← Адаб

Адаб · id 37491

قشر الفسر

الزوزني، أبو سهل

Полный текст (367 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال من قصيدة، وهو مطلعها: (بغيركَ راعياً عَبثَ الذُئابُ ... وغيرَكَ ضارباً ثَلَمَ الضِّرابُ) قال أبو الفتح: نصب راعياً وضارباً على التمييز، وإن شئت على الحال. قال الشيخ: شرحه ليس في الشرط، لأن الشرط أن أشرح من معاني هذه الأبيات كل ما كان فيه خلل إذ جرى عليه غلط، فأما ما لم يشرح معناه فلا. وأشرح هذا الواحد، وإن كان خارجاً عن الشرط، ولا أشرح بعده مثله. قرأت في جمع ابن خالويه لديوان أبي فراس الحمداني أن طائفة من بني كلاب اجتازت بقرب حلب على مرحلة منه، فحمل بعضهم حملاً من قطيع قيمته خمسة دراهم، فنهض سيف الدولة بنفسه وجيشه إلى بني كلاب ومن ضامهم من سائر القبائل حتى أوقع بهم، وقالع وقتل واستباح، ونفاهم عن تلك البوادي كلها، وطهر منهم تلك البلاد بأسرها، وأنفق عليها خمسين ألف دينار كماً، فقال فيه شاعره المتنبي: (بغيركَ راعياً عَبِثَ الذِّئابُ ... . . . . . . . . . . . . . . .) وإذا عرفت القصة فهمت، واستبنت معناه، وتصورت مغزاه.

стр. 37

(إذا ما سرتَ في آثارِ قومِ ... تَخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ) قال أبو الفتح: أصل التخاذل التأخر، يقال: ظبية خذول، إذا تأخرت عن المرعى، وإذا تأخرت الجمجمة والرقبة فقد تأخر الإنسان، أي: لما سرت وراءهم كأن رؤوسهم تأخرت لإدراكك إياهم، وإن كانت في الحقيقة قد أسرعت، ويجوز أيضاً أن تكون قد تخاذلت لما لقيت من سيوفك، أي: تساقطت لما ضُربت بالسيوف، وتخاذلت رجلاً السكران والشيخ إذا ضعفتا. قال الشيخ: الفصل الأخير خير من الأول، وإن كان غير مستوفى ولا كاف ولا مقنع، ومعناه عندي إنك إذا سرت في آثار قوم هربوا منك، تخاذلت الجماجم والرقاب، أي: ضربت الرقاب حتى خذلت الجماجم، وطيرت الجماجم حتى خذلت الرقاب، وقريب منه قوله في هذه الوقعة لسيف الدولة: مضَوا مُتسابقي الأعضاءِ فيها ... لأرجلِهم بأرؤسهم عِثارُ

стр. 38

وأخذه الخوارزمي، فقال في عضد الدولة: وطلَّقتِ الجماجمُ كلَّ قَحفٍ ... وأنكرَ صحبَةَ العُنُقِ الوريدُ (وتحتَ ربابهِ نَبتوا وأثُّوا ... وفي أيَّامهِ كثُروا وطابوا) قال أبو الفتح: أي هم منك وبك، فأنت جدير بالرحمة لهم والعطف عليهم. قال الشيخ: هو عندي الاسترقاق والاستعطاف فيما سبق هذا البيت. وهذا كالذي قبله، وهو: وإن يكُ سيفَ دولةِ غيرِ قيسٍ ... فمنُه جُلودُ قيسٍ والثِّيابُ نسبهم إليه بأنهم منه كانوا وبآلائه كثروا ونشئوا وتحت ظله ونعمائه نبتوا وأثوا وبسعادة أيامه وإقبال دولته تأثلوا وتجملوا. (ولو غير الأميرِ غزا كِلاباً ... ثناهُ عنْ شُموسِهمُ ضَبابُ)

стр. 39

قال أبو الفتح: ضرب ذلك مثلاً، أي كان له مشتغل بما يلقى منهم من قبل الوصول إليهم وإباحة حريمهم، ويمكن أن يكون كنى بالشموس عن النساء وبالضباب عن المحاماة دونهم. قال الشيخ: نعم كنى بالشموس عن نسائهم وعن عجاج الحرب بالضباب، أي: كما أن الضباب يحجب الشمس، ويكف عنها الأبصار كان العجاج، أي: عجاج الحرب يكف الأبصار عن ملاحظة نسائهم فضلاً عن السبي لو غزاهم غير سيف الدولة، والعبارة بالضباب عن المحاماة محال فاسد، وإن كان عجاج الحرب للمحاماة دونهم، وهذا هو الملح الصرف والحسن البحت والسحر الطلق والحذق المحض الذي عمله في الكناية عن النساء بالشموس، وعن العجاج بالضباب، والذي هو الحجال الحائل بين سيف الدولة ونسائهم، فبطل متى قيل: كنى بالضباب عن المحاماة، إذ لا قرابة ولا تشبيه ولا مشاكلة بين الضباب والمحاماة كما هي حائلة بين العجاج الذي هو معنى الضباب وبين المحاماة، يوضحه قوله بعده: ولاقى دون ثايِهمُ طًعِاناً ... يُلاقى عندَهُ الذِّئبَ الغُرابُ (ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملنَ ولا رِكابُ) قال أبو الفتح: هذا يشبه قوله:

стр. 40

. . . . . . . . . ... تخاذلتِ الجماجمُ والرِّقابُ قال الشيخ: لست أعرف تشبيهاً جامعاً بحال بينهما، وليت شعري ما الذي أوهم فيه حتى فسره تفسيراً وجدت تصوره فيه عسيراً، وإنما معناه عندي ما تقدمه، وهو: ولكن ربُّهم أسرى إليهم ... فما نَفَعَ الوقوفُ ولا الذَّهابُ ولا ليلٌ أجنَّ ولا نهارٌ ... ولا خيلٌ حملنَ ولا ركابُ يقول: لو غير الأمير غزا صرفه عن نسائهم عجاج الحرب وطعان جامع بين الذئاب والغراب على الجيف والجثث، ولكن ربهم قصدهم، فما نفعهم في قصده ولا خلصهم عن يده الوقوف والدفاع ولا الذهاب والإسراع، ولا ليل أظلم عليهم فخفرهم بظلامه، ولا نهار أضاء لهم فبصرهم بضيائه، ولا خيل حملتهم ولا ركاب نقلتهم فنجت بهم عنه. وقال في قصيدة أولها: (يا أختَ خيرِ أخٍ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أجِلُّ قَدرَكِ أنْ تُسمَيْ مُؤبَّنةً ... ومنْ يَصفكِ فقدْ سمَّاكِ للعربِ)

стр. 41

قال أبو الفتح: أي أجلك أن أسميك في المرثية، ولكني إذا وصفت ما كان فيك من المحامد والمحاسن عُرفتِ، لأن ذلك مما لا يوجد في غيرك. قال الشيخ: هذا جميل، ولكن الرجل يقول غير هذا، وهو أنه يقول: إذا وصفتك بقولي: يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب، علمت العرب قاطبة أن خير أخ سيف الدولة وخير أب أبو الهيجاء، فعُرفتِ بهذه الصفة دون التسمية، فهذه الصفة جامعة بين مدح الأخ والأب والأخت، ويدلك على صحة ما قُلنا قوله في المصراع الثاني: (. . . . . . . . . . . . . . . ... كنايةَ بهما عن أشرفِ النَّسبِ) (غدرتَ يا موتُ كم أفنيتَ مِن عَددِ ... بمن أَصبتَ وكم أسكتَّ منَ لَجَبِ) قال أبو الفتح: أي غدرت بها يا موت لأنك كنت بها تصل إلى إفناء عدد الأعداء وإسكات لجبهم، أي: كانت فاضلة تُغزي الجيوش وتُبير الأعداء. قال الشيخ: هذا الشرح شر من الأول، ولو كان ينظر فيما قبل من الأبيات وفيما بعدها لما وقعت له هذه الهفوات، وتفسيره في البيت الذي يليه:

стр. 42

وكم أصبحتَ أخاها في منازلَةٍ ... وكم سألتَ فلم يبخَلَ ولم تَخِبِ فبهذا البيت تعلم وتتبين أنه أراد بقوله: بمن أصبت، سيف الدولة لا أخته، وبعد: فلم نسمع أن أخت أمير مثل سيف الدولة تُباشر تجهيز الجيوش وتوجيه السرايا إلى الأعداء، وهو حي يرزق. (يا أحسنَ الصَّبرِ زُرْ أولَى القُلوبِ بها ... وقلْ لصاحبهِ: يا أنفعَ السُّحُبِ) قال أبو الفتح: أي زر قلب سيف الدولة، لأنه أولى القلوب بها، وصاحبه سيف الدولة، أي قل لسيف الدولة: يا أنفع السُّحب، وصار أنفع السُّحب، أن عطاءه هناء بلا منٍّ ولا أذى، والسحاب قد تُحرق صواعقه ويُهلك برده. قال الشيخ: تهنؤ عطائه عن المنِّ والأذى مثل الوعد والمطال الحسن، لا عن مثل الصواعق والإتلاف بالبرد، فإنها بعيدة تقع في النُّدرة وطول العهد والفرط بعد الفرط والصقع بعد الصقع، وعندي إنه يريد بقوله: يا أنفع السُّحب أن عطاءها ماء وعطاءك خلع وحباء وأموال، ولعطائها انقطاع وانقضاء ولعطائك دوام وبقاء، وله نفاد وفناء ولعطائك ذكاء وبقاء، كقوله فيه: تجفُّ الأرضُ مِن هذا الرَّبابِ ... ولا ينفكُّ غيثُكَ في انسكابِ

стр. 43

(وإنْ سَرَرنَ بمحبوبِ فَجَعنَ بهِ ... وقدْ أتينَكَ في الحالينِ بالعجبِ) قال أبو الفتح: أي جمعُهن بين هاتين الحالين وإتيانُهن بهما عجب. قال الشيخ: ما يريد أن الليالي تجمع بين هاتين الحالين في وقت واحد، وإتيانُهن بهما فيه عجب، لأنها لا تسُر بمحبوب وتفجع به في وقت واحد وحالة واحدة، وإنما يقول: وإن سُررت بمحبوب فجعن به بعد السرور، ويُعجبنك في حال الإتيان به وفي حال الفجيعة به، أي: يأتينك به من حيث لا تحتسب، تتعجب من وصوله إليك وحصوله في يديك، ثم يفجعنك به من حيث لا ترتقب، تتعجب من وجه ارتجاعه عنك واعتصائه عليك، فقد أتينك في حال الهبة بالارتجاع بالعجب، وهذا كثير في شعره كما يقول: . . . . . . . . . . . . . . . ... وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصلُ أعجَبُ

стр. 44

وكما يقول: فتولَّوا بغُصَّةٍ كلَّهم من ... هُ وإن سرَّ بعضَهم أحيانا رُبَّما تُحسِنُ الصَّنيعَ ليال ... هِ ولكن تُكدِّرُ الإحسانا وكما يقول: فما يُديمُ سروراً ما سُررتَ به ... ولا يَرُدُّ عليكَ الفائتَ الحزَنُ وكما يقول: أشدُّ الهمِّ عندي في سرورٍ ... تَيقَّنَ عنه صاحُبه زوالا وفي نظائر لها كثيرة. وقال في قصيدة أولها: (فهمْتُ الكتابَ أبرَّ الكُتُبْ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فَطوعاً له وابتهاجاً بهِ ... وإن قَصَّرَ الفعلُ عمَّا وجَبْ)

стр. 45

قال أبو الفتح: كأنه استزاده في هذا البيت، ويجوز أن يكون أراد بقوله إن الذي يجب عليه أكثر من السمع والطاعة. قال الشيخ: ما أرى في هذا البيت استزادة ولا أن الذي يجب له أكثر من السمع والطاعة، وما أدري كيف ذهب إليهما، وكلاهما شائن، ولمعنى البيت مباين، وإنما يقول: وهو جوابه عن كتاب لسيف الدولة، ورد عليه من حلب، وهو بالكوفة يستعيده إلى حضرته بعد منصرفه من مصر: (فهمتُ الكتابَ أبرَّ الكُتُبْ ... فسمعاً لأمرِ أميرِ العربْ) (وطوعاً له وابتهاجاً بهِ ... وإن قَصَّرَ الفعلُ عمَّا وجَبْ) أي: سمعاً له وطاعة وابتهاجاً بأمره الوارد وكتابه الواصل، وإن قصر الفعل عن تقديم الواجب في مثاله من المبادرة إلى حضرته والمسارعة إلى خدمته، كأنه كان قاصراً في الوقت عن ارتسام رسمه وائتمار أمره. (وما قلتُ للبدرِ: أنتَ اللُّجينُ ... ولا قلتُ للشَّمسِ: أنتِ الذَّهَبْ) قال أبو الفتح: ضرب هذا مثلاً، أي: لم أنتقص من مدحك ومناقبك شيئاً كما ينتقص

стр. 46

البدر بأن يُشبه باللُّجين والشمس بأن تُشبه بالذهب، أي: لم أهجك فتتنكر لي. قال الشيخ: هذا التفسير كما تراه، وما للهجاء في البيت موضع ومكمن، وعندي أنه يقول: ما وصفت معاليك إلا بحقها، ولا مدحت مآثرك إلا على وجهها، ولا وضعت كلامي منها إلا في موضعها، وما بخستك حظاً فيها، ولا نقصتك شيئاً منها، وما أحلت ولا غيرت وصفاً عن الواجب، ولا بدلت، فما قلت للبدر: أنت اللُّجين، وهو الذهب، فهذا بخس، ولا قلت للشمس: أنتِ الذهب، وهي الفضة، وهذا تغيير وعسف، لكن وصفت كل شيء من معاليك بوصفه، وخرجت إليه من تمام حقه، ووفيته كمال نعته، فما القلق منه والغضب فيه؟ والبدر يُشبه بالذهب لما فيه من الصفرة والشمس بالفضة والماء الصافي لما فيها من النقاء والصفاء كما قيل: وكأنَّ يدَ البَدرِ المقابلِ فجرَه ... تَسُلُّ على ترسٍ منَ التِّبرِ مرهفا وكما قيل: وماءٍ كعينِ الشَّمسِ لا تقبلُ القَذَى ... إذا درجت فيه الصَّبا خلتَه يعلو (أيا سيفَ ربِّكَ لا خلقِهِ ... ويا ذا المكارم لا ذا الشُّطَبْ) قال أبو الفتح: أي أنت بأن تُسمى ذا المكارم أحرى منك بأن تُسمى ذا الشطب، لأنك فوق أن تُسمى بالسيف، كقوله: وندعوكَ الحسامَ وهل حسامٌ ... يعيشُ بهِ منَ الموتِ القتيلُ؟

стр. 47

أي: ينبغي أن تُسمى سيف الله ذا المكارم. قال الشيخ: ما فيه تسميته بالمكارم وغيرها، وكيف يكون ذلك، والرجل يقول: يا سيف ربك لا خلقه؟ وهو كقوله فيه: قد كنتَ تُدعى سيفَ دولةِ هاشمٍ ... فَالآنَ تُدعى سيفَ ربِّ العالَمِ وكقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... وفي يدِ جَّبار السَّماواتِ قائِمَه وكقوله: فأنتَ حسامُ المُلكِ واللهُ ضاربٌ ... وأنتَ لواءُ الدّينِ واللهُ عاقدُ ويا ذا المكارم يا ذا الشُّطب، أي: ويا سيفاً ذا المكارم، لا ذا أثر، أي: طرائق فرنده وآثار جواهر مكارمه ومآثره.

стр. 48

(فأخبثْ بهِ طالباً قَتْلَهمْ ... وأخبثْ بهْ تاركاً ما طَلبْ) قال أبو الفتح: أي ما أخبثه في الحالين جميعاً، يعني الدُّمستق. قال الشيخ: ما للخبث والطلب؟ نعم أخبث بالدُّمستق في كل حال، وأخبث به في كل طلب لقتال، والرجل يقول: فأخبث بالدُّمستق طالباً قتل أهل الثُّغور، وأخبث به تاركاً ما طلب من الظفر بهم والفخر فيه، أي: ما أخيبه في الحالين طالباً قتلهم وتاركاً مطلوبه إذا فاجأته يا سيف الدولة فألجأته إلى الهرب، فاستعاض من الظفر الذي رامه بقتلهم انهزاماً ومن الفخر الذي أمله عاراً وملاماً، فما أخيبه من هذا الظفر وما أخيبه من الصيت المنتظر، ويدلك عليه قوله قبله: بذا اللَّفظِ ناداكَ أهلُ الثُّغور ... فَلَّبيتَ والهامُ تحتُ القُضُب فكانوا له الفخرَ لَّما أتَى ... وكنتَ لهً العُذرَ لَّما ذَهَب سبقتَ إليهم مناياهُم ... ومنفعةُ الغوثِ قبلَ العطَب

стр. 49

وقال في قصيدة أولها: (دمعٌ جرى فقَضى في الرَّبعِ ما وَجبا ... . . . . . . . . . . . . . . .) (جاءتْ بأشجعِ من يُسمَى وأسمحِ مَنْ ... أعطى وأبلغِ منْ أملَى ومنْ كَتبا) قال أبو الفتح: أي جاءت عجل بإنسان هذه حاله، وإن شئت كان المعنى جاءت هذه المرأة المُشيب بها بإنسان هذه حاله، أي: شبهت نفسها به، فجاءت بذكره. قال الشيخ: ما لعجل في قوله: (جاءت) مجال أو مقال، وما للمشيئة والشرط مكان، وإنما جاءت به هذه المرأة لا غير. (إذا بدا حجبتْ عينيكَ هيبتُهُ ... وليسَ يحجبُه سترٌ إذا احتجبا)

стр. 50

قال أبو الفتح: أي لجلالته، وقوله: وليس يحجبه، يحتمل تأويلين: أحدهما أن حجابه قريب لما فيه من التواضع والتيقظ، فليس يقصر أحد أراده دونه، وهذا مما يُوصف به ذو الفضل والشهامة. والآخر أنه وإن احتجب بالستر فليس يخفى عليه شيء مما وراءه لشدة مراعاته للأمور وانصبابه إلى السياسة والتدبير، وهو محتجب كلا محتجب. قال الشيخ: قوله (لجلالته) صحيح، وهو كمال قال في سيف الدولة: كأن شعاعَ عينِ الشَّمس فيهِ ... ففي أبصارنا منه انكسارُ وما في المعنى لا ذاك ولا هذا البتة، وإنما هو كقوله في بدر بن عمار: أصبحتَ تأمرُ بالحجابِ لخلوةٍ ... هيهاتَ لستَ على الحجابِ بقادرِ وإذا احتجبتَ فأنتَ غيرُ مُحَجَّبٍ ... وإذا بطنتَ فأنتَ عينُ الظَّاهرِ مَن كانَ ضوءُ جبينهِ ونوالُه ... لم يُحجبا لم يحتجب عن ناظرِ (لا يُقْنِعُ ابن عليٍّ نيلُ مرتبةٍ ... يشكُو محاولُها التَّقصيرَ والتَّعَبا)

стр. 51

قال أبو الفتح: أي لا يقنع بنيل هذه المنزلة العظيمة التي يشكو طالبها قصوره عنها وتعبه بطلبها وشدة معاناته لما قرب منها. قال الشيخ: أومأ إلى شيءٍ من معناه وما شرح ما عناه، وهو يقول: لا يُقنع ابن عليّ وجود منزلة يقف طالبها بين القصور عنها والتعب فيها، ولا يجدها أي منزلة يتعب طالبها ويعجز عن وجودها لبعدها على الطلاب وإبائها على الخطاب، لا يقنعه وجودها، وتسمو به إلى أجل وأعلى منها، والدليل على صحة ما قُلنا أنك لا تقف مما شرحه على ما شرحناه لك. (مُبرقعي خَيلِهم بالبِيضِ مُتَّخِذي ... هامَ الكُماةِ على أَرماحهم عّذَبا) قال أبو الفتح: أي جعلوا مكان براقع خيلهم حديداً على وجوهها ليقيها الحديد أن يصل إليها، وجعلوا شعر هام الكماة وهم الأبطال عذباً لرماحهم. قال الشيخ: ليس مما فسره من المصراعين شيء، لأنه لا يقال: البيض من جميع الأسلحة

стр. 52

إلا السيوف خاصة دون البيض والدروع والجواشن والتجفاف والبراقع والأسنة وغيرها من أجناسها، ثم أي مدح في أن يبرقع خيلهم بالحديد، فإن الناس معهم فيه سواء من أراده قدر عليه؟ وما أراد بهام الكماة شعرها، ولو أراد لقال: شعر الكماة، والشعر لا يُشبه العذب، لأن العذبة العُقدة التي تكون في علاقة السوط. والرجل يقول: يبرقعون خيلهم في الهيجاء بسيوفهم التي في أيديهم لحذقهم بالضرب وقدرتهم عليه واعتيادهم له بحيث تقي أيديهم في الضراب ضروب الأسلحة عن رؤوس خيلهم ووجوهها حتى تكون كالبراقع لها في حراستها وحياطتها، ويجعلون رؤوس الكماة على رؤوس رماحهم كالعذب على علائق السياط، ويحسن أن يُشبه تلك العقد بالرؤوس كما قيل: غدا أعداؤهُ ولهم بنودٌ ... وراحوا في الرِّماحِ وهم بنودُ قال في قصيدة أولها: (بأبي الشُّموسُ الجانحاتُ غَوارِبا ... . . . . . . . . . . . . . . .) (أوحَدْنني فوجدنَ حزناً واحداً ... متناهياً فجعلنَه لي صاحبا)

стр. 53

قال أبو الفتح: أي أفردنني ممن أحب، ووكَّلنني بنهاية الحزن. قال الشيخ: فسر فاختصر، وشرح فقصر، وإن كان أشار إليه، فإنه يقول: أوحدنني: أفردنني، الخطوب عنه الأهل والوطن والأحبة والمال والنعمة وكل ما يُتمتع بمكانه ويُستأنس بإتيانه، ووجدن حزناً واحداً بالغاً النهاية فقرنَّه وجعلنه صاحبي، وما قنعن بإفرادي عن ثمرات الدنيا حتى جعلن حزناً بهذه الصفة صاحباً لي زيادة في السوء بي. (هذا الذي أبصرتُ منه حاضراً ... مثلُ الذي أبصرتُ منهُ غائبا) قال أبو الفتح: يقول حضر أو غاب فأمره في الشرف والكرم واحد لشهرته ووضوحه، إذا نصب (مثل) جعل (هذا) مرفوعاً و (الذي) خبره، ونصب (مثل) ب (أبصرت) وإذا رفع (مثل) رفع (هذا) بالابتداء، وجعل (الذي) مبتدأً

стр. 54

ثانياً و (مثل) خبر الذي، والجملة خبر (هذا) والعائد على (هذا) من الجملة التي هي خبر الهاء في (منه). قال الشيخ: معنى هذا مختص عندي بالجود والسخاء، ألست ترى قوله قبله؟ ومخيبُ العُذَّالِ ممَّا أمَّلوا ... منهُ وليس يردُّ كفّاً خائبا ثم قال: هذا الذي أبصرتُ منه حاضراً ... مثلُ الذي أبصرتُ منه غائباً أي: هو طبع لا تكلُّف وسخاء لا رياء، فحاله في الخلاء والملاء غاب أم شهد وقرُب أم بعُد واحدة، كقوله: . . . . . . . . . . . . . . . ... وواحدُ الحالتينِ: السِّرِّ والعَلَنِ وقال في قصيدة أولها: (ضُروبُ النَّاسِ عُشَّاقٌ ضروبا ... . . . . . . . . . . . . . . .) (تظلُّ الطَّيرُ منه في حديثِ ... تردُّ بهِ الصَّراصرَ والنَّعيبا)

стр. 55

قال أبو الفتح: الصرصرة: صوت البازي، نعب الغراب إذا صاح ومد عنقه وحركها، أي هل سبيل إلى وقعة تكثر فيها القتلى، فتجتمع عليها الطير فينعب الغراب، ويصرصر البازي؟ وجعل أصوات الطير المجتمعة عليها كالحديث بينها. قال الشيخ: ما أُنكر مما فسره غير كون البازي هناك، وما البُزاة والجيف، فإنها لا تقع عليها، ولا تأكل منها ولا تقربها بحال، فليت شعري كيف يخفى هذا على أحد اللَّهم إلا أن تكون بزاة تلك الديار تُساعد الطير والنسور والرخم وما أعرف لها نظيراً غير قول بعضهم حين قال في بيت له: ولقدُ بليتُ بنابِ ذيبٍ غاضِ ... . . . . . . . . . . . . . . . فسأله وقال: ما عنيت به؟ قال: الذي يأكل الغضا، فأقبل على القوم، وقال: يا قوم: أذيب بلادكم يأكل الغضا؟ فإن ذئب بلادنا لا يأكله، والصرصرة: صوت الغراب. (أَدمْنا طَعنَهمْ والقتلَ حتَّى ... خلطْنا في عِظامِهمُ الكُعوبا)

стр. 56

قال أبو الفتح: أدمنا: أي خلطنا وجمعنا، ويُدعى للمتزوجين: أدم الله بينهما، قال: إذا ما الخبزُ تأدمُه بلحمٍ ... فذاكَ أمانَة اللهِ الثَّريدُ أي: تخلطه، أي جعلنا القتل مخلوطاً بالطعن إلى أن جعلنا كعوب القنا في عظامهم. قال الشيخ: كله فاسد، وكيف ذهب من الإدامة إلى الخلط؟ ولعله جعله من الأدم، وليس كذلك فإنه من الإدامة لا غير، ولا يجوز هنا أن يكون خلطنا، لأن أحداً لا يقول: خلطنا طعنهم والقتل حتى خلطنا في عظامهم الكعوبا، ثم الخلط الأول لابد له من أن يكون بشيء أو في شيء كالخلط الثاني، ولو أراده لقال: أدمنا قتلهم بالطعن حتى لا، ولكنه أدمنا طعنهم وقتلهم من الإدامة حتى خلطنا كعوب الرماح

стр. 57

في عظامهم لكثرة الطعن، كقول الآخر: تُعِدُّ لَكُم جَزرَ الجَزورِ رماحُنا ... ويمسِكنَ بالأكبادِ منكسراتِ وكقوله: (إذا اعوجَّ القنا في حامليهِ ... وجازَ إلى ضُلوعِهمُ الضُّلوعا) (ونالت ثأرها الأكبادُ منها ... فأولتها اندِقاقاً أو صُدوعا) (شديدُ الخُنزوانةِ لا يُبالي ... أَصابَ إذا تنمَّرَ أم أُصيبا) قال أبو الفتح: الخنزوانة: الكبر، وتنمر: أوعد وتهدد، وأراد: أأصاب، فحذف همزة الاستفهام ضرورة أي: إذا أوعد عدوه لم يرجع على ما خيلت. قال الشيخ: هذا أيضاً فاسد عندي كله،

стр. 58

ومعناه: شديد التكبر إذا لبس جلد النمر وتخلق بأخلاقه في الحرب لا يبالي أقَتل أم قُتِل وملك أم هلك، ويدلك على صحته (أُصيب). وقال في قصيدة أولها: (أَعِيدُوا صَباحي فهو عندَ الكَواعِبِ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (فإنَّ نَهاري ليلةٌ مدلَهِمَّةٌ ... على مُقَلةِ مِن فقدِكم في غياهبِ) قال أبو الفتح: العرب إذا وصفت الشدة شبهت النهار بالليل لإظلام الأمر، ومدلهمة: سوداء، أي لما غبتم لم أبصر بعدكم شيئاً لأني بكيت حتى عميت، وإن شئت كان معناه: أي لا أهتدي لرشدي، ولا أحصل أمري مذ غبتم عني. قال الشيخ: ليس عندي مما فسره معنى مستقيم لائق بالبيت ملائم له، فإن الرجل يقول: كنت أي الدنيا بهم، فلما فقدتهم أظلمت الدنيا في عيني فرأيت الجو أكلف والنهار أربد والأفق أغبر، فأما الشدة التي عبر عنها فهي غير هذا، وتكون عبارة عن احتدام الحروب واشتداد الخطوب كقول النابغة: إنِّ لأخشى عليكم أن يكونَ لكم ... من أجلِ بغضائِهم يومٌ كأيَّامِ تبدو كواكُبه والشَّمسُ طالعةٌ ... لا النورُ نورٌ ولا إظلامُ إظلامِ

стр. 59

(ولابُدَّ مِن يومٍ أغرَّ محجَّلٍ ... يطولُ استماعي بعدهُ للنَّوادبِ) قال أبو الفتح: أي يوم مشهور، أقتل فيه أعدائي فأسمع بعده صياح النوادب عليهم. قال الشيخ: زلت قدمه عن الغرض المورود والمعنى المقصود، وقوله: ولابد من يوم، هو يومه لا يوم الأعداء، لأنه لا شك له في يومه، وألف شك في يوم الأعداء على يده، لأنه يعلم يقيناً أنه لابد له من حلول يومه ووقوعه له، ويم قتله الأعداء غير يقين، وغير جائز أن يُعبر عنه ب (لابد) فإنه مشكوك فيه، ولابد من حلول موته به، فهو يقول: تخوفني تلك المرأة خوض الهلاك في طلب المعالي، وتأمرني بالإمساك عن مصادمة الليالي، ولم تدرِ أن العافية السافرة عن العار شر من العافية السافرة عن البوار لما فيها من ضروب الامتحان وصنوف الهوان الذي يتمنى الكريم فيه الموت، كما قيل: ليسَ مَن ماتَ فاستراحَ بميتٍ ... إنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ

стр. 60

وكما يقول المتنبي: غير أنَّ الفتى يُلاقي المنايا ... كالحاتٍ ولا يُلاقي الهَوانا ثم قال: تخوفني ما تُخوف، وتصرفني عما تصرف، ولابد كيفما كنت أعلى رأيها أم على رأيي من يوم الأجل: يوم أغر محجل لشهرته يطول استماعي بعده للنوادب، أي: لن يندبه، كقوله: ولوَ أنَّ الحياةَ تبقى لحيٍّ ... لعددنا أضلَّنا الشُّجعانا وإذا لم يكن مِنَ الموتِ بُدٍّ ... فمِنَ العجزِ أن تكونَ جبانا ولعل قوماً تحملهم جلافة طباعهم وكثافة أفهامهم وغلظ خواطرهم على الاعتراض على ما قلنا بقوله: يطول استماعي، فيقولون: كيف يصح استماعه وهو ميت، فنقول: كلام العرب جار على الاستعارة والاتساع في العبارة والمبالغة في الإبانة والمجاز دون الحقيقة، فإنها إن ردت إليها، ووقفت عليها بطلت حلاوة اللفظ، وذهبت طلاوة المعنى، وكم نطق القرآن بما قلنا، والنظم والنثر فيه السيل والليل، كقوله تعالى: (إنَّا سنُلقي عليكَ قولاً ثقيلاً)، وقوله تعالى: (أيحبُّ أحدُكم أن يأكل لحمَ أخيهِ ميتاً)، وقوله تعالى: (إنَّا اعتدنا للظالمين ناراَ بهم سُرادقُها)،

стр. 61

وقوله تعالى: (أفمن يمشي مُكباً على وجههِ أهدى)، وقوله تعالى: (فأذاقها اللهُ لباسَ الجوعِ والخوفِ) في نظائر لها لا تُحصى، وكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله: (وهل يُكبُّ النَّاسَ على مناخرهم في نار جهنَّم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم) وقوله: (لو جعل لأبن آدم واديانِ من ذهبٍ لابتغى لهما ثالث، لن يملأ جوفَ ابن آدمَ إلاَّ التُّرابُ، ويتوبُ اللهُ على من تابَ)، وكقول بعض الأعراب: (اتبعناهم فخصفنا مواقع أخفاف رواحلهم بحوافر خيلنا، ثم مددنا أرشية الرماح فاستقينا بها أرواحهم)، وكقول النابغة: تمخَّضتِ المنونُ له بيومٍ ... أنَى ولكلِّ حاملةٍ تَمَامُ وكقوله: كتمتُكَ ليلاً بالجَمومينِ ساهراً ... وَهميَّنِ هَّماً مُستًكِنّاً وظاهرِا

стр. 62

وكقول بشار: إذا ما غضبنا غضبةً مُضرَّيةً ... هتكنا حجابَ الشَّمسِ أو مَطرت دًما فهذه كلها على سبيل الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام والإيجاز دون الحقائق التي إن طالب بها معترض حكم عليه بصدأ الفهم وطبع الطبع وعمى القلب وعدم الذهن وتبلُّد الخاطر وفساد مزاج البصيرة وجمود هواء الذكاء وحرارة الظرف، فكذلك قال الرجل: يطول استماعي بعده، أي بعد ذلك اليوم للنوادب، أي: يطول بكاؤهن عليَّ وهو، وإن لم يكن في الحقيقة مستمعاً لها، فكأنه مستمع، إذ بكاؤهن عليه، ويدلك على صحة ما قلنا أول البيت وهو قوله: ولابُدَّ مِن يومٍ أغرَّ محجَّلٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . البيت الذي يتلوه، وهو قوله: يهونُ على مثلي إذا رامَ حاجةً ... وقوعُ العوالي دونَها والقواضبِ كثيرُ حياةِ المرءِ مثلُ قليلها ... يزولُ وباقي عيشهِ مثلُ ذاهبِ والدليل على فساد ما فسره أبو الفتح أنه ألف بُد من ظفره بالعدو وقتله له، وألف شك فيه، والعدو ربما يظفر به ويقتله، ولا يصح أن يعبر ب (لابد) إلا عما لا شك في أنه واقع كائن، فأما ما يكون فيه شك فلا، وما أبعد طرق أصحاب اللغة والإعراب عن دقائق معاني الإشعار ولطائف المغازي فيها، وليت شعري ما يقول المنكر

стр. 63

له في قول الشاعر؟ رياضٌ يُغازلنَ الضُّحى والأصائِلا ... ويَمرينَ أخلافَ السَّحابِ خوائِلا فإن جاز أن يكون الليل ساهراً والرياض التي ليست بحي ناطق ولا عامل تغازل الأصائل والضحى، وتمري أخلاف السحاب، وتستدر الحيا، وهي لا تقدر على شيء جاز أن يستمع الميت النوح والندبة والبكاء، وهو لا يقدر على شيء منها، وإنما أراد الشاعر بمغازلتها الضحى والاصائل طيب الوقتين فيها لنضارة زهراتها وغضارة نباتها ورفيف أنوارها وإشراقها وإسفارها، كأنها تغازل الوقتين، فتبسط منهما بنشرها فتستأنس وتنشر كأنها تمري السحاب إذا وقفت عليها تجودها، وإلا فلا مغازلة هناك في الحقيقة ولا مري، فإنها لا تقدر على شيء من هذا، ولكنها لما كانت لها وتسببها فكأنها تعلمها، كذلك هذا الاستماع لما كانت الندبة له وعليه كأنه تسمعه وإن كانا لا حس ولا فعل لهما، ويدلك عل صحة ذلك قول الله تعالى: (سآوي إلى جبلٍ يعصمني منَ الماءِ)، واللاجئ إليه يعصم به نفسه، وليس الجبل يعصمه، وإنما يعصم من يعلم ويعرف وينصر ويخذل عن غير أمر الله الذي هو نازل به، فإن جاز ذلك جاز أن يستمع الميت أيضاً، وهو جماد كالجبل لا يقدر على شيء، وقالوا للصدى: ابنة الجبل، فإن جاز أن يكون أو يقال له: ابنة الجبل جاز ذلك أيضاً، وأوضح من جميع ما ذكرناه قول الشاعر: وما تنفكُّ هاماتُ بدمخٍ ... تُبكِّيها نساءٌ بالعراقِ وهامةُ صالحٍ تدعو بماءٍ ... لتُسقاهُ وما هي أرضُ ساقِ

стр. 64

وقول توبة بن الحمِّير: ولو أنَّ ليلى الأخيلَّية سلَّمت ... عليَّ ودوني تربةٌ وصفائحُ لسلَّمتُ تسليمَ البشاشةِ أو زقا ... إليها صدىً من جانبِ القبرِ صائِحُ وإذا جاز لهامة صالح الدعاء والاستسقاء ولتوبة التسليم والبشاشة والصدح والصياح من تحت التراب والصفائح جاز لذلك المسكين الاستماع وحده، فإنها دونها وأقل منها، ومن أنكره فقد نقض العادة، ونقض العادة نقيض السعادة. (يهونُ على مثلي إذا رامَ حاجةً ... وقوعَ العوالي دونها والقواضبِ) قال أبو الفتح: أي يهون عليَّ إفشاء الحروب والاصطلاء بها إلى أن أبلغ مرادي، ووقوعها دونها أي حلولها، يقال: هذا يقع موقع هذا، أي يحل محله، ويجوز أن يكون الوقوع هنا بمعنى السقوط، أي: تتساقط بيننا إذا أعملناها في الحروب، والأول أشبه. قال الشيخ: لست أدري كيف وقع إلى إفشاء الحروب فيه، وما في البيت ما يقتضيه، ومعناه ظاهر، وهو متصل بما تقدمه ومؤيد له إذ يقول: لابد من الموت، ثم

стр. 65

يقول: يهون على مثلي الذي عرف الدنيا ووطن على اقتحام المعارك وخوض المهالك إذا طلب حاجة أن يواجه الرماح ويُباشر السيوف في الوصول إليها، فإنه لا يثنيه فيها، ولا يكفه دونها. (إليكِ فإنِّي لستُ مِمَّنْ إذا اتَّقى ... عِضاضَ الأفاعي نامَ فوق العقاربِ) قال أبو الفتح: أي لست ممن إذا تخوف عظيمة صبر على مذلة وهوان، فشبه العظيمة بالأفاعي وشبه الذل بالعقارب، وكل مهلك، أي: إذا تخوفت أمراً عظيماً لم أصبر على أخر مكروه دونه، بل أتقي الجميع صغيرة وكبيرة. قال الشيخ: ما أبعد هذا التفسير عما فيه، وما أغفل المفسر عن خافية هذا المظلوم. ينقد هذه المرأة التي تخوفه ركوب الأخطار وتأمره بالفرار والرضا بالصَّغار والعار، ويقول: لست ممن إذا اتقى الهوان والعار والمذلة التي هي عضاض الأفاعي، صبر على ملامك وعذلك الذي عندي كلسع العقارب، كفي عني واغربي، فإني إذا اتقيتها بالتصدي للهلكة والتعرض للتلف في طلب العز والمنعة لم أصبر على ملامك وكلامك.

стр. 66

(ولو صَدقوا في جّدِّهم لَحذرِتُهُم ... وهل فيَّ وحدي قولُهم غيرُ كاذبِ؟) قال أبو الفتح: أي لو كان نسبهم صحيحاً كما يدعونه، وكانوا علوية غير مدعين لحذرتهم لمكانهم وشرفهم، ولكنهم أدعياء، فلست أحفل بهم، فلما كذبوا في ادعائهم أن علياً ﵇ جدهم كذلك ادعوا عليَّ ما لا أصل له، وتهددوني بما لا يقدرون عليه، وهذا ونحوه يدل على أنه قد مرت به شدائد وهفوات في تطوافه. قال الشيخ: هذا التفسير مشوب الصواب بغيره، فإنه قبله يقول: أتاني وعيدُ الأدعياءِ وأنَّهم ... أعدُّوا لي السُّودانَ في كفرِ عاقبِ ليقتلوني، ثم قال: ولو كانوا صادقين في جدهم الذي انتحلوا نسبه لحذرتهم ليس لمكانهم في الشرف بل لحذرت مكائدهم ومراصدهم لي بالسُّودان التي أعدوها لي من كفر عاقب، ولكنهم كاذبون في وعيدهم بسودانهم كما أنهم كاذبون في جدهم ومحلهم عنه ومكانهم. (إليّ لعمري قَصدُ كلِّ عجيبةٍ ... كأنِّي عجيبٌ في عيون العجائبِ)

стр. 67

قال أبو الفتح: أي كأن العجائب لم يرين أعجب مني، فهن يقصدنني من كل جانب وأوب ليعجبن مني، يعظم قدر نفسه، ويصف كثرة مصائبه. قال الشيخ: أكثر أبيات شعره متصلة المعاني بالمقاصد التي تقدمتها والمغازي التي سبقتها، وكثير من الناس يمرون عليها، وهم عنها معرضون، وهذا الرجل ليس يريد ما فسره نفسه، لأنه لو أراد بقوله: كأني عجيب في عيون العجائب، يُعظم نفسه لما وضع نفسه بحيث تمكن سودانهم قتله، وإنما يقول: إليَّ قصد كل عجيبة حتى أعدت هؤلاء الأدعياء لي سودانهم في كفر عاقب لقتلي من غير استحقاقي ذلك عليهم بوجه من الوجوه دون أن تساوينا في منزلة وتكافؤ، كأني عجيب في عيون العجائب، فقصدتني من كل أوب. (بأيِّ بلادِ لمْ أجرَّ ذوائبي؟ وأيَّ مكانِ لم تَطأهُ ركائبي؟) قال أبو الفتح: أي لم أدع موضعاً من الأرض إلا جولت فيه إما متغزلاً وإما غازياً. قال الشيخ: ما أعرف فيه من التغزل والغزو شيئاً، وعندي أنه يقول: بأي بلاد لم أجر ذوائبي إلى أخره،

стр. 68

أي: من عهد الصبا إلى هذا الوقت كنت أجوب الدنيا في طلب المعالي، وما بلغت منها رتبة إلا تمنيت فوقها أخرى حتى ما بقي منها بلد لم أجربه ذوائبي صبياً في طلبها، ولا مكان لم تطأه ركائبي مدركاً بسببها، ويدلك عليه قوله: فإمَّا تريني لا أُقيم ببلدةٍ ... فآفةُ غمدي في دلوقيَ مَن حَدِّي أي: لا يقنعني ما أناله من العُلى بكل بلدة، فأفارقها إلى غيرها طلباً للزيادة عليها، فإن قال: ما للصبي وطلب المحل العليِّ قُلنا: من يقول في الصِّبا: أيَّ محلٍّ أرتقي؟ ... أيَّ عظيمٍ أتَّقي؟ إلى أخرها، حقيق بأن يقول مثلها، على أنه قد قيل في غيره ما ينص على ما ذكرناه في معناه ولا يتحاماه، مثل قول القائل: إنَّ المكارمَ والمعاليَ والنَّدى ... لمحَمَّد بنِ القاسمِ بنِ محمَّدِ قادَ الجيوشَ لخمسَ عشرةَ حِجَّةً ... يا قربَ ذلكَ سُؤدداً من مولِدِ (فلمْ يبقَ خَلقٌ لم يَرِدنَ فنِاَءه ... وهنَّ لهُ شَربٌ ورودَ المَشاربِ) قال أبو الفتح: أي قد وردت مواهبه فناء كل أحد، ووصلت إلى كل إنسان، وهن له شرب، أي: هن ينفعنه كما ينفع الماء وارده، وكأنهن قد وردن عليه ورود الناس

стр. 69

المشارب لينتفعوا بها، أي: قد عمت عطاياه بلا منّ، وقوله: ورود المشارب كقوله: إذا سألوا شكرتَهمُ عليهِ ... وإن سكتوا سألتهمُ السُّؤالا قال الشيخ: قوله وكأنهن قد وردن عليه فاسد، فإن الرجل يقول تحقيقاً، وهذا يفسره تشبيهاً، أي: أن عطاياه تصل إلى كافة الخلق وتطبق إليهم عرض الأرض، ويدلك عليه قوله: كأنَّ رحيلي كانَ من كفِّ طاهرٍ ... فأثبتَ كُوري في ظُهورِ المواهبِ حتى طافت بي الدنيا بحذافيرها، وقوله: ورود المشارب كقوله: إذا سألوا شكرتهم عليه، البيت ليس كذلك إنما هو كقوله: كالبحرِ يقذفُ للقريبِ جواهراً ... جوداً ويبعثُ للبعيدِ سحائبا (نصرتَ عليّاً يا أبنَه ببواترِ ... منَ الفعلِ لا فَلٌّ لها في الضَّرائبِ)

стр. 70

قال أبو الفتح: أي فعلت من المكارم ما دل على كرم أبيك، وكان ذلك منك بمنزلة النصر له، كنى بالبواتر عن الأفعال الحسنة، وعنى بعليّ عليّ بن أبي طالب ﵇ ويجوز أن يكون نصرت عليّاً، أي: ملت إليه، بشبهك له يقال: نصرت أرض بني فلان: إذا أتيتها وقصدتها. قال الشيخ: المعنى هو الأول الذي أومأ إليه، وقد أشار إلى شيء منه، ولم ينصفه من حيث لم يكشفه، فإنه يقول: نصرت أباك بسيوف قاطعة من الأفعال لألسنة الحساد والأعداء عن معاليه المشهورة ومساعيه المأثورة، ومن أنكر منها معروفاً لطول العهد والغيب وتقادم الزمان اضطرَّته أفعالك إلى الاعتراف به في المشاهدة والعيان بأفعالك، وهذه جامعة لتشييد بنائه وتشهير علائه وتدمير أعدائه وحصول النصر في مضاء النصل، فهذا يدلُّك على أن الفصل الذي ذكره فاسد. (إذا لم تكنْ نفسُ النَّسيبِ كأصلهِ ... فماذا الذي تُغني كرامُ المناصبِ؟) قال أبو الفتح: يقول لو صدقوا في نسبهم لما كان لهم به فخر حتى يفعلوا مثل فعل آبائهم.

стр. 71

قال الشيخ: هذا تعسير لا تفسير، ولو كان كما قال لكان هجواً صريحاً، فإنه ينوط صدقهم في نسبهم بشرط، والرجل نزيه عنه، وكلامه بريء منه، فإنه يؤيد ما مدحه به فيما تقدمه، ويقول: إذا لم تكن نفس النسيب كأصله في مكارم الأخلاق والأفعال واقتناء المفاخر والمآثر والجمع بين التُقى والعُلى والشرف الأوفى والعمل الأزكى وعمارة الدين بالدنيا وإطلاعه منها الذروة العليا وبلوغه الغاية القصوى مثلك الذي ينصر أباه بأفعاله، ويقطع ألسنة حساده ببواتر أعماله فما تغني المناصب الكريمة والمناسبة الشريفة، والنسيب ساقط عن رتبتها وهابط عن ذروتها غير حامٍ لكنفها ولا زائد في شرفها؟ كما قيل: فوا أسفي على شرفٍ صميمٍ ... أصاب بنجمهِ منك احتراقُ (يقولونَ: تأثيرُ الكواكبِ في الورى ... فما بالهُ تأثيرهُ في الكواكب؟) قال أبو الفتح: أي هو الذي يؤثر في الكواكب، فكيف قال الناس: إن الكواكب تؤثر في الناس؟ يعجب من ذلك ويعظم أمره، وذلك أنه يبلغ من الأمور ما أراد، فكأن الكواكب تبع له، وليس هو تبعاً لها. قال الشيخ: معنى هذا البيت عندي أن هذا الممدوح يعمل في الكواكب ما تعلمه

стр. 72

الكواكب في الناس، ومشيئته تؤثر فيها تأثير دورانها في الخلق، لا أنه يبلغ في الأمور ما أراد، فكأنها تبع له، وليس تبعاً لها، فإن هذا دون ما يقوله بكثير، ولفظ البيت يُنافيه وما منه شيء فيه. وقال في قصيدة أولها: (مَنِ الجآذرُ في زيِّ الأعاريب؟ ... . . . . . . . . . . . . . . .) (يحطُّ كلَّ طويلِ الرَّمحِ حاملُه ... منْ سرجِ كلِّ طويلِ الباعِ يعبوبِ) قال أبو الفتح: أي يقتل حامل خاتمه كل فارس طويل الرمح فيذريه عن سرج كل فرس طويل الباع، أي: يحط حامل خاتمه لما اشتمل عليه من الأمر والنهي أعداءه عن سروجهم. . . يريد نفاذ أمره وانبساط قدرته. قال الشيخ: قوله يقتل حامل خاتمه كل فارس. . . إلى آخره، فاسد لا معنى له، لأن الفارس يكون من أعدائه أو من أوليائه، فإن كان من أوليائه فما معنى قتله؟ وإن كان من أعدائه فما يُطيع حامل خاتمه ليقتله ويذريه عن سرجه بل يقاتله، وما الخاتم من آلات القتال في شيء فيغلب به حامله مقاتله، ولو نزل أعداؤه عن سروجهم لخاتمه كانوا أولياءه لا أعداءه، وإنما يقول: يُصرف الأمر في ممالكه طين خاتمه، ولو درس نقشه عنه هيبة له، ثم

стр. 73

يقول: يحط هذا الطين الذي يُحمل إلى بلاد مملكته كل فارس وقائد كثير بهذه الصفة عن فرسه إذا لقي به نزل وترجل إعظاماً له وإكباراً وتلقياً لأمره بالسمع والطاعة، وروايتي (حامله) بفتح اللام، أي حامل الرمح، أي: يحط طين خاتمه المحمول كل طويل الرمح حامله، وروايته بضم اللام، أي: حامل خاتمه، وقوله: حامل خاتمه غير جائز ولا ممكن، فإنه لو احتاج إلى إنفاذ الخواتم إلى ممالكه لاحتاج إلى ألوف ألوف منها، وإنما تُحمل الختوم لا الخواتيم، والدليل على ذلك أنه يقول: يُصرف الأمر فيها طين خاتمه لا خاتمه. (فُتنَ المهالكَ حتى قالَ قائلِهُا ... ماذا لقينا مِنَ الجُردِ السَّلاهيبِ؟)

стр. 74

قال أبو الفتح: أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها. قال الشيخ: لست أتصور فيها الضجيج، ولو قال: شكت لكان أمثل، فإنه يقول: جابت خيلي المفاوز إلى كافور حتى قالت: ماذا لقينا من تبريحها بنا واختراقها لنا وامتزاقها فينا؟ (يَرمي النُّجومَ بعينَي من يُحاوِلُها ... كأنَّها سَلَبٌ في عَينِ مسْلوبِ) قال أبو الفتح: يقول ينظر إلى النجوم نظر من لو قدر عليها لأخذها، يصف بُعد مطالبه. قال الشيخ: لا والله ما فيه مما ذهب إليه وفسره شيء، وإنما أراد به أنه يسري الليل كله، وقد وكل بالنجوم عينه، وعقد بها طرفه، لا يكفها عنه، ولا يغضها دونها مراعياً لأوقات الليل حتى كم مضى منه وكم بقي، وكأنه ينظر إلى قول الراعي: فباتَ يُراعي عرِسَه وبناتِه ... وبتُّ أُراعي النَّجمَ أنَّى مخافِقُه

стр. 75

وفي أمثالها صفة لصاحبها بالجلد وقوة النفس وبُعد الهمة وشدة العزم والصبر والاحتمال للسفر وقلة النوم، وبمثلها يمدح الملوك، كما يقول: وأنتَ مَع اللهِ في جانبٍ ... قليلُ الرَّقادِ كثيرُ التَّعّب وكما يقول: فبتَّ ليالياً لا نومَ فيها ... تَخُبُّ بكَ المسوَّمةُ العِرابُ في نظائر لها كثيرة وبلغني أنه قيل لأبي مسلم: لم لا تنام؟ فقال: كيف أنام ومعي رأي جوال وعزم صليب ونفس تتوق إلى المعالي؟ ويدلُّك على صحة قوله بعده: حتَّى وصلتُ إلى نفسٍ محجَّبةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . أي: مازال ذلك دأبي حتى وصلت إليه. (حتَّى وصلتُ إلى نفسٍ محجَّبةٍ ... تلقَى النُّفوسَ بفضْلٍ غيرِ مَحجوبِ) قال أبو الفتح: هذا كقول أبي تمام: ليسَ الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أمَلاً ... إنَّ السَّماَء تُرجَّى حينَ تحتجِبُ
следующие страницы →