← Адаб

Адаб · id 37489

ضرائر الشعر

ابن عصفور

Полный текст (299 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

خاطمها زأمّها ... أن تذهبا يريد: زامها. وقول الآخر: وبعد انتهاضِ الشيبِ من كل جانبٍ ... على لمتي حتى أشعأل بَهيمها يريد: أشعال. فأبدلت الألف في جميع ذلك بهمزة ليتوصل بالإبدال إلى التحري. وكانت الحركة فتحة لأنها أخف الحركات. ومثل ذلك أيضاً قول العجاج: فَخِنْدفُ هامةُ ... هذا العالِم يريد: العالم، فأبدل ألف همزة لتكون القافية غير مؤسسة كأخواتها. ألا ترى أنه قال قبل ذلك: يا دَار سَلْمى يا اسلَمي ... ثم أسْلمي وكانت الهمزة المبدلة منها ساكنة لأن التحريك يبطل الوزن، ولأنها بدل من ألف زائدة ساكنة في اللفظ والتقدير.

стр. 212

ومنه: إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك في الكلام، نحو قوله: قد كأد يذهب بالدنيا وبَهْجَتها ... مواليءُ ككباشِ العُوسِ سُحّاحُ وقوله: . . . . . . . ... كمشتريء بالخيلِ أحمرةً بُتْرا وإنما أبدلت الياء من موالٍ ومشترٍ همزة للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة في الياء. وكان المبدل همزة إجراء لها في ذلك مجرى الألف لمشابهتها لها في الاعتلال واللين. ومنه: إبدال الهمزة من ياء مبدلة من حرف صحة، نحو قول: ينشب في ... المعسل واللهاء أنشب من ... مآشر حداء يريد: من مآشر حداد. فأبدل الدال ياء كراهية التضعيف، ولم يعتد بالألف فاصلة، ثم أبدل الياء همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة. ومنه: إبدال الهمزة من واو ساكنة مضموم ما قبلها، نحو قوله: أحَبُّ المؤقدين إليّ مؤسى ... وحَرْزَةُ إذا أضاَءهُما الوَقُود

стр. 213

يريد: موسى. وكأنه قدر ضمه الميم على الواو لقيام الدليل على أن رتبة الحركة أن تكون بعد الحرف فهمزها كما تهمز الواو المضمومة في (أثوب) و (أدؤر) وأمثالهما. ومنه: إبدال الهاء همزة، نحو قوله: وبلدةٍ قالصةٍ ... أمواؤها يَسْتَنّ في رأدِ ... الضّحى أفْيَاؤها يريد: قالصة أمواهها، فأبدل الهاء همزة لما كانت مقاربة لها، لتتفق القوافي، وليكون الجمع على وفق المفرد في ذلك. وقوله: فقال فريق أإذا إذ نحوتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري يريد: أهذا، فأبدل الهاء همزة وفصل بين الهمزتين بألف. وإنما فعل ذلك لأن الوزن اضطره لزيادة هذه الألف الفاصلة، وحكم هذه الألف الفاصلة أن يفصل بها بين الهمزتين لكراهية اجتماعهم نحو قولهم: أأنت فعلت كذا، فأبدل الهاء همزة ليسوغ الإتيان بها. وسهل له ذلك تجاورهما في الخروج. ومنه: إبدال الياء من حرف من الحروف الصحاح، نحو قول رجل من يشكر:

стр. 214

لها أشاريرُ من لحمٍ تُتَمّرُهُ ... من الثعالي ووَخْزُ من أرانيها يريد: من الثعالب، ومن أرانبها، فأبدل الباء ياء لأنه اضطر إلى التسكين ليصح له الوزن، والباء لا تسكن في هذا الموضع وأمثاله، فأبدل منها ياء، لأن الياء تسكن في حال الخفض كما أبدلت الياء منها في قوله: (لا وربيك) لما كرهوا التضعيف. حكى ذلك أحمد بن يحيى. وقد يمكن أن يكون جمع ثعالة فيكون الأصل فيه إذ ذاك الثعائل إلا أنه قلب. ومثل ذلك قول الشاعر: ومنهلٍ ليس ... له حوازقُ ولضفادي جَمّة ... نَقانِقُ يريد: ولضفادع. وقوله: إذا ما عُدَّ أربعة فِسالُ ... فزوجُك خامسُ وأبوك سادي يريد: (وأبوك) سادس. وقوله:

стр. 215

مضت ثلاث سنين منذ حل بها ... وعام حلت وهذا التابع الخامي يريد: الخامس. وقوله: قد مر يومان ... وهذا التالي وأنت بالهجران ... لا تبالي يريد: الثالث، فأبدلت العين من ضفادع ياء للعلة التي تقدم ذكرها في أرانبها. وأبدلت السين في سادس وخامس و (الثاء في) الثالث ياء لتوافق القوافي. وأما قول الآخر: ثلاثة أيامٍ كرامٍ ورابعُ ... وما الخام فيهم بالبخيلِ المُلومِ فإنه لما أبدل السين من الخامس ياء، اجتزأ بالكسرة عنها.

стр. 216

ومن ذلك قول عامر بن جؤين: فيا ليت أني بعدما طاف أهلها ... هلكت ولم أسمع بها صوتَ (إيسانِ) فأبدل من النون، ياء لشبهها بها من جهة أنها فيها غنة، وهو فضل صوت فيها، كما أن في الياء لينا، وهو فضل صوت فيها. ولمقاربتها لها فيما ذكرناه أدغمت فيها، نحو: من (يوم)، وقول الآخر: رأت رجلاً أما الإله فيتقي ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي وقول العجاج: تَقَضَّيَ البازي ... إذا البَازي كَسرْ يريد: تقضض، وهو تفعل من الاقتضاض، فأبدل من الضاد الأخيرة ياء. وقول الآخر: قامت به تنشد ... كل منشد فَايْتَصَلَتْ بمثلِ ... (ضوء) الفرقد

стр. 217

يريد: فاتصلت، فأبدلت التاء الأولى ياء. وسبب البدل في جميع ذلك كراهية التضعيف. ولما أبدلت الضاد الأخيرة من (تقضض) ياء والميم الأخيرة من (يأتم)، قلبت الضمة التي قبلها كسرة لتصح الياء، على حد قولهم في جميع ظبي أظب. ولما قلبت الياء الأولى من (فاتصلت) ياء ساكنة كما أن الياء التي أبدلت منها كذلك، ثبتت الفتحة قبلها ولم تنقلب كسرة على قياس الياء الساكنة المفتوح ما قبلها. وقول ابن هرمة: إن السباعَ لتهدا عن فرائسها ... والناس ليس بهادٍ شرّهم أبدا يريد: بهاديء، فأبدل من الهمزة ياء، ليكون سبباً إلى حذفها لاجتماعها مع التنوين وهما ساكنان، لما اضطر إلى ذلك. وقول الآخر: ولا يرهَبُ ابن ما عشتُ صولتي ... ولا أختتي من صَوْلَةِ المُتَهَدّدِ يريد: ولا أختتيء. فأبدل من الهمزة ياء لما احتيج إلى التسكين لأن الياء تسكن في هذا الموضع وأمثاله والهمزة لا تسكن فيه. ومنه: إبدال الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها ألفاً، نحو قول الفرزدق: راحَتْ بِمَسْلَمةَ البغالُ عشيةً ... فارعَيْ فَزَارةُ لا هناك المَرْتَعُ

стр. 218

يريد: لا هنأك، فأبدلت الهمزة ألفاً لما احتاج إلى التسكين، والهمزة لا تسكن في مثل هذا الموضع. وسهل ذلك كون الهمزة والألف من مخرج واحد. ومثله قوله الآخر: إذا (ملا) بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنيه (وضرى) ذات أجراس يريد: ملأ بطنه. ومنه أبيات لبعض المتقدمين كان القياس فيها أن يكون قوافيها همزات فجاءت بالياء بدل الهمزة، وهي قوله: إذا ما المرء صم ولم يكلم ... ولم يك سمعُه إلا نِدايا ولاعب بالعَشِيّ بني بنيه ... كفعل الهر يحترش العظايا يلاعبهم وودّوا لو سَقَوْه ... من الذيفان مترعة مِلايا فأبعده الإله ولا يُوقّي ... ولا يشفي من المرض الشفايا ألا ترى أنه كان الوجه أن يقول: نداء، وعظاء، وشفاء، فيقلب الياء همزة لتطرفها ووقوعها بعد ألف زائدة، وأن يقول (ملا) لأنه من (ملأ)، لكنه اعتد (بألف) الإطلاق، كما اعتدت العرب بهاء التأنيث في

стр. 219

(عظاية) و (سقاية)، فزالت الياء بذلك عن التطرف فثبتت. وإبدال الهمزة في (ملايا) لتتفق القوافي. ومنه: إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة، نحو قول هميان بن قحافة يُطير عنها الوَبَر ... الصُّهابجا يريد: الصهابي، من الصهبة، فحذف إحدى اليائين تخفيفاً وأبدل من الأخرى جيماً لتتفق القوافي. وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج. ومثل ذلك قول الآخر، أنشده الفراء: يا رب إن كنت ... قبلت حجتجُ فلا يزال شاحج ... يأتيك بج أقمر نهات ... ينزي وَفْرَتَج

стр. 220

يريد: حجتي، ويأتيك بي، وينزي وفرتي، فأبدل من الياء جيماً. وقول الآخر: حتى إذا ما أمْسَجَتْ ... وأمْسَجَا يريد: أمست وأمسى. إلا أنه ردهما إلى أصلهما، وهو أمسيت وأمسيا، ثم أبدل الياء جيماً لتقاربهما، لما اضطر إلى ذلك. ومنه: إبدال ألف (ما) و (ههنا) هاء في الوقف، عند الاضطرار إلى ذلك، نحو قوله: الله نجاك ... بكفي مُسْلِمه من بَعْدما ... وبَعْدما وبَعْدِمه يريد: وبعدما. وقوله: قد وردَتْ ... من أمكنه من ههنا ... وههنه يريد: وهاهنا. وسهل ذلك كون الألف والهاء من مخرج واحد. ومنه: إبدال الجيم شيناً لتتفق القوافي. ولا يحفظ من ذلك إلا قوله: إذ ذاك إذ حبلُ ... الوصالِ مدمشُ

стр. 221

يريد: مدمج. وسهل ذلك أيضاً كون الجيم والشين متقاربتين في المخرج. وأما إبدال الكلمة من الكلمة فمنه استعمال بعض حروف الخفض موضع بعض، نحو قول القحيف العقيلي: إذا رَضِيتْ عليّ بنو قُشَيرٍ ... لَعَمْر الله أعجبني رضاها يريد: عني. ونحو قول الراعي: رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار التي فيها واستغارا يريد: وخلالها. وقول أبي ذؤيب: وكأنهن ربابة وكأنه ... يَسَرُ يفيض على القداحِ ويصدع

стр. 222

يريد: يفيض بالقداح. وقول الشماخ: وبُرْدانِ من خالٍ وسبعون دِرْهماً ... على ذاك مقروظُ من القَدّ ماعزُ يريد: مع ذاك. وقول زيد الخيل: وتركب يوم الروع فيها فوارس ... يصيرون في طَعن الأباهرِ والكُلي يريد: بصيرون بطعن الأباهر. وقوله: وخَضْخَضْن فينا البَحْرَ حتى قَطَعْنَه ... على كل حالٍ من غمارٍ ومن وَحْلِ يريد: خضخضن بنا البحر. وقوله: نلوذ في أم ... لنا ما تغتصب من السحاب ... ترتدي وتنتقب

стр. 223

يريد: نلوذ بأم. ونحن قول امرئ القيس: ويضحي فتيتُ المِسكِ فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل يريد: بعد تفضل. وقول النمر: ولقد شهدت إذا القداحُ توحدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها عن ذات أولية أساود ربها ... وكأن لون الملح لون شفارها يريد: من أجل ذات أولية. ونحو قول الشاعر: أزمعتَ من آلِ ليلى ابتكارا ... وشَطّت على ذي نوى أن تزارا يريد: إلى آل ليلى. وقول النابغة: فلا تتركنّي بالوَعِيد كأنّني ... إلى الناس مَطْليّ به القار أجربُ

стр. 224

يريد: كأنني في الناس. وقول عمرو بن أحمر: تقول وقد عالَيْتُ بالكور فَوقَها ... أيُسقَي فَلاَ يَرْوي إليّ ابن أحمرا يريد: فلا يروي مني. فهذه الأبيات وأمثالها فيها خلاف بين النحويين. فأهل الكوفة يحملونها على ما يعطيه الظاهر من وضع الحرف موضع غيره. وأهل البصرة يبقون الحرف على معناه الذي عهد فيه إما بتأويل يقبله اللفظ، أو بأن يجعلوا العامل مضمناً معنى ما يعمل في ذلك الحرف إن أمكن، ويرون أن التصرف في الأفعال بالتضمين أولى من التصرف في الحروف بجعل بعضها موضع بعض، لأن الحروف بابها أن لا يتصرف فيها. وأيضاً فإن الفعل إذا عدي تعدى غيره بالتضمين الذي ذكرناه كان لذلك سبب، وهو كون الفعلين يؤولان إلى معنى واحد، وإذا قدر أن أحد الحرفين وضع موضع الآخر من غير تضمين للعامل فيه معنى ما يتعدى بذلك الحرف، كان وضعه موضعه لغير سبب، فإن لم يمكن التأويل ولا التضمين اعتقدوا إذ ذاك أن أحد الحرفين موضوع موضع الآخر: فعلى هذا قول القحيف (إذا رضيت علي) إنما عدي بعلي لأن الرضى عن الشخص إقبال عليه. فكأنه قال: إذا أقبلت علي. وقول الراعي (وخلا عليها) يفيد ما يفيده قوله: وقف عليها. فعدى (خلا) بـ (على) كذلك.

стр. 225

وقول أبي ذؤيب (تفيض على القداح) الظاهر من أمر (على) فيه أن يكون بدلاً من الباء، وإنما جاز ذلك لأن معنى (أفاض بالقداح) أوقع الإضافة على القداح. وقول الشماخ (على ذلك مقروظ) المجرور خبر لـ (مقروظ)، وإذا كان خبراً له كان متعلقاً بمحذوف: التقدير زائد على ذاك مقروظ. هذا إن كان مراده أن يعطي مع الأشياء التي ذكرها قبل جلداً مقروظاً، أي مدبوغاً بالقرظ. وإن كان مراده (بالمقروظ) عيبة من جلد مدبوغ بالقرظ، فيها البردان والسبعون درهماً، كانت (علي) في موضعها، لأنها إذا كانت في المقروظ فالمقروظ عليها. وقول زيد الخيل (بصيرون في طعن الأباهر)، إنما عدي بصير بفي لأن قولك: (هو بصير بكذا) يرجع إلى معنى هو حكيم فيه متصرف في وجوهه. وقوله (وخضخضن فينا البحر) ينبغي أن يحمل على حذف مضاف، يريد: وخضخضن في سيرنا البحر. وقوله: (نلوذ في أم لنا)، ضمن، (نلوذ) معنى (نصير)، لأنه إذا لاذ بالجبل فقد صار فيه. ويريد بالأم سلمى - أحد جبليْ طيئ. وقول امرئ القيس (لم تنطق عن تفضل): (عن) فيه بمعنى (بعد) على ما يعطيه الظاهر، وإنما وقعت (عن) موقع (بعد) لتقارب معنييهما، لأن عن تكون لما عدا الشيء وتجاوزه و (بعد) لما تبعه وعاقبه. فقولك: (أطعمه عن جوع)، يريد أنه فعل الإطعام بعد الجوع، فقد عدا وقته وقت الجوع وتجاوزه. وكذلك إذا جعلت النطاق بعد التفضل فقد عدا وقت الانتطاق وقت التفضل وتجاوزه. وقول النمر (عن ذات أولية أساود ربها): (عن) متعلق بـ (أساود).

стр. 226

و (أساود) مضمن (معنى) (أسائل)، لأن المساودة هي المسارة، ومسارته له في حقها سؤال عنها. ويمكن أيضاً أن يكون (أساود) مضمناً معنى (أخادع)، لأنه إنما ساود ربها ليخدعه عنها. وقوله: (أأزمعت من آل ليلى ابتكاراً): (من) فيه، عندي واقعة في محلها، والمعنى: أأزمعت من أجل آل ليلى ابتكاراً، لأنه إذا أزمع ابتكاراً إليهم فقد أزمعه من أجلهم. وقول النابغة (إلى الناس مطلي به القار أجرب): إنما وقعت فيه (إلى) موقع (في)، لأنه إذا كان بمنزلة البعير الأجرب المطلي بالقطران الذي يخاف عدواه فيطرد عن الإبل إذا أراد الدخول بينها، كان مبغضاً إلى الناس. فعومل (مطلي) كذلك معاملة (مبغض). وكذلك قول ابن أحمر (أيسقي فلا يروي إلى ابن أحمرا) فهو على ظاهرة من وقوع (إلى) فيه موضع (من). والذي سهل ذلك أن الري ضد الظمأ. والظمأ يتعدى بـ (إلى)، يقال: ظمئت إلى الماء. فعدى (يروي) بـ (إلي) حملا على ضدها، وهو (يظمأ)، لأن العرب كثيراً ما تجري الشيء مجرى ضده. وقد يجيء في الكلام ما ظاهره أن حرف الخفض واقع فيه موقع غيره، نحو قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان). ألا ترى أن المعنى: في ملك سليمان. ويقال: إن فلاناً لظريف عاقل إلى حسب ثاقب، أي مع حسب ثاقب. والبصريون يتأولون ذلك كما بيناه قبل. فيجعلون (تتلو) مضمناً معنى (تتقول)، لأن معنى الآية أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه. وكذلك قولك: (إن فلاناً لظريف عاقل إلى حسن) معناه أن له ظرفاً وعقلاً

стр. 227

مضافين إلى حسن. فلما دخل الكلام على هذا المعنى، استعملت (إلى) فيه. وكذلك يفعل بكل ما جاء من هذا النوع. وإنما أورد هذا النوع في الضرائر، وإن كان قد جاء في الكلام، لأن مجيئه في الشعر كثير واسع، ومجيئه في الكلام قليل لا يجوز القياس عليه. ومنه: إبدال اسم مفرد من اسم مفرد. وهو على ضربين: ضرب جائز في الشعر دون الكلام ينقسم أربعة أقسام: أحدها: أن يشتق للمسمى من اسمه اسماً آخر ويوقعه عليه بدل اسمه، نحو قول الحطيئة: وما رضيت لهم حتى رفدتهم ... من وائلٍ رهط بسامٍ بأصرام فيها الرماح وفيها كل سابغةٍ ... بيضاء محكمة من نَسج سلام يريد: بسلام سليمان ﵇. وسهل ذلك كون سليمان وسلام المشتق منه يرجعان إلى معنى السلامة. وقول دريد بن الصمة: فإن تنسنا الأيام والدهر تعلموا ... بني قارب أنا غضابُ لمعبدِ

стр. 228

يريد أخاه عبد الله، فأشتق معبداً من اسمه. ألا تراه يقول في هذه القصيدة: تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً ... فقلت: أعبدُ الله ذلكم الردى وسهل ذلك كون الاسمين يرجعان إلى معنى العبودية. وقول البَعيث يخاطب جريراً: أبوك عطاءُ ألأم الناس كلهم ... فقبحت من نسلٍ وقبح من كهل يريد: أباه عطية، فاشتق منه (عطاء)، وجعله أباً له لأن العرب تسمي العم أباً، فلا يكون على هذا من قبيل البدل، وقول الآخر: بِسَحْبِلِ الدّفينِ ... عَيْسجورِ يريد: بسحبل، فاشتق منه (سحبلاً) لما اضطره الوزن إلى ذلك. فأما قول (العبد):

стр. 229

وما دُمْيَةُ من دُمَى ميسنا ... ن مُعْجِبةُ نظراً واتصافا يريد: ميسان. وقول الآخر: أعرَفْتَ الدار أم أنكرتَها ... بين تِبْراكٍ فَشسَّيْ عَبقُرْ وقول طرفة: بجفان تعتري نادِينَا ... من سديفٍ حين هاج الصَّنَّبرْ فإنما هو تحريف، للضرورة، وليست مشتقة من (ميسان)، و (عبقر)، و (صنبر)، لأنها ليست على أوزان الأسماء. وقد جاء هذا التحريف في شعر أبي الطيب في قوله: من مبلغ الأعراب أني بعدهم ... لاقيت رَسْطاليس والاسكندرا حكى أبو علي عن أبي زيد اسمه أرسطو طاليس. ومحال أن يقول أبو زيد ذلك إلا وقد وصل إليه من حيث يثق. وإذا كان كذلك فرسطاليس تحريف له. والتحريف في الأسماء الأعجمية أسهل من التحريف في الأسماء العربية، لأن العرب كثيراً ما تخلط فيها لأنها ليست من لغتهم.

стр. 230

والثاني: أن يكون الاسم مشتركاً ويكون الوزن لا يساعدك على الإتيان بمثله، فتأتي بدله بالاسم الذي يكون لشريكه، وذلك قول (الأحمر): حدوا بأبي أم الرئالِ فأجفلتْ ... نَعَامَتُه عن عارضٍ مُتَلَهّبِ يريد: بأبي أم الرئال (قطريا)، وكنيته أبو نعامة، فوضع أم الرئال موضع نعامة لما اضطره الوزن إلى ذلك. وقول المرار: وخَيْفَاء ألقى الليثُ فيها ذراعه ... فسرت وساءت كلّ ماشٍ ومُصرمِ يقول مطرت بنوء الذراع، وهو ذراع الأسد، فلم يتزن له، فوضع الليث موضع الأسد. وقول الآخر: طَرْمح أقطارَها أحوى لوالدةٍ ... صَحْماَء والفحلُ للضرغام ينتسبُ يصف إبلاً طرمح أقطارها، أي ملأها شحماً، عشب أرض (صحماء) نبت بغيث مطر بنو الأسد، فأوقع (الضرغام) موقع (الأسد) للضرورة

стр. 231

وكنى بالوالدة عن الأرض وبالفحل عن الغيث، وجعله منتسباً للضرغام، وهو الأسد، لأنه مطر بنوئه. وقول آخر، أنشده علي بن سليمان: بني رَبَّ الجَوادِ فلا تفيلوا ... فما أنتم، فنعذركم، لفيل أراد: ربيعة الفرس، فلم يتزن له فوضع (ربا) موضع (ربيعة) لأنه رب الفرس أي صاحبة، ووضع (الجواد) موضع (الفرس). ومن ذلك قول امرئ القيس: وخرقٍ كجَوفِ العَيْر قَفْرٍ مضلة ... قطعت بسام ساهمٍ الوَجْهِ حُسان في قول من قال إن العير رجل من بقايا عاد (الآخرة) يقال له حمار بن مويلع. وكان ينبغي له أن يقول: كجوف حمار، إلا أنه لم يتزن له، فوضع العير موضعه. وكان لهذا الرجل جوف فيه ماء معين. وكان يزرع في نواحيه ويقري الضيفان. وكان على الإسلام. وكان له عشرة بنين أصابتهم صاعقة، فماتوا، فغضب وكفر ومنع الضيافة، فأقبلت نار من أسفل ذلك الجوف بريح عاصف، فأحرقت الجوف (وما فيه)، فضربت

стр. 232

به العرب مثلا. والثالث: أن يكون الاسم لا يساعد الوزن عليه فيجعل بدله اسم ما هو منه بسبب، نحو قول لبيد: بجلالةٍ توفي الجديلَ سريحة ... مثل الفنيقِ هنأته بعصيم أراد أن يقول: هنأته بهناء، فلم يمكنه، فأوقع موقعه العصيم، وهو أثر الهناء، لما كان منه بسبب. ونحو قول الجعدي: كأن فاها إذا تنسم في ... طيب مُشَمَّ وحُسنِ مُبْتَسم رُكّب في السام والزبيب أقا ... حي كَثيبِ تَنْدى من الرَّهَم أراد أن يقول: ركب في السام والخمر، فلم يتزن له، (فأوقع الزبيب موقع الخمر) إذ كانت من سببه. وقول رؤبة: كالنحل في ماء ... الرضاب العَذْبِ

стр. 233

أراد: كالعسل، فلم يتزن له، فجعل بدله النحل لأنها من سببه. وقد يمكن أن يجعل على حذف مضاف تقديره: كعسل النحل، فلا يكون من هذا النوع. والرابع: أن لا يضع على المسمى اسمه، بل يضع بدله اسم مسمى آخر، على طريق الاستعارة، في موضع يقبح فيه ذلك، نحو قول طرفة: من الزّمِراتِ أسْبلَ قادماها ... وضرتها مركنة درور الزمرات: القليلة الصوف. وقادماها: خلفاها. والقادمان إنما هما للناقة لأن لها أربعة أخلاف خلفان منها قادمان وخلفان آخران، فأستعار ذلك للشاة، وهي استعارة قبيحة، لأن الشاة إنما لها خلفان خاصة، ومعنى القادمين إنما يتحقق بالنظر إلى (الآخرين) وقول هميان: لو لَقِيَ الفيلَ ... بأرض سابجا لدَقّ منه العُنْق ... والدّوَارِجا السيابجة قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا، ويكونون كالمبذوقة، فجعل الفيل سيبجاً مع أن هذا المعنى لا يتصور منه. وسبب ذلك أنه من ناحية بلادهم. قول بعض السعديين وذكر إبلاً: سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى مِلك أظلافه لم تُثَقّقِ

стр. 234

فاستعار للملك ظلفاً ولا ظلف له، وإنما أراد قدميه. وإنما تحسن هذه الاستعارة في الذم، فاستعملها في غير موضع الذم، فقبحت لذلك. والضرب الذي لا يجوز في الشعر ولا في الكلام ما يجيء على طريق الغلطة لأنه الغالط لا ينبغي أن يتبع على غلطة، نحو قوله: والشيخُ عثمان ... أبو عفان فكني عثمان أبا عفان على وجه الغلط، وإنما كنيته أبو عمرو، وعفان اسم أبيه. وقول الآخر: مثل النصارى ... قتلوا المسيحا وإنما اليهود - على ما قالت اليهود والنصارى - قتلوا المسيح. وقد كذبهم الله في ذلك بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم). والذي غلطه كون اليهود والنصارى مخالفين للإسلام، فظن أنهم جميعاً مشتركون فيما ينكرونه من الأشياء. وقول الآخر: ومحورٍ أُخْلِصَ ... من ماءِ اليَلَبْ يريد: الحديد، فغلظ فجعل اليلب الحديد، وإنما اليلب (جلود) يضم بعضها إلى بعض ويجعل تحت البيض وقاية. وكأن الذي غلطه قول عمرو بن كلثوم:

стр. 235

علينا البَيْضُ واليَلَبُ اليماني ... . . . . . . . . . فتوهم أن اليلب أجود من الحديد، وقول ابن أحمر: لم يَدْرِ ما نسج اليَرَنْدج قبلها ... ودارس أعوص دارس متجدد اليرندج جلود سود يتخيل أنها مما تنسج. وقول أبي نخيلة: برية لم ... تأكل المرققا ولم تذق من ... البقول الفستقا يريد: أن الفستق من البقول. وقول رؤبة: كما أتقى ... محرم حج أيدعا الأيدع: دم الأخوين، فتوهم أنه الزعفران.

стр. 236

فأما قول زهير: (فَتُنْتِجْ) لكمِ غِلْمانَ أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضعْ فَتُفْطمِ (فذهب) بعضهم إلى أن قوله (كأحمر عاد) غلط منه، وإنما هو أحمر ثمود الذي عقر الناقة فنزل العذاب بسبب ذلك على قومه، فصار مشؤوماً عليهم. وليس كذلك، بل العرب تسمي ثمود عاداً الآخرة، وتسمي قوم هود عاداً الأولى. قال الله تعالى: (وأنه أهلك عاداً الأولى). كذلك قول حميد بن ثور: لما تحملت الحمول حسبتها ... دَوْماً بأيلة ناعماً مكموما ظن بعضهم أن ذلك غلط لأن الدوم لا يكمم، وإنما يكمم النخل.

стр. 237

وليس كذلك عندي. بل ينبغي أن يحمل على أنه سمي النخل دوماً لشبهه به. وكذلك قول لبيد: نَحْنُ بَني أمّ ... البنين الأربعَةْ المطعمون الجفنة ... المُدَعْدَعَةْ لم يقل الأربعة، وهم خمسة، على جهة الغلط. وإنما قال ذلك لأن أباه كان مات وبقي أعمامه وهم أربعة. ومنه: إبدال المفرد من التثنية ووضعه موضعها، نحو قوله: بَدّلك بلونِ ... لونينْ سوادَ وجهٍ ... وبياضَ عَيْنيْن يريد: بلونين لونين. ألا ترى أنه دعا عليها أن يبدل سواد عينها بياض وجهها وبياض وجهها سواد عينها. وقول حسان بن تبع:

стр. 238

شر يوميها و (أخزاه) لها ... ركبت عنز بِحِدْجٍ جملا وقول خليج الأعيوي: لأخوين كانا خير أخوين شيمةً ... وأسَرعَهُ في حاجةٍ لي أريدها وقول الفرزدق: . . . . . . . . . ... وجدَّي خطيبُ المشرقين (وشاعره) وقول الآخر: ومَهْمَهَيْنِ ... قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن ظهراهما مثل ... ظهور الترسين قطعتُه بالنعتِ ... لا بالنعتين

стр. 239

ألا ترى أن الضمير في جميع ذلك مفرد مع أنه عائد على اثنين. ولولا الضرورة لكان الوجه أن يقال: وأخزاهما، وأسرعهما، وشاعرهما، وقطعتهما. فأما قول امرئ القيس: وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخرْ يريد: وعينين، ولذلك أعاد عليها ضمير اثنين، فإن ذلك ليس من قبيل الضرائر، لأن وضع المفرد وضع الشيئين المتلازمين من نحو العينين واليدين والرجلين جائز في الكلام والشعر. ومنه قوله ﵇: (إن لعينك حقاً) يريد: لعينيك. ومنه: إبدال المفرد من الجمع ووضعه موضعه حيث لا يجوز ذلك في الكلام، نحو قول الأسود بن يعفر: تَبَيّنَهُمْ ذو اللُّبّ حين يراهُمُ ... بسيماهُمُ بيضاً لحاهم وأصلعا يريد: وصلعاً. وقول القطامي:

стр. 240

كأن نسوع رجلي حين ضمت ... حوالبَ غزرا ومِعًي جياعا يريد: وأمعاء. وقول علقمة. بها جيفُ الحَسْرى فأما عظامُها ... فبيض وأما جلدها فصليب يريد: وأما جلودها. وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمنُ خَميصُ يريد: في بعض بطونكم وقول الآخر: لا تُنكروا القَتْل ... وقد سُبِينَا في حَلْقِكِمْ عَظْم ... وقد شُجِينا يريد: في حلوقكم. وقول الآخر، أنشده أبو عبيدة: وأدْخُلُ الجَوْفَ أجوافَ البيوتِ على ... مثل النّساءِ رجالُ (ما لَهُمْ) غيرُ فأفرد الجوف وهو يريد الجمع بدليل إبداله الجمع منه. وقول الآخر:

стр. 241

فإنْ تصلوا ما قرّب الله بيننا ... فإنكم أعمام صدق وخاليا ومنه: وضع التثنية موضع المفرد وجعلها بدلاً منه، نحو قول الفرزدق: . . . . . . . . . ... وعنْدي حُساما سيفه وحَمائُلهْ يريد: حسام سيفه. وقوله أيضاً: عشيةً سال المربدان كلاهما ... سحابةَ موتٍ بالسيوفِ الصّوارمِ وإنما هو مربد البصرة. وقول عنترة: كيف المزارُ وقد تربّع أهلُها ... بعُنَيزَتَيْن وأهُلنَا بالغَيْلمِ يريد: عنيزة. وقول رؤبة: يُخْشى بوادي ... العَثّريْن أضَمُهْ يريد: عَثر. وقول الآخر: تَطْلُب لي ... بِرَامَتَيْنِ سَلْجَما

стр. 242

يريد: رامة. وقول الآخر أنشده الفراء: يسعى بكبداء ... وِلهْذِمَيْن قد جعل الارطاة ... جنتين يريد: جنة. ويكثر ذلك في أسماء الأماكن، لأن الداخل إليها يرى لها وجهين عن يمينه ويساره. فأما قوله: قولا لعَمْرو بن هندٍ غير متئب ... يا أخنس الأنْفِ والأضراسِ كالعدسِ وقول الآخر: فإن تزجراني يا ابن عفانَ أزدجرْ ... وإن تدعاني أحمِ عرضاً ممنعا فقد قيل إن الألف من (قولا) و (تزاجرني) ضمير اثنين وضع موضع ضمير الواحد، بدليل قوله في البيت الأول: (غير متئب)، ولم يقل غير

стр. 243

متئبين، وفي البيت الثاني: (يا ابن عفان)، فدل ذلك على أنه لم يخاطب غيره. وقد قيل إن الألف فيهما بدل من النون الخفيفة في الوصل، إجراء (له) مجرى الوقف، والأصل: قولن، وإن تزجر، وإن تدعن. ومنه: وضع التثنية موضع الجمع وجعلها بدلاً منه حيث لا يجوز مثله في الكلام، نحو قول الفرزدق: وما قمت حتى كاد من كان مسلما ... ليلبس مسودى ثياب الأعاجم يريد: مسودات ثياب الأعاجم. وقول الآخر: كأن حُمُولَهمْ لما التقينا ... ثلاثة أكْلبٍ يتطاردان يريد: يتطاردن. ومنه: وضع الجمع موضع المفرد وجعله بدلاً منه حيث لا يسوغ ذلك في حال السعة، نحو قول الأعشى: ومثلك مُعْجبة بالشبا ... ب (صاك) العبير بأجسادها يريد: (بجيدها). وقول امرئ القيس: يطير الغلام الخف عن صَهَواته ... ويلوي بأثواب العنيفِ المثقّلِ

стр. 244

يريد: عن صهوته. وقول الفرزدق: وإذا ذكرتَ أباك أو أيامه ... أخزاك حَيْثُ تُقَبَّل الأحجَارُ وإنما هو حجر واحد. وقوله أيضاً: فيا ليتَ داري بالمدينةِ أصبحت ... بأحفارِ فلجٍ أو بِسْيفِ الكواظمِ يريد: الحفر، وكاظمة. ووجه ذلك أن العرب قد توقع على الجزء اسم الكل. ألا ترى أنك لو لمست ناحية من الحجر أو من الصهوة أو من الجيد، لقلت لمست الحجر ولمست الصهوة ولمست الجيد. ومما وضع فيه الجمع موضع المفرد أيضاً قول عبيد: أقفر من أهله ملحوبُ ... فالقُطّبِياتُ فالذنوب يريد: القطبية، وهي بئر معروفة، فجمعها بما حواليها. ومنه أيضاً: وضع الجمع موضع التثنية في الموضع الذي لا يجوز فيه

стр. 245

(ذلك في) الكلام، نحو قول الأسود بن يعفر: أتاني من الأنباءِ أن مُجَاشِعاً ... وآل فُقيمٍ والكراديس أصفقوا يريد معاوية وقيساً ابني مالك من مر بن زيد مناة، ويقال لهما الكردوسان، فوضع الكراديس موضعهما. ومنه: وضع العطف موضع التثنية أو موضع الجمع واستعماله بدلاً منهما حيث لا يسوغ ذلك في سعة الكلام. فمن الأول قوله: ليثُ وليثُ في ... مَحَلّ ضَنْكِ كلاهما ذو ... أشرٍ ومَحْكِ وقوله: كأن بين ... فَكّها والفَكِّ فأرة مسك ... ذُبحتْ في سُكِّ وقوله: أنْجَبُ عِرْسٍ ... وُلدا وعِرْسِ

стр. 246

كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ليثان في محل ضنك، وكان بين فكيها فأرة مسك، وأنجب عرسين ولدا. ومن الثاني قوله: كأنّ حَيْثُ ... يَلْتقي منه المحلْ من جانِبَيْه ... وَعِلانِ ووَعلْ ثلاثةُ أشْرَفْنَ ... في طَوْدٍ عُتُل كان الوجه أن يقول: ثلاثة أوعال لولا الضرورة. وقد جاء مثل ذلك في شعر ابن هانئ، وهو قوله: أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس يريد: أياماً أربعة. ومنه: وضع صيغة الأمر موضع خبر (كن) وجعلها بدلاً منه، نحو قوله: ألا يا أم فارع لا تلومي ... على شئ رفعت به سماعي وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدةٍ صَناع

стр. 247

فجعل (ذكريني) في موضع (مذكرة). وهو قبيح، لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب (كان). وإنما فعل ذلك لأن (كوني) أمر في اللفظ ومحصول الأمر منه لها إنما وقع على التذكير، فلما كان في المعنى أمراً لها بتذكيره، استعمل فيه لفظ الأمر. ومنه: وضع الجملة غير الخبرية موضع الوصف وإبدالها منه، نحو قوله: فإنما أنْتَ ... أخُ لا نَعْدمهْ ألا ترى أنه وضع (لا نعدمه)، وهي جملة دعاء، موضع مدعو له بالمواصلة. وقول الآخر: حتى إذا كاد ... الظلام يَخْتلطْ جاؤوا بِمَذْقٍ هل ... رأيت الذيبَ قَطْ فوضع (هل رأيت الذيب قط)، وهي جملة استفهامية، موضع (مشبه لون الذئب، وذلك غير جائز في الكلام. وقد يمكن أن يحمل ذلك على إضمار القول، فيكون التقدير، وإنما أنت أخ نقول إذا أخبرناه، لا نعدمه، وجاؤوا بمذق يقول منرآه: هل رأيت الذئب قط، فهذا لونه، إلا أن ذلك الفهم المعنى.

стр. 248

ومنه: وضع الجملة الفعلية المنفية موضع الجملة الفعلية التي يراد بها النهي وإبدالها منها، نحو قول زهير: القائلين يساراً لا تناظِرُهُ ... غشاً لسيدِهِمْ في الأمْرِ إذ أمروا يريد: لا تناظره. ومنه: وضع ضمير الرفع المنفصل حيث لا يسوغ ذلك في الكلام، نحو قوله: يا ليتني وَهُما نَخْلو بمنزلة ... حتى يرى بعضنا بعضاً ونأتلفُ كان الوجه أن يقال وإياهما، لولا الضرورة. ومنه: وضع ضمير الرفع المنفصل بدل ضمير الرافع المتصل، نحو قول المرار ابن منقذ: لم آت بعدهم حياً فأخبرهمُ ... إلا يزيدُهُم حُبّاً إليّ هُمُ يريد: إلا يزيدونهم حياً إلى، فوضع الضمير المنفصل، وهو (هم)، موضع الضمير المتصل، وهو الواو، للضرورة، وقول طرفة: أصَرَمْت حَبْلَ الحي أم صرموا ... يا صاح بل صَرَم الحبالَ هُمُ

стр. 249

يريد: بل صرموا الحبال، فوضع أيضاً الضمير المنفصل موضع الضمير المتصل، لما اضطر إلى ذلك. ومنه: وضع ضمير النصب المتصل بدل ضمير النصب المنفصل أو بدل النفس. فمن الأول قول أمية: بالوارثِ الباعثِ الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرضُ في دَهْرِ الدهارير يريد: قد ضمنتهم. وقول حميد الأرقط: إليكَ حتى ... بَلغَتْ إياكا يريد: حتى بلغتك، فوضع إياك موضع الكاف للضرورة. وقول بعض اللصوص: كأناّ يَوْم قُرّى إن ... ما نقتل إيّانا قتلنا منهُمُ كُلّ ... فتى أبيضَ حَسّانا كان الوجه أن يقول: إنما نقتل أنفسنا، كما قال تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا)، فوضع الضمير المنفصل موضعه لما اضطر إلى ذلك.

стр. 250

ومن الثاني قوله، أنشده الفراء: وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... أن لا يجاورنا إلاك ديار يريد: إلا إياك، فوضع الضمير المنفصل، وهو الكاف، موضعه للضرورة وقول الآخر: قَدْ بِتّ أحرسني وحدي ويَمْنَعُنِي ... صوت السبِاع به يَضْبحن والهام الوجه أن يقول: أحرس نفسي، كما قال تعالى: (إني ظلمت نفسي) فوضع الضمير المتصل موضعه لما اضطر إلى ذلك. ومنه: وضع صيغة ضمير النصب المنفصل بدل صيغة ضمير الرفع المنفصل المجعول في موضع خفض بكاف التشبيه، وذلك قوله: فأحْسنْ وأجمل في أسيرك أنه ... ضَعيفُ ولم يأسرْ كإياك آسرُ يريد: كأنت آسر. فوضع إياك موضع أنت للضرورة. وإنما قضى على (إياك) بأنها في موضع (أنت) لأن الكاف لا تدخل في سعة الكلام على مضمر إلا أن يكون صيغته صيغة ضمير رفع منفصل، نحو قولهم: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا. ومنه عند الفارسي: وضع الفعل بدل المصدر من غير أن يكون على تقدير حذف (أن)، نحو قوله أنشده أبو زيد:
следующие страницы →