← Адаб

Адаб · id 37489

ضرائر الشعر

ابن عصفور

Полный текст (299 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وماذا عسى الحجاج يبلغُ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد وقول هدبة بن خشرم: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكونُ وراءه فرجُ قريبُ وقول الآخر: فأما كيسُ فنجا ولكن ... عسى يَغْتَرّ بي حَمِقُ لئِيمُ وقول الآخر: عَسَى الله يُغْني عن بِلادِ بن قادرِ ... بمنهمر جون الربابِ سكوبِ كأن الوجه أن يقال: وماذا عسى الحجاج أن يبلغ جهده، وعسى الكرب الذي أمسيت فيه أن يكون، وعسى أن يغتر بي، وعسى الله أن يغني. وما ذكرته من استعمال الفعل الواقع في موضع خبر (عسى) بغير (أن) ضرورة، هو مذهب الفارسي وجمهور البصريين. وظاهر كلام س يعطي أنه جائز في الكلام، لأنه قال: (واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها بكاد)، فأطلق القول ولم يقيد ذلك بالشعر. إلا أنه

стр. 142

لا ينبغي أن يحمل كلامه على عمومه، لما ذكره أبو علي من أنها لا تكاد تجيء بغير (أن) إلا في ضرورة. وأيضاً فإن القياس يقتضي أن لا يجوز ذلك إلا في الشعر، لأن استعمالها بغير (أن) إنما هو بالحمل على (كاد)، لشبهها بها من حيث جمعتها المقاربة، و (كاد) محمولة في استعمالها بغير (أن) على الأفعال التي هي للأخذ في الفعل، نحو: جعل يفعل، وطفق يفعل، من جهة أنها لمقاربة ذات الفعل، فقربت لذلك من الأفعال التي هي للأخذ في الفعل. وليست (عسى) كذلك، لأنها فيها تراخياً، ألا ترى أنك تقول: عسى زيد أن يحج العام الآتي. وإنما عدت في أفعال المقاربة مع ما فيها من التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجو، والفعل المرجو قريب بالنظر إلى ما ليس بمرجو. فلما كانت محمولة في استعمالها بغير (أن) على ما هو محمول على غيره، ضعف الحمل فلم يجيء إلا في الضرورة. ومنه: حذف حرف النداء من النكرة المقبل عليها، نحو قول (الراجز): جارِيَ لا ... تستنكري عذيِري يريد: يا جاري، وقول أبي نخيلة: إذا اعوججن قلت ... صاحبْ قوم يريد: يا صاحب، وقوله، أنشده الأصمعي: كليه وجريه ضَباعِ وابشري ... بلحم امرئٍ لم يشهد اليومَ نَاصره

стр. 143

يريد: يا ضباع، وقول الآخر: فقلتُ له عطارُ هلا أتيتنا ... بدُهْن الخُزَامي أو بخوْصَة عرْفج يريد: يا عطار. وهو في الشعر كثير. وقد جاء شيء منه في الكلام، قالوا: (افتد مَخْنُوق، وأطرق كرا، وأصبح ليلُ). إلا أن ما جاء منه شاذَ يحفظ ولا يقاس عليه. وإنما لم يجز الحذف في سعة الكلام، لأن قولك: (يا رجل) أصله: يا أيها الرجل، فحذفت الألف واللام و (أي)، لأنها وصلة لما فيه الألف واللام، فانحذفت بحذفهما وصارت (يا) عوضاً من الألف واللام المحذوفة. ويعرف بها الاسم لنيابتها مناب أداة التعريف، فلو حذفت (يا) بعد ذلك لكثر الحذف، وكثرته إجحاف. ومنه إضمار (لا) النافية غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم، نحو قول النمر: وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المُنَخّلُ يريد: لا تلاقونه، وقول أبي ذؤيب: وأنسى نشيبةَ والجاهلُ ال ... مُغمّر يحسب أني نَسي يريد: ولا أنسى نشيبة، وقول الآخر:

стр. 144

تنفكّ تسمع ما حيي ... ت بهالكِ حتى تَكُونَهْ يريد: لا تنفك. وأما حذفها من الفعل المستقبل الواقع جواباً للقسم فجائز في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: (تالله تفتأ تذكرُ يوسف)، المعنى: لا تفتأ. ومما حذفت منه أيضاً ضرورة في غير الفعل قول أوس بن حَجر حتى إذا الكَلاّبُ قال لها ... كاليومِ مَطْلُوباً ولا طلَبا يريد: لا كاليوم مطلوباً ولا طلباً، وقول الآخر: رأيتك يا بن الحارثية كالتي ... صناعتها أبقت ولا الوهى ترقع يريد: لا صناعتها أبقت. ومنه: حذف (ما) النافية. وهو قليل جداً. وهو قوله: لعَنْرُ أبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الرند قادح يريد: ما زالت عزيزة. ومنه: حذف النون الداخلة على الفعل المضارع وإبقاء اللام، نحو قوله:

стр. 145

تألى ابن أوس حلفة لَيُرّدني ... إلى نسوةٍ كأنهنّ مفائد يريد: ليردنني. وقوله: لَينْجُو من ملامتها وكانوا ... إذا شَهِدوا العظائم لم يُليموا يريد: لَيْنُجنّ. ومنه: إثبات النون الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد وحذف اللام، أنشد يعقوب: فَليأزِلَنّ (ويبْكؤن) لقاحه ... ويعللَنَّ وليده بسمارِ يريد: وليبكؤن، وليعللن، وقوله: ليت شِعْري وأشْعُرَنّ إذا ما ... قربوها منشورة ودُعِيتُ يريد: ولأشعرن، وقوله: وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فِرغُ وإن أخاهم لم يقصد

стр. 146

يريد: لأثأرن. ومنه: حذف همزة الاستفهام إذا أمن اللبس للضرورة، نحو قول امرئ القيس: أحارِ ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حَبِيَّ مُكَللِ يريد: أترى، وقول الكميت: طَربتُ وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لَعباً مني وذو الشيب يَلْعب يريد: أو ذو الشيب يلعب، وقول الآخر: أصبحت فيهم آمناً لا كمعشر ... أتوني وقالوا من ربيعة أو مُضَرْ يريد: أمن ربيعة أو مضر. وأكثر ما يوجد ذلك مع (أم)، لأن فيها دلالة عليها، نحو قوله: لَعَمْرُكَ ما أدري، وإن كنت دارياً ... بسبغٍ رمين الجمر أم بثمان يريد: أبسبع، وقوله:

стр. 147

لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ... شعيثُ بن سَهمْ أم شعيثُ بن منْقِرِ يريد: أشعيث بن سهم. وقد حذفت مع (أم) في الشاذ في قراءة ابن محيصن: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) بهمزة واحدة من غير مد. وكأن الذي سهل حذفها كراهية اجتماع الهمزتين مع قوة الدلالة عليها ألا ترى أن (سواء) تدل عليها بما فيها من معنى التسوية، إذ التسوية لا تكون إلا بين اثنين، ويدل عليها مجيء (أم) من بعد ذلك. فأما قول عمر بن أبي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بَهْراً ... عَدَد النجم والحصا والترابِ فليس على حذف الهمزة كما ذهب إليه بعضهم، لعدم الدليل على ذلك. وإنما قالوا له: أنت تحبها، قد علمنا ذلك وتحققناه منك.

стр. 148

ومنه: حذف الفاء من جواب الشرط إذا كانت جملة اسمية أو فعلاً مرفوعاً، لأنه إذ ذاك في تقدير جملة اسمية، نحو قوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان يريد: فالله يشكرها، وقوله: أأبي لا تبعد فليس بخالد ... حي ومن تصب المنون بعيد يريد: فهو بعيد، فأضمر المبتدأ وحذف الفاء، وقوله: يا أقرعَ بن ... حابس يا أقرعُ إنك إن يُصْرعْ ... أخوك تُصْرَعُ يريد: فتصرع، أي فأنت تصرع، وقوله: فقلت تَحَمْل فوق طَوْقَكَ إنَها ... مُطَبّعة مَنْ يأتِها لا يَضِيرُها

стр. 149

يريد: فلا يضيرها، أي فهو لا يضيرها. ومنه: حذف حرف العطف إذا دل المعنى عليه، نحو قوله، أنشده أبو الحسن الأخفش: كيف أمسيتَ كيف أصبحتَ مما ... يزرع في فؤاد الكريم يريد: وكيف أصبحت، وقوله: فأصبحن ينشرن آذانهن ... في الطرح طرفاً شمالاً يميناً يريد: ويميناً، وقوله، وأنشده ابن الأعرابي: ما لي لا أُسْقَى ... على علاتي صبائحي غبايقي ... قَيَلاتي يريد: صبائحي وغبايقي وقيلاتي، وقوله: ضرباً طِلَخْفاً ... في الطّلَى (سَخِينا) يريد: و (سخينا). والطلخف أشد من (السخين). ومنه: استعمال (أما) غير مكررة من غير أن يأتي معها شيء يؤدي عن معناها فيستغني به عن تكرارها، نحو قول الفرزدق:

стр. 150

نهاضُ بدارٍ قد تَقَادمَ عَهْدها ... وأما بأموات ألم خيالُها يريد: إما بدار. ومن ذلك عند (س) قول النمر: سقته الرواعد من صَيّفِ ... وإن من خريفِ فلن يعدما يريد: أما من صيف وأما من خريف، فحذف (أما) الأولى و (ما) من (أما) الثانية فظهرت النون لأن (أما) مركبة من (أن) و (ما). وإنما قلبت النون لأجل الإدغام، فلما حذفت (ما) زال موجب قلب النون ميماً، وهو الإدغام، وظهرت. فإن جئت مع (أما) بما يغني عن تكرارها، جاز أن تستعمل غير مكررة في الكلام والشعر، فتقول: أما أقعد وإلا فقم، وقام إما زيد أو عمرو. ومن ذلك قول المثقب العبدي:

стр. 151

فأما أن تكونَ أخي بحقٍ ... فأعرف منك غَثّي أو سميني وإلا فاطرحني واتخذني ... عدواً أتقيك وتتقيني وقول الآخر: إما مشيفُ على مجدٍ ومكرمة ... أو أسرةُ لك فيمن يُهلكُ الورق ومنه: مباشرة الفعل المضارع لـ (أن) المخففة من الثقيلة وحذف الفصل، نحو قول الشاعر، أنشده الفراء عن القاسم بن معن قاضي الكوفة: إني زعيم يا نوي ... قة إن سلمت من الرزاح أن تهبطين بلادَ قو ... م يُرْتَعُون من الطّلاحِ وقول الآخر: يا صاحبي فدت نَفْسي نُفُوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا

стр. 152

وقول الآخر: إذا كان أمر الناس عند عجوزهم ... فلابد أن يلقون كل يَبابِ وقول (تميم). أبي الناسُ ويبَ الناس أن يشترونها ... ومن يَشْتَري ذا علة بصحيح وقول الآخر: وإني لأختار القرى طاوي الحشا ... محاذرة من أن يقالُ لئيم قال أبو بكر بن الأنباري: (رواه الكسائي والفراء عن بعض العرب برفع يقال): ولا يحسن شيء من ذلك في سعة الكلام حتى يفصل بين (أن) والفعل بالسين أو (سوف) أو (قد) في الإيجاب، وبـ (لا) في النفي. فإن جاء شيء منه في الكلام حفظ ولم يقس عليه، نحو قراءة (ابن) مجاهد: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) برفع (يتم).

стр. 153

ومن النحويين من زعم أن (أن) في جميع ذلك هي الناصبة للفعل، إلا أنها أهملت حملا على (ما) المصدرية، فلم تعمل لمشابهتها لها في أنها تقدر مع ما بعدها بالمصدر. وما ذكرته - قبل - من أنها مخففة من الثقيلة أولى. وهو مذهب الفارسي وابن جني، لأنها هي التي استقر في كلامهم ارتفاع الفعل المضارع بعدها. ومنه: حذف المضاف من غير أن يقام المضاف إليه مقامه، نحو قوله: رحم الله أعظماً دَفَنوها ... بِسِجسْتانَ طلحة الطلحاتِ في رواية من خفض (طلحة)، يريد: أعظم طلحة الطلحات، فحذف المضاف الذي هو (أعظم) لدلالة (أعظم) المتقدم الذكر عليه، ولم يقم المضاف إليه، وهو طلحة، مقامه، بل أبقاه على خفضه. ومثله قول عنترة في إحدى الروايتين: وكالورقِ الخُفافِ وذات غرب ... ترى فيها عن الشَّرع ازورارا يريد: وكالورق ورق الخفاف، فحذف المضاف، وهو (ورق) لدلالة الورق عليه. ولا يمكن أن يكون (الخفاف) بدلاً من الورق، لأنه أعم منه، وقول امرئ القيس في إحدى الروايتين أيضاً:

стр. 154

قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين تلاع بثلثِ فالعرض يريد: تلاع يثلث، فحذف المضاف الذي هو (تلاع) لدلالة (تلاع) المتقدم الذكر عليه. وإنما لم يكن بد من تقدير حذف المضاف، لأنه لا يمكن إبدال (يثلث) و (العريض) من (تلاع)، لأنهما أعم منه. ألا ترى أن التلاع بعضهما، وقوله: يا نُعْمَها ليلةً حتى تَخوّنَها ... داعٍ دعا في فُرُوع الصّبح شحَّاج يريد: دعاء شحاج، فحذف المضاف الذي هو (دعاء) لدلالة (داع) عليه. ألا ترى أنه لا يمكن أن يكون (شحاج) صفة ل (داع)، لأنه مخفوض و (داع) مرفوع. ومثل ذلك في مثل قول أبي دؤاد: أكل امرئ تحسبين امرءاً ... ونارِ تَوَقّدُ بالليلِ نارا يريد: وكل نار، فحذف (كلا) لدلالة (كل) المتقدم عليه. وأما الأخفش فيجعل (ناراً) المخفوض معطوفاً على (امرئ) المخفوض، و (ناراً) المنصوب معطوفاً على امرئ المنصوب، ولا يتكلف إضمار (كل) لأنه يجيز العطف على عاملين. وإن جاء شيء من هذا النوع في الكلام حفظ ولا يقاس عليه، نحو ما حكاه الفراء عن بعض العرب أنه قال: (أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة

стр. 155

سنه الدقيق عظمه)، يريد: لو تعلمون العلم علم الكبيرة سنه. فحذف (علماً) لدلالة (العلم) عليه. ونحو ما حكى الكسائي عن بعض العرب أنه قال: (أطعمونا) لحمياً سميناً شاة ذبحوها)، يريد: أطعمونا لحماً سميناً - لحم شاة ذبحوها. فحذفت (لحماً) لدلالة (لحم) المتقدم عليه. ومن هذا النوع عند (س): (ما كل سوداء تمرة بيضاء شحمة)، فحذف (كل) لدلالة (كل) المتقدم عليه. والأخفش يجعله من العطف على عاملين كما تقدم. ومنه: حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه من غير أن يدل عليه، معنى الكلام، بل شيء خارج عنه، نحو قول ذي الرمة: عشية فرّ الحارِثيون بعدما ... قضى نَحْبه في مُلتقى القومِ هَوْبرُ يريد: ابن هوبر. قال ابن الكلبي: (هو يزيد بن أوبر)، وقول أوس: فهل لكم فيها إليَّ فإنني ... بصير بما أغيا النطاسي حِذْيما

стр. 156

يريد: ابن حذيم وهو طبيب كان في الجاهلية، وقول الصلتان: أرى الخَطفي بذ الفرزدقَ شعرُهُ ... ولكن خيراً من كليبٍ مَجَاشِع يريد: ابن الخطفي، وهو جرير، والخطفي جده، وقول النابغة: وكل صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تَبّعيه ... ونَسج سُلَيمٍ كلَّ قضَاَء ذَائل يريد: أبا سليم، وهو داود، لأنه هو الذي صنع الدروع، وسليم: تصغير (سليمان)، صلوات الله عليه، تصغير ترخيم. ومثله قول الحطيئة: فيه الرماح وفيه كل سابغة ... بيضاء محكمة من صنع سلام يريد: من صنع أبي سلام، وأراد بسلام سليمان، صلوات الله عليه.

стр. 157

ومن ذلك أيضاً قول الراجز: صبحن من كاظمة ... الخص الخَربُ يحملن عَبّاسَ بنَ ... عبدِ المطلبْ ومنه: حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في الموضع الذي يقبح ذلك فيه في سعة الكلام، نحو قوله: عباس يا الملك المتوج والذي ... عرفت له بيت العلا عدنانه يريد: يا أيها الملك، وقوله: فيا الغلامان ... اللذان فرا إياكما أنْ ... تُكْسِباني شَراً يريد: فيا أيها الغلامان. وإنما قبح ذلك فلم يستعمل إلا في الشعر لما يؤدي إليه من مباشرة ما فيه الألف واللام حرف النداء، وذلك لا يجوز في الكلام فيما عدا اسم الله تعالى. ومثل ذلك قول الآخر: من أجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالوصل عني

стр. 158

يريد: يا أيها التي، ونحو قوله: وقُصْري شَنِج الأنْسا ... ءِ نباحِ مِن الشُّعْبِ يريد: قصري ثور شنج الأنساء. وإنما لم يجز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في هذا البيت وأمثاله، لأن الصفة التي هي (شنج) غير خاصة بجنس الموصوف المحذوف. ألا ترى أن (شنج النسا) يوصف به الفرس والغزال وغيرهما، والصفة إذا كانت غير خاصة بجنس الموصوف لم يجز حذفها وإقامتها مقامه في الكلام. وقد تقدم تبيين ذلك في فصل نقص الحرف. ومنه: حذف الموصوف وإبقاء الصفة وهي جملة أو مجرور، نحو قوله: مالك عندي غيرُ ... سَهْمٍ وحَجَرْ وغَيْرُ كبداء ... شديدةِ الوتَرْ

стр. 159

جادت بكفّيْ كان ... من أرمى البَشَرْ يريد: بكفي شخص كان من أرمى البشر، وقوله: لو قلت ما في ... قومها لم تِيثَم يَفْضُلُها في ... حَسَبٍ وميسِم يريد: أحد يفضلها. وهو مع (من) أحسن منه مع غيرها، نحو قول النابغة: كأنك من جمالِ بني أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خلف رجليه بِشَنّ يريد: كأنك جمل من جمال بني أقيش، وقول ذي الرمة: فَظَلوا ومنهمْ دمعه سابق له ... وآخر يثني دمعة العَيْن بالمهل يريد: ومنهم فريق دمعه سابق له، وقول الآخر:

стр. 160

لكم مسجداً الله المزوران والحصا ... لكم (قبصه) من بَسْن أْثرى وأقْترا يريد: من بين رجل أثرى ورجل أقتر، وقوله: فعاش ولم يُوتَرْ ومات ولم يَدَعْ ... من الناس إلا من أبات على وِتْرِ يريد: إلا شخصاً قد أبات على وتر، وقوله: وما الدّهْرُ إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبْتغي العَيْشَ أكدحُ يريد: فمنهما تارة أموت فيها، فحذف الموصوف والضمير العائد عليه من صفته. وربما جاء ذلك في الكلام مع (من)، نحو قولهم: (منا ظعن ومنا أقام) يريدون: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام. وإنما حسن حذفه مع (من) لأنها بمعنى بعض، فكأنهم قالوا: بعضنا ظعن وبعضنا أقام. ومنه: حذف الضمير الرابط للصلة بموصول غير (أي)، أو للصفة

стр. 161

بالموصوف إذا كان الضمير مبتدأ مخبراً عنه باسم غير ظرف ولا مجرور، ولم يكن في الصلة ولا في الصفة طول. فمما جاء من ذلك في الصفة قوله: وهن علي خَدّيْ شَبِيب بنِ عامرِ ... أثرن عَجَاجاتٍ سنايكها كُدْرُ يريد: هي كدر، أي العجاجات، وقوله: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عاراً عليك ورُبّ قتلٍ عارُ يريد: ورب قتل هو عار. ومما جاء في الصلة قوله: لم أر مثل الفتيان في غير ال ... أيام ينسون ما عواقُبها يريد: ما عواقبها. فإن كان في الصلة أو في الصفة طول جاز حذفه في الكلام والشعر، نحو قولك: مررت برجل ضارب زيداً، تريد: هو ضارب زيداً، ومررت بالذي شاتم عمراً، تريد: هو شاتم عمرا، لأن الصفة والصلة قد طالتا بمعمول الخبر.

стр. 162

فمما جاء من ذلك في الصفة قول عمر بن أبي ربيعة: قلت أجيبي عاشقاً ... بحبكم مكلفُ يريد: هو بحبكم مكلف، وقول الآخر: أقلب في بغداد عيني لا أرى ... سنا الصبح أو ديكاً ببغداد صائح بلاد بها كانت شكاتي فلم أعد ... ولو مت ما قامت عليَّ النوائح يريد: أو ديكاً هو ببغداد صائح. ومما جاء من ذلك في الموصول قول الأعشى: فأنت الجوادُ وأنت الذي ... إذا ما النفوسُ بلغن الصدورا جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منه النساء النحورا يريد: وأنت الذي هو جدير. وحكى من كلامهم: (ما أنا بالذي قائل لك سوءاً، أي بالذي هو قائل). فأما قراءة يحيى بن يعمر (تماما على الذي أحسن)، وقراءة رؤبة: (مثلا ما بعوضة) برفع (بعوضة)، فهما من قبيل الشاذ الذي

стр. 163

لا يقاس عليه لعدم الطول من الصلة. ومنه: حذف الضمير الرابط للصلة بالموصول إذا كان مجروراً بحرف جر، ولم يدخل على الموصول أو على ما أضيف إليه حرف مثل ذلك الحرف الذي دخل (على) الضمير، أو يكون قد دخل عليه حرف مثله إلا أن العامل في الموصول والضمير ليسا بمعنى واحد. فمن الأول قوله في أحد الوجهين: فقلت لها: لا والذي حج حاتمُ ... أخونك عهداً إنني غير خوّان يريد: لا والذي حج حاتم له، وقول الآخر: فأصبح من أسماء قيس كقابضٍ ... على الماء لا يدري بما هو قابضُ يريد: بما هو قابض عليه، وقول الآخر: ناديتُ باسم ربيعةَ بن مكدمٍ ... إن المنوةَ باسمه الموثوقُ يريد: الموثوق به. ألا ترى أن الضمير المحذوف من صلة (الذي) في البيت الأول مجرور باللام، ومن صلة (ما) في البيت الثاني مجرور بـ (على)، ومن (صلة)

стр. 164

(الموثوق) في البيت الثالث مجرور بالباء، والموصولات ليست كذلك. ومن الثاني قول الآخر: فأبلغا خالدَ بْنَ نَضْلةَ والْ ... مَرْءُ مُعنىّ بلوم من يَثقُ يريد: من يثق به. ألا ترى أن الضمير المحذوف والمضاف إلى الموصول، وهو (لوم)، مجروران بالباء إلا أن العامل في الضمير (يثق)، وفي المضاف إلى الموصول (معنى)، وهما مختلفان المعنى. والصفة في جميع ذلك بمنزلة الصلة، تقول: مررت برجل مررت به، وإن شئت قلت: مررت (برجل مررت)، (تريد) رجل مررت به. وتقول: ضربت رجلاً مررت (به)، وسررت برجل مررت به، ولا يجوز أن تحذف الضمير، فتقول: ضربت رجلاً مررت، وسررت برجل مررت، إلا في ضرورة شعر. ومنه: حذف الضمير الرابط للجملة الواقعة خبراً بالمخبر عنه إذا كان حذفه يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، نحو قول الأسود بن يعفر: وخالدُ يَحْمَدُ ساداتناُ ... بالحقّ لا يحمد بالباطلِ وقول الآخر: قد أصبحت أم ... الخيار تدعي علي ذنباً كلّه ... لم أصنعِ

стр. 165

وقول الآخر: وقالوا تعرفها المنازلَ من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارُف يريد: أنا عارفه، وقول الآخر أيضاً: أرجزاً تطلب ... أم قريضاً كلاهما أجِدُ ... مستريضا يريد: أجده مستريضاً. ألا ترى أن (يحمد) و (أصنع) و (عارف) مهيآت للعمل في المبتدآت التي هي أخبار لها، وهي مع ذلك مقطوعة عن العمل فيها. فحذف الرابط في هذه الأبيات وأمثالها يحسن في الشعر ولا يحسن في سعة الكلام، بل إن جاء منه شيء حفظ ولم يقس عليه. فمما جاء من ذلك قراءة يحيى: (أفَحُكمُ الجاهِليّةِ يَبْغُون) برفع حكم. التقدير: يبغونه. هذا مذهب المحققين من البصريين، وأما الكوفيون ومن أخذ بمذهبهم من البصريين، فإنهم يجيزون حذفه في سعة الكلام، بشرط أن يكون المبتدأ

стр. 166

(كلا) أو اسم استفهام، نحو قولك: كل الدراهم قبضت، وأي رجل ضربت. والصحيح أنه لا فرق بين اسم الاستفهام و (كل) وبين غيرهما من الأسماء إذا أدى حذف الرابط إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه. ومنه: حذف ضمير الشأن أو القصة إذا كان اسماً ل (أن) وأخواتها، نحو قوله: فلا تَشْتُم المولى وتَبْلُغْ أذَاتَهُ ... فإن به تثأى الأمور وترأبُ يريد: فإنه (به) تثأى الأمور، وقول الآخر: كأن على عرنينه وجبينه ... أقام شُعاع الشمسِ أو طلع البَدْرُ يريد: كأنه على عرنينه، وقول الآخر: إن من يَدْخُلِ الكميسة يوماً ... يَلْقَ فيها جآذراً وظباء يريد: إنه من يدخل الكنيسة: ولا يجوز أن يكون (من) اسم (إن) لأنها اسم شرط، وأسماء الشرط لا يتقدمها عامل إلا الخافض، بشرط أن يكون معمولاً لفعل الشرط، نحو قولك: بمن تمرر أمرر. ومثل ذلك قول الأعشى: إن من لام في بني بنت حسّا ... نَ ألمه وأعْصِهِ في الخُطُوبِ

стр. 167

يريد: إنه من لام، وقول أمية بن أبي الصلت: ولكنّ مَنْ لا يَلْقَ أمراً يَنُوبُهُ ... بعُدَّته يَنْزِلْ بهِ وهْو أعْزَلُ يريد: ولكنه من. ومن ذلك قول جميل: ألا ليتَ أيامُ الصفاءِ جديدُ ... ودهر تولى يا بثين يعود في رواية من رفع الأيام، يريد: ليتها أيام. فحذف هذا الضمير يحسن في الشعر ويقبح في الكلام، إلا أن يؤدي حذفه إلى أن تكون (أن) وأخواتها داخلة على فعل، فإنه إذ ذاك يقبح في الكلام والشعر، لأنها حروف طالبة للأسماء، فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال. وإنما قبح حذفه في الكلام وإن لم يؤد الحذف إلى مباشرة (أن) وأخواتها للأفعال، لأنه مفسر بالجملة التي بعده فأشبهت الجملة لذلك، وإن كانت في الخبر، الجملة الواقعة صفة في نحو قولك: رأيت رجلاً يحبه عمرو، وفي أن كل واحدة من الجملتين مفسرة لما قبلها، والجملة الواقعة صفة يقبح حذف موصوفها وإبقاؤها. فكذلك أيضاً يقبح حذف ضمير الشأن والقصة وإبقاء الجملة المفسرة له وأيضاً يستعمل. والحذف مناقض لذلك. فأما قول الراعي: فلو أنّ حَقّ اليوم منكم إقامةُ ... وإن كان سَرْحُ قد مضى فَتَسَرّعا

стр. 168

وقول الآخر: فليتَ دَفَعْت الهم عني ساعةُ ... فبتنا على ما خيلت ناعمي بال فيحتمل أن يكون المحذوف فيهما ضمير الشأن، فيكون التقدير: (فلو أنه حق اليوم منكم إقامة، و (فليته دفعت)، ويكون البيتان إذ ذاك من قبيل ما يقبح في الكلام والشعر، لما يلزم في البيت الأول من ولاية الفعل لـ (أن)، وفي البيت الثاني لولايته لـ (ليت) ويحتمل أن يكون المحذوف ضمير المخاطب، فيكون التقدير: (فلو أنكر حق اليوم)، و (ليتك دفعت الهم). وحملها على الوجه أولى، لأنه لا يلزم فيه من القبح ما يلزم في الوجه الأول. ومنه: العطف على ضمير الرفع المتصل من غير أن يؤكد بضمير رفع منفصل أو يكون في الكلام طول يقوم مقام التأكيد، نحو قوله، أنشده الفراء: ألم تر أن النبعَ يَصْلبُ عودهُ ... ولا يستوي والخروعُ المُتَقَصّفُ وقوله: ورجا الأخَيْطلُ مِنْ سَفَاهةِ رأيه ... ما لم يكن وأبُ له لِينَالا

стр. 169

وقول عمر بن أبي ربيعة: قلت إذا أقبلتْ وزُهرُ تَهَادى ... كنِعاج المَلاَ تَعسّفْنَ رَمْلا وقول الآخر: فلما التقينا والجيادُ عشيةَ ... دَعَوْا يا لَكَلبِ وانتمينا لعامر وقول الآخر: فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لنا يومُ من الشر مظلمُ كان الوجه في البيت الأول أن يقال: ولا يستوي هو والخروع، وأن يقال في الثاني: ما لم يكن هو وأب له، وفي الثالث: إذ أقبلت هي وزهر، وفي الرابع: فلما التقينا نحن والجياد، وفي الخامس: أن لو التقينا نحن وأنتم، إلا أن ضرورة الوزن أوجبت حذف الضمير المؤكد في جميع ذلك. وإنما قبح العطف على الضمير المتصل من غير تأكيد ولا طول يقوم مقامه، لأن الضمير - ضمير الرفع المتصل جعلته العرب بمنزلة الجزء من الفعل، وكذلك جعلوا إعراب الفعل بعد الضمير في: تفعلان وتفعلون وتفعلين. ألا ترى أنه لو لم يكن كالجزء من الفعل لكنت قد حلت به (بين) الفعل وإعرابه، وذلك غير سائغ. فلما كان كالجزء من الفعل امتنع أن يقال: قمت وزيد وأمثاله، لأن حرف العطف إذ ذاك يكون كأنه لم يتقدمه معطوف

стр. 170

عليه، وفي ذلك إخراج له عن وضعه. فإذا وكد قام التأكيد مقام ذكر المعطوف عليه، لأنه هو في المعنى. ألا ترى أن (أنت) من قولك: قمت أنت وزيد، هو التاء في المعنى. وجعلوا الطول في قولك: قمت اليوم وزيد عوضاً عن التأكيد. ولذلك أجازوا العطف معه من غير تأكيد: قال الله تعالى: (أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)، فعطف على المتصل بـ (كان) من غير تأكيد لقيام الطول بخبرها مقامه. ومنه: حذف الخبر في باب (كان) لدلالة المعنى عليه، نحو قول التيمي: لَهْفي عليك للهفة من خائف ... يبغي جوارك حين ليس مجير يريد: ليس في الدنيا مجير، وقول الآخر: فإن قصدوا لحقٍ حَقّ فأقصدْ ... وإن جاروا فجر حتى يصيروا يريد: حتى يصيروا لك تبعاً. وإنما لم يجز حذفه إلا في ضرورة لأنه عوض عما اخترم منها الدلالة على الحدث، فلزم ذلك. ومنه: حذف الموصول وإبقاء صلته. وهو عند البصريين من الضرائر التي لا يقاس عليها لقبحها، نحو قول جرير: هل تذكرن إلى الديرين هجرتَكُمْ ... ومَسْحَكُم صُلْبَكُم رَخْمانُ قُرْبانا

стр. 171

يريد: تذكرن مسحكم صلبكم وقولكم: يا رحمن قربانا - كأنه عيرهم اللكنة التي في النصارى - فحذف المصدر، وهو قولكم، وهو من قبيل الموصولات، وأبقى صلته، وهو يا رحمن قربانا، لأنه في موضع مفعول به. وهو عند الكوفيين جائز في سعة الكلام. ومنه قوله تعالى (ومنا دون ذلك)، وقوله سبحانه: (لقد تقطع بينكم) التقدير: (ومنا من دون ذلك) و (لقد تقطع ما بينكم). و (ما) و (من) - عندهم - موصولتان. والآيتان وأشباههما عند البصريين على تقدير موصوف محذوف. وقد تقدم تبيين ذلك. وأما نقص الجملة فمنه قوله، أنشده يعقوب في معاني الشعر له: فأصبحت من ... وصلنا كأن لمِ وقول ابن هرمة: وعليك عهد الله أن ببابه ... أهْلَ السيالة إنْ فَعلتَ وإن لم يريد: وإن لم تفعل، فحذف جملة الفعل والفاعل، واكتفى منها بالجازم وهو (لم). ومثله قول الآخر: يا رب شيخ من ... لُكَيْزٍ ذي غَنَمْ في كفه زيغ ... وفي فيه فَقَمْ

стр. 172

أجلح لم يشمط ... وقد كان ولمْ يريد: وقد كان ولم يجلح. وإنما لم يجز الاكتفاء بـ (لم) وحذف ما تعمل فيه إلا في الشعر، لأنها عامل ضعيف، فلم يتصرفوا فيها بحذف معمولها في حال السعة. بل إذا كان الحرف الجار - وهو أقوى في العمل منه لأنه من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال - لا يجوز حذف معموله، فالأحرى أن لا يجوز ذلك في الجازم. فإن قال قائل: فلم جاز الاكتفاء بـ (لما) وحذف معمولها في سعة الكلام وهي جازمة، فقالوا: قاربت المدينة ولما - أي ولما دخلها - ولم يجز ذلك في لم؟ فالجواب أن تقول: إن الذي يسوغ ذلك فيها كونها نفياً لـ (قد فعل). ألا ترى أنك تقول في نفي قد قام زيد: لما يقم، فحملت لذلك على (قد). فكما يقال: لم يأت زيد وكأن قد، أي: وكأن قد أتى، فيكتفي بـ (قد)، فكذلك أيضاً قالوا: قاربت المدينة ولما، أي: ولما أدخلها، فاكتفوا بـ (الما). ومنه: حذف فعلي الشرط والجواب بعد (أن)، نحو قول امرأة من العرب: قالت سُلَيْمى لَيْتَ ... لي بَعْلاً بِمَنْ يَغْسِلُ رأسي ... وينسيني الحَزَنْ وحاجة ما إن لها ... عندي ثَمَنْ مستورة قضاؤها ... منه ومِنْ

стр. 173

قالت بناتُ العم: ... يا سلمى وإنْ كان فقيراً ... معدماً قالت وإنْ تريد: وإن كان فقيراً معدما فزوجينه. ولم يجيء ذلك في غير (إن) من أدوات الشرط. وسبب ذلك أنها أم أدوات الشرط، فجاز فيها من التصرف ما لم يجز في غيرها. ومنه: قول الآخر: نادوهم ألا ... الجموا ألا تا قالوا جميعاً ... كلهم ألافا يريد: ألا تركبون، وألا فأركبوا، فحذفت الجملة التي هي اركبوا، واكتفى بحرف العطف وهو الفاء. ولولا الضرورة لم يجز ذلك. وكذلك أيضاً اكتفاؤه بالتاء من (تركبون) وحذف سائر الجملة، إنما ساغ للضرورة. ومثل ذلك قول (الآخر): بالخير خيرات ... وإن شراً فآ ولا أريد الشر ... إلا أن تآ

стр. 174

أراد: فأصابك الشر، فاكتفى بالفاء والهمزة وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالألف. وأراد بقوله: (إلا أن تآ) إلا أن تأبى الخير، فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح وأطلقها بالألف. ونحو من ذلك قول الآخر: قلت لها قفي ... لنا قالت قاف لا تحسبي إنا ... نسينا الإيجاف تريد: قد وقفت، فاكتفت بالقاف. ومثل ذلك أيضاً، إلا أن الدليل على المحذوف متأخر عنه، قوله: قد وعدتني ... أم عمرو أن تا تَدْهَنُ رأسي ... وتفليني وا وتمسح القنفاء ... حتى تنتا ألا ترى أنه حذف ما بعد التاء والواو من غير أن يتقدم له دليل على ذلك المحذوف، ثم أعادها مع ما كان قد حذفه ليبين المعنى الذي أراده قبل.

стр. 175

فصل التقديم والتأخير وهي منحصرة في: تقديم حركة، وتقديم حرف، وتقديم بعض الكلام على بعض. فأما تقديم الحركة لأجل الضرورة فقليل. والذي جاء من ذلك نقل حركة الضمير في نحو: (ضربه) إلى الحرف المتحرك قبله في حال الوقف، نحو قوله، أنشده الجوهري: ما زال شيبان ... شديداً هبصُهْ حتى أتاه قرنه ... فوقَصُهْ يريد: فوقصه، فنقل حركة الهاء إلى الصاد. وذكر ابن دأب أن أعشى همدان قال:

стр. 176

مَنْ دَعَا لِيغُزَيّلي ... أربح الله تِجَارَتُهْ فجمع بين ثلاث ضرائر: إحداها نقل حركة الضمير المضاف إليه (تجارة) إلى الحرف المتحرك قبله في حال الوقف. والأخرى: حذف علامة الرفع من اسم الله تعالى تخفيفاً. والثالثة: إشباع حركة لام الجر، فنشأت عنها الياء. إلا أن الأصمعي أنكر ذلك، وقال: (الأعشى من الفحول ولا يقع في مثل هذا). وكذلك أيضاً أنكره خلف الأحمر، وقال: (ولقد طمع ابن دأب في الخلافة حين طمع أن يجوز هذا على الأعشى). ومثل ذلك نقل حركة ضمير المؤنث في (أضربها) وأمثاله إلى الحرف المتحرك قبله بعد حذف صلته في حال الوقف، نحو قوله: فإني قد سئمت بدار قومي ... أموراً كنت في لخم أخَافهْ يريد: أخافها، الألف ونقل حركة الهاء إلى الفاء. وقد تقدم ذكر ذلك في فصل نقص الحرف. ومما جاء من ذلك أيضاً نقل الحركة من حرف الأعراب إلى الساكن قبله فيما يؤدي النقل فيه إلى بناء معدوم. ولا يحفظ ذلك إلا في قول أوس:

стр. 177

لنا صرخة ثم إسكاته ... كما طرقت بنفاس بِكُرْ بضم الكاف، هكذا رواه بعض الرواة فيما زعم سعيد بن المبارك بن الدهان في كتابه المسمى بالغرة. والمشهور في روايته (بكر)، بكسر الكاف. وأما تقديم الحرف فمنه قول الشاعر: حتى استفأنا نساَء الحي ضاحيةً ... وأصبح المرءُ عمرو مثبتاً كاعي يريد: كائعاً. والدليل على أن كاعياً مقلوب من (كائع) أنه قد وجد لـ (كائع) مادة مستعملة، يقال: كاع فهو كائع، ولم يوجد (كعا) مستعملة ولا حفظ (كاع) إلا في هذا البيت. وقوله: هُمُ أوردوك الموتَ حتى لقيتَه ... وجاشت إليك النفس بين الترائقِ يريد: التراقي، جمع ترقوة، وقول ذي الرمة:

стр. 178

تكاد أو إليها تفرى جلودها ... ويكتحلُ التالي بمَوْرِ وحاطبِ يريد: أوائلها، وقول الأجدع بن مالك: وكأن أولاها كَعابُ مُقامرٍ ... ضُربت على شُزُنِ فهن شواعي وقول القطار: . . . . . . . . . ... ولا تَقَضّي بَواقي دَيْنها الطادي يريد: الواطد، وقول الآخر: مَرْوان مروان أخو ... اليوم اليَمي يريد: اليوم، يقال: يوم يوم، أي: صعب. إلا أنه لما قلب جاءت الواو متطرفة بعد كسرة فأنقلبت ياء، وقول الآخر:

стр. 179

ولو أني رميتُك من بعيدٍ ... لعاقك عن لقاء الحي عاقي يريد: (عائق)، وقول الراجز: مثل القياسِ ... انتاقها المُنَقَّي يريد: انتقاها. والقلب في الكلام كثير. وإنما ذكرنا منه ما جاء للضرورة ولم يستعمل في سعة الكلام. وأما تقديم بعض الكلام على بعض فمنه: الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والمجرور، نحو قول ذي الرمة: كأن أصوات - من إيغالهن بنا - ... أواخر المَيْسِ أصواتُ الفراريج

стр. 180

يريد: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا، فقدم المجرور وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، وقول أبي حية: (الوافر) كما خط الكتاب بكف - يوماً - ... يهودي يُقارب أو يزيل يريد: بكف يهودي يوماً، فقدم الظرف وفصل به بين المضاف والمضاف إليه. ومن الفصل بينهما بالمجرور، قول درني بنت عبعبة: هما أَخوا الجَربِ مَنْ لا أخاله ... إذا خافَ يوماً نَبْوةً فدعاهما تريد: هما أخوا من لا أخاً له في الحرب، وقول الشاعر: مُؤخّرُ - عن أنيابه - جِلْدِ رأسهِ ... وأسنانه مثل الزجاج خَرُوج يريد: مؤخر جلد رأسه عن أنيابه، وقوله: كم بجودٍ مقرفٍ نال العلى ... وكريمُ بُخلُه قد وَضَعهْ
следующие страницы →