← Адаб

Адаб · id 37491

قشر الفسر

الزوزني، أبو سهل

Полный текст (367 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أفي كلِّ يومٍ تحتَ ضِبني شُويعرٌ ... ضعيفٌ يُقاويني قصيرُ يُطاولُ؟ لساني بنطقي صامتٌ عنه عاذلٌ ... وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازِلٌ وأتعبِّ من ناداكَ من لا تُجيبُه ... وأغيظُ من عاداكَ من لا تُشاكلُ وما التِّيهُ طِبِّي فيهمُ غيرً أنَّني ... بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ (أطاعتْكَ في أرواحِها وتصرَّفتْ ... بأمرِك والتّفَّتْ عليكَ القبائلُ) قال أبو الفتح: قوله: والتفت عليك القبائل، مثل قوله فيه: يهزُّ الجيشُ حولكَ جانبيهِ ... كما نَفَضَت جَناحَيها العَقابُ ويجوز أن يكون أراد إحداق أنسابها بنسبه، فأنه فيهم. قال الشيخ: لا، ولكن التفت عليك القبائل: أي: احتفت بك والتفت عليك كما تلتفُّ الحاشية على كبيرهم والكتيبة على أميرهم، كما قال أبو تمَّام: منقادةٌ لعارضٍ غربيبِ ... كالشِّيعةِ التَّفت على النَّقيبِ

стр. 247

(رأيتُكَ لو لم يقتضِ الطَّعنُ في العِدا ... إليكَ انقياداً لاقتضتْه الشَّمائلُ) قال أبو الفتح: أي لو لم يطعك الناس هيبةً لأطاعوك محبة. قال الشيخ: أظنُّه تفسير البيت الذي بعده، وليس بصوابٍ أيضاً ما ذكره، والبيت: ومنْ لم تعلَّمهُ لكَ الذُّلَّ نفسُه ... منَ النَّاسِ طُرَّاً علَّمتهُ المَناصلُ فإن الرجل يقول: من لم يتذلل لك من جميع الناس بنفسه ذللته لك السيوف بمسه، وشتان الحبُّ والسيف العصيب، وما أدري كيف غيَّبه، فإما البيت الأول فهو من هذا التفسير بمكان الفلك الأثير، ومعناه عندي: رأيتك لو لم يقتضِ، ولم يأتك الطَّعن في الحرب لأتيت بالطَّبع، وبيان ذلك لو لم يقتضِ الطَّعن الانقياد والانجرار إليك والمجيء نحوك، من قدت الشيء فانقاد، لاقتضت شمائلك انقياداً إليه، فانقدت في الوغى إليه وسارعت نحوه، كقوله: فلا تبلغاه ما أقول فإنه ... شجاع متى يذكر له الطعن يشتقِ وليس هذا الانقياد من الخضوع في شيءٍ، ولا معنى له هاهنا، ولو أراده لقال لك ولا إليك.

стр. 248

وقال في قصيدة أولها: (ذي المعالي فليعلُوَنْ مَنْ تعالى ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أقلقتْهُ بَنِيَّةُ بينَ أُذْنّي ... هِ وبانٍ بغى السَّماَء فنالا) قال أبو الفتح: يعني قلعة الحدَثِ، وذكر مؤخر رأسه، لأن ذلك أبلغ في هجائه. قال الشيخ: هذا عذره لا هجوه، يدلك عليه قوله، وهو: لا ألومُ ابن لاوِنٍ مِلكَ الرُّو ... مِ وإن كان ما تمنَّى مُحالا ولم يذكر مؤخر رأسه، إنما ذكر هامته وقمَّته، وهما بين الأذنين، وما يُوضع على سواءِ الرأس لا يثبت، ولا تحسن العبارة عن البناء عليه، ومعناه: أقلقته قلعة الحدثِ التي بناها على قمَّتِه، فلا يجب أن يُلام على القلق وقلة الصبر تحتها، ويدلُّك على ذلك ما بعده: كلَّما رامَ حطَّها اتَّسع البَن ... يُ فغطَّى جبينَه والقَذالا فلو أراد بما بين أذنيه مؤخر رأسه وقذاله لما جاز أن يقول: غطى قذاله، فإنه كان

стр. 249

مغطى بكون البَنيِة عليه قبل أن يتسع البَني، والدليل على أنه أراد بما بين أذنيه قمَّته دون قذاله قوله: كلما رامَ، فبلغ من أمامه جبينه ومن ورائه قذاله، ولو كان على قذاله ومؤخر رأسه لغطى إذا اتسع من ورائه محاجه لا قذاله، فهذا يُبطل ما فسره فيه أوضح إبطالٍ كما ترى، ومعناه أنها مشرفةٌ على ما يخصه من مملكته فيقلقه حتى كأنها على هامته لذهاب صبره فيها، وكلما أراد أن يخربها حماها سيف الدولة، وزاد فيها من أرضه، فانبسطت وأحاطت بما أخذت خلفاً وقدّاماً، فكأنها تتسع حتى تنحدر من قمَّته، فيبلغ الجبين والقذال، ويأخذهما. (أخذوا الطُّرْقَ يقطعونَ بها الرُّسْ ... لَ فكانَ انقطاعُها إرسالا) قال أبو الفتح: أي لما أبطأت الأخبار، وخالفت العادة، تطلَّع الناس لما وراء ذلك، فوقفوا على الخبر، فعادوا به إلى سيف الدولة. قال الشيخ: حام حول المعنى، ولم يأت بالمنتقى، وهو يقول: أخذت الرَّوم الطُّرق حين قصدت الحدث، فلما انقطعت الأخبار والمسائلة انحبست بهم، فكان انقطاعها عنك إرسالاً إليك وإخباراً لك بعدما صار سبب علمك بهم.

стр. 250

(وظُبىً تعرفُ الحرامَ منَ الحلِّ ... فقدْ أفنتِ الدِّماَء حلالا) قال أبو الفتح: هذا مثلٌ ضربه، أي: سيوفه معوَّدة للضرب، فكأنها تعرف الحرام من الحلِّ. قال الشيخ: ما أبعد ما فسره عمَّا عناه، فكأنه يقول: وسيوفٌ تعرف الدِّماء المحرَّمة، وهي دماء المسلمين، فلا تقدم على سفكها، والدِّماء المحلَّلة كدمار الرُّوم المشركين، فلا تفتر ولا تقصِّر عن سفحِها، وما فيه ضربُ مثلٍ ولا إبداع في عمل، يصفُها الدِّماء المحرَّمة وسفك الدِّماء المحلَّلة على مقتضى الشَّريعة. وقال في قصيدة أولها: (ما لنا كلُّنا جوِيا رسولُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (نحنُ أدرى وقد سألْنا بنجدٍ: ... أطويلٌ طريقُنا أم يطولُ؟) قال أبو الفتح: أي هو طويل في الحقيقة أم يطوِّله الشَّوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك ما ذكرته لك أنه أراده في قوله:

стр. 251

شِيَمُ الغانياتِ فيها فلا أد ... ري لذا أنَّثَ اسمَها النَّاسُ أم لا؟ ألا تراه يقول بعد هذا؟ وكثيرٌ مِنَ السُّؤالِ اشتياقٌ ... وكثيرٌ من ردِّهِ تعليلُ قال الشيخ: فسره المتنبي بما بعده: وكثيرٌ من السُّؤالِ اشتياقٌ البيت أي نحن أعلم بمقدار المسافة بيننا وبين سيف الدولة ممن نسألهم شدة شوقٍ إلى حضرته وفرط نزاعٍ إلى معاودة خدمته، وهم يردُّون جوابنا تعليلاً وتمنيةً كما قال: لكَ الخيرُ علِّلنا بها علَّ ساعةً ... تمرُّ وسهواءٌ منَ اللَّيل تذهبُ (فإذا العذْلُ في النَّدى زارَ سمعاً ... ففداهُ العذولُ والمعذولُ) قال أبو الفتح: أي المعذول: الذي دخل العذل سمعه لا غيره ممن يردُّ العذل. قال الشيخ: لا بل المعذول الذي يُعذل، دخل العذل سمعه ولم يدخل. ومعناه فداه العاذل والمعذول الذي يعذل على الجود، فإنه قاصر عن شأوه قاعدٌ عن أمده.

стр. 252

(كلَّما صبَّحتْ دِيارَ عدوِّ ... قالَ تلكَ الغُيوثُ: هذي السُّيولُ) قال أبو الفتح: يعني بالغيوث سيف الدولة وبالسيول مواليه وسلاحه، ضربه مثلاً، وذلك أن السيل عن الغيث يكون، فكذلك مواليه به قدروا وعزُّوا. قال الشيخ: لا والله ليس مما فسره شيءٌ في البيت، ألم ير إلى الذي قبله حتى وضح له المعنى؟ وهو قوله: وموالٍ تُحييهِمُ من يَديهِ ... نِعمٌ غيرُهم بها مقتولُ فرَسٌ سابحٌ ورمحٌ طويلُ ... ودِلاصٌ زَغفٌ وسيفٌ صقيلُ ثم قال: كلما صبَّحت هذا النِّعم ديار عدوٍّ، قال: العدو: تلك الغيوث التي كان يُمطرها سيف الدولة مواليه، فتلك النِّعم هذه السيول التي صبَّحتنا، وذلك أن السيول تجتمع من الغيوث، ثم تسيل فتعمل عملها. وقال في قطعة أولها: (أحببتُ بِرَّكَ إذ أردتَ رحيلا ... . . . . . . . . . . . . . . .)

стр. 253

(فجعلتُ ما تهدي إليَّ هديَّةً ... منِّي إليكَ وظَرفَها التَّأْميلا) قال أبو الفتح: هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون أهدى إليه شيئاً، كان أهداه صديقه الممدوح إليه، فيكون هذا الاستعمال استعمالاً لما تركه ابن الرُّومي في قوله: أيُّ شيءٍ أهدي إليكِ وفي وج ... هكِ من كلِّ ما تُهوديَ معنى؟ منكِ يا جنَّةَ النَّعيمِ الهدايا ... أفأُهدي إليكِ ما منكِ يُجنَى؟ إلا أن المتنبي خبَّر أنه أهدى إليه ذلك الشيء بعينه، وأبن الرُّومي قال: كيف أُهدي إليك ما من عادة مثله أن يُهدى منك، فبينهما فصلُ لطيف؟ فهذا أحد المعنيين، والمعنى الآخر أن يكون أراد جعلت ما من عادتك أن تهديه إليَّ، وتزودنيه وقت فراقك هدية مني إليك، أي: أسألك أن لا تتكلفه لي، والقول الأول أشد انكشافاً وأظهر، والقول الثاني أقوى وألطف، وقوله: وظرفها التَّأميلا،

стр. 254

أي: جعلت تأميلي قبولك، ذلك مشتملاً على هذه الهدية كما يشتمل الظرف على ما فيه. قال الشيخ: قبح الله القول الأول، وقد فعل، وأما القول الثاني، فهو المختار من المعاني، ولا يرتاب فيها مميزٌ، ولا يُراد لهما مبرِّزٌ. وقال في قطعة أولها: (قفا تريا ودْقي فهاتا المخايلُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فقلقلتُ بالهمِّ الذي قلقَل الحشا ... قلاقلَ عِيسٍ كلُّهنَّ قلاقلُ) قال أبو الفتح: القلاقل: جمع قُلقُل، وهي النَّاقة الخفيفة، و (هن) من (كلهن) تعود على العيس لا على القلاقل، كأنه قال: قلاقل القلاقل، كما تقول: سراع السِّراع وخفاف الخفاف، وكذلك قولك: أفضل الفضلاء، وهو أبلغ في الوصف من أن تكون (هن) من (كلهن) عائدة على القلاقل، فتأمله يصح لك إن شاء الله تعالى. قال الشيخ: هذا وجهٌ حسنٌ، وسمعت في كلهن قلاقل، أي: كلهن حركات، جمع قلقلة لا قلقلٍ، وهذا أيضاً وجه ويُنظر إلى قوله: ركبتُ مشمِّراً قدمي إليها ... وكلّ عُذافِرٍ قلقِ الضُّفورِ

стр. 255

وقال في قصيدة أولها: (صلةُ الهجرِ لي وهجرُ الوصالِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (ما تريدُ النَّوى منَ الحيَّةِ الذَّوَّا ... قِ حَرَّ الفلا وبردَ الظِّلالِ؟) قال أبو الفتح: أي: أيُّ شيءٍ بقي عليه بعد هذا؟ قال الشيخ: لم أفهم ما فسره به، ومعناه عندي: أنه يشكو النَّوى إذ تدور به أبداً في الآفاق، فتارة تُصليه حرَّ الهواجر وأخرى تُذيقه برد الغَدوات والعّشيَّات، فهي تقلِّبه من حالٍ إلى حال، وتقذف به ذات اليمين وذات الشِّمال، وهذا قريب من قوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... وحُرَّ وجهي بحرِّ الشَّمسِ إذ أفلا وقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... وأنصبُ حُرَّ وجهي للهجير وقوله: ذَراني والفلاة بلا دليلٍ ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 256

(والجراحاتُ عنده نغَماتٌ ... سَبقتْ قبلَ سَيْبهِ بسُؤالِ) قال أبو الفتح: أي يلتذُّ الجراح كما يلتذُّ نغمة السائل، وقد مضى نظيره، ويجوز أن يكون المعنى أن من عادته أن يُعطي بغير سؤال، وإذا اتفق أن يسأله طالب قبل نواله ابتداء شق ذلك عليه، وبلغ منه ما تبلغ الجراحة من المجروح، ويؤكد هذا المعنى قوله أيضاً: وإذا غَنُوا بعطائهِ عن هزّهِ ... والىَ فأغنى أن يقولوا: والهِ ويؤكد المعنى الأول قوله أيضاً: إذا سألوا شكرتَهمُ عليه ... وإن سكتوا سألتَهمُ السُّؤالا قال الشيخ: القول الأول فاسد، والثاني سافر عن بعض المعنى ومخل ببعضه، وليس في البيتين اللذين استشهدهما على معنييه شهادة ودلالة على أحدهما، فتأمل البيتين والمعنيين لترى تباعدها وتنافيها والتباين الظاهر فيها، فإني لو اشتغلت بشرحها طال الكلام، وهي أوضح من أن تُشرح، ومعناه أنه وصفه بالسماح وقلة المبالاة بالجراح، فقال: والجراحات ليست

стр. 257

عنده الجراحات المعروفة، فإنها لا تثني من غَربِه، ولا تؤثر في نفسه وقلبه، لكنها عنده نغمات سؤاله، سبقت قبل نواله، فهي التي تؤثر في نفسه، وتأخذ بمجامع قلبه، وتحرف جوانب صبره، وتهيّج من أسفه لتوقفه في النوال حتى يسبق بالسؤال، فالجراحات عنده هذه لا تلك. (ولهُ في جماجمِ المالِ ضربٌ ... وقْعُه في جماجمِ الأبطالِ) قال أبو الفتح: أي: يهب الأموال، فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال. قال الشيخ: هذا وجه ضعيف سخيف، فما بهبة الأموال يقدر على ضرب رؤوس الأبطال، وإن أراد بذلك تفرقة أرزاق الجند فيهم ليحاربوا، فسائر أصحاب الجيوش معه شرعٌ، وليس فيه معنى مخترع. ومعناه عندي: أنه يضرب في جماجم ماله ضرباً وقُعه في جماجم الأبطال من حيث أنه يقتلهم، فيأخذ مالهم بسيوفه ثم يفرِّقه في عطاياه، وينفقه على ضيوفه، فوقع هذا الضرب إذا في جماجمهم كما يقول: حتَّى إذا فني التُّراثُ سوى العُلا ... قصدَ العُداةَ منَ القنا بطوِالهِ وكما يقول: بِضَربِ هامِ الكماةِ تَمَّ له ... كسبُ الذي يكسبونَ بالملّقِ

стр. 258

(إنَّما النَّاسُ حيثُ أنتَ وما النَّا ... سُ بناسٍ في موضعٍ منكَ خالِ) قال أبو الفتح: أي أنت الناس، فإن غبت عن موضعٍ، غاب عنه الناس. قال الشيخ: لا كما يقول، والدليل عليه قوله: وما الناس بناسٍ في موضعٍ خالٍ منك. ليس يريد أنه الناس، ولكنه يريد أنه معنى الناس، فما هم بناسٍ دونه، فإنه إذا زال المعنى لم يبقَ في الأشباح فائدة. وقال في أرجوزة: (ومنزلٍ ليس لنا بمنزلِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (إذا تلا جاء المدى وقدْ تُلي ... يُقعي جلوسَ البدويِّ المُصطلِي) قال أبو الفتح: أي إذا جاء متبوعاً لسرعته، يعني إن جثته كجثة الرجل لعظم جسمه على جدله وتعصيبه. قال الشيخ: لا والله ما أدري بهذا التفسير، ولا بتفسير الثاني،

стр. 259

أما أنا فأعلم أن جوارح الكلاب تُوصف بالقصافة واللطافة والهيف والدقة والخفة ولحاق الآطال، ولا توصف بعظم الجُثة حتى تكون جثة واحدة منها كجثة الرجل لعظم جسمه. ومعناهما عندي: أن ذلك الكلب إذا تبع الصيد أدركه، وقد تبع بالكلاب أو بالفارس الموكل به ليأخذ عنه الصيد، ومجيؤه المدى إدراكه الصيد، وقوله: (يقعي جلوسَ البدويِّ المُصطلِي ... . . . . . . . . . . . . . . .) إقعاء الكلب أشبه شيء بجلسة البدويِّ المصطلي، وهو يكون قاعداً على أليته وقدميه رافعاً ركبتيه، والكلب إذا أقعى يكون قاعداً على آسته مُعِّولاً على يديه، وهما منتصبتان، فهو أوقع تشبيهٍ به. (يخطُّ في الأرضِ حسابَ الجُمَّلِ ... كأنَّه من جسمهِ بمعزلِ) قال أبو الفتح: يقول هو من سرعته وحدَّته يكاد يترك جسمه، ويتميز عنه، وقد لاذ فيه بقول ذي الرُّمَّة، إلا أنه تجاوزه بقوله: لا يَذخرانِ من الإيغالِ باقيةً ... حتَّى تكادَ تفرَّى عنهما الأُهُبُ قال الشيخ: كأنه، الهاء راجعة إلى ذنبه لا إلى جسمه، وهذه صفة الذنب لا الجسم.

стр. 260

(فحالَ ما للقفزِ للتَّجدُّلِ ... وصار ما في جِلْدهِ في المِرجَلِ) قال أبو الفتح: أي استحال، فصار ما كان يقفز به، وهو قوائمه، وهو الذي يجدله. يعني: أنه فحص بقوائمه الأرض لما أخذه الكلب، ويجوز أن تكون ما عبارة عن الظَّبي، أي: صار الظَّبي الذي كان يقفز إلى التَّجدُّل. قال الشيخ: ما أدري ما هذا الخبط؟ الرجل يقول: حال الظَّبي الذي كان للقفز للوقوع بالجدالة، وهي وجه الأرض، وصار جسمه ولحمه الذي كان في جلده في المرجل للطبخ. وقال في قصيدة أولها: (أبعدُ نأيِ المليحةِ البَخَلُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (يجذبُها تحتَ خصرِها عَجُزٌ ... كأنَّه منْ فراقِها وجِلُ)

стр. 261

قال أبو الفتح: يقول كأن عجزُها وجلٌ من فراقها، فهو متساقطٌ منخزلٌ، قد ذهبت منَّته وتماسكه. قال الشيخ: المتساقط المنخزل الذاهب المُنَّة والتماسك لا يتحرك، وإنما يصفه الرجل بالثِّقل، ويجذبه لها إلى الأرض كما قال: بانوا بخرعوبةٍ لها كفلُ ... . . . . . . . . . . . . . . . وبالارتجاج والارتعاد حتى كأنه وجلٌ من فراقها، فلا يهدأ ارتعاده ارتجاجه وقلقه كما قال: إذا ماست رأيتَ لها ارتجاجاً ... له لولا سواعدُها نَزوعا (أصبحَ مالاً كمالهِ لذوي ال ... حاجةِ لا يُبتدَى ولا يُسَلُ) قال أبو الفتح: أي كل من ورد عليه أخذ من ماله بلا ابتداء من بدرٍ ولا مسألة من الوارد، فلذلك قال: أصبح مالاً كماله لذوي الحاجة، أي: فكما أن ماله لا يُستأذن في أخذه فكذلك هو أيضاً.

стр. 262

قال الشيخ: وصفه بأنه جاد أو بهيمة، وأنه لا يبتدئ بالعطاء على عادات الأسخياء والسُّمحاء، وبهذه الصفات لا يصبح مالاً كماله لذوي الحاجات، وقوله: فكما أن ماله لا يُستأذن في أخذه فكذلك هو أيضاً لا يُستأذن في أخذه في حمله في نقله في عقله، هذا تفسير والله عسير، وعندي أنه يقول: أصبح بجاهه مالاً لذوي الحاجات كماله، ينتفعون بجاهه كما ينتفعون بماله، ثم قال: لا يبتدئ ببذل جاهه صيانةً لماله، ويبتدئ بماله، أي: ببذل ماله، ولا يُحوج إلى سؤاله، فلا يُسأل لأنه يبتدئ بالنوال قبل السؤال، ومن أراد الانتفاع بجاهه أحظاه فيه أيضاً. (إنْ أدبرَتْ قلتَ: لا تليلَ لها ... أو أقبلتْ قلتَ: ما لها كفَلُ) قال أبو الفتح: أي من حيث تأملت رأيتها مشرفةً، ويُستحب من الفرس أن تهتز مقبلة، وتنصب مدبرة. قال الشيخ: أشار إلى المعنى، ولم يستوفه، لأنه يقول: إن أقبلت لم يُر كفلها لإشراف هاديها وعرض لوحه وارتفاع صدرها ورحبه، وإن أدبرت لم تُرَ عُنقها لعظم كفلها وإنافته وإشفائه.

стр. 263

(إنَّكَ مِنْ معشرٍ إذا وهبوا ... ما دون أعمارهِم فقد بَخلِوا) قال أبو الفتح: أي بخلوا عند أنفسهم، لأنهم لم يفعلوا الواجب عليهم عندهم، ويجوز أن يكون بخلوا، أي: نسبهم الناس إلى البخل لاقتصارهم على ما دون أعمارهم إذ من عادتهم بذل أعمارهم، والتفسير الأول أقوى. قال الشيخ: المعنى هو الأول، وليس الثاني بشيءٍ، لأن قوله: بخلوا، لا يؤدي معنى نسبة الناس إياهم إلى البخل، والناس لا يبخلون من يقتصرون على ما دون أعمارهم في العطاء، وبذل الأعمار ليس في طوق الناس، فأما استقلال الجواد ما يجود به حتى يراه بخلاً دون عمره فجميلُ، وفي هذا الشِّعب قول القائل: ولو لم يكن في كفِّه غيرَ روحهِ ... لجاد بها فليتَّقِ اللهَ سائُله (عذرُ الملومَينِ فيكَ أنَّهما: ... آسٍ جبانُ ومبِضعُ بطلُ) (مددتَ في راحةِ الطَّبيبِ يداً ... وما درى كيفَ يُقطعُ الأملُ) قال أبو الفتح: أي ليس من عادة الطبيب أن يقطع الآمال، وإنما من عاداته أن يقطع العروق، إلا أن عروق كفِّك تتصل بها اتصال الآمال، فكأنها آمال. قال الشيخ: ليس من عادة الطبيب ولا من غير عادة الطبيب قطع الأمل، وما بعده

стр. 264

من كلامه فيه طُول ما فيه طائل، ومعناه: أن يدك أمل الناس من حيث آمالهم إليها ومقصورة عليها، فلم يدر الطبيب كيف يقطع الأمل، فإن قطع الأمل متعذر شديد جداً، فلهذا أخطأ فيه، وهو عذر بينٌ، ومنه قول الشِّيعة: محمَّدٌ وعلي ... كلاهما أملي وقيل في الدعاء: يا رجائي أملي خيرُ رجاءِ ... . . . . . . . . . . . . . . . وقال في قصيدة أولها: (بقائي شاَء ليس همُ ارتحالا ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فكانَ مسيرُ عيسِهمُ ذَميلاً ... وسيرُ الدَّمعِ إثرَهمُ انهمالا) قال أبو الفتح: أي سبقت دموعي عيرهم، وجازت حدَّها. قال الشيخ: لو كان كما قال الشاعر أمامهم وقدَّامهم وقبلهم وبين أيديهم لا إثرهم، وهذا أبين مما يجوز الغلط فيه، والرجل يقول: كان مسير عيرهم سريعاً، ومسير الدمع على إثرهم أيضاً سريعاً حتى تشابها في الإجفال والانهمال.

стр. 265

(فما حاولتُ في أرضٍ مُقاماً ... ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا) قال أبو الفتح: يقول إذا كان ظهره كالوطن لي فأنا، وإن جبت البلاد، كالقاطن في داره، ولأني أقطع الأماكن لست مقيماً في الحقيقة. قال الشيخ: هذا وجه لقوله قبله: ألفتُ ترحُّلي وجعلتُ أرضي ... . . . . . . . . . . . . . . . والأوضح أن لا يوصل معنى هذا به، ولا يعطف عليه، وهذا يكون مختصاً بمعناه لأنه يقول: فما رمت مقاماً بأرضٍ من الأرضين ولا عزمت على الرحيل عنها، فكيف يرحل عنها ولم يُقم بها؟ وكيف يزمع الزَّوال عنها، ولم يُحاول المقام فيها؟ وتفسيره فيما بعده، وهو يؤيده ويصححه. (على قَلقٍ كأنَّ الرِّيحَ تحتي ... أُوجهِّها يميناً أو شِمالا) (سِنانٌ في قناةِ بني معدٍّ ... بني أسدٍ إذا ادَعَوا النِّزالا) قال أبو الفتح: بني أسد منصوب، لأنه منادى مضاف،

стр. 266

ومعناه إن قول بني معدٍّ، إذا ناداه الأعداء: يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع عنهم مقام سنان، يركَّب في قناتهم، لأنهم إذا دعوهم أرهبوا الأعداء، وأغنوا عنهم، ومنعوهم. ويجوز أن يكون (بني أسد) بدلاً من قناة بين معدٍّ، كأنه قال: سنان في قناة بني أسد الذين هم قناة بين معدٍّ، يريد نصرتهم إياهم، وهذا أقوى من الأول. قال الشيخ: ليس يجوز أن يكون المعنى غير هذا، والأول مدخول فاسد مردود بالحجج، ولو اشتغلت بإقامتها لطال الكلام، فاكتفيت بقوله: وهذا أقوى من الأول. وقال في قصيدة أولها: (لكِ يا منازلُ في الفُؤادِ منازلُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (يَعْلمْنَ ذاكَ وما علمتِ وإنَّما ... أولادكما ببُكىً عليهِ العاقلُ) قال أبو الفتح: أي منازل الحزن في قلبي تعلم ما يمرُّ بها من أمل الهوى، وأنتِ تجهلين ذاك.

стр. 267

قال الشيخ: ليس تقديره ما فسره من منازل الحزن، وإنما معناه يتبين من البيت الأول، وهو: لكِ يا منازلُ في الفُؤادِ منازلُ ... . . . . . . . . . . . . . . . يقول: تمثلت أنتِ يا منازل في فؤادي، ففيه لك منازل أمثالك، سكنتها من قلبي، وأقفرت أنت من أهلك الذين كانوا فيك، وهن منك أواهل بكونك فيها ولزومك لها، يعلمن ما حل بها منك وما تعذِّبينها به من الصَّبابة إلى أهلك وتذكُّر اجتماع الشَّمل في ظلِّك ووصل الأحبة فيك، كما قال غيره: وأذكرُ أيَّامَ الحمى ثمَّ أنثني ... على كبدي من خَشيَةٍ أن تصدَّعا وقول الآخر: ألا لا تذكِّرني الحمى إنَّ ذكرَهُ ... جوىً للمشوقِ المستهامِ المعذَّبِ لأنها منازل القلب لا منازل التُّرب، وما علمت أنت شيئاً من فراق أهلك، ممَّا يعلمنه، ولا تألمين شيئاً كما يألمنه، وأولاكما بالبكاء عليه ما يعلم ما يكون به فيألم، فإذا منازلُك من قلبي أولى بالبكاء عليك منك. وقال في قطعة أولها: (أتاني كلامُ الجاهلِ ابن كَغَيْلَغِ ... . . . . . . . . . . . . . . .)

стр. 268

(وإسحاقُ مأمونٌ على مَنْ أهانَه ... ولكنْ تسلَّى بالبكاءِ قليلا) قال أبو الفتح: أي يأمنه من أهانه لسقوط نفسه، ولو قال هنا: تجمَّل بالبكاء لكان أشبه. قال الشيخ: ليس هذا مكان التَّجمُّل، أسخن الله عين الأبعد. وما تجمل أحد في الدنيا بالبكاء، وأي جمال وتجمُّل فيه؟ وهذا هو مكان الهمِّ والحزن، إذ من يُهان يغتنم ويحزن، والمحزون يتسلى بما يمكنه، فإن أعوزته وجوه التَّسلِّي، وأعجزته طرق التَّأسي فزع إلى البكاء الذي هو عصرة الضُّعفاء وملجأ العجزة عن انتقام الأقوياء، وهو يقول: إسحاق مأمون الشر والغائلة على من أذلَّه لدناءة نفسه ولؤم أصله وسقوط قدره، ولكن استعان بالبكاء، فتسلى به قليلاً، وذاك أيضاً يسير لسوء أثر الإهانة فيه. وقال في قصيدة أولها: (لا تحسبوا ربعكم ولا طلَلَهْ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أُحبُّه والهوى وأدْؤرَهُ ... وكلُّ حبٍّ صبابةٌ وولَهْ)

стр. 269

قال أبو الفتح: يجوز أن يكون الهوى في موضع نصبٍ، أي: وأحب هواه أيضاً، فيكون قريباً من معنى قوله: وإنِّي لأعشقُ من عشقكم ... نحولي وكُلَّ فتىً ناحِلِ ويجوز أيضاً أن يكون الهوى مجروراً، لأنه أقسم به، فكأنه قال: أحبه والهوى إني لأحبُّه، كما قال البحتري: أما وهواكِ حِلفةَ ذي اجتهادِ ... . . . . . . . . . . . . . . . قال الشيخ: المعنى هو الأول، وليس الثاني بشيءٍ كما قال البحتري: كَلِفٌ بحبِّكِ مُولَعٌ، ويَسُرُّني ... أنِّي امرؤٌ كلِفٌ بحبِّكِ مولَعُ فأما قوله: وهواك حلفة، فما أقسم بهواه أنه يهواه، وإنما أقسم به أن فراقها أذكى نار وجده، وابتلاه بُسهاده، فقال: لقد أذكى فراقُكِ نارَ وجدي ... وألَّفَ بين عيني والسُّهادِ ولأن يحبه ويحب هواه وأدؤره أولى وأحسن من أن يقول: أحبه وحقِّ هواه وأدؤره، فإن حبَّه بالحبِّ أولى وأحرى من أدؤره كيفما كان. (أنا ابن منْ بعضُه يفوقُ أبا ال ... باحِثِ والنَّجلُ بعضُ مَنْ نَجلَهْ)

стр. 270

قال أبو الفتح: ومعناه أنا أفوق أبا من يبحث عني إلا أن صنعة الشعر قادته إلى هذا النظم، وليس بضرورة، قال الشاعر: قالت: منَ أنتَ على خُبرٍ، فقلتُ لها: ... أنا الذي أنتِ من أعدائهِ زَعمُوا فأتى بهذا النظم كما ترى. قال الشيخ: البيت يقتضي غير ما فسره، فإنه يقول: أنا ابن من ببعضه يفوق أبا الباحث عني، أي: بعض من أبي أشرف وأعلى من أبيه، والولد بعض الوالد، فكذلك بعضي أشرف من أبي الباحث وأعلى منه. (وربَّما أَشْهَدُ الطَّعامَ معي ... مَنْ لا يُساوي الخبزَ الذي آكلَهْ) قال أبو الفتح: أراد ومعي فلما عادت الياء من معي على الضمير الذي في أشهد استغنى عن الواو كما تقول: مررت به على يده بازٌ، وإن شئت قلت: وعلى يده. قال الشيخ: روايتي عن (التُّوزيِّ) عن المتنبي، وربما يشهد الطعام معي،

стр. 271

وقد صفا الكلام من كل هذا الكدر والهذر والمضمر والمظهر، وحصل المعنى خالصاً من الخَبث كما ترى. (مستحِيياً من أبي العشائرِ أنْ ... أسحبَ في غيرِ أرضهِ حُلَلَهْ) قال أبو الفتح: أي أفعل ما ذكرت مستحيياً، يذكر بذاك سبب مقامه مع أعدائه في بلد واحد، وقوله: في غير أرضه في المدح دون قوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... إنَّ البلادَ وإنَّ العالمين لكا لأنه جعل لأبي العشائر أرضاً محددة، وذلك ذكر أن البلاد وأهلها أيضاً له. قال الشيخ: ما أدري ما يريد بما يفسره، وعندي إن الرجل يقول: قديماً: يشهد الطعام معي، ويظهر الجهل بي، وأعرفه شامخاً بأنفي سامياً بقدري عن مجاورته ومؤاكلته ومشاكلته نافر النفس عن مكان يجمعني ومثله، مستحيياً من أبي العشائر أن أرحل عنه، وأسحب حلله في غير حضرته، وأُبلي هباته وحباءه وخلعه في غير خدمته. (وبِيضُ غلمانهِ كنائلهِ ... أوَّلُ مَحمولِ سَيْبهِ الحمَلَهْ)

стр. 272

قال أبو الفتح: جعلهم محمولين، وإن كانوا حاملين لما معهم لأنهم حملوا أنفسهم أيضاً إليه، يريد أنه يهب نائله ومن يحمله من غلمانه، وإن شئت فقل: لما اشتملت عليهم الهبة مع المحمول صاروا كأنهم محمولون. قال الشيخ: المعنى هو الأول بعد إسقاط اللغو من تفسيره الذي لا يقبله طبع سليم، وهو قوله: جعلهم محمولين، وإن كانوا حاملين، لأنهم حملوا أنفسهم إليه أيضاً، وبودي لو حملوا سيب أبي العشائر وتركوا أنفسهم عنده حتى يعودوا إليه من عند المتنبي، وليس الثاني بالشيء، والدليل عليه قوله: أول محمول عطاياه حاملوه. فلا يجوز من فحوى هذا الكلام أن يكونوا إلا من العطايا كقوله: فتىً يهبُ الإقليمَ بالمالِ والقنا ... ومَن فيه من فرسانهِ وكرامِه (أأخفتِ العينُ عندهُ خبراً؟ ... أم بَلغَ الكَيذُبانُ ما أمَلَهْ؟) قال أبو الفتح: يعني بالعين: الرقيب، وأنَّثها لأنه شبه الرقيب بالعين، ويجوز أن يكون أراد العين نفسها، فيكون معناه: هل تبين في وجهي ما رابه؟ قال الشيخ: المعنى هو الأخير، يقول: هل أخفت عينه عنه خبري وأثري في محبته؟ أم بلغ الكاذب أمله في شأني عنده، وأثرٍ افتراه عليَّ فيه؟ كأنه رأى منه ما رابه وأنكره.

стр. 273

وقال في قصيدة أولها: (لا خيلَ عندك تُهديها ولا مالُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فإنْ تكنْ مُحكَماتُ الشُّكْلِ تمنعُني ... ظُهورَ جريٍ فلي فيهنَّ تَصهالُ) قال أبو الفتح: يقول إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور، فإني أمدحك إلى أوان ذلك كما أن الجواد إذا أُشكل عن الحركة صهل شوقاً إليها، ويجوز أن يكون معناه: إن كانت حالي الآن ضيقة عن مكافأتك فعلاً جازيتك قولاً. قال الشيخ: يصف المعنى في القول الأخير، وليس الأول بشيءٍ، لأن فاتكاً لم يكن ليجسر على مناصبة كافور وممالأته ظاهراً، وإن كان يشنؤه باطناً حتى كان ينصر عليه، ومعناه أنه يقول: إن كنت وحالي عند كافور لا تسع مكافأة الكرام فأكافئه عن أياديه، وأنا في شُكله موثقٌ لا يمكنني الجري والانقطاع عنه إليه وقضاء حقه بخدمته والمقام عليه، فإني أجازيه بتصهالٍ في شُكله بمديحه. (غَيثٌ يُبيِّنُ للنُّظَّارِ موقعُه ... أنَّ الغيوثَ بما تأتيهِ جُهَّالُ)

стр. 274

قال أبو الفتح: أي الغيث يُمطر المكان الطيب والسَّبخ جميعاً، وهو كالجهل منه، وفاتكٌ يُعطي من هو أهل العطاء، وهو ضد قوله في معاتبة سيف الدولة: وشَرُّ ما قنصته راحتي قنصٌ ... شُهبُ البّزاةِ سواءٌ فيه والرَّخَمُ قال الشيخ: شتان تفسيره، ومعناه، وما قاله الشاعر وما حكاه، فإنه يقول: فكنت منبت روضٍ الحزن باكره. . . البيت، هذا الغيث من الثناء الحسن الخالد الذي يفوق الرياض بنضارته وبهائه وزهره وبقائه وطيب نسيمه وذكائه، فالذي ينبته هذا الغيث لا يُنبته غيثٌ ولا مطرٌ، ولا يقدر على مثله ماء منهمر، فإن ما يُنبته يهيج، وهذا أبداً بهيجٌ، ولا يخونه الأريج، وموضع هذا الغيث المتنبي. (تُغيرُ منهُ على الغاراتِ هيبتُه ... ومالُهُ بأقاصي الأرضِ أهمالُ)

стр. 275

قال أبو الفتح: يقول يهابه أهل الغارات أن يتعرضوا له، فكأن هيبته تُغير على غاراتهم. قال الشيخ: روايتي: أهمال، وهي جمع همل، وهو المال بلا راعٍ، أي: لماله راعٍ من هيبته، وعلى الخيول المغيرة مغيرة منها، أي: إن أمرهم بترك الغنائم وتسليمها إلى من يأمر بادروا إليه لهيبته. (يُروي صدى الأرضِ من فضْلاتِ ما شَرِبوا ... محضُ اللَّقاحِ وصافي اللَّونِ سَلْسالُ) قال أبو الفتح: يقول إذا انصرف أضيافُه أراق بقايا ما شربوه، ولم يدَّخره لغيرهم، لأنه يتلقى كل واردٍ عليه بقرىً مُستحدث. قال الشيخ: سبحان الله ما أطرف هذه القصة، وما أعلى هذه الهمَّة التي توكِّل عينه وعيون قومه بإراقة سُؤر كأسهم، وهل سمع بسؤر كأس الأخر حتى نفر له المتنبي، وافتخر؟ إنما يقول الرجل: يروي ضيوفه عطش الأرض من فضلات كوفة اللَّبن والخمر

стр. 276

لكثرتهم وكثرة ما يشربون ويُريقون من فضلاتهم كقول بعضهم: شرِبنا وأهرقنا على الأرضِ حظَّها ... وللأرضِ من كأسِ الكرامِ نصيبُ (وقدْ أطال ثنائي طولُ لابسهِ ... إنَّ الثَّناَء على التِّنبالِ تنبالُ) قال أبو الفتح: ومعنى البيت أن الإنسان إذا مدح شريفاً شرف شعره وإن مدح لئيماً لؤم شعره. قال الشيخ: أسخن الله عين الأبعد، هذا الرجل يقول: قد أطال مدحي طول صاحبه: أي: طول قامته وكثرة مكارمه ومناقبه وزحمة مفاخره ومآثره. إن ثناء الطويل طويل، وثناء القصير قصير، وفيه طرفٌ من قوله: وغالَ فضولَ الدِّرعِ من جنباتهِ ... على بَدنٍ قدُّ القناةِ له قدُّ ومن قوله: وقد وجدتُ مكانَ القولِ ذا سعةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . ومن قول الحسن بن هانئ: . . . . . . . . . . . . . . . ... يُناطُ نَجادا سيفهِ بلواءِ

стр. 277

وطول القامة ممَّا يُمدح به كقول القائل: ولَّما التقى الصَّفَّان واختلفَ القنا ... نِهالاً وأسبابُ المنايا نِهالُها تبيَّنَ لي أنَّ القَماءةَ ذِلَّةٌ ... وأنَّ أعزَّاَء الرِّجالِ طِوالُها وقال في قصيدة أولها: (كدعواكِ كلٌّ يدَّعي صحَّة العقل ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فولَّتْ تُريغُ الغيثَ والغيثَ خلَّفتْ ... وتطلبُ ما قدْ كانَ باليدِ بالرِّجْلِ) قال أبو الفتح: أي لو ظفرت بالكوفة وما قصدت له لوصلت إلى تناول الغيث باليد على قُربٍ. قال الشيخ: فسر بعضاً، وأخل بعضٍ، فإنه يقول: فولَّت الكلابيَّة عائدة إلى عادتها في البوادي طلباً للنَّجعة والغيث والكلأ، وقد خلَّفت الغيث، أي: ولاية الكوفة، وتطلب ما كان في يدها من الكوفة لو قدرت عليها بالثبات وملكتها بالسيوف الباترات بالرِّجل في الإسراع إلى الانتجاع، يسخر بهم، ويستهزئ بهم وبأنهم كانوا أهل ما يصيدونه.

стр. 278

وقال في قصيدة أولها: (اِثْلِثْ فإنَّا أيُّها الطَّللُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (تُمسي على أيدي مواهبهِ ... هيَ أو بقيَّتُها أو البدَلُ) قال أبو الفتح: أي تلي مواهبه أمر خيله وإبله، فتتحكم فيها كما يُقال: أمسى فلان على يدي عدلٍ، أي: قد ملك أمره عليه، وصار به أحق به منه، أي: هو يتحكم فيه وقوله: هي يعني الخيل أو الإبل أو ما يبقى منها بعدما وهبه لقوم آخرين أو البدل منها عيناً أو ورقاً أو غير ذلك. قال الشيخ: هذه سوداء تحترق وألفاظ تختلف وتفترق، والرجل يقول: عدد الوفود العاملين دون السلاح الشُّكل والعقل لأمر حدوده وثقة وفوده بسماحته وجوده: فَلِشُكِلهم في خيلهِ عملُ ... ولُعقلِهم في بُختِه شُغُلُ ثم فسرها، فقال: تُمسي هذه الشُّكل والعُقل على أيدي مواهبه من خيله وبُخته الموهوبة، أي: تلك الشُّكل والعُقل بعينها أو ما بقي منه، والبدل عنها بعدما لم تبق منها بقية.

стр. 279

(يُشتاقُ مِنْ يدهِ إلى سَبَلٍ ... شوقاً إليه ينبتُ الأسَلُ) قال أبو الفتح: يقول كأن الرماح إنما تنبت شوقاً إلى أن تباشر يده. قال الشيخ: روايتي عن (التُّوَّزي) عن المتنبي: نشتاق بفتح النون من يده إلي سبلٍ من دماء الأعداء شوقاً ينبت الأسل إليه أيضاً، وهذا قريب من قوله: لعلَّ لسيفِ الدَّولةِ المَلكِ هَبَّةً ... يعيشُ بها حقٌّ ويهلِكُ باطلُ ويدلُّك على قوله: سَبَلٌ تطولُ المكرماتُ بهِ ... والمجدُ لا الحوذانُ والنَّفَلُ (وإلى حَصَى أرضٍ أقامَ بها ... بالناسِ من تقبيلهِ يَلَلُ) قال أبو الفتح: يقول فكأن الناس لكثرة ما يُقبلون حصى الأرض التي هو بها بين يديه، وقد حدث فيهم انحناء وانعطاف إلى ذلك الحصى كما تنعطف الأسنان على

стр. 280

باطن الفم، وهذا من اختراعات المتنبي، ويجوز أيضاً أن يكون معناه: ويُشتاق إلى حصى أرضٍ، يكون بها قد يلَّ الناس لكثرة تقبيلهم إياه، فحدث في أسناهم يلل لاعتيادهم تقبيله. قال الشيخ: المعنى هو الأخير، وليس الأول بشيء. معناه: ويُشتاق إلى حصى أرضٍ قد يلَّ الناس بها لكثرة التقبيل، والدليل عليه وعلى بطلان تفسير الأول قوله بعده: إن لم تخالطه ضواحكُهم ... فلمن تُصانُ وتُذخَرُ القُبَلُ؟ (وإذا القُلوبُ أَبَتْ حكومتَهُ ... رَضِيَتْ بِحُكمِ سيوفهِ القُلَلُ) قال أبو الفتح: يقول كأن الرؤوس لما صافحتها السيوف راضية بحكمها. قال الشيخ: سبحان الله ما أبعده من معناه. الرجل يقول: إذا لم ترضَ القلوب بأمره وتلقته بالإباء قطعت رؤوسها لتطيعه وتنقاد له سائر الأعداء، وهذا قريب من قوله: ومَن لم تعلِّمه لكَ الذُّلَّ نفسُه ... منَ النَّاسِ طُرّاً علَّمتهُ المناصلُ

стр. 281

وقال في أرجوزة أولها: (ما أجدرَ الأيَّامَ واللَّيالي ... . . . . . . . . . . . . . . .) (لا يَتشكَّيْنَ منَ الكَلالِ ... ولا يُحاذِرْنَ منَ الضَّلالِ) قال أبو الفتح: أي ليست تصلُّ، لأنها لا تخطيء الحضيض. قال الشيخ: ولكنها لا تحاذر الضَّلال، لأنها مرمية مصابة، تتدهدى من الجبال، وبها أرماق، فكيف تشكو الكلال وتحذر الضلال؟ ويدلُّك عليه ما قبله: فهنَّ يهوينَ منَ القِلالِ ... مقلوبةَ الأظلافِ والإرقالِ يرقلنَ في الجوِّ على المَحالِ (ما يبعثُ الخُرسَ على السُّؤالِ ... فحُولُه والعُوذُ والمتالي)

стр. 282

قال أبو الفتح: فحُولُها بفتح الفاء، على أن تكون فاء الجواب كما تقول: قد أكثرت من الجميل، فالناس كلهم شاكر لك، فتأتي بالفاء، لأن فعله الجميل هو الذي كان سبب الشُّكر، فكذلك هذه الوحش إنما تمنت أن يُتحفها بوالٍ لما سمعت من أخباره العجيبة لكان وجهاً، ويكون الحُولُ جمع حائل، وهي التي حالت فلم تحمل. قال الشيخ: واعجبي من خالدٍ كيف لا ... يُخطئُ فينا مرَّةً بالصَّواب؟ ليس يصفه بجميل الفعل بها، وليس يتمنى وحش نجد أن يتحفها بوالٍ لأخباره، وإنما يتمناه لتسلم من أخطاره، ويدلُّك عليه قوله قبله وبعده، فأما قبله فقوله: فوحشُ نجدٍ منهُ في بلبالِ ... يخفنَ في سلمى وفي قيالِ نوافرُ الضِّبابِ والأورالِ ... والخاضباتُ الرُّبدِ والرِّئالِ والظَّبيُ والخنساءُ والذَّيَّالِ وأما بعده فقوله: يَوَدُّ لو يتحفُها بوالِ ... يركبُها بالخُطمِ والرُّحَّالِ يؤمنُها من هذهِ الأهوالِ ... ويُخمِسُ الغيثَ ولا يُبالي وماءَ كلِّ مسبلٍ هطَّالِ

стр. 283

فأين هذه الحال بما فسره بذلك المُحال؟ فأما فحولها، فمن فتحها فهي فاء ابتداء الاستئناف معنى من جملة كلام تقدم كقوله: ذكرتُك والخطّيُّ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . ثم قال: فواللهِ ما أدري وإنِّي لصادقٌ ... أداءٌ عراني من حُبابِكِ أم سِحرُ؟ وهي جمع حائل، وهذه أولى الروايتين مطابقة العُوذ، ومن ضم الفاء فهي جمع فحلٍ. (وماَء كُلِّ مسبلٍ هطَّالِ ... يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ) قال أبو الفتح: أي وحش هذين الجبلين على بعدهما من بلده، تمنى أن يقيم عليها والياً فتتذلَّل له ليركبها، ويأخذ خمس عشبها ومائها، ويؤمنها أن تُقصد لصيدها. قال الشيخ: هذا نقيض ما فسره أنها تمنت أن يتحفها بوالٍ لما سمعته من أخباره العجيبة اللَّهم إلا أن يكون أراد بأخباره العجيبة وصوله إلى ما لم يصل إليه أحد قبله من الناس في الجد وغيره، وإنها لم تأمن على بعد المسافة بينها وبينه صيده لها،

стр. 284

فتمنت واليه من هذه الجهة، فإن أرادها، فهو صواب، ولكن وجب أن يفسر أخباره العجيبة إذ ظاهرها جميل، والدليل على ما قلنا قوله بعده: يا أقدرَ السُّفَّارِ والقُفَّالِ ... لو شئتَ صدتَ الأُسدَ بالثَّعالي أو شئت غرَّقتَ العدى بالآلِ ... ولو جعلتَ موضع الإِلالِ لآلِئاً قتلتَ بالَّلئالي

стр. 285

القافية الميميَّة وقال في قصيدة أولها: (وفاؤكما كالرَّبعِ أشجاهُ طاسمُهْ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (إذا ظفِرَتْ منكِ العيونُ بنظرةٍ ... أثابَ بها مُعْيي المَطيِّ ورازمُهْ) قال أبو الفتح: ومعناه إن الإبل الرَّازمة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها فكيف بنا نحن؟ قال الشيخ: سبحان الله ما أعجب هذه القصة! ما بصر الإبل بالحسان والقباح؟ وكيف تنظر إلى المعاشيق فتعيش بها، وتظفر عيونها بالنظر إليها؟ هذا ما لم يقع في الإفهام، ولم يدر في الأوهام، ولم يُسمع بها في الجاهلية والإسلام، ومعناه إذا ظفرت عيون العشاق بنظرة منك صارت رواحلُهم بها صواحب ثواب، واستحقَّت أن تُثاب بها، ولا تُرحل، ولا تُركب، بل تسرح وتسيَّب لترعى، ولا تُكلَّف شُقَّة بعدها ولا مشقَّة، وكانت الرعب تفعل بها إذا كفتها خطباً وبلَّغتها مراداً صعباً كما قيل: ما هيَ إلاَّ شربةٌ بالحوأبِ ... فصعِّدي من بعدها أو صوِّبي
следующие страницы →