Полный текст (536 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ومن استجار حذف الفاعل، ممن خالف سيبويه، جاز على قياس قوله: أن يكون من همها صفة للفاعل المحذوف، كأنه: بدالها بدو من همها، فتحذف الفاعل، وتقيم صفته مقامه، ولا تضمره في الفعل.
ومن أضمر في بدا الفاعل، ولم يجز زيادة من في الواجب، كما يجيزه أبو الحسن، كان قوله: من همها في موضع نصب بالحال، وفيه ضمير يعود إلى المضمر، في بدا.
ومن نصب النهار من قوله: هذا النهار جاز نصبه وجهان: أحدهما على: زيداً
مررت به، والآخر: أن يكون ظرفاً لبدا، كأنه: بدالها البداء في هذا النهار.
ويجوز أن يكون قوله: هذا في قول من نصب النهار إشارة إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت قال: هذا الارتحال بدالها النهار، فيكون في بدا ذكر يعود إلى المبتدأ الذي هو هذا وكان المعنى عليه، لأن المعنى: هذا الارتحال، والمفارقة بدالها في النهار، فما بالها في الليل يعتادنا خيالها، هلا فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالنهار!
فأما فاعل زال في قول من نصب زوالها فجائز أن يكون الهم، لن ذكره قد تقدم، كأنه قال: زال الهم زوالها، فدعا عليها بأن يزول زوالها، أي زال همها معها، حيث زالت، وقد حكى هذا القول عن أبي عمرو الشيباني.
ويجوز أن يكون فاعل زال اسم الله ، كأنه قال: زال الله زوالها، من قوله، زلته فلم ينزل، وعلى هذا قول ذي الرمة:
وبيضاَء لا تنحاشُ وأمُّها ... إذا ما رأتنا زيل منَّا زويلها
стр. 212
وقال الأعشى:
وما عنده مجدٌ تليدٌ ولالهُ ... من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبا
تقدير هذا: ولا له من فضب الريح فضل، ولا فضل الجنوب، ولا فضل الصبا، فحذف المضاف، والمعنى أنه لم ينل أحداً، فيكون كريح الجنوب، في مجيئها بالغيث، ولم ينفس عن أحد كربة، فيكون كريح الصبا، في طيبها وروى غيره:
وما عنده رزقٌ علمتُ زلا لهُ ... علىَّ من الرَّيح الجنوبُ ولا الصَّبا
وتقدير هذا أيضاً: ولا له على من فضل الريح، فضل الجنوب، ولا فضل الصبا.
وقال أمية:
له ما رأتْ عينُ البصيرِ وفوقه ... سماءُ الإلهِ فوقَ ستَّ سمائيا
стр. 213
المعنى: فوق ما رأت عين الضمير سماء الإله.
فأما فوق ست سمائيا فمن رفع الاسم بالظرف، كان متعلقاً بمحذوف، في موضع حالٍ، والعامل فيها الظرف الأول، وذو الحال سماء الإله، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا المرفوع يعود إليها.
ومن رفع الاسم بالابتداء، كان التقدير عنده، وسماء الإله فوقه، وكان قوله: فوق ست سمائيا حالاً من الذكر المرفوع في فوقه، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا يعود إلى هذا الذكر.
ولا يجوز أن يكون فوق ست سمائيا حالاً من سماء الإله كما كان في القول الآخر، لأنه لم يعمل فيها ما يصح أن يكون عاملاً في حال، ولا تعمل السماء في حال.
فإذا كان كذلك، علمت أن الحال التي هي فوق ست سمائيا، عن الذكر العائد إلى الابتداء العامل فيها العامل في ذي الحال الرفع.
وقال أمية أيضاً:
ومن خلفه ذاك المبينُ شعارهُ ... له أثر على البرّية عاليا
قيل: المبين، يعني الشمس، وشعاره: ما استشعر من الضوء.
стр. 214
وقوله: له أثر على البرية إن جعلت قوله: على البرية متعلقاً بالأثر، وجعلته جارياً مجرى المصدر، كقوله:
غزاتكَ بالخيل أرض العدوَّ
وقوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
فإن الحال، على قول من رفع بالظرف، عن النكرة، التي هي أثر والعامل في الحال التي هي عاليا الظرف الذي هو له، والذكر الذي في الحال يعود على أثر النكرة.
ومن رفع بالابتداء، كان الحال عن الذكر الذي في له، والحال للذكر، والعامل فيها الظرف.
وإن جعلت قوله: على البرية صفة للنكرة، وجب أن تعلقه بمحذوف، وتضمنه ضميراً مرفوعاً، فيصلح أن يكون عالياً حالاً عن الضمير الذي في الصفة، ولا يصح ذلك على التقدير الأول، لنه بمنزلة اسم منصوب، لا ذكر فيه فيكون عنه حالٌ.
стр. 215
فأما قوله: له أثر على البرية عاليا فإن من رفع الاسم بالظرف، يجئ على قوله أن يعمل في الجملة التي هي: له إثر واحد من ثلاثة أشياء: الظرف، أو الاسم المبهم، أو المبين.
ومن رفع بالابتداء، زاد في الكلام على قوله اسم، يجوز أن يكون الحال عنه أيضاً، وهو الذكر الذي يصير في الظرف، العائد غلى الابتداء، والعامل في الحال أيضاً أحد الأشياء الثلاثة التي يجوز عمل كل واحد منها في القول الآخر فيها، والعائد من الحال إلى ذي الحال، الذكر الذي في له المجرور.
ولا يجوز أن يكون العائد إليه مرفوعاً، لأنه قد ارتفع به الظاهر، أو المضمر، على قول من رفع بالابتداء، فإذا ارتفع به شيء ظاهرٌ أو مضمر، لم يحتمل أن يرتفع به شيء آخر، فيرتفع به شيئان، ولكن العائد إلى ذي الحال، الذكر المجرور.
وقال أمية:
رجلٌ وثورٌ تحتَ رجل يمينه ... والنَّسرُ للأخرى وليثٌ مرصدُ
قوله: للأخرى خبر للنسر، وليث مرصد معطوف على النسر، ومرصد صفة للنكرة، والخبر محذوف، تقديره: وليث مرصد للأخرى، فحذف، مثل زيد منطلق وعمرو، كان النسر والليث، في هذه الجهة، مثل الرجل والثور، في الجهة
الأخرى.
قال أمية، يعظم الله تعالى:
الحاملُ النارَ في الرطبين يحملها ... حتى تجئ من اليبسين تضطرمُ
لا يخلو قوله: الحامل من أن يكون ابتداء، أو خبر مبتدأ، فغن كان خبر مبتدأ، أمكن أن يكون جميع ما في البيت من صلة الحامل.
стр. 216
فأما قوله: في الرطبين فإنه يجوز تعلقه بشيئين، أحدهما: أن يكون ظرفاً للحمل، أي يحمل في الرطبين، ولا شيء فيه على هذا.
ويجوز أن يكون حالاً من النار، فيتعلق بمحذوف، ويتضمن ضميراً من ذي الحال، التي هي النار.
فأما قوله: يحملها فيكون حالاً مؤكدة من الحمل الذي في الصلة، مثل قوله:
كفى بالنَّأىِ من أسماءَ كاف
وأبيات نحوها قد جاءت.
وإذا جعلت يحمل حالاً، أمكن أن يكون في الرطبين حالاً من ضمير النار المنصوبة، وان يكون ظرفاً للفعل، ولا يكون حالاً من ضمير الفاعل، كما لم يجعله حالاً من الضمير المرفوع في الحامل، لأن الحامل اسم الله ، فلا يكون أن تجعله حالاً من الرطبين.
فإن قلت: فقد قال تعالى: (وَهُوَ اللهُ فِي السّمَاوَاتِ).
стр. 217
فذلك أحسن، لعموم المدح.
ولا تمتنع على واحد من المذهبين أن تجعله حالاً من الضمير، وإن كانت الحال متقدمة، لأن ذا الحال مضمر.
وأما حتى فتكون متصلة بالحامل، التقدير: حمل في الرطبين كي يجئ في اليبسين، كما تقول: كلمته حتى يأمر بشيء، أي كي يأمر لي، واليبسين ظرف
ليجئ، ويضطرم حال من الضمير الذي في يجئ.
وإن شئت جعلت من اليبسين متعلقاً بيضطرم، فجعلته ظرفاً، أو حالاً.
وإن جعلت الحامل ابتداء، وجعلت يحملها الخبر، لم يحسن أن تجعله خبراً، كما جعلته حالاً، لأن الحال قد تجئ مؤكدة، والأخبار ينبغي أن تكون مفيدة، ألا ترى انه حمل:
إذا كان يومٌ ذو كواكب أشنعا
стр. 218
على وقع، ولم يجعلها الأخرى.
فإن قال: أجعل يحملها الخبر، وأعلق حتى به، وأتأول وجهيها، فأقول: يحمل إلى أن يجيء، أو كي يجيء؛ ليكون فيه زيادة فائدة على ما كان في المبتدأ، ألا ترى أنه قد جاز: ضرب ضرب شديد، ونفخ نفخ شديد، فجاز من أجل الصفة، وحسن، ولولا الصفة لم يحسن: ضرب ضرب، ولا نفخ نفخ، فكذلك أجعل ما تعلق بيحملها محسناً لأن يكون خبراً، كالصفة في ضرب ضرب شديد؛ لاجتماعهما جميعاً، في زيادة الفائدة، وإذا كان كذلك، يم يكن بمنزلة قولك: الذاهبة جاريته صاحبها؛ لأن هذا الخبر لا زيادة فقيه على ما أفاد المبتدأ، وهذه المتعلقات قد جرت عنده مجرى الصفة، لما تحدثه من التخصيص، كتخصيص الصفات؛ ألا ترى أنه قد أجاز: سير عليه ملى من النهار، جعلت من النهار متعلقاً بمحذوف، أو جعلته متعلقاً بنفس ملى، فهو قول.
وقال أمية يصف الهلال:
لانقصَ فيه غيرَ أنَّ خبيَّهُ ... قمرٌ وساهورٌ يسلُّ ويغمدُ
يقول: إن الهلال خلقته أبداً واحدة، وإنما يراه الرائي ناقصاً لقربه من الشمس، فعلى قدر قربه منها، وبعده عنها، يكون تمامه ونقصه، نفي مرآة العين.
стр. 219
فأما قوله: وساهور فلا يخلو من أن يكون معطوفاً على قمر، أو يكون قوله: ساهور اسئنافاً، فلا يجوز أن يكون معطوفاً على قمر، على حد قولك: خيبك
درهم ودينار؛ ألا ترى أن الساهور ليس بخبى للقمر، ولا منه في شيء، إنما الساهور ظل الأرض، الذي يكسف القمر، بستره ضياء الشمس عن القمر، وضياءه عنها، والساهور، فاعول من الساهرة، التي هي الأرض، وقد قيل: إن الساهر الذي هو خلاف الراقد مأخوذ من ذلك؛ لن الساهر لايقصد الأرض، وهذا عندي على غير قياس؛ لأن الساهر ينبغي أن يكون الجانح إلى الأرض، لا المتجافي عنها، كما قال:
وصاحب نبَّهته لينهضا ... إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلانَ وما تأرَّضا
أي لا يثقل ججانحاً إلى الأرض، ولكنه يخف إذا دعى، غلا أن الساهر جاء على نحو: تأثم، إذا اجتنب الإثم، وتحوب، إذا لم يرتكب الحوب، فكذلك سهر: جفا عن الأرض.
والتقدير في الإعراب: وثم ساهور، أو: في الوجود ساهور، يسل ويغمد، أي يسل القمر منه، وذلك إذا كان متجلياً غير مكسوف، ويغمد القمر فيه إذا كسف، فالتقدير: وفي الوجود ساهور، يسل منه القمر تارة، ويغمد فيه أخرى.
ويسل ويغمد في موضع رفع؛ لأنه صفة ساهور، ومنه وفيه محذوفتان، كما حذف فيه عنده، من قوله : (يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً)،
стр. 220
أو يكون حذف الحرف، وأوصل الفعل بغير حرف، وحذف الضمير، كما حذف من قوله: الناس رجلان؛ رجل أكرمت، ورجل أهنت.
وقال:
وترى شياطيناً تروغُ مضافةً ... ورواغها ضمنٌ إذا ما تطردُ
ترى، تقديره: تعلم؛ لأنك لا تحس الشياطين، ولكن تعلمهم بخبر الصادقين.
فإن جعلت تروغ المفعول الثاني، كان قوله: مضافة طحالاً، وإن جعلت مضافة
المقعول الثاني، كان موضع تروغ نصباً، بأنه حال، والأحسن أن تجعله وصفاً؛ لأن شياطيناً نكرة.
قالوا: وإنما وصف العرش والكرسي، فكأنه قال: وتعلم شياطين تجيء لتسترق السمع.
قال: والمضاف: الملجأ، قالوا: واشتقاقه من الضيف، والضيف سمي ضيفاً؛ لنه يعدل عن الطريق، فينزل بقوم، والتقدير: وذو رواغها ضمن، وكان القياس أن يقول: ضامن؛ لأن فعل إنما يكون لما ثبت، مما يكون خلقة، أو غرلايزة في لزوم الخلق، وقد علق هذا باستقبال، فكان ينبغي أن يكون مثل: بعيرك صائداً غداً، وعينه عاورة بعد غد؛ لتوقع عليه الجاري على الفعل، لا الذي هو لما ثبت واستقر.
ووجهه الحكاية لما يصير إليه في المستقبل، كقوله تعالى: (وَنَادَىَ أَصْحَابُ النّارِ)، وهو لم يكن بعد، ومثله من الحكاية لما مضى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِيَ أَنعَمَ اللهُ
стр. 221
عَلَيْهِ)، وقوله: (هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوّهِ).
وتقال أمية:
لولا وثاقُ الله ضلَّ ضلالنا ... ولسرَّنا أنَّا نتلُّ ونوأدُ
وثاق: في موضع توثقه؛ لأنه يتعدى في المعنى إلى الشياطين، المعنى: لولا توثقه الله الشياطين، بما علمنا من الاستعاذة منها.
ووقوع الوثاق موقع التوثقة، كوقوع السراح موقع التسريح، في قوله : (وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً)، في أنه وقع موقع التسريح، كما قال : (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)؛ لأن الوثاق خلاف السراح.
ويجوز على قوله:
غزاتكَ بالخيلِ أرضَ العدو ... وفليومَ من غزوةٍ لم تجمْ
وقوله:
باكرتُ حاجتها الدَّجاجَ بسحرةٍ ... لأعلَّ منها حينَ هبَّ نيامها
стр. 222
أن تعمل نفس الوثاق، وكذلك قوله:
أأكفرُ بعد ردّ الموت عنِّي ... وبعدَ عطائك المائةَ الرَّتاعا
والوثاق: اسم اللعين، كالدهن، وليس اسم الحديث؛ ألا ترى أن قوله سبحانه: (فَشُدّواْ الْوَثَاقَ) إنما هو اسم ما يوثق به [الأسير]؛ من قيد، أو حبل.
وأما قوله: ضل ضلالنا فيكون على أن يسند ضل إلى الضلال، كما قالوا: جن جنونه، فأسند جن إلى الجنون، قال:
هبَّتْ له ريحٌ فجنَّ جنونه ... لمّا أتاه نسيمها يتوجَّسُ
وعلى هذا حمل بعض البغداديين قول ابن مقبل:
تخالُ ناعرها بالَّليلِ مجنونا
قال: هو على: جن جنونه، كأن ناعراً من النعرة التي تدخل الأنف.
ويروى:
تخال باغزها بالليل مجنونا
стр. 223
وقال أوس:
إذا ناقةٌ شدَّتْ بحبلٍ ونمرقٍ ... إلى حكمٍ بعدي فضلَّ ضلالها
وقالوا: عمى عماه، وعلى هذا قول رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه
وقالوا: خرجت خوارجه.
ويكون ظل ضلاله على: صاحب ضلاله، وصاحب ضلاله هوهو، فيسميه الضلال؛ لكثرة ملابسته له، وشدة ذهابه فيه، فيسميه باسم الحدث؛ لكثرة ذلك منه.
وقريب من هذا: شغل شاغل، وشعر شاعر؛ كأنه يشبه الحدث بالعين، فيضيف
إليه ما يضاف إلى العين.
وعكس هذا قولهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، فهذا قد نزل فيه العين تنزيل الحدث؛ ألا ترى أنه جعل ظرف الزمان خبراً عنه، ومن ذلك قول الشاعر:
стр. 224
جدَّتْ جدادِ بلاعبٍ وتقشَّعتْ ... غمراتُ قالبِ لبسةٍ حيرانِ
وقال أمية:
والنارُ فيها كظهرِ الرَّألِ هابيةٌ ... في الأرض منها إذا استوشيتها سررُ
قال الراوي: لا أدري كيف الرواية.
قوله: فيها يجوز فيه ثلاثة اضرب، أحدها: أن يكون مستقراً، فيكون قوله: كظهر الرأل حالاً عن الضمير المرفوع الذي في فيها.
ويجوز أن يكون ظرفاً، والعامل فيه: كظهر الرأل، وإن تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأن العامل إذا كان معنى لايتقدم عليه الحال، وإن جاز تقدم الظرف عليه.
ويجوز ان يكون فيها متعلقة بهابية. ولايكون في قوله: فيها ذكر، على هذا، ولا إذا كانت ظرفاً للكاف.
ويجوز أن يكون فيها وكظهر الرأل على: حلو حامض، فيكون الذكر على قياس ما يكون فيهملا، فإذا جعلته كذلك، كان هابية حالاً من كل واحد من الظرفين على انفراده، في قول من جعل في كل واحد ضميراً.
стр. 225
وقيل: شبه النار بظهر الرأل؛ لأن ظهر الرأل أحمر، وهابيه: غبراء.
استوشيتها: حركتها.
وسرر: خطوط وآثار.
قال ذو الرمة:
وحتىَّ أتى يومٌ يكادُ من اللَّظى ... به التُّومُ في أفحوصهِ يتصيَّحُ
قوله: في أفحوصه يكون ظرفاً لشيئين، لا ذكر فيه على ذلك؛ يجوز أن يكون ظرفاً ليكاد، كأنه: يكاد التوم في أفحوصه.
ويجوز أن يكون ظرفاً ليتصيح.
ويجوز أن يكون حالاً من التوم، والعامل فيه: يكاد.
ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل في يتصيح على المذهبين جميعاً؛ لأن ذا الحال مضمر، وفي الظرف ذكره على الوجهين.
فأما قوله: من اللظى فيجوز أن يتعلق بشيئين: بيكاد، وبيتصيح، كأنه: يكاد التوم في أفحوصه يتصيح من اللظى به.
فغن قلت: كيف جاز هذا، نهو فصل بمفعول المفعول؟ هلا امتنع، كما امتنع: كانت زيداً الحمى تأخذ؟
فالقول أن هذا لايمتنع في الظرف، ألا ترى انه قد جاء.
فلا تلحني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاكَ مصابُ القلبِ جمٌّ بلابلهْ
стр. 226
فأما يكاد فموضعه رفع؛ لأنه وصف للنكرة، والعائد إلى الموصوف من الصفة، الهاء التي في به، وبه في موضع نصب، لتعلقها باللظى.
وأنشدنا علي بن سليمان:
لسانك لي أرىٌ وغيبك علقمٌ ... وشرُّكَ مبسوطٌ وخيرك ملتوى
ليس يخلو اللسان من أحد معنيين: إما أن يكون الجارحة، أو الذي بمعنى الكلام، كقوله : (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، كأن المعنى: بلغتهم، مما يقوى ذلك إفراد اللسان حيث [أ (يد به اللغة، وجمعه حيث] أريد به الجارحة، قال : (وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، وأنشد أبو زيد:
ندمتُ على لسانٍ كان منِّي ... فليتَ بأنَّه في جوف عكمِ
стр. 227
فذها تعلم أنه لايريد به الجارحة، لأن الندم لايقع على الأعيان، إنما يقع على معان
فيها.
فإن قلت: فقد قال:
فليت بأنه في جوف عكم
والمعنى لايكون في جوف العكم، إنما يكون العين.
قيل: هذا اتساع، وإنما أراد: فليته كان مطوياً لم ينشر، كما قال أوس:
ليس الحديثُ بنهبي بينهنَّ ولا ... سرٌّ يحدِّثنه في الحيِّ منشورُ
فليس المنشور هنا كقولك: نشرت الثوب، الذي هو خلاف طويته، وإنما يريد أنه لا يذاع ولا يشاع، فاتسع، وكذلك قوله:
إنِّي أتاني لسانٌ لا أسرُّ به ... من علو لا كذبٌ فيه ولا سخرُ
стр. 228
فإن جعلته من هذا الوجه، أمكن أن يكون لي متعلقاً به، كقولك: كلامك لي جميل.
وإن جعلت اللسان الجارحة، احتمل أن تريد المضاف فتحذفه، فإذا حذفته احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون علي: صلى المسجد، أي أهله، والآخر: أن تحذف المضاف، فتجعل اللسان الكلام، كما قالوا: اجتمعت اليمامة، فجعلهم كأنهم اليمامة، وكما قال:
إذا انتمُ باللَّيلِ سرَّا ... قٌ وصبحَ غدٍ صرارهْ
فجعلهم الحدث، فكذلك تجعل اللسان الحدث. فإذا جعلته كذلك، أمكن أن يتعلق به لي كما تعلق به في الوجه الأول، وكما أجاز أن تجعل اسم الزمان خبراً عنه، كذلك يتعلق به الجار.
فعلى هذين الوجهين؛ هذا، والذي ذكر أولاً، يجوز أن يتعلق به الجار تعلقه بنفس المصدر، ويجوز في لي بعد، أن يتعلق بمحذوف، ويكون هو وقوله: أرى الخبر، مثل: حلو حامض.
ويجوز فيه أيضاً أن تجعله خبر المبتدأ، الذي هو لسانك، وتجعله الجارحة؛
стр. 229
لأنك
قد تقول: فلان لطيف اللسان، تريد به الكلام وتلقى الناس بالجميل، فيكون الخبر، ويحتمل ضميراً للمبتدأ، وتجعل أرياً بدلاً من الضمير الذي في لي.
ويجوز أن يكون لي في موضع نصب على الحال، كأنه أراد: لسانك أرى لي، فيكون صفة إذا تأخرت، فإذا تقدمت صار حالاً، كقوله:
لعزَّة موحشاً طللُ
فإن قلت: إن أرياً معناه: مثل أرى، فالعامل معنى فعل، وإذا كان معنى فعل، لم يجز تقدم الحال عليه.
فالقول في ذلك: انك تضمر فعلاً يدل عليه هذا الظاهر، فتنصب الحال عنه، كما أضمر فعلاً انتصب عنه المفعول به، في قوله:
تبدَّلْ خليلاً بي كشكلكَ شكله ... فإنِّي خليلاً صالحاً بك مقتوى
فكما أن خليلاً في هذا البيت، محمول على فعل مضمر، كذلك يكون الفعل المضمر المنتصبة الحال عنه، كأنه: لسانك يستحلى ثابتاً لي.
وإن شئت قلت: إن الحال لما كانت على لفظ الظرف، وكانت في المعنى تشبه الظرف، جعلها الشاعر بمنزلة الظرف، فأعمل فيها المعنى، وإن كانت متقدمة عليه،
стр. 230
كما يعمله في الظرف متقدماً، و، ن تجعل اللسان حدثاً، ولا تجعله الجارحة؛ لأنه قد عطف عليه حدثاً، وهو الغيب؛ أشبه، للتشاكل.
وعلى كل هذه الوجوه، في قولك: لي ذكر، إلا إذا علقته بالأول، على معنى الرسالة، والحدث، فإنه على ذلك لاشيء فيه، كما لاشيء في: بزيد، من قولك: مروري بزيد حسن.
أنشد أبو زيد، لحاتم الطائي:
شهدتُ ودعوانا أميمةُ أنَّنا ... بنو الحربِ نصلاها إذا شبَّ نورها
إذا جعل أميمة اسماً يدعونها وينادونه، جاز أن يكون دعوانا موضعه نصب، بأنه
مفعول [معه] كأنه: شهدت مع دعوانا [أميمة] وموضع أميمة نصب بالمصدر.
وإن كان أميمة كالشعار لهم في الحرب، فإنه ينبغي أن يكون موضع الدعوى رفعاً بالابتداء، وخبره مضمر، كأنه: شهدت ودعوانا قول أميمة، والجملة في موضع نصب، بأنها حال.
стр. 231
ويجوز أن تجعل الواو كالباء، كالتي في قوله: بعت الشاء؛ شاة ودرهم، أي بدرهم، فيكون المعنى: شهدت بدعوانا، أي شهدت بما نعتزي به وننتمي، وموضع دعوانا على هذا نصب على الحال، كما تقول: شهدت بسلاحي.
стр. 232
باب
من الابتداء لا يكون خبره ظرف الزمان
سمعت أبا اسحاق ينشد:
كأن لم يكونوا حمى يتَّقى ... إذ الناسُ إذْ ذاكَ من عزَّ بزَّا
قوله: إذ ذاك لا يجوز أن يكون خبراً للناس، لأنك لا تقول: الناس أمس، ولكن التقدير: غذ الناس من عز منهم بز إذ ذاك، فيرجع الذكر الذي تقدره محذوفاً إلى الناس، مثل السمن منوان بدرهم، ويكون قوله: إذ ذاك متعلقاً ببز.
ومن بمعنى الذي، ولا يكون بمعنى الجزاء؛ لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله عندهم. ومن أجاز من البغداديين أن يعمل جزاء الشرط فيما تقدمه، جاز على قياس قوله أن يكون من شرطاً، وبز جوابه، وإذا منتصب الموضع جملة، والتقدير: إذ ذاك كائن أو موجود. وقال آخر:
стр. 233
مسحوا لحاهمْ ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللِّحى
قوله في القوم لايكون ظرفاً، ولا حالاً؛ لأنك إن جعلته واحد منهما، كما جعلته في قوله: كأنه خارجاً حالاً، بقي إذ خبراً عن المتكلم، فلا يجوز، كما لم يجز: يا ليتني أمس، فلا يكون في القوم إلا متعلقاً بمحذوف.
فأما إذ مسحوا فيجوز أن تعلقها مرة بليتني، وأخرى بالمستقر الذي هو في القوم؛ لأن في كل واحد منهما معنى فهل، وتعلقه بالمستقر أولى، من حيث كان إليه أقرب.
عدي بن زيد:
وحبي بعد الهدو تهادي ... هـ شمال كما يزجى الكسير
لا يخلو قوله: بعد الهدو من أن يكون متعلقاً بمحذوف، أو بما في حبي من معنى الفعل، أو بقوله: تهاديه.
فلا يجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأنك إن علقته به صار صفة للحبي، من حيث كان نكرة، والنكرة توصف بالظروف، كما توصف بالجمل، من حيث وصلت الموصولة بالظروف، كما وصلت بالجمل، والنكرة إذا كانت عيناً لا توصف بظروف الزمان، كما لا يخبر بها عنها.
فإذا لم يجز ذلك كان غما متعلقاً بما في حبي من معنى الفعل، وإما بتهاديه، والأحسن أن يكون متعلقاً بالفعل الصريح، ولا يكون متعلقاً بحبي، لأنه وإن كان ممكناً
стр. 234
أن يكون من حبا يحبو، أي يدنو بعضه إلى بعض، وينضم، فإنه قد استعمل اسماً، فكأن ما فيه من معنى الفعل قد أزيل عنه، كما أن درا في قولهم: لله درك صار عند سيبويه بمنزلة قولهم: لله بلادك فلم يستعمل استعمال المصادر، فكذلك لا يستعمل هذا الاسم استعمال الصفات.
وإن شئت علقته بما في حبي من معنى الفعل، وإن كان على ما وصفت، ألا ترى أن الأربق والأبطح، وإن استعملا استعمال الأسماء، وكسرا تكسيرها، لم يخلع منهما معنى الوصف؛ بدلالة أنهم لم يصرفوهما، ولا نحوهما في النكرة، إذا لك يصرفوهما في النكرة، علمت أن معنى الصفة نقر فيهما، وإذا أقررت فيهما معنى الصفة، علقت الظرف والحال بهما.
عمران بن حطان:
يوماً يمانٍ إذا لاقيتُ ذا يمنٍ ... وإن أتيتُ معدِّيّاً فعدناني
المبتدأ محذوف، التقدير: يوماً أنا يمان، ولم يتعلق الظرف بقوله: يمان، ولكن حمل الكلام على المعنى، كأنه قال: أنتقل يوماً إذا لاقيت، فظرف الزمان متعلق بهذا المقدر.
ويلزم أن يقدر هذا التقدير، من وجهة آخر، وهو أنه جواب إذا، فكأنه قال: إذا لاقيت ذا يمن تنقلت إليه، كما أنه إذا قال: أنت ظالم إن فعلت، يصير التقدير: إن
فعلت ظلمت، وإذا متعلق بهذا الفعل الثاني المقدر، ولا يكون متعلقاً بيمان؛ لأن الظرفين من الزمان لايتعلقان بعامل إلا على طريق بدل أحدهما من الآخر، وليس ذا موضع بدل.
стр. 235
واعلم أنه لايجوز: متى زيد؟ في الاستفهام، كما لايجوز في الخبر: يوم الجمعة زيد؛ لأنك في الوجهين جميعاً تسند اسم الزمان إلى الجثة، وظروف الزمان لاتكون أخباراً عنها، وقد حكى: متى أنت وبلادك؟ ومتى أنت وأرضك؟ وهذا كلام متسع فيه، والمعنى: متى عهدك ببلادك؟ ومتى عهدك أرضك؟ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما قالوا: اليوم خمر وغداً أمر.
فأما قولهم: وبلادك، فالواو فيه بمعنى الباء، كما قالوا: بعت الشاء شاه ودرهم، والمعنى: شاة بدرهم، إلا انك لما عطفته على المرفوع ارتفع بالعطف عليه، كما قالوا: كل رجل وضيعته، فاستغنى عن الخبر، لما كان المعنى: كل رجل مع ضيعته، فكذلك استغنى هنا عن خبر المبتدأ، حيث كان المعنى: متى عهدك ببلادك؟ فأما قوله : (وَيَقُولُونَ مَتَىَ هُوَ) ف (هُوَ) ضمير الإعادة، لدلالة قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا) عليه.
أنشد أحمد بن يحيى:
أنا أبو المنهالِ بعضَ الأحيانْ ... ليس عليَّ حسبي بضؤلانْ
стр. 236
إن قلت: بم يتعلق قوله: بعض الأحيان فالقول فيه أنه يتعلق بأحد شيئين؛ إما أن يكون أبو المنهال كنية بعض من يقرب منه، فقال: أنا أبو المنهال، أي مثله، فيتعلق الظرف بهذا الذي يتحدث من معنى الفعل، أو يكون أبو المنهال رجلاً نبيهاً، أو ممتنعاً على من يريده، وقد عرف بذلك حتى إذا ذكر دل على النباهة والامتناع، فيتعلق الظرف بهذا المعنى، ومثل ذلك قوله تعالى، فيمن قرأ: (كَلاّ إِنّهَا لَظَىَ نَزّاعَةً لّلشّوَىَ) ألا ترى أن لظى، وإن كانت علماً، فقد صار إذا ذكرت دلت
على التلظي، فكما انتصبت الحال عن معنى الفعل الذي في هذا الاسم، كذلك يتعلق الظرف بما في أبي المنهال، من معنى الفعل.
فأما قول الأعشى:
إذ انتمُ بالَّليل سرَّا ... قٌ وصبحَ غدٍ صرارهْ
فقال أبو عبيدة: زعموا أن جحدراً - وهو ربيعة بن ضبيعة - كان يجمع القردان، فيصرها فيأتي البرك إذا أمسى، فيرسلها عليها فتنتشر، فيضم ما انتشر منها. فهذا يدل على أنه جعلهم هذا الحدث؛ لكثرته منهم، وأنهم قد عرفوا به، ولا يجوز أن تقدر
стр. 237
المضاف المحذوف مرادا؛ لأنه لو كان كذلك، صار اسم الزمان الذي هو صبح غد خبراً عن العين، وهذا لا يجوز، فإذا لم يجز هذا، علمت أنه جعلهم إياه.
فأما قول أوس:
تركتُ الخبيثُ لم أشاركْ ولم أدقْ ... ولكن أعفَّ الله مالي ومطعمي
فقومي وأعدائي يظنُّون أنَّني ... متى يحدثوا أمثالها أتكلَّم
فإن الكلام فيه محمول على المعنى، وهذا يدل على صحة ما أجازه من قوله: زيد حين يأتيك أضرب، لما كان المعنى: زيد اضرب حين يأتيني، ومثل ذلك في الحمل على المعنى: إنك ما وخيراً وإن كان العطف على غير ذلك، وكما حمل قولهم: أقائم أخواك؟ على المعنى. وكذلك التسوية في قولهم: سواء عليك اذهب أم جاء،
стр. 238
و (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) فكذلك حمل ما ذكرناه على المعنى.
ويقوى ذلك كثرة ما جاء من حمل الظروف على المعنى، كقوله : (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىَ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ) فكذلك: أزيد حين يأتيك تضربه؟ وكذلك قوله: إنني أتكلم متى يحدثوا.
стр. 239
باب
ما يرتفع بالظرف دون الابتداء
قال عدي بن زيد:
وحبيٍّ بعد الهدوِّ تهادي ... هِ شمالٌ كما يزجَّى الكسيرُ
وسطهُ كاليراع أو سرجِ المج ... دلِ حيناً يخبو وحيناً ينير
القول في ذلك أن وسطه يجوز أن ينشد على وجهين، أحدهما أن يرفع، فيقال: وسطه كاليراع، فيجعل الوسط الذي هو ظرف، اسماً في الشعر، كما قال الفرزدق:
أتتهُ بمجلومٍ كأنَّ جبينه ... صلاءةُ ورسٍ وسطها قد تفلَّقا
стр. 240
فرفعه بالابتداء، وقال القتال الكلابي:
سائلْ ربيعةَ هل رددتَ لقاحها ... والخيلُ مقعيةٌ على العقابِ
من وسطِ جمعِ بني قريطٍ بعدما ... هتفتْ ربيعةُ يا بني جوَّابِ
فأسكن العين مع دخول الجار عليه.
فإذا رفع وسطاً، احتمل [الكاف] أمرين، أحدهما أن يكون ظرفاً، كالتي في قولك: جاءني الذي كزيد، ومن رأى أن يجعلها اسماً في الكلام، جعلها هنا أيضاً اسماً.
стр. 241
وإن نصب وسطه على الظرف، كان موضع الكاف رفعاً بأنها فاعلة بالظرف، ولا يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء، ومما جاء الكاف فيه رفعاً بأنها فاعلة قول أوس:
علا رأسها بعدَ الهبابِ وسامحتْ ... كمحلوجِ قطنٍ ترتميه النَّوادفُ
وقال آخر:
فوا عجباً إنَّ الفراقَ يروعني ... به كمناقيش الحليِّ قصارُ
وقال الأعشى:
أتنتهون ولن ينهي ذوي شططٍ ... كالطَّعنِ يهلكُ فيه الزَّيتُ والفتلُ
فالكاف في هذه البيات فاعلة.
стр. 242
وأما ما أنشده أحمد بن يحيى، من قول الشاعر:
بيننا كذاك رأينني متلفعاً ... بالبردِ فوقَ جلالةٍ سرداحِ
فإنه أضاف بيتاً إلى الكاف، كما تضاف إلى المصدر في قوله:
بينا تعانقهِ الكماةَ وروغهِ ... يوماً أتيحَ له جريءٌ سلفعُ
وكما أضيف مثل إليها في قوله:
فصيروا مثل كعصف مأكول
стр. 243
ولا يكون الحرف؛ لأن الاسم لا يضاف إلى الحرف، وينبغي أن تجعل الكاف بمنزلة مثل، في أنها تدل على أكثر من واحد، كما أن مثلاً كذلك، في نحو قوله : (إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ) لأن بين تضاف إلى أكثر من واحد. ويجوز أن تكون [الكاف] زائدة، كزيادتها في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، وذاك منجرة بها، والمعنى الإضافة إلى ذاك، وقد أضيف بين إلى المبهم المفرد، في نحو قوله سبحانه: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ).
فإن قدرت الإضافة إلى الفعل الذي هو: رأينني، كما أضافه الأخر إليه، في قوله:
стр. 244
بينا أنازعهم ثوبي وأجذبهمْ ... إذا بنو صحفٍ بالحقِّ قد وردوا
وكما أضيفت إلى التي من الابتداء والخبر، في قوله:
بينا نحنُ نطلبه أتانا ... معلِّقَ وفضةٍ راعِ
وفصلت بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، فهو وجه.
وقول الآخر:
رأتني كأفحوصِ القطاةِ ذؤابتي ... وما مسَّها من منعمٍ يستثيبها
إن قلت: اجعل الكاف بمنزلة مثل، فأرفع بها، كما أرفع بمثل، فليس بالسهل؛
стр. 245
لأنها ليست على ألفاظ الصفات، ولكن يجوز أن تجعل ذؤابتي مبتدأ، والظرف خبراً له مثل: في الدار زيد، ومن رفع بالظرف، كان ذؤابتي مرتفعة بالظرف. ويجوز أن
تجعل ذؤابتي بدلاً من ضمير المتكلم؛ لأنها بعضه، فيكون بمنزلة: ضربت زيداً رأسه، ثم تكون الكاف بعد ذلك على ضربين:
إن جعلت رأيتُ من رؤية العين، كانت الكاف في موضع نصب على الحال، وإن جعلتها التي بمعنى العلم، كانت في موضع المفعول الثاني.
فكما أن الكاف في الأبيات التي تقدمت، فاعلة، كذلك الكاف في قوله: وسطه كاليراع فاعله بذلك؛ لأن الظرف في موضع صفة، فترتفع الكاف بالظرف، ومن ذلك قول الشماخ:
وماءٍ قد وردتُ لوصلِ أروى ... عليه الطَّيرُ كالورقِ اللَّجينِ
أما الطير فيرتفع بالظرف بلا خلاف.
وأما قوله: كالورق اللجين فإنه يحتمل ضربين، أحدهما أن يكون حالاً من الطير، والآخر: أن يكون وصفاً للماء، تقديره: وماء كالورق اللجين وردته لوصل أروى، عليه الطير، ومثل قوله: وماء كالورق اللجين في المعنى، قول علقمة:
فأوردته ماءً جماماً كأنَّه ... من الأجنِ حنَّاءٌ معاً وصبيبُ
стр. 246
فكما شبه خثورة الماء؛ لتقادم عهده بالورادة، وللأجون بالحناء، كذلك شبهه الشماخ بالورق اللجين.
وقوله: عليه الطير على هذا، قد حذف منه المضاف، ومثل ذلك قول الهذلي:
تجيلُ الحبابَ بأنفاسها ... وتجلو سبيخَ جفالِ النُّسالِ
السبيخ: ما نسل من ريش الطير.
وقال الأعشى:
وقليبٍ أجنِ كأنَّ من الرِّي ... شِ بأرجائه سقوطَ نصالِ
وقال العجاج:
غيايةً غثراءَ من أجنِ طالْ
стр. 247
وإن جعلت قولك: كالورق اللجين حالاً للطير، صار فيه ضميره، ويكون معنى عليه الطير أن الطير اتخذت فيه الأوكار؛ لخلائه وكثرتها عليه، [وقلة من يرده فالطير لكثرتها عليه]، وتكابسها فيه، كالورق اللجين، ومثل ذلك في المعنى [قول الراعي]:
بدلوٍ غيرِ مكربةٍ أصابتْ ... حماماً في جوانبه فطارا
كأنه استقى بسفرةٍ، فلذلك لم تكن مكربة، والطير قد اتخذت فيه الوكار للخلاء.
فقوله: كالورق اللجين، مثل قولك: صائداً به وصائد به بعد قولك: مررت برجل معه صقر صائد به فجعله مرة حالاً من الهاء، في معه، وأخرى صفة لرجل.
стр. 248
ومثل ذلك فيما ذكرناه قوله:
ربَّما تكره النُّفوسُ من الأم ... رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
ومن ذلك قول الشماخ:
وإرثِ رمادٍ قد تقادمَ ماثلٍ ... ونؤيينِ في مظلومتينِ كداهما
стр. 249
فكداهما في موضع رفع؛ ألا ترى أن الظرف وصف للمثنى؛ من حيث كان منكوراً، وذكرهما مما ارتفع به عائداً إليهما. وقال المرار الفقعسي:
وصارتْ شميطاً كلُّ وجناَء حرَّةٍ ... لها تحتَ مجرى الأخدعينِ حميمُ
فحميم في البيت مرتفع بالظرف؛ لأنك إن جعلت قوله: لها لكل، أو لوجناء، أو لحرة، كان صفة له، وكل ما ذكرنا مما يجوز أن يكون الظرف وصفاً له، نكرة.
فأما تحت مجرى الأخدعين فهو ظرف لقولك: لها، ولا شيء فيه. ويجوز أن تجعله وصفاً لحميم، فلما
قدمته عليه صار موضعه نصباً على الحال، ومن ذلك قول الطرماح:
فلمَّا غدا استذرى له سمطُ رملةٍ ... لحولينِ أدنى عهدهِ بالدَّواهنِ
стр. 250
ويروى: سيد قفرة، وأدنى مرتفع بالظرف، لأن ما قبله منكور، فأما قوله:
كأنَّهمُ صابتْ عليهم سحابةٌ ... صواعقها لطيرهنَّ دبيبُ
فارتفاع دبيب على الخلاف، ولو كانت صواعق نكرة، ارتفع دبيب بالظرف.
ويحتمل قوله: صواعقها ضربين من الإعراب، أحدهما أن يكون بدلاً من
следующие страницы →