Полный текст (536 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فكما شبه خثورة الماء؛ لتقادم عهده بالورادة، وللأجون بالحناء، كذلك شبهه الشماخ بالورق اللجين.
وقوله: عليه الطير على هذا، قد حذف منه المضاف، ومثل ذلك قول الهذلي:
تجيلُ الحبابَ بأنفاسها ... وتجلو سبيخَ جفالِ النُّسالِ
السبيخ: ما نسل من ريش الطير.
وقال الأعشى:
وقليبٍ أجنِ كأنَّ من الرِّي ... شِ بأرجائه سقوطَ نصالِ
وقال العجاج:
غيايةً غثراءَ من أجنِ طالْ
стр. 247
وإن جعلت قولك: كالورق اللجين حالاً للطير، صار فيه ضميره، ويكون معنى عليه الطير أن الطير اتخذت فيه الأوكار؛ لخلائه وكثرتها عليه، [وقلة من يرده فالطير لكثرتها عليه]، وتكابسها فيه، كالورق اللجين، ومثل ذلك في المعنى [قول الراعي]:
بدلوٍ غيرِ مكربةٍ أصابتْ ... حماماً في جوانبه فطارا
كأنه استقى بسفرةٍ، فلذلك لم تكن مكربة، والطير قد اتخذت فيه الوكار للخلاء.
فقوله: كالورق اللجين، مثل قولك: صائداً به وصائد به بعد قولك: مررت برجل معه صقر صائد به فجعله مرة حالاً من الهاء، في معه، وأخرى صفة لرجل.
стр. 248
ومثل ذلك فيما ذكرناه قوله:
ربَّما تكره النُّفوسُ من الأم ... رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
ومن ذلك قول الشماخ:
وإرثِ رمادٍ قد تقادمَ ماثلٍ ... ونؤيينِ في مظلومتينِ كداهما
стр. 249
فكداهما في موضع رفع؛ ألا ترى أن الظرف وصف للمثنى؛ من حيث كان منكوراً، وذكرهما مما ارتفع به عائداً إليهما. وقال المرار الفقعسي:
وصارتْ شميطاً كلُّ وجناَء حرَّةٍ ... لها تحتَ مجرى الأخدعينِ حميمُ
فحميم في البيت مرتفع بالظرف؛ لأنك إن جعلت قوله: لها لكل، أو لوجناء، أو لحرة، كان صفة له، وكل ما ذكرنا مما يجوز أن يكون الظرف وصفاً له، نكرة.
فأما تحت مجرى الأخدعين فهو ظرف لقولك: لها، ولا شيء فيه. ويجوز أن تجعله وصفاً لحميم، فلما
قدمته عليه صار موضعه نصباً على الحال، ومن ذلك قول الطرماح:
فلمَّا غدا استذرى له سمطُ رملةٍ ... لحولينِ أدنى عهدهِ بالدَّواهنِ
стр. 250
ويروى: سيد قفرة، وأدنى مرتفع بالظرف، لأن ما قبله منكور، فأما قوله:
كأنَّهمُ صابتْ عليهم سحابةٌ ... صواعقها لطيرهنَّ دبيبُ
فارتفاع دبيب على الخلاف، ولو كانت صواعق نكرة، ارتفع دبيب بالظرف.
ويحتمل قوله: صواعقها ضربين من الإعراب، أحدهما أن يكون بدلاً من
стр. 251
السحابة؛ لاشتمالها عليها، كأنه قال: صواعق سحابةٍ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ولطيرهن دبيب في موضع الخبر، والمعنى أن الطير تدب، فلا تطير، من خوف الصاعقة، ومثله في المعنى قول ابن أحمر:
وأفلتُّ من أخرى تقاصرَ طيرها ... عشيَّةَ أدعو بالسَّتارِ المقيَّرا
تقاصر طيرها: أي تقاصرت عن الطيران.
والمقير: رجل، وقيل: جبل.
وأخرى: يريد داهية أخرى.
وقال: لطيرهن دبيب، والطير: جمع طائر، ولكل طائر دبيب، فأفرد دبيباً، ولم يجمعه؛ لأنه مصدر.
стр. 252
باب
ما جاء في الشعر من الفصل بين المبتدأ وخبره
وبين غيرهما بالأجنبي
قال الفرزدق:
وما مثله في الناسِ إلا مملَّكاً ... أبو أمَّه حيٌّ أبوه يقاربهْ
تقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكاً أبو أمه أبوه، ففصل بين المبتدأ والخبر، اللذين هما أبو أمه أبوه بحي، وهو أجنبي منهما، وفصل بين الصفة والموصوف اللذين هما حي يقاربه، بقوله: أبوه، وهو أجنبي منهما، ومثل ذلك من الفصل بالأجنبي قول الفرزدق:
لبسنَ الفرندَ الخسروانيَّ فوقه ... مشاعرَ من خزِّ العراقِ المفوَّفُ
стр. 253
التقدير: لبسن الفرند الخسرواني، مشاعر فوقه من خز العراق المفوف.
يجوز في قياس العربية أن يقال: فوقها وفوقه، فإن قال: فوقها؟، جعل الضمير للمشاعر. المعنى: لبسن الفرند الخسرواني، مشاعر فوقها، أي فوق المشاعر، فإذا أنشد كذلك، فأريد: فوقها المفوف من خز العراق، كان المفوف رفعاً بالظرف، كالأبيات التي تقدم ذكرها.
وإن أنشد فوقه أي فوق الفرند المفوف، كان ارتفاع المفوف، على الخلاف، وفي كلا الوجهين قد فصل بالأجنبي، ألا ترى أن المشاعر أجنبي من فوقه، ومما بعده.
فأما قوله: من خز العراق، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون موضع الجار والمجرور رفعاً بأنه فاعل، ويكون المفوف وصفاً محمولاً على الموضع، ألا ترى أن موضع الجار والمجرور، رفع بأنه فاعل، ومثل ذلك قول لبيد:
طلب المعقب حقه المظلوم
стр. 254
ويجوز أن يكون قوله: من خز العراق، وصفاً لموصوف محذوف، كأنه ثياب من خز العراق، فإذا كان كذلك أمكن أن يكون المفوف بدلاً من شيئين، أحدهما الضمير الذي في الظرف، الذي هو من خز العراق، والأخر أن يكون بدلاً من المحذوف من اللفظ، على حد قوله تعالى: (إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللهِ).
ويجوز أن يكون: من خز العراق تبيناً، كقوله: (وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ) و (إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ).
ويجوز أن تقول: فوقه المفوف من خز العراق، فتجعل من خز العراق متعلقاً بمحذوف، يصير في موضع الحال، فتقدمه على ذلك، والعامل في الحال فوقه، ولا يكون العامل فيها ما في الصلة؛ لأنه حينئذ لا يجوز فيه التقديم.
وأما قول الآخر لجرير:
غضبتَ علينا أن علاكَ ابنُ غالبٍ ... فهلاَّ على جدَّيكَ إذْ ذاك تغضبُ
هما حين يسعى المرءُ مسعاةَ أهلهِ ... أناخا فشدَّاكَ، العقالُ المؤرَّبُ
فقوله: حين يسعى المرء مسعاه أهله يجوز في وجه أن يكون فصلاً بين المبتدأ وخبره بالأجنبي، وذلك إذا جعلت العقال المؤرب خبر المبتدأ، كأنه قال: هما العقال
стр. 255
المؤرب، فعلى هذا قد فصل بينهما بالأجنبي منهما، وذلك أن قولنا أناخا فشداك اعتراض، وحين يسعى المرء متعلق به، فقد فصل بينهما بما هو أجنبي من المبتدأ والخبر.
فإن قلت: إن الفصل بالظرف لا ينزل منزلة كانت زيداً الحمى تأخذ؛ لأن الظرف قد استجيز فيه من الاتساع [في الفصل] ما لم يستجز في غيره، ألا ترى أنه قد جاء:
فلا تلحني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاكَ مصابُ القلبِ جمٌّ بلابلهْ
ففصل بقوله: بحبها بين إن واسمها، ولو كان مكان الظرف غيره لم يجز ذلك، ولم يحمل النحويين الظرف في ذلك على: كانت زيداً الحمى تأخذ.
فالقول أن قوله: حين يسعى المرء مسعاه أهله ليس كقوله: بحبها، في قوله: فإن بحبها، ألا ترى بحبها متعلق بمصاب، كأنه قال: فإن أخاك مصابُ القلب بحبها، فالظرف متعلق بالخبر، كما أن زيداً متعلق بالخبر، الذي هو تأخذ.
وقوله: حين يسعى المرء مسعاة أهله ليس بمتعلق بالخبر، الذي هو العقال المؤرب، إنما يتعلق بالاعتراض الموقع بين المبتدأ وخبره، فهو إذاً أجنبي منهما.
ويجوز أن تجعل قوله: أنا فشداك خبر المبتدأ، الذي هو قوله: هما، فإذا جعلته كذلك، لم يكن فصلاً بالأجنبي، ولكنه مثل: زيد في الدار قام، وزيد عمراً ضرب.
فإن قلت: فكيف يكون قوله: العقال المؤرب على هذا؟
فالجواب: انه يكون بدلاً من ضمير التثنية في أناخا، ولا يمتنع وإن كان
стр. 256
مفرداً، أن
يبدل من المثنى، كما لم يمتنع، وإن كان مفرداً، أن يكون خبراً لقوله: هما المثنى، والمعنى انهما منعاه من أن ينال المكارم والمساعي؛ لضعتهما وقصر باعهما عنها، كما يمنع العقال المؤرب، من النفاذ والتصرف، فعلى هذا جاز أن يكون خبراً عن المثنى، وغن كان مفرداً.
وأنشد أبو زيد:
فخيرٌ نحن عندَ الناسِ منكمْ ... إذا الدَّاعي المثوِّبُ قال يالا
قال أبو عمر: كان أبو الحسن يزعم أن ذلك لا يجوز في الكلام، لن منكم من صلة خير، والقول في ذلك أنك إذا قدرت نحن ابتداء، وخير خبره، لم يجز في الكلام، ذلك لأنك تفصل بين الصلة والموصول، بالأجنبي منهما، وإن قدرت ارتفاع خير بالابتداء، وجعلت نحن مرتفعاً به، وإن لم يعتمد على شيء، فإنه لايقبح الفصل، ولم يكن الفاعل في هذا كالابتداء، لن الفاعل بمنزلة جزء من الفعل، ألا ترى أن سيبويه أجاز: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.
стр. 257
إذا رفع الكحل بأحسن، ولو رفع فقال: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فرفع الكحل بالابتداء، لم يجز الفصل بينهما [بالابتداء]، كما أجاز الفصل بينهما بالفاعل.
وقد يمكن أن يكون نحن التي بعد خير تأكيداً للضمير، الذي في خير، وأن يكون خير خبراً لمبتدأ محذوف، وهو نحن، فلا يكون حينئذ أيضاً فصلاً بأجنبي، ومن ذلك قول الهذلي:
وكأنَّ سفُّودين لمَّا يقترا ... عجلاَ له بشواءِ شربٍ ينزعُ
قد فصل بين الفعل ومفعوله، بخبر السفودين، الذي هو عجلا له، ألا ترى أن المعنى: وكأن سفودين لما يقترا بشواء شرب ينزع، عجلاً له، ففصل بين الفعل،
وما يتعلق به، من الجار، بالخبر الذي هو عجلاً له.
وإن قلت: إن قوله: بشواء شرب متعلق بمحذوف، دل لما يقترا عليه، ولا يكون متعلقاً بهذا الظاهر، كما أن دارها، في قوله:
لسنا كمنْ حلت إياد دارها
стр. 258
متعلق بمحذوف، دل عليه الفعل المتقدم، فهو وجه. وإن لم تقدر ذلك كان وجهاً؛ لأنه قد جاء من ذلك في الشعر ما لايتجه إلا على الفصل، نحو ما تقدم ذكره.
فأما ما رواه السكرى، عن أبي عثمان، من قول أبي الأسود:
فقام إليها بها ذابحٌ ... ومن تدعُ يوماً شعوبُ يجيها
فظلَّتْ بأعضائها قدرها ... تحشُّ الوليدةَ أو تشتويها
стр. 259
فليس من هذا الباب؛ لأن أبا عثمان حمله على: كانت زيداً الحمى تأخذ، إلا أنه لما جعل الضمير للقصة أنث، وفي التنزيل: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُواْ).
стр. 260
باب
من حذف خبر المبتدأ
قال الفرزدق:
وإنّيَ من قومٍ بهمْ يتَّقى العدى ... ورأبُ الثّأي والجانبُ المتخوَّفُ
قوله: رأب الثأي لا يستقيم أن يحمل على يتقي، فإذا لم يستقم ذلك أضمرت له خبراً، وجعلته مبتدأ.
ولا يستقيم أن تضمر بهم لتقدم ذكر بهم، ولكن تضمر لهم، فيكون: رأب الثأي لهم، ودل على ذلك قوله: بهم يتقي العدي؛ لأن هذا الكلام يدل على: لهم البأس والنجدة، فأضمرت لهم بذلك.
فأما قوله: والجانب المتخوف فيستقيم أن تحمله على يتقي، فيكون: بهم يتقي العدى والجانب المتخوف.
ويستقيم - وهو الأشبه - أن تحذف المضاف، فيكون التقدير: لهم رأب الثاي، ورأب الجانب المتخوف.
[هذا أيضاً باب من حذف خبر المبتدأ]
قال الفرزدق:
стр. 261
وبيتان بيتُ اللهِ نحن ولاته ... وبيتٌ بأعلى إيلياَء مشرَّفُ
خبر المبتدأ الذي هو بيتان محذوف، تقديره: لنا بيتان، أو في الوجود بيتان، وبيت الله: مبتدأ، وخبره الجملة التي هي نحن ولاته.
وقوله:
وبيت بأعلى إيلياء مشرف
مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف؛ لدلالة ما تقدم عليه، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فالجملة في هذا كالمفرد، في أن المعنى: وبيت صفته كذا ونحن ولاته
أيضاً، كما تقول: زيد ضربت أباه وعمرو، تريد: وعمرو ضربت أباه، وفي التنزيل: (وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ).
فذها البيت في حذف خبر المبتدأ، الذي هو جملة خبر؛ لدلالة الجملة المتقدمة عليها، كدلالة المفرد.
فإن قلت: فلم لا تجعل بيت الله خبر مبتدأ محذوف، كأنه: أحدهما بيت الله.
فإن المعنى على ما ذكرنا، ألا ترى أنه يفخر بولايتهم البيت الأول، والبيت الثاني، فإن لم تجعل نحن ولاته خبراً لقوله: بيت الله لم يستقم أن تضمره فتجعله خبراً للمبتدأ الآخر، الذي هو: وبيت بأعلى إيلياء، ألا ترى أنك إنما تضمر الخبر، ولا تضمر غيره.
وقال ذو الرمة:
كلٌّ من المنظرِ الأعلى له شبةٌ ... هذا وهذانِ قدُّ الجسمِ والنُّقبُ
стр. 262
المعنى: كل من البعد شبه لهذا الظليم، فأفرد الشبه، ولم يقل: أشباه؛ لأن كل مفرد، فأخبر عنه بالإفراد، كما قال: (إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْداً)، فالشبه على هذا يريد به واحداً، ويجوز أن يريد به جمعاً، كما قال: (وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)، إلا أن شبهاً لما كان مصدراً، وقع على الجمعي، وهو على لفظ الواحد، كما أن قولك: مثل الذي بمعناه، يقع تارة على لفظ الإفراد، يراد به الجميع، في نحو: (إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ)، وتارة يجمع في نحو: (ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم).
والذي أريد به كل السندي والحبشي، والبكر، فقوله: له شبه جملة في موضع خبر المبتدأ.
فأما قوله: هذا وهذان، فيحتمل غير وجه؛ منها أن يكون هذا مبتدأ، وهذان معطوف عليه، والخبر ما تقدم من الجملة، التي هي: له شبه، فحذفت لتقدم الذكر،
كما حذفت الجملة التي هي خبر، في قوله تعالى: (وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ).
ويجوز أن يكون هذا وهذان عطفاً على كل عطف بيان، ويجوز أن يكون بدلاً، ولا يجوز أن يكون صفة.
فإذا حملته على أحد هذين الوجهين، فلا بد من إضمار مبتدأ، يكون قوله: قد الجسم خبره، ويكون ذلك المبتدأ هم؛ لأن في الثلاثة من يعقل، فكأنك قلت: هم قد الجسم، ومعنى ذلك - فيما حكى عن الزيادي - أن جسمه مثل جسمه.
стр. 263
الحسن: والمراد بالجسم الأجسام، أي هم سواء الأجسام منها، فحذفت ما يرجع إلى المبتدأ، أو سواء أجسامها.
والقد: مصدر، كأنه يراد به المفعول، أي مقدود الأجسام، قداً واحداً، فدل ذلك على التسوية التي فسرها الزيادي، ويدل على ما فسر من ذلك أنهم [قد] يقولون: هذان قدا من أديم واحد، يريدون أنهما متشبهان، وقال:
فتىً قدَّقدَّ السَّيف لا متآزفٌ ... ولا رهلٌ لبَّاتهُ وبآدلهْ
يريد أنه قد سوى، فهو في مضائه واستوائه كما قال الآخر:
بمنصلتٍ مثل الحسام
стр. 264
والنقب: معطوف على قوله: قد الجسم.
ويدلك على أن الجسم جمعه النقب، والنقب: جمع نقبة، وهو اللون.
ولا بد من أن تضمر شيئاً، يكون النقب خبراً له، وهو: سواءٌ، لما كان قد الجسم سواء الأجسام، دل ذلك على سواء فأضمرته، كأنك قلت: وسواء النقب منهم، وإنما أضمرت سواء ولم تضمر القد، لأن القد لا يجوز على الألوان، كما جاز على الأعيان، فأضمرت ما يجوز فيها دون ما لا يجوز، فكأنك قلت: سواء النقب منها، أو نقبتها، فيكون النقب ابتداء، وسواء الخبر، وعل قول أبي الحسن، أيهما شئت جعلته الابتداء.
قال الكميت، يذكر ذئباً:
فقلنا له هاذاك فاستغنِ بالقرى ... وفي ذي الأداوي عندنا لكَ مشربُ
هاذاك: ابتداء، والخبر مضمر، كأنه قال: هاذاك الزاد، والمعنى: دونكه، وتناوله، كما أن قولهم: هذا الهلال، معناه انظر إليه، وإن كان الكلام ابتداءً وخبراً، فهذا مثل قوله: وقائلةٍ خولانُ فانكح فتاتهمُ
стр. 265
ويجوز في قياس من جعل الفاء زيادةً، في موضع هاذاك، ضربان: أحدهما أن يكون رفعاً، مثل: زيد اضربه، والآخر: أن يكون نصباً، مثل: زيداً اضربه.
ويجوز أن يكون هاذاك في موضع نصب، والعامل فيه الفعل الذي دلت الحال عليه، من إخراجهم الزاد، وتعريضهم إياه لتناوله له، ألا ترى أن قبل هذا البيت:
فنشنا له من ذي المزاود حصّةً ... وللزادِ أسارٌ تلقّى وتوهبُ
وذو الأداوي: الماء.
ومشربٌ: ارتفاعه على الخلاف، ويكون من أو في من قوله: ومن ذي الأداوي أو في ذي الأداوي الخبر.
ولا يكون من متعلقاً بالمشرب هذا، لأنه مصدر إنما يتعلق بالمحذوف. وقال أسامة بن حارث الهذلي:
стр. 266
أجارتنا هل ليلُ ذي البثِّ راقدُ ... أم النومُ إلا تاركاً ما أراودُ
قالوا: إن المعنى: أم النوم لا يجيئني إلا تاركاً لما أطلب.
معنى هل ليل ذي البث راقدٌ: هل أرقد في ليلي، أم لا أرقد؟ فالنوم محذوف الخبر، ودل عليه هل أرقد، لأن المراد: هل أرقد أم لا؟ ومعنى هذا، ومعنى هل أرقد أم النوم لا يجيئني واحد، وأم لا تكون إلا المنقطعة، لأنها بعد هل، وقد عادل بالابتداء، والخبر الجملة التي من الفعل والفاعل، ومثله: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) والمعنى: أم صمتم، كما أن معنى أم النوم لا يجيئني: لا أرقد، ومثله
في الحذف، للجملة التي هي خبر ابتداء، ما تقدم من الآية والأبيات، ومثل ذلك قول الفرزدق:
يا ليت شعري على قيل الوشاةِ لنا ... أصرمتْ حبلها أم غير مصرومِ
أنشد أحمد بن يحيى:
يا لهفَ ما أمّي عليك إذا علا ... عليّ ذوو الأضعان بالنظرِ الشزرِ
стр. 267
تقدير ما أمي ما لهف أمي، فحذف المضاف، لأنهم يقولون: ويل أمه، وكذلك لهف أمه، ويا لهفي، ويا لهف نفسي، قال جرير:
يا لهف نفسيَ إذ يغرّك حبلهمْ ... هلاّ اتخذتَ على القيونِ كفيلا
وأنشد أبو الحسن:
فلستُ بمدركٍ ما فاتَ منّي ... بلهف ولا بليتَ ولا لو أنّي
فكأنه قال: يا لهفي، ما لهف أمي، أي اللهف لي، لا لأمي، على تحقيق أن اللهف له.
وعليك: من صفة اللهف، وجاز الفصل بالجملة، التي هي ما أمي، بينهما، لأنه مما يسدده، ومثل ذلك قول الآخر:
ومقطرةٍ بالجسرِ قد بتُّ ضاجعاً ... لي الويلُ ما أمّي وأمُّ المقاطرِ
تقديره: لي الويلُ، ما ويلُ أمي، أي الويل لي، لا لأمي، ولا لأم المقاطر، على تحقيق أن ذلك له دون غيرهز
الفرزدق:
وأنت امرؤ لا نائلُ اليومِ مانعٌ ... من المالِ شيئاً في غدٍ أنت واهبه
تقديره فيمن رفع النائل: وأنت امرؤ لا نائل اليوم شيئاً من المال يمنعه في غد، فالهاء في مانعه مرادة، كما تراد فيمن رفع، في قوله:
стр. 268
وما كل من وافى منى أنا عارفُ
وفصل بقوله: مانع بين نائل ومعموله الذي هو شيئاً من المال وهو أجنبي منه، وفصل أيضاً بين مانع وبين قوله: في غدٍ، بما هو أجنبي منهما، والمعنى: أنت امرؤ لا تنال شيئاً من المال وتمنعه غداً، أي لا تدخر ولا تحزن، ولكن تجود به وتهبه.
وقوله: أنت واهبه ابتداء وخبر، وإن شئت جعلت أنت تأكيداً لما في مانع، لأنه هو هو، كما أبدلت قوله سبحانه: (عَلاّمُ الْغُيُوبِ) فيمن رفع، من الذكر المرفوع في: (يَقْذِفُ).
وإن شئت جعلت (النائل) اسم العطاء، كما قال:
له صدقات ما تغب ونائل
فتنصب النائل بمانع، كأنه: لا مانع نائل اليوم من المال شيئاً، فيكون انتصاب شيء على أحد أمرين: إما أن يكون وضعه موضع المصدر، أو قدر فيه الباء، وحذفها.
و (في غد) متعلق بمانع، كأنه: لا تمنع اليوم ما تناله في غد، أي تجود بما تنال اليوم في غد.
و (أنت واهبه) ابتداء وخبر، وإن جعلت أنت تأكيداً لما في (مانع) على المعنى،
стр. 269
أضمرت مبتدأ، وإن شئت أبدلت اسم الفاعل من الذكر، كما تقدم.
وقال الأخطل:
كانت منازل ألافٍ عهدتهمُ ... إذ نحن إذ ذاك دونَ الناس إخوانا
لا يجوز أن يكون (إذ ذاك) خبر (نحن)، كما لا يجوز: زيد أمس، ولكن إذا الأولى ظرف (عهدتهم)، كأنه: عهدتهم إخوانا دون الناس، ويكون (دون) ظرفاً من المكان، متعلقاً بعهدتهم أيضاً، وخبر (نحن) محذوف، تقديره: عهدتهم إخوانا إذ نحن متآخون، أو متآلفون إذ ذاك، أي إذ ذاك كائن.
ويحتمل أن يكون (دون الناس) متعلقاً بالخبر المضمر، ويحتمل أن يكون: إخواناً دون الناس، فإذا قدم الصفة صارت نصباً على الحال.
وقال ذو الرمة:
بلادٌ يبيتُ البومُ يدعو بناتهُ ... بها ومن الأصداء والجنِّ سامرُ
التقدير: وفيها من الأصداء والجن سامر، لأن قوله: (يبيت البوم يدعو بناته) يدل على أن فيها البوم، فكأنه قال: فيها البوم، وفيها من الأصداء والجن سامر.
ومن الأصداء يتعلق بهذا الظرف المضمر، ولا يجوز أن تجعل المضمر
стр. 270
(بها) فتقدره: بها من الأصداء والجن سامر، لأن (بها) هذه ليست بمستقر، فهو مثل (تباً له) و (ويلاً) ألا ترى أنه لم يجز في (تباً له) و (ويلاً) أن ترفع (ويلاً) وتضمر له، لما لم يكن مستقراً.
ويجوز أن تحمل (سامرٌ) على (يبيت)، فتشرك (سامر) مع (البوم)، التقدير: ويبيت سامر من الأصداء، فيكون (ومن الأصداء) حالاً، مثل:
لميةَ موحشاً طللُ
والوجه الأول أوجه، لأنك لا تفصل فيه بين حرف العطف والمعطوف.
стр. 271
باب يجمع ضروباً من هذه الأبواب
قال ذو الرمة:
شختُ الجزارةَ مثلُ البيت سائرهُ ... من المسوحِ خدبٌّ شوقبٌ خشبُ
القول في ارتفاع (سائره): أنه يكون على ضربين، أحدهما: أن يكون يرتفع بمثل، لأنه يجوز أن يعمل عمل الفعل، كما تقول: قائم الزيدان، فترفعهما بقائم، وإن لم تعتمد به على شيء، وهذا في مثل هذا البيت أحسن، لأنه قد جرى على موصوف، فإذا كان كذلك رفعته به، ويكون (من المسوح) متعلقاً بما في (مثل) من معنى الفعل، ولم تفصل بأجنبي، ألا ترى أن الفاعل لا يكون أجنبياً مما يرتفع
به.
والوجه الآخر: أن يرتفع (سائره) بالابتداء، كأنه: شخت الجزارة سائره مثل البيت من المسوح، فقدم خبر المبتدأ، فإذا حمله على ذلك احتمل قوله: (من المسوح) أمرين، أحدهما: أن يكون صفة لمثل، لأنه نكرة، وإن أضفته إلى المعرفة.
والآخر: أن يكون حالاً من المضاف إليه، الذي هو (البيت) وفي كلا الوجهين يقع الفصل بالمبتدأ الذي لا يلابس الحال، ولا الوصف، وأما قوله:
فخيرٌ نحن عند الناسِ منكمْ ... إذا الداعي المثوبُ قال يالا
стр. 272
فيحتمل تأويلين غير ما عليه الظاهر، الذي ذهب إليه أبو الحسن، وهو أن يكون (نحن) يرتفع بخير، كما جاز أن يرتفع (سائره) بمثل في بيت ذي الرمة، على قول من قال: قائم أخواك، وأبو الحسن قد أجاز ذلك.
ويجتمل وجهاً آخر، وهو أن تضمر المبتدأ، ويكون المبتدأ (نحن)، و (خير) خبر المبتدأ، و (نحن) الظاهر تأكيداً للضمير الذي في (خير)، على المعنى، وكان ينبغي أن يكون على اللفظ الغيبة، فلم يأت به على لفظ الغيبة ولكن جاء به على الأصل، وعلى ما يجيء في نحو: نحن فعلنا.
ويدلك على أنه ينبغي أن يجيء على لفظ الغيبة، أن أبا عثمان قال في الأخبار عن الضمير الذي في منطلق، من قوله: أنت منطلق: إن أخبرت عن الضمير الذي في منطلق، من قوله: أنت منطلق، لم يجز لأنك تجعل مكانه ضميراً يرجع إلى الذي، ولا يرجع إلى المخاطب، فيصير المخاطب مبتدأ، ليس في خبره ما يرجع إليه، فهذا من قوله يدل على أن الضمير، وإن كان للمخاطب، في أنت منطلقٌ، فهو على لفظ الغيبة، ولولا ذلك لم يصلح أن يرجع إلى الذي، على أن هذا في كلامهم مثل: أنتم تذهبون، واسم الفاعل أشبه بالمضارع منه بالماضي، فلذلك جعله مثله، ولم يجعل مثل الماضي في: أنتم فعلتم.
стр. 273
فإذا جاز ذلك فيما ذكرناه، لم يكن فيما حمل أبو الحسن عليه البيت، من الظاهر، دلالة على إجازة نحو: الخليفة أحب إليه يحيى من جعفر حتى تقول: الخليفة، يحيى أحب إليه من جعفر، أو: أحب إليه من جعفر يحيى، على ما أجازه سيبويه في: ما رأيت رجلاً أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد، ونحو ذلك، فلا تفصل، بينهما بما هو أجنبي منهما.
وقال لبيد:
بسرتُ نداهُ لم تسربْ وحوشه ... بغربٍ كجذع الهاجريّ المشذّبِ
قوله: (كجذع الهاجري) خبر مبتدأ محذوف، تقدير بغرب عنقه كجذع الهاجري، يدلك على ذلك أنهم يشبهون العنق بالجذع، لا الفرس نفسه، ألا ترى قول لبيد:
ومقطّعٍ حلق الرحالةِ سابحٍ ... بادٍ نواجذه على الأظرابِ
الأظراب: جمع ظرب، وهو الجبل الصغير.
стр. 274
وقول أبي داؤد:
وهادٍ تقدم لا عيب في ... هـ كالجذع شذب عنه الكرب
وقول امرئ القيس:
ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذرع مشذب
وقول الفرذدق:
بجذوع خيبر أو جذوع أوال
فإن قلت: فلم لا تقدر حذف المضاف، كأنه أراد: بعنق غربٍ [أو هادي غربٍ]؟
стр. 275
فإن الذي ذكرنا أشبه، ألا ترى أنه لم يتبسر بالعنق دون الجملة، ونحو هذا أيضاً لا يضيق ألا ترى أنه قد جاء:
قطعتهما بيدى عوهجٍ
وهو لم يقطعها بيديها دون سائرها.
قال أبو العباس الأحول، فيما حكاه عنه محمد بن السرى: نده: أي ندى الغيث.
والبسر: إعجالك الشيء قبل إناه.
والغرب: الفرس الحديد الذكي.
قال: والهاجري، رجلٌ نسبه إلى هجر.
وقال طفيل:
كأن عراقيب لطا أطرٌ لها ... حديث، واحيها بوقع وصلب
قوله: (لها) وصف للنكرة، التي هي الأطر، أي لهذه السهام، مثل قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ).
وحديثٌ: وصف الأطر، ووصفها بأنها حديث، لأنه أراد أنها لم تقدم فتتغير.
ونواحيها: رفع بالابتداء.
وقوله: (بوقع) متعلق بالمحذوف.
стр. 276
قالوا: شبه الأطر بعراقيب القطا.
والأطرة: العقبة التي تشد على مجمع الفوقين لئلا ينفتق.
والوقع: من قولك: قع سهمك، أي اضربه بالميقعة، وهي المطرقة، والتقدير: بوقع مسن وصلب، فحذف.
قال بعض هذيل:
فرموا بنقعٍ يستقلُّ عصائباً ... في الجوِّ منه ساطعٌ ومكتب
قوله (في الجو) يجوز أن يتعلق بيستقل، على ضربين أحدهما: أنة يكون ظرفاً له، والآخر: أن يكون حالاً من الضمير الذي في (يستقل) ويتعلق بمحذوف.
ويجوز أن يون صفة للعصائب، وذلك عندي أوجه.
وقوله: (ساطعٌ) في (منه ساطع) يرتفع بالظرق، ودون الابتداء، لأنه صفة لنقعٍ المنكور.
ويجوز أن يكون (في الجو) متعلقاً بمنه، الذي هو رافهٌ لقوله: (ساطعٌ) لأن الظرف يعمل فيه المعنى، وإن تقدم علسيه، ولا تحتاج إلى إضمار (منه)، لأنهما صفتان سجتمعان ولا يتنافيان، وكما لم تحتاج إلى ذلك قوله:
لنا راعياً سوء مضيعان منهما ... أبو جعدة العادي وعرفاء جيألُ
стр. 277
لأن المراد بهما الظلم والشره فقد يصح اجتماعهما، فإن أراد أن الوصفين، لموصوفين لا لواحد، احتاج إلى الضمير.
ومثل ذلك في ارتفاع الاسم فيه بالظرف، دون الابتداء ما أنشده أحمد بن يحيى، للمرار بن سعيد:
إا كل عنها الليل باتت كأنها ... من الكدر عجلى بالفلاة ربيبها
الربيب: يرتفع بالظرف، لأنه قد جرى على النكرة.
فأما قوله: (من الكدر) فإنه حال، إما من (كأن) وإما العموم أن يكون أراد أن يجعله وصفاً للنكرة فلما تقدم نصب على الحال، وفي كلتا الحالتين، العامل فيهما (كأن) لأن معنى الفعل لا يعمل فيما تقدم عليه من الحال.
قال أحمد بن يحيى: شبه سرعة بسرعة طيران القطاة، ومثل ذلك قول ساعدة، وذكر رجلاً مزج عسلاً بماء:
فأزال خالصها بأبيضَ مفرطٍ ... من ماء ألهابٍ بهنّ التأالبُ
والتألب: ومرتفع بالظرف، لأنه صفة للنكرة، ومثل ذلك في ارتفاعه بالظرف قول الآخر.
إذا هي خرّت خرَّ من عن شمالها ... شعيبٌ به إجمامها ولغوبها
стр. 278
[شعيب: رحلٌ]
عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني أنشده أحمد بن يحيى:
يا ليت ذا خبرٍ يخبرنا ... بل ليت شعري ماذا بعدنا فعلوا
كانوا وكنا فما نذرى على وهمٍ ... أنحن فيما لبثنا أم هم عجلوا
لابد من إضمار خبرٍ لنحن، إذا رفعته بالابتداء، وذلك أن قوله: (فيما لبثنا) إنما هو: (في لبثنا) ومعنى (في لبثنا) في زمان لبثنا، مثل مقدم الحاج، ولا يكون اسم الزمان خبراً عن العين، فتضمر له خبراً خلاف خبر المبتدأ الثاني، كأنه: أنحن فيما لبثنا أبطأنا أم هم عجلوا؟
وأنشد أحمد بن يحيى:
ولقد أناخ ببيت عروة ربه ... فبذم عروة من مناخ ركابِ
ينبغي أن يكون المبتدأ محذوفاً، كأنه، بذم عروة إثارتي، لأن الإثارة خلاف الإناخة، وقد ذكر ما يدل على الإناخة، وهذا شبيه بقوله : (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ). ولم يقل: البرد، لأن الحر قد دل عليه.
стр. 279
أنشد أحمد بن يحيى:
يا رب موسى أظلمى وأظلمه ... فاصبب عليه ملكاً لا يرحمه
معناه: أظلمنا، كقولهم: (أخزى الله الكاذب مني ومنه) أي منا، وقوله:
فأيي ما وأيك كان شراً ... فقيد إلى المقامة لا يراها
أي أينا، فالمعنى: أظلمنا فاصبب عليه، وهذا يدل على جواز ارتفاع زيد بالابتداء، في نحو: (زيداً اضربه) إن جعلت الفا زائدة، على ما يراه أبو الحسن.
فإن قلت: أضمر المبتدأ، كما أضمرت في قولك:
خولان فانكح فتاتهمْ
стр. 280
فإن ذلك لا يسهل، لأنه المتكلم فكما لا يتجه (هذا أنا) على [إرادة] إشارة المتكلم إلى نفسه، من غير أن تنزله، منزلة الغائب، كذلك لا يحسن إضمار (هذا) هنا.
فإن قلت: إن (أظلمنا) على لفظ الغيبة، فليس مثل (هذا أنا) فإنه، وإن كان كذلك، فالمراد به بعض المتكلمين، ولا يمنع ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: يا تميم كلهم،
فحملوه على الغيبة، لما كان اللفظ له، وإن كان المراد به المخاطب، وإن جعلت المضمر (في عملك) كأنك قلت: أظلمنا في علمك، كان مستقيماً.
قال الكميت:
إنِّي بعيد محقدي من مودَّتي ... وبعدُ المدى لمحفظاتِ غضوبُ
أي بعيد محقدي من مودتي، أي إذا وددت لم أحقد، ولكني أغضى للمودة عمَّا يوجب الحقد، فيكون الكلام على ظاهره.
ويجوز أن يكون المعنى: إني بعيد محقدي من أهل مودتي.
وقوله:
وبعد المدى للمحفظات غضوب.
تقديره: ذو بعد المدى للمحفظات، أي من بعد مداه عما يحفظ، فلم يغضبه كل شيء، فهو غضوب، لأنه لا يغض إلا لأمر شديد، يوجب الغضب.
стр. 281
فغضوبٌ خبر المبتدأ الذي هو (بعد المدى) والمعنى: لذي بعد المدى.
فأما اللام في قوله: (لمحفظت) فمتعلق بالمصدر، الذي هو البعد، أي من بعد ن المحفظات، فلم يغضب في كل حال، غضوبٌ، أي شديد الغضب.
وليس بالسهل أن تعلق (للمحفظات) بغضوب، كأنه: وبعد المدى غضوب للمحفظات، لأنه لا يعلم ذو بعد المدى مما ذا، إلا أن تقول: يريد بعد المدى لما يوجب الغضب، فلم يذكر ذلك، لأن ما بعد يدل عليه.
وقال جرير:
كأن سليطاً في جواشنها الحصى ... إذا حلَّ بين الأملحين وقيرها
إذا قيل ركبٌ فقبَّحت ... ركاباً وركباناً لئيماً بشيرها
المبتدأ محذوفٌ، كأنه: إذا قيل هؤلاء ركبٌ.
وقال: (قبحت) فأنث، وفي الفعل ضمير الركب، والركب جماعة، وركاباً
وركباناً: هم الركب في المعنى، ألا ترى أن الركب يشتمل على الركبان والرواحل.
стр. 282
ولئيماً بشيرها: جارٍ على ما قبله، صفةً، أو حالاً من الضمير، لن الذكر قد عاد مما ارتفع به إليهم، وإن شئت جعلت (لئيماً) حالاً من قوله: (ركباناً) ويكون الذكر في (بشيرها) عائداً إلى الركبان فقط، لا إلى الراكب، الذي هو جماعة في المعنى، ولا إلى الركاب، والركبان المشتملين على الركب، ألا ترى أنك إذا أعدت الذكر على الركبان، فقد أعدته، على الركب، وأن الركبان الركب في المعنى.
وقال زهيرٌ:
جونية كحصاة الرَّمل مرتعها ... بالسِّىِّ ما تنبت القفعاءُ والحسكُ
ليس يخلو (المرتع) من أن يكون مصدراً، أو موضعاً، فإن كل مصجراً تعلق الجار به، وصار (ما تنبت القفعاء) في موضع رع، بأنه خبر المبتدأ، وتجعل (المرتع) على لاتساع وله: (ما تنبت) وإن كان (المرتع) حدثاً، وإن شئت أضمرت مضافاً، يكون تقديره: [مأكول] ومرتعه ما تنبت القفعاء.
وإن جعلت المرتع مكاناً لم يتعلق قوله (بالسِّىِّ) به، كما لا يتعلق بسائر أسماء الأماكن، ولكن يكون تبيناً، لما في الصلة، نحو: (وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ).
стр. 283
وإن جعلت المرتع الذي هو المصدر على الاتساع (ما تنبت) جاز أن يكون (بالسِّىِّ) خبره، ويكون (ما تنبت) بدلاً منه، ومثل ذلك في أنه صار الظرف خبراً عن المرتع، قوله:
فمرتعه يرتفع بالظرف، لجريه على النكرة.
والمرتع: يجوز أن يكون الموضع، وأن يكون المصدر، فإن جعلته المصدر كان بمنزلة المراد والمجال، وأنت تريد بهما الحدث، كأنه قال: بالسِّىِّ تردده، وإن جعلته الموضع، فكأنه قال: بالسى مكانه، وإن جعله المكان، أضمرت المضاف،
فيكون: مأكول مكانه بالسى.
وقال هذليٌّ:
حتى رأيتهم كأنَّ سحابةً ... صابتْ عليهم ودقها ولم يشملِ
قوه: ودقها يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون بدلاً من ضمير
стр. 284
(سحابة) الذي في (صابت) كأنه: صابت السحابة ودقها، فيكون من بدجل الاشتمال، لأتن السحابة مشتملة على الودق.
والآخر: أن يكون مبتدأ، وخبره (لم يشمل) فإذا جملته على ذلك، كان التقدير: سحابة ودقها لم يشمل، فحذفت المضاف، ألا ترى أنهم إنما يصفون السحاب بأنه لم يشمل دون المطر، يدل على ذلك قول أبي خراش:
فسائل سبرة الشجعى عنَّا ... غداة تخالنا نجواً جنيباً
والنجو: السحاب والجنيب، والمجنوب وكذلك قول الآخر:
كأن القوم إذا دارت رحاهم ... هدوءاً تحت أقمر ذي جنوبِ
أي تحت سحاب أقمر، أصابته الجنوب.
وروى أبو موسى (سبرة النخعى).
وقال المرار:
إذا هي خرَّت خرَّ من عن شمالها ... شعيبٌ به إجمامها ولغوبها
стр. 285
لا يستقيم الكلام حتى تضمر (وبه لغوبها) لأنهما صفتان لا يجتمعان، وكذلك ما أشبه ذلك من الصفات التي لا تجتمع، كقولك: درهماك منهما جيد ورديء، وغلاماك منهما كيس وأحمق، وكذلك (فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ) لا يكون إلا على غشمار الخبر، وإن أظهرت الخبر كان مستقيماً، كما قال:
لا شيء في ريدها إلا نعامتها ... منها هزيمٌ ومنها قائم باقِ
وعلى هذا القياس ما أشبه هذا.
والصفة في هذا كالخبر، ألا ترى أن الصفة ينبغي أن تكون وفق الموصوف، كما أن الخبر وفق المخبر عنه.
وقوله:
بمنحنيةٍ قد آزر الضَّال نبتها ... مضم جيوشٍ غانمين وخيَّب
ينبغي أن يكون الموصوف محذوفاً من الصفة الثانية، ألا ترى أن الخيب لا يجوز أن يكونوا الغانمين، فإذا كان كذلك كان التقدير: مضم جيوش غانمين، وجيوش خيب.
ولو رفع هذا على التبعيض، وتقديره: بعضهم غانمون، وبعضهم خيب، كان حسناً.
следующие страницы →