Полный текст (299 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ليثان في محل ضنك، وكان بين فكيها فأرة مسك، وأنجب عرسين ولدا.
ومن الثاني قوله:
كأنّ حَيْثُ ... يَلْتقي منه المحلْ
من جانِبَيْه ... وَعِلانِ ووَعلْ
ثلاثةُ أشْرَفْنَ ... في طَوْدٍ عُتُل
كان الوجه أن يقول: ثلاثة أوعال لولا الضرورة.
وقد جاء مثل ذلك في شعر ابن هانئ، وهو قوله:
أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس
يريد: أياماً أربعة.
ومنه: وضع صيغة الأمر موضع خبر (كن) وجعلها بدلاً منه، نحو قوله:
ألا يا أم فارع لا تلومي ... على شئ رفعت به سماعي
وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدةٍ صَناع
стр. 247
فجعل (ذكريني) في موضع (مذكرة). وهو قبيح، لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب (كان).
وإنما فعل ذلك لأن (كوني) أمر في اللفظ ومحصول الأمر منه لها إنما وقع على التذكير، فلما كان في المعنى أمراً لها بتذكيره، استعمل فيه لفظ الأمر.
ومنه: وضع الجملة غير الخبرية موضع الوصف وإبدالها منه، نحو قوله:
فإنما أنْتَ ... أخُ لا نَعْدمهْ
ألا ترى أنه وضع (لا نعدمه)، وهي جملة دعاء، موضع مدعو له بالمواصلة. وقول الآخر:
حتى إذا كاد ... الظلام يَخْتلطْ
جاؤوا بِمَذْقٍ هل ... رأيت الذيبَ قَطْ
فوضع (هل رأيت الذيب قط)، وهي جملة استفهامية، موضع (مشبه لون الذئب،
وذلك غير جائز في الكلام.
وقد يمكن أن يحمل ذلك على إضمار القول، فيكون التقدير، وإنما أنت أخ نقول إذا أخبرناه، لا نعدمه، وجاؤوا بمذق يقول منرآه: هل رأيت الذئب قط، فهذا لونه، إلا أن ذلك الفهم المعنى.
стр. 248
ومنه: وضع الجملة الفعلية المنفية موضع الجملة الفعلية التي يراد بها النهي وإبدالها منها، نحو قول زهير:
القائلين يساراً لا تناظِرُهُ ... غشاً لسيدِهِمْ في الأمْرِ إذ أمروا
يريد: لا تناظره.
ومنه: وضع ضمير الرفع المنفصل حيث لا يسوغ ذلك في الكلام، نحو قوله:
يا ليتني وَهُما نَخْلو بمنزلة ... حتى يرى بعضنا بعضاً ونأتلفُ
كان الوجه أن يقال وإياهما، لولا الضرورة.
ومنه: وضع ضمير الرفع المنفصل بدل ضمير الرافع المتصل، نحو قول المرار ابن منقذ:
لم آت بعدهم حياً فأخبرهمُ ... إلا يزيدُهُم حُبّاً إليّ هُمُ
يريد: إلا يزيدونهم حياً إلى، فوضع الضمير المنفصل، وهو (هم)، موضع الضمير المتصل، وهو الواو، للضرورة، وقول طرفة:
أصَرَمْت حَبْلَ الحي أم صرموا ... يا صاح بل صَرَم الحبالَ هُمُ
стр. 249
يريد: بل صرموا الحبال، فوضع أيضاً الضمير المنفصل موضع الضمير المتصل، لما اضطر إلى ذلك.
ومنه: وضع ضمير النصب المتصل بدل ضمير النصب المنفصل أو بدل النفس. فمن الأول قول أمية:
بالوارثِ الباعثِ الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرضُ في دَهْرِ الدهارير
يريد: قد ضمنتهم. وقول حميد الأرقط:
إليكَ حتى ... بَلغَتْ إياكا
يريد: حتى بلغتك، فوضع إياك موضع الكاف للضرورة. وقول بعض اللصوص:
كأناّ يَوْم قُرّى إن ... ما نقتل إيّانا
قتلنا منهُمُ كُلّ ... فتى أبيضَ حَسّانا
كان الوجه أن يقول: إنما نقتل أنفسنا، كما قال تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا)، فوضع الضمير المنفصل موضعه لما اضطر إلى ذلك.
стр. 250
ومن الثاني قوله، أنشده الفراء:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... أن لا يجاورنا إلاك ديار
يريد: إلا إياك، فوضع الضمير المنفصل، وهو الكاف، موضعه للضرورة وقول الآخر:
قَدْ بِتّ أحرسني وحدي ويَمْنَعُنِي ... صوت السبِاع به يَضْبحن والهام
الوجه أن يقول: أحرس نفسي، كما قال تعالى: (إني ظلمت نفسي) فوضع الضمير المتصل موضعه لما اضطر إلى ذلك.
ومنه: وضع صيغة ضمير النصب المنفصل بدل صيغة ضمير الرفع المنفصل المجعول في موضع خفض بكاف التشبيه، وذلك قوله:
فأحْسنْ وأجمل في أسيرك أنه ... ضَعيفُ ولم يأسرْ كإياك آسرُ
يريد: كأنت آسر. فوضع إياك موضع أنت للضرورة. وإنما قضى على (إياك) بأنها في موضع (أنت) لأن الكاف لا تدخل في سعة الكلام على مضمر إلا أن يكون صيغته صيغة ضمير رفع منفصل، نحو قولهم: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا.
ومنه عند الفارسي: وضع الفعل بدل المصدر من غير أن يكون على تقدير حذف (أن)، نحو قوله أنشده أبو زيد:
стр. 251
ولا يلبث الحر الكريم إذا ارتمت ... به الجَمَزي قد شد حيزومها الضّفْرُ
(سَيكْسِب) مالاً أو يفئ له الغنى ... إذا لم تعجلْه المنيةُ والقَدْرُ
قال: فقوله (سيكسب مالاً) يدل على وقوع الفعل موقع الاسم، لا على تقدير حذف (أن)، لأن ذلك لا يستقيم مع السين، والمخففة من الثقيلة لا نعلمها حذفت، ولا يستقيم تقدير الحال لمكان السين. والمعنى لا يلبث أن يكسب مالاً.
ولا دليل له في ذلك عندي على وضع الفعل موضع الاسم لاحتمال أن يكون معمول (يلبث) محذوفاً والتقدير: ولا يلبث الحر الكريم إذا ارتمت (به) الجمزي قد شد خيزومها الضفر عن إدراك (المنى)، ثم استأنف فقال: سيكسب مالاً أو يفيء له الغنى.
ومنه: وضع الفعل موضع المصدر على تقدير حذف (إن) وإرادة معناها من غير إبقاء عملها، نحو قوله:
وما راعني إلا يَسِيرُ بِشُرْطةٍ ... وعهدي به قيناً يفش بكيرِ
يريد: وما راعني إلا أن يسير بشرطة. فحذف (أن) وأبطل عملها وهو يريد معناها.
стр. 252
والدليل على أن الفعل المضارع يحكم له بحكم ما هو منصوب بـ (أن) وإن كان مرفوعاً قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحْضُرَ الوغى ... وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلدي
في رواية من رفع (أحضر) ألا ترى أنه عطف (أن أشهد على) أحضر، فدل ذلك على أن المراد أن احضر.
ومثله قول أسماء بن خارجة:
أو ليس من عجبِ أسائلكم ... ما خَطْبُ عاذلتي وما (خطبي)
يريد: أن أسائلكم. وقول علي بن الطفيل السعدي:
وأهلكني لكم في كل يومٍ ... تعوجكم عليّ وأستقيمُ
يريد: وأن أستقيم، أي واستقامتي لكم. وقوله:
جَزِعت حِذَارَ البَيْنِ يوم تحمّلوا ... وحَقّ لمثلي يا بُثينَة يَجْزَع
يريد: أن يجزع. وقوله:
стр. 253
نفاك الأغر بن عبد العزيزِ ... وحقك تُنفَي عن المَسْجدِ
يريد: وحقك أن تنفي عن المسجد. وقول الآخر، أنشده يعقوب:
لولا يُرائي الناسَ ... لم يُصَلَّ
يريد: لولا أن يرائي الناس.
وقد يجيء مثل هذا في الكلام، نحو قولهم: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه). إلا أن ذلك يقل في الكلام ويكثر في الشعر، فلذلك أوردناه في جملة ما يختص به الشعر.
ومنه: وضع الاسم موضع الفعل الواقع في موضع خبر (كاد) وموضع (أن) والفعل الواقع في موضع خبر (عسى)، نحو قول تأبط شراً:
فأبت إلى فهمٍ وما كدت آئباً ... وكم مثلها فارقتها وهْي تَصْفِرُ
وقول الآخر:
أكثرتَ في العَذْلِ ... مُلِحّاً دائما
لا تُكْثِرَنْ إني ... عسيت صائما
стр. 254
كان الوجه أن يقال: وما كدت أؤوب، وإني عسيت أن أصوم، إلا أن الضرورة منعت من ذلك.
وقولهم في المثل: (عسى الغوير أبؤسا) شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
وأما إبدال الحكم من الحكم فمنه: قلب الإعراب أو غيره من الأحكام لأن اللفظ إذا قلب حكمه أعطى، بدله، حكم غيره، نحو قول خداش بن زهير:
وتُرْكَبُ خَيْلُ لا هوادَة بيننا ... وتَشْقَى الرماحُ بالضياطرةِ الحُمرِ
يريد: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح، فجعل إعراب (الرماح) للضياطرة وإعراب الضياطرة للرماح، ويروي: وتعصي الرماح بالضياطرة
стр. 255
الحمر. يقال: عصى بالرمح إذا طعن به، و (عصى) بالسيف إذا ضرب به. وقول الراعي:
و (صبحته) كلاب الغوث يؤسدها ... مستوضحون يرون العَيْنَ كالأثر
يريد: يرون الأثر كالعين. والمستوضح الذي ينظر هل يرى شيئاً. وقول النابغة:
وقد خِفْتُ حتى ما تزيد مخافتي ... على وَعِل في ذي المطارة عَاقلِ
يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلى علي مخافتي. وقول ذي الرمة:
وتكسو المجِن الرخو خَصْراً كأنه ... إهانُ ذَوي عن صُفْرَة فَهْو أخْلق
المجن: الوشاح، والرخو: المضطرب لرقة خصرها. يريد: تكسو الخصر مجناً. وقول القطامي:
стр. 256
فلما أن جرى سِمَنُ عَلَيها ... كما بَطَّنْتَ بالفَدَنِ السَّياعا
يريد: كما بطنت الفدن بالسياع. والفدن: القصر. والسياع: الطين فيه التبن.
وقول رؤبة:
ومَهْمَةٍ مُغْبَرةً ... أرجَاؤه
كأنّ لوْنَ ... أرْضِهِ سَماؤه
يريد: كأن سماءه لغبرتها لون أرضه، وقوله:
مثل القنافذ هَدّجُوانَ قَدْ بَلَغتْ ... نَجْرَانَ أو بلغت سوآتِهم هَجَرُ
يريد: أو بلغت سوآنهم هجر، وقول أبي النجم:
قبل دُنُوّ الأفْقِ ... من جَوْزائِهِ
يريد: قبل دنو الجوزاء من الأفق، وقول العباس بن مرداس:
стр. 257
فَدَيْتُ بنَفْسهِ نَفْسي ومالي ... ومَا آلوكَ إلا ما أطيقُ
يريد: فديت نفسه بنفسي ومالي. وقول النمر بن تولب:
فإن المَنِيّةَ مَنْ يَخْشَها ... فسَوْفَ تُصادفُه أينما
فإن أنتَ حاوَلتَ أسبابَها ... فلا تَتَهيّبْكَ أنْ تُقْدما
يريد: فلا تتهيبها، لأن المنية لا تهاب أحداً، وقول ابن مقبل:
ولا تَهيّبَني المَوْمَاةُ أركبُها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسّحرِ
يريد: ولا أتهيب الموماة، وقول الفرزدق:
لا تحسبن دراهماً شَرّفْتها ... تمحو مَخَازيَكَ التي بعُمانِ
يريد: دراهم شرفتك، وقول النابغة الجعدي، أنشده له أبو عبيدة:
стр. 258
كانت فَريضَةُ ما تقول كما ... كان الزّناءُ فريضَةَ الرّجمِ
يريد: كما كان الرجم (فريضة) الزنا، وقول الآخر أنشده أبو عمرو بن العلاء:
وإن بني شَرَاحيلَ بنَ عَمْرو ... تمارَوْا والفُجُور من التماري
يريد: والتماري من الفجور، ونحو قول الفرزدق:
ووفراء لم تُخْرَزْ بِسَيْرِ وكيعةٍ ... غَدَوْتُ بها طياً يدي بِرِشائها
يريد: طيا رشائها بيدي، وقول الآخر أنشده بعض البغداديين:
كما دَحَسْتَ الثّوْبَ ... في الوِعَائَيْن
يريد: الثوبين في الوعاء.
وهذا ليس بقلب إعراب، وإنما قلب حكم الإفراد والتثنية فجعل التثنية التي ينبغي أن تكون للثوب (للوعاء)، وجعل الإفراد الذي ينبغي أن يكون (للوعاء) للثوب. ومثله قول الآخر:
إذا أحسنَ ابن العمّ بعد إساءةٍ ... فلست لشرّيْ فِعْلهِ بِجَهُولِ
стр. 259
يريد: لشر فعليه. وقول الآخر، أنشده بعض البغداديين أيضاً:
لما خشيت ... نَسَبَيْ أضْواها
يريد: أضوا نسيبها. فجمع بين قلب الإعراب وقلب الإضافة.
وأما قول الحطيئة:
فلما خشيت الهول والعَيُر ممسك ... على رَغْمه ما أمْسك الحبلَ حافره
فإن كثيراً من النحويين جعلوه مقلوباً، وزعموا أنه يريد: ما أمسك الحبل حافره، إلا الأصمعي فإنه زعم أنه غير مقلوب وأن الحافر هو الذي يمسك الحبل، إذ لولاه لخرج الحبل من رجله.
والقلب مقيس في الشعر بلا خلاف لكثرة مجيئه فيه. وقد جاء أيضاً في الكلام: حكى أبو زيد: (إذا طلعت الجوزاء انتصب العود في الحرباء. يريد: انتصب الحرباء في العود). وحكى أبو الحسن (عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على الماء)، يراد بذلك، عرضت الماء والحوض عليها. وحكى أيضاً من كلامهم: (أدخلت القلنسوة في رأسي)، يريدون: أدخلت رأسي في القلنسوة. إلا أن ذلك لم يكثر في الكلام كثرته في الشعر، فلم يجز لذلك القياس عليه.
ومنه: أن يكون الاسم مذكراً فيحكم له بحكم المؤنث بدلاً من تذكيره، أو يكون مؤنثاً فيحكم له بحكم المذكر بدلاً من تأنيثه، حملاً على المعنى.
стр. 260
فمن الأول قول رويشد:
يا أيها الرجلُ المزجي مطيته ... سائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصّوْتُ
فأنث الصوت لأنه بمعنى الصرخة والاستغاثة. وقول الآخر:
وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثَانُ والأنِفُ النّصُورُ
فأنث الحدثان لأنه قد يراد به الكثرة، فيكون في معنى الحوادث. وقول الآخر:
أتَهْجُرُ بَيْتاً بِالْحِجَازِ تَلَفّعَتْ ... بَهِ الخَوْفُ والأعْداءُ مِنْ كُلّ جَانِبِ
فأنث الخوف لأنه بمعنى المخافة. وقول الآخر:
تدعى هوازن والقميص مفاضة ... فوق النطاقِ تشد بالأزرار
فأنث القميص لأن مراده به الدرع وهي مؤنثة. وقول عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاثُ شخوصٍ كاعبان ومعصرُ
стр. 261
فأنت الشخص ولذلك أسقط التاء من العدد، لأنه أراد بالشخوص النساء، وقول الآخر:
وإن كلاباً هذه عَشْرُ أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العَشْر
فأنث البطن ولذلك أسقط التاء من عدده، لأنه أراد بالبطون القبائل، بدليل قوله: وأنت بريء من قبائلها العشر.
فأما قوله:
فَعَوّضَني منها غِنَاي ولم تكنْ ... تُساويُ عَنْزي غَيْرَ خَمْسَ دَّرَاهِمِ
فالصحيح في روايته (خمس دراهم)، بفتح السين وتشديد الدال، يريد: خمسة (دراهم)، إلا أنه أدغم ك (عمامة دَاود).
ومن هذا النوع قول لبيد:
فمضى وقدمها، وكانت عادةُ ... منه إذا هي عودت أقدامها
فأنث الأقدام لأنه بمعنى التقدمة. وقول الآخر:
стр. 262
أزيَد بنَ مَصْبوحٍ فلو غيركم صبا ... غَفَرنا وكانت من سجيتنا الغُفُر
فأنث الغفر لأنه بمعنى المغفرة.
وزعم الكوفيون أن اسم (كان) إذا كان مصدراً مذكراً والخبر مؤنثاً مقدماً عليه، جاز في سعة الكلام لتذكير والتأنيث. فأجازوا أن يقال: كان رحمة المطر الذي أصابنا البارحة، وكانت رحمة. قالوا: فمن ذكر فلأن المطر مذكر والنية به التقديم، فكما يقال: كان المطر الذي أصابنا رحمة، فكذلك تفعل إذا قدم الخبر. ومن أنث فلأن الخبر قد ولى (كان) وهو مؤنث، والأخبار سبيلها أن تكون موافقة للأسماء لأنها هي في المعنى، وأيضاً فإن الاسم مصدر وتذكير المصدر وتأنيثه
بمعنى واحد، ولذلك لم يجز التأنيث إذا كان الاسم غير مصدر نحو قولك: (كان شمساً وجهك)، ولا يجيزون أن يقال: (كانت شمساً وجهك). فعلى هذا قول لبيد (وكانت عادة منه إذا هي عردت أقدامها)، هو عندهم من قبيل ما يجوز في الكلام والشعر، وكذلك قول الآخر: وكانت من سجيتنا الغفر، لأنه يريد: سجية من سجايانا الغفر.
والصحيح عندي ما ذهب إليه أهل البصرة، لأنه لا يحفظ في سعة الكلام مثل: كانت رحمة المطر الذي أصابنا. واحتجاجهم على جواز ذلك بقراءة أهل المدينة وعاصم وأبي عمرو: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا) بتأنيث (تكن) لأن (أن) مذكرة وخبر لكن قد تقدم على اسمها وهو مؤنث، لا حجة لهم فيه، لأن (أن) مع صلتها إنما هي على حسب ما هي
стр. 263
بتقديره. فإن قدرت (أن قالوا) بالقول حكم لأن وصلتها بحكم المذكر، وإن قدرته بالمقالة أو بالقولة حكم لها مع صلتها بحكم المؤنث.
فأما قول حاتم:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عَذَرتْني في طِلابِكمُ عُذْر
فينبغي أن لا يحمل على أنه أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة أو العذري، لأن ذلك شيء لم تدع إليه ضرورة، إذ قد يمكن أن يكون جمع العذير، وهو الحال، على عذر، كنذير ونذر، ثم خفف، ويكون المعنى: وقد عذرتني الأحوال التي ترونها مني.
وقد شذ شيء من هذا في الكلام: حكى الأصمعي عن بعضهم: كان ذلك مذ دوخت الإسلام، فأنث الإسلام لأنه بمعنى الملة. وحكي أيضاً عن أبي عمرو أنه سمع رجلاً من أهل اليمن يقول: (فلان لغوب، جاءته كتابي فاحتقرها، فقال له: أتقول جاءته كتابي، فقال: نعم أليس بصحيفة).
ومن الثاني قول عامر بن جؤين:
فلا مُزْنَةُ ودقت وَدْقَها ... ولا أرْضَ أبْقلُ إبْقَالَها
стр. 264
فذكر الأرض لأنها بمعنى المكان، فكأنه قال: ولا مكان أبقل إبقالها. وقوله:
لو كانَ مِدْحَةُ حَيّ مُنْشراً أحداً ... (أحيا) أباكن يا ليلى الأماديح
فذكر المدحة لأنها بمعنى المدح، وقول الآخر:
إن السماحةَ والمروة ضُمَّنا ... قبراً بمرو على الطريقِ الواضحِ
فذكر السماحة لأنها بمعنى السماح، ثم غلب المذكر على المؤنث. وقول الآخر:
هنيئاً لسعدِ ما اقتضى بعد وقعتي ... بناقةِ سَعْدِ والعشية بارد
لأنها في معنى العشي، وقول الآخر أنشده ثعلب:
وقائعُ في مُضَرٍ تسعةُ ... وفي وائلٍ كانت العاشِرة
فذكر الوقائع لأنها بمعنى الأيام، ولذلك أدخل التاء في عددها، وقول الآخر:
стр. 265
فإن تَكْسُني يا ربّ صَلّيْتُ خَمْسَةً ... وإلا تَرَكْتَ الخَمْسَ غَيْرَ ذميم
فذكر الصلاة حملاً على معنى الدعاء، ولذلك ألحق التاء في العدد أولاً. وقول طفيل بن عوف الغنوي:
إذ هي أحوى من الربعي خاذلة ... والعين بالأثمد الحاري مكحول
فذكر العين لأنها بمعنى الطرف، وقول الآخر أنشده، هشام بن معاوية:
يمت بقربي الزينبين كليهما ... إليك وقربى خالد وحبيب
فذكر الزينبين حملاً على معنى الشخصين، وقول الآخر، أنشده الفراء:
وكلتاهما قد خُطّ في صحيفتي ... فلا العَيْشُ أهوَاهُ ولا الموتُ أرْوَحُ
فذكر كلتا حملاً على المعنى لأن معنى كلتاهما قد خط لي، وكلا الأمرين قد خط لي، واحد.
ومن هذا النوع أيضاً عند المبرد ومن أخذ بمذهبه، حذف علامة التأنيث من الفعل
المسند إلى المفرد من ظاهر المؤنث الحقيقي، نحو قول جرير:
стр. 266
لقد ولد الأخَيطِلَ أمُّ سوءِِ ... على بابِ أستها صُلُبُ وشَام
وقول الآخر:
إن امرءاً غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
ألا ترى أن التاء قد حذفت من الفعل المسند إلى (أم) في البيت الأول، وإلى (واحدة) في البيت الثاني.
وإن جاء شيء من ذلك في سعة الكلام، كان شاذاً عنده يحفظ ولا يقاس عليه. وسواء في ذلك أن يفصل بين الاسم والفعل أو لا يفصل. نحو ما حكي من قولهم: قال فلانة، وحضر القاضي اليوم امرأة.
وذهب أبو موسى الجزولي إلى إجازة حذف علامة التأنيث. إلا أن حذفها عنده من غير فصل ليس بكثير.
وذهب الزمخشري إلى منع حذفها في الكلام إذا عدم الفصل وأجاز الحذف مع الفصل إلا أن جوازه ليس بالواسع عنده.
стр. 267
وذهب النحاس إلى أن ذلك لا يجوز في نحو قولك: قامت هند، لئلا يلتبس المذكر بالمؤنث إذ قد يسمى المذكر باسم المؤنث، وأجازه في قولك: جاءتني امرأة وأمثاله لأنه قد عرف المعنى. ففرق بين العلم وغيره.
والصحيح عندي ما ذهب إليه المبرد، لأن سيبويه ذكر أن ذلك (في الواحد من الحيوان قليل) ثم قال: وهو في الآدميين أقل ف (حضر القاضي امرأة) وأمثاله على هذا أقل قليل. وما كان على هذه الصفة لا يجوز القياس عليه.
وأما قوله:
بعيد الغزاة فما أن يزا ... ل مضطمراً طرتاه طليحا
فإن إسقاط علامة التأنيث من مضطمر ليس بضرورة، لأن الصفة إذا أسندت إلى
ظاهر المفرد المؤنث غير الحقيقي، حذف منها علامة التأنيث في سعة الكلام، كما يحذف من الفعل المسند إليه فيقال: طلع الشمس وطلعت الشمس.
وتذكير المؤنث أحسن من تأنيث المذكر، لأن التذكير أصل التأنيث، فإذا ذكرت المؤنث ألحقته بأصله وإذا أنثت المذكر أخرجته عن أصله.
ومنه: العطف على التوهم، نحو قوله:
стр. 268
أجدك لست الدّهْرَ رائيَ رامةٍ ... (ولا عاقلٍ) إلا وأنت حبيبُ
ولا مصعد في المصعدين لمنعج ... ولا هابطٍ ما عشت هَضْبَ شَطيبِ
ألا ترى أن (مصعداً) و (هابطاً) كانا حكمهما أن ينصبا لعطفهما على (رائي رامة) وهو منصوب لأنه خبر (ليس). لكن الكسائي رواهما بالخفض بدل النصب، على توهم ما من عادته أن يزاد في خبر ليس، وهو الباء. ألا ترى أنه يجوز لك أن تقول في الكلام: لست الدهر برائي رامة. ومثله قول زهير:
بدا لِيَ أني لَسْتُ مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائياً
وقول الآخر:
مشائيمُ ليسوا مصلحينَ عَشيرةُ ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غُرَابُها
فـ (سابق) في البيت (الأول) خفض على توهم الباء في مدرك،
стр. 269
و (ناعب) في البيت الثاني خفض على توهم الباء في مصلحين.
ومثل ذلك، في مذهب من يعتقد أن الخافض إذا حذف مع (إن) و (أن) كانا مع صلتيهما بتقدير اسم منصوب، قول الآخر:
وما زرتُ سلمى أن تكون حبيبةً ... إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبه
ألا ترى أنه خفض (دين) لما كان من عادته أن يقول: وما زرت سلمى لأن تكون حبيبة. ونحو من ذلك قول مسور بن زياد الحارثي:
يقول رجالُ ما أصيب لهم أب ... ولا من أخٍ، أقبلْ على المال تعقل
ألا ترى أنه قال: ولا من أخ لما كان له أن يقول: ما أصيب لهم من أب فيزيد (من) في المعطوف عليه.
وأقبح من جميع ما تقدم من هذا النوع قول الآخر:
أجدك لن ترى بِثُعَيْلبَاتٍ ... ولا بيدان ناجيةً ذَمُولا
ولا متداركٍ والشّمْسُ طِفْلُ ... ببعض نواشغ الوادي حمولا
ألا ترى أنه كان ينبغي له أن يرفع (متدارك) على أن يكون خبر المبتدأ مضمر فيكون التقدير إذ ذاك: ولا أنت متدارك، إلا أنه استعمل بدل الرفع الخفض لما كان معنى لن ترى بثعيلبات واحداً، فعامله لذلك معاملته.
стр. 270
وإنما كان هذا أقبح من جميع ما تقدم لأن المعنى الذي حمل عليه في الأبيات المتقدمة قد يخرج إلى اللفظ، والمعنى الذي حمل عليه في هذا البيت لا يخرج إلى اللفظ.
وقول الآخر:
إن تركبوا فركوبُ الخيل عادَتُنا ... أو تنزلونَ فإنا مَعْشرُ نُزُل
ألا ترى أن (تنزلون) حكمه أن يحذف منه النون للجزم لأنه معطوف على الفعل المجزوم بأداة الشرط، وهو (تركبوا)، لكنه اضطر إلى رفعه بالنون فأستعمل الرفع بدل الجزم حملاً على (أتركبون) المضمن معنى (أن تركبوا)، لأن الفعل المستقيم عنه جائز فيه أن يضمن معنى الشرط. إلا أن ما حمل عليه رفع (تنزلون) لا (يخرج) إلى اللفظ.
ومنه: أن يعامل الاسم الذي ليس بمبتدأ، لا في اللفظ ولا في التقدير، معاملة المبتدأ أو الاسم الذي هو معمول الناسخ من نواسخ الابتداء فيخبر عنه كما يخبر عنهما. فالأول نحو قوله:
أقول له كالنُّصْحِ بيني وبينه ... هَل أنت بنا في الحَجّ مرتجلان
فمرتجلان مرفوع على أنه خبر عن المبتدأ الذي هو ضمير المخاطب وعن ضمير المتكلم المجرور بالباء، مع أن الضمير المجرور بالباء ليس مبتدأ في اللفظ ولا في التقدير، فكان حكمه أن لا يخبر عنه لكنه حكم له، بدلاً من حكمه، بحكم المبتدأ فأخبر عنه.
стр. 271
والذي سوغ له ذلك الحمل على المعنى. ألا ترى أنه لا فرق في المعنى بين قوله: هل أنت بنا في الحج مرتجلان، وبين أن يقول: هل أنت وأنا في الحج مرتجلان.
والثاني نحو قوله:
لعلّي إن مالت بي الريح ميلةً ... على ابن أبي الذبانِ أن يتندّما
فأخبر بقوله: أن يتندما عن الضمير المجرور بالباء، مع أنه ليس بمبتدأ في اللفظ ولا في التقدير ولا معمولاً لناسخ من نواسخ الابتداء، فكان حكمه أن لا يخبر عنه، لكنه حكم له، بدلاً من حكمه، بحكم المبتدأ فأخبر عنه واستغنى بالأخبار عنه عن الإخبار عن اسم (لعل).
والذي سوغ له ذلك أيضاً الحمل على المعنى. ألا ترى أنه لا فرق في المعنى بين ما قاله وبين أن يقول: لعل ابن أبي الذبان إن مالت بي الريح ميلة عليه أن يتندم، خبراً عن اسم (لعل)، ويكون الرابط له به محذوفاً. والتقدير: لعلي إن مالت بي الريح ميلة علي ابن أبي الذبان أن يتندم بميلي عليه، فيكون الرابط باسم لعل المضمر المضاف إليه ميل المحذوف.
ومنه: تأكيد الاسم المخفوض بالإضافة باسم مخفوض (بمن)، حملاً على المعنى، نحو قول قيس بن الخطيم:
نحن بغرسِ الوديَّ أعلمناُ ... منا بركضِ الجيادِ في السُّدَفِ
стр. 272
فوكد ضمير المتكلم المخفوض بإضافة (أعلم) إليه بالمجرور بـ (من) حملاً على المعنى. ألا ترى أن قوله:
نحن بغرس الوديَّ أعلمنا ... منا بركض الجياد في السدف
معناه أعلم منا بركض الجياد، فلذلك حكم له، بدلاً من حكمه، بحكم الضمير المجرور بـ (من).
ومنه: انتصاب الفعل المضارع بعد الفاء في غير الأجوبة الثمانية، وهي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والدعاء. ونحو ذلك قوله:
سأتركُ منزلي لبني تميمٍ ... وألحقُ بالحجازِ فأستريحا
وقول الآخر:
هنالك لا تجزونني عند ذلكم ... ولكن سيجزيني الإله فيُعْقِبا
وقول الآخر:
قوارصُ تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القَطْرُ الإناَء فيُفْعَما
стр. 273
وقول طرفة:
لنا هضبة لا ينزلُ الذّلَ وَسْطَها ... ويأوي إليها المستجير فَيُعْصَما
ألا ترى أن الأفعال الواقعة بعد الفاء في جميع ذلك منصوبة من غير أن يتقدم الفاء شيء من الأجوبة الثمانية، وكان حكمها أن تكون مرفوعة لأن الأفعال التي قبلها مرفوعة وهي معطوفة عليها وداخلة في معناها. إلا أنه لما أضطر إلى استعمال النصب بدل الرفع، حكم لها بحكم الأفعال الواقعة بعد الفاء في الأجوبة الثمانية، فنصب بإضمار (أن)، وتؤولت الأفعال التي قبلها تأويلاً يوجب النصب فحكم لقوله: (وألحق بالحجاز) بحكم ويكون مني لحاق بالحجتز، ولقوله: (سيجزيني الإله) بحكم (يكون من الإله جزاء لي)، ولقوله، (وقد يملأ القطر الإناء) بحكم (قد يكون من القطر ملء الإناء)، ولقوله: (يأوي إليها المستجير) بحكم (يكون من المستجير آوي إليها)، لأن المعنى في جميع ذلك واحد، وجعلت
مع الفعل معطوفة بالفاء على ذلك المصدر المتوهم.
ومنه: انتصاب الفعل بإضمار (أن) بعد (أو) العاطفة إجراء لها في ذلك مجرى (أو) التي بمعنى (إلا أن)، نحو قوله:
فَسِرْ في بِلادِ الله والتمس الغنى ... تَعِشْ ذا يسارٍ أو تموت فتُعْذَرا
ألا ترى أنه نصب الفعل الواقع بعد (أو)، بإضمار (أن)، وليست بمعنى (إلا أن) لأن المعنى لا يساعد على ذلك، إذ لا يلزم من سيره في بلاد
стр. 274
الله والتماسه الغنى أن يعيش ذا يسار (إلا) أن يموت، وإنما هي لأحد الشيئين. ألا ترى أن المعنى: سر في بلاد الله والتمس الغنى يكن أحد الشيئين: عيش ذو يسار أو موت فتعذر، فكان ينبغي أن يكون الفعل الذي بعدها مجزوماً لأنه معطوف على (تعش) وهو مجزوم. إلا أنه لما اضطر إلى استعمال النصب بدل الجزم حكم لها بحكم الفعل الواقع بعد (أو) التي بمعنى (إلا أن)، وتأول الفعل الذي قبلها تأويلاً يوجب النصب، فحكم لقوله: (تعش ذا يسار) بحكم (يكن لك عيش ذو يسار) لأن المعنى فيهما واحد، ونصب الفعل الذي بعدها بإضمار (أن) وعطف (أن) والفعل المنصوب بها على ذلك المصدر المتوهم.
ومنه: نصب معمول الصفة المشبهة باسم الفاعل في حال إضافته إلى ضمير موصوفها، نحو قولك: مررت برجل حسن وجهه، بنصب وجه. ولا يجوز ذلك إلا في ضرورة، نحو قوله:
أنعَتُها إني ... من نعاتها
كوم الذرى ... وادقَةُ سرّاتِها
ألا ترى أنه قد نون (وادقة) ونصب معمولها، وهي مضافة إلى ضمير موصوفها، وكان الوجه أن يرفع السرات. إلا أنه أضطر إلى أستعمال النصب بدل الرفع فحمل الصفة ضميراً مرفوعاً عائداً على صاحب الصفة ونصب معمول الصفة
إجراء له، في حال إضافته إلى ضمير الموصوف مجراه إذا لم يكن مضافاً إليه.
стр. 275
وكذلك أيضاً لا يجوز خفض معمولها في حال إضافته إلى ضمير الموصوف إلا عند الاضطرار لأن الخفض لا يكون إلا من نصب. ومن ذلك قول الأعشى:
فقلت له هذه هاتها ... إلينا بأدماَء مُقُتادِها
ألا ترى أنه أضاف الصفة، وهي (أدماء)، إلى معمولها، وهي (مقتاد)، في حال إضافته إلى ضمير موصوفة. وقول الآخر في الصحيح من القولين:
أقَامَتْ على رَبْعَيْهما جارتا صَفَا ... كُمَيْتَا الأعالي جَوْنَتا مُصْطَلاهُما
ألا ترى أنه أضاف الصفة، وهي (جونتا)، إلى معمولها، وهي (مصطلى)، في حال إضافته إلى ضمير موصوفة.
ومنه: أن يستعمل الاسم للضرورة استعمالاً لا يجوز فيه في سعة الكلام. فمن ذلك قوله:
مَهْمَا لِيَ الليْلةَ مهما ليه ... أودى بِنَعْلي وسِرْ باليهْ
ألا ترى أن (مهما) لا يستعمل في سعة الكلام إلا اسم شرط. إلا أنه لما اضطر استعملها اسم استفهام بدل ذلك الاستعمال الجائز فيها في حال السعة.
стр. 276
ومنه قوله:
ما أنت بالحَكَم التُرضي حُكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
ألا ترى أن الألف واللام، الداخلة على (ترضى)، من الأسماء الموصولة، لأنها بمعنى الذي، يريد: الذي ترضى، وحكمها في الكلام أن لا تدخل إلا على اسم الفاعل أو اسم المفعول، نحو: الضارب، والمضروب، تريد الذي ضَرب، والذي ضُرب. إلا أنه لما اضطر جعل وصلها بالفعل بدلاً من وصلها باسم الفاعل، إجراء لها في ذلك مجرى ما هي في معناه، وهو (الذي). ومثل ذلك قوله:
فذو المال يُعْطَى مَالَه دون عرْضِه ... لما نابه والطارق اليتعهد
يريد: الذي يتعهد. وقوله:
أحين اصطفاني أن سكتَّ وإنني ... لفي شُغُلِ عن رَحْلي اليَتَتَبّعُ
يريد: الذي يتتبع. وقوله:
لا تبعثَنّ الحَرْبَ إني لك ال ... يُنْذِرُ من نيرانها فاصْطَلِ
يريد: الذي ينذر، وقول ذي الخرق الطهوي:
стр. 277
يقول الخنى وأبْعضُ العًجْم ناطقاً ... إلى رَبّنا صَوْتُ الحِمارِ اليُجَدّعُ
وقوله أيضاً:
ويَستَخرج اليَرْبُوع من نافقائه ... ومن حجره يالشيحةِ اليَتَقَصَّعُ
يريد: الذي يجدع، والذي يتقصع.
ومن النحويين من ذهب إلى أن هذه الألف واللام الداخلة على الفعل ليست الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول، بل هي مبقاه من الذي وذلك باطل بدليل أنها لو كانت مبقاة منه لجاز أن يقع في صلتها الفعل الماضي كما يقع في صلة الذي، فلنا لم تدخل من الأفعال إلا على الفعل المشبه لاسم الفاعل، وهو المضارع، دل ذلك على أنها الداخلة على اسم الفاعل في الكلام.
فأما الألف واللام في قول الآخر:
من القوم الرّسُول الله منهم ... لَهُمْ دانت رِقابُ بني مَعدَّ
يريد: الذي رسول الله منهم، فالأظهر أن تكون مبقاة من الذين، لأنه وصلها بالجملة الاسمية ولم يدخلها على اسم الفاعل ولا على ما أشبهه.
стр. 278
ومنه قول الفرزدق:
أتته بمجلومٍ كأن جبينه ... صلاءة ورس وَسْطها قد تفَلّقا
فاستعمل (وسط) في حال إخراجها عن الظرفية، وجعلها مرفوعة بالابتداء ساكنة السين، وذلك غير جائز في سعة الكلام، بل حكمها إذا أخرجت عن الظرفية أن
تستعمل مفتوحة السين، فيقال: وسط الدار أحر. وإنما تسكن تشبيهاً إذا استعملت ظرفاً، نحو قوله أنشده هشام:
إن الدلال وحسن العفا ... ف وسط بيوت بني الخزرج
وقول الآخر أنشده أحمد بن يحيى:
الشعراء ... فأعلمَنُ أرْبَعَةْ
فشاعر ينشد ... وسط المجمعة
وشاعر لا يرتجى ... لمنفعة
وشاعر يقال ... خمر في دعه
وشاعر آخر ... لا يُجْرَى معه
إلا أن الفرزدق لما أضطر، في حال استعمالها اسماً، إلى التسكين سكن سينها بدلاً من التحريك الذي هو حكمها في سعة الكلام، إجراء لها مجراها إذا استعملت ظرفاً.
ومثل ذلك قول عدي بن زيد:
وَسَطُ كاليراعِ أو سُرُج المج ... دل يخبو حيناً وحيناً ينير
стр. 279
وقول القتال الكلابي:
مِنْ وَسْطِ جَمْعِ بني فريصةَ بعدما ... هَتَفتْ رَبيعةُ يا بني جَوَّابِ
فسكن سين (وسط)، وهي مجرورة بـ (من). وحرف الجر إذا دخل على الظرف خرج عن حكم الظرفية، وحكم لها بحكم الأسماء.
وهذا الذي ذكرته هو مذهب البصريين وبعض الكوفيين.
وأما الفراء ومن أخذ بمذهبه من الكوفيين فيزعمون أنها إذا كانت ظرفاً، وكانت بمعنى (بين)، كانت ساكنة السين. وإذا كانت بخلاف ذلك كانت مفتوحة السين. فأجازوا أن يقال: احتجم زيد وسط رأسه والبصريون لا يجيزون في قوله:
(احتجم زيد وسط رأسه) وأمثاله إلا بتسكين السين، لأنها ظرف. ولا يفرقون بين ما يتقدر فيه بـ (بين) وما ليس كذلك.
فعلى هذا قوله أنشده الفراء:
. . . . . . . . . ... فَوَسْط الدار ضَرْباً واحتماما
غير ضرورة عندنا، لأن وسط الدار ظرف. وينبغي أن يكون عند الفراء ومن أخذ بمذهبه ضرورة، لأن (وسط) فيه ليست بمعنى (بين).
ومنه قول المرار بن سلامة العجلي:
стр. 280
ولا يَنْطقُ الفَحْشاء من كان منْهمُ ... إذا جَلَسوا منّا ولا من سوائنا
فأستعمل (سواء) اسماً بدليل إدخال حرف الجر عليها، وحكمها في سعة الكلام أن لا تستعمل إلا ظرفاً، وكذلك (سوى) لا يخرج عن الظرفية إلا في الضرورة، نحو قوله:
فلم يبق منها سوى هامدٍ ... وسُفْع الخدودِ وغًيْر النُؤيّ
لأنه لما اضطر إلى إخراجهما عن الظرفية جعلا بمنزلة (غير) وحكم لهما بحكم الأسماء بدلاً من ذلك الحكم الذي كان في حال السعة. ومن ذلك قول الأعشى:
تجانَفُ عن جو اليمامةِ ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا
وسواء وسوى معناهما واحد، إلا أنك إذا فتحت السين مددت، وإذا كسرتها قصرت.
وحكى الكوفيون أن أبا ثروان قال: (أتاني سواك)، فأستعمل
стр. 281
(سوى) اسماً في سعة الكلام. وذلك شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنه قوله:
صبحنا الخزرجيةَ مرهفات ... أبان ذوي أرومتِها ذووها
فذوو جمع (ذو) بمعنى صاحب، وحكمها في الكلام أن تضاف إلى الظاهر،
فأضافها لما اضطر إلى الضمير بدلاً لها من الظاهر، إجراء لها في ذلك مجرى ما هي في معناه، وهو (صاحب). قول الآخر أنشده الكوفيون:
وإنا لنرجو (علاجاً) فيك مثلما ... رَجَوناه قِدْماً في ذويك الأوائل
وقول الآخر أنشده الفارسي:
إنما يَعْرفُ ذا الفَضْ ... لِ من الناس ذووه
ومنه قوله:
زحرت به ليلةً كلها ... فجئت به مؤيداً خنفقيقا
стр. 282
فوكد (ليلة)، وهي نكرة، بـ (كل)، وحكمها في الكلام أن لا يجوز تأكيدها بـ (كل) ولا بما في معناها، لكنه لما اضطر حكم لها بحكم المعرفة بدلاً من حكمها. ومثل ذلك قول الآخر:
قد صَرّتِ البَكرة ... يوماً أجْمَعَا
فوكد (يوماً)، وهي نكرة، بـ (أجمع). وقول الآخر:
يا ليتني كنت صبياً مُرْضعا
تَحْمِلُني الذّلْفَاءُ ... يوماً أكتعا
فجميع بين استعمل ضرورتين: إحداهما تأكيد النكرة بـ (أكتع)، والأخرى استعماله دون (أجمع)، ومما استعمل فيه (أكتع) غير تابع لـ (أجمع) قول أعشى ربيعة.
نزلنا بالدوائر واتقونا ... بنعمان بن زرعة أكتعينا
وما ذكرته من أن النكرة لا تؤكد بـ (كل) أو ما هو في معناها إلا في ضرورة، هو مذهب البصريين. وأما الكوفيون فيزعمون أن النكرة
стр. 283
لا تخلو من أن تكون مؤقتة أو غير مؤقتة. فإن كانت مؤقتة، كما هي في الأبيات المتقدمة الذكر، جاز تأكيدها في سعة الكلام. وإن كانت غير مؤقتة وأعني بذلك أن تكون غير معلومة
القدر، لم يجز تأكيدها في الكلام ولا في الشعر، لأنه لا فائدة في ذلك، وذلك نحو رجال ودراهم: لا يجوز أن تقول: جاءني رجال كلهم، ولا قبضت دراهم كلها.
والصحيح عندي ما ذهب إليه أهل البصرة من أن النكرة لا تؤكد في الكلام أصلاً مؤقتة أو غير مؤقتة، لأن تأكيد غير (المعرفة) لا فائدة. فأما قوله:
عداني أن أزورك أن بهمي ... عجايا كلها إلا قليلا
فـ (كلها) تأكيد للضمير المرفوع المستتر في (عجايا) العائد على (البهم)، لا لـ (عجايا) لأنها نكرة غير مؤقتة، كما وكد الضمير المستتر في الصفة في قول الآخر:
نلبث حولاً كاملاً كلّه ... لا نلتقي إلا على مَنْهجِ
فـ (كله) تأكيد للضمير المرفوع المستتر في (كامل) العائد على (حول).
ومنه: الإخبار بالمعرفة عن النكرة. ولا يجوز في الكلام إلا عكسه، لكن الشاعر لما اضطر حكم للنكرة بدلاً من حكمها بحكم المعرفة فأخبر عنها بالمعرفة، نحو قول حسان:
стр. 284
كأن سبيئةً من بَيْتِ راس ... يكون مزاجها عَسلُ وماءُ
فأخبر بـ (مزاجها)، وهو معرفة، عن (عسل)، وهو نكرة. وقوله:
قفي قبل التفرق يا ضُباعا ... ولا يك موقفُ منك الوداعا
فأخبر بـ (الوداع)، وهو معرفة، عن (موقف)، وهو نكرة. وقول مرداس بن حصين:
كأن دارسة لما التقينا ... لِنَصْل السّيْفِ مجتمع الصداع
فأخبر بـ (مجتمع الصداع)، وهو معرفة، عن (دراطة)، وهو نكرة. وقوله:
وجارك لا يَذْمُمْكَ إن مسبةً ... على المرء في الادْنَيْن ذَمَ المُجاورِ
فأخبر بـ (ذم المجاور)، وهو معرفة، عن (مسبة)، وهو نكرة. وقوله:
وإن عناء تفهَّم جاهلاً ... فيحسب جهلاً أنه منك أعلم
فأخبر بـ (أن) وصلتها، وهي تجري مجرى المعرفة، عن (عناء)، وهو نكرة.
وقوله:
стр. 285
بمكة حِنْطَةُ بُلّت بماء ... يكون إدامَها لبنُ حليبُ
فأخبر بـ (إدامها)، وهو معرفة، عن (لبن)، وهو نكرة. وقوله:
. . . . . . . . . ... ما كان والدَها جنَّ ولا بَشَرُ
فأخبر ب (والدها)، وهو معرفة، عن (جن وبشر)، وهما نكرتان.
ومن هذا النوع مجيء الاسم الذي هو صفة عن الأصالة حالا من النكرة مؤخراً عنها. وحكمه أن يكون تابعاً لها لكنهم حكموا له في الشعر بحكم المعرفة بدلاً من حكمه، فأتوا بالحال مؤخرة عنه كما يأتون بها مؤخرة عن المعرفة، وذلك نحو قوله:
وما حل سَعْديُّ غريباً ببلدة ... فَيُنْسَبُ إلا الزبرقان له أبُ
فجعل (غريباً) حالاً من (سعدي) مؤخرة عنه، وهو نكرة. وقول الآخر أنشده الفارسي:
حَبَونْا بها فيما اعتسرنا علالةً ... علالة حبٍ مستسراً وظاهراً
فجعل (مستسراً) و (ظاهراً) حالين من (حب) وهو نكرة.
ومنه: الجزم بـ (إذا). وحكمها في الكلام أن لا تجزم، إلا أنها شبهت للاضطرار بـ (متى) من حيث كانت مثلها، ألا ترى أنهما ظرفا زمان وفي كل واحد منهما معنى الشرط، فحكم لها من أجل ذلك بحكم (متى)،
следующие страницы →