Полный текст (334 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
(فَيَالَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ ... بِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِبَذْبُلِ)
معناه كأن نجومه شدت ببذيل، وهو جبل والمغار: المحكم الفتل، وقوله (يا لك من ليل) فيه معنى التعجب كما يقول: (يا لك من فارس).
(كَأَنَّ الثُّرَبَّا عُلِّقَتْ فيِ مَصَامِهَا ... بِأَمْرَاسِ كَتَّانِ إلى صُمِّ جَنْدَلِ)
ويروى (كأَنَّ نُجُوماً عُلِّقَتْ في مصامها) والأمراس: الحبال، والجندل: الحجارة، وفيه تفسيران.
أما أحدهما فانه يصف طول الليل، يقول: كأن النجوم مشدودة بحبال إلى حجارة فليست تمضى، ومصامها: موضع وقوفها، وفي والباء وإلى متعلقة بقوله: عُلِّقت.
والتفسير الثاني - على رواية من يروى هذا البيت مؤخرا عند صفته الفرس - فيكون شبه تحجيل الفرس في بياضه بنجوم عُلقت في مقام الفرس بحبال كتان إلى صُم جندل، وشبه حوافره بالحجارة، والثريا: تصغير ثروى مقصورة.
(وَقِرْبَةِ أَقْوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَا ... عَلَى كَاهِلٍ مِنِّى ذَلُولٍ مُرَحَّلِ)
عصام القرية: الحبل الذي تحمل به ويضعه الرجل على عاتقه وعلى صدره. والكاهل: موصل العنق والظهر، يصف نفسه بأنه يخدم أصحابه.
стр. 37
(وَوَادٍ كَجَوْفٍ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ ... بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعَيَّلِ)
فيه قولان: أحدهما أن جوف العير لا ينتفع منه بشيء - يعني العير الوحشي - والقول الآخر أن الهير هنا رجل من العمالقة كان له بنون وواد خصيب، وكان حسن الطريقة، فسافر بنوه في بعض أسفارهم، فأصابتهم صاعقة فأحرقتهم، فكفر بالله، وقال: لا أعبد ربا أحرق بنيَّ، وأخذ في عبادة الأصنام، فسلّط الله على واديه نارا، والوادي بلغة أهل اليمن يقال له الجوف، فأحرقته، فما بقي منه شيء، وهو يضرب به المثل في كل ما لا بقية فيه.
والخليع: المقامر، ويقال: هو الذي قد خلع عذاره فلا يبالي ما ارتكب، والمعيل: الكثير العيال، والكاف منصوبة بيعوي.
(فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَوَى: أن شَأْنَنَا ... قَلِيلُ الغِنَى أن كُنْتَ لَمَّا تَمَوَّلِ)
أي أن كنت لم تصب من الغنى ما يكفيك، وقوله: (إنَّ شأننا قليل الغنى) أي أنا لا أغنى عنك وأنت لا تغنى عني شيئا، أي أنا أطلب وأنت تطلب فكلانا لا غنى له، ومن رواه (طويل الغنى) أراد همتي تطول في طلب الغنى.
(كِلاَنَا إذا مَا نَالَ شَيْئاً أَفَاتَهُ ... وَمَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وَحَرْثَكَ يُهْزَلِ)
أي إذا نلت شيئا أفته، وكذلك أنت إذا أصيت شيئا أفته (ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل) أي من طلب مني ومنك شيئا لم يدرك مراده، وقال قوم: معنى البيت من كانت صناعته وطلبته مثل طلبتي وطلبتك في هذا الموضع مات هزالا، لأنهما كانا بواد لا نبات فيه ولا صيد.
стр. 38
(وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكَنَاتِهَا ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ)
ويروى (وكراتها) أي في مواضعها التي تبيت فيها، والوكنات في الجبال كالتماريد في السهل، الواحدة وكنة، وهي الوقنات أيضا وقد وكن الطائر يكن ووقن يقن ووكر يكر، ومن روى (في وكراتها) فهو جمع الجمع، يقال: وكر، ووكر جمع، ووكرات جمع الجمع، وأغتدي: أفتعل من الغدو، والواو في (والطير)
واو الحال، يقول: قد اغتدى في هذه الحال بفرس منجرد، أي قصير الشعرة، قيد الأوابد، والأوابد: الوحوش، وكذلك أوابد الشِّعر، وتقدير قيد الأوابد ذي تقييد الأوابد، والمعنى أن هذا الفرس من سرعته يلحق الأوابد فيصير لها بمنزلة القيد، والهيكل: الضخم.
(مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً ... كَجُلْمُودٍ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ)
مكر: يصلح للكر، ومفر: يصلح للفر، ومُقبل: حسن الإقبال، ومُدبر: حسن الأدبار، وقوله (معا) أي عنده هذا وعنده هذا، كما يقال: فلان فارس راجل، أي قد جمع هاتين، و (حطه السيل) حدره، ومعنى البيت إنه يصف أن هذا الفرس في سرعته بمنزلة هذه الصخرة التي قد حطها السيل في سرعة انحدارها، وأن الفرس حسن الإقبال والأدبار، و (معا) منصوب على الحال، و (من عل) من فوق.
(كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ ... كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ)
ويروى (عن حاذ متنه) أي وسطه، شبه ملاسة ظهر الفرس - لاكتناز اللحم عليه وامتلائه - بالصفاة الملساء، والصفاة والصفواء: الصخرة الملساء التي لا ينبت فيها شيء، ويقال: صفوان، وجمعه صفوان، وجمع صفاة صفا، وقد
стр. 39
يكون الصفواء جمع صفاة كما قالوا: طرفة وطرفاء، والمتنزل: الطائر الذي يتنزل على الصخرة، وقيل: المتنزل السيل؛ لأنه يتنزل الأشياء، وقيل هو: المطر، والحاذ والحال: موضع اللبد.
(عَلَى الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهْتِزامَهُ ... إذا جَاشَ فِيهِ حَمْيُهُ غَلْىُ مِرْجَلِ)
الذبل: الضمور، ويروى (على الضمر)، واللجياش: الذي يجيش في عدوه كما تجيش القدر في غليانها، واهتزامه: صوته، وحميه: غليه، ويروى (على العقب جياش) والعقب: جرى يجيء بعد جرى، وقيل: معناه إذا حرمته بعقبك جاش، وكفى ذاك من السوط، و (على العقب) في موضع الحال.
ومعنى البيت أن هذا الفرس آخر عدوه على هذه الحال، فكيف أوله؟!
(مِسَحٍّ إذا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنَي ... أَثَرْنَ الغُبَارَ بِالكَدِيدِ المُرَكَّلِ)
مسح: معناه يصب الجري صبا، والسابحات: اللواتي عدوهن سباحة، والسباحة في الجري: أن تدحو بأيديها دحوا، أي تبسطها، والوني: الفتور، قال الفراء: ويمد ويقصر، والكديد: الموضع الغليظ، وقيل: ما كد من الأرض بالوطء، والمركل: الذي يُركل بالأرجل.
ومعنى البيت: أن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس جريا سهلا كما يسح السحاب المطر، و (على) تتعلق بأثرن، وكذلك الباء في قوله (بالكديد) ويروى (بالكديد السمول) وهي الأرض الصلبة.
стр. 40
(يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ ... وَيُلْوِى بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ)
ويروى (يزل الغلام الخف) وروى الأصمعي (يطير الغلام) والخِف: الخفيف، بكسر الخاء، وقال أبو عبيدة: سمعت الخَف بفتح الخاء، والصهوة: موضع اللبد، وصهوة كل شيء: أعلاه، وجمعها بما حولها، ويلوى بأثواب العنيف: أي يرمى بثيابه يذهبها ويبعدها، والعنيف: الذي ليس برفيق، والمثقل: الثقيل، وقال بعضهم: إذا كان راكب الفرس خفيفا رمى به، وإذا كان ثقيلا رمى يثيابه، والجيد أن المعنى بأثواب العنيف نفسه لأنه غير حاذق بركوبه، وقيل: معنى هذا البيت أن الفرس إذا ركبه العنيف لم يتمالك أن يصلح ثيابه، وإذا ركبه الغلام الخِف زل عنه ولم يُطقه لسرعته ونشاطه، وإنما يصلح له من يداريه.
(دَرِيرٍ كَخذْرُوفِ لوَلِيدِ أَمَرَّهُ ... تَتَابُعُ كَفّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ)
درير: مستدلا في العدو، يصف سرعة جريه، والخذروف: الخرارة التي يلعب بها الصبيان تسمع لها صوتا، وأمره: أحكم فتله، وتتابع كفيه يريد متابعتهما بالتخرير، ويروى (امره تقلب كفيه) أي تقلبهما بالخرارة.
ومعنى البيت أن هذا الفرس سرعته كسرعة الخذروف وخفته كخفته.
(لَهُ أَيْطَلاَ ظَبْيٍ، وَسَاقَا نَعَامَةٍ، ... وَإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ، وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ)
стр. 41
ويروى (له آطلا ظبي) وهما كشحاه، وهو ما بين آخر الضلوع إلى الورك، يقال: إطل وآطال وأيطل وأياطل، وإنما شبهه بأيطل الظبي لأنه طاو وليس بمنفضخ، وقال: (ساقا نعامة) والنعامة قصيرة الساقين صلبتهما، وهي غليظة ظمياء ليست برهلة، ويستحب من الفرس قصر الساق لأنه أشد لرميها بوظيفها، ويستحب منه - مع قص الساق - طول وظيف الرجل وطول الذراع؛ لأنه أشد لدحوه أي لرميه بها، والإرخاء: جرى ليس بالشديد، وفرس مرخاء، وهي مراخي الخيل، وليس دابة أحسن إرخاء من الذئب، والسرحان: الذئب، والتقريب: أن يرفع يديه معا ويضعهما معا، والتَّتْفُل: ولد الثعلب، وهو احسن الدواب تقريبا، ويقال: تَتْفُل وتَتَفْل وتُتْفُل فإذا سميت رجلا بتَتْفُل أو تَتْفَل لم تصرفه في المعرفة؛ لأنه على مثال تَفْعُل، وتَفَعَل، ولو سميت بِتُتْفُل انصرف في المعرفة والنكرة؛ لأنه ليس على وزن الفعل، ويقال للفرس: هو يعدو الثعلبية؛ إذا كان جيد التقريب
(ضَلِيعٍ إذا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ ... بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ)
يقال: فرس ضليع وبعير ضليع، إذا كانا قويين منتفجي الجنبين، وهي الضلاعة، ويروى عن عمر ﵁ إنه قال: إذا اشتريت بعيرا فاشتره ضليعا، فإن أخطأك مخبره لم يخطئك منظره، وفرجه: ما بين رجليه، وقوله (بضاف) أي بذنب ضاف، وهو السابغ، ويكره من الفرس أن يكون أعزل أي ذنبه إلى جانب، وأن يكون قصير الذنب، وأن يكون طويلا يطأ عليه،
стр. 42
ويستحب أن يكون سابغا قصير العسيب، و (إذا) ظرف، والعامل فيه (سد فرجه) وهو الجواب.
(كَأَنَّ سَرَاتَهُ لَدَى البَيْتِ قَائِماً ... مَدَاكُ عَرُوسٍ أو صَلاَيَةُ حَنْظَلِ)
سراته: ظهره، وإنما أراد ملاسة ظهره واستواءه، والمداك: الحجر الذي يُسحق
به، والمدوك: الحجر الذي يسحق عليه، ومداك: من داكه يدوكه دوكا إذا طحنه، ويقال: صلاءة وصلاية، كما يقال: عظاءة وعظاية؛ فمن قال عظاءة بناه على عظاء ثم جاء بالهاء، ومن قال عظاية بناه على الهاء من أول وهلة، وصلاية مشبهة بهذا.
ومعناه إنه يصف هذا الفرس ويقول: إذا كان قائما عند البيت غير مسرج رأيت ظهره أملس؛ فكأنه مداك عروس في صفائها واملاسها، وإنما قصد إلى مداك العروس دون غيره لأنه قريب العهد بالطيب، وصلاءة الحنظل؛ لأن حب الحنظل يخرج دهنه فيبرق على الصلاءة.
وروى الأصمعي (أو صراية حنظل) وروى (كأن على الكتفين منه إذا انتحى) والصراية: الحنظلة التي قد اصفرت؛ لأنها قبل أن تصفر مغبرة، فإذا اصفرت صارت تبرق كأنها قد صُقلت، وروى أبو عبيدة (أو صِراية حنظل) بكسر الصاد، وقال: شبه عرقه بمداك العروس أو بصِراية حنظل، وهو الماء الذي يُنقع فيه حب الحنظل لتذهب مرارته، وهو أصفر مثل لون الحلبة، يقال: صرى يصرى صريا وصراية.
(كَأَنَّ دِمَاَء الهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِ ... عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ)
الهاديات: المتقدمات من كل شيء، ويريد بعصارة حناء: ما بقى من الأثر،
стр. 43
والمرجل: المسرح.
ومعنى البيت أن هذا الفرس يلحق أول الوحش، فإذا لحق أولها علم إنه قد أحرز آخرها، وإذا لحقها طعنها فتصيب دماؤها نحره.
(فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنّ! َ نِعَاجَهُ ... عَذَارَى دَوَارٍ فيِ مُلاَءٍ مُذَيَّلِ)
عنَّ: اعترض، والسرب: القطيع من البقر، ودوار: صنم يدورون حوله، والملاء: الملاحف، واحدتها ملاءة، ومذيل: سابغ، وقيل: له هدب، وقيل: أن معناه أن له
ذيلا أسود، وهذا أشبه بالمعنى؛ لأنه يصف بقر الوحش وهي بيض الظهور سود القوائم.
ومعنى البيت إنه يصف أن هذا القطيع من البقر يلوذ بعضه ببعض، وتدور كما تدور العذارى حول دوار، وهو نسك كانوا في الجاهلية يدورون حوله.
(فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ ... بِجِيدِ مُعَمٍّ فيِ العَشِيرَةِ مُخْوِلِ)
الكاف في قوله (كالجزع) في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف، والجَزع - بالفتح - الخرز، وأبو عبيدة يقوله بالكسر، وهو الخرز الذي فيه سود وبياض، و (بجيد) أي في جيد، وهو العنق، ومعنى (معم مُخول) أي له أعمام وأخوال، وهم في عشيرة واحدة، كأنه قال كريم الأبوين، وإذا كان
стр. 44
كذلك كان خرزه أصفى وأحسن يصف أن هذه البقر من الوحش تفرقت كالجزع، أي كأنها قلادة فيها خرز قد فصل بينه بالخرز، وجعلت القلادة في عنق صبي كريم الأعمام والأخوال.
(فَأَلحَقَهُ بِالهَادِيَات وَدُونَهُ ... جَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ)
الهاديات: أوائل الوحش، وجواحرها: متخلفاتها، يقال: (جحر) إذا تخلف والهاء في قوله (فألحقه) يحتمل أن تكون للفرس، أي ألحق الغلامُ الفرسَ، ويحتمل أن يكون للغلام، أي ألحق الفرسُ الغلامَ، و (الصرة) قيل: الشدة، وقيل: الصيحة، وقيل: الغبار، يقول: لما لحق هذا الفرس أوائل الوحش بقيت أواخرها لم تتفرق، فهي خالصة له، و (لم تزيل) أي لم تتفرق.
(فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ ... دِرَاكاً، وَلَمْ يَنْضَح بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ)
عادى: معناه والى بين اثنين في طلق، ولم يعرق، أي أدرك صيده قبل أن يعرق، وقوله (فيغسل) أي لم يعرق فيصير كأنه قد غسل بالماء، والفاء للعطف وليس بجواب، أي لم ينضح ولم يغسل، وقوله (دراكا) بمعنى مداركة، وهو مصدر في موضع الحال، قال بندار: ولم يرد ثورا ونعجة فقط، وإنما أراد التكثير، والدليل
على هذا قوله (دراكا)، ولو أراد ثورا ونعجة فقط لاستغنى
стр. 45
بقوله فعادى.
(فَظَلَّ طُهَاةُ اللّحْمِ مِنْ بَيْنَ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ)
الطهاة: الطباخون، واحدهم طاه، والصفيف: الذي قد صُفف مرققا على الجمر، والقدير: ما طبخ في قدر، وأما خفض (قدير) فأجود ما قيل فيه - وأجاز مثله سيبويه - إنه كان يجوز أن يقول (من بين منضج صفيف شواء) فحمل قديرا على صفيف لو كان مجرورا، وشرح هذا أنك إذا عطفت اسما على اسم، وكان يجوز لك في الأول إعرابان فأعربته بأحدهما ثم عطفت الثاني عليه جاز لك أن تعربه بإعراب الأول وجاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول فتقول (هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو) وإن شئت قلت: (هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً) لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: (هذا ضاربٌ زيداً وعمراً) وان شئت قلت: (هذا ضاربٌ زيداً وعمرٍو)؛ لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: (هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو) فهذا يجيء على مذهب سيبويه، وأنشد:
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إِلاَّ بِشُؤْمٍ غُرَابُهَا
والمازني وأبو العباس لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما (ولا ناعبا)
стр. 46
لأنه لا يجوز أن يُضمر الخافض؛ لأنه لا يتصرف وهو من تمام الاسم، وأما القول في البيت فإن قديرا معطوف على مُنضج بلا ضرورة، والمعنى من بين قدير، والتقدير من بين منضج قدير، ثم حذف منضجا، وأقام قديرا مقامه في الإعراب.
(وَرُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصَرُ دُونَهُ ... مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ)
أراد بالطرف العين، والطرف المصدر أيضا، ومعنى قوله (يقصر دونه) إنه إذا نظر إلى هذا الفرس أطال النظر إلى ما ينظر منه لحسنه فلا يكاد يستوفي النظر إلى جميعه، ويحتمل أن يكون معناه إنه إذا نظر إلى هذا الفرس لم يدم النظر إليه لئلا يصيبه بعينه لحسنه. وروى الأصمعي وأبو عبيدة (ورحنا وراح الطرف
ينفض رأسه) والطرف: الكريم من كل شيء، والأنثى طلافة، وقيل: الطرف الكريم الطرفين، وقوله (ينفض رأسه) أي من المرح والنشاط، وقوله (متى ما رق العين فيه تسهل) أي متى ما نظر إلى أعلاه نظر إلى أسفله لكماله ليستتم النظر إلى جميع جسده.
(فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلَجِامُهُ ... وَبَاتَ بِعَيْنِي قَائماً غَيْرَ مُرْسَلِ)
في (بات) ضمير الفرس، وقوله (عليه سرجه ولجامه) في موضع النصب خبر بات، وبات الثاني معطوف على الأول، و (بعيني) خبره، أي بحيث أراه، وقائما: نصب على الحال، وغير مرسل: أي غير مُهمل.
ومعناه إنه لما جيء به من الصيد لم يرفه عنه سرجه وهو عرق، ولم يقلع لجامه فيعتلف على التعب فيؤذيه ذلك، ويجوز أن يكون معنى فبات عليه
стр. 47
سرجه ولجامه لأنهم مسافرون، كأنه أراد الغدو فكان معدا لذلك.
(أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيِّ مُكَلَّلِ)
ويروى (أحار ترى) ويروى (أعنى على برق أريك وميضه) يقال: ومض البرق ومضا، وأومض إيماضا، والومض: الخفى، ووميضه: خطرانه، وقوله: (كلمع اليدين) أي كحركتهما، والحبي: ما ارتفع من السحاب والمكلل: المستدير كالإكليل، والمكلل: المتبسم بالبرق. وقوله (أصاح) ترخيم صاحب، على لغة من قال: يا حار، وفيه من السؤال أن يقال: قال النحويون: لا ترخم النكرة فكيف جاز أن يرخم صاحبا وهو نكرة وقد قال سيبويه: لا يرخم من النسكرات إلا ما كان في آخره الهاء، نحو قوله:
جَارِىَ لاَ تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي
فالجواب عن هذا أن أبا العباس لا يجوز أن ترخم نكرة ألبتة، وأنكر على سيبويه ما قال من أن النكرة ترخم إذا كانت فيها الهاء، وزعم أن قوله:
جَارِىَ لاَ تَسْتَنْكِرٍي عَذِيرِي
إنه يريد يا أيتها الجارية، فكأنه رخم على هذا معرفة، فكذلك يقول في قوله: (أصاح ترى) كأنه قال يا أيها الصاحب، ثم رخم على هذا.
ومما يُسأل عنه في هذا البيت أن يقال: كيف جاز أن يُسقط حرف الاستفهام، وإنما المعنى (أترى برقا). فإن قال قائل: أن الألف في قوله:
стр. 48
(أصاح) هي ألف الاستفهام؛ فهذا خطأ، لأنه لا يجوز أن تقول: صاحب أقبل؛ لأنك تسقط شيئين، إلا أنك إذا قلت: (يا صاحب) فمعناه يا أيها الصاحب.
فالجواب عن هذا أن قوله: (أصاح) الألف للنداء كقولك: (يا صاح) إلا أنها دلت على الاستفهام، إذ كان لفظها كلفظ ألف الاستفهام، وأجاز النحويون (زيدٌ عندكَ أم عمروٌ) يريدون أزيد عندك أم عمرو؛ لأن أم قد دلت على معنى الاستفهام، فأما بغير دلالة فلا يجوز؛ لو قلت: (زيد عندك) وأنت تريد الاستفهام لم يجز، وقد أنكر على عمر بن أبي ربيعة قوله:
ثُمَّ قَالُوا: تحِبُّهَا؟ قُلتُ: بَهْراً، ... عَدَدَ الرَّمْلِ وَالحَصَى وَالتُّرَابِ
قالوا: لأنه أراد قالوا أتحبها، ثم أسقط ألف الاستفهام، وهذا عند أبي العباس ليس باستفهام، إنما هو على الإلزام والتوبيخ كأنه قال: قالوا: أنت تُحبها.
(يُضِيءُ سَنَاهُ أو مَصَابِيحُِ رَاهِبٍ ... أَهَانَ السَّلِيطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّلِ)
السنا: مقصور الضوء، يقال: سنا يسنو، إذا أضاء، ومصابيح: مرفوع على أن يكون معطوفا على المضمر الذي في الكاف في قوله كلمع اليدين، والمضمر يعود على البرق، وإن شئت على الوميض. ويروى (أو مصابيحِ راهبٍ) بالجر، على أن تعطفه على قوله كلمع اليدين، ويكون المعنى أو كمصابيح راهب. ومعنى قوله: (أهان السليط) أي لم يكن عنده عزيزا، يعني إنه لا يكرمه عن استعماله وإتلافه في الوقود، ولا معنى لرواية من روى (أمال السليط) والسليط: الزيت،
وقيل: الشيرج، والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة.
стр. 49
(قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍ ... وَبَيْنَ العُذَيْبِ، بُعْدَ مَا مُتَأَمَّلِي)
صُحبتي: بمعنى أصحابي، وهو اسم للجمع، وضارج والعذيب: مكانان، ويروى (بين حامز وبين أكام) وهو من بلاد غطفان، أي قعدت لذلك البرق أنظر من أين يجيء بالمطر، ومعنى قوله: (بُعدَ ما مُتأمل) ما أبعد ما تأملت، وحقيقته إنه نداء مضاف، فالمعنى يا بُعد ما مُتأمل، أي يا بُعد ما تأملت، وروى الرياشي (بَعْدَ ما) بفتح الباء، وهي تحتمل معنيين: أحدهما أن المعنى بَعُدَ ثم حذف الضمة كما يقال عَضْد في عَضُد، ويجوز أن يكون المعنى بَعْدَ ما تأملت.
(عَلاَ قَطَناً - بِالشَّيْمِ - أَيْمَنُ صَوْبِهِ ... وَأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُلِ)
وروى الأصمعي (على قطن) وقطن: جبل، والشيم: النظر إلى البرق، وصوبه: مطره الذي يصيب الأرض منه، وقوله: (أيمن صوبه) يحتمل تفسيرين: أحدهما أن يكون من اليمن، والآخر أن يكون من اليمين، و (أيسره) يحتمل تفسيرين: أحدهما أن يكون من اليسر، والآخر أن يكون من يسرته. ويذبل: صرفه لضرورة الشعر. ويروى (على النباج وثيتل).
(فأَضْحَى يَسُحُّ المَاَء حَوْلَ كُتَيْفَةٍ ... يَكُبُّ عَلَى الأَذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ)
كتيفة: اسم أرض، يقول: فأضحى السحاب يصب الماء، وقوله: (يكب) يقلبها على رؤوسها، والأذقان هنا مستعارة، وإنما يريد بها الرءوس وأعالي الشجر، والدوح: جمع دوحة، وكل شجرة عظيمة دوحة، والكنهبل: شجر معروف من
стр. 50
العضاه ويروى (من كل فيقة) والفيقة: ما بين الحلبتين واسم ما بينهما: الفواق، والفواق جميعا، ويروى (عن كل فيقة) بمعنى بعد، وروى أبو عبيدة (من كل تلعة) أي مسيل الماء.
(وَمَرَّ عَلَى القَنَانِ مِنْ نَفَيَانِهِ ... فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مُنْزَلِ)
ويروى (من كل منزل) القنان: جبل لبني أسد، وأصل النفيان ما تطاير عن الرشاء عند الاستقاء، وهو هنا ما شذ عن معظمه. والعصم: الوعول، واحدها أعصم، والأنثى أروية والأعصم هنا: ما كان في معصمه بياض أو لون يخالف لونه، وقيل: بل سمى لوعل أعصم؛ لأنه يعتصم بالجبال، لأنه لا يكاد يكون إلا فيها، ومن روى (من كل منزل) فمعناه من كل موضع تنزل هي منه، أي تهرب من السيل الكثير.
(وَتَيْمَاَء لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلاَ أُجُماً إِلاَّ مشِيداً بِجَندلِ)
ويروى (ولا أطما) والآجام: البيوت المسقفة، وكذلك الآطام، يقول: لم يدع أطماً إلا ما كان مشيدا بجص وصخر إنه سلم. والشيد: الجص، والمشيد: يحتمل أن يكون المبنى بالجص وأن يكون المطول، وتيماه: من أمهات القرى.
стр. 51
(كَأَنَّ ثَبِيراً فيِ عَرَانِينِ وَبْلِهِ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فيِ بِجَادٍ مُزَمَّلِ)
ثبير: جبل: والعرانين: الأوائل، والأصل في هذا أن يقال للأنف عرنين. والوبل: ما عظم من القطر، ورواها الأصمعي (كان أبانا في أفانين ودقه) وأبانان: جبل أبيض وجبل أسود، وهما لبني عبد مناف بن دارم، وأفانين: ضروب، والوةدق: المطر، والبجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب من وبر الإبل وصوف الغنم مخيطة، والجمع بُجد، ومزمل: ملتف. يقول: قد ألبس الوبل أبانا فكأنه مما ألبسه من المطر وغشاه كبير أناس مزمل لأن الكبير أبدا متدثر، وقال أبو نصر: شبه الجبل وقد غطاه الماء، والغثاء الذي أحاط به إلا رأسه، بشيخ في كساء مخطط، وذلك أن رأس الجبل يضرب إلى السواد، والماء حوله أبيض، وكان يجب أن يقول (مزمل) لأنه نعت للكبير، إلا إنه خفضه على الجوار، وحكى الخليل وسيبويه (هذا جحر ضب خرب) وإنما خرب نعت للجحر، قال سيبويه: وإنما غلطوا في هذا لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد، وأنهما مفردان،
وحكى الخليل أنهم يقولون في التثنية (هذان جحرا ضب خربان) فيرجع الأعراب إلى ما يجب؛ لأن الأول مثنى، والثاني مفرد، ومما يبين ذلك حكاية سيبويه عن العرب (هذا حب رماني) وإنما كان يجب أن يضيف الحب إلى نفسه، وفي البيت وجه آخر، وهو
стр. 52
أن يكون على قول من قال: كسيت جُبة زيدا؛ فيكون التقدير (في بجاد مزمله الكساء) ثم تحذف كما تقول: مررت برجل مكسوته جبة، ثم تكنى عن الجبة فتقول (مررت برجل مكسوته) ثم تحذف الهاء في الشعر، هذا قول بعض النحويين، وكان ابن كيسان يروى (وكأن) بزيادة الواو في هذا البيت وفيما بعده؛ ليكون الكلام مرتبطا بعضه ببعض، وهذا يسمى الخزم في العروض، وإسقاط الواو هو الوجه.
(كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً ... مِنَ السَّيْلِ والغُثَاءِ َفِلْكَةُ مِغْزَلِ)
روى الأصمعي (كأن طمية المجيمر غدوة) والمجيمر: أرض لبني فزارة، وطمية: جبل في بلادهم. يقول: قد امتلأ المجيمر فكأن الجبل في الماء فلكة مغزل لما جمع السيل حوله من الغثاء، ورواه الفراء (من السيل والأغثاء) جمع الغثاء، وهو قليل في الممدود، قال أبو جعفر: من رواه (الأغثاء) فقد أخطأ؛ لأن غثاء لا يجمع على أغثاء، وإنما يجمع على أغثية؛ لأن أفعلة جمع الممدود، وأفعالا جمع المقصور نحو رحا وأرحاء، والذرى: الأعالي، والواحدة ذروة، ويروى (كأن قليعة المجيمر).
(وَأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بَعَاعَهُ ... نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ)
صحراء الغبيط: الحزن، وهي أرض بني يربوع، والغبيط: نجفة يرتفع طرفها ويطمئن وسطها، وهي كغبيط القتب. وقالوا: لم يرد أرض بني يربوع خاصة. أراد الغبيط من الأرض، وكل أرض منخفضة فهي غبيط، وبعاعه: ثقله، ويروى (المحمَّل) و (المحمِّل) بفتح الميم وكسرها، فمن فتح الميم جعل اليماني
стр. 53
جملا،
ومن كسرها جعله رجلا، وشبه السيل به لنزوله في هذا الموضع، ونزول: منصوب على تقدير نزولا مثل نزول، وروى الاصمعي (كصرع به ما أخرج المطر من ذلك النبت، ويروى (كصوع اليماني) أي كطرحه الذي معه إذا نزل بمكان، وقال بعضهم: الصوع الخطوط، يقال: صاع يصوع.
(كَأَنَّ مَكَاكِيَّ الجِوَاءِ غُدَيَّةً ... صُبِحْنَ سُلاَفاً مِنْ رَحِيقٍ مُفَلْفَلِ)
المكاكي: جمع مُكاء، وهو طائر كثير الصفير، والجواء: البطن من الأرض العظيم، وقد يكون الجواء جمعا واحده جوٌّ، وصُبحن: من الصُّبوح وهو شرب الغداة، والسُّلاف: أول ما يُعصر من الخمر، والرحيق: الخمر، وقالوا: صفوة الخمر، والمُفلفل: الذي قد ألقيت فيه توابل، وقيل: الذي يحذي اللسان، والمراد أن المكاكي لما رأت الخصب والمطر فرحت وصوتت كأنها سكارى.
(كَأَنَّ السِّبَاعَ فِيهِ غَرْقَى عَشِيَّةً ... بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ)
ويروى (غدية) وغرقى: في موضع نصب على الحال، يقول: حين أصبح الناس ورأوها فكأنها تلك الأنابيش من العنصل، والأنابيش: جماعات من العنصل يجمعها الصبيان، ويقال: الأنابيش العروق، وإنما سميت أنابيش لأنها تُنبش، أي تخرج من تحت الأرض، ويقال: نبشه بالنبل؛ إذا غرزه فيه، وقال أبو عبيدة: الأنابيش والأبابيش واحد، والعُنْصُل والعُنْصَل: بصل بري يعمل منه
стр. 54
خل يقال له خل عنصلاني، وهو شديد الحموضة، شبه السباع الغرقى بما نُبش من العنصل لأن السيل غرقها فهي من نواحيه تبدو منها أطرافها، فشبهها بذلك، والأرجاء: النواحي، واحدها رجا، وقوله (القصوى) كان يجب أن يقول (القصا) لأنه نعت الأرجاء، إلا إنه حمله على لفظ الجمع ونظيره قول الله : (لنريكَ مِنْ آياتِنَا الكُبْرَى)، والأنابيش لا واحد لها، وقيل: واحدها أنبُوش.
معلقة طرفة بن العبد البكري
وقال طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
(لَخِوْلَةَ أَطْلاَلٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ ... تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ)
خولة: امرأة من بني كَلْب، والأطلال: واحدها طلل، وهو ما شخص من آثار الدار، وثهمد: اسم موضع، والبرقة والأبرق والبرقاء: كل رابية فيها رمل وطين، أو حجارة وطين يختلطان، فمن أنث ذهب إلى البُقعة، ومن
стр. 55
ذكَّر ذهب إلى المكان، وأطلال: يرتفع بالابتداء، وإن شئت بالطرف، وتعلق الباء أن شئت بأطلال وإن شئت علقت الباء والكاف بتلوح، وتلوح: تبدو، يقال: لاح يلوح، إذا ظهر، وألاح إذا لمع، وألاح الرجل بثوبه وسيفه إذا لمع بهما، وإذا علقت الباء بأطلال كان تلوح في موضع نصب على الحال من الذِّكْر الذي في الباء من الأطلال، والكاف في قوله (كباقي الوشم) في موضع نصب، والوشم: أن يغرز بالإبر في الجلد ثم يذر عليه الكحل أو النؤور، فيبقى سواده ظاهرا، ويروى (ظللت بها أبكي وأُبْكِي إلى الغد) يقال: ظل يفعل كذا؛ إذا فعله نهارا، ويقال: ظلتُ وظلتُ بمعنى (ظللْت) فمن قال (ظَلْتُ) بفتح الظاء حذف إحدى اللامين لالتقاء حرفين من جنس واحد، ومن قال (ظِلت) بكسر الظاء حذف إحدى اللامين وكسر الظاء ليدل على المحذوفة.
(وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَىَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ: لاَ تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَلّدِ)
وقوفا: منصوب على الحال، وهو جمع واقف، كما يقال: جالس وجلوس، والعامل في الحال تلوح أو ظللت في الروايتين، و (تجلد) أي كن جليدا، وجلد وجليد بمعنى واحد.
(كَأَنَّ حُدُوجَ المَالِكِيَّةِ غُدْوَةً ... خَلاَيَا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ)
الحدوج: جمع حدج، وهو مركب من مراكب النساء، ويقال: حدج؛ إذا ركب الحدج، والمالكية: منسوبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة والخلايا:
стр. 56
جمع خلية، وهي السفينة العظيمة، والنواصف: جمع ناصفة، وهي الرحبة الواسعة تكون في الوادي، ودد هنا: موضع، وقال أبو عبيدة: لا يقال للسفينة خلية حتى يكون معها زورق، كأنه شبهها بالخلية من الإبل.
فإن قيل: كيف يجوز أن يكون بالنواصف السفين، وإنما النواصف رحاب تكون في الأودية؟.
فالجواب عن هذا أن في البيت تقديما وتأخيرا، والتقدير: كأن حدوج المالكية غدوة بالنواصف من دد خلايا سفين.
والباء في موضع الحال، أي كأن حدوج المالكية وهي بالنواصف، ومن: صلة النواصف.
(عَدَوْلِيَّةٍ أو مِنْ سَفِينِ ابْنِ يا مِنٍ ... يَجُورُ بِهَا المَلاَّحُ طَوْراً وَيَهْتَدِي)
عدولية: منسوبة إلى جزيرة من جزائر البحر يقال لها عدولي أسفل من أوال، وأوال أسفل من عمان، وقال غيره: العدولية منسوبة إلى قوم كانوا ينزلون بهجر ليسوا من ربيعة ولا من مضر ولا من اليمن، وابن يامن: ملاح من أهل هجر، أو تاجر، ويروى (أو من سفين بن نيتل) وهو أيضا ملاح من أهل هجر، و (يجور) أي يعدل بها ويميل، و (يهتدي) يمضي للقصد، وقال ابن الأعرابي: عدولية منسوبة إلى قدم أو ضخم، وعَدَوْلية من نعت السفين، و (طورا) منصوب على إنه طرف؛ لأن معناه وقتا وحينا، وقيل في قوله : (وَقَدْ خَلَفَكُمْ أَطْوَاراً) أن معناه نطفة ثم علقة ثم مضغة، وقيل: معناه اختلاف المناظر.
(يَشُقُّ حَبَابَ المَاءٍ حَيْزُومُهَا بِهَا ... كَمَا قَسَمَ التُّرْبَ المُفَايِلُ بِاليَدِ)
стр. 57
حباب الماء: طرائقه، والحيزوم: الصدر، أي يشق حيزومها بها حباب الماء: أي
يقطعه ويقسمه كقسمة المفايل الترب، والمفايل: الذي يلعب لعبة الصبيان الأعراب، يقال لها: الفيالُ والمُفايلة وهي تراب يكومونه، أو رمل، ثم يخبؤون فيه خبيئا، ثم يشق المفايل تلك الكومة بيده فيقسمها قسمين، ثم يقول: في أي الجانبين خبأت؟ فإن أصاب ظفر، وإن أخطأ قمر، والكاف في موضع نصب، وقوله المفايل هو مفاعل من الفأل بالظفر، أو من قولهم (فال رأيه) إذا لم يظفر.
(وَفِي الحَيِّ أحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ ... مُظَاهِرُ سِمْطَىْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ)
أحوى: ظبي له خطتان من سواد، وإنما أراد سواد مدمع عينه شبه المرأة بالظبي الأحوى، والمرد: ثمر الأراك المدرك، الواحدة مردة، ومعنى (ينفض) يعطو ليتناول تحت الأراك فيسقط عليه النفض، والنَّفَضُ: ما سقط من النفضِ، ويقال (شدن) إذا قوى، والأم مشدن، والسِّمط: النظم من اللؤلؤ، وقوله (مظاهر سمطى) يعني إنه قد لبس واحدا فوق آخر، ومنه (تظاهرت الأخبار) أي أتي خبر على أثر خبر، ويجوز (مظاهر) بالنصب على الحال.
(خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَباً بِخَمِيلَةٍ ... تَنَاوَلُ أَطْرَافَ البَرِيرِ وَتَرْتَدِي)
الخذول: التي قد خذلت صواحبها وأقامت على ولدها، وهب الخاذل.
стр. 58
فإن قال قائل: كيف قال (وفي الحي أحوى) ثم قال (خذول) والخذول: نعت الأنثى.
قيل له: هذا على طريق التشبيه، أراد: وفي الحي امرأة تشبه الغزال في طول عنقها وحسنها وتشبه البقرة في حسن عينيها.
وقوله (تراعي ربربا) أي ترعى مع ربرب، والربرب: القطيع من البقر والظباء وغير ذلك، وخص الخذول لأنها فزعة ولهة على خشفها فهي تشرئب وتمد عنقها وترتاع لأنها منفردة، وهو أحسن لها، ولو كانت في قطيعها لم يبن حسنها، والخميلة: الأرض السهلة اللينة ذات الشجر، والبرير: ثمر الأراك.
(وَتَبْسِمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَوِّراً ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لَهُ نَدِ)
أي وتبسم عن ثغر ألمى، أي أسمر اللثات، وهم يمدحون سمرة اللثة لأنها تبين بياض الأسنان، والمنور: الأقحوان الذي قد ظهر نوره، وتخلل: أي دخل في خلله، وحر الرمل: خالصه، وكذلك حر كل شيء، والدعص: الكثيب من الرمل.
ومما يسأل عنه في هذا البيت أن يقال: ما يعود على قوله (ألمى)؟ وأين خبر كأن؟ لأن الهاء في قوله (له) تعود على الأقحوان.
فالجواب عن هذا أن
стр. 59
خبر كأن محذوف، وهو يعود على قوله ألمى، والمعنى كأن مُنورا متخللا حر الرمل دعص له ند هذا الثغر، فحذف لعلم السامع.
(سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسِ إِلاَّ لِثَاتِهِ ... أُسِفَّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بِأَثْمِدِ)
إياة الشمس: ضوءها وشعاعها، ويقال: (إيا الشَّمْس) بالقصر، وأياء: إذا كسرت الهمزة قصرت، وإذا فتحت مددت ومعنى سقته: حسَّنته وبيضته وأشربته حسنا، وقيل في قوله: (سقته إياة الشمس) من قول الأعراب إذا سقطت سن أحدهم كان يرميها إلى عين الشمس، ويقول: أبدليني سنا من ذهب أو فضة، ومعنى (أسفَّ) ذُر عليه، أي أسف بإثمد (ولم تكدم عليه) أي لم تعضض عظما فيؤثر في ثغرها ويذهب أشره، والهاء في سقته تعود على الثغر، وكذلك الهاء في (لثاته)، واللثات: في موضع نصب على الاستثناء، والمضمر الذي في قوله (أسف) يعود على الثغر أيضا على قول أهل اللغة، والمعنى عندهم إنه يعود على الثغر وهو يريد اللثات، وليس يمتنع أن يعود على اللثات، وقد يُذكر يحمل على تذكير الجمع، وإنما قالوا إنه يريد اللثات لأنه يريد أن اللثات كأنها ذر عليها كحل، وهم يمتدحون النساء بهذا، وكذلك سمرة الشفة.
стр. 60
(وَوَجْهٌ كَأَنَّ الشَّمْسَ حَلَّتْ رِدَاَءهَا ... عَلَيْهِ، نَقِىُّ اللَّوْنِ، لَمْ يَتَخَدَّدِ)
أي لها وجه، وروى بعضهم (ووجه) بالجر عطفه على (ألمى) أي وتبسم عن وجه، ومعنى (حلت رداءها عليه) قلعته وألبسته إياه، وقوله: (لم يتخدد) لم
يضطرب مشتق من الخد؛ لأنه يضطرب عند الأكل.
(وَإِنِّي لأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ... بِعَوْجَاَء مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي)
يقال: مضي الشيء يمضى مضاء ومضيا، وأمضيته أنا أمضيه إمضاء؛ إذا أذهبته عنك، والمضاء: السرعة، يقول: إذا نزل بي هم سليته عنى وأمضيته بأن أرتحل على هذه الناقة العوجاء، وهي الضامرة التي قد لحق بطنها بظهرها واعوج شخصها، والمرقال: السريعة في سيرها كأن في سيرها خببا، ومرقال: على التكثير، كما تقول: مذكار ومئناث وقوله: (بعوجاء) يقال للذكر أعوج، وكان يجل أن يقال للأنثى أعوجة كما يؤنث بالهاء في غير هذا، إلا أن قولك أعوج وما أشبهه ضارع الفعل من جهتين، إحداهما إنه صفة، والأخرى أن لفظه كلفظ الفعل، فلو قلت أعوجة وأحمرة، لزالت إحدى الجهتين، فلهذا أنث بالهمزة لأن مخرجها من مخرج الهاء، وأزيلت الهمزة من أوله لأنهم لو تركوها على حالها لكان في وزن أحمرة، وأما زيادتهم الألف قبل الهمزة ففيه قولان: أحدهما أن هاء التأنيث يكون ما قبلها مفتوحا، والهمزة يختلف ما قبلها، فجاءوا بالألف عوضا من الفتحة، والقول الآخر أنهم أرادوا أن يخالفوا بينها وبين الهاء فزادوا حرفين ولم يزيدوا واحدا فيكون بمنزلة الهاء.
стр. 61
(أَمُونٍ كَأَلوَاحِ الإرَانِ نَسَأْتُهَا ... عَلَى لاَ حِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ)
الأمون: التي يؤمن عثارها، والإران: تابوت كانوا يحملون فيه ساداتهم وكبراءهم دون غيرهم، وكل خشبة عريضة فهي لوح، ونسأتها: ضربتها بالمنسأة ويروى (نصأتها) قال ابن الأعرابي: نصأتها ونسأتها: زجرتها وضربتها بالمنسأة، وهما واحد، وقيل: نصأتها قدمتها، ونسأتها أخرتها، واللاحب: طريق منقاد، ويقال: مر فلان يلحب؛ إذا مر مرا سريعا، واللاحب: البين المؤثر فيه.
فإن قبل: كان يجب أن يقول ملحوب.
فالجواب عنه إنه يجوز أن يكون مثل قوله تعالى: (مِنْ مَاءِ دَافِق) قيل: معناه مدفوق، وحقيقته إنه بمعنى ذي دفق ويجوز أن يكون لا حب على بابه كأنه يلحب أخفاف الإبل، أي يرثؤ فيها، والهاء في (كأنه) تعود على الطريق، كأنه قال: على طريق لاحب، وشبه الطرائق التي في الطريق يطرائق البرجد، وهو كساء مخطط، وأراد كأنه برجد، ولم يرد الظهر دون البطن.
(تُبارِى عِتَاقاً نَاجِياتٍ، وَأَتْبَعتْ ... وَظِيفاً وَظِيفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ)
تبارى: تعارض، يقال: هما يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل هذا مثله، والعتاق: الكرام من الإبل البيض، والعتق: الكرم، والعتق أيضا: الحُسن والجمال، ويقال: عتق الفرس؛ إذا سبق، وبه سمي بيت الله العتيق؛ لأنه عتق أن يملك أي سبق ذلك، ويقال: سمي العتيق لأن الله أعتقه من الغرق أيام
стр. 62
الطوفان، وقيل: سمي العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يقصده جبار إلا قصمه الله، والناجيات: السراع، يقال: نجا ينجو؛ إذا أسرع، والنجوة: المكان المرتفع، سمى بذلك لأنه ينجي عليه من السيل، والوظيف: عظم الساق، وقوله، وقوله: (وأتبعت وظيفا وظيفا) أي أتبعت وظيف يدها وظيف رجلها، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت، ويستحب أن تكون خرقاء اليد صناع الرجل، والمور: الطريق، ويقال: مار يمور مورا، إذا دار، والمُور - بالضم - التراب والغبار، والمُعبد: المذلل، يقال: بعير مُعبد، أي مذلل بالهناء، وبعير معبد: أي مكرم، وهو من الأضداد، قال الشاعر:
تَقُولُ: أَلاَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّنِي ... أَرَى المَالَ عِنْدَ البَاخِلِينَ مُعَبَّدَا
معناه مكرما كأنهم يعبدونه من كرامته عليهم، وموضع (تبارى) يجوز أن يكون نصبا على الحال من الهاء والألف، أي مبارية عتاقا، ويجوز أن يكون في موضع جر على الإتباع لأمون.
(تَرَبَّعَتِ القُفيْنِ بالشَّوْلِ تَرْتَعِي ... حَدَائِقَ مَوْلِىِّ الأَسِرِّةِ أَغْيَدِ)
القف: ما غلظ من الأرض وارتفع، ولم يبلغ أن يكون جبلا، والشول من النوق: التي قد ارتفعت ألبانها، والحدائق: البساتين، والمولى: الذي أصابه الول من المطر، وهو الذي يجيء بعد الوسمي، والأسرة: بطون الأودية الواحدة سرارة، وهو أكرم الوادي، لأنه يقال: فلان في سر قومه، أي في صميمهم، وقوله (بالشول) أي في الشول، ويروى (في الشول) والشول: جمع شائلة، وكأنها التي قد شال ضرعها، وهي التي قد أتى عليها من وقت نتاجها سبعة أشهر، وهذا كقولهم: شال الميزان يشول؛ إذا ارتفع، وقال
стр. 63
الكوفيون: هذا من الشاذ، كان يجب أن يقال: شائل؛ لأنه شيء لا يكون إلا للإناث، وهو عند البصريين جيد، على أن تجريه على الفعل، فتقول: شالت فهي شائلة فأما إذا شالت بذنبها فإنما يقال (شائل) بلا هاء، هذا الأكثر ويجوز أن تجريه على الفعل فتقول (شائلة) وترتعى: تفتعل من الرعي، وكل شجر ملتف أو نخل فهي حديقة، والحدائق هنا: الرياض، والأغيد: الناعم، أي ذو النعمة، وكأنه اللين من النعمة.
(تَرِيعُ إلى صَوْتِ المُهِيبِ، وَتَتَّقِي ... بِذِي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكْلفَ مُلْبِدِ)
المهيب: الذي يصيح بها هوب هوب، وتريع: أي ترجع إلى صوت الراعي إذا دعا بها، و (تتقي بذي خصل) المفعول محذوف، المعنى: وتتقي الفحل بذنب ذي خصل؛ لأن الناقة إذا كانت حاملا اتقت الفحل بحركة ذنبها فيعلم الفحل إنها حامل، فلا يقربها، والأكلف: من صفة الفحل وهو الذي في لونه حمرة إلى السواد، والملبد: الذي قد صار على وركه مثل اللبد من ثلطه؛ لأنه يضرب بذنبه من الهياج على ظهره، والروعات: جمع روعة، وهو الفزع، ومن العرب من يقول: روعات ليفرق بين الاسم والصفة مثل جفنة وجفنات، إلا أن الأحسن روعات بتسكين الواو، لاستثقالهم الحركة فيها.
فإن قيل: سبيل الواو إذا كانت في موضع حركة، وكانت قبلها فتحة أن تُقلب ألفا، فيجب على هذا على لغة من حرك أن يقول: راعات.
فالجواب عنه إنه وإن حرك فالأصل الإسكان؛ فصار بمنزلة قولك صيد البعير، فلم تقلب
стр. 64
الياء ألفا لأنه في معنى أصيد وأصياد، ألا ترى أنهم يقولون حوكة فيأتون به على الأصل
(كَأَنَّ جَنَاحَىْ مَضْرَحِىٍّ تَكَنَّفَا ... حِفافَيْهِ شُكاَّ فِي العَسِيبِ بِمِسْرَدِ)
شبه هُلب ذنبها بجناحي مضرحي، وهو العتيق من النسور يضرب إلى البياض وحفافاه: جانباه، وقوله (تكنفا) أي صارا من جانبيه عن يمين الذنب وشماله، و (شكا) غرزا وأدخلا فيهما، والعسيب: عظم الذنب، والمسرد: المخصف، وهي الإشفى، وقال الأصمعي: يستحب من المهاري أن تقصر أذنابها، وقلما ترى مهريا إلا ورأيت ذنبه أعصل كأنه أفعى وهو عيب فيما يُحلب، ويمدح في ذوات الحلب سبوغ الأذناب وكثرة هلبها وقال غيره: كل الفحول من الشعراء وصف الأذناب بكثرة الهلب: منهم امرؤ القيس، وطرفة، وعيينة بن مرداس، وغيرهم.
(فَطَوْراً بِهِ خَلْفَ الزَّمِيلِ، وَتَارَةً ... عَلَى حَشِفٍ كَالشَّنِّ ذَاوٍ مُجَدَّدِ)
يقول: طورا ترفع ذنبها وتضرب به خلف الزميل، أي الرديف، ولا زميل هناك، وإنما أراد موضع الزميل، ومرة تضرب به على ضرعها، وإنما سماه حشفا لأنه مُتقبض لا لبن فيه والشن: القربة الخلق، والذاوي:
стр. 65
الذابل الذي قد أخذ في اليبس، والمجدد: الذاهب اللبن، ناقة جدود، وأتان جدود: ذهب لبنها من غير بأس، وأصل الكلمة من قولهم (جددت الشيء) إذا قطعته، فالجدود: التي انقطع لبنها، والطور والتارة: وقتان.
(لَهَا فَخِذَانِ أُكْمِلَ النَّحْصُ فِيهمَا ... كأَنَّهُمَ بَابَا مُنِيفٍ مُمُرَّدِ)
أكمل: أتم، والكمال: التمام، والنحض: اللحم، ويقال: نحض العظم؛ إذا أخذ ما
عليه من النحض، وروى الطوسي (لها فخذان عولي النحض فيهما) وعولي: معناه ظوهر وكثر، وقوله (بابا منيف) يقول: كأن الفخذين بابا قصر منيف، يقال: أناف الشيء ينيف إنافة؛ إذا علا وأشرف، والممرد: قالوا هو المطول، ويكون على هذا من قولهم (تمرد) إذا تجاوز في الشر، وأنشد الأصمعي في صفة فحل وذكر ارتفاع سنامه:
بَنَى لَهُ العُلَّفُ قَصْراً مَارِداً
وقيل: الممرد المملس، ومنه (شجرة مرداء) إذا سقط ورقها فصارت ملساء، ومنه سمى الأمرد أمرد لأنه أملس الخدين.
(وَطَيُّ مَحَالٍ كَالحُنِيِّ خُلُوفُهُ ... وَأَجْرِنَةٌ لُزَّتْ بِدَأْيٍ مُنَضَّدِ)
أي لها محال مطوية، والمحال: قفار الظهر، الواحدة محالة، والحني: القسي، واحدتها حنية، ويروى بضم الحاء وكسرها كما يقال: عُصِى، وعِصِى، والخلوف: أطراف الأضلاع، والجران: باطن العنق، جمعه بما حواليه، ولُزَّت: قُرن بعضها إلى بعض
стр. 66
فانضمَّتْ واشتدت، ودأي: جمع دأية، وهي الفقار، وكل فقرة من فقار العنق والظهر دأية، يقول: محال ظهرها متراصف متدان بعضه من بعض، وذلك أشد لها وأقوى من أن لا تكون متدانيات.
(كَأَنَّ كِنَاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنُفَانِهَا ... وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْت صُلْبٍ مُؤَيَّدِ)
الكناس: أن يحتفر الثيران في أصل الشجرة كالسرب يكنها من الحر والبرد، والجمع كُنُس، وقد كنست تكنس؛ إذا استظلت في كُنُسها من الحر، وإنما قال (كناسي) لأنه يستكن بالغداة في ظلها وبالعشي في فيئها، والضال: الشدر البرى الواحدة ضالة، والأطر: العطف، والمؤيد: المقوى، والأيد: القوة، يقول كأن كناسي ضالة يكنفان هذه الناقة من سعة ما بين مرفقيها وزورها، وإنما أراد أن مرفقيها قد بانا عن إبطيها، فشبه الهواء الذي بينهما بكناسي ضالة؛ فليس بها
حازولا ناكت، وكأن قسيا مأطورة تحت صلبها، يعني تحت ضلوعها.
(لَهَا مِرْفَقَانِ أَفْتَلاَنِ كأَنَّمَا ... تَمُرُّ بِسَلْمَىْ دَالج مُتَشَدِّدِ)
الأفتلان: المتباينان كأنما فتلا عن صدرها، أي عدلا، والسلم: الدلو لها عروة واحدة نحو دلو السقائين، والدالج: الذي يمشي بين الحوض والبئر، يقول: هما مفتولان كأنهما سلمان بيدي دالج فهو يجافيهما عن ثيابه، والرواية الجيدة (تَمُرَّ) بفتح التاء، ويروى (تُمرُّ) معناه تفتل وتجود الفتل. وقال ابن الأعرابي: أراد (كأنما تمرُّ سَلمى) فزاد الباء، أراد تباين مرفقا الناقة وتباعدا عن زورها، كما يتباعد عضد الدالج عن زوره.
стр. 67
(كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا ... لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَاد بِقَرْمَدِ)
لتكتنفا: أي لتؤتيا من أكنافها لتبنى؛ وتشاد: ترفع، والقرمد: الآجر الواحدة قرمدة، وقصد بناء الروم لإحكامه، وقوله: (لتكتنفا) أقسم، بالنون الخفيفة، والوقف عليها بالألف عوضا من النون، ولا يعوض منها إذا كان قبلها ضمة أو كسرة؛ لأنهم شبهوها بالتنوين في الأسماء لأنك تعوض منه في موضع النصب، ولا تعوض في موضع الرفع والجر، إلا أن النون في الأفعال تحذف لالتقاء الساكنين، والتنوين في الأسماء الاختيار فيه التحريك لأن ما يدخل في الأسماء أقوى مما يدخل في الأفعال.
(صُهابِيّةُ العُثْنُونِ مُؤْجَدَةُ القَرَا ... بَعِيدَةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوَّارَةُ اليَدِ)
الصهابية: التي يضرب لونها إلى الصهبة، وهي بياض يخالطه حمرة والعثنون: ما تحت لحييها من الشعر، والموجدة: المحكمة، قال أبو عمرو الشيباني: يقال: ناقة أجُد إذا كان عظم عدم من فقارها واحدا، وقوله (بعيدة وخد الرجل) يريد سعو خطوها، والوخد: ضرب من السير السريع، وقوله (موارة اليد) أي أن كتفيها تتبعان يديها في سهولة، يريد أنها خرقاء اليد، ويقال (مار يمور) إذا دار.
(أُمِرَّتْ يَدَاهَا فَتْلَ شَزْرٍ، وَأُجْنِحَتْ ... لَهَا عَضُدَاهَا فِي سَقِيفٍ مُسَنَّدِ)
стр. 68
أُمرت: فتلت، والشزر: الفتل الذي يقال له الدبير، ومنه يقال (فلان ينظر إليك شزرا) كأنه يرفع طرفه ثم يطرف؛ لأن الشزر الذي يفتل به عن الصدر متعالي فلهذا سمي الدبير، وانتصب (فتل) لأنه نعت لمصدر محذوف، كأنه قال: أُمرت يداها إمرارا نثل فتل شزر، ومعنى (أجنحت) أميلت إلى خارج، فيقول: كأن ظهرها صفائح صخر، لا يؤثر فيه شيء، وقيل: السقيف هنا زورها وما فوقه، وأصل السقيف: صفائح من حجارة، ومسند: أسند بعضه إلى بعض.
(جَنُوحٌ، دُفَاقٌ، عَنْدَلٌ، ثُمَّ أُفْرِعَتْ ... لَهَا كَتِفَاهَا فِي مُعَالي مُصَعَّدِ)
الجنوح: التي تميل على أحد شقيها في السير، والدفاق: التي تتدفق في السير، والعندل: الضخمة الرأس، وأفرعت: عوليت، وفي معالى: أي مع معالي.
(كَأَنَّ عُلُوبَ النِّسْعِ فيِ دَأَيَاتِهَا ... مَوَارِدُ مِنْ خَلْقَاَء فيِ ظَهْرِ قَرْدَدِ)
العلوب: الآثار، واحدها علب، والنسع: جبل مضفور من أدم، والدأيات: منتهى الأضلاع، قيل: في الظهر، وقيل: في الصدر، والموارد: طرق المياه، والخلقاء: الصخرة الملساء، والقردد: الأرض الصلبة المستوية، وظهر القردد: أعلاه، يقول: هذه العلوب في صدرها مثل آثار الموارد، وقيل: معنى البيت أن النسوع لا تؤثر في هذه الناقة إلا كما تؤثر الموارد في الصخرة الملساء، وقيل: أراد بالموارد مواضع مر الحبال على حرف البئر المزبورة حتى تؤثر فيها أثرا ليس بالمبالغ، فكذلك آثار النسوع في جنب هذه الناقة ليس بالمبالغ لصلابة جلدها.
стр. 69
(تَلاَقَى، وَأَحْيَاناً تَبِينُ كَأَنَّهَا ... بَنَائِقُ غُرٌّ فيِ قَمِيصٍ مُقَدَّدِ)
(تلاقى) أي تتلاقى، أي تجتمع، وتبين: تفترق، يعني هذه الموارد يكون بعضها يلي بعضا ويتصل بعضها ببعض، والبنائق: جمع بنيقة، يقول: كأنها دخاريص قميص، والغر: البيض، والمقدد: المشقق، وقال أحمد ابن عبيد: تلاقى يعني
الحبال والآثار إذا سفلت إلى العُرى رءوسها، وإذا ارتفعت إلى الرحل تباينت، وخص الدخاريص لدقة رءوسها وسعة أسافلها، فأراد أن الآثار مما يلي الحلق دقيقة، وما علا من ذلك إلى الرحل واسع؛ لأن الحلق تجمع الحبال فيدق الأثر.
(وَأَتْلَعُ نَهَّاضٌ إذا صَعَدَتْ بِهِ ... كَسُكَّانِ بُوصِيٍّ بِدِجْلَةَ مُصْعِدِ)
يعني بالأتلع عنقها، والأتلع: المشرف، والتلع: الطول، ونهاض: ينهض في السير، أي يرتفع إذا سارت، ويقال: نهض إليه؛ إذا ارتفع اليه، ونهض الفرخ؛ إذا ارتفع وفارق عشه، وهي النواهض، ومعنى (صعدت به) أشخصته في السماء، والسُّكان: الذي تقوم به السفينة، والبوصي: السفينة، فارسي معرب، ويروى (كسكان نوتى) والنوتى: الملاح، وقال (مُصعِد) لأنه يعالج الموج.
(وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ العَلاَةِ كَأَنَّمَا ... وَعَى المُلْتَقَى مِنْهَا إلى حَرْفِ مِبْرَدِ)
стр. 70
العلاة: السندان التي يضرب عليها الحداد حديدته، شبَّه جمجمتها بها في صلابتها، والجمجمة: عظام الرأس، ووعى: اجتمع وانضم، يقال: وعى عظمه؛ إذا اجتبر وتماسك، ولا وعى عن ذلك، أي لا تماسك عنه، والملتقى: يعني كل قبيلتين من قبائل الرأس التقتا، ويعنى حيود رأس الناقة، وكل نادر حيد، وإنما أراد صلابتها، فليس لملتقى شئونها نتوء، كأنه ملتئم كله كالتئام المبرد من تحت حزوزه، فيقول: هذه الجمجة كأنها قطعة واحدة في التئامها، وخص المبرد للحزوز التي فيه، فيقول: فيها نتوء غير مرتفع، قال الأصمعي: لم يقل أحد مثل هذا البيت، كما لم يقل أحد مثل قول عنترة:
غَرِدٌ يَسُنُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... قَدْحَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأجْذَمِ
(وَخَدٌّ كَقِرْطَاسِ الشَّآمِي وَمِشْفَرٌ ... كَسِبْتِ اليَمَانِي قَدُّهُ لَمْ يُحَرَّدِ)
شبه بياض خدها ببياض القرطاس قبل أن يكتب فيه، وقيل: أراد إنه عتيق لا شعر عليه، والشعر في الخد هجنة، والمراد إنه جعله كالقرطاس لنقائه وقصر
شعرته، والمشفر من البعير كالشفة من الإنسان، والسِّبْت: جلود البقر إذا دبغت بالقرظ، فإن لم يدبغ بالقرظ فليس بِسبت، وأراد أن مشافرها طوال كأنها نعال السبت، وذلك مما يمدح به، وخص السبت للينه، وقوله (لم يحرد) أي لم يميل، يصف أنها شابة فتية، وذلك أن الهرمة والهرم تميل مشافرهما.
(وَعَيْنَانِ كَالمَاوِيَّتَيْنِ اسْتَكَنَّتَا ... بِكَهْفْي حِجَاجَيْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ)
стр. 71
شبَّه عينيها بالماويتين لصفائهما، والماويتان: المرآتان، واستكنتا: حلتا في كن، والكهف: غار في الجبل، وهو هنا غار العين الذي فيه مقلتها، والحجاج: العظم المشرف على العين الذي ينبت عليه شعر الحاجب، والقلت: نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء مؤنثة وجميعها قلات، وقوله (قَلْتِ مورد)، بدل من صخرة، وإذا كانت الصخرة في ماء كان أصلب لها، والمراد أن صفاء عينيها كصفاء ماء القلت، وقوله (مورد) أراد أن ماء المطر يردها، ولو وردها الناس لكدروها.
(طَحُورَانِ عُوّارَ القَذَى، فَتَرَاهُمَا ... كَمَكْحُوَلَتْي مَذْعُورَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ)
(طحوران) أي دفوعان: يقال طحره ودحره، أي دفعه، والعوار والعائر: ما أفسد العين من الرمد، فيقول: عينها صحيحة لا قذى فيها كأنها قد طحرته، وقوله (فتراهما كمكحولتي مذعورة) يريد كعيني بقرة مذعورة، وفرقدها: ولدها، وإذا كانت مذعورة مطفلا كان أحد لنظرها.
(وَصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للِسُّرى ... لَهِجْسٍ خَفيٍّ أو لِصَوْت مُنَدَّدِ)
يعني أذنيها، أي لا تكذبها إذا سمعت النبأة، والتوجس: التسمع بحذر، والهجس: الصوت الخفي، وقوله (للسرى) أي في السرى أو عند السرى، ويقال: سرى وأسرى؛ إذا سار بالليل، وقيل للنهر (سرِيٌّ) من هذا؛ أن الماء يسري فيه، قال المبرد: خص النهر بهذا الاسم من قولهم (خير المال عين ساهرة لعين نائمة) أي لا تنام وإن نمت عنها، ويروى (لصَوْت مُندِّد) بالإضافة،
стр. 72
والمندِّد: الذي يرفع
صوته، والرواية الجيدة (صَوْتٍ مُنَدِّد) والمندد صفة للصوت.
(مُؤَللّتَانِ، تَعْرِفُ العِتْقَ فِيِمَا ... كَسَامِعَتَيْ شَاة بِحَوْمَلَ مُفْرَدِ)
المؤلل: المحدد كتحديد الآلة، وهي الحربة، والعتق: الكرم، ويريد هنا الحسن والنقاء، ويريد بالشاة هنا الثور الوحشي وقال (مُفرد) بلا هاء لأنه أراد الثور الوحشي؟، وإذا كان مفردا كان أسمع له؛ لأنه ليس معه ما يشغله وقيل: العتق أن لا يكون في داخلهما وبر؛ فهو أجود لسمعهما، وكذلك آذان الوحش.
(وَأَرْوَعُ نَبَّاضٌ أًَحَذّ ُ مُلَمْلَمٌ ... كَمِرْدَاةِ صَخْرٍ فِي صَفِيحٍ مُصَمَّدِ)
(أروع) يعني قلبها، وهو الحديد السريع الارتياع، ونباض: ينبض: أي يضرب من الفزع، والأحذ: الأملس الذي ليس له شيء يتعلق به، وقال أبو عمرو: هو الخفيف، وقال ابن الأعرابي: الأحذ الذكي الخفيف، وململم: مجتمع، وقولهم للشعر (لمة) من هذا، وألم بنا: أي ادخل في جماعتنا، وبنو تميم يقولون: لم بنا، وقوله : (الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ والفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ) معناه إلا أن يقاربوا ولا يدخلوا في معظم الشيء، وليس في الكلام دليل على إنه أباح اللمم؛ لأنه استثناء ليس من الأول، وهو مثل قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) فليس فيه دليل على إنه أباح ما سلف، وإنما المعنى ولكن ما قد سلف
стр. 73
فإن الله يعفو عنه. وكذلك قوله : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأَ) أي ولكن أن قتله خطأ فعليه ما أمر به، وقولهم: (لمَّ الله شَعَثَك) فيه قولان: أحدهما أن المعنى جمع الله مفترقك، والثاني - وهو قول المبرد - أن المعنى جمع الله ما يزيل الشعث عنك. والمرداة: صخرة تدق الصخرة بها والمراد كمرداة من صخر. والصفيح من الحجارة: العريض، والمصمد: الصلب الذي لا خور فيه.
(وَإِنْ شِئْتَ سامي وَاسِطَ الكُورِ رَأْسُها ... وَعَامَتْ بِضَبْعَيْها نَجاَء الخَفَيْدَدِ)
سامي: عالي، وواسط الكور: العود الذي بين موركة الرحل ومؤخره، وموركة
الرحل: الموضع الذي يضع عليه الراكل رجله، وقيل: الموركة: مهاد يمهده الرجل لرجله إلى جانب الواسط أسفل منه، فإذا أعيا من الغرز نزع رجله من الغرز وجعلها على الموركة، وقيل: الواسط للرحل كالقربوس للسرج وعامت: سبحت، والضبع: العض، والنجاء: السرعة، والخفيدد: الظليم، وهو ذكر النعام.
(وَإِنْ شِئْتَ لم تُرْقِلْ، وَإِنْ شِئْتَ أَرقَلَتْ ... مَخَافَة مَلْوِيٍّ مِنَ القِدِّ مُحْصَدِ)
الإرقال: ضرب من السير السريع، وأراد بالملوى السوط، والمحصد: المحكم، ومخافة: منصوب لأنه مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا.
стр. 74
(وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ مِنَ الأنْفِ مَارِنٌ ... عَتِيقٌ مَتَى تَرْجُمْ بِهِ الأَرْضَ تَزْدَدِ)
أراد بالأعلم: مشفرها، والإبل كلها علم، والعلم: شق في الشفة العليا، فإن كان في السفلى قيل له: أفلح، والمخروت: المشقوق، وخرت كل شيء: شقه وثقه، والمارن: اللين، وقوله. (متى تَرْجُمْ بِه الأرضَ) أي إذا أدنت رأسها من الأرض في سيرها فذلك رجمها إياها، يقول: إذا أومأت برأسها إلى الأرض ازدادت سيرا.
(عَلَى مِثْلِهَا أَمْضِى إذا قَالَ صَاحِبِي ... أَلاَ لَيْتَنِي أَفْدِيكَ مِنْهَا وَأَفَتدِي)
أي على مثل هذه الناقة أسير وأمضي إذا قال صاحبي: إنا هالكون من خوف الفلاة، وقوله (ألا ليتني أفديك منها وأفتدى) معناه من الفلاة. فجاء بمكنيها ولم يجر لها ذكر لدلالة المعنى عليها، كقوله تعالى (حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجْاب)، وقوله (أفديك منها) أي أعطيك فداءك وتنجو، وأفتدى أنا منها: أي أنجو، وقيل: معناه ليتني أقدر على أن أفتديك منها وأفتدى نفسي، و (على) تتعلق بأمضى، وكذلك إذا.
(وَجَاشَتْ إليه النَّفْسُ خَوْفاً وَخَالَهُ ... مُصَاباً وَلَوْ أَمْسَى عَلَى غَيْرِ مَرْصَدِ)
جاشت: ارتفعت إليه من الخوف ولم تستقر كما تجيش القدر إذا ارتفع غليانها، وقوله (اليه) أي إلى صاحبه، وقوله (وخاله) يعني وخال نفسه، وإنما جاز أن
يقال (خاله مصابا) ولم يجز (ضربه) إذا أردت ضرب نفسه على مذهب سيبويه انهم
стр. 75
استغنوا عن ضربه بقولهم (ضرب نفسه) والذي يذهب إليه أبو العباس إنه لم يجز (ضربه) لئلا يكون فاعلا مفعولا في حال وجاز (خاله) لأن الفاعل في المعنى مفعول لأنه إنما رأى شيئا فأظنه، وقوله (ولو أمسى على غير مرصد) أي ولو أمسى لا يرصد ولا يخاف من أحد لظن إنه هالك من العطش لهول المفازة، أي فأنا أنجو منها على ناقتي.
(إذا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتًى خِلْتُ أَنَّنِي ... عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ، وَلَمْ أَتَبَلَّدِ)
يقول: إذا قالوا من فتى لهذه المفازة خلت أنهم يعنونني ويقولون ليس لها غيره؛ فلم أكسل عن أن أقول أن لها ولم أتبلد عن سلوكها، ويقال (رجل بليد، ومتبلد) إذا أثر فيه الجهل كي يذهب به عن فطن الناس واحتيالهم وكذا يقال في الدواب، وأصل البلادة والتبلد من التأثير، يقال: في جلده بلد، إذا كان فيه أثر، وكذلك في غير الجلد، ويقال لكركرة البعير (بلدة) لأنها تؤثر في الأرض، أو تؤثر فيها الأرض، قال الشاعر:
أَنِيخَتْ فَأَلقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ ... قَلِيلٍ بِهَا الأَصْوَاتُ إِلاَّ بُغَامُهَا
وبهذا سميت البلدة والبلد؛ لأنه موضع مواطن الناس وتأثيرهم.
(أَحَلْتُ عَلَيْهَا بِالقَطِيعِ فَأَجْدَمَتْ ... وَقَدْ خَبَّ آلُ الأَمْعَزِ المُتَوَقِّدِ)
القطيع: السوط، أي أقبلت عليها بالسوط، يقال: أحلت عليه ضربا، إذا
следующие страницы →