنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَهُ ... وَكَمْ بِالقَنَانَ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْرِمِ؟)
وروى الأصمعي (ومن بالقنان) والقنان: جبل لبني أسد، والحزن والحزم سواء، وهو الموضع الغليظ، والمحل: الذي ليست له ذمة تمنع ولا حُرمة؛ والمحرم: الذي له حرمة تمنع منه، هذا قول أكثر أهل اللغة، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: المحل والمحرم هنا الداخلان في الأشهر الحرم وفي الأشهر التي ليست بحرم،
يقال (أحرم) إذا دخل في الشهر الحرام، و (أحل) إذا خرج منه، و (قد حل من إحرامه يحل حلا فهو حلال) ولا يقال حال، و (قد أحرم بالحج يُحرم إحراما فهو مُحرم وحرام) والمعنى: كم بالقنان من عدو وصديق لنا؟ يقول: حملت نفسي في طلب هذه الظعن على شدة أمر بموضع فيه أعدائي لو ظفروا بي لهلكت.
(وَعَالَيْنَ أَنْمَاطاً عِتَاقاً وَكِلَّةً ... وِرَادَ الحَوَاشِي لَوْنُهَا لَوْنُ عَنْدَمِ)
وروى الأصمعي:
عَلَوْنْ بِإَنْطَاكِيَّةٍ فَوْق عَقْمةِ ... وِرَادٍ حَوَاشِيهَا مُشَاكهَة الدَّمِ
قوله: (وعالين) أي رفعن الأنماط والكلل على الإبل التي ركبها الظُّعُن، والعتاق: الكرام، والوراد: التي لونها إلى الحمرة، وأراد إنه أخلص الحاشية
стр. 107
بلون والحد لم يعملها بغير الحمرة. والأنطاكية: أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى إنطاكية، وكل شيء جاء من الشام فهو عندهم أنطاكي، وعقمة جمع عقم، مثل شيخة وشيخ، والعقم: أن تظهر خيوط أحد النِّيرين فيعمل العامل به، وإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه وغمضه وأظهر ما يريد عمله، والمشاكهة والمشابهة والمشاكلة سواء.
(ظَهَرْنَ مِنَ السُّوبَانِ، ثُمَّ جَزَعْنَهُ ... عَلَى كُلِّ قَيْنِيٍّ قَشِيبٍ وَمُفْأَمِ)
ظهرن: معناه خرجن منه، وجزعنه: قطعنه، ومعنى قوله: (ثم جزعنه) عرض لهن مرة أخرى فقطعنه، والسوبان: واد وقيني: منسوب إلى بني القين وقشيب: جديد، ومفأم: واسع، وأراد غبيطا، والغبيط يكون تحت الرحل والقتب تحت المتاع.
(وَوَرَّكُنَ فيِ السُّوبَانِ يَعْلُونَ مَتْنَهُ ... عَلَيْهِنَّ دَلُّ النَّاعِمِ المُتَنَعِّمِ)
وركن فيه: معناه ملن فيه، ويقال: وركت موضع كذا، ووركت الإبل موضع كذا، إذا خلفته وراء أوراكها، والمتن: ما غلظ من الأرض وارتفع، وقوله: (عليهن)
معناه على الظعائن، والتقدير: ووركن في السوبان عاليات
стр. 108
متنه، أي في هذه الحال.
(كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْنِ فيِ كُلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ)
ويروى (في كل موقف وقفن به) والعهن: الصوف المصبوغ، شبَّه ما تفتت من العهن الذي علق على الهودج إذا نزلن منه منزلا بحب الفنا، والفنا: شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود، وقال الفراء: هو عنب الثعلب، وقوله: (لم يحطم) أراد أن حب الفنا صحيح؛ لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة، وقال الأصمعي: العهن الصوف صُبغ أو لم يصبغ، وهو هنا المصبوغ.
(بَكَرْنَ بُكُوراً واسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ ... فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَاليَدِ لِلْفَمِ)
ويروى (فهن لوادي الرس كاليد للفم) والرس: ما ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه، ومعنى (كاليد للفم) أي لا يجاوزن هذا الوادي، أي لا يخطئنه كما لا تجاوز اليد الفم.
(فَلَمَّا وَرَدْنَ المَاَء زُرْقاً جِمَامُهُ ... وَضَعْنَ عِصِىَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّمِ)
يقال (ماء أزرق) إذا كان صافيا. وجمام: جمع جم وجمة، وهو الماء المجتمع، يقال: جم يجم جموما، ويسمى الماء نفسه جما. والحاضر: النازل على الماء، والمتخيم: المقيم، وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة، ويقال (وضع عصاه)
стр. 109
إذا ترك السير، وعصي: جمع عصا، وكان يجب أن يقال: عصو، فأبدل من الواو ياء لأنها طرف ليس بينها وبين الضمة إلا حرف ساكن، والجمع باب تغيير، ثم كسرت الصاد من أجل الياء التي بعدها.
وصف أنهن في أمن ومنعة، فإذا نزلن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه.
ونصب (زرقا) على إنه حال للماء، وصلح أن يكون حالا له؛ لأنه قد عادت عليه
الهاء في قوله (جمامه) ويرفع جمامه بقوله زرقا، ويكون المعنى يزرق جمامه، وجاز أن يقول زرقا وان كان بمعنى الفعل لأنه جمع مكسر فقد خالف الفعل من هذه الجهة كما تقل: هذا رجل كرام قومه، وكما قال:
بَكَرْتُ عَلَيْهِ غُدْوَةً فَوَجَدْتُهُ ... قُعُوداً لَدَيْهِ بِالصَّرِيمِ عَوَاذِلُهْ
ولو كان في غير الشعر لجاز أن يقول قاعدا. ومن روى (زرق جمامه) رفع زرقا على إنه خبر الابتداء، وينوي به التأخير، وجمامه مرفوع بالابتداء، والمعنى فلما وردن الماء جمامه زرق، ويجوز في غير الشعر (أزرق جمامه) لأنه بمعنى الفعل، يقال: أزرق جمامه كما تقول: أزرق جمامه، وجاز أزرق جمامه على أن التقدير جمامه أزرق، كما تقول: الجيش مُقبل.
(وَفِيهِنَّ مَلْهىً لِلَّطِيفِ وَمَنْظَرٌ ... أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ المُتَوَسِّمِ)
ملهى ولهو واحد، وهو في موضع رفع بالابتداء، وإن شئت بالصفة، واللطيف: المتلطف الذي ليس معه جفاء، وقيل: عنى باللطيف نفسه، أي يتطلف
стр. 110
في الوصول إليهن، و (أنيق) بمعنى مؤنق) أي معجب، والمتوسم: الناظر بتفرس، وقيل: المتوسم الطالب الوسامة وهي الحسن، وروى عن مجاهد إنه قال في قوله : (وَالخَيْل المُسَوَّمَة)، قال: هي الحسنة، والمتوسم: المتثبت.
(سَعَى سَاعِيَا غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بَعْدَمَا ... تَبَزَّلَ مَا بَيْنَ العَشِيرَةِ بِالدَّمِ)
الساعيان: الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، وقيل: الحارث ابن عوف، وخارجة بن سنان، سعيا في الديات، وقيل: معنى (سعيا) عملا عملا صالحا، وغيظ بن مرة من ولد عبد الله بن غطفان، ومعنى (تبزل) تشقق، وهذا تمثيل، أي كأن بينهم صلح فتشقق بالدم، فسعى ساعيا غيظ بن مرة فأصلحاه، ويقال: (تبزَّلَ الجرح) إذا تشقق فخرج ما فيه، و (تبزل جلدُ فلان) إذا عرق، و (بزل ناب البعير) أي موضع نابه، وذلك في السنة التاسعة.
(فَأَقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ)
يعني بالبيت الكعبة، وجرهم كانوا ولاة البيت قبل قريش، وبغوا بمكة، واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يُهدى لها، ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى وكانت مكة لا بغي ولا ظلم فيها، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة؛ لأنها تُبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها، وقيل: سميت الناسة لأن
следующие страницы →