Полный текст (299 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
ما كان إلا ... طلق الإهماد
وكرنا بالأغْربِ ... الجِيادِ
حتى تحاجرن ... عن الذُوّادِ
تحاجُرَ الري ... ولم تكادي
وقول الآخر:
يا حب قد أمسينا ... ولم تَنام العَيْنا
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ولا تهله، ولم تعر، ولم تكد، ولم تنم العينان، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الآخر في جميع ذلك وإن كان عارضاً، ألا ترى أن الميم من قوله: (ولم تنام العينا) إنما حركت لالتقائها مع لام التعريف وهي ساكنة، وأن اللام من (تهاله)، والدال من (تكادي) إنما (حركتا لالتقائهما) مع حرف الإطلاق وهو ساكن، وأن الراء من (تعارا) إنما حركت لأجل النون الخفيفة المبدل منها الألف، والأصل: لم تعرن، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفي بلم، كما لحقته في قول الآخر:
يَحْسِبُه الجاهل ... ما لم يَعلما
стр. 37
ومن هذا القبيل جعل الكسائي قول امرئ القيس:
لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر
فقال: يريد خطتا، إلا أنه اعتد بحركة التاء، وإن كانت عارضة بسبب التقاء الساكنين.
وأما غيره فإنه يقول: إن أصله خظاتان، بمنزلة في قول الآخر:
ومتنانِ خَظاتان ... كزُحُلوفِ من الهَضْبِ
إلا أنه حذف النون ضرورة.
ومنها: إثبات ألف (أنا) في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول الأعشى:
فكيفَ أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا
وقول الآخر:
стр. 38
أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفوني ... حَميداً قد تذريت السّنَاما
فإن قيل: كيف يكون هذا ضرورة، ومن القراء من يقرأ: (وأنا أعلم بما أخفيتم) وما كان مثله في القرآن بإثبات الألف؟ فالجواب أن الذي قرأ بذلك وصل بنية
الوقف، كما قرأ بعضهم: (فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه)، (وما أدراك ما هية نار حامية) بإثبات هاء الوقف إلا أن الفصل بين النطقين، لقصر زمانه، خفي على السامع.
ومنها: تضعيف الآخر في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبح:
هبت الريح ... بمور هبا
تترك ما أبقى ... الدبا سبسبا
كأنه السيل ... إذا اسلحبا
أو كالحريق ... وافق القصبا
والتبن والحلفاء ... فالتهبا
стр. 39
فشدد آخر (سبسب)، و (القصب)، و (التهب) في الوصل ضرورة. وكأنه شدد وهو ينوي الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف، فأجتمع له ساكنان، فحرك الباء وأبقى التضعيف، لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف. ومثل ذلك قول رؤبة:
ضَخْمُ يُحبّ ... الخُلقَ الأضْخَما
يريد: الأضخم، وقول الآخر:
ببازلِ وجناَء ... أو عَيهَلَّ
كأن مَهْواها ... على الكَلكلَّ
يريد: أو عيهل، وعلى الكلكل، فشدد.
ومنها: إثبات هاء السكت في حال الوصل، نحو قوله:
يا مرحباهُ ... بحمارِ ناجيه
إذا أتى قربتُه ... للسَّانِيه
وقوله:
يا مرحباهُ ... بِحمارِ عفراءْ
إذا أتى قربته ... لما شاءْ
стр. 40
من الشعير ... والحشيش والماء
قال أبو الفتح: (وهو شاذ ضعيف عند أصحابنا لا يثبتونه في الرواية ولا يحفظونه في القياس، من جهة أنه لا يخلو من أن تجري الكلمة على حد الوقف أو على حد الوصل. فإن أجراها على حد الوصل فسبيله أن يحذف الهاء وصلا، لاستغنائه عنها في الوصل بما يتبع الألف. وإن كان على حد الوقف، فقد خالف ذلك بإثباته إياها متحركة، بالكسر كانت أو بالضم، وهي في وقف بلا خلاف ساكنة. ولا يعلم هنا منزلة بين الوصل والوقف يرجع إليها وتجري هذه الكلمة عليها. فلهذا كان إثبات الهاء متحركة خطأ عندنا.
وهذا الذي أنكره قد جاء مثله، وهو قوله:
له زجل كأنه صَوْتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقَة أو زَميرُ
وأشباهه. ألا ترى أن قوله: (كأنه صوت حاد) ليس على حد الوقف، لأن الضمير متحرك، ولا على الوصل، لأنه غير ممطول. فهو بين الوصل والوقف. وقد أثبت هو هذا وأمثاله، ولم ينكره، فكذلك ينبغي أن لا ينكر (يا مرحباه) وأمثاله من جهة القياس، لأنه لا فرق بينهما، ألا ترى أنه أثبت الهاء الساكنة في الوصل وحكمها أن لا تكون إلا في الوقف، وحرك الهاء لالتقائها وهي ساكنة مع الألف، على حد ما يفعل بالساكنين
стр. 41
إذا اجتمعنا في حال الوصل. كما أثبت ذلك حركة الضمير، وهي لا تثبت إلا في حال الوصل. فمن حرك بالكسر فعلى أصل التحريك لالتقاء الساكنين. ومن حرك بالضم فعلى حد ما حكاه قطرب من أن بعضهم فر فحرك بالضم. ومثل ذلك قول المجنون:
فقلت إياه رباهُ أول سؤلتي ... لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
ومنها: قطع ألف الوصل في الدرج، إجراء لها مجراها في حال الابتداء بها. وأكثر ما يكون ذلك في أول النصف الثاني من البيت، لتقدير الوقف على الأنصاف التي هي الصدور. نحو قول حسان بن ثابت:
لتَسْمعنَّ وشيكاً في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقول لبيد:
ولا يبادرُ في الشتاءِ وليدُنا ... ألقدرَ ينزلهاُ بِغَيْرِ جِعالِ
стр. 42
وقول الآخر:
أو مُذْهبُ جددُ على ألواحِهِ ... ألناطقُ المزبورُ والمختوم
ألا ترى أن همزة الوصل الداخلة لام التعريف مقطوعة في جميع ذلك، ونحو قول الآخر:
لا نسبَ اليومَ ولا خلة ... اتسع الخَرقُ على الراقع
ألا ترى أنه قطع ألف (اتسع) وهي ألف وصل.
وقد يقطع في حشو البيت. وذلك قليل، ومنه قول قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الاثنين سرَّ فإنه ... بنثِ وتكثير الوشاةِ قمينُ
وقول جميل:
стр. 43
ألا لا أرى اثنين أحسنَ شيمةَ ... على حَدثان الدهرِ مني ومن جُملِ
وأنشد قدامة:
يا نَفسُ صبراً ... كلُّ حيَّ لاقي
وكل اثنين ... إلى افتراقِ
ألا ترى أن الألف من (اثنين) مقطوعة في جميع ذلك، وهي ألف وصل.
ومنها: زيادة حرف في الكلمة على طريق التوهم، نحو قوله:
طلبُ لعُرفِك يابن يحيى بعدما ... تَقطعت بي دونك الأسباب
زاد تاء على التوهم، وذلك أن تقطعت كثرت في كلامه، حتى ظن أنها (فعلت)، فزاد عليها التاء التي تزاد في (تفعلت)، وقوله:
إن شَكْلي وإن شكلَك شتى ... فالزمي الخُصّ (واخفضي تَبْيضّي)
كثر (تبيضي) عنده، حتى توهم أنها (تفعل)، فزاد فيها ضاداً.
стр. 44
وهذا من القلة والندور بحيث لا يقاس عليه.
فأما قول رؤبة:
أقفرت الوعساءُ ... والعَثاعثُ
من أهلها ... والبرقُ البَرارثُ
فإنه من قبيل ما يجمع على غير واحدة الملفوظ: في جمع لمحة ملامح. لأن الواحد، فيما زعم الأصمعي، برث، يقال: مكان برث، أي سهل التراب. والجمع براث.
وأما زيادة الكلمة، فمنها: الجمع بين العوض والمعوض منه، نحو قوله:
وما عليك أن ... تقولي كُلّما
سبحت أو هَللتِ ... يا اللهمَّ ما
فأدخل حرف النداء على اللهم، ولا يجوز ذلك في الكلام، لأن الميم المشددة عوض منه، والجمع بين العوض والمعوض منه لا يجوز إلا في ضرورة. ومثله قوله الآخر، أنشده الفراء:
стр. 45
إني إذا ما ... حدثُ ألمّا
أقول يا اللهم ... يا اللهما
ومنها: إدخال لام التأكيد في موضع لا تدخل فيه في سعة الكلام، نحو ما أنشده قطرب من قوله:
ألم تكن حلفْتَ ... بالله العَليّ
أنّ مطاياك لَمنْ ... خير المطيّ
فزاد اللام في خبر (أن) المفتوحة، ومثله قول الآخر، أنشده ابن دريد عن أبي عثمان المازني:
فنافسْ أبا المغْراء فيها ابن دَراعِ ... على أنه فيها لَغيرُ مُنافِس
وقول الآخر، أنشده الفراء:
стр. 46
وأعلم أن تسليماً وتركاً ... للامتشابهان ولا سَواءُ
ألا ترى أن اللام قد زيدت في البيتين في خبر (أن) المفتوحة.
وقد جاء مثل ذلك في الشاذ: قرأ ابن جبير: (إلا أنهم ليأكلونَ الطعامَ)، بفتح (أن).
ونحو قول الآخر، أنشده أبو علي:
مرُّوا عِجالاّ وقالوا كيف صاحبكم ... قال الذي سألوا أمسى لَمجْهودا
فزاد اللام في خبر (أمسى)، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
ثُمّتَ يَعْدُوا لَكأن ... لم يَشعُر
رِخْوَ الإزار رمّح ... التبختُرِ
فزاد اللام في (كأن)، وقول الآخر:
وما زلت من اسما لدن أن عرفُتها ... لكالهائم المقصي بكل بلادِ
стр. 47
فزاد اللام في خبر زال، وقول الآخر:
. . . . . . . . . ... ولكنني من حبها لَعميد
فزاد اللام في خبر لكن، وقول الآخر:
أم الحُليْس ... لَعجُوزُ شَهْربَهْ
ترضى من اللّحمْ ... بعظم الرَقَبةْ
فزاد اللام في خبر المبتدأ.
فأما ما رواه أبو الحسن الأخفش عن العرب، من قولهم: إن زيداً وجهه لحسن، فالذي سهله كون الجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر (إن). وهو مع ذلك ضعيف.
ومنها: زيادة (أن) و (إن) على طريق التأكيد في موضع لا تزادان فيه في فصيح الكلام.
فمن زيادة (أن) قول ابن صريم اليشكري:
ويوماً توافينا بوجهٍ مُقَسّم ... كأن ظبيةٍ تعطو إلى وارقٍ السلَم
стр. 48
وقول الآخر:
حَمُومُ الشَد شائلةُ الذنابي ... وهاديها كأن جذعِ سَحُوق
ألا ترى (أن) زيدت في البيتين بين الكاف والاسم المجرور بها، وقول الآخر:
أردت لكيما أن تطيرَ بقربتي ... فتتركها شنا ببيداء بَلقع
(أن) فيه زائدة غير عاملة، لأن (لكيما) تنصب الفعل بنفسها، ولا يجوز إدخال ناصب على ناصب.
وأما قول حسان:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحاً ... لسانَك كيما أنْ تغُرَّ وتَخْدعاَ
(فإن) فيه ناصبة لا زائدة أظهرت للضرورة. لأن (كيما) إذا لم تدخل عليها اللام، كان الفعل بعدها منتصباً بإضمار (أن)، ولا يجوز إظهارها في فصيح الكلام.
ومن ذلك، عند بعض النحويين، دخول (أن) في خبر كاد، نحو قول رؤبة:
стр. 49
قد كَاد مِن طَولِ ... البِلى أن يَمْصَحَا
وقول الآخر:
كادت النّفْسُ أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حَشو ريطةٍ وبُرود
والصحيح أن دخولها في خبر كاد ضرورة، إلا أنها ليست - مع ذلك - بزائدة.
لعملها النصب زائدة لا تعمل. بل هي مع الفعل الذي نصبته بتأويل مصدر، وذلك المصدر في موضع خبر كاد، على حد قولهم: (زيد إقبال وإدبار).
ومما زيدت فيه (أن)، عند بعض النحويين، في قول أبي ذؤيب:
فأجبتُها أما لجسمي أنه ... أودى بَنيَّ من البلاد فودعوا
قال: يريد: أن ما، إلا أنه أدغم. و (أن) زائدة. و (ما) موصولة بمنزلة الذي. والتقدير: فأجبتها الذي لجسمي أنه أودى بني.
ومن زيادة (إن) المكسورة الهمزة قول الشاعر، أنشده س:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيراً لا يزال يزيد
стр. 50
فزاد (أن) بعد (ما) وليست بنافية، تشبيهاً لها ب (ما) النافية. ألا ترى أن المعنى: ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيراً على السن، لكن لما كان لفظها كلفظ (ما) النافية زادها بعدها، كما تزاد بعد (ما) النافية في نحو قولك: ما أن قام زيد، وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
يرجى المرءُ ما إن لا يلاقي ... وتَعْرض دون أدناه الخطوبُ
فزاد (أن) بعد (ما)، وهي اسم موصول، لشبهها باللفظ بـ (ما) النافية، وقول النابغة في إحدى الروايتين.
إلا الأواريَّ لا إنْ ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلدِ
فزاد (إن) بعد (لا) لشبهها ب (ما) من حيث كانتا للنفي. وزعم الفراء أن (لا)، و (إن)، و (ما) حروف نفي، وأن النابغة جمع بينها على طريق التأكيد.
ومنها: زيادة حرف الجر في المواضع التي لا تزاد فيها في سعة الكلام، نحو قول قيس بن زهير:
стр. 51
ألم يأتيك والأنياءُ تَنْمِي ... بما لاقَتْ لبونُ بني زِيادِ
فزاد الباء في فاعل (يأتي). ألا ترى أن المعنى: ألم يأتيك ما لاقت لبون بني
زياد، وقول النمر بن تولب:
ظَهرتْ ندامتهُ وهان بِسخطها ... شيئاً على مَربُوعها وعِذارها
التقدير: هان سخطها، وقول عمرو بن ملقط:
مهما لي الليلة مهما لِيهْ ... أودي بِنَغليَّ وسرباليه
التقدير: أودى نعلاي وسرباليه، وقول امريء القيس:
ألا هل أتاها والحوادثُ جمّةُ ... بأن امرأ القيس بن تملكَ بيقرا
التقدير: ألا هل أتاها أن امرأ القيس بن تملك بيقر، وقول الآخر:
نَضْربُ بالسيفِ ... ونرجو بالفرجْ
стр. 52
التقدير: نرجو الفرج، وقول امرئ القيس:
وكذاك لا خيرُ ولا ... شرُ على أحدٍ بدائمْ
التقدير: لا خير ولا شر على أحد دائماً، فزاد الباء في خبز (لا).
وبالجملة لا تنقاس زيادة الباء في سعة الكلام إلا في خبر (ما) وخبر (ليس) وفاعل عمرو بذاهب، وكفى بالله شهيداً، أي كفى الله، وكفى بنا حبك، وأحسن بزيد، ما أحسنه: ويلزم زيادتها في فاعل (أفعل) بمعنى ما أفعله. وما عدا هذه المواضع لا تزاد فيه الباء إلا في ضرورة أو شاذ من الكلام يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنها: زيادة (من) على الاسم النكرة والمعرفة في الكلام الواجب، نحو قول الأسود بن يَعَفرُ:
هوى بهم من حبهم وسفاههم ... من الريح لا تمري سحاباً وقَطرا
التقدير: هوى بهم الريح، وقول الآخر:
وكأنما ينأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مأوم
стр. 53
والتقدير ينأى هزج العشي بجانب دفها الوحشي.
ويدل على أن (من) زائدة، و (هزج) في موضع رفع بـ (ينأى) قوله:
هرَّ جنيبُ كلما عطفت له ... غضبي اتقاها باليَدينِ وبالفمِ
فأبدل (هر)، وهو مرفوع، من (هزح).
وقول الآخر، وهو جزء بن ضرار أخو الشماخ:
أمْهرَ منها ... حيةَ ونينانْ
التقدير: أمهرها.
ومنها: زيادة الكاف، نحو قول رؤبة:
стр. 54
لواحق الأقرابِ ... فيها كالمَقق
والمقق: الطول. ألا ترى أنه إنما يقال: في الشيء طول، ولا يقال فيه كالطول.
ومنها: زيادة (علي)، نحو قول حميد بن ثور:
أبى الله إلا أن سرحةَ مالكِ ... على كل أفنانِ العضاةِ تَرُوقُ
التقدير: أفنان العضاة تروق: لا يحتاج في تعديها إلى حرف جر. وإنما يقال: راقني الشيء يروقني، أي أعجبني.
ومنها: زيادة (في)، نحو قول سويد بن أبي كاهل:
أنا أبو سعدِ ... إذا الليلُ دجا
تَخَالُ في ... سَودادهِ يَرَنْدجا
стр. 55
التقدير: تخال سواده يرندجا.
وزيادة هذه الأحرف الثلاثة، أعني (الكاف) و (على) و (في)، من القلة والندور بحيث لا يجوز القياس عليها عند أحد من النحويين.
ومنها: زيادة اللام على المفعول في حال تأخره عن الفعل العامل فيه تقوية للعمل، نحو قول ابن ميادة:
وملكت ما بين العراقِ ويثربٍ ... مُلكاْ أجارَ لمُسلمِ ومعَاهدِ
يريد: أجار مسلماً ومعاهداً، وقول الآخر:
فلما أن (توافقنا) قليلا ... أنخنا للكلاكلِ فارتمينا
يريد: أنخنا الكلاكل.
وقد يجيء ذلك في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم)، أي ردفكم، إلا أن ذلك لا يحسن إلا في الشعر، فلذلك أورد في الضرائر.
ومنها: زيادة (ما) بعد كاف الجر، نحو قول الأعشى:
стр. 56
كما راشدِ تجدين امرءاً ... تفكر ثم ارعوي أو نَدمْ
يريد: كراشد، وقول الكميت:
يركضن في المهمة اليَبابِ كما ... أقربِ أرضِ لها أباعِدُها
يريد: كأقرب أرض، وقوله:
وأنجيتني من موقف ذي عداوة ... كما ابنةِ زبا أو أطم وأكيدا
يريد: كابنة زبا، وقول عدي بن زيد:
كما أنتم كنا وكما ... نحن تكونون
يريد: كأنتم كنا، وكنحن تكونون.
وبعد (كما)، نحو قوله:
كما ما امرؤُ في معشر غير قومه ... ضعيفُ الكلام شَخْصهُ متضائل
يريد: كما امرؤ.
стр. 57
وبين البدل والبدل منه، نحو قوله:
وكأنه لَهقُ السراة كأنه ... ما حاجبيه معينُ بسواد
يريد: كأنه حاجبيه.
وأقل من ذلك زيادتها أول الكلام، نحو قول عبدة بن الطيب، أنشد ذلك له أبو زيد.
ما مع أنك يوم الوِرد ذو جرز ... ضخمُ الجُزارة بالسَّلمين وكّارُ
ما كنت أولَ ضبٍ صاب تلعَتَهُ ... غيثُ فأمرعَ واستخلتْ له الدار
قال أبو زيد: (ما زائدة)، يريد: مع أنك يوم الورد ذو جرز، ما كنت أول ضب صاب تلعته غيث.
ومنها: إدخال الحرف على الحرف، على جهة التأكيد لا تفاقهما في اللفظ والمعنى، أو في المعنى لا في اللفظ، نحو قول بعض بني أسد:
فلا والله لا يُلْفي لما بي ... ولا لِلما بهم أبداً دواء
فزاد على لام الجر لاماً أخرى للتأكيد، ونحو قول الآخر، أنشده الفراء:
стр. 58
فلئن قوم أصابوا غِرةُ ... وأصبنا من زمانِ رَنَقا
لَلَقد كنا لدى أزماننا ... لصنيعين لبأسٍ وتُقى
فزاد على لام لقد لاماً أخرى للتأكيد، ونحو قول الآخر:
فأصبحنَ لا يسألنه عن بِما بِه ... أصعَّد عن جَوَّ السّما أم تصوبا
فأدخل عن على (الباء) تأكيداً، لأنهم يقولون: سألت عنه، وسألت به، والمعنى واحد.
ومن هذا القبيل قول النابغة في أحد القولين:
إلا الأواري لا إن ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
فجمع بين (إن) و (ما) الزائدتين بعد (لا) النافية تأكيداً للنفي، وقول الآخر:
طعامُهمْ لئن أكلوا (معن) ... وما إنْ لا (تحاك) لهم ثياب
فجمع بين (إن) و (لا) الزائدتين بعد (ما) تأكيدا للنفي.
ومنها: زيادة الواو، والفاء، وبل، وأم.
стр. 59
فمن زيادة الواو قول أبي خراش:
لعَمْرُ أبي الطَّيْرِ المربة غدوة ... على خالدِ لقد وَقعتِ على لَحم
ولحم امرئٍ لم تَعم الطيرُ مثلهُ ... عشيةَ أمسى لا يُبين من البَكْم
يريد: لحم امرئ، وهو بدل من لحم المتقدم، إلا أنه اضطر فزاد الواو بين البدل والمبدل منه، وقول الآخر، أنشده الفراء:
فإن رشيداً وابن مروانَ لم يكن ... ليفعل حتى يُصدرِ الأمر مُصْدرا
يريد: إن رشيد بن مروان، فزاد الواو بين الصفة والموصوف، وقول الآخر:
стр. 60
ولما رأى الرحمن أن ليس فيهم ... رشيد ولا ناه أخاه عن الغَدْرِ
وَصَبَّ عليهم تغلب بنة وائل ... وكانوا عليهم مثل راغية البَكْرِ
يريد: صب عليهم، فزاد الواو في جواب (لما)، وقول الآخر:
حتى إذا قَمِلتْ بطونكم ... ورأيتم أولادكُم شَبّوا
وَقَلبْتُمُ ظهر المجن لنا ... إن اللئيم الغادر الخب
يريد: قلبتم، فزاد الواو في جواب (إذا)، وقول أبي كبير:
فإذا وذلك ليس إلا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يُفْعلِ
وقول الآخر، أنشده الأخفش:
كنا ولا تعصى الحليلةُ بعلَها ... فاليوم تضربه إذا ما هو عَصَى
الواو زائدة في خبر (كان). والتقدير: (كنت قد يئست)، وكنا لا تعصى الحليلة بعلها.
стр. 61
ومن زيادة الفاء قوله:
يموتُ أناس أو يشيبُ فتاهم ... ويحدث ناس والصغير فيكبر
يريد: والصغير يكبر، وقول أبي كبير:
فرأيت ما فيه فثُمَّ رزيته ... فلبثت بعدك غير راض معمري
يريد: ثم رزيته، وقول الأسود بن يعفر:
فَلَنهشل قومي ولي في نهشل ... نسب لعمر أبيك غير غِلابِ
زاد الفاء في أول الكلام، لأن البيت أو القصيدة.
ومثل ذلك زيادة (بل) في قول العجاج:
بَلْ ما هاج أحزاناً ... وشجواً قد شجا
ألا ترى أنه زاد (بل) أول الكلام، لأن هذا البيت أول الرجز، وجعلها وإن لم ينتظمها الوزن كالفاء التي انتظمها الوزن في بيت الأسود. ولا يحفظ زيادة (بل) إلا في هذا البيت.
ومن زيادة (أم) قول الراجز، أنشده أبو زيد:
стр. 62
يا دهر أم ما ... كان مشيي رَقَصا
بَلْ قَدْ تَكُونُ ... مِشْيتي تَوَقّصا
يريد: يا دهر ما كان مشيي رقصاً، وقول الشاعر:
يا ليت شعري لا منجي من الهرم ... أم هل على العَيشِ بعد الشّيبِ من نَدم
يريد: ياليت شعري هل على العيش بعد الشيب من ندم. واعترض، بقوله: لا منجي من الهرم، بين شعري والجملة التي في موضع معموله.
وأجاز الفارسي في قوله أبي ذؤيب:
فأجبتها أما لجسمي أنه ... أودى بنيَّ من البلاد فودعوا
أن يكون الأصل في (أما): أم ما، وتكون (أم) زائدة، و (ما) بمعنى الذي.
والتقدير: فأجبتها الذي لجسمي أنه أودى.
وعلى زيادة (أم) حمل أبو زيد قوله تعالى: (أفلا تبصرون أم أنا خير) التقدير، عنده: أنا خير من هذا الذي هو مهين. ووافقه على جواز ذلك أبو بكر بن طاهر، من المتأخرين.
стр. 63
والصحيح أنها غير زائدة، لأن زيادتها قليلة، فلا ينبغي أن تحمل الآية عليها، إذ قد يمكن حملها على ما هو أحسن من ذلك. ألا ترى أنه يمكن أن تكون منقطعة،
على ما ذهب إليه س، أو متصلة، على ما ذهب إليه الأخفش. وقد بين النحويون الوجهين، فأغنى ذلك عن ذكره هنا.
ومنها: زيادة (إلا)، نحو قول الشاعر:
أرى الدهرَ إلا منجنوناّ بأهله ... وما صاحبُ الحاجات إلا مُعذبا
هكذا رواه المازني، يريد: أرى الدهر منجنوناَ بأهله. وكذلك جعلها في قول الآخر:
ما زال مذ وجفت في كل هاجرةِ ... بالأشعث الورد إلا وهو مهموم
يريد: هو مهموم، فزاد (إلا) والواو في خبر (زال)، وفي قول الآخر:
وكلهم حاشاك إلا وجدته ... كعين الكذوب جهدها واحتفالها
يريد: وكلهم حاشاك وجدته، وفي قول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفك إلا مناخةَ ... على الخَسْف أو نَرمي بها بلداً قفرا
стр. 64
يريد: ما تنفك مناخة.
وهذه الأبيات كلها تحتمل (إلا) فيها أن تكون غير زائدة، إلا البيت الأول فإنها لا تكون فيه إلا زائدة، وذلك بأن تجعل (زال) و (تنفك) (تامتين)، وتكون (إلا) إذ ذاك داخلة على الحال.
ويقال إن ذا الرمة لما عيب عليه قوله: (ما تنفك إلا مناخة) فطن له، فقال: إنما قلت: (آلا مناخة)، أي شخصاً، كما قال:
فما بلغت بنا سَفوانَ حتى ... طرحن سِخَالهن فصِرْن آلا
وكذلك، أيضا، تجعل (إلا) في قوله: (وكلهم حاشاك إلا وجدته) إيجابا للنفي الذي يعطيه معنى الكلام. ألا ترى أن المعنى: ما منهم أحد، حاشاك، إلا وجدته. وعلى ذلك حمله الفراء.
ومنها: زيادة (لا) لفظاً ومعنى، قول جرير:
ما بالُ جهلكَ بعد الحلمِ والدينِ ... وقد علاك مشيبُ حين لا حينِ
يريد: حين حين، أي في وقته. وقول الآخر:
стр. 65
أبي جوده (لا) البخلَ واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجودَ قاتلَه
يريد: أبي جودة البخل. ولا ينبغي أن تجعل منصوبة الموضع بـ (أبي) والبخل بدل منها، لأن (لا) إذا استعملت اسماً مدت: قال الشاعر:
كأنك في الكتاب وجدت لاَء ... محرمة عليك فما تَحلَ
فمد (لا) لما جعلها اسماً. وقول الآخر، أنشده أبو الحسن الأخفش:
لو لم تكن غَطَفانُ لا ذنوبَ لهَا ... إلى لامت ذَوُو أحسابها عُمرا
قال أبو الحسن: لا زائدة. والمعنى لها ذنوب إلي.
ومنها: زيادة (كان) للدلالة على الزمان الماضي، نحو قول الفرزدق:
في لجةٍ غمرت أباك بُحُورها ... في الجاهلية - كان - والإسلام
وقول الآخر، أنشده الفارسي:
في غرف الجنة العليا التي وجبت ... لهم هناك بسعي - كان - مشكورِ
стр. 66
يريد: بسعي مشكور، وقول الآخر، أنشده الفراء:
سراة بني أبي بكر تساموا ... على - كان - المسومةِ العرابِ
وقول غيلان بن حريث:
إلى كناس - كان ... - مُستعيدهِ
يريد: إلى كناس مستعيده، وقول امرئ القيس، في الصحيح من القولين:
أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا
يريد: وما أصبر، أي: وما أصبرها.
وقد تزاد في سعة الكلام، ومنه قول قيس بن غالب البدري: (ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من عبس، لم يوجد - كان - مثلهم يريد: لم يوجد مثلهم، إلا أن
ذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وإنما أوردت زيادتها في (فعل)، دون زيادة الجملة، لأنها في حال زيادتها غير مسندة إلى شئ. وسبب ذلك أنها لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي، فقيل: زيد - كان - قائم، أشبهت (أمس) من قولك: زيد
стр. 67
- أمس - قائم، فحكم لها بحكم (أمس)، فلم تسند إلى شئ، كما أن (أمس) كذلك. ونظير ذلك استعمالهم (قلما)، وهي في الأصل غير مسندة إلى فاعل، لما كانت في معنى ما لا يسند إليه، وهو حرف النفي، ألا ترى أنك تقول: قلما يقوم زيد، إذا أردت ذلك المعنى.
ولا يزاد شئ من أخواتها، إلا أن يسمع من ذلك شئ، فيحفظ ولا يقاس عليه لشذوذه، نحو ما حكاه أبو الحسن من قولهم: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفاها، يعنون الدنيا، أي: ما أبردها في الصباح، وما أدفاها في المساء.
وأما زيادة الجملة فمنها: زيادة (أكاد)، و (تكاد)، نحو قول حسان:
وتكاد تكسل أن تجيء فراشَها ... في جسم خرعبةٍ ولين قوامِ
يريد: وتكسل أن تجيء فراشها، لأن المرأة إنما توصف بالكسل، لا بمقاربته، كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . ... يطفن بجماء المرافق مِكسال
وقول الآخر:
فإن لا ألومُ النفس فيما أصابها ... وإن لا أكادُ بالذي نلت أنجح
يريد: وإن لا أنجح بالذي نلت.
стр. 68
فأما قول حسان:
على ما قام يشتمني لئيمُ ... كخنزيرٍ تمرغ في رماد
وقول بعض بني نبهان:
فإن كنت سيدنَا سُدْتَنَا ... وإن كنت للخال فأذهب فَخَلْ
فزعم أبو الفتح أن (قام) في البيت الأول، و (فأذهب) في البيت الثاني زائدتان، لأن المعنى: وإن كنت للخال فخل، وعلام يشتمني، وإنهما زيدتا توكيداً للكلام وتمكيناً له.
والصحيح أنهما غير زائدتين، لأنه لا موجب لزيادتهما. بل (قام) في بيت حسان ليست ضد (قعد)، بل (في) معنى ثبت، من قوله تعالى (إلا ما دمت عليه قائماً). وكأنه قال: ما ثبت يشتمني لئيم. وكذلك (اذهب) في البيت الثاني له معنى لا يفهم إلا منه. ألا ترى أن المعنى: إن سرت فينا سير السادة المرضية سدتنا، وإن كنت تبغي الخال فأذهب فأطلب لذلك قابلاً وبه راضياً، فإننا لا نقبل ذلك ولا نرضاه. ولو جعلت زائدة لا معنى لها، لكان الكلام يعطي ظاهره الرضى بالخال والقرار على الإدلال، وهو خلاف مراد الشاعر.
ولم تزد العرب من الأسماء شيئاً إلا الضمير، في الفصل خاصة، في نحو قولك: ظننت زيداً هو القائم، لأنه لا موضع له من الإعراب. ألا ترى
стр. 69
أنه لا يمكن أن يكون تأكيداً لزيد، لأن الظاهر لا يؤكد بالمضمر، ولا بدلاً منه، لأن الضمير إذا كان بدلاً من منصوب كانت صيغته صيغة الضمير المنصوب. فلو كان بدلاً منه لوجب أن يقال: ظننت زيداً إياه القائم.
وزعم الكسائي أن العرب قد زادت من الأسماء (من) في الشعر واستدل على ذلك بقول عنترة:
يا شاة مَن قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرمِ
وقول الآخر:
آلُ الزبير سنَام المجد قد علمت ... ذاك القبائلُ والأثْرون مَنْ عَددا
والتقدير عنده في البيت الأول: يا شاة قنص، وفي البيت الثاني: والأثرون عدداً.
ولا حجة له في البيتين على زيادة (من)، لاحتمال أن تكون فيهما نكرة موصوفة،
كما هي في قوله:
إني وإياك إذ حلت بأرحلنا ... كمن بواديه بعد المحلِ ممطورِ
ألا ترى أن ممطوراً صفة لـ (من)، وأن المعنى: كإنسان ممطور بواديه بعد المحل، وتكون في بيت عنترة موصوفة بالمصدر الذي هو (قنص)، على
стр. 70
حد قولهم: مررت برجل فطر، أي مفطر، وفي البيت الآخر بالاسم الموضوع موضع المصدر، وهو (عددا)، والمعنى: يا شاة إنسان قانص، والأثرون قوماً معدودين.
وزعم أبو عبيدة أن قول لبيد:
إلى الحولِ ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعَتَذرْ
إنما هو على زيادة (اسم)، وكأنه قال: ثم السلام عليكما، وكذلك قول غيلان:
لا يُنعشُ الطرف إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم
لأن المعنى: يناديه بالماء.
والمعنى كما قاله أبو عبيدة، لكنه ليس على زيادة (اسم)، كما ذهب إليه، بل ما ذكره أبو علي من حذف مضاف، أي: ثم اسم معنى السلام عليكما، وباسم معنى الماء. واسم معنى السلام هو السلام، وكذلك اسم الماء هو الماء، وإضافة المعنى الذي هو المسمى إلى اللفظ الذي هو الاسم قد جاء في كلامهم: حكى أحمد بن إبراهيم - أستاذ ثعلب: (هذا ذو
стр. 71
زيد، أي صاحب هذا الاسم الذي هو زيد. ومن ذلك قوله:
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
أي أصحاب هذا الاسم الذي هو آل حسان.
стр. 72
فصل النقص
وهو منحصر في نقص حركة، ونقص حرف ونقص كلمة.
فأما نقص الحركة منه: حذفهم الفتحة من عين (فعل)، مبالغة في التخفيف، نحو
قول الراجز، أنشده الأصمعي:
على محالاتٍ ... عُكسنَ عَكسا
إذا تسداها ... طلابا غَلسا
يريد: غلسا، وقول الآخر:
وما كل مغبون ولو سَلف صفقة ... يراجع ما قد فاته برداد
يريد: سلف، وقول الآخر:
وقالوا ترابي فقلت صدقتهم ... أبي من تراب خَلقَهُ الله آدمُ
стр. 73
يريد: خلقه الله، وقول أبي خراش:
ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله ... عشية أمسى لا يبين من البَكمِ
يريد: من البكم. ومنه قول ذي الرمة:
أبت ذِكر عودن أحشاَء قلبه ... خفوقاً ورَفضَاتِ الهوى في المفاصل
فحكم لـ (رفضات)، وهو اسم، بحكم الصفة: ألا ترى أن (رفضات) جمع (رفضه)، و (رفضه) اسم. والاسم إذا كان على وزن (فعله)، وكان صحيح العين، فإنه إذا جمع بالألف والتاء لم يكن بد من تحريك عينة، اتباعاً لحركة فائه، نحو: جفنه وجفنات وقصعة وقصعات. وإن كان صفة بقيت العين على سكونها، نحو: ضخمة وضخمات، وصعبة وصعبات. وإنما فعلوا ذلك - فرقاً بين الاسم والصفة، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته، فأحتمل لذلك (ثقل) الحركة، وأيضا فإن الصفة تشبه الفعل، لأنها ثانية عن الاسم غير الصفة، كما أن الفعل ثان عن الاسم. فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع، نحو: ضربوا، ويضربون، لم يغير، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع، وهما الألف والتاء. فكان ينبغي - على هذا - أن يقول: (رفضات)، إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة فسكن العين.
стр. 74
ومثل ذلك قوله:
ولكن نَظْراتٍ بعين مريضةِ ... أولاك اللواتي قد مثلن بها مثلا
وقول الآخر:
على صروفَ ... الدهرِ أو دولاتها
يدلننا اللمة ... من لماتها
فتستريح النفس ... من زَفراتها
وقول الآخر:
وحملت زَفْرات الضحى فأطقتُها ... وما لي بزَفراتِ العشي يدان
وقول لبيد:
رحلن لشقة ونُصِبن مصبا ... لوَخْرات الهواجرِ والسموم
وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
يا صاحب اجتنبن الشام إن بها ... حمّى زعافا وحصباتٍ وطاعونا
وقول الآخر، أنشده الزجاجي، في نوادره، لأعرابية:
فاجتث خيرهما من جنب صاحبه ... دهر يكر بفرحات وترحات
стр. 75
ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة، أن أكثر ما جاء من ذلك في الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة. ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه: يقال رجل عدل، أي عادل، فوقع (عدل)، وهو مصدر، موقع (عادل)، وهو اسم فاعل. وقال تعالى: (ليس لوقعتها كاذبة)، أي: كذبُ فوقع (كاذبة)، وهو اسم فاعل، موقع (كذب)، وهو مصدر.
والمعتل اللام من (فعلة) بمنزلة الصحيح اللام في أن العين لا تسكن في جمع الاسم منه إلا في ضرورة، نحو قوله:
دعا دعوة كرز وقد أحدقوا به ... فراغ ودعوات الخبيب تروغ
وقد شذوا في شيء من هذا المعتل اللام، فاستعملوا عينة ساكنة، في سعة الكلام: حكى أبو الفتح عن بعض قيس: ثلاث ظبيات، بإسكان الباء. وروي أيضاً عن أبي زيد عنهم: شرية وشريات.
ومنه: حذفهم الفتحة من آخر الفعل الماضي تخفيفاً، نحو قول وضاح اليماني
عجب الناس وقالوا ... شعر وضاح اليماني
إنما شعري - قَند ... قد خُلطْ (بالجلجلان)
следующие страницы →