Полный текст (299 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
قال الشيخ الإمام الأستاذ العالم العلامة، فريد دهره، ووحيد عصره، أبو الحسن علي بن مؤمن بن عصفور الحضرمي الإشبيلي، ﵀:
الحمد لله ملء القلوب والضمائر، وفوق وسع الحامد والشاكر. أحمده سبحانه كما يجب لجلاله، وأصلي على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله.
أما بعد، فإن أئمة النحويين كانوا يستدلون على ما يجوز في الكلام، بما يوجد في النظام. والاستدلال بذلك لا يصح إلا بعد معرفة الأحكام التي يختص بها الشعر، وتمييزها عن الأحكام التي يشركها فيها النثر.
أشار من الإصابة تقدم لفظته، والمهابة تخدم لحظته، معلى منار العلوم، ورافع أربابها من التخوم إلى النجوم. سيدنا ومولانا الخليفة الإمام المستنصر بالله المنصور بفضل الله أمير المؤمنين، أبو عبد الله ابن الراشدين الهادين المهتدين. إلى وضع تأليف مشتمل على أصناف الضرائر، محتو على ما يحسن للناظم دون الناثر. فوضع العبد في ذلك كتاباً صغير الحجم، حاصراً لضروب الأحكام المختصة بالنظم، وحين أحزر غاية تمامه، وأبرز ثمره من كمامه. أناله من بركتهم، ما يرفعه إلى حضرتهم. أبقاها الله كعبة للقاضي والداني، وغاية الآمال والأماني، وجعل تراب أرضها رثماً في الشفاه، غرراً في الجباه. بمنه وكرمه.
стр. 2
ذكر ما يحتمله الشعر
أعلم أن الشعر لما كان كلاماً موزوناً يخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن، ويحيله عن طريق الشعر، أجازت العرب (فيه) ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع ألفت فيه الضرائر.
دليل ذلك قوله:
كم بجود مقرف نال العُلي ... وكريمٍ بخُله قد وضَعه
في رواية من خفض (مقرفا). ألا ترى أنه فصل بين (كم) وما أضيفت إليه بالمجرور، والفصل بينهما من قبيل ما يختص بجوازه الشعر، مع أنه لم يضطر إلى ذلك، إذ يزول عن الفصل بينهما برفع مقرف أو نصبه.
وألحقوا الكلام المسجوع في ذلك بالشعر، لما كانت ضرورة في النثر أيضاً هي ضرورة النظم. دليل ذلك قولهم: (شهر ثري، وشهر ترى، وشهر
стр. 3
مرعى)، فحذفوا التنوين من (ثرى) ومن (مرعى) اتباعاً لقولهم ترى، لأنه فعل فلم ينون لذلك.
وكذلك قالوا: الضيح والريح، فأبدلوا الحاء ياء اتباعاً للريح، والأصل الضح. حكى ذلك الخليل وأبو حنيفة الدينوري.
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ارجعن مأزورات غير مأجورات). والأصل موزورات، لأنه من الوزر، فأبدلوا الواو ألفاً اتباعاً لمأجورات.
وقد جاء مثل ذلك أيضاً في فواصل القرآن لتتفق. قال الله تعالى: (فأضلونا السبيلا)، وقال سبحانه: (وتظنون بالله الظنونا). فزيادة الألف في (الظنونا) والسبيلا) بمنزلة الألف في الشعر على جهة الإطلاق.
стр. 4
ولكن السجع يجري مجرى الشعر ساغ لأبي محمد الحريري أن يقول: (فألفيت فيها أبا زيد السروجي يتقلب في قوالب الانتساب، ويخبط في أساليب الاكتساب).
فأشبع الكسرة في قواليب اتباعاً لأساليب.
стр. 5
ذكر أنواع الضرائر
اعلم أنها منحصرة في: الزيادة، والنقص، والتأخير، والبدل.
فصل الزيادة
وهي منحصرة في: زيادة حركة، وزيادة حرف، وزيادة كلمة، وزيادة جملة. فأما زيادة الحركة فنحو قول رؤبة:
وقاتمِ الأعماقِ ... خاوي المخترق
مشتبه الأعلامِ ... لماع الخَفَق
стр. 6
يريد: الخفق، فحرك الفاء لما اضطر إلى حركتها بالفتح، اتباعاً لحركة الخاء. ومثل ذلك قوله:
صوادق العقبِ ... مهاذيب الوَلَق
يريد: الولق، وقول زهير:
ثم استمروا وقالوا إن منزلكم ... ماء بشرقي سلمى فيد أوركك
وإنما اسم الماء رك، وقوله أيضاً في هذه القصيدة:
كما استغاث بسيئ فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
يريد: الحشك، وهو امتلاء الضرع: حشك يحشك حشكا، وقول الهذلي:
стр. 7
إذا تجرد نوح قامتا معه ... ضرياً أليماً بسبت يلعج الجلدا
وقول طرفة:
أيها الفتيان في مجلسنا ... جردوا منها وراداً وشُقُر
يريد: شقرا، فحرك القاف بحركة الشين ووقف على المنصوب بحذف التنوين، وقول الآخر:
قضين حجا وحاجات على عجلِ ... ثم استدرن إلينا ليلة النّفرِ
يريد: النفر.
فأما قول الآخر:
تقول عِرسي إذ ... رأتني كالنَّسِرْ
أسود كالقفة محروم الصَّدر
وقول الآخر:
أنا ابن ماوية ... إذ جد النَّقُر
стр. 8
فليس من هذا النوع، إنما هو من باب إلقاء حركة الحرف الآخر على الساكن الذي قبله في الوقف. وهو جيد في الكلام والشعر.
ومن زيادة الحركة أيضاً قول قعنب ابن أم صاحب
مهلاً أعاذلَ قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
يريد: ضنوا، وقول الآخر:
وإن رأيت ... الحِججَ الرواددا
قواصرا بالعمر ... أو مواددا
يريد: الرواد، والمواد.
فأما قول العجاج:
يشكو الوجا ... من أظللِ وأظْلَلِ
стр. 9
وقوله:
(تعبداً لذي) ... الجلال الأجْللِ
يريد: من أظلّ، والأجلّ، و (قول) الآخر:
قد علمت ذاك ... بمنات ألْببِه
يريد: ألبه، وقول الآخر:
حتى إذا الليل ... عليه ادلهمما
وقول الآخر:
إن بني ... للئام زَهَده
ما لي من ... صدورهم من مَوْدده
يريد: مودة، فليس في شيء من ذلك زيادة حركة، بل (ردت) فيه الحركة التي كانت قبل الحرف المضعف إلى الأول من المثلين، رجوعاً إلى الأصل عند الاضطرار إلى ذلك.
стр. 10
وربما حرك الساكن بحركة غير مجانسة لحركة الحرف الذي قبله. إلا أن ذلك من الندور بحيث لا يجوز القياس عليه. أنشد أبو زيد:
علام قتل ... مسلم تعبدا
مذ سنة ... وخَمسون عددا
يريد: وخمسون.
وأما زيادة الحرف فمنها: الحاقك التنوين فيما لا ينصرف، رداً إلى أصله من الصرف، وذلك نحو قول النابغة:
فلتأتينك قصائدُ ولتدفعن ... جيشاً إليك قوادم الأكوار
وقوله:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائبِ
стр. 11
فصرف قصائد، وعصائب التي في آخر البيت. ونحو قول أبي كبير الهذلي
ممن حملن به وهنَّ عواقد ... حبك النطاقِ فعاش غير مُهبَّل
فصرف عواقد، ونحو قول أمية بن أبي الصلت:
فأتاها أُحَيمرُ كأخي السه ... م بِعضْبِ فقال كوني عقيرا
فصرف أحيمر، وقول امرئ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مُرجلي
وقوله:
رب رام من بني ثُعَل ... مثلجُ كفيه في قتره
стр. 12
فصرف عنيزة، وثعل، وحكمه أن لا ينصرف، للعدل والتعريف، بدليل قول حاتم:
فليت شعري وليتُ غير مدركة ... بأي حال ترى أضحى بنو ثُعَلا
والبيت من قصيدته التي أولها:
مهلا نَوادر أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فُعلا
وصرف ما لا ينصرف في الشعر أكثر من أن يحصى. وزعم الكسائي والفراء أنه جائز في كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك، نحو أفضل من زيد. وزعما أن (من) هي التي منعته الصرف. وذلك باطل، بدليل أنهم صرفوا: خيراً من عمرو، وشرا من بكر، مع وجود (من) فيهما. فثبت بذلك أن المانع لصرفه كونه صفة على وزن (أفعل) بمنزلة (أحمر). فكما أن (أحمر) يجوز صرفه في الضرورة، فكذلك (أفعل من).
وذهب بعض البصريين إلى أن كل ما لا ينصرف يجوز صرفه، إلا أن يكون آخره ألفاً، فإن ذلك لا يجوز فيه، لأن صرفه لا يقام به قافية ولا يصحح به وزن.
والصحيح أن صرفه جائز لما بيناه، قبل، من أن الشعر قد يسوغ فيه
стр. 13
ما لا يسوغ في الكلام، وإن لم يضطر إلى ذلك الشاعر. وأيضاً فإن السماع قد ورد بصرف ما في آخره ألف: قال المثلم بن رياح المري:
إني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجراً لآخرة ودنيا تنفع
رواه ابن الأعرابي بصرف دميا.
فإن قلت كيف جعلت صرف ما لا ينصرف من قبيل الضرائر، وقد زعم أبو الحسن الأخفش في الكبير له أنه سمع من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف؟ وحكى الزجاجي أيضاً في نوادره مثل ذلك. فالجواب أن صرف ما
لا ينصرف في الكلام إنما هو لغة لبعض العرب. قال أبو الحسن: فكان ذلك لغة الشعراء، لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.
وأما سائر العرب فلا يجبرون صرف شيء منه في الكلام، فلذلك جعل من قبيل ما يختص به الشعر.
ومنها: تنوين الاسم المبني للنداء، إجراء له مجراه قبل النداء. وإذا نون جاز فيه وجهان: أحدهما إبقاؤه على بنائه، والآخر نصبه رداً إلى أصله
стр. 14
من الإعراب. وذلك محو قول الأحوص:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطُر السلام
وقول لبيد:
قدَّموا إذ قيل فيسُ قدموا ... واحفظوا المجد بأطراف الأسَلْ
يريد: يا قيس، وقول الآخر:
فطر خالدُ إن كنت تستطيع طيرة ... ولا تقعن إلا وقلبك خافق
يريد: يا خالد، قول الآخر:
يا هرمُ وأنت ... أهلُ عَدْل
إن ولد الأحوص ... يوماً قَبلِ
وقول الآخر:
ضربت صدرها إليَّ وقالت ... يا عدُي لقد وقتك الأواقي
стр. 15
وقال آخر:
يا عديُ لقلبك المهتاج. . .
والنصب في جميع ذلك جائز.
ومنها: إثبات التنوين والنون في اسم الفاعل في حال اتصال الضمير به، إجراء للمضمر مجرى الظاهر أو لاسم الفاعل مجرى الفعل المضارع، نحو قول
الشاعر:
وليس بمُعْييني وفي الناس ممتع ... رفيقُ إذا أعيى على رفيق
وقوله:
وما أدري وظني كل ظن ... أمُسْلمُني إلى قومي شَراحي
وقوله:
هل الله من سَرْو الفَلاة مُريُحني ... ولمّا تَقَسّمني النهارُ الكوانسُ
كان الوجه أن يقال: بمعيي، ومريحي، ومسلمي، لولا الضرورة، ونحو قول الشاعر:
هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من مُحدثِ الأمر مُعظَما
стр. 16
وقول الآخر:
ولم يرتفق والناس مُحضرونهُ ... جميعاً وأيدي المعتفين رواهقه
كان الوجه أن يقال: محتضروه، والآمروه، لولا الضرورة.
وزعم بعضهم أن الهاء للسكت. وذلك ضعيف، لما يلزم من إدخالها على معرب، وبابه أن لا يدخل إلا على مبني، ومن تحريكها وحكمها أن تكون ساكنة، ومن إثباتها في الوصل وبابها ألا تلحق إلا في الوقف.
ومنها: تنوين الاسم العلم الموصوف بابن المضاف إلى العلم أو ما جرى مجراه رداً إلى أصله، نحو قوله:
فإن لا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي (زيداً) بن مهلهل
وقوله:
جارية من قيس ... بن ثعلبة
كأنها حِلْيَةُ ... سيفِ مُذْهبه
стр. 17
فإن قال قائل: هلا جعلت ابنا وابنة بدلين مما قبلهما، لا وصفين حتى لا يكون
ثبات التنوين ضرورة. فالجواب أن ابنا وابنة إنما تأتي العرب بهما على طريق الوصف، لا على طريق البدل، بدليل أنهم لا يثبتون التنوين في قولك: قام زيد بن عمرو، وقامت هند بنت بكر، وأمثالهما، إلا في ضرورة شعر. ولو كانا بدلين لكثر تنوين مثل ذلك في الكلام.
ومنها: إلحاقهم النون الثقيلة أو الخفيفة في الفعل المضارع إذا كان منفياً، أو مقللاً، أو موجباً لم تدخل عليه لام قسم، أو جواب شرط أو فعل شرط غير مفصول بينه وبين أداة الشرط بما الزائدة، نحو قول أبي حناء الفقعسي:
يحسبه الجاهل ما ... لم يَعْلما
شيخاً على ... كرسيه معمما
يريد: يعلمن، فأبدل النون ألفاً في الوقف، وقول جذيمة الأبرش:
ربما أوفيتُ في علم ... تَرْفعنْ ثوبي شِمالاتُ
وقول ابن الخَرع:
стр. 18
فمهما تشأ منه فزارةُ تعطكم ... ومهما تشأ منه فزارة تَمنعا
وقول الآخر:
نبتم نبات الخيزراني في الثرى ... حديثاً متى ما يأتك الخير يَنْفعا
الأصل: يمنعن، وينفعن، فأبدلت النون ألفاً في الوقف، وقوله:
من تثْقَفَن منكم فليس بآئب ... أبداً وقتل بني (قتيبة) شافي
وقوله:
قليلاً به ما يحمدنك وارثُ ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما
وقوله:
وأبوك بشر ما يفند عمره ... وإلى بلى ما يرجِعنَّ جديد
أجرى الفعل المضارع في جميع ذلك مجراه في المواضع التي تلحقه النون فيها
في فصيح الكلام.
ومنها: زيادتهم هذه النون في اسم الفاعل، أجرى في ذلك مجرى الفعل المضارع، لكونه في معناه وجارياً عليه في قوله:
стр. 19
أريت إن جئت ... به أملودا
ملففاً ويلبس ... البرودا
أقائلَنّ أحضري ... الشهودا
يريد: أتقولن، وقول الآخر:
أشاهرنّ بعدنا ... السيوفا
وأبعد من ذلك زيادتهم لها في آخر الاسم الذي ليس في المعنى الفعلي ولا جارياً عليه، تشبيهاً له بالاسم الذي هو في معناه نحو قول الراجز:
أحب منك ... موضع الوِشْحَني
وموضع الإزار ... والقَفَنَّي
فزاد نوناً مشددة في (الوشح) و (القفا)، وفتح ما قبلها، تشبيهاً بالنون المشددة في نحو (أتفعلن).
وأما قول الآخر:
كأن مجرى ... دمعها المُسْنَنَّ
قطننة من جيد ... القُطْنُنَّ
стр. 20
فأشبه ما يحمل عليه أن يكون زاد على القطن نوناً ليلحقه ببرثن، فقال: قطنن، ثم شدد النون الآخرة، على حد قول الآخر:
ببازل وجناء ... أو عَيْنهَلَّ
ويروي من جيد القطن، بتشديد النون، إلحاقاً لقطن بمثل عتل.
ومنها: إثبات الزيادة اللاحقة لـ (من) في الاستثبات في باب الحكاية وصلا،
إجراء له مجرى الوقف، وهو قليل لم يسمع منه إلا قول الشاعر:
أتوا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتم ... فقالوا الجن قلتُ عموا ظلاما
كان الوجه أن يقول: من أنتم، إلا أن الضرورة منعته من ذلك.
ومنها: إشباع الحركة فينشأ عنها حرف من جنسها. فمن إنشاء الألف عن الفتحة قول ابن هَرمة:
فأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمُنْتَزاح
стр. 21
يريد بمنتزح، وقول الفرزدق:
فظلا يِخَيطان الوَراق عليهما ... بأيديهما من أكل شرَّ طعامِ
وقول الآخر أنشده الفارسي:
والأرض أورثت ... بني آداما
ما يغرُسُوها ... شجراً أياما
يريد: آدم، وقوله:
أقول إذ خرت ... على الكَلْكَال
يا ناقتي ما جُلْتِ ... من مَجَالِ
يريد الكلكل، وقوله:
أعوذ بالله من ... العَقْرابِ
الشائلاتِ عقَ ... دَ الأذنابِ
يريد العقرب، وقول الهذلي:
стр. 22
بينا تَعانُقِه الكماةَ وروغِه ... يوماً أتيح له جريء سَلْفَعُ
يريد: بين تعانقه.
وأما قول عنترة:
يَنْباعُ من ذفري غضوبِ جَسرة ... زيافة مثل الفينق المُكْدمِ
فجعله الفارسي من هذا. وقال: (أراد ينبع، فأشبع الفتحة).
وقال الأصمعي: (انباع الشجاع ينباع: إذا انخرط من بين الصفين ماضياً. وأنشد:
يطرق حلماً وأناة معاً ... ثمت ينباع انبياع الشجاع
وقد يجيء مثل هذا في الكلام شذوذا: حكى أبو علي عن أحمد بن يحيى
стр. 23
أنه سمع: جيء به من حيث وليسا (و) خذه من حيث وليسا، بإشباع حركة ليس.
وحكى الفراء: أكلت لحما شاة، ويريد لحم شاة.
ومن إشباع الواو عن الضمة قوله، أنشده الفراء:
الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم اللقاء إلى أحبابنا صُورُ
وأنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنو فأنظُورُ
يريد: فأنظر، وقول الآخر، أنشده الفراء أيضاً:
لو أن عَمْراً ... هم أن يَرْقُودا
كأن في أنيابها ... القَرَنْفُولْ
يريد: القرنفل.
ومن هذا النوع يجب أن يكون قول (الوليد):
стр. 24
إني سمعت بليل ... نحو الرصافة رنة
خرجت أسحب ذيلي ... أنظور ما شأنهنه
وهو ينشد: أنظر، بغير واو، وهو كسر في البيت. قال أبو العلاء المعري: (أن طيئاً تقول أنظور في معنى أنظر).
ومن إنشاء الياء عن الكسرة قوله:
يحبك قلبي ما حييت فإن أمت ... يحبك عظم في التراب تَريبُ
يريد: تربا، اسم فاعل من ترب، وقول امرئ القيس في إحدى الروايتين:
كأني بفتخاء الجناحين لقوةِ ... دفوفِ من العُقبان طأطأت شيمالي
يريد: شمالي، وقول الفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانيرِ تنقادُ الصياريِف
стр. 25
يريد الصيارف، وقول زهير:
عليهن فرسان كرام لباسهم ... سوابيغُ زغفُ لا تُخَرقها النّبل
يريد: سوابغ، ولو حذف الياء لم يضر ذلك بالبيت، وقول التغلبي:
وسواعيدَ يُخْتليْن اختلاء ... كالمَغَالي يطرن كل مطير
يريد: سواعد - زيادة الياء في جميع ذلك ضرورة، لأنها إنما تزاد في الجمع إذا كانت الياء والواو أو الألف رابعة في المفرد، نحو: قنديل، وبهلول، ودينار، أو إذا كان الآخر مضعفاً غير مدغم، نحو قردد وقراديد، كراهية التضعيف. وما عدا ذلك لا تزاد الياء في آخره إلا في شاذ من الكلام، نحو قولهم في جمع مطفل ومشدن: مطافيل ومشادين، أو في ضرورة شعر، تشبيهاً له بما جمع على غير واحدة، نحو: لمحة وملامح.
وذهب الكوفيون إلى أن ذلك جائز في كل اسم يجمع على (مفاعل) في الكلام والشعر، إلا أن يكون ما قبل الآخر ساكناً، نحو: سبطر، فإن ذلك لا يجوز، بل تقول في جمعه سباطير لا غير، لأن الإشباع لا يتصور إذ ذاك في المفرد فيبني الجمع عليه.
واستثنى الفراء موضعين آخرين سوى ذلك. أحدهما ما كان مضاعف الآخر مدغماً، نحو مرد، لم يجز فيه مراديد، لأن الحرف المضعف بمنزلة حرف واحد، فكرهوا أن يصير في الجمع اثنين بظهور التضعيف. والآخر: ما كان على وزن فاعل: زعم أنهم لا يقولون في جمعه فواعيل، وجعل السبب
стр. 26
ذلك أن برقعا قد قيل فيه برقوع، ونحو مفتح قد قيل فيه مفتاح، فحمل الجمع على ما يتحمله المفرد من الزيادة. قال: ولم يأت في فاعل فاعيل، فكفوا عن الياء في جمعه لذلك. قال: قد
حكي لنا أن العرب قالت: سوابيغ. وهو شاذ.
وأجاز زيادة الياء في ما عدا ذلك. وحكي أنهم يقولون: منكر ومناكير، وموعظة ومواعيظ، ومعذرة ومعاذير، ومخمصة ومخاميص، ومطفل ومطافيل، ومدخل ومداخيل: قال: سمعت بعض العرب تقول: وسع الله مداخيلك، ومرفق ومرافيق، وأنشد:
في فتية كسيوفِ الهِند قد حسروا ... أيدي السرابيل عن حد المرافيقِ
ودمل ودماميل، وأنشد:
ولست بمن أدعي له أن تفتحت ... عليه دماميل استه وحبونها
وجميع ذلك عند البصريين شاذ أو ضرورة.
وما اعتذر به عن امتناعهم من أن يقولوا فواعيل في جمع فاعل، مناقض لما رواه من جمع مطفل ومخمصة ومدخل ومنكر، على مطافيل ومخاميص ومداخيل ومناكير، لأنه لا يقال مفعيل ولا مفعال.
ومن هذا القبيل مد المقصور. وفيه خلاف، فأجازه الكوفيون وطائفة من البصريين، فيما ذكر ابن ولاد ومنعه أكثر البصريين. واحتجوا على منعه بأن مد المقصور لا يتصور إلا بأن يزاد في الكلمة ما ليس في أصلها، وإنما يجوز في الضرورة رد الكلمة إلى أصلها، لا إخراجها عن ذلك.
стр. 27
واحتج الكوفيون على إجازته بالسماع والقياس. أما السماع فقوله، أنشده الفراء:
قد علمت أخت ... بني السّعلاءِ
وعلمت ذاك ... مع الجراء
أن نعم مأكولا ... على الخَواءِ
يا لك من تمر ... ومن شيشاءِ
ينشب في ... المعسل واللهاءِ
فمد السعلى والخوى واللهى، وهي مقصورة، وقول طرفة:
لها كبد ملساء ذات أسرة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحَبل
فمد الطوى وهو مقصور، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
يا حُسنها في ... الرّضاءِ والغَضَب
فمد الرضى وهو مقصور، وليس بمصدر راضي، نحو رامي رماء، كما ذهب إليه بعضهم، لأنه قرنه بالغضب، فدل ذاك على أنه أراد الرضى الذي هو ضد الغضب. ولو كان بمعنى المراضاة، لقرن به ضده وهو المغاضبة. وأنشد الأخفش، أيضا، في مدى الرضى، في الكبير له:
стр. 28
فرضيت عنها بالرضاء لما أتت ... من دون غضبة صعبها ويسارِ
وقول العجاج:
والمرء يبليه ... بِلاَء السربالْ
تناسخ الإهلال ... بعد الإهلال
رواه الأخفش في الكبير له بلاء السربال، بكسر الباء والمد، وقول الآخر:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
فمد الغني، ضد الفقر: مقصور، وليس المراد به مصدر غانيته أي فاخرته بالغنى عنه. لأنه قرنه بالفقر، فدل ذلك على أنه يريد السعة في المال لا المفاخرة بالغنى عنه.
ومن هذا القبيل في أنه قد مد للضرورة، إلا أنه لم يكن أخره قبل ذلك ألفا، قول الشاعر:
فكلهمُ مستقبحٌ لصواب من ... يخالفه مستحسنٌ لخطائه
فمد الخطأ وهو مقصور، وقد قيل أن المد لغة.
بل ما هو أشذ من هذا، وهو مد المقصور في المال في حال السعة: فرا طلحة
стр. 29
بن
مصرف: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، فمد السنا الذي يراد به الضوء، وهو مقصور.
وأما القياس فإنه لا فرق بين زيادة الألف قبل الآخر في الخوى، والسعلى، واللهى، والطوى، والرضى، والغنى، فيجتمع ألفان إذ ذاك، فتنقلب الثانية همزة، وبين زيادتها قبل الآخر في: منتزح، وورق، وكلكل، وعقرب. فكما زيدت الألف قبل الآخر في هذه الأسماء وأشباهها، فلذلك (لا ينكر) زيادتها قبل آخر المقصور.
وإلى جواز مد المقصور ذهب ابن ولاد وابن خروف من المتأخرين، وزعما أن س دل على جوازه في الشعر بقوله: مدوا فقالوا منابير. قال ابن ولاد: فزيادة الألف قبل آخر المقصور كزيادة هذه الياء في الشعر،
стр. 30
(إذا) كانا جميعاً ليسا (من أصل الكلمة).
ومنها: إثبات حرف العلة في الموضع الذي يجب حذفه فيه سعة الكلام، إجراء للمعتل مجرى الصحيح، نحو قول جرير:
فيوماً يجاذبن الهوى غير ماضي ... ويوماً ترى منهن غولا تَغولُ
ونحو قول الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
وقول الكميت:
خريع (دوادي) في ملعب ... تأزرُ طوراً وترخي الإزارا
стр. 31
وقول الآخر:
قد عَجبتْ مني ... ومن يُعَيْليا
لما رأتني ... خلِقاً مُقْلَوليا
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: غير ماض، ومولى موال، وخريع (دواد)، ومن يعيل، لولا الضرورة.
ومثل ذلك:
أبيت على معاري فاخرات ... بهن مُلوب كدم العباط
ولو أنشد على معار، لكان البيت مستقيماً، غير أنه يصير مزاحفاً، لأن الخبن على مفاعلتن من الوافر، فيسكن خامسه ويصير على مفاعلين. ويسمى هذا الزحاف العصب. فلما كره الزحاف أثبت الياء، إجراء للمعتل مجرى الصحيح. وذكر المازني أنه سمع أعرابياً ينشد:
أبيت على معارٍ فاخرات ... . . . . . . . .
стр. 32
فاحتمل قبح الزحاف لاستواء الإعراب.
ومثل ذلك أيضاً قول الآخر:
ما أن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواري يلعبن في الصحراء
فجمع بين ضرورتين: إحداهما إثبات الياء وتحريكها، وكان حقه أن يحذفها فيقول كجوار. والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء، إجراء لها مجرى الحرف الصحيح، أن يمنع الصرف فيقول كجواري. ومثل ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:
له ما رأت عينُ البصيرِ وفوقه ... سماء الإله فوق سَبْع سمائيا
ورواه ابن السراج: فوق ست سمائيا. وفيه ثلاث ضرائر إحداهما أن سماءة قياسها أن يجمع على سمايا، كخطايا، فجمعها على سمائي كالصحيح، نحو سحابة وسحائب. والثانية أنه كان حكمه أن يقول سبع سماء كجوار. والثالثة أنه جمع سماءة على سمائي، وكان حقها أن تجمع على سماء، بحذف التاء، كشمامة وشمام، لأنها من جنس المخلوقات كتمرة
стр. 33
وتمر، أو بالألف والتاء، فيقال: سماوات كشمامات.
ومثل ذلك في الفعل قوله:
ألم يأتيك والأنباءُ تَنْمي ... بما لاقت لبونُ بني زياد
وقول الآخر:
قال لها من ... تحتها وما استوى
هُزي إليك الجذع ... يَجْنيكِ الجنا
وقول الآخر:
هجوتَ زيانَ ثم جئتَ معتذراً ... مِنْ هَجو زِبانَ لم تَهْجو ولم تَدع
وقول الآخر، أنشده الكسائي:
أبا خالدِ فأكسوهما حلتيهما ... فإنكما إن تفعلا فتيان
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ألم يأتك، ويجنك، ولم تهج، وفاكسهما إلا أنه أجرى المعتل مجرى الصحيح لما أضطر إلى ذلك.
стр. 34
ولا يجوز مثل ذلك في الألف عند المحققين من النحويين: لا يقال: لم تخش، ولا لم ترض. وسبب ذلك شيئان: أحدهما أن الجازم ليس له، إذ ذاك، ما يحذفه إلا الحركة المقدرة في اللف، وإذا حذفها وجب أن يرجع حرف العلة إلى أصله، فيقال: لم تخش، ولم ترض، لأن انقلاب الياء ألفاً إنما كان لتحركها وانفتاح ما قبلها. فإذا ذهبت الحركة للجزم، وجب أن يصح لذهاب الحركة منها، فلما لم يصححوها، دل ذلك على أنهم لم يحذفوا الحركة المقدرة. والآخر أن الياء والواو، لما شاع ظهور الضمة فيهما إذا أجريا مجرى الحرف الصحيح، ومن ذلك قوله:
فعوضني منها غناي ولم تكن ... تُسَاوِيْ عنزي غيرَ خَمْسة (دراهم)
حذف الجازم تلك الحركة الظاهرة، ولم يحذف حرف العلة، كما يفعل بالصحيح، والألف لا يمكن ظهور الحركة فيها، فلم يجر لذلك مجرى الحرف الصحيح.
فأما قول الشاعر:
إذا العجوز ... غضبت فطلق
ولا ترضاها ... ولا تملق
فينبغي أن يجعل فيه (لا) الداخلة على (ترضاها) نافية والواو واو حال، مثلها في: قمت وأصك عينه، فيكون المعنى، إذ ذاك فطلقها غير مترض
стр. 35
لها، ويكون قوله: (ولا تملق) جملة نهي معطوفة على جملة الأمر التي هي (طلق). ولا ينبغي أن تجعل (لا) حرف نهي، لأنها لو كانت للنهي لوجب حذف الألف من ترضاها.
وكذلك قول عبد يغوث:
وتضحكُ مني شيخةُ عبشميةُ ... كأن لم تَري قبلي أسيراً يمانياً
ينبغي أن يحمل على أن الألف من ترى بدل من الياء التي هي ضمير المخاطبة والأصل: كأن لم تري، على حد قولهم في ييأس: يائس. ويؤيد ذلك قول رواية من روى: كأن لم تري.
ومنها: رد حرف العلة المحذوف لالتقاء الساكنين، اعتداداً بتحريك الساكن الذي حذف من أجله، وإن كان تحريكه عارضاً، نحو قوله، أنشده الفراء:
ويها فداء لك ... يا فُضَاله
أجِره الرُّمُح ... ولا تَهاله
وقول الآخر:
تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينُه أم لم تعارا
стр. 36
وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
ما كان إلا ... طلق الإهماد
وكرنا بالأغْربِ ... الجِيادِ
حتى تحاجرن ... عن الذُوّادِ
تحاجُرَ الري ... ولم تكادي
وقول الآخر:
يا حب قد أمسينا ... ولم تَنام العَيْنا
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ولا تهله، ولم تعر، ولم تكد، ولم تنم العينان، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الآخر في جميع ذلك وإن كان عارضاً، ألا ترى أن الميم من قوله: (ولم تنام العينا) إنما حركت لالتقائها مع لام التعريف وهي ساكنة، وأن اللام من (تهاله)، والدال من (تكادي) إنما (حركتا لالتقائهما) مع حرف الإطلاق وهو ساكن، وأن الراء من (تعارا) إنما حركت لأجل النون الخفيفة المبدل منها الألف، والأصل: لم تعرن، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفي بلم، كما لحقته في قول الآخر:
يَحْسِبُه الجاهل ... ما لم يَعلما
стр. 37
ومن هذا القبيل جعل الكسائي قول امرئ القيس:
لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر
فقال: يريد خطتا، إلا أنه اعتد بحركة التاء، وإن كانت عارضة بسبب التقاء الساكنين.
وأما غيره فإنه يقول: إن أصله خظاتان، بمنزلة في قول الآخر:
ومتنانِ خَظاتان ... كزُحُلوفِ من الهَضْبِ
إلا أنه حذف النون ضرورة.
ومنها: إثبات ألف (أنا) في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول الأعشى:
فكيفَ أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا
وقول الآخر:
стр. 38
أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفوني ... حَميداً قد تذريت السّنَاما
فإن قيل: كيف يكون هذا ضرورة، ومن القراء من يقرأ: (وأنا أعلم بما أخفيتم) وما كان مثله في القرآن بإثبات الألف؟ فالجواب أن الذي قرأ بذلك وصل بنية
الوقف، كما قرأ بعضهم: (فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه)، (وما أدراك ما هية نار حامية) بإثبات هاء الوقف إلا أن الفصل بين النطقين، لقصر زمانه، خفي على السامع.
ومنها: تضعيف الآخر في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبح:
هبت الريح ... بمور هبا
تترك ما أبقى ... الدبا سبسبا
كأنه السيل ... إذا اسلحبا
أو كالحريق ... وافق القصبا
والتبن والحلفاء ... فالتهبا
стр. 39
فشدد آخر (سبسب)، و (القصب)، و (التهب) في الوصل ضرورة. وكأنه شدد وهو ينوي الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف، فأجتمع له ساكنان، فحرك الباء وأبقى التضعيف، لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف. ومثل ذلك قول رؤبة:
ضَخْمُ يُحبّ ... الخُلقَ الأضْخَما
يريد: الأضخم، وقول الآخر:
ببازلِ وجناَء ... أو عَيهَلَّ
كأن مَهْواها ... على الكَلكلَّ
يريد: أو عيهل، وعلى الكلكل، فشدد.
ومنها: إثبات هاء السكت في حال الوصل، نحو قوله:
يا مرحباهُ ... بحمارِ ناجيه
إذا أتى قربتُه ... للسَّانِيه
وقوله:
يا مرحباهُ ... بِحمارِ عفراءْ
إذا أتى قربته ... لما شاءْ
стр. 40
من الشعير ... والحشيش والماء
قال أبو الفتح: (وهو شاذ ضعيف عند أصحابنا لا يثبتونه في الرواية ولا يحفظونه في القياس، من جهة أنه لا يخلو من أن تجري الكلمة على حد الوقف أو على حد الوصل. فإن أجراها على حد الوصل فسبيله أن يحذف الهاء وصلا، لاستغنائه عنها في الوصل بما يتبع الألف. وإن كان على حد الوقف، فقد خالف ذلك بإثباته إياها متحركة، بالكسر كانت أو بالضم، وهي في وقف بلا خلاف ساكنة. ولا يعلم هنا منزلة بين الوصل والوقف يرجع إليها وتجري هذه الكلمة عليها. فلهذا كان إثبات الهاء متحركة خطأ عندنا.
وهذا الذي أنكره قد جاء مثله، وهو قوله:
له زجل كأنه صَوْتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقَة أو زَميرُ
وأشباهه. ألا ترى أن قوله: (كأنه صوت حاد) ليس على حد الوقف، لأن الضمير متحرك، ولا على الوصل، لأنه غير ممطول. فهو بين الوصل والوقف. وقد أثبت هو هذا وأمثاله، ولم ينكره، فكذلك ينبغي أن لا ينكر (يا مرحباه) وأمثاله من جهة القياس، لأنه لا فرق بينهما، ألا ترى أنه أثبت الهاء الساكنة في الوصل وحكمها أن لا تكون إلا في الوقف، وحرك الهاء لالتقائها وهي ساكنة مع الألف، على حد ما يفعل بالساكنين
следующие страницы →