← Адаб

Адаб · id 37491

قشر الفسر

الزوزني، أبو سهل

Полный текст (367 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقال في أرجوزة أولها: (ما أجدرَ الأيَّامَ واللَّيالي ... . . . . . . . . . . . . . . .) (لا يَتشكَّيْنَ منَ الكَلالِ ... ولا يُحاذِرْنَ منَ الضَّلالِ) قال أبو الفتح: أي ليست تصلُّ، لأنها لا تخطيء الحضيض. قال الشيخ: ولكنها لا تحاذر الضَّلال، لأنها مرمية مصابة، تتدهدى من الجبال، وبها أرماق، فكيف تشكو الكلال وتحذر الضلال؟ ويدلُّك عليه ما قبله: فهنَّ يهوينَ منَ القِلالِ ... مقلوبةَ الأظلافِ والإرقالِ يرقلنَ في الجوِّ على المَحالِ (ما يبعثُ الخُرسَ على السُّؤالِ ... فحُولُه والعُوذُ والمتالي)

стр. 282

قال أبو الفتح: فحُولُها بفتح الفاء، على أن تكون فاء الجواب كما تقول: قد أكثرت من الجميل، فالناس كلهم شاكر لك، فتأتي بالفاء، لأن فعله الجميل هو الذي كان سبب الشُّكر، فكذلك هذه الوحش إنما تمنت أن يُتحفها بوالٍ لما سمعت من أخباره العجيبة لكان وجهاً، ويكون الحُولُ جمع حائل، وهي التي حالت فلم تحمل. قال الشيخ: واعجبي من خالدٍ كيف لا ... يُخطئُ فينا مرَّةً بالصَّواب؟ ليس يصفه بجميل الفعل بها، وليس يتمنى وحش نجد أن يتحفها بوالٍ لأخباره، وإنما يتمناه لتسلم من أخطاره، ويدلُّك عليه قوله قبله وبعده، فأما قبله فقوله: فوحشُ نجدٍ منهُ في بلبالِ ... يخفنَ في سلمى وفي قيالِ نوافرُ الضِّبابِ والأورالِ ... والخاضباتُ الرُّبدِ والرِّئالِ والظَّبيُ والخنساءُ والذَّيَّالِ وأما بعده فقوله: يَوَدُّ لو يتحفُها بوالِ ... يركبُها بالخُطمِ والرُّحَّالِ يؤمنُها من هذهِ الأهوالِ ... ويُخمِسُ الغيثَ ولا يُبالي وماءَ كلِّ مسبلٍ هطَّالِ

стр. 283

فأين هذه الحال بما فسره بذلك المُحال؟ فأما فحولها، فمن فتحها فهي فاء ابتداء الاستئناف معنى من جملة كلام تقدم كقوله: ذكرتُك والخطّيُّ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . ثم قال: فواللهِ ما أدري وإنِّي لصادقٌ ... أداءٌ عراني من حُبابِكِ أم سِحرُ؟ وهي جمع حائل، وهذه أولى الروايتين مطابقة العُوذ، ومن ضم الفاء فهي جمع فحلٍ. (وماَء كُلِّ مسبلٍ هطَّالِ ... يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ) قال أبو الفتح: أي وحش هذين الجبلين على بعدهما من بلده، تمنى أن يقيم عليها والياً فتتذلَّل له ليركبها، ويأخذ خمس عشبها ومائها، ويؤمنها أن تُقصد لصيدها. قال الشيخ: هذا نقيض ما فسره أنها تمنت أن يتحفها بوالٍ لما سمعته من أخباره العجيبة اللَّهم إلا أن يكون أراد بأخباره العجيبة وصوله إلى ما لم يصل إليه أحد قبله من الناس في الجد وغيره، وإنها لم تأمن على بعد المسافة بينها وبينه صيده لها،

стр. 284

فتمنت واليه من هذه الجهة، فإن أرادها، فهو صواب، ولكن وجب أن يفسر أخباره العجيبة إذ ظاهرها جميل، والدليل على ما قلنا قوله بعده: يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ ... لو شئتَ صدتَ الأُسدَ بالثَّعالي أو شئت غرَّقتَ العدى بالآلِ ... ولو جعلتَ موضع الإِلالِ لآلِئاً قتلتَ بالَّلئالي

стр. 285

القافية الميميَّة وقال في قصيدة أولها: (وفاؤكما كالرَّبعِ أشجاهُ طاسمُهْ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (إذا ظفِرَتْ منكِ العيونُ بنظرةٍ ... أثابَ بها مُعْيي المَطيِّ ورازمُهْ) قال أبو الفتح: ومعناه إن الإبل الرَّازمة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا نحن؟ قال الشيخ: سبحان الله ما أعجب هذه القصة! ما بصر الإبل بالحسان والقباح؟ وكيف تنظر إلى المعاشيق فتعيش بها، وتظفر عيونها بالنظر إليها؟ هذا ما لم يقع في الإفهام، ولم يدر في الأوهام، ولم يُسمع بها في الجاهلية والإسلام، ومعناه إذا ظفرت عيون العشاق بنظرة منك صارت رواحلُهم بها صواحب ثواب، واستحقَّت أن تُثاب بها، ولا تُرحل، ولا تُركب، بل تسرح وتسيَّب لترعى، ولا تُكلَّف شُقَّة بعدها ولا مشقَّة، وكانت الرعب تفعل بها إذا كفتها خطباً وبلَّغتها مراداً صعباً كما قيل: ما هيَ إلاَّ شربةٌ بالحوأبِ ... فصعِّدي من بعدها أو صوِّبي

стр. 286

وكما قيل: فإذا المطيُّ بنا بلغنَ محمَّداً ... فظهورهُنَّ على الرِّجالِ حرامُ (وَتكمِلَةُ العيشِ الصِّبا وعقيبُه ... وغائبُ لونِ العارضينِ وقادمُهْ) قال أبو الفتح: سألته، فقلت له: أيُقال تكملة الشيء جميعه؟ فقال: هو جائز، لأنه بالجميع يكمل، وليس ما قال ببعيد. وقال: أردت بعقيبه: الشيب، لأنه يتلوه، يعني الهرم، والهاء في (وقادمه) عائدة على اللون يعني السَّواد والبياض. قال الشيخ: هذا كلام مختلط لفظاً ومعنى، وأظنه سمع منه كما قاله على تنقيح وتهذيب وحسن ترتيب فلم يحفظه. والدليل عليه أن الشيب لا يتلو الصِّبا حتى يكون عقيبه، فإن الشباب واسطة بين الصِّبا والشيب، وما أعرف لقوله: لأنه يتلوه يعني الهرم معنى وما بعده، وقوله: الهاء عائده على اللون صحيح، فأما قوله يعني السَّواد والبياض نمط قبيح من حيث خلط هذا بذلك حتى اختلطا فشمطا، ولم يجد ترتيباً. والمعنى كمال العيش الصِّبا وعقيبه أي الحظُّ وشرخ الشباب،

стр. 287

وغائب لون العارضين وغيبوبته في الشعر الأسود وقت الاجتماع، وقادمه الشيب الذي يتلوه، فمن استكمل هذه الأقسام الأربعة فقد استكمل العيش. (على عاتقِ المَلْكِ الأغرِّ نجادُهُ ... وفي يدِ جبَّارِ السَّماواتِ قائمُهْ) قال أبو الفتح: الملك برفع الميم لا غير. قال الشيخ: روايتي الملك بفتح الميم، يعني الخليفة، والدليل على صحته أنه سيف دولته، والمُلك لا يتقلَّد السيف، إنما يتقلَّده المّلك. يقول: قائمه في يد الله ونجاده على عاتق خليفة الله، كما قال: إنَّ الخليفةَ لم يسمِّكَ سيفَها ... حتِّى بلاكَ فكنتَ عينَ الصَّارمِ فإذا انتضاكَ على العدى في معركٍ ... هلكوا وضاقت كفُّه بالقائمِ وكما قال: فوا عجبا من دائلٍ أنتَ سيفُه ... أما يتوقَّى شَفرتَي ما تقلَّدا؟

стр. 288

(ويستكبرونَ الدَّهرَ والدَّهرُ دونَه ... ويَستعظمونَ الموتَ والموتُ خادمُهْ) قال أبو الفتح: أي إذا أراد قتل عدوٍّ قتله، فكأن الموت يُطيعه. قال الشيخ: هذا التفسير فاسد بقوله قبله، فإنه إذا كان قاتل فأبة خدمة للموت فيه؟ والمعنى إنه يخدمه الموت في المعارك بمساعدة جيشه على أعدائه فينفيهم، وإذا أراد قتل عدو سبقه به الموت فكفاه شغله كقوله: تغدو المنايا فلا تنفكُّ واقفةً ... . . . . . . . . . . . . . . . وكقوله: إذا فاتوا الرِّماحَ تناولتهم ... . . . . . . . . . . . . . . . وكقوله: ودَى ما جنى قبلَ المبيتِ بنفسهِ ... ولم يدهِ بالجاملِ العَكَنانِ ولم يدرِ أنَّ الموتَ فوقَ شَواتهِ ... معاُ جناحٍ محسنِ الطَّيرانِ وقوله: فمالكَ تُعنى بالأسنَّةِ والقنا ... وجدُّك طعَّانٌ بغيرِ سنانِ؟

стр. 289

ومالكَ تختارُ القِسيَّ وإنَّما ... عن السَّعدِ يُرمَى دونَك: الثَّقلانِ؟ لوِ الفَلَكُ الدَّوَّارُ أبغضتَ سعيَه ... لعوَّقه شيءٌ عنِ الدَّورانِ وقال في قصيدة أولها: (إذا كان مدحٌ فالنَّسيبُ المُقدَّمُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أطعتُ الغواني قبلَ مطمحٍ ناظري ... إلى منظرٍ يصْغُرنَ عنه ويعظُمُ) قال أبو الفتح: أي أطعتُهن، وأنا حدثٌ قبل أن أتعرض للأمور العالية، فلما قصدتها تركتُهن. وقوله: يصغُرن عنه وأعظم، يقول: هو وإن كبر عنهن، فإنه صغير عندي، والتقدير وأعظم عنه، فحذفه لتقدم ذكره. قال الشيخ: لا والله إن دريت ما فسره،

стр. 290

ومعناه عندي أنه شبب في هذه القصيدة بحب سيف الدولة بدل النَّسيب بالحِبَّة، وقال: إذا كان مدح فالنَّسيب المقدَّم، ثم قال على وجه الإنكار: . . . . . . . . . . . . . . . ... أكلُّ فصيحٍ قال شعراً مُتيَّمُ؟ لحُبُّ ابن عبد اللهِ أولى فإنَّه ... به يُبدأُ الذِّكرُ الجميلُ ويُختَمُ ثم قال: أطعت الغواني في حبِّهنَّ، والتَّشبيب بهن قبل أن طمحت إلى شخص سيف الدولة الذي يصغرن عنه، ويعظم ذلك المنظر من هذا، فحوَّلت التَّشبيب عنهن إلى حبِّه، فابتدأت به، واختتمت به، ويدلَّك عليه البيتان المتقدمان. وروايتي يعظم بالياء، أي بالجمع بينه وبينهن في شعر بالتَّشبيب بهن والمدح. (فجازَ له حتَّى على الشَّمسِ حُكْمُه ... وبانَ له حتَّى على البدرِ مِيْسَمُ) قال أبو الفتح: الميسم: الحسن، أي فاق البدر في الحسن. قال الرَّاجز: يفضلُها في حسبٍ وميسَمِ

стр. 291

قال الشيخ: المعنى عندي بخلافه، والميسم: المَكوى الذي يُوسم به، يقال للكيِّ أيضاً: ميسم، فهو يقول: فجاز له الحكم على الخلق أجمع حتى على الشَّمس فتتصرف بإذنه، كما قال في كافور: ولا تُجاوِزُها شمسُ إذا شرَقت ... إلاَّ ومنه لها إذنٌ بتغريبِ وبان له كيُّ على الأشياء توسم به حتى على البدر، فإنه على بُعد محلِّه أيضاً تحت ميسمه، وأراد به الكلف الذي فيه كأثر الميسم، كما قال أيضاً في كافور: وقد وصلَ المُهرُ الذي فوقَ فخذهِ ... منِ أسمِك ما في كلِّ عُنقٍ ومعِصَمِ لكَ الحيوانُ الرَّاكبُ الخيلَ كلُّه ... وإن كانَ بالنِّيرانِ غيرَ مُوسَّمِ (تساوتْ به الأقطارُ حتَّى كأنَّما ... يجمِّعُ أشتاتَ الجبالِ وينظِمُ) قال أبو الفتح: أي تُحيط خيله بالجبال، وهو كالجبل، فكأنه يؤلف بينها لسعته وكثافته.

стр. 292

قال الشيخ: روايتي أشتات البلاد، وهذا الشرح بعيد من معناه خسيس كما تراه، والرجل يقول: عمَّ جيشه الأرض بحذافيرها حتى تساوت به آفاق الأرض وأقطارها لعمومه لها واشتماله عليها حتى كأنه يجمع أشتات البلاد وتفاريقها وينظمها في سلك من جيشه كما قال أيضاً فيه: خميسُ بشرقِ الأرض والغربِ زحفُه ... وفي أُذنِ الجوزاءِ منهُ زمازمُ إلا أن هذا المعنى أبلغ من الأول المعنى أبلغ من الأول، لأنه جمع المشرق والمغرب في زحفه، وبلغ به السماء حتى وصف أصواته ببلوغها ووقوعها في أذن الجوزاء، وخصها من بين سائر البروج لأنها على صورة الإنسان كما يقال. (على كلِّ طاوٍ تحتَ طاوٍ كأنَّه ... منَ الدَّمِ يُسقَى أو منَ اللَّحمِ يُطْعَمُ) قال أبو الفتح: وقوله من الدَّم يُسقى أو من اللحم يُطعم يحتمل أمرين: أحدهما أنه يغتذي لحم نفسه ويشرب من دمها، فقد ازداد ضُمره وهُزاله وطواه إذ ليس له غذاء ولا مشرب إلا من جسمه.

стр. 293

والآخر أن يكون كأن مطعمه من لحوم الأعداء ومشربه من دمائهم، فهو يقحم عليهم، ويوغل في طلبهم لخمصِه ليدرك مأكله ومشربه من أعاديه. قال الشيخ: المعنى الأول الذي شرحه هجاء بحت، والثاني مُحال محض، وذلك أن الخيل التي تحتاج إلى اغتذاء لحمها وشرب دمها مضاعة غير مُتعاهدة ولا معلوفة ولا مسقيَّة ولا مألوفة حتى إذا طالت عليها هذه الحالة عجفت وسقطت قواها، وخانت نفوسها شواها، فكأنها أكلت لحمها، وشربت دمها من حيث لم يبق لها طَرَقٌ ولا قوة، وهذا هو النهاية في اللُّؤم والخسة والحُمق والذِّلة. والثاني أنها لا تُطعم اللحم ولا تشرب الدَّم ولا تُضمر بهما ولا تُخمَّص، وهو قد بتَّ القول به، وهو يقول: على كل طاوٍ تحت طاوٍ، وتمت هنا صفة الفارس والفرس، وذلك أن الفارس يوصف بأنه دقيق الخصر ضربٌ خفيف الجسم كما قال البحتري: إذا أثقلَ الهِلباجُ أحناَء سرجهِ ... غدا طِرفُه يختالُ بالمرهفِ العَضبِ والفرس يوصف بالضُّمر كقول الأول: لو يشَا طارَ به ذو ميعةٍ ... لاحقُ الآطالِ نَهدٌ ذو خُصَل وكقول القائل: . . . . . . . . . . . . . . . ... وهنَّ منَ التَّعداءِ قُبٌّ شوازبُ

стр. 294

وكقول المتنبي: وشُزَّبٌ أحمتِ الشِّعرى شكائِمَها ... ووسَّمتها على آنافِها الحَكَمُ وقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . والمطهَّمةَ القُبَّا ثم قال: كأنه من الدَّم يُسقى أو من اللحم يُطعم لإلفه لهما وأُنسه بهما وقلة نفاره عنهما لاعتياده كثرة رؤيتهما في وقعاته ومرونه على دوام مشاهدتهما في غزواته كما يقول فيه: وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركتَ جَمعَهمُ أرضاً بلا رجلِ ما زالَ طرِفُكَ يجري في دمائِهمُ ... حتَّى مشى بكَ كَشيَ الشَّاربِ الثَّمِلِ وكقوله فيه: تعوَّد أن لا يقضِمَ الحَبَّ خيلُه ... إذا الهامُ لم ترفع جُنوبَ العلائقِ ولا تردُ الغدرانَ إلاَّ وماؤُها ... منَ الدَّمِ كالرَّيحانِ تحتَ الشَّقائِقِ وقال في قصيدة أولها: (واحرَّ قلباهُ ممَّنْ قلبُه شبمُ ... . . . . . . . . . . . . . . .)

стр. 295

(رجلاهُ في الرَّكضِ رجْلٌ واليدانِ يدٌ ... وفعلُه ما تريدُ الكفُّ والقدَمُ) قال أبو الفتح: يصف استواء وقع قوائمه وصحة جريه كما قال جرير: من كلِّ مشترفٍ وإن بعدَ المدى ... ضرمِ الرَّقاقِ مناقلِ الأجرالِ أي: يتوقى في جريه وطء الصخور لحذقه به، وقوله: وفعله ما تريد الكفُّ والقدم، أي: جريه يغنيك عن تحريك السَّوط والقدم. قال الشيخ: هذا وجه، والمعنى عندي أنه يصفه بلين العنق، والمعاطف، أي: يدور كما يُدار عنانه، ويعمل كما يستعمله القدم من أنواع الجري والطُّمور والحُضر وغيرها بتثقيل ركابه وتخفيفه كما يقول: تثنَّى على قدرِ الطّعان كأنَّما ... مفاصلها تحتَ الرِّماحِ مراوِدُ وقوله: يحكُّ أنَّى حكَّ الباشقِ

стр. 296

(ومُرهفٍ سرتُ بينَ الموجتينِ به ... حتَّى ضربتُ وموجُ الموتِ يلتطمُ) قال أبو الفتح: يعني سيفاً شقَّ به صفَّين، فضرب به، وأراد بالموج: الأمواج، فوضع الواحد موضع الجماعة، ألا ترى أنه قال:: يلتطم، والالتطام لا يكون من واحد، ويدلُّك على أنه قد أراد ما فوق الواحد: قوله سرت بين الموجتين، وقد يجوز أيضاً أن يكون الموج جمع موجة. قال الشيخ: روايتي بين الموكبين به، وهذا أحسن وأولى من جمع هذه الأمواج كلها، فإن في قوله: بين الموجتين وموج الموت سخافة بيِّنة، والموج جمع موجة هنا لا غير. (يا من يعِزُّ علينا أنْ نفارقَهمْ ... وِجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدَكمْ عدَمُ) قال أبو الفتح: هذا نُحو قوله أيضاً في فاتك: عدمُته وكأنِّي سرتُ أطلُبه ... فما تزيدُنيَ الدُّنيا على العَدَمِ؟ قال الشيخ: هذا قريب منه، لكنه يحتاج إلى بسطٍ، لأن فيه زيادة معنى، وذلك أنه يقول في فاتكٍ: عدمته، وكأني أطلبه بقطعي الأرض، فلا أجده، ويقول في هذا البيت:

стр. 297

يا من يعزُّ علينا فراقهم، كلُّ موجودٍ لنا بعدكم عدمٌ بالقياس إليكم إّ لا مخدوم بالقياس إلى خدمتكم مخدوم، ولا جاه بالقياس إلى جاه قربكم، جاه ولا نوال بالقياس إلى نوالكم نوال، ولا حال في جنب حالكم حال، فإذا وجدانُنا كل ما نجد بعدكم عدمٌ لا وجود. (بأيِّ لفظٍ تقولُ الشِّعرَ زعنفةٌ ... تجوزُ عندكَ لا عُرْبٌ ولا عَجمُ؟) قال أبو الفتح: الزِّعنفة بكسر الزَّاي واحدة الزَّعانف، وهو سُقَّاط الناس وسفلتُهم، وأصله من زعنفة الأديم، وهو ما يسقط منه إذا قُطع، فشُبه به رُذال الناس، وبالفتح: التَّزيين. يقول: ليست فيهم فصاحة العرب ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب، فليسوا شيئاً. قال الشيخ: بأي لفظ يقول الشعر سُقَّاط الناس؟ تجوز عندك لا عربٌ ولا عجم، أي: لا عربي ولا عجمي، بل ألفاظ كألفاظ أهل السَّواد والزُّطِّ والأنباط، لا من ألفاظ العرب ولا من ألفاظ العجم.

стр. 298

وقال في قصيدة أولها: (على قدرِ أهل العزمِ تأتي العزائمُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (هلِ الحدثُ الحمراءُ تعرفُ لونَها ... وتعلمُ أيُّ السَّاقيينِ الغمائمُ؟) قال أبو الفتح: أي لا تعرف لونها، لأنه قد بناها غير البناء الأول، لأن الحجر الذي بُنيت به كان أحمر اللون، ويجوز أن يكون سمَّاها حمراء لأن الدِّماء أُريقت بها. قال الشيخ: المعنى ما أشار إليه أخراً، ولم يستقصِه، وما الأول بشيء، لأن البناء لو بُني ألف مرة من تربة واحدة، لم يتغير لونه، وما الذي يوجب في بنائها لها ثانياً أن تنكر لونه ولا تعرفه؟ ومن يقول: إن الحجر الذي بنيت به كان أحمر؟ وهبه كذلك لمَ لا تعرف لونها لحمرة حجارة بُنيت منها؟ على أن الحجارة التي تنصب بها الأبنية تُطين بعدها، فيغيِّر الطِّين ألوانها. هذه كلها فاسدة كما ترى، والمعنى أن سيف الدولة أراق بها من الدِّماء الرَّويَّة ما اختضبت به تلك البقعة عُلواً وسُفلاً، فاحمرت هذه البنيِّة، وتغير لونها بخضاب الدِّماء، والرجل يقول: تعرف لونها، فإنه ليس لونها الذي كان من قبل، والدليل عليه المصراع الثاني وما يتلوه، وهو قوله:

стр. 299

. . . . . . . . . ... وتعلمُ أيُّ السَّاقيينِ الغمائمُ؟ سقاها الغمامُ الغُرُّ قبلَ نزولهِ ... . . . . . . . . . . . . . . . فغسلها وصفَّ لونها. . . . . . . . . . . . . . . . ... فلَّما دنا منها سقتها الجماجمُ فخضبتها، وغيرت لونها، وجعلتها حمراء، فهل تعرف لونها؟ فإنها ساعة تكون كذا في سفح الغمائم، وساعة كذا في سقي الجماجم، فقد حارت في لونيها وساقييها، فما تدري أيهما لونُها، وأيهما ساقيها. (وكانَ بها مثلُ الجنونِ فأصبحتْ ... ومِنْ جُثّثِ القتلى عليها تمائمُ) قال أبو الفتح: يقول لما قتل الرُّوم بها، وصاروا مثل العُوذ لها كانت كأنها قبلَ ذلك كانت ذات جنون، وقد لاذ فيه بقول أبي تمَّام: تكادُ عطاياهُ يُجَنُّ جُنُونُها ... إذا لم يُعِّوذها بنغمةِ طالبِ

стр. 300

قال الشيخ: قوله كأنها قبل ذلك كانت ذات جنون، لِمَ كانت ذات جنون؟ وما الذي حل بها حتى جَنَّت به؟ وهذا شرح يحتاج إلى شرح، ومعناه: إن الرُّوم كانت استولت عليها، فزالت عن أيدي المسلمين، وصارت في أيدي الكافرين، وكان بها مثل الجنون لزوالها عن يد الحقِّ وانتقالها إلى يد الباطل، فأصبحت في تمائم من جثث القتلى من الرُّوم وعُوذ من جيفها، ثَفتها غواشي الجنون بعدها، ويُعيذُها من أن يلمَّ بها، وهذا كما قيل: فليتكَ حولي ما تُفارقُ مضجعي ... وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ كأنِّيَ ملحوظٌ منَ الجِنِّ نظرةً ... وهنَّ حواليَّ الرُّقى والتَّمائمُ والدليل على صحة ما قُلنا أنه يقول فيها: طريدةُ دهرٍ ساقَها فرددتَها ... على الدِّين بالخَطِّيِّ والدَّهرُ راغِمُ (تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيءٍ أخذتَه ... وهنَّ لِمَا يأخذْنَ منكَ غَوارِمُ) قال أبو الفتح: أخذنه بالنون. قال الشيخ: سمعته بالنون والتاء، والتاء أبلغ في المدح وأحسن وأعظم في القدرة

стр. 301

لسيف الدولة، وذك أنه يقول: تُفيت الليالي أنت يا سيف الدولة كل شيء أخذته، فما تقدر الليالي على ارتجاعه عنك، وهنَّ لما يأخذن منك غوارم بعجزها عنك، فتحتاج تردُّها راغمة وتغرمه صاغرة كما رُدَّت الحدث إليك، فكلا طرفي روايتي التاء مدح سيف الدولة، والطرف الأول في رواية النون صفة أو مدح الليالي، والثاني مدح سيف الدولة. (وقدْ حاكموها والمنايا حواكمٌ ... فما ماتَ مظلومٌ ولا عاشَ ظالمُ) قال أبو الفتح: أي لما ظموا وعتوا بقصدهم هدمها أهلكهم سيف الدولة، وسلِمَ أصحابه. قال الشيخ: المعنى غيره، وهو أن الرُّوم حاكموا الحدث إلى المنايا ظالمين، فعاش المظلوم، وهو الحصن بمن فيه، ومات الظالم، وهو من قصدها باغياً. (خَميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُه ... وفي أُذنِ الجوزاءِ منه زمازمُ)

стр. 302

قال أبو الفتح: جعل للجوزاء أُذناً استعارة، أي لو كانت لها أُذن لسمعت بها. قال الشيخ: ليس كذلك، ولو كان كذلك لما خصَّ الجوزاء دون سائر البروج، فإن الاستعارة جائزة في الجميع، وقد مر شرحه في شرح قوله: تساوت به الأقتارُ حتَّى كأنَّه ... يُجمِّعُ أشتاتَ الجبالِ وينظُمُ (تجاوزتَ مقدارَ الشَّجاعةِ والنُّهى ... إلى قولِ قومٍ أنتَ بالغيبِ عالمُ) قال أبو الفتح: في أخر هذا البيت بعض المنافرة لأوله، لأن الشجاعة لا تُذكر مع علم الغيب، ولولا أنه ذكر النُّهى، وهو العقل لكان الأمر أشدَّ تبايناً لأن العاقل عالم بأعقاب الأمور، ولو كان موضع الشجاعة الفطانة لكان أليق بعلم الغيب، إلا أنه كان في ذكر الحرب، فكانت الشجاعة من ألفاظ وصفها، ويجوز أن يكون ذكر الشجاعة مع علم الغيب، لأنه كأنَّه عرف ما يصير إليه، فتشجع، ولم يحذر الموت. قال الشيخ: ما فيه من المنافرة شيء وقد ذكر الشجاعة في موضعها وعلم الغيب في موضعه، وما فيه مكان تعيير ولا تغيير، على أن الشارح تلافاه في أخر كلامه، وما استوفاه، فإنه يقول: تجاوزت مقدار الشجاعة والعقل في وقوفك حيثما وقفت في ذلك المأزق إلى قول قومٍ ينسبونك إلى علم الغيب، فإن من لم يكن عاقلاً عالماً بالغيب موقناً بأنه لا يُصاب ولا يُؤسر ولا يُجرح ولا يُقسر ولا يُهزم ولا يُكسر لم تُطاوعه نفسه

стр. 303

ولم يُساعده قلبه على الوقوف حيث وقفت، فإن ذلك مجاوز حدَّ الشجاعة وحدَّ العقل، فلا يقتضيه أحدهما بحالٍ، ويدلُّك عليه ما يتقدمه، وهو قوله: وقفتَ وما في الموتِ شكٌ لواقفٍ ... كأنَّك في جفنِ الرَّدى وهو نائمُ (بضربٍ أتى الهاماتِ والنَّصرُ غائبٌ ... وصار إلى اللَّبَّاتِ والنَّصرُ قادمُ) قال أبو الفتح: يقول إذا ضربت عدواً، فحصل سيفك في رأسه لم تعتدد ذلك نصراَ ولا ظفراً، فإذا فلق السيف رأسه فصار إلى لبَّته، فحينئذ يكون ذلك عندك نصراً، ولا يرضيك ما دونه. قال الشيخ: ليس في البيت من هذا التقدير شيء إذ ليس يقول: يعتدُّ هذا نصراً، ولا يعتدُّ ذلك نصراً، وليس النصر ما يعتدُّه الإنسان أو يقدِّرُه، وإنما يقول: ضممت جناحيهم على قلبهم ضمَّة، وفتحت هذا الفتح العظيم بضربٍ، أتى الهام، والنصر بعدُ غائب، لأنه لم يدرِ كيف يكون أثره؟ أيعمل في المضروب عمله، وتكون اليد والنَّصرة له أم ينبو السيف؟ ولا يجيئك في المضروب، فيميل المضروب على الضارب، فيغلبه، وينقلب الأمر عليه؟ فلما رسب إلى الصدور بعد الهام والرؤوس والأعناق والفِهاق قدم النَّصر إذ ذلك لتبيُّن الضارب من المضروب والغالب من المغلوب.

стр. 304

(نثرتَهمُ فوقَ الأحيدِبِ كلِّه ... كما نُثِرتْ فوقَ العروسِ الدَّراهمُ) رواه أبو الفتح: كلِّه. قال الشيخ: كلَّهم، وهذا أحسن وأبلغ في القهر والمدح، لأن كلَّهم يشتمل على جميعهم، وكلَّه لا يؤدي هذا المعنى، فإنه يجوز أن يغمر ويشتمل الأحيدب بعضهم، ولا يدخل الباقون في نثره على الأحيدب. (تدوسُ بكَ الخيلُ الوكورَ على الذُّرا ... وقدْ كثُرتْ حولَ الوكورِ المطاعمُ) قال أبو الفتح: يقول إذا أخذوا عليك درباً، صعدت إليهم إلى رؤوس الجبال فقتلتهم هناك، فلذلك تكثر المطاعم حول الوكور. قال الشيخ: ما فيه من حديث الدَّرب وأخذه شيء، والرُّوم أهل الجبال، وقد تسنَّموها، وتوقُّلوها فزعاً منه إلى حيث وكور العقبان في قُللِها وقُننِها وحيث لا يرتقبه إلا

стр. 305

العُقاب، فقال: صعدتها خيلُك بأن صعدت إليها بخيلِك، فجعلت تدوس وكور العقبان، وتقتل الرُّوم حواليها، فكثرت مطاعمها. (تظنُّ فِراخُ الفُتْخِ أنَّك زُرْتَها ... بأُمَّاتِها وهيَ العِتاقُ الصَّلادمُ) قال أبو الفتح: يقول إذا رأت فراخ العقبان خيلك، وقد أشرفت على وكورها ظنَّتها أُمَّاتِها، لأن خيلك كالعقبان شِدَّة وسُرعة وضمراً. قال الشيخ: ما فسره إلى أمَّاتِها صحيح، وبعده لا، فإنه يقول: ظنَّتها أمَّاتِها، لأنها لم ترَ شيئاً من الحيوان بلغتها غير أمَّاتِها، ولم تعهده فظنَّتها أمَّاتِها كما رأت وعهدت منذ وجدت. وقال في قصيدة أولها: (أراعَ كذا كلَّ الأنامِ هُمامُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (إذا خافَ مَلْكٌ مِنْ ملوكٍ أجرتَهُ ... وسيفَك خافوا والجِوارَ تُسامُ) قال أبو الفتح: إذا كنت تُجير من غيرك، فإن تجير من نفسك أولى.

стр. 306

قال الشيخ: المعنى هذا غير أن العبارة رديئة، وكان يجب أن يقول: أنت ملك الملوك وسيدهم، فإذا خاف يعضهم بعضاً، أجرته وخفرته، فأمن في ذَراك، وامتنع بحماك، والرُّوم يخافون سفك، ويرومون جوارك، فكيف لا تُجيبهم إليه ولا تُجيرهم؟ (تغُرُّ حلاواتُ النُّفوسِ قلوبَها ... فتختارَ بعضَ العيشِ وهوَ حمِامُ) قال أبو الفتح: قلوبها، أي قلوب النفوس، فتختار الهرب خوفَ القتل، وهو كالقتل. قال الشيخ: ليس كذلك، فإنه يصف الطَّلب لا الهرب، فيقول: تغُرُّ حلاوات النفوس قلوبها، حتى تذلَّ وتخضع وتخشع وتطلب الأمن بالسِّلم، وتنقاد لما تُسام من الخسف والظُّلم، ويجري عليها من القضاء والحُكم، وتختار بها بعضاً من العيش لتبقى مديدة فيه، وهو موت كقوله: ولِموتٍ في العزِّ يدنو محبٌّ ... ولعيشٍ يطولُ في الذُّلِّ قالي ويدلُّك على ما قلناه قوله بعده: وشرُّ الحمامين الزُّؤامين عيشةً ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 307

وقوله بعده: فلو كانَ صلحاً لم يكن بشفاعةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . وقوله: ومنٌّ لفرسانِ الثُّغورِ عليهمُ ... بتبليغهم ما لا يكادُ يُرامُ أي ذكرٍ هنا للحرب والمقام والهرب؟ فهم في السِّلم وطلبها لا في الحرب وحربها. (وإنْ طالَ أعمارَ الرِّماحِِ بهُدنةٍ ... فإنَّ الذي يَعمُرْنَ عندكَ عامُ) قال أبو الفتح: أي أطول أعمار الرماح عندك في الهدنة عامٌ، لأنك لا تُغبُّ قصد الرُّوم أو طرد الأعراب. والوجه أن يُقال: يعمُرن فيه، ولكنه شبَّه الظرف بالمفعول به اتساعاً. قال الشيخ: رواية ظريفة إلا أنها سخيفة، ما سمعنا بأعمار الرماح ولا بعمر الرُّمح، والرجل إن لم يكن يُغبُّ قصد الرُّوم وطرد الأعراب، أفلم يكن يعمل من ضروب السلاح غير الرماح حتى حسن اختصاصها بها دون سائر الأسلحة؟ وإن كان أراد ما فسره فهلاَّ قال: فإن طال أعمار السلاح بهدنة حتى كانت مشتملة على جميع ضروبها لا؟ ولكن الرواية الصحيحة، وإن طال أعمار الرجال بهدنة، فإن الذي يعمرن،

стр. 308

أي: الأعمار عندك لا تربي على عامٍ واحد، وأراد بها الرُّوم، فلماذا تُضايقهم بهدنة في عام، فإنها لا تزيد عليه عندك؟ وقال في قصيدة أولها: (عُقبى اليمين على عُقبى الوغى نَدَمُ ... ماذا يزيدُكَ في إقدامِكَ القسمُ؟) قال أبو الفتح: أي إذا حلفت أن تلقى من لست من رجاله، هل يزيد يمينُك في شجاعتك؟ قال الشيخ: المعنى ما ذكره غير أن العبارة ناقصة من استكمال المعنى، وذلك أن صاحب الرُّوم كان أقسم برأس ملكهم أن لا يولِّي عن سيف الدولة، فلمَّا التقيا امتلأت ضلوعه رعباً، فلم يستطع به حرفاً، فولَّى منهزماً، فقال المتنبي: عاقبة اليمين ندامةٌ على عاقبة حرب المسلمين، أي: ندم على ما قدَّم من قسمه عند منهزمه، وودَّ لو لم يقسم، فكان لا يجمع على نفسه خزاية الانهزام والحِنث في الإقسام، ثم بعده ما فسره.

стр. 309

(والنَّقعُ يأخذُ حرَّاناً وبُقعتَها ... والشَّمسُ تُسفرُ أحياناً وتلتثمُ) قال أبو الفتح: تسفر: تظهر، وتلتثم بالغبار، أي: تستتر. قال الشيخ: الرواية الصحيحة: ويتركها، لا: وبُقعتها، فإن في قوله يأخذ حراناً غُنيةٌ عن قوله: وبُقعتها، فهو تكرار بلا معنى، فإنه إذا أخذ حرَّاناً، فقد أخذ بقعتها، ثم قوله: يأخذ بإزاء يتركها، وتسفر بإزاء تلتثم. وهذا هو التقسيم الصحيح والتطبيق المستقيم واللفظ والمعنى في التقابل والتعادل من بدائعه. (سُحْبٌ تمرُّ بحصنِ الرَّانِ ممسكةً ... وما بها البُخلُ لولا أنها نِقَمُ) قال أبو الفتح: يعني جيش سيف الدولة، وحصن الرَّان من عمله، فيقول: إمساكها ليس بخلاً، وإنما هو إشفاق على دياره. قال الشيخ: هذا أعجب من ذهاب هذه المعاني على مثله، وما قبلها وبعدها يشهد بها، ويدل عليها، فأنى صرف عنها ترى؟ الرجل يقول قبله: والنَّقعُ يأخذُ حرَّاناً ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 310

وسُحبٌ تمرُّ ... . . . . . . . . . . . . . . . صفته بعده، فيقول: هذا النَّقع سحبٌ تمرُّ ولاءً بحصن الرَّان ممسكة عن المطر لا للبخل، ولكن لأنها سحب النِّقم لا سحب النِّعم وعجاج الحرب لا سحاب القطر، وما أحسن ما شبَّه طوالع الغبار بطوال السحاب في أخذ الجو وحجب الشمس وظلام الأفق، ثم ما أحسن ما اعتذر لها بالإمساك عن المطر، فلا أدري كيف قال: إمساكها ليس بخلاً، وإنما هو إشفاق على دياره؟ وما أدري ماذا أراد به، وإمساكها عن ماذا؟ فإن كان عن المطر فما هو بإشفاق على داره، وإن كان على الغارة فلا تحسن العبارة عنه بالبُخل، فإنه أنفع من كل جودٍ، وروايتي: إلا أنها نِقَم. (جيشٌ كأنَّك في أرضٍ تُطاولُه ... فالأرضُ لا أَممٌ والجيشُ لا أَمَمُ) قال أبو الفتح: أي الأرض عظيمة، والجيش كذلك، أي فكأنهما يتطاولان. قال الشيخ: بَخس المعنى - والله - حقه على شرفه، أو لم يَغُص عليه، فتغاباه لشرفه، ولِمَ لم يفسر قوله؟ كأنك في أرض تُطاوله، وفسر المصراع الثاني لظهوره.

стр. 311

ومعناه في أرض تطاول هي جيشك، وليس من المعهود والمعتاد مطاولة الجماد غيره، فكأنك في أرضٍ تطاول هي جيشك، فلا أرض قريبة ولا جيش قريب، ثم فسره بعده: إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌ ... وإن مضى علمٌ منه بدا علمُ (حتَّى وردنَ بسُمنينٍ بحيرتَها ... تَنِشُّ بالماءِ في أشداقِها اللُّجُمُ) قال أبو الفتح: هذا مثل قول الآخر: يَنِشُّ الماءُ في الرَّبَلاتِ منها ... نشيشَ الرَّضفِ في اللَّبنِ الوغيرِ يصف فرساً عرقت. قال الشيخ: إن كان يصف فرساً عرقت، فالمتنبي يصف شكائم حميت، وما يجمع بين البيتين إلا النَّشيش، وليس هو من الإشكال بحيث يدلُّ عليه بالإشكال، فكيف رضي به، وأغمض عن المعنى؟ ومأخذ المعنى البيت الأول الذي قبله: وشُزَّبٌ أحمتِ الشِّعرى شكائمَها ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 312

وتمامه في قوله: حتَّى وردنَ بسمنينٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . والنشيش: الصوت الذي تسمعه من الخزف والحديد المحمى وأمثالها إذا أصابها الماء. (فلا سقى الغيثُ ما وراهُ منْ شجرٍ ... لو زلَّ عنه لوارتْ شخصَه الرَّخَمُ) قال أبو الفتح: أي لو لم يعتصم بما دخل فيه من الدَّغل لقُتل، فأكلته الطير، فوارته في أجوافها. قال الشيخ: المعنى الصحيح إلى قوله: فوارته أجوافها، فإنه سقيم، فإن المتنبي يقول: لوارت شخصه الرَّخم، والذي وارته الطير منه في أجوافها أجزاء شخصه لا شخصه، فإنه يُسمى شخصاً ما بقي بحاله، فإذا تفرق وتجزأ، كان أجزاءً لا شخصاً، وقوله: لوارت شخصه الرَّخم، أي: إذا وقعن على شخصه صريعاً ينهشه لكثرتها وتزاحمها عليه ما يتوارى شخصه فيها.

стр. 313

القائمُ الملكُ الهادي الذي شهدتْ ... قيامَه وهُداهُ العُرْبُ والعجمُ قال أبو الفتح: القائم: المدبِّر للأمور من قوله تعالى: (الرِّجالُ قوَّامونَ على النِّساء). قال الشيخ: القائم: صاحب الأمر، يقول: هو ملك العرب والعجم، وهاديهم ومرشدهم، وهم شاهدو قيامه بأمورهم وإرشادهم. وقال في قصيدة أولها: (كُفِّي أراني ويكِ لومُكِ ألْوَما ... . . . . . . . . . . . . . . .) (نُورٌ تظاهرَ فيكَ لاهوتَّيهً ... فتكادُ تعلمُ علْمَ ما لنْ يُعلما) قال أبو الفتح: لاهوتية كقولك: إلاهيَّة، ولست أعرف هذه اللفظة في كلام العرب، على أن العامة قد أُولعت بها، ونصب لاهوتية على المصدر، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في (تظاهر) ولو كان لاهوت من كلام العرب لكان اشتقاقه من لاهٍ، الذي أدخل

стр. 314

عليه الألف واللاَّم. قال الشيخ: روايتي: لاهوتية بالإضافة دون التنوين، وأن يعلما بالياء. وقال في قصيدة أولها: (ملامُ النَّوى في ظُلمِها غايةُ الظُّلْمِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (إذا بيَّت الأعداَء كان استماعُهمْ ... صريرَ العوالي قبلَ قَعْقَعةِ اللُّجْمِ) قال أبو الفتح: أي يبادر إلى أخذ الرُّمح، فإن لحق إسراج فرسه فذاك، وإلا ركبه عُرياً. قال الشيخ: ما اهتدى إلى ما فسره منه، والمعني عندي: أنه يباغتُهم ويُفاجئُهم في ذلك البَيات، فيكون استماعهم لصرير العوالي المفرّقة بينهم الوالغة في مُهجاتهم المبالغة في سفك نفوسهم وإراقة دمائِهم قبل

стр. 315

استماع قعقعة اللُّجم المطلقة بقصدهم وحصدهم فِعل أُولي الحزامة في طيِّ الأخبار والآثار وإمساك الأصوات عن الأعداء حتى تهجَّموا عليهم بغتة وفجأة. (وإنْ تُمسِ داءً في القُلوبِ قناتُه ... فَمَمْسَكُها منه الشِّفاءُ منَ العُدْمِ) قال أبو الفتح: مُمسَكها: موضع إمساكها يعني كفَّه كقولك: المُدخل والمُخرج. قال الشيخ: روايتي: فممسِكُها بكسر السِّين، يعني كفَّه. (وجَدْنا ابن إسحاقَ الحسينَ كحَدِّهِ ... على كثرةِ القتلى بريئاً منَ الإثْمِ) قال أبو الفتح: أي كحدِّ هذا السيف هو كثير القتلى، ولا إثم عليه، لأنه لا يضع الشيء في غير موضعه كما أن حدَّ السيف كثير القتل، وهو مع هذا غير أثيمٍ. قال الشيخ: حدُّ السيف لا يكون أثيماً، لأنه جماد، لا يجوز أن يكون الممدوح لا يغفل، وهو لا يعلم حتى لا يأثم، ولو كان عاقلاً لكان يأثم، فإنه يقتل البريء والسَّقيم. وروايتي كجدِّه بالجيم، أي: هو ملك وأبن ملوك، ومن بيت المملكة، ولابد للملك من إقامة الحدود وكثرة القتل بالحق، وهذا كجدِّه على كثرة القتل بريء من الإثم، لأنه يقتل بالحقِّ في إقامة الحدِّ.

стр. 316

(له رحمةٌ تُحيي العظامَ وغضبةٌ ... بها فضلةٌ للجُرمِ عنْ صاحبِ الجُرْمِ) قال أبو الفتح: يقول إذا أغضبه مجترم لأجل جرمٍ جناه، تجاوزت غضبته قدر المجرم، فكانت أعظم منه، فإما احتقره فلم يُجازه، وإمَّا جازاه فتجاوز قدر جرمه فأفناه. قال الشيخ: ما هما بشيء، ومعناه: له رحمةٌ تحيي العظام لإفراطها، وغضبته تُفني المجرم، فإذا أهلكت صاحب الجرم فضلت فيه فضلةٌ منها لذلك الجرم، فأهلكته، وأفنته مع المجرم، فلا يُقدم على ذلك الجرم بعده أحد، فيفقد الجرم مع المجرم. وقال في مطلع قصيدة: (أحقُّ عافٍ بدمعِكَ الهِممُ ... أحدثُ شيءٍ عهداً بها القِدَمُ) قال أبو الفتح: ليس العافي هاهنا الطالب والقاصد، وسألته عن معنى هذا البيت، فقال: أحقُّ ما صرفت عليه بُكاءك همم الناس، لأنها قد ذهبت ودرست، فصار أحدثُها عهداً قديماً. قال الشيخ: العافي هاهنا الدَّارس لا غير، والدليل عليه المعنى الذي حكاه المتنبي.

стр. 317

وقال في قصيدة أولها: (فُؤادٌ ما تسلِّيه المُدامُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (ولو لم يَرْعَ إلاَّ مُستحِقٌّ ... لرتُبتهِ أسامَهمُ المُسامُ) قال أبو الفتح: يقول فالذي يدبِّر أمور الناس، يحتاج إلى من يدبِّره، وهو مُخلى بلا ناظر في أمره، فلو لم يلِ الأمر إلا من يستحقه لخلَّى الناس من خُلِّي وإياهم، لأنه لا يستحق أن يلي عليهم أمورهم. قال الشيخ: لا اشتغل بنقصه، فإني إذا شرحته فضحته، فتبينت فساده. الرجل يقول: لو لم يكن يرعى إلا مستحق لرتبته أن يرعى غيره لأسام القوم المسام، أي المواشي والبهائم ولرعى الرُّعاة والرَّعية، فإن البهائم في سهلها أحق برتبة الرَّعي من رُعاتها، فإنهم أجهل منها وأضلُّ وأولى بأن يكونوا مسامين لا مُسيمين، والرعايا أخلق برتبة الولاية من وُلاتها، فإنها على خيالها واختلالها وانحلالها أولى بالأمر من حماتها. (وما كلّ بمعذورٍ ببُخْلٍ ... ولا كلِّ على بُخلٍ يُلامُ)

стр. 318

قال أبو الفتح: هذا كقول أبي تمَّام: لكلِّ مِن بني حوَّاَء عُذرٌ ... ولا عُذرٌ لطائيٍّ لئيمِ قال الشيخ: ما أعرفه بهذا المعنى، وعندي أنه عُذر المعدم وملامة البخيل المنعم، وما كلٌّ بمعذورٍ ببخلٍ، هذا واجدُ غير جائدٍ، ولا كل على بخلٍ يُلام، وهذا جائد غير واجدٍ. (ولا ندعوكَ صاحَبهُ فترضَى ... لأنَّ بصُحبةِ يجبُ الذِّمامُ) قال أبو الفتح: الوجه لأنه بصحبةٍ يجب الذِّمام، وحذف الهاء جائز في ضرورة الشعر، يقول: إذا كنت لا ترضى بأن ينسب هذا المال إليك وعطاياك تفرِّقه وتمزِّقه، فلمَ هذا المال؟ قال الشيخ: ما أدري ما هذا المقال غير أن المعنى أنك لا ترضى بأن تدعى صاحب المال، لن الصُّحبة تُوجب الذِّمة، والذِّمة تُوجب المحاماة عليه والمراعاة له وحفظه وحراسته وجمع شمله وحياطة جمعه، وأنت تناقض قضايا هذه الأحكام فيه، فمن

стр. 319

هناك لا ترضى بأن تُدعى صاحبه، فيجب بصحبته حقٌّ عليك، وأنت لا ترعاه فيه، ولا تستبقيه، وهو يقول: وبيننا لو رَعيتُم ذاكَ معرفةٌ ... إنَّ المعارفَ في أهلِ النُّهى ذِممُ وقال في قصيدة أولها: (تَرى عِظَماً بالبينِ والصَّدُّ أعظمُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (سلامُ فلولا الخوفُ والبخلُ عندَهُ ... لقلتُ: أبو حَفْصٍ علينا المُسلِّمُ) قال أبو الفتح: أي قال لي: سلامٌ، فلولا خوفي من مفارقته أو معاتبته على نومي، ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته، لقلت: المسلِّم عليَّ أبو حفصٍ، يعني الممدوح إجلالاً لخيال حبه. قال الشيخ: العبارة عن بخله، لأنه لا حقيقة لزيارته فاسدة، وكذلك الخوف من معاتبته على نومه، ومعناه: لولا الخوف من فراقه والبخل الذي في أخلاقه لقلت: هو هو الممدوح لهيبته، وكلُّ حبيبٍ جليلٌ في عين محبِّه كما قيل: أَهابُكِ إجلالاً وما بكِ قدرةٌ ... عليَّ ولكن ملءُ عينٍ حبيبُها

стр. 320

(صُفوفاً لليثِ في ليوثٍ حُصونُها ... متونُ المذاكي والوشيجُ المقوَّمُ) قال أبو الفتح: أي برزن له صفوفاً، لأن عاتق ها هنا في معنى جماعة كما تقول: كم من جل جاءني، فالرجل هنا جماعة، ويجوز أن تكون الصفوف هي الكتائب. قال الشيخ: ما تصنع النساء بمصافَّة الرجال، وهل هو إلا عين المُحال وصفوفاً حالُ كم من كتيبة الملك الطاغي تُساير من الممدوح حتفها، وهي تعلم كقوله: وكم من مريدٍ ضرَّه ضرَّ نفسَه ... . . . . . . . . . . . . . . . (فعشْ لو فَدى المملوكُ ربّاً بنفسهِ ... من الموتِ لم تُفقَدْ وفي الأرضِ مُسْلِمُ)
следующие страницы →