← Адаб

Адаб · id 37489

ضرائر الشعر

ابن عصفور

Полный текст (299 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقول الأعشى: عنده البر والتقى وأسا الشق ... وحمل لمُضْلعِ الأثقالِ في رواية من كسر الهمزة، من القليل عندهما، لأن البقاء، و (عادياء)، و (الأساء) - وهو الدواء، في موضع رفع، وقد قصرت. ولا فرق عند البصريين بين المنصوب وغيره. وفي بيت السموأل دليل على ما ذكرناه من أن المحذوف في بطحاء وصنعاء وأشباههما، الألف التي قبل همزة التأنيث لا همزة التأنيث. ألا ترى أنه منع (عاديا) الصرف، ولو كان المحذوف منه الهمزة التي للتأنيث لصرفه، إذ ليس فيه إذ ذاك ما يوجب منع الصرف، فلما منعه الصرف دل ذلك على أن الألف التي في آخره هي الهمزة المبدلة من ألف التأنيث عادت إلى أصلها. وزعم الفراء أنه لا يجوز أن يقصر من الممدود إلا ما يجوز أن يجيء في بابه (مقصور)، فلا يجوز عنده قصر حمراء، وصفراء، وأشباههما، لأن مذكرهما أفعل والصفة إذا كانت للمذكر على وزن (أفعل) لم يكن المؤنث إلا على وزن فعلاء.

стр. 107

وهذا الذي ذهب إليه باطل، بدليل قول الأعشى: والقارح العدا وكل طِمِرة ... ما أن تنالُ يدُ الطويل قَذَالها وقول أبي الأسود: رأيت الْتِوا هذا الزمانِ بأهله ... وبينهم فيهم تكون النوائبُ وقول الآخر: ولكنما أهدى لقيس هدية ... بفي من أهداها لك الدهرَ إثَلبُ وقول الآخر: فلو أن الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطباء الأساه ألا ترى أن (العدا) فعال كقتال، وضراب، والصفة التي تكون على هذا الوزن لا تجيء على مثال فعلى فتكون من المعتل مقصورة. وكذلك اهداء مصدر أهدى، مثل أكرم إكراماً. والتواء مصدر التوى. ولا يجيء المصدر من أفعل على (أفعل)، ولا من أفتعل على (افتعل)، فيكون مثالهما من المعتل مقصوراً. وكذلك الأطباء جمع طبيب، وأفعلاء جمع (فعيل) لا يجيء في كلامهم إلا ممدوداً. ومنه: الاكتفاء بالحركات عن حروف المد واللين المجانسة لها الكائنة في

стр. 108

أواخر الكلم، نحو قول خفاف بن ندبة: كنواحِ ريش حمامةِ نجديةِ ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد وقول مضرس الأسدي: وطرتُ بمنصلي في يعملاتِ ... دوامي الأيدِ يخبطن السريحا وقول الأعشى: وأخو الغوانِ متى يَشأ يَصرِ منه ... ويَعُدْنَ أعداءّ بُعَيْدَ وِدادِ ألا ترى الياء من (نواحي)، و (الأيدي)، و (الغواني) قد حذفت واجتزئ بالكسرة عنها. ووجه ذلك التشبيه بقصر الممدود، أو بحذفهم لها مع التنوين، من جهة أن الألف واللام والإضافة يعاقبان التنوين، فحكم لكل

стр. 109

واحد منهما بحكم ما عاقبة. فكما تحذف الياء في (نواح)، و (غوان)، و (أيد) مع التنوين، (فكذلك) حذفت في قوله: كنواح ريش حمامة، مع الإضافة، (وحذفت) في (الأيد) و (الغوان) مع الألف واللام. ومثل ذلك قول الآخر: كفاك كف ما ... تليق درهما جواداً وأخرى تُعطِ ... بالسيف الدما يريد: تعطي، وقول بعض الأنصار: . . . . . . . . . ... ولقد تُخْفِ شيمتي إعسار يريد: تخفي. ومن الناس من أنكر على س وغيره من النحويين جعلهم حذف الياء من (الأيد) وأمثاله من ضرورة الشعر. وأستدل على ذلك بأنه قد جاء في القرآن حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به عدة من القراء، كقوله : (من يهدِ الله فهو المهتِد ومن يضلل فلن تجد له ولياً

стр. 110

مرشداً) (و) في آي غيرها. وهذا لا يلزم النحويين لأنهم إنما أرادوا من لغته إثبات الياء في الأيدي وأمثاله قد يحذفها في الضرورة لما ذكرناه. وأما الألف الكائنة في آخر الكلمة فإن حذفها والاكتفاء بالفتحة منها قليل، ومنه قول رؤبة: وَصّاني العَجّاجُ ... فيما وصّني يريد: فيما وصاني. وإنما قال ذلك فيها لخفتها. ومنه: حذف الياء والواو الواقعتين صلة لهاء الضمير المتحرك ما قبلها في الوصل، إجراء لها مجرى الوقف، نحو قول رجل من بأهلة: أو معبر الظّهرِ ينبي عن وليته ... ما حجّ رَبّهُ في الدنيا ولا اعتمرا وقول الشماخ:

стр. 111

له زجل كأنهُ صوتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقَة أو زَميرُ وقول حنظلة بن مالك: وأيقن أن الخيلَ أن تلتبسْ به ... تكن لفسيل النخل بعده آبر وقول الأعشى: وما له من مجد تليد وما له ... من الريح حظ لا الجنوب ولا الصبا ألا ترى أن الواو قد حذفت من صلة هاء الضمير في: ربه، وكأنه، وبعده، وله من قوله: (ما له من مجد). ونحو قول مالك بن حريم: فإن يك غثاً أو سميناً فإنني ... سأجعل عينيه لنفِسه مَقْنَعَا يريد: لنفسه، فحذف الياء واجتزأ بالكسرة. فأما قوله تعالى: (نوله ما تولى ونصله جهنم) و (خيراً يره) و (شراً

стр. 112

يره) و (يرضه لكم)، فإنما حذفت صلة الضمير في جميع ذلك، لأنها قد كانت محذوفة قبل الجزم في: نوليه، ونصليه ويراه، ويرضاه. فلما حذفت الياء والألف، لم يعتد بالحذف فتركت صلة الضمير محذوفة على ما كانت عليه في الرفع. فلذلك (كان) حذف الصلة فيما جاء من هذا النوع جائزاً في سعة الكلام. وإنما يكون حذف الصلة ضرورة إذا لم يكن ما قبل هاء الضمير ساكناً في الأصل، كالأبيات التي تقدم ذكرها. والأحسن إذا حذفت الصلة للضرورة أن يسكن الضمير، حتى يكون الوصل قد أجري مجرى الوقف إجراء كاملاً، نحو قوله: وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونَهْ سيل واديها وقول الآخر: فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان لَهْ أرقان بل زعم أبو الحسن الأخفش أن حذف صلة الضمير وتسكينه لغة لأزد السراة.

стр. 113

وأما الألف الواقعة صلة لهاء ضمير المؤنث، فإن حذفها والاجتزاء بالفتحة عنها من قبيح الضرائر، نحو قول بعض العرب: أما تقود به شاةُ فتأكلها ... أو أن تبيعَهَ في بعضِ الأراكيب يريد: أو أن تبيعها. وكذلك أيضاً حذفها في الوقف وإلقاء حركة الضمير على ما قبلها من قبيل الضرائر. ومن ذلك قوله: فإني قد سئمت بدارِ قومي ... أموراً كنت في لَخْمِ أخافَهْ يريد: أخافها، وقول الآخر: ليس لواحدٍ ... على نِعمة إلا ولا اثنين ... ولا أهمه يريد: ولا أهمها، إلا أن الألف من (أخافها) و (أهمها) حذفت وسكنت الهاء ونقلت حركتها إلى الحرف الذي قبلها. وربما فعلوا ذلك في سعة الكلام: حكى الفراء: (بالفضلِ ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به)، يريد: بها، فحذفت الألف ونقلت حركة الهاء إلى الباء. ومنه: حذف الياء من (هي) والواو من (هو)، وهو أقبح من حذفها من صلة الضمير المتصل، لأنهما متحركتان تثبتان وصلاً ووقفاً. فمن حذف الياء من (هي) قوله:

стр. 114

دار لسعدي إذْ ... هِ من هواكا ومن حذف الواو من (هو) قول العجير السلولي: فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جَمَلُ رخو الملاطِ نجيب وقول الآخر: وأعطيه ما يرجو وأوليه سؤله ... وألحقه بالقوم حَتَاهُ لاحق وقول الآخر: بَيْنَاهُ في دار صدقٍ قد أقام بها ... حيناً يعللنا وما نعلله ووجه ذلك إجراء الياء والواو مجرى الياء والواو المنصوبتين. والياء والواو المنصوبتان قد يسكنان في الضرورة، إجراء لهما مجرى الياء والواو المرفوعتين، على ما تقدم تبيينه، فسكنتا. كذلك صار (إذ هي) بمنزلة (عليهي)، و (بيناهو) و (حتاهو) بمنزلة (لهو)، فلما صارتا كذلك حذفت الياء واجتزئ بالكسرة (عنها)، والواو (واجتزئ) بالضمة عنها، إجراء الضمير المنفصل مجرى الضمير المتصل.

стр. 115

وكان حذف الياء والواو (منهما) أقبح من حذفهما من الضمير المتصل، لأنه لم يتوصل إلى حذفهما إلا بعد تسكينهما، وهو ضرورة. وأيضاً فإن حذفهما يؤدي إلى بقاء الضمير المنفصل على حرف واحد. وذلك قبيح، لأنه عرضة للابتداء، فلا أقل من أن يكون على حرفين: حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه. ومنه: الاجتزاء بالكسرة عن الياء التي هي ضمير، وبالضمة عن الواو التي هي ضمير أيضاً. فمن الاجتزاء بالكسرة عن الياء قوله: أما ترضى عَدوتِ دون موتي ... لما في القلب من حنق الصدور يريد: عدوتي، وقوله: فما وجد النهدي وجداً وجدته ... ولا وجد العذري - قَبلِ - جميل يريد: قبلي، وقوله: ومن قَبْلِ نادى كل مولى قرابة ... فما عطفت يوماً عليك العواطف يريد: قبلي. ومن الاجتزاء بالضمة عن الواو قوله: فلو أن الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطباء الأساه

стр. 116

يريد: كانوا: وقد يحذفان ويسكن ما قبلهما في الوقف. فمما جاء في ذلك في الياء قول لبيد: إن تقوى ربنا خير نَفَلْ ... وبإذن الله ريثي وعَجَلْ يريد: وعجلي، وقول الأعشى: فهل يمنعنيَّ ارتيادي البلا ... دَ من حذر الموت أن يأتينْ وقوله: ومن شانئ كاسفِ لونه ... إذا ما انتسبت له أنكرنْ يريد: أن يأتيني، وأنكرني. وليس حذف الياء من (أنكرني) و (يأتيني) على حد حذف المفعول لفهم المعاني الجائز في فصيح الكلام، وإنما هو حذف بسبب الوقف، ولذلك أثبتت نون الوقاية، لأن الحذف للوقف عارض، فحكم للياء المحذوفة بحكمها لو كانت ملفوظاً بها. ومما جاء من ذلك في الواو قوله: لو أن قومي حين ... أدعوهم حَمَلْ على الجبال الصم ... لا رفض الجبل

стр. 117

يريد: حملوا، وقوله: شبوا على المجد ... وشابوا واكتهلْ يريد: واكتهلوا، وقوله: جزيت ابن آوى بالمدينة قرضه ... وقلت لشفاع المدينة أوجِفُ يريد: أوجفوا. ومنه: الاجتزاء بالحركات عن حروف المد واللين المجانسة لها في حشو الكلمة. فمما جاء من الاجتزاء بالضمة عن الواو قوله: واتبعت أخراهم طريق أُلاَهُمْ ... كما قيل نَجْمُ قد خوى مُتَنابع يريد: أولاهم، وقوله: حتى إذا ابتلت ... حلاقيم الحُلقُ يريد: الحلوق، وقوله: كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخُطب

стр. 118

يريد: الخطوب، وقوله: إن الذي قضا ... بذا قاض حكيم أن ترد الماء ... إذا غاب النُّجُم يريد: النجوم. ومما جاء بالاجتزاء بالكسرة عن الياء قوله: وأنتم على رأس الطوىَ مَلاطمُ ... وأنتم لدى لحم الجزور لئام يريد: ملاطيم، جمع ملطوم، وقوله: وبدلت بعد الزعفران وردعه ... صدا الدرع من مستحكمات المَسامرِ يريد المسامير، وقول أم البهلول: رخو العقاص ... فاحم تباكره بعنبر مصونة ... قوارِرُه يريد: قواريره، جمع قارورة، وقول غيلان بن حريث: والبكرات (الفسج) ... العَطَامِسا

стр. 119

يريد: العطاميس، جمع عيطموس، وهي الناقة الفتية العظيمة الحسناء وقول الآخر: في فتية كلما تجمعت ال ... بيداء لم يهلعوا ولم يَهلعوا ولم يَخِموا يريد: ولم يخيموا، وقول الآخر: وغَيرِ سُفْعِ ... مُثلِ يَحَاممِ يريد: يحاميم، جمع يحموم، وقول العجاج: وكحل العينين ... بالعَواوِر يريد: العواوير، جمع (عوار). ومما جاء من الاجتزاء بالفتحة عن الألف قول رجل من شعراء حمير: كأنما الأسد في عرينهم ... ونحن كالليل جاش في قَتَمِهُ يريد: في قتامه، وقول الآخر، أنشده قطرب: ألا لا بارك الله في سُهَيْل ... إذا ما الله بارك في الرجالِ

стр. 120

وقول الآخر، أنشده قطرب أيضا: أقبل سيل جاء ... من عند الله يَحْرِد حَرْدَ ... الجنة المُغِلّه فحذفت الألف من اسم الله، وقول الآخر، أنشده أبو زيد: أنا على طول ... الكلال والتّوَنْ مما نقيم الميل ... من ذات الضفن يريد: والتواني، وقول الآخر: مثل النقا لبده ... ضرب الطّللْ يريد: الطلال. والاجتزاء بالفتحة عن الألف أقل من الاجتزاء بالكسرة عن الياء، و (بالضمة) عن الواو. ومنه: تخفيف المشدد في القوافي، نحو قول امريء القيس: لا وأبيك ابنة العامري ... (م) لا يدعي القوم إني أفرْ

стр. 121

وقوله في هذه القصيدة: إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... (تحرقت) الأرض واليوم قَرْ يريد: أفر، وقر. وهو كثير قد جاء في عدة أبيات من هذه القصيدة. وإنما خفف ليستوي له بذلك الوزن وتطابق أبيات القصيدة. ألا ترى أنه لو شدد (أفر)، لكان آخر أجزائه على (فعول) - من الضرب الثاني من المتقارب، وهو يقول بعد هذا: تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صُبرْ وآخر جزء من هذا البيت (فعل)، وهو من الضرب الثالث من المتقارب. وليس بالجائز له أن يأتي في قصيدة واحدة بأبيات من ضربين، فخفف لتكون الأبيات كلها من ضرب واحد. وسواء في ذلك الصحيح والمعتل. ومن التخفيف في المعتل: حتى إذا ما لم ... أجد إلا السّري كنت امراءاً من ... مالك بن جَعْفرِ يريد: السري، وقول امرأة من بني عقيل: حَيْدَةُ خالي ... ولَقيط وعَلِي

стр. 122

وحاتم الطائي ... وهّاب المئي يريد: وعلي، وقول عمران بن حطان: يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني يريد: فعدناني، وقول العجاج: أدركتها قدام ... كل مِدْرهِ بالدفع عني درء ... كل عُنْجُهي يريد: درء كل عنجهي، وقول الآخر: عذرتك يا عيني الصحيحة بالبكا ... فما لك يا عوراءُ والهملاني يريد: والدمع الهملاني، فحذف الموصوف وخفف. وقد يحذف المشدد في الوقف ويحذف حرف بعده. ومن ذلك قول لبيد:

стр. 123

وقبيل من لكيز حاضر ... رهط مرجوم ورهط ابن المُعَلْ يريد: المعلي، وقول النابغة: إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لستُ منك ولستَ مِنْ يريد: مني. وقد يخففون المشدد في غير القوافي، إلا أن ذلك قليل. ومنه قول ابن رواحة الأنصاري: فسرنا إليهم كافَة في رحالهم ... جميعاً علينا البَيْضُ لا يتخشع

стр. 124

يريد: كافة، وقول الآخر: جزي الله الدّوَابَّ جزاء سوء ... وألبسهن من جِربِ قميصا وقول الآخر، أنشده القتبي: فيا ليت اللحى كانت حشيشا ... فَيعْلِفَها دَوَابُ المسلمينا يريد: دواب، وقول (ابن قيس) الرقيات: بكّى بعينك واكف القَطْرِ ... ابن الحواري العالِي الذكْرِ يريد: ابن الحواري. ومنه: ترخيم الاسم في غير النداء، إجراء له مجرى النداء عند الاضطرار إلى ذلك. وهو جائز باتفاق من النحويين على لغة من لا ينوي رد المحذوف، بل يجعل ما بقي من الاسم كاسم غير مرخم، نحو قول امرئ القيس: لنعم الفتى تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... طريفُ بنُ مالٍ لَيلةَ الجوع والخَصَرْ يريد: ابن مالك، وقول الأسود بن يعفر: وهذا ردائي عنده يستعيرهُ ... ليسلبني نفسي أمالُ بنُ حَنْظل

стр. 125

يريد: ابن حنظلة، وقول الآخر: وقد (سقطت) ... مالكاً وحَنْظلا وقول جميل: بثين الزمي (لا) إن (لا) إن لزمته ... على كثرة الواشين أي مَعُون يريد: أي معونة، وقول الآخر: ليومِ رَوْعِ أو ... فَعَالِ مَكْرُمِ يريد: مكرمة، وقول الآخر: مالك لا تَنْهم ... يا فلاحُ إن النهيم ... للسقاء راح يريد: راحة.

стр. 126

واختلفوا في الترخيم على لغة من نوى رد المحذوف، فأجازه س وغيره من متقدمي النحويين، وأنشدوا شاهداً على جواز ذلك قول زهير: خذوا حظكم يا آل عكرمِ واذكروا ... أواصرنا والرَّحْمُ بالغيب تذكر يريد: عكرمة، فحذف التاء وأبقى المحذوف الذي كان قبلها على فتحة، لأنه نوى رد التاء المحذوفة. ومنه قول جرير: ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أُمَاما يريد: أمامة. وأنكر ذلك أبو العباس المبرد. وتأول البيت الأول على أن يكون قد ذهب بـ (عكرم) فيه مذهب القبيلة، فمنع الصرف للتأنيث والتعريف. وزعم أن الرواية في البيت الثاني: . . . . . . . . . ... وما عهدُ كعهدك يا أماما وما تأوله في (عكرم) ممكن. وأما البيت الثاني فحجة عليه. وما ذكر أنه رواه: (وما عهد كعهدك يا أماما)، وليس فيه طعن على رواية غيره.

стр. 127

ويدل أيضاً على جواز الترخيم في غير النداء على لغة من نوى رد المحذوف قول امرئ القيس: وعمرو بن درماء الهمام الذي غزا ... بذي شُطب عضِب كمشية قسورا يريد: قسورة. وقول ابن حبناء التميمي: إنّ ابن حارثَ إن أشْتقْ لرؤيته ... أو أمتدحْهُ فإن الناس قد علموا يريد: ابن حارِثة، وقول الآخر: أبا عرو لا تَبْعَدْ فكل ابن حرِةٍ ... سيد عواه داعي موته فيجيب يريد: أبا عروة. ألا ترى أن التاء في جميع ذلك قد حذفت وبقى الحرف الذي كان قبلها على فتحه. ومثل ذلك أيضاً قول الآخر، أنشده الفراء: وما أدري وظَنّي كُلّ ظَنِ ... أمسلمني إلى قومي شَرَاحي

стр. 128

(فرخمه) بحذف آخره وحرف العلة الزائد قبله، وأبقى الحرف الذي كان قبلها، وهو الحاء، على حركته، على حد قولهم في ترخيم منصور: يا منص. وقد يجيء حذف آخر الاسم في غير النداء، وأعني بذلك النكرة التي ليس في آخرها تاء تأنيث. والاسم المعرف بالألف واللام، نحو قول كثير: خليلي أنْ أم الحكيم تباعدت ... فأخلت بخيمات العُذَيْب ظلالها يريد: العذيبة، فرخمها وفيها الألف واللام، وقول الآخر: أناس تنال الماء قبل شفاههم ... لهم واردات الغُرضِ شم الأرانب يريد: الغرضوف فرخمه، وفيه الألف واللام، بحذف آخره وحرف العلة الزائد قبله، وقول عدي: ليس حي على ... المنون بخالِ يريد: بخالد، فرخمه، وهو نكرة ليس فيه تاء التأنيث، وقول الآخر: تحاذر وقع السوط خوصاء ضمها ... كلال فجالت في حِجا حاجبٍ ضُمْرِ يريد: في حجاج حاجب، فرخمه، وهو أيضاً نكرة ليست فيه تاء تأنيث.

стр. 129

وربما جاء شيء من ذلك في الكلام شاذاً: حكى ابن الأعرابي: (هم بين حاذِ وقاذ، يريدون: بين حاذف وقاذف، فرخما، وهما نكرتان ليس في واحد منهما تاء تأنيث. وكأن (ما) جاء من ذلك مشبه بما شذوا فيه في النداء فرخموه وهو نكرة ليست فيه تاء، نحو قولهم: يا صاح، يريدون: يا صاحب. والترخيم في هذا النوع أقل من الترخيم فيما قبله. وربما حذفوا آخر الاسم المبني والحرف، تشبيهاً بالاسم المعرف، إلا أن ذلك قليل جداً. ومنه قوله: أو راعيان لبعران شردن لنا ... كي لا يحسان من بعراننا خبرا يريد: كيف لا يحسان، وقول الآخر: وطرفك أما جئتنا فاصرفنه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر يريد: كي ما، فحذف آخر (كي)، وقول عدي بن زيد: فإن أهْلكْ فسَوْ تجدون فقدي ... وإن أسلم يطب لكم المعاشُ يريد فسوف.

стр. 130

وقد يحذفون من آخر الكلمة أكثر من حرف واحد على غير مذهب ترخيم الاسم، إذا اضطروا إلى ذلك، وهو أيضاً قليل جداً لا يجوز القياس عليه، نحو قول علقمة: كأنّ إبريقَهم ظبي على شرفٍ ... مفدمُ بسبا الكتانَ مَلْثُوم يريد: بسبني الكتان، فحذف النون والياء المشددة وزاد ألفاً للإطلاق، أو بسبائب الكتان، فحذف الهمزة والباء، وقول لبيد: دَرَس المَنَا بمتالع فأبانِ ... . . . . . . . . . يريد: المنازل، وقول الأخطل: كانت مَنَاها بأرضِ ما يبلغها ... بصاحِب الهمّ إلا الناقَةُ الأجُدُ يريد: منازلها، وقول أبي داود:

стр. 131

يبدين جندل (حائر) لجنوبها ... فكأنما (تذكي) سنابكها الحبا يريد: الحباحب، وقول العجاج: قواطنا مكة ... من ورق الحَمِي يريد: الحمام، فحذف الألف والميم المتطرفة، فصار (اللحم) - على حرفين، ثم خفضه لإضافة (ورق) إليه. على ذلك حمله س وأكثر النحويين. وذهب أبو العلاء المعري إلى أنه أراد من ورق الحمام الحمي، أي المحمي، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه وخفف الياء المشددة، فقال: من ورق الحمي. ففي البيت على مذهبه ضرورتان: إحداهما حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، مع أن الصفة غير خاصة بجنس الموصوف لأن (الحمي قد) يوصف بها (غير) الحمام. وذلك غير جائز في سعة الكلام: لا يجوز أن تقول: مررت بطويل، تريد: برجل طويل، لأن الطول صفة غير خاصة بالرجل، إذ قد يوصف به غيره. والأخرى: تخفيف الياء المشددة. وقد يجيء الحذف في حشو الكلمة، إذا اضطر إلى ذلك، إلا أن يكون من الندور بحيث لا يلتفت إليه، نحو قوله:

стр. 132

حين ألقت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشَلْ يريد: عبد الأشهل من الأنصار. ووجه ذلك أنه شبه الهاء بالهمزة لمقاربتها لها في المخرج، فحذفها وألقى حركتها على الساكن قبلها، كما يفعل بالهمزة في (شمأل) و (ملأك) ونحوهما. ألا ترى أنك إذا خففت الهمزة منهما قلت: شمل وملك. وأما نقص الكلمة فمنه: إضمار حرف الخفض وإبقاء عمله من غير أن يعوض منه شيء، نحو قوله: لاهِ ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني يريد: لله ابن عمك، وقوله: رأين خليسا بعد أحوى تلعب ... بفوديه سبعون السنينَ الكواملِ يريد: سبعون من السنين الكوامل، وقوله: رسم دارِ وقفتُ في طَلَلهْ ... كدت أقضي الحياة من جَلله

стр. 133

يريد: رب رسم دار، وقول ذي الرمة: أصهبَ يمشي ... مِشْيَةً الأمير لا أوطف الرأس ... ولا مقرورِ يريد: رب أصهب، وهو أول الرجز، (وقوله): فأما تعرضن أميم عني ... وينزعك الوشاة أو لو النياط فحور قد لهوت بهن عين ... نواعم في المروط وفي الرياط يريد: فرب حور، فأضمر (رب) بعد الفاء التي هي جواب الشرط. ولا يجوز شيء من ذلك في سعة الكلام، إلا في اسم الله تعالى في القسم، فإنه قد يحذف منه حرف الجر ويبقى عمله تخفيفاً لكثرة الاستعمال، فيقال: الله لأفعلن، بخفض اسم الله. ومن ذلك قوله: ألا رب من تغشته الله ناصح ... ومن قلبه لي في الظباء السوانح في رواية من رواه بخفض اسم الله، أو في شذوذ من الكلام، نحو ما روى عن رؤبة من أنه كان يقال له: (كيف أصبحت، عافاك الله)، فيقول: (خير والحمد الله)، يريد: على خير. ومنه: حذف حرف الخفض من المعمول ووصول العامل إليه بنفسه

стр. 134

للضرورة، تشبيهاً له بالعامل الذي يصل بنفسه، نحو قول جرير: تمرون الديارَ ولم تعوجوا ... كلامكم عليَّ إذاَ حرام يريد: على الديار، وقول النابغة: فبت كأن العائِدات فرشنني ... (هراساً) به يُعلي فراشي ويُقشَب يريد: فرشن لي، فحذف اللام وأوصل الفعل إلى الضمير بنفسه. ومثل ذلك قول الآخر: تحن فتبدي ما بها من صَبَابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسا لقضاني يريد: لقضي علي، وقول الآخر: ما شُقّ جيبُ ولا ناحتك نائحة ... ولا بكتك جياد غير أسلاب يريد: ولا ناحت عليك، وقول زيد بن عامر:

стр. 135

بخلت فطيمة بالذي يرضيني ... إلا الكلام وقلما يُجْديني يريد: يجدي علي، وقول الآخر، لأنشده أبو زيد: كأن عينيّ ... وقد بانوني غربان في جدول ... منجنون يريد: بانوا عني. ومنه: العطف على ضمير الخفض المتصل من غير إعادة الخافض، تشبيهاً له بالعطف على الظاهر، نحو قوله: الآن قربت تهجونا وتشتمنا ... فأذهب فما بك والأيام من عجبِ يريد: وبالأيام، وقوله: آبكَ، آية بي ... أو مُصَدّرِ من حُمُر الجِلّةِ ... جَأبِ حَشْورِ

стр. 136

يريد: أو بمصدر، وقوله: وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعداً فيها ولا الأرض مقعدا يريد: ولا في الأرض، وقوله: ما إن بها والأمورِ من تلفِ ... ما حم من أمر غيبه وقعا يريد: وبالأمور، وقوله: أمرُّ على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها يريد: أم في سواها، وقوله: هلاّ سألت بذي الجماجم عنهم ... وأبي نعيمٍ ذي اللوا المتخرق يريد: وعن أبي نعيم، وقوله: أو بين ممنون عليه وقومه ... إن كان شاكرها وإن لم يشكر يريد: وعلى قومه، وقوله: أريحوا البلاد منكم ودبيبكم ... بأعراضكم مثل الإماء الولائد يريد: ومن دبيبكم، فحذف حرف الجر من جميع ذلك للضرورة. ومثل ذلك قوله: تُعَلّق في مثل السواري سيوفُنا ... فما بينها والأرض (غوط) نفانف

стр. 137

فعطف (الأرض) على الضمير المخفوض بـ (بين)، من غير أن يعيدها. التقدير: وبين الأرض. ولا يجيء (شيء) من ذلك في سعة الكلام عند المحققين من البصريين. والكوفيون (يجيزونه). فأما قوله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)، فـ (من) في موضع نصب، والمعنى: جعلنا لكم فيها معائش والعبيد والإماء. وأما قراءة من قرأ: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)، فمن العطف على ضمير الخفض من غير إعادة خافض، لأن المعنى: تساءلون به وبالأرحام. وهو بمنزلة قول العرب: أسألك بالله وبالرحم. وهي قراءة ضعيفة لما ذكرناه من أن العرب لا تعطف مخفوظاً على مخفوض قد كنى عنه إلا في الشعر لضيقه. ومنه: إضمار الجازم وإبقاء عمله، وهو أقبح من إضمار الخافض وإبقاء عمله، لأن عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء. فمما جاء في ذلك قوله: محمد تَفْدِ نفسَك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيءٍ تَبَالا

стр. 138

يريد: لتفد نفسك، وقوله: قلت لبوابٍ ... لديه دارُها تِيذَنْ فإني ... حَمْؤها وجَارها يريد: لتيذن، وقوله، أنشده الفراء: من كان لا ... يزعم أني شاعرُ فَيَدْنُ مني ... تنهه الزواجرُ يريد: فليدن، وقوله: على مثل أصحابِ البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبكِ من بكا يريد: أو ليبك، وقوله: فقلت ادعى وأدعُ فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان يريد: ولأدعُ، فحذف الجازم في جميع ذلك، وهو لام الأمر للضرورة.

стр. 139

ومنه: إضمار (أن) الناصبة وإبقاء عملها من غير أن يعوض منها شيء، تشبيهاً لها بإضمار بعد (الحروف) التي جعلت عوضاً منها، وأعني بذلك الحروف التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن). فمما جاء من ذلك قوله: فلم أر مثلها خباسة واحدٍ ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أْفَعَله يريد: أن أفعله، وقوله: وحَقّ لمن أبو بكر أبوه ... يوفقَه الذي رفع الجبالا يريد: أن يوفقه، وقول طرفة: ألا أيهذا الزاجري أحْضُر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي في رواية من رواة: أحضر، بالنصب، يريد: أن أحضر، وقول أبي طالب:

стр. 140

لقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أجاديث وائل يريد: أن تكونوا. وقد استعمل ذلك أبو الطيب، فقال: وكلما لقي الدينار صاحبه ... في كفه افترقا من قبل يصطحبا ولا يجوز ذلك في سعة الكلام. فإن جاء شيء منه حفظ ولم يقس عليه لشذوذه. حكي من كلامهم: (مره يحفرها)، (ولابد من تَتَبعها)، و (خذ اللص قبل يأخذك)، بنصب يحفرها، وتتبعها، ويأخذك. وزعم الطبري أن العرب تقول: (تصنع ماذا،) و (تفعل ماذا) بنصب (تصنع) و (تفعل)، لأن معناه: تريد أن تصنع ماذا، وتريد أن تفعل ماذا، فنصبوه بهذا المعنى. فإذا قالوا: تريد ماذا، لم ينصبوا (تريد)، لأنه لا يستقيم أن تقول: تريد أن تريد ماذا، لأن الإرادة لا تراد. وهذا شيء لا أعلم أن أحداً حكاه غيره. ومنه: استعمال الفعل الواقع في موقع خبر (عسى) بغير (أن)، نحو قول مالك ابن الريب:

стр. 141

وماذا عسى الحجاج يبلغُ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد وقول هدبة بن خشرم: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكونُ وراءه فرجُ قريبُ وقول الآخر: فأما كيسُ فنجا ولكن ... عسى يَغْتَرّ بي حَمِقُ لئِيمُ وقول الآخر: عَسَى الله يُغْني عن بِلادِ بن قادرِ ... بمنهمر جون الربابِ سكوبِ كأن الوجه أن يقال: وماذا عسى الحجاج أن يبلغ جهده، وعسى الكرب الذي أمسيت فيه أن يكون، وعسى أن يغتر بي، وعسى الله أن يغني. وما ذكرته من استعمال الفعل الواقع في موضع خبر (عسى) بغير (أن) ضرورة، هو مذهب الفارسي وجمهور البصريين. وظاهر كلام س يعطي أنه جائز في الكلام، لأنه قال: (واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها بكاد)، فأطلق القول ولم يقيد ذلك بالشعر. إلا أنه

стр. 142

لا ينبغي أن يحمل كلامه على عمومه، لما ذكره أبو علي من أنها لا تكاد تجيء بغير (أن) إلا في ضرورة. وأيضاً فإن القياس يقتضي أن لا يجوز ذلك إلا في الشعر، لأن استعمالها بغير (أن) إنما هو بالحمل على (كاد)، لشبهها بها من حيث جمعتها المقاربة، و (كاد) محمولة في استعمالها بغير (أن) على الأفعال التي هي للأخذ في الفعل، نحو: جعل يفعل، وطفق يفعل، من جهة أنها لمقاربة ذات الفعل، فقربت لذلك من الأفعال التي هي للأخذ في الفعل. وليست (عسى) كذلك، لأنها فيها تراخياً، ألا ترى أنك تقول: عسى زيد أن يحج العام الآتي. وإنما عدت في أفعال المقاربة مع ما فيها من التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجو، والفعل المرجو قريب بالنظر إلى ما ليس بمرجو. فلما كانت محمولة في استعمالها بغير (أن) على ما هو محمول على غيره، ضعف الحمل فلم يجيء إلا في الضرورة. ومنه: حذف حرف النداء من النكرة المقبل عليها، نحو قول (الراجز): جارِيَ لا ... تستنكري عذيِري يريد: يا جاري، وقول أبي نخيلة: إذا اعوججن قلت ... صاحبْ قوم يريد: يا صاحب، وقوله، أنشده الأصمعي: كليه وجريه ضَباعِ وابشري ... بلحم امرئٍ لم يشهد اليومَ نَاصره

стр. 143

يريد: يا ضباع، وقول الآخر: فقلتُ له عطارُ هلا أتيتنا ... بدُهْن الخُزَامي أو بخوْصَة عرْفج يريد: يا عطار. وهو في الشعر كثير. وقد جاء شيء منه في الكلام، قالوا: (افتد مَخْنُوق، وأطرق كرا، وأصبح ليلُ). إلا أن ما جاء منه شاذَ يحفظ ولا يقاس عليه. وإنما لم يجز الحذف في سعة الكلام، لأن قولك: (يا رجل) أصله: يا أيها الرجل، فحذفت الألف واللام و (أي)، لأنها وصلة لما فيه الألف واللام، فانحذفت بحذفهما وصارت (يا) عوضاً من الألف واللام المحذوفة. ويعرف بها الاسم لنيابتها مناب أداة التعريف، فلو حذفت (يا) بعد ذلك لكثر الحذف، وكثرته إجحاف. ومنه إضمار (لا) النافية غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم، نحو قول النمر: وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المُنَخّلُ يريد: لا تلاقونه، وقول أبي ذؤيب: وأنسى نشيبةَ والجاهلُ ال ... مُغمّر يحسب أني نَسي يريد: ولا أنسى نشيبة، وقول الآخر:

стр. 144

تنفكّ تسمع ما حيي ... ت بهالكِ حتى تَكُونَهْ يريد: لا تنفك. وأما حذفها من الفعل المستقبل الواقع جواباً للقسم فجائز في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: (تالله تفتأ تذكرُ يوسف)، المعنى: لا تفتأ. ومما حذفت منه أيضاً ضرورة في غير الفعل قول أوس بن حَجر حتى إذا الكَلاّبُ قال لها ... كاليومِ مَطْلُوباً ولا طلَبا يريد: لا كاليوم مطلوباً ولا طلباً، وقول الآخر: رأيتك يا بن الحارثية كالتي ... صناعتها أبقت ولا الوهى ترقع يريد: لا صناعتها أبقت. ومنه: حذف (ما) النافية. وهو قليل جداً. وهو قوله: لعَنْرُ أبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الرند قادح يريد: ما زالت عزيزة. ومنه: حذف النون الداخلة على الفعل المضارع وإبقاء اللام، نحو قوله:

стр. 145

تألى ابن أوس حلفة لَيُرّدني ... إلى نسوةٍ كأنهنّ مفائد يريد: ليردنني. وقوله: لَينْجُو من ملامتها وكانوا ... إذا شَهِدوا العظائم لم يُليموا يريد: لَيْنُجنّ. ومنه: إثبات النون الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد وحذف اللام، أنشد يعقوب: فَليأزِلَنّ (ويبْكؤن) لقاحه ... ويعللَنَّ وليده بسمارِ يريد: وليبكؤن، وليعللن، وقوله: ليت شِعْري وأشْعُرَنّ إذا ما ... قربوها منشورة ودُعِيتُ يريد: ولأشعرن، وقوله: وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فِرغُ وإن أخاهم لم يقصد
следующие страницы →