← Адаб

Адаб · id 37491

قشر الفسر

الزوزني، أبو سهل

Полный текст (367 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ توكلت على الله، والحمد لله خير ما افتتح به الكلام وأختتم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. قال الشيخ العميد أبو سهل محمد بن الحسن بن علي، ﵁، أما بعد: فإني رأيت أكثر أهل العصر المتحلين بالأدب والمنتمين إليه والشائمين برقه والحائمين حواليه غوراً ونجداً وقرباً وبعداً، مقبلين على ديوان أبي الطيب أحمد بن الحسن المتنبي متناظرين عليه متجاذبين طرفيه متخاصمين فيه متوسمين لمعانيه، كما قال هو: أنامُ ملَء جُفوني عن شواردِها ... ويَسهرُ الخَلْقُ جَرَّاها ويختصمُ فالشادي يتقلب نحوه بأنفاسه، والمتوجه يبذل كنه الوسع في اقتباسه، والمدرس الماهر قاصر عن ظاهر روايته فكيف عن الغوص على جواهره؟ وكان من الاتفاق أن حفظت في الصبا ديوانه، فقرأته على أبي جعفر محمد بن محمد بن الخليل، وكان يرويه عن علوي عن المتنبي بمعانيه وأغراضه، وذاكرت به حيناً من الدهر من لاقيت من أدباء ذلك العصر، ثم ترامت بي الأحوال إلى (غزنة) ولقيت بها أبا عبد الله الحسين بن إسماعيل التوزي، وكان يحفظه ظاهراً، ويقوم

стр. 2

بكثير من معانيه مذاكراً ومناظراً، ويروي عن المتنبي (العميديات) من ديوانه قراءة عليه بالأهواز، وقرأته عليه به (غزنة) ضابطاً لروايته وحافظاً ما أودعته من معاني أبياته، وكان بيني وبينه معرفة ومودة قبلها بديار (خراسان)، ثم لم أزل أباحث عنه الفضلاء، الفاحص الأدباء، وأطارحه العلماء به والخبراء، وأتأمل ما أجده من الشرح له والتعاليق فيه، فألفيت شرح عقيل لا يلائم العقول، ولا يوافق المروي عنه والمنقول، وشرح الأبيوردي لا يؤبه له ولا يعبأ به، وبعض تعاليق الخوارزمي وتآليف المعتوه البلخي الذي يعرف بالتميمي تميمة لديوانه عن العيون وعوذة له عن سوء الظن، ووجدت كتاب الفسر لأبي الفتح عثمان بن جني، ﵀ النهاية في الإيضاح لإعرابه ولغاته والدلالة بالشواهد على صحة عباراته، فعنيت بتبيين ما يحويه والنظر فيه فعثرت على عثرات في رواياته ومعانيه لا تقال، ولا يطلق بأمثالها اللسان ولا تقال، ويضيق نطاق الإغضاء عن احتمالها، ولا يسع العارف بها الرضا بإغفالها، وكنت أحياناً أفاتح منها بالشيء بعد الشيء بعض

стр. 3

الأصحاب منبهاً على فساده ومعقباً له بالمعنى الصحيح السافر عن مراده، ومقيماً عليهما الحجج الواضحة التي تثني الجاحد عن جحوده، وتصرف المعاند عن عناده لأفهم إلا أن يبتلى بطبع طبع وقريحة قريحة وذهن عليل وخاطر كليل، لا يفهم التعريف إلا من ألسنة النعال ولا يحسن التثقيف إلا من جانب القذال، فما زالوا بي حتى تصفحت أبيات الفسر لمعانيها، وضربت بالحجة على كل معنى فاسد فيها، ثم بينت صحيحها وأظهرت (ما) فيها، ولم أتعرض لغيرها خلا أبياتاً قليلة القيمة لقصة فيها ظريفة أو نكتة خفيفة، فإن ساعد العمر عطفت على ما أعرض عنه من أبياته فشرحته، وأوضحته كيلا يبقى بيننا له بيت غير مشروح ولا غلق من معانيه غير مفتوح، والله تعالى الموفق للصواب والعمل الثواب، فما التوفيق إلا بالله عليه أتوكل، وإليه أنيب.

стр. 4

قافيةُ الهمزة قال المتنبي على قافية الهمزة: (القلبُ أعلمُ يا عذولُ بدائهِ ... وأحقُّ منكَ بجفنهِ وبمائهِ) فسره أبو الفتح، فقال: أي يصرف الدمع إلى حيث يريد، لأنه مالكه، والهاء في (مائه) تعود على الجفن، ويجوز أن يصرف إلى القلب، وفيه بُعد. قال الشيخ: هو عندي مشوب الصواب بغيره، لأنه يقول: القلبُ أعلمُ منكَ بدائهِ، وإذا كان أعلم بدائه كان أعلم بعلاجه ودوائه، وهو البكاء الذي يخفف وطأة الأحزان عن القلوب، ويفثأ لوعة الشوق والنزاع إلى المحبوب، فمالك تصده عما فيه شفاؤه بعذلك، فترده عن تعاطيه بجهلك؟ ويوضح هذا المعنى قوله بعده: (. . . . . . . . . . . . . . . ... وأحقُّ منكَ بجفنهِ وبمائهِ)

стр. 5

والطبيب مل لم يقف على الداء لم يُصب في العلاج والدواء، ولو أراد به أنه يصرف الدمع إلى حيث يريد لقال: أملك يا عذول لدمعه، والهاء في (مائه) تعود على الجفن لا غير، ولا وجه لصرفها إلى القلب في المعنى، والجفن حائل من القلب وإناء، وإن كان جائزاً في العربية، وكان ينظر إلى بيت أبي تمام: لا تسقني ماَء الملامِ فإنَّني ... صَبٌّ قدِ استعذبتُ ماَء بُكائي (ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أوَدُّ بقلبهِ ... وَأَرى بطَرفِ لا يرى بسِوائِهِ) قال أبو الفتح: أي ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تلتفت إلى قول أحد، قال: إنني خليلك، أي: قد فسد الناس، كقوله:

стр. 6

خليلُكَ أنتَ لا من قلتَ خِلِّي ... وإن كَثُرَ التَّجمُّلُ والكلامُ ويجوز أن يكون المعنى: ما الخل إلا من لا فرق بيني وبينه، فإذا وددت فكأني بقلبه أود، وإذا رأيت فكأني بطرفه أرى، أي: إنما يستحق أن أسميه خلاً من كان كذا. قال الشيخ: وهذا أيضاً مشوب عندي، لأن الفصل من شرحه الأول يبين البيت، ولا يلائمه، فإن قوله: (ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أوَدُّ بقلبهِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) غيره بلا خلاف. وقوله: خليلك أنت. . . نفس المخاطب بلا دفاع، وشتان ما هما، والفصل الثاني أقرب إلى المعنى، وإن كان قاصراً عن أدائه بجميع أجزائه، فإنه يقول: ما الخل إلا من أود لا فرق بيني وبينه كما فسره غير أنه يريد: ما الخل إلا من يكون باطنه باطني وظاهره ظاهري، فإذا وددت شيئاً فقلبه يوده، وإذا رأيت شيئاً فطرفه يراه ولا يرده، إغراقاً في الوداد وغلواً في المصافاة والاتحاد وموافقات في نظرات العين وخطرات الفؤاد، والإنسان إذا وافق صديقه بقلبه وفاقاً صادقاً كانت الحواس الخمس التي هي جواسيسه وخدمه تبعاً له في وفاقه ومدداً لمراده في رفاقه. وتمام المعنى أنه يود بقلبه وهو يرى بطرفه، وإذا كان يرى بطرفه، فهو أيضاً يود بقلبه، فإن سبب الود نظر العين، ألا ترى إلى قوله؟ ومَا هيَ إلاَّ نظرةٌ بعدَ نظرةٍ ... إذا نزلت في قلبهِ رحَلَ العَقلُ وقوله: يا نظرةً نفتِ الرُّقادَ وغادرت ... في حَدَّ قلبي ما حييتُ فُلولا كانت منَ الكحلاءِ سُؤلي إنَّما ... أجَلِي تمثَّل في فؤاديَ سُولا

стр. 7

وقوله: فلو طُرحَت قلوبُ العشقِ فيها ... لما خافت منَ الحَدَقِ الحِسانِ وقوله، وإن كان في غير الحب: كَأنِّي عَصَت مُقلتي فيكم ... وَكاتَمتِ القلبَ ما تُبصِرُ وكأن الجميع ينظر إلى قول الأول: إنَّ لِلَّهِ في العبادِ منايا ... سَلَّطتها على القُلوبِ العَيونُ (إنَّ المُعينَ على الصَّبابةِ بالأسَى ... أَولى برحمةِ رَبُها وإِخائِه) قال أبو الفتح: أي إن المعين على الصب، أي: ذي الصبابة، بالأسى أولى بأن يرحمه ويكون أخاه، إما لأنه هو الذي جنى عليه ما جنى، وإما لأنه هو أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه، ويجوز أيضاً أن يكون له قوله على الصبابة، أي: مع ما أنا فيه من الصبابة وهذا القول أكشف من الأول، أي: لا معونة لي عنده إلا إيراده عليّ الأسى والحزن، كقولهم:

стр. 8

عتابك السيف، أي: لا عتاب عندك لكن السيف. قال الشيخ: هذا الشرح أحوج عندي من بيت المتنبي إلى الشرح، ولست أعرف بقوله: وإما لأنه أعرف الناس بدوائه وأطبهم بدائه معنى وفائدة إلى أخر تفسيره لهذا البيت، والشاعر لا يقصد ببيت يقوله غير معنى واحد فما يزاد عليه يدل على الجهل بمراده في إصداره وإيراده عنه. وعندي أن معنى البيت: كف العذل والملامة عن نفسه كيلا يزيد في حزنه وبثه، فيقول: إن المعين على الشوق الذي يؤذيه بالعذل، وهو أسى المشوق أولى بأن يرحمه ويؤاخيه، ويؤيده، قوله بعده: (مَهلاً فإِنَّ العَذْلَ منْ أسقامهِ ... وَتَرَفُّقاً فَالسَّمْعُ مِن أَعضائهِ) وهذا قريب من قول ابن الرومي: فَدَعِ المُحِبَّ منَ الملامةِ إِنَّها ... بئسَ الدَّواَء لموجَعٍ مِقلاقِ لا تُطفِئنَّ جوىَّ بلومٍ إنَّهُ ... كالرِّيحِ تُغري النَّارّ بالإِحراقِ وما أكثر ما قيل في هذا المعنى، كقول الحسن بن هانئ، وإن لم يكن في العشق: دَع عَنَكَ لومي فإنّّ اللَّومَ إِغراءُ ... . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9

وكقول أبي فراس: اللَّومُ للعاشقينَ لُومُ ... لأنَّ خَطبَ الهوى عظيمُ في نظائر لها تضيق عنها صدور الصحف، ولا تسعها بطون الكتب. (مَهلاً فَإنَّ العذلَ منْ أسقامهِ ... وترفُّقاً فالسَّمعُ من أعضائهِ) قال أبو الفتح: أي أرفق برب هذه الصبابة يعني نفسه، فإن العذل أحد أسقامه، وترفق به لأنه كثير الأسقام، فعذلك أحد أسقامه، وترفق به فإن السمع من أعضائه، أي: لا تعنف عليه بالعذل، فيذهب سمعه في جملة أعضائه الذاهبة، فإنك إن لم ترفق به ذهب سمعه، ولم يسمع لك عذلاً. قال الشيخ: هذا المعنى عندي مدخول، لأن العذل ليس من جنس الأسقام والسمع غير ذاهب بالعذل، ولم يسمع ذهاب سمع به، ولا أحد قاله. وعندي: أنه يكفه عن العذل، ويقول: لا تعذله، فإن العذل من ضروب أسقامه التي تحل به وتؤلمه، والسمع من أعضائه التي تؤلم السقم، فكما أن الصداع يؤلم رأسه، والرمد يؤلم عينه، فكذلك سائر أعضائه في سائر الأجسام تؤلمها سائر الأسقام.

стр. 10

(فَأتيتَ مِن فوقِ الزَّمانِ وتحتهِ ... مُتَصلْصِلاً وأمامهِ وورائِهِ) قال أبو الفتح: أي أحطت بالزمان الذي هو أم النوائب، ولم تعبأ بالنوائب. قال الشيخ: الملوك لا تُمدح بأن لا تعبأ بالنوائب، سيما إذا كان المادح مثل المتنبي والممدوح مثل سيف الدولة، وعندي يقول: فأتيت الزمان ضابطاً وباهراً وقاهراً له من جوانبه علواً وسُفلاً وأماماً ووراء، حتى لم يتفرغ عن الشغل بنفسه إلى إنشاء النوائب لأهله، فانقطعت عني وعن غيري. وقال في قصيدة أولها: (أَمِنَ ازديارَكِ في الدُّجى الرُّقباءُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أسَفي على أسَفي الذي دلَّهْتِني ... عن علمِهِ فبهِ عَليَّ خَفاءُ)

стр. 11

قال أبو الفتح: أي أنا أحزن لذهاب عقلي حتى أني قد خفي عليّ حزني، فإنما ذلك لما لقيت فيكِ من الجهد. قال الشيخ: ذهاب العقل هاهنا قلق، وإن كان في معناه طرف منه، وإن الرجل يقول: أسفي على أسفي لا على ذهاب عقلي، والأسف: الحزن على الفائت، فهو يقول: أسفي على الذي حيرتني عن معرفته بأنواع الأحزان والهموم في حاضر الأحوال، فلست أعرفه ولا أتأسف على ما فاتني من وصالك ونوالك وإحسانك وإجمالك وإنعامك وإفضالك لما ألقى منك في العاجل من الهم الناصب والبلاء الواصب، ومن شغل اليوم بنفسه لم يتفرغ للتأسف على ما فاته في أمسه، فكأنه ينظر إلى قول الأول: بَلَى إِنَّها تَعفو الكُلومُ وَإنَّما ... نُوَكَّلُ بالأدنى وإن جَلَّ ما يمضي (نَفَذَتْ عَليَّ السَّابريَّ ورُبَّما ... تَندَقُّ فيهِ الصَّعدةُ السَّمراءُ) قال أبو الفتح: السابري يعني به الثوب الرقيق، وكذلك كل ثوب رقيق عندهم سابري.

стр. 12

ومعنى البيت: إن عينك نفذت ثوبي إليّ فتمثلت في حشاي، فإن قيل: كيف تندق الصعدة في الثوب الرقيق؟ قيل: معناه إذا طُعن بقناة اندقت القناة دون العمل فيه، فكأن ثوبه درع عليه ما كان جسمه من تحته، ويجوز أن يكون عنى بالسابري الدرع، فيكون على هذا: نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي ولكلا القولين مذهب. قال الشيخ، قد تعسف فيه وما أنصف، وإنما هو الدرع هاهنا لا غير كما قال أخيراً. ويجوز أن يكون عني عنى بالسابري: الدرع، أي نفذت نظرتك الدرع إلى قلبي، والأول فاسد مدخول، وهذا واضح مقبول. (مَنْ نفعُه في أنْ يُهاجَ وَضَرَّهُ ... في تَركهِ لو يَفطُنُ الأعداءُ) قال أبو الفتح: إذا هيج انتُفع بذلك شوقاً إلى الكفاح ومقارعة الأعداء، وإذا تُرك من ذلك، ولم يوجد سبيل إليه استُضر به، وهو كقوله أيضاً:

стр. 13

ذَريني والفلاةَ بلا دليلٍ ... ووجهي والهجيرَ بِلا لِثامِ فَإنَّي أستريحُ بذا وهذا ... وأَتعَبُ بِالإنِاخَةِ والمُقامِ وكقوله: قُحٍّ يَكادُ صَهيلُ الجُردِ يَقذِفهُ ... عَن سَرجِهِ مَرَحاً بِالعِزِّ أو طَرَبا ويجوز أن يكون أراد أنه إذا هيج استباح حريم أعدائه، وأخذ أموالهم، فانتفع به، وإذا ترك من ذلك قلت ذات يده فاستضر به، ويؤكد أيضاً هذا قوله: ولاَ مَلكا سِوى مُلكِ الأعادي ... وَلا وَرِثاً سِوى مَن يَقتُلانِ وهذا كقول أخت الوليد بن طريف: فَتىً لا يُحبُّ الزَّادَ إلاَّ مِنَ التُّقى ... ولا المالَ إلاَّ مِن قناً وَسيُوفِ قال الشيخ: القول الأول فاسد من حيث لا ينتفع بالهيج للشوق إلى الحرب بحال، ولا يستضر بإعراض عن هذا الشوق وإضرابه إلا أن يقترن به غيره، والمعنى كما قال في أبي العشائر: يَضرِبُ هامَ الكُماةِ ثُمَّ لهُ ... كَسبُ الذي يَكسِبونَ بِالمَلَقِ

стр. 14

وكما قال في سيف الدولة: حَتى إذا فَنِيَ التُّراثُ سَوى العُلى ... قَصَدَ العُداةَ مِن القَنا بِطِوالهِ يقول: إذا هيج انتفع بأموال الأعداء وأزداد به في الثراء، وإذا ترك استضر بتركه لخروجه بالعطاء عن ملكه وتعذر العوض من مال العداة بعد تفرق ماله في العفاة، وشرحه فيما يليه: فَالسِّلمُ يَكسرُ من جَناحَي مالهِ ... . . . . . . . . . . . . . . . (مُتَفرقُ الطَّعمينِ مُجتمِعُ القُوى ... فَكأنَّهُ السَّراءُ والضَّراءُ) قال أبو الفتح: قوله متفرق الطعمين، يقول: فيه حلاوة لأصدقائه ومرارة لأعدائه، وقوله: مجتمع القوى، أي: هو مع ذلك إنسان واحد، وقواه مجتمعة غير متباينة، وهذا كقول الهذلي: حُلوٌ ومُرٌّ كَعِطفِ القِدحِ مِرَّتُهُ ... بِكُلِّ إنيٍ حَذاهُ اللَّيلُ ينتَعِلُ

стр. 15

وقال تأبط شراً: وَلَهُ الطعَّمانِ أريٌ وَشريٌ ... وَكلا الطعَّمينِ قد ذاقَ كُلُّ وقال أبو نؤاس: . . . . . . . . . . . . . . . ... كالدَّهرِ فيه شراسَةٌ وَلِيانُ يقول: فكأنه مخلوق من السراء والضراء لكثرة ما يعتادهما ويأتيهما، وهذا كقول الله تعالى: (خُلِقَ الإنِسانُ مِن عَجَلٍ). قال الشيخ: في هذا الفصل من الفساد ما يعيا على التعداد، أوله قوله: أي هو مع ذلك إنسان واحد يؤدي لو كان الممدوح شخصين ونفسين لأم شخوصاً ونفوساً في جلد واحد، وما يمنعه من اجتماع قواه له، وهو إنسان واحد؟ والناس كلهم بل الحيوان كلها بهذه الصفة، تجتمع قوى كل حي فيه عند بلوغه. قوله: مجتمع القوى، أي: بالغ أشده يعمل ما يعمل على بصيرة دون جهل الصبا وسكر الشبيبة، فطعماه في مكانيهما على الاستحقاق، يحلو حيث يجب، ويمر حيث يجب، وقوله: مجتمعة غير متباينة أردأ مما مضى، فإن قواه لو كانت متباينة كان ميتاً لا حياً. والبيت الذي نحله الشنفري في مرثية تأبط شراً لأبن أخته أو لخلف الأحمر على لسانه كما قيل يرثي به تأبط شراً. و

стр. 16

له قطعة قرأتها في ديوانه، يرثي بها الشنفري، وديوانه ناطق بها، وأولها: على الشنفري ساري الغمامِ ورائحٌ ... غزيرُ الكلى أو صَيِّبُ الماءِ باكرُ وفيها: فلا يَبعدَنَّ الشَّنفرَي وسِلاحهُ ال ... حديدُ وشَدٌّ خَطوُهُ مُتواتِرُ وكتاب (مقاتل الفرسان) لأبي عبيدة يوضح لك ما ذكرناه، ويبسط ما اختصرناه، وقوله: فكأنه مخلوق من السراء والضراء لكثرة ما يعتادهما ويأتيهما فاسد، وأنهما شرح الطعمين، أي: كأنه السراء في الحلاوة والضراء في المرارة، كما قال: دانٍ بعيدٍ مُحبٍّ مُبغِضٍ بَهِجً ... أغَرَّ حُلوٍ مُمِرٍّ لَيِّنٍ شرِسِ وكما قال: مُمقِرٌ مُرٌّ على أعدائِهِ ... وعًلى الأدنينَ حُلوٌ كالعَسَل وليس يقول: حلو منها حتى حسن به تشبيهه بقوله تعالى: (خُلِقَ الإنسانُ مِن عَجَلٍ).

стр. 17

(احمَد عُفاتَكَ لا فُجِعتَ بِفقدِهِم ... فَلتَركُ ما لم يَأخذُوا إعطاءُ) قال أبو الفتح: قوله لا فجعت بفقدهم، حشو في غاية الملاحة والظرف وهو يحتمل أمرين أحدهما، وهو أكشفهما وأقربهما إلى ظاهر البيت، أنه دعا بأن لا يفقدهم، يقول: لا عدمت القصاد والطلاب إذ كانوا لا يقصدون إلا ذا ملك وسروٍ وثروة. قال الشيخ: قوله لما ذكر من انتفاعه كلام مجهول غير معلوم، ولست أرى ذكراً لانتفاعه بهم قبله وبعده، والثاني فاسد لأن المستميحين يقصدون هؤلاء وغيرهم، ومعناه أنه يقول: لا رزئتهم ولا أصبت المصيبة بفقدهم، فإن الرزء والفجيعة عنده فقد العفاة والمجتدين لا فقد الأولاد والأعزة والأموال كما يقول في فاتك: لا يَعرفُ الرَّزَء في مالٍ ولا ولَدٍ ... إلاَّ إذا حَفَزَ الضِّيفانَ تَرحالُ (لا تَكثُرُ الأموالُ كَثرةَ قِلةٍ ... إلاَّ إذا شَقِيتْ بِكَ الأحياءُ)

стр. 18

قال أبو الفتح: قوله كثرة قلة، يقول: إنما تكثر الأموات إذا قل الأحياء، فكثرتهم كأنها في الحقيقة قلة، وقوله: شقيت بك، يريد شقيت بفقدك، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وإنما تشقى به الأحياء لمفارقتهم إياه. قال الشيخ: قوله شقيت بفقدك الأحياء مدخول من القول فاسد، فإنه ما جرى في الرسم أن ينعي المادح نفس الممدوح إليه، ولا أن يمدحه بفقده وموته، وهب أن الأحياء تشقى به لمطارقتهم إياه، فكيف تكثر به الأموات؟ أيموتون بموته أم تضرب أعناقهم على قبره؟ أم كيف؟ هذا محال من الوجوه كلها كما ترى. ومعناه: لا تكثر الأموات كثرة هي في الحقيقة قلة، لأن كثرة الأموات من قلة الأحياء، فهي قلة في الحقيقة، لأن الاعتبار بالحي دون الميت والفائدة فيه لا في الميت، إلا إذا شقيت بعداوتك الأحياء حتى تقتلهم، فتكثر الأموات حينئذ بقلة الأحياء، والدليل عليه ما يتلوه، وهو: والقلبُ لا ينشَقُّ عمَّا تحتَهُ ... حتَّى تحُلَّ بهِ لكَ الشَّحناءُ أي: والقلب لا ينشق عما فيه حتى تحل بالقلب لك الشحناء والبغض، فحينئذ ينشق القلب.

стр. 19

(فَغَدوتَ واسمُكَ فيهِ غيرُ مُشاركٍ ... والناسُ فيما في يديكَ سَواءُ) قال أبو الفتح: أي لم يشارك اسمك فيك، لأن لا يكون للإنسان أكثر من أسم واحد، زيد وعمرو ونحو ذلك، والناس في مالك سواء غنيهم وفقيرهم وقريبهم وبعيدهم، فقد استووا كلهم في آلائك ومننك. قال الشيخ: لست أرى مدحاً أن اسمك فيك غير مشارك من حيث أن له اسماً واحداً لا اسمين، فإن العالمين فيه شرع، وعندي أنه يقول: واسمك غير مشارك، أي: مع ما جمعته من محاسنك ومعاليك ومآثرك التي تفرقت بها عن العالمين، واستأثرت بها دون الناس أجمعين، فلا شريك له فيك إذ لا سمي لك يوازيك في مفاخرك ويضاهيك، فالمسمون باسمك كثير، وليس لك في خصائص خصالك وغرائب أفعالك منهم نظير، فاسمك إذاً مختص منك بشخص لا شبيه لك في معاليه غير مشارك فيك بشخص في معانيه، والناس شركاؤك في ملكك، وطبقاتهم فيه سواء معك حكمهم فيه كحكمك وأمرهم فيه أمرك.

стр. 20

(لو لَم تكُن مِن ذا الورى اللَّذْ منكَ هو ... عَقِمتْ بِمَولدِ نْسلِها حَوَّاءُ) قال أبو الفتح: يقول لو لم تكن من ذا الورى الذي كأنه منك، لأنك جماله وشرفه وأنفس أهله لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد، ولولا أنت لصار ولدها كلا ولد. قال الشيخ: ليس في البيت تشبيه بكأنه ولا بما معناه، ولو لم يكن هذا الممدوح لما كانت حواء في حكم العقيم، فإنها إذا ولدت لم تكن عقيماً، ومعناه إنه يقول: لو لم تكن من ذا الورى الذي منك هو، لأنهم يتقلبون في نعمك وأفضالك، ويتعيشون بجاهك ومالك، فهم منك وبك، لأنهم منك نشئوا وبإحسانك نفذوا وفي نعمائك تربوا عقمت حواء، فلم تكن تلد، إذ لم يكن لنسلها معنى، وفيهم خير وفائدة، لو لم تكن منهم، كقوله: ولولا كَونُكم في النَّاسِ كانوا ... هُذاءً كالكلامِ بلا معاني

стр. 21

وقال في قصيدة، وهو أولها: (أَلا كُلُّ ماشِيَةً الخَيزلى ... فِدى كُلِّ ماشيَةِ الهَيذَبَى) قال أبو الفتح: الخيزلى مشية فيها تفكك وتخزل من مشي النساء، يقول: كل امرأة تفكك في مشيها فداء كل ناقة تُسرع في سيرها. قال الشيخ: شتان مشي الجمال ومشي ربات الحجال، ومن يجعل المعشوق فداء هجان النوق؟ وقبيح أن يقال: فدت كل امرأة متفككة في مشيها كل ناقة سريعة السير، وإنما يُفدى الجنس بالجنس أو بأكرم منه، ولقد أراد بماشية الخيزلى أن هذه البراذين والرماك الأهلية التي تعودت المشي الضعيفة والخطى القريبة الحقيقة في القرى والأمصار كمشي النساء، وليست من آلة قطع المهامه القفار، ولا من سفائن البراري كالعراب والمهاري، فقال: فدت هذه الماشيات النوق التي تستبق الرياح وتستبقي الأرواح، وتفوت الأسود الكساح. (وكُلُّ نَجاةٍ بَجاويَّةٍ ... خَنُوفٍ وما بي حُسنُ المِشَى)

стр. 22

قال أبو الفتح: يقول إنما أحب كل ناقة هذه صفة مشيها، ولا أحب المرأة الحسنة المشي، والمشي: جمع مشية، يصف نفسه بالجفاء والبدوية. قال الشيخ: نعم يقول وفِدى كل ناقة هذه صفتها، فما يعجبني حسن المشى التي لا تقدر على اختراق المهامه وإنتقاذ الأحرار عن المكاره. (وشِعرِ مَدَحتُ بهِ الكركدنَّ ... بينَ القريضِ وبينَ الرٌّقى) قال أبو الفتح: الكركدن كناية وهجو، أي: بين الشعر وبين الرُّقية من الجنون. قال الشيخ: شبه ما اختصر تفسيره، وأهمل عسيره، ولو فسر الكركدن، وأتبعه بالمعنى الذي أراده وقصده دون الجنون الذي لا جواز له فيما أراغه، ولا مجاز فيما سرده لكان أخلق فضله وأليق بعمله، وأظنه من الرُّقي وقع إلى الجنون، وعندي أن الرجل يقول: وماذا بمصرَ منَ المضحكاتِ ... ولكنَّهُ ضَحِكٌ كالبُكا؟ بها نَبَطِيٌّ منَ أهلِ السَّوادِ ... يُدَرسُ أنسابَ أهلِ الفلا

стр. 23

وأسودُ مشفرهُ نِصفَهُ ... يُقالُ له: أنتَ بدرُ الدُّجى وشعرٍ مدحتُ به الكركدنَّ ... بينَ القريضِ وبينَ الرُّقى وأراد به الأسود أيضاً، والكركدن أوحش الدواب خلقاً ولوناً ومنظراً، فشبه به الأسود في سواد لونه وكراهة خلقه وسماجة منظره، وقوله: بين القريض وبين الرُّقى، أي: بين الشعر وبين الرُّقى لاستخراج شيء من كفه كما تستخرج الحية من جحرها بالرُّقى. ويدلك عليه قوله في قصائد له، منها: ولو كنتُ أدري كم حياتي قَسَمتُها ... وصيَّرتُ ثُلثيها انتظاركَ فَاعلمِ ولكِنَّ ما يمضي منَ الدَّهرِ فائِتٌ ... فَجُد لي بحظِّ البادرِ المُتَغَنِّمِ ومنها: أبا المسكِ في الكأسِ فَضلٌ أنالهُ ... فإنِّي أُغَنِّي منذُ حينٍ وتشربُ؟ ومنها: أرى لي بقُربي منكَ عيناً قريرةً ... وإن كانَ قُرباً بالبِعادِ يُشابُ وهل نافعي أن تُرفَعَ الحُجبُ بَيننًا ... ودونَ الذي أمَّلتُ منكَ حجابُ؟ وفي النَّفس حاجاتٌ وفيكَ فطانةُ ... سُكوتي بيانٌ عندها وخطابُ وما أنا بالباغي على الحُبُ رِشوةً ... ضعيفُ هوىً يُبغَى عليه ثَوبُ وما شئتُ إلاَّ أن أدُلَّ عواذلي ... على أنَّ رأيي في هواكَ صوابُ وأُعلِمَ قوماً خالفوني وشَرَّقوا ... وغرَّيتُ أنِّي قد ظفرتُ وخابوا

стр. 24

قافية الباء قال في قصيدة أولها: (لا يحزنُ اللَّهُ الأميرَ فإنَّني ... . . . . . . . . . . . . . . .) (كأنَّ الرَّدى عادِ على كُلِّ ماجدٍ ... إذا لمُ يَعوِّذْ مجدَهُ بُعيوبِ) قال أبو الفتح: أي يجعل ما يعيب به مجده كالعوذة الصارفة العين عنه، وعاد من التعدي والظلم، أي: يحوج العافي والطالب إلى أن يسأله ليكون ذلك عوذة لنعمته من إصابتها بالعين. قال الشيخ: لست أعرف بين هذا التفسير وبين المعنى قرابة، فإن الرجل يقول: كأن الردى يأخذ كل ماجد مُبرأ عن العيوب مهذب لا غميزة فيه مثل هذا المرثي الذي لم تكن فيه عيوب، فجعلها عوذة لنفسه لتقيه عين الكمال، كما قيل: الآخرة تختار الخيار وتترك الأشرار، وكما قيل: أعمار الكرام مشاهرة وأعمار اللئام مداهرة،

стр. 25

وكما قيل: . . . . . . . . . . . . . . . ... إنَّ الكرامَ قليلةُ الأعمارِ وكما قيل: وآخر إلاَّ عيبَ فيه لناظرٍ ... يردُّ بهِ عينَ الكمالِ وناظرَه في أشباه لهذا كثير، ولست أدري، ما هذا من ذاك الذي ذكره وفسره؟ وأي مجال هنا لطلاب نواله وإحواجهم إلى سؤاله؟ وهبهم سألوه، فأي عوذة فيه لنعمته من إصابتها بالعين؟ (فُعوِّضَ سيفُ الدَّولةِ الأجرَ إنَّهُ ... أجَلُّ مُثابِ مِن أجلُ مُثيبِ) قال أبو الفتح: الهاء في إنه تعود على الأجر، والمثاب المصدر هاهنا، ومثله المصاب، أي: المصيبة، والمثيب الله تعالى، كأنه قال: إن الأجر أجل ثواب من الله الذي هو أجل مثيب، ويحوز أن يكون الهاء في إنه لسيف الدولة، أي: إن سيف الدولة أجل من أُثيب من عند الله، والأجر إنما يستحق عن الصبر لا عن المصيبة، وإنما يُستحق عن المصيبة العوض، والأجر والثواب أشرف من العوض، لأن الثواب إنما يستحقه الإنسان بما يفعله

стр. 26

مختاراً من الطاعة، والعوض إنما يكون مستحقاً عن المصائب التي لم يخترها الإنسان، والتفضل دون ذينك، ولهذا قيل: منازل الاستحقاق أشرف من منازل التفضل. قال الشيخ: أورد فصلين وذكر معنيين، وقد قلنا: إن الشاعر لا يريد ببيت يقوله غير معنى واحد فما عداه تعسف وخدش، وعندي إن المتنبي يقول: فعوض سيف الدولة الأجر عن صبره على مصابه ليكون عوضاً عن مصيبته، فإن سيف الدولة أجل مثاب في الخلق من أجل مُثيب، وهو الخالق عز وعلا. وقد ذكر هو هذا المعنى في الفصل الأخير دون هذا التفسير، فإنه منع سيف الدولة استحقاق الأجر والثواب عوضاً عن المصاب، وهو يستحقهما، فإنه آثر الصبر وترك الجزع مختاراً، ولم يأته اضطراراً، ولو آثر الجزع على الاصطبار لم يُمنع من هذا الإيثار. وقال في قصيدة أولها: (فَديناكَ من ربعِ وإنْ زدتنا كَربا ... . . . . . . . . . . . . . . .) (لها بَشَرُ الدُّرِّ الذي قُلِّدتْ بهِ ... ولم أرَ بدراً قَبلَها قُلِّدَ الشُّهْبا) قال أبو الفتح: الشُّهب جمع شهباء، يعني الدُّرة، ويجوز أن يكون عنى بالشُّهب جمع أشهب، يعني الكواكب لذكره البدر، وهذا هو القول،

стр. 27

ويجوز أيضاً أن يكون جمع شهاب، وهو النجم. قال الشيخ: هو كما قال أولاً: الشهب جمع شهباء، وهي الدرة، يدلك على ذلك قوله: لها بشر الدُّر الذي قُلدت به. ثم قال: ولم أرَ بدراً قبلها قُلد الشُّهبا. وليت شعري، أية شبهة تعترضه حتى يكون جائزاً أو تمكن حمل الشهب على وجه أخر؟ والرجل يقول: لها بشر الدُّر الذي قلدت به، جعل بشرها بشر الدُّر الذي جُعل قلادتها، فكيف يجوز أن يقول: ولم أر بدراً قبلها قُلد الكواكب أو النجوم بعد أن جعل الدُّر قلادتها؟ ولقد أبدع في صنعة رد عجز البيت إلى صدره بذكر الدُّر فيهما أحسن الإبداع، وتعجب في مكان التعجب، إذ لا يُرى بدر مُقلداً دُّراً، ويُرى بين بعض الشهب الكواكب، وكأنه قلادة، فهذا يُرى وذاك لا يُرى، فالمتنبي تعجب مما لم يُعهد، ولم يرد. وقوله: يجوز أن يكون عنى بالشهب جمع أشهب، يعني الكواكب لذكره البدر، وهذا هو القول: نعم لكنه القول المردود الرديء، لأن البدر قد يُرى مُقلداً بعض الشهب، ولا يُرى مُقلداً الدُّر، وليس يوجب ذكره البدر، إذ عنى بالشُّهب الكواكب لكونها في السماء بعدما يفسد المعنى به من هذه الوجوه المذكورة، وكيف يجوز أن

стр. 28

يقول: لها بشر الدُّر الذي هو قلادتها، ولم أر بدراً قبلها قُلد الكواكب؟ وهذا لو قال: لها بشر الدُّر الذي هو قلادتها إلى الكواكب الذي قُلدت بها لجاز أن يقول: ولم أر بدراً قبلها قُلد الكواكب، وهذا أوضح من أن يُحتاج معه إلى كل القال والقيل. وليسَ يصِحُّ في الإفهامِ شَيءٌ ... إذا احتاجَ النَّهارُ إلى الدَّليلِ (فُحبُّ الجبانِ النَّفسَ أوردَهُ التُّقى ... وحبُّ الشُّجاعِ النَّفسَ أوردَهُ الحَربا) قال أبو الفتح: يرد الشجاع الحرب إما ليُبلي بلاء حسناً يُشرف ذكره في حياته، وإما ليُقتل فيُذكر بالصبر والأنفة بعد موته، كقولها: نهينُ النُّفوسَ وهَونُ النُّفو ... سِ يَومَ الكريهةِ أبقى لها

стр. 29

فهذا يحتمل وجوهاً: إما أن يكون أراد إنك إذا رآك قرنك، وقد ألقيت نفسك للتهلكة يئس من فرارك، فهرب هو فسلمت أنت، وإما أن يكون مثل قوله تعالى: (ولا تَحسَبَنَّ الذين قُتلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءُ)، وإما أن يكون أراد أنك إذا مت على هذه الحال فقد أبقيت لك من حسن ذكرك ما يقوم لك مقام الحياة. قال الشيخ: ولو كان أراد به ما فسره لقال: وحب الشجاع الصيت أو الذكر أو المدح أو الأجر، وليس في الغنى شيء عندي مما فسر أنه يرد الحرب ليبلي ما يشرف به ذكره في الحياة أو ليُقتل فيذكر بالصبر والأنفة وما بعده إلى أخر تفسيره، فكله حب الصيت والذكر لا حب النفس على الحقيقة وما يدفعه دافع فحاطب ليل. والمعنى عندي إن حب الجبان نفسه يورده التُّقى لاستبقائها، وحب الشجاع النفس يورده الحرب لعطائها المُنى وإعلائها ولقهر مناوئه وأخذه من الملك ومن نعيم الدنيا والغنى والثروة وما يشتهيه فيتقلب ناعماً فيه كما قال في موضع آخر: فإن تَكُن الدَّولاتُ قسماً فإنَّها ... لمن وردً الموتَ الزُّؤامَ تدولُ لمن هَّونَ الدُّنيا على النَّفسِ ساعةً ... وللبيضِ في همامِ الكُماةِ صليلُ وكما قال: ويا آخذاً من دهرهِ حقَّ نفسهِ ... ومثُلك يُعطَى حقَّه ويُهابُ

стр. 30

(ويختلفُ الرِّزقانِ والفعلُ واحدٌ ... إلى أن تَرى إحسانَ هذا لذا ذنْبا) وقال أبو الفتح: يقول إن الرجلين يفعلان فعلاً واحداً، فيُحرم أحدهما ويُرزق الأخر، فكأن الإحسان الذي رُزق به هذا هو الذنب الذي حُرم به هذا. قال الشيخ: هذا جميل حسن إلا أنه ليس بتفسير البيت، فإنه لم يُفسر لهذا وأهمله ومر عليه مُعرضاً عنه. وعندي أنه يقول: إلى أن ترى إحسان الجبان إلى نفسه بكلأتها عن اعتراض المعاطب واقتحام المتالف ذنباً للشجاع بتعريض نفسه للهلك وبذل مهجته للسفك، وترى إحسان الشجاع إلى نفسه بتسليطها على الأمم وترفيهها في النعم وتمليكها أزمة مطالب الهمم، وتبليغها أقاصي مرامي المرام وتحكيمها في صنوف النقض والإبرام بتورد الخطوب وتقحم الحروب ذنباً للجبان بتوقيه والرضا بما هو فيه من الضر والعيش المر وسوء الحال ومقاساة الفقر والإقلال، وفعلهما حب النفس ورزقاهما مختلفان، هذا بحب النفس محدود فقير، وذاك بحب النفس أمير كبير أم خطير. وقال في قطعة أولها:

стр. 31

(ألا ما لسيفِ الدَّولةِ اليومَ عاتبا؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أهذا جزاءُ الصِّدقِ إنْ كنتُ صادقاً؟ ... أهذا جزاءُ الكذْبِ إنْ كنتُ كاذبا؟) قال أبو الفتح: أي إن كنت صدقت في مدحك، فليس هذا الإقصاء والإبعاد جزاءي، وإن كنت قد كذبت فيه فقد تجملت لك في القول، فهلا تجملت لي في المعاملة. قال الشيخ: لم يقصه ولم يبعده، وإنما رخص للسامري في دمه لما أنشده: وا حرَّ قلباهُ. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . وكان المجلس محفلاً غاصاً بوجوه أعيان العرب، فلما فرغ من الإنشاد، وانصرف اضطرب المجلس، وتفاوضوا فيها، فقام السامري، وقال: أصلح الله الأمير لترخص لي في دمه، فقال: شأنك، فخرج وسد فم الطريق عليه بغلمانه، فلما بصر بهم مكن يده من قائم سيفه، وحمل عليهم وخرق سدهم، ومضى وتوارى عند صديق له بحلب، وكتب إلى سيف الدولة من مأواه بهذه الأبيات بعد أيام. وعندي أنه يقول: أهذا جزاء الصدق؟ أي: إباحة دمي جزاء صدقي في هذا العتاب والرُّخص في نفسي جزاء كذبي فيه، والمعنى أنه لا أستحق القتل صادقاً كنت في هذه القصيدة التي أولها: وا حرَّ قلباهُ مِمَّن قلبُه شَبِمُ ... . . . . . . . . . . . . . . . وآخره:

стр. 32

. . . . . . . . . ... قد ضُمِّنَ الدُّرَّ إلاَّ أنَّهُ كَلِمُ أم كاذباً، فإن كنت صادقاً فجزائي الإعتاب أو كاذباً فجزائي التكذيب والجواب، فأما القتل فليس عنهما بجزاء، وبعد: فمواجهة ملك بأنه يجوز ويمكن أن أكون كاذباً في مدحك من القبائح والفضائح، على أن له وجهاً في تعسف العرب وتعجرف طباعهم، لكنه ليس بجميل، ولا تُباح نفس شاعر يمدح، أحسن فيه أم أساء، وصدق أم كذب. ولهذا قال في السامري: أسامرِّيُّ ضٌحكةَ كلِّ رائي ... فَطَنتَ وأنتَ أغبَى الأغبياءِ صَغُرتَ عنِ المديحِ فقلت: أُهجى ... كأنَّكَ ما صَغُرتَ عن الهِجاءِ وما فكَّرتُ قلبكَ في مُحالٍ ... ولا جرَّيتُ سيفي في هَباءِ وقال في قصيدة أولها: (أيدري ما أرابكَ ما يُريبُ؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (يُجَمشُكَ الزَّمانُ هوىً وحُباً ... وقد يُؤذَى منً المِقَةِ الحبيبُ)

стр. 33

روى أبو الفتح: وقد يؤذي بكسر الذال. قال الشيخ: أول البيت ناقص لروايته (يؤذي بالكسر)، والعادة تنقضه وتنفيه، ولا تُرخص يحال فيه، فإن الرجل جعل الزمان محب سيف الدولة، وهو حبيبه، لهذا المعنى قال: يُجمشك بهواه وحبه إياك، ثم قال: ولا بدع ولا عجب، فقد يؤذى الحبيب من المقة والحب، فالزمان يؤذيك بهذه الشكاية كما يؤذي العاشق المعشوق بالضم والشم والعناق واللثم والتقبيل والرشف والعض والقرص والمص وأشباهها، وما هي لجفوة بل لصبوة، فهذا تجميش العشاق، وهذه الشكاة تجميش الزمان إياك من الهوى والاشتياق، وفسر هذا بالحبيب، ويؤذي من فرط المحبة والمقة، فمن رواه بالكسر فماذا يكون معناه؟ وكيف يلائم أول البيت آخره؟ وإذا كان الحبيب المؤذي له فمن المؤذى؟ وعلى هذه الرواية يجب أن يكون سيف الدولة يجمش الزمان ويعله ويمرضه، ويكون محب الزمان والزمان حبيبه، وهذا محال كما ترى. والحبيب لا يؤذي إلا بالصد والهجر والدلال والفراق وأشباهها، ولا مكان لها هاهنا، وإذا كان سيف الدولة المجمش، فلابد أن يكون هو المؤذي البتة، فإذا لا وجه لكسر الذال هنا بحال. (فَقَرطْها الأعنَّةَ راجعاتٍ ... فإنَّ بعيدَ ما طلبتْ قريبُ)

стр. 34

قال أبو الفتح: تقول العرب: قرط فلان فرسه العنان، يستعمل ذلك على وجهين: أحدهما أنه طرح اللجام في رأس فرسه، وربما استعمل للفارس إذا مد يده بعنانه حتى يجعلها في قذال فرسه للحضر، والبيت يحتمل أمرين وراجعات، أي بلد إلى بلد العدو فإن بعيد ما طلبت قريب عليها لسرعتها. قال الشيخ: ذكر تقريظ الأعنة والعود إلى بلد العدو، وأصاب فيهما غير أنه لم يفسر المعنى كما يتصور، والمتنبي يقول قبله: وأنتَ المَلكُ تُمرضُه الحشايا ... لهمَّتهِ وتشفيهِ الحروبُ يحثه على مراجعة بلد الروم ومقاساة الحروب ليبرأ من شكاته، ويعاجل بمعافاته متئداً غير مسرع كما قال حتى يجعل الأعنة في قذاله للحُضر، والبيت لا يحتمل الأمرين، لا يحتمل إلا طرح اللجام في رأس الفرس لقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنَّ بعيدَ ما طلبت قريبُ فإنه لا يحتمل غير قولك: ألجم الخيل، وعاود الروم متأنياً، فإن الأمد البعيد قريب عليها لميعتها وسبلها ومرحها وقوتها، ولا يحسن أن تقول: ألجم الخيل وعاود العدو مسرعاً متعجلاً، فإن البعيد قريب عليها، فإن هذه اللفظة تقتضي أن يكون القريب بعيداً عليها حتى تحتاج أن تعجل وتسرع، وقد تبين أن البيت ر يحتمل الأمرين، وإنما

стр. 35

يحتمل طرح اللجام في رأس الفرس دون الحُضر، وهذا كقوله فيه: وكاتبَ مِن أرضٍ بعيدٍ مرامُها ... قريبٍ على خيلٍ حواليكَ سُبَّقِِ (إذا داءٌ هَفا بُقراطُ عنهُ ... فلم يُوجدْ لصاحبهِ ضريبُ) قال أبو الفتح: جواب إذا، فلم يوجد، أي: وليس يوجد لصاحبه شبيه، كذا قال لي وقت القراءة عليه، واستعمل (لم) في موضع (ليس) لمضارعتها لها بالنفي. قال الشيخ: ذكر هذا القدر وما فسر معناه، وهو محوج إلى شرح وبسط، فإنه يقول: كل بعيد عليك قريب، وكل عسير يسير، فأنت بقراط المقاصد والأدواء، كما أن بقراط كان إمام المعالجات والأدواء، ولا نظير لك فيها كما لا نظير له في هذه، أي: لا يتعذر عليك تحصيل مطلوب واستخراجه، كما لا يتعذر عليه تدبير داء وعلاجه. يريد إذا داء زل بقراط عن حسمه، وليس يوجد له نظير يقوم بقطعه، وإذا خطب لا يقوم سيف الدولة بكفايته، فلا يوجد له ضريب يقوم بإماطته، وهذان لا يكونان، فعليك بقصد من تريد وأخذ ما تروم، فلن يعوزك مراد، وإن عز مطلبه، ولن يعجزك مرام، وإن ضاق مذهبه، ويدلك عليه قوله فيها: وكيفَ تُعِلُّكَ الدُّنيا بشيءٍ ... وأنتَ بعلَّةِ الدّنُيا طبيبُ؟ وكيفَ تنوبُكَ الشَّكوى بداءٍ ... وأنتَ المُستغاثُ لما ينوبُ؟

стр. 36

وقال من قصيدة، وهو مطلعها: (بغيركَ راعياً عَبثَ الذُئابُ ... وغيرَكَ ضارباً ثَلَمَ الضِّرابُ) قال أبو الفتح: نصب راعياً وضارباً على التمييز، وإن شئت على الحال. قال الشيخ: شرحه ليس في الشرط، لأن الشرط أن أشرح من معاني هذه الأبيات كل ما كان فيه خلل إذ جرى عليه غلط، فأما ما لم يشرح معناه فلا. وأشرح هذا الواحد، وإن كان خارجاً عن الشرط، ولا أشرح بعده مثله. قرأت في جمع ابن خالويه لديوان أبي فراس الحمداني أن طائفة من بني كلاب اجتازت بقرب حلب على مرحلة منه، فحمل بعضهم حملاً من قطيع قيمته خمسة دراهم، فنهض سيف الدولة بنفسه وجيشه إلى بني كلاب ومن ضامهم من سائر القبائل حتى أوقع بهم، وقالع وقتل واستباح، ونفاهم عن تلك البوادي كلها، وطهر منهم تلك البلاد بأسرها، وأنفق عليها خمسين ألف دينار كماً، فقال فيه شاعره المتنبي: (بغيركَ راعياً عَبِثَ الذِّئابُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) وإذا عرفت القصة فهمت، واستبنت معناه، وتصورت مغزاه.

стр. 37

(إذا ما سرتَ في آثارِ قومِ ... تَخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ) قال أبو الفتح: أصل التخاذل التأخر، يقال: ظبية خذول، إذا تأخرت عن المرعى، وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة فقد تأخر الإنسان، أي: لما سرت وراءهم كأن رؤوسهم تأخرت لإدراكك إياهم، وإن كانت في الحقيقة قد أسرعت، ويجوز أيضاً أن تكون قد تخاذلت لما لقيت من سيوفك، أي: تساقطت لما ضُربت بالسيوف، وتخاذلت رجلاً السكران والشيخ إذا ضعفتا. قال الشيخ: الفصل الأخير خير من الأول، وإن كان غير مستوفى ولا كاف ولا مقنع، ومعناه عندي إنك إذا سرت في آثار قوم هربوا منك، تخاذلت الجماجم والرقاب، أي: ضربت الرقاب حتى خذلت الجماجم، وطيرت الجماجم حتى خذلت الرقاب، وقريب منه قوله في هذه الوقعة لسيف الدولة: مضَوا مُتسابقي الأعضاءِ فيها ... لأرجلِهم بأرؤسهم عِثارُ

стр. 38

وأخذه الخوارزمي، فقال في عضد الدولة: وطلَّقتِ الجماجمُ كلَّ قَحفٍ ... وأنكرَ صحبَةَ العُنُقِ الوريدُ (وتحتَ ربابهِ نَبتوا وأثُّوا ... وفي أيَّامهِ كثُروا وطابوا) قال أبو الفتح: أي هم منك وبك، فأنت جدير بالرحمة لهم والعطف عليهم. قال الشيخ: هو عندي الاسترقاق والاستعطاف فيما سبق هذا البيت. وهذا كالذي قبله، وهو: وإن يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍ ... فمنُه جُلودُ قيسٍ والثِّيابُ نسبهم إليه بأنهم منه كانوا وبآلائه كثروا ونشئوا وتحت ظله ونعمائه نبتوا وأثوا وبسعادة أيامه وإقبال دولته تأثلوا وتجملوا. (ولو غير الأميرِ غزا كِلاباً ... ثناهُ عنْ شُموسِهمُ ضَبابُ)

стр. 39

قال أبو الفتح: ضرب ذلك مثلاً، أي كان له مشتغل بما يلقى منهم من قبل الوصول إليهم وإباحة حريمهم، ويمكن أن يكون كنى بالشموس عن النساء وبالضباب عن المحاماة دونهم. قال الشيخ: نعم كنى بالشموس عن نسائهم وعن عجاج الحرب بالضباب، أي: كما أن الضباب يحجب الشمس، ويكف عنها الأبصار كان العجاج، أي: عجاج الحرب يكف الأبصار عن ملاحظة نسائهم فضلاً عن السبي لو غزاهم غير سيف الدولة، والعبارة بالضباب عن المحاماة محال فاسد، وإن كان عجاج الحرب للمحاماة دونهم، وهذا هو الملح الصرف والحسن البحت والسحر الطلق والحذق المحض الذي عمله في الكناية عن النساء بالشموس، وعن العجاج بالضباب، والذي هو الحجال الحائل بين سيف الدولة ونسائهم، فبطل متى قيل: كنى بالضباب عن المحاماة، إذ لا قرابة ولا تشبيه ولا مشاكلة بين الضباب والمحاماة كما هي حائلة بين العجاج الذي هو معنى الضباب وبين المحاماة، يوضحه قوله بعده: ولاقى دون ثايِهمُ طًعِاناً ... يُلاقى عندَهُ الذِّئبَ الغُرابُ (ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملنَ ولا رِكابُ) قال أبو الفتح: هذا يشبه قوله:

стр. 40

. . . . . . . . . ... تخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ قال الشيخ: لست أعرف تشبيهاً جامعاً بحال بينهما، وليت شعري ما الذي أوهم فيه حتى فسره تفسيراً وجدت تصوره فيه عسيراً، وإنما معناه عندي ما تقدمه، وهو: ولكن ربُّهم أسرى إليهم ... فما نَفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملنَ ولا ركابُ يقول: لو غير الأمير غزا صرفه عن نسائهم عجاج الحرب وطعان جامع بين الذئاب والغراب على الجيف والجثث، ولكن ربهم قصدهم، فما نفعهم في قصده ولا خلصهم عن يده الوقوف والدفاع ولا الذهاب والإسراع، ولا ليل أظلم عليهم فخفرهم بظلامه، ولا نهار أضاء لهم فبصرهم بضيائه، ولا خيل حملتهم ولا ركاب نقلتهم فنجت بهم عنه. وقال في قصيدة أولها: (يا أختَ خيرِ أخٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أجِلُّ قَدرَكِ أنْ تُسمَيْ مُؤبَّنةً ... ومنْ يَصفكِ فقدْ سمَّاكِ للعربِ)
следующие страницы →