← Адаб

Адаб · id 37492

كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب

أبو علي الفارسي

Полный текст (536 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أي فقدُ الدَّواء. وأمّا قوله: وا للحاضرِ البادي إبابتهُ ... وقوَّضتْ نيَّةٌ أطنابَ تخييمِ فالتقدير: وأبَّ لمحضرِ الحاضرِ، أو مستقرِّ الحاضرِ، أو يكون وضع اسم الفاعل موضع المصدر، كقوله: ولا خارجاً من فيَّ زورُ كلامِ

стр. 352

أو جعلَ الحاضرَ مصدراً، كالفالج، والباطل. ومثلُ قوله: والمالُ يزري بأقوامٍ أي فقده، في المعنى: ربَّ حلمٍ أضاعهُ عدمُ الما ... لٍ وجهلٍ غطَّى عليه النَّعيمُ وحكى أحمد بن يحيى: وجدانُ الرِّقين يغطِّي أفنَ الأفين. وقال العجَّاج يذكر جملا: كأنَّما يجلبُ أن يورَّعا تقديره: كأنما يجلبُ التَّوريع، فجعله مثلَ مقدم الحاجِّ، وذلك أنه رأى المصدرَ، نحو خفوقَ النَّجمِ، وخلافةَ فلان ونحوه، يجعلنَ ظروفاً، وأنْ مع الصِّلةِ بمنزلتها، فجعلها مثلَها، والمعنى: كأنَّما يجلبُ إذا ورِّع، أي كأنّه إذا منع من الجري يحملُ عليه، وذلك من القوَّةِ على السَّير، ويقال: جلب على الفرس: إذا صاح به من خلفه، ومن ذلك قول الراجز: جرجر في حنجرةٍ كالحبِّ ... وهامةٍ كالمرجلِ المنكبِّ

стр. 353

تقديره: كأسفلِ المرجلِ المنكبِّ، ألا ترى أنَّ الهامةَ ليست كالمرجلِ، وإنَّما تشبَّه الهامةُ لكبرها، بأسفلِ المرجل، الذي هو أعرضُ من أعلاه، فإنَّما جملةُ الرأسِ كجملة المرجل، في بسطِ الأسفل، وقبضِ الأعلى وتضامِّه، فأمَّا نفسُ الهامة فبمنزلةِ أسفل المرجل، ومثل هذا قول الآخرِ: ورأسٍ كقبرِ المرءِ من آلِ تبَّعٍ ... غلاظٍ أعاليهِ دقاقٍ أسافله وقال لبيدٌ: حتى إذا سلختْ جمادى ستَّةً ... جزءاً فطالَ صيامهُ وصيامها انتصب ستَّةً على الحال، والتقدير: جمادى تتمَّةَ ستَّةِ أشهرٍ، أو تكملةَ ستَّةِ أشهرٍ، وهذا في الجزء بالرُّطبِ عن الماء، قالوا: والجزءُ لا يكون إلاّ في شهرين، كقول أبي ذؤيب: به أبلتْ شهري ربيعٍ كليهما ... فقد مارَ فيها نسؤها واقترارها

стр. 354

قال بعض شيوخنا: ومن ذهب إلى أنّ الجزءَ يكون ستَّةَ أشهر، فقد أخطأ، وأنشد غيره لحميدٍ: رعينَ المرارَ الجونَ من كلِّ باطنٍ ... دميثٍ جمادى كلُّها والمحرَّما فهذان شهران، كما قال أبو ذؤيب. وقال الحارثُ بن حلِّزةَ: زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العي ... رَ موالٍ لنا أنَّا الولاءُ أي أهل الولاءِ، فحذف المضافَ. قال أحد شيوخنا: كلُّ ناتئٍ فهو عيرٌ، حتى قيل للوتد: عيرٌ، قال: وعليه فسِّر هذا البيت، أي من ضرب وتدِ الخباء، فهو موالٍ لنا. وقيل: من ضرب العيرَ: أي من ضرب يديه، إحداهما على الأخرى، أي كلُّ النَّاس. وقيل: من ضرب العيرَ: عيرَ القدم، أي كلُّ من مشى. وقيل: من ضرب العيرَ: أي من قتل كليباً، وسمَّى عيراً، لأنه كان رئيساً، فشبَّهه بعيرِ العانةِ، لأنه رئيسها، ويتصرَّفُ بأمرها، كما قال:

стр. 355

وهنَّ وقوفٌ ينتظرنَ قضاءهُ ... بضاحي عذاةٍ أمرهُ وهو ضامزُ وأنشد أبو عبيدة: يكادُ دفَّاه ومنكباهما ... يموِّتُ الخِربانَ من وحاهما وهذا على حذف المضاف، تقديره: يكادُ ذو دفَّيه، وذو دفَّيه هو، فكأنه قال: يكاد هو يفعلُ كذا. وأنشد أبو عبيدة أيضاً: ديارُ سليمى عافياتٌ رسومها ... بلينَ بلىً لم تبلهنَّ رسومُ قال: وجهُ الكلامِ: بلينَ بلىً لم يبلهُ رسومٌ، ولكنه احتاج. وأنشد غيره: وخيماتكِ اللّتي ببطنِ محسِّرٍ ... بلينّ بلنً لم تبلهنَّ ربوعُ

стр. 356

والقول في ذلك: أنه على حذف المضاف، كأنه: بلينَ بلىً، لم يبلِ بلاهنَّ، أي لم يبلَ بلىً مثلَ بلاهنَّ، فحذف المضافَ، ويكون قوله: وخيماتكِ على: ومواضع خيماتك. وأنشد عن الأصمعيِّ أولى فأولى يا امرَء القيسِ بعدما ... خصفنَ بآثارِ المطيِّ الحوافرَا تقديره على ترك الاتِّساع: بآثارِ أخفافِ المطيِّ آثارَ الحوافِر، والباءُ على هذا زائدةٌ فحذف الباءَ، ووصل الفعلُ، يدلُّك على ذلك قولُ الآخر: لا يخصفون لهم نعلا وأنشد أبو عبيدة: مرَّت بنا في نِسوةٍ خولةٌ ... والمسكُ من أردانها فائحةْ التقدير: ورائحةُ المسكِ، فحذف المضافَ، وحمل الكلامَ عليه، كما حمل أوسٌ

стр. 357

عليه، في قوله: وآثارُ نسعيها من الدَّفِّ أبلقُ حمل أبلق على موضعِ المحذوف. وأنشد أبو زيد: أقسمتُ أشكيكِ من أينٍ ومن نصبِ ... حتى ترى معشراً بالعمِّ أزوالا أي حتى ترى معشراً برؤية العمِّ، كقوله: تجيء به هيفٌ يمانيةٌ أي تجيء بمجيئه هيفٌ، وكذلك قوله بعدُ: فلا محالةَ أن تلقى بهم أي تلقى بلقائهم رجلاً من شأنِه.

стр. 358

وقد يجوز في قوله: حتى ترى معشراً بالعمِّ، أي حتى ترى العمَّ، كقوله: جازتِ القومَ إلى أرحلنا ... آخر اللَّيلِ بيعفورٍ خدرْ وكقوله: بنزوةِ لصٍّ بعدما مرَّ مصعبٌ ... بأشعث لا يفلى ولا هو يقملُ

стр. 359

وقولِه: إذا ورِّعتْ أن تركبَ الحوضَ كسَّرتْ ... بأركانِ هضبٍ كلَّ رطبٍ وذابلِ فأركانُ هضبٍ هيَ هيَ، وهذا النَّحوُ كثيرٌ. ولا يجوز في قوله: فلا محالةَ أن تلقى بهم رجلاً إلاّ على ما ذكرناه، من أنّك تلقى بلقائهم رجلاً، لأنّ المجرورَ بالباء جميعٌ، ورجلٌ مفرد، والمعشر والعمُّ، كلُّ واحدٍ منهما جماعةٌ. وأنشد محمد بن السَّريّ: ومهمهٍ طامسِ الأعلامِ في صخبِ الأصداءِ مختلطٍ بالتُّربِ ديجوجِ الأصمعيُّ: في ليلٍ صخبِ الأصداء: أي كثيرِ صوتِ الصَّدى.

стр. 360

قال أبو عليّ: تقديره: طمستْ أعلامه في صخب الأصداء، والمعنى: في ظلمةِ صخبِ الأصداء، أي في ظلمةِ ليلٍ صخبِ الأصداء، فأقام المضافَ إليه مقامَ المضاف، والصَّفةَ مقام الموصوف، ومثل ذلك في المعنى قولُ الآخر: ألا طرقتْ ليلى بنيَّنَ بعدما ... طلى اللَّيلُ بيداً فاستوتْ وإكاما أي غشيته الظُّلمةُ، فصارَ البيدُ والإكامُ سواءً، في مرآة العين، فكذلك طمستْ أعلامُ هذا المهمه، للظُّلمة. وقوله: مختلطٍ بالتُّرب تقديره: مختلطةٌ ظلمتهُ بالتُّرب، فحذف المضافَ، الذي هو الظُّلمة، واقام المضافَ إليه مقامَ المضاف، فصار في اسم الفاعلِ ضميرُ صخب الأصداء الذي هو صفةُ ليلٍ المحذوف، ومثل ذلك في المعنى قوله: ودوِّيَّةٍ مثلِ السّماءِ اعتسفتُها ... وقد صبغَ الليلُ الحصى بسوادِ ألا ترى أنّ صبغه للحصى، إنما هو ما غشيه من ظلمته.

стр. 361

وقال أبو ذؤيبٍ، يشبِّه الظَّبيَ بالودع: كأنَّ الظِّباَء كشوحُ النِّسا ... ءِ يطفونّ فوقَ ذراه جنوحا فوق ذراه: أي فوق ذرى هذا السَّيل، وذراه: أعليه، قالوا: والكشوح: أمثالُ الوشحِ تعملُ من ودعٍ، فإذا كان كذلك، فالتقدير: كأنّ الظِّباء ودعُ كشوحِ النِّساء، فحذف المضاف. أنشدوا: ويومٍ من الشِّعرى تظلُّ ظباؤهُ ... بسوقِ العضاهِ عوَّذاً ما تبرَّحُ أي: ويومٍ تظلُّ ظباءه من حرِّ الشِّعرى، أي من حرِّ طلوعه بسوقِ العضاه، أي بظلِّ سوقِ العضاه. وقال الرَّاعي: رعينَ قرارَ المزنِ حيثُ تجاوبتْ ... مذاكٍ وأبكارٌ من المزنِ دلَّحُ التقدير: حيث تجاوبّ رعدُ مذاكٍ وأبكارٍ، والمذاكي: المسانُّ، وهي التي قد مطرتْ مرَّةً بعد مرَّةٍ، والأبكارُ: التي مطرتْ مرَّةً واحدةً.

стр. 362

أنشد يعقوبُ: ولا يحلُّ إذا ما حلَّ معتنزاً ... يخشى الرَّزيَّةَ بين الماءِ والبادي إن أراد بالبادي، الفاعل، نحو الذي في قوله : (سواءٌ العاكفُ فيه والبادي)، فالمضافُ من الأول محذوفٌ، تقديره: بين أهلِ الماءِ والبادي، وإن أرادَ بالبادي، الباديةَ، فحذف التاءَ للقافية، كان الكلامُ على ظاهره. -

стр. 363

باب من الصِّلات والأسماء الموصولة قال الشاعر: وكيف أرهبُ أمراً أو أراعُ به ... وقد زكأتُ إلى بشرِ بن مروانِ فنعمَ مزكأُ من ضاقتْ مذاهبهُ ... ونعم من هو في سرٍّ وإعلانِ القولُ في الظَّرف: أنّه متعلِّقٌ بنعم، وذلك أنه لا يخلو من أن يكونَ خبرَ هو في الصِّلةِ، أو يكون متعلّقاً بنعم، فلا يجوز أن يكون متعلِّقاً بمحذوف، على أن يكون في موضعِ خبر هو التي في الصِّلة، لأنَّ التقديرَ قبلَ كونِ الكلامِ صلةً، يكون: هو في سرٍّ وإعلانِ، وهذا لا معنى له، فإذاً المعنى: كرمَ الانسانُ في سرِّه ةعلانيته، أي ليس ما يفعله من الخير لتصنُّعٍ، فيفعل الخير في السرِّ، كما يفعله في العلانية. وإذا كان كذلك احتاج هو إلى جزءٍ آخرَ، حتى تستقلَّ الصِّلةُ، وذلك الجزءُ

стр. 364

ينبغي أن يكون: الذي هو مثله، ولا يكون: الذي هوَ هوَ، لتكون الصِّلةُ شائعةً، فلا تكون من مخصوصةً، لأنها فاعلُ نعم. فإنّ قدرتَ: الذي هوَ هوَ، وأنت تريدُ: الذي هو مثله، فتحذفُ المضافَ، فيصير الذي هوَ هوَ، معناه: مثله، جازَ أيضاً. وقد يجوزُ في القياسِ أن تجعلَ من نكرةً، فإذا جعلتْ نكرةً، احتاجت إلى صفةٍ، فتكون الجملةُ التي قدَّرتها صلةً لها، مقدَّرةً صفةً، ويكون المقصودُ بالمدح مضمراً، لأنَّ ذكره قد جرى، كما جرى ذكرُ أيُّوبَ، قبل قوله: (نعم العبدُ)، فاستغنى بذلك عن ذكرِ ما يخصُّه بالمدحِ وإظهارهِ. ويجوز في القياس أن تجعلَ من نكرةً، ولا تجعلَ له صفةً، كما فعلَ ذلك بما، في قوله: (فنعمَّا هيَ)، فإذا جعلتها كذلك، كان كأنّه قال: فنعم رجلاً، فيكون موضعُ من نصباً، ويكون هو كنايةً عن المقصودِ بالمدح. ووجه القياس في الحكم على من أنها نكرةٌ غيرُ موصوفة، أنهم جعلوا ما بمنزلة شيءٍ، وهو أشدُّ إشاعةً وإبهاماً من منْ، فإذا جاز ألاّ توصفَ، مع أنّها أشدُّ إبهاماً من

стр. 365

منْ، كان ألاّ توصفَ منْ أجوزَ، لأنّها أخصُّ منها، فيصير كأنه قال: نعم رجلاً هو، لأنّها تخصُّ الناسَ ومن أشبههم، كما كانت ما تعمُّ الأشياءَ، إلاً أنَّا لم نعلمهم في الاستعمال، تركوا منْ بغير صفة، كما تركوا ما غيرَ موصوفةٍ في الخبر، نحو التّعجُّب، والآية التي تلوناها. وقال الفرزدق: أحموا حمىً بطعانٍ ليس يمنعهُ ... إلاَّ رماحهمُ للموتِ من حانا تقديره: أحموا حمىً ليس يمنعه إلاّ رماحهم بطعانِ من حانَ، ففصل بقوله: ليس يمنعه إلاَّ رماحهم، وهو صفةٌ للحمى، بين المصدرِ ومعموله، وهو أجنبيٌّ منهما. وطعانٌ: مصدرُ طاعنَ، ومفعوله من حانَ، ويستقيم أن تجعلَ طعان جمعَ طعنٍ، أو طعنة، فتعملّه وإن جمعته، كما تعملُ الجمعَ، في نحو: مررتُ برجلٍ حسانٍ قومُه، ونحو: مهاوينَ أبدانَ الجزورِ

стр. 366

والأَّولُ أشبهُ. فأمّا قوله: للموتِ فيجوز حمله على أمرين، أحدهما: أن يكون متعلِّقاً بمحذوف، في موضع حالٍ، لقوله: رماحهُم، كأنّه قال رماحهم لأحداث الموت. والآخر: أن تجعله تبييناً لمن حانا، كقوله: (إنّي لكما لمن الناصحين)، ونحوه.

стр. 367

أنشد التَّوَّزيُّ، عن أبي زيد: ماذا يغيرُ ابنتي ربعٍ عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا القول في عويلهما أنه لا يخلو من أن يكون مرتفعاً بيغيرُ، أو يكون بدلاً، فإن ارتفع بأنه فاعلُ يغير، وجب أن ينتصبَ ماذا إذا جعلتَهما اسماً واحداً، بيغير، وقد انتصبَ به ابنتا ربعٍ، فتكون قد عدَّيتَ يغيرُ إلى مفعولين. وإن جعلت ذا بمنزلةِ الذي، والفاعل عويلهما، وجب أن يكون في يغيرُ ضميرٌ منصوبٌ، يعود إلى الذي، ويرتفع ما بالابتداء، فيتعدَّى يغيرُ إلى هذا الضَّمير، وإلى الابنتين، لابدَّ من ذلك، لأنه لا يجوز أن يتضمَّن ضميراً مرفوعاً، لارتفاع الظَّاهرِ به، وذلك خطاٌ أيضاً، لأنه لا يتعدَّى إلى مفعولين، فإذا لم يجز ذلك، وجب أن تجعلَ العويل بدلاً، إمَّا من المضمَر في يغيرُ، وإمَّا من ما، أو من ماذا إذا جعلته مع ما اسماً واحداً، فلا يجوز أن يكون بدلاً من واحدٍ منهما، لأنه لو كان كذلك، لوجب أن يُذكرَ حرفُ الاستفهام، كما تقول: كم مالكَ؟ أعشرون أم ثلاثون؟ ولو لم تذكر الحرفَ، لم يجزْ.

стр. 368

فإن قلت: يكون مثلَ قوله: أتونِي فقالوا من ربيعةَ أو مضرْ فالقول: أنه لا يكون مثله، لأنَّ ما بقيَ من حرف الاستفهام قد يدلُّ على المحذوف، وليس في البيت كذلك. فإذا لم يجز البدلُ من هذين، وجب أن يكون َ من الضَّمير. فإن جعلتَ ما وذا اسماً واحداً، صار موضعهما رفعاً بالابتداء، والضَّمير الذي في يغيرُ عائدٌ إليهما، كما يعود إلى خمسة عشرَ، ونحوه. وإن جعلتَ ما استفهاماً، وذا بمنزلة الذي، فالضَّميرُ الذي في يغيرُ عائدٌ إلى ذا الذي بمنزلة الذي، والابنتان مفعولتا هذا الضَّمير، والعويلُ بدلٌ منه، في الوجهين جميعاً، لأنَّ ذا يقع على جميع ما يشارُ إليه، فيستقيم أن يكون العويلُ بدلاً منه، كما يبدلُ الشيءُ من الشيءُ، إذا كان إيَّاه، وكذلك إذا جعل ما وذا اسماً واحداً، جاز البدلُ، لأنَّ ما في جواز وقوعها على الأجناسِ المختلفة، مثلُ ذا. قال التَّوَّزيُّ، أحسبهُ عن أبي زيد: يقال: غارَ بني فلانٍ، لينصرهم وينصروه. قال لبيدٌ: وهمُ العشيرةُ أن يبطِّىَء حاسدٌ ... أو أن يلومَ مع العدى لوَّامها

стр. 369

موضع أن نصبٌ، والمعنى: كراهةَ أن يبطِّىءَ حاسدٌ، وعلى قول البغدادييِّن: لأنْ لا يبطِّىء حاسدٌ، والعاملُ فيها ما في العشيرةِ من معنى الفعل، كأنّه: وهمُ النُّصَّارُ كراهةَ، لأنّ العشيرةَ تنصرُ وتعينُ، فتكون يداً واحدةً على من ناوأهم. ومعنى أن يبطِّىءَ حاسدٌ: أي يبطئهم حاسدٌ، يريد أنهم ينصرون ويعينون، فلا يخذلون، كراهةَ أن ينسبهم حاسدٌ إلى البطء والتَّثاقلِ عن النُّصرةِ، فيكونوا في ذلك كمن ذمَّ بقوله: بطئٍ عن الداعي سريعٍ إلى الخنا وبقولِ الآخر: يداكَ عن المولى ونصركَ عاتمُ فحذف المفعولَ، كما يحذفُ في غير هذا، ولحذفِ المفعولِ هنا مزيَّةٌ في الحسنِ،

стр. 370

لأنَّها في صلة أن، فيشبه حذفَ المفعول، في نحو: (أهذا الذي بعث اللهُ رسولا)، ومثلُ هذا قولهم: أذكرٌ أن تلدَ ناقتكَ أحبُّ إليكَ أم أنثى؟ وفي التنزيل: (وإنَّ منكمْ لمن لبيطِّئنَّ) أي يتثاقل عنكم، ويتقاعدُ ويحملُ غيره على مثل ذلك، فلا ينفرُ معكم ويثبِّطُ غيره، ألا ترى قوله: (فإن أصابتكم مصيبةٌ قال قد أنعمَ الله عليَّ إذ لم أكنْ معهمْ شهيداً). وقوله: أو أن يلومَ مع العدى لوَّامها الضميرُ في اللُّوَّام يرجع إلى العشيرة، وهذا عكسُ قوله تعالى: (الَّذي خلق. خلقَ الانسانَ)، لأن قوله: (خلقَ الانسانَ) خصوصٌ بعدَ عموم، وقوله: أو أن يلومَ عمومٌ بعد خصوص، ألا ترى أن التَّبطِّئ ضربٌ ممَّا يستحقُّ به اللَّومُ، واللَّومْ يشمله وغيره. وقد رأيتُ بعضَ من يتعاطى البلاغةَ يعيبُ هذا النَّحوَ، وإذا جاء في مثلِ هذا الشِّعر، هذا الذي أنكره، وفي التَّنزيل، ثبت أنه ليس بموضع عيبٍ.

стр. 371

البغداديُّون ينشدون: عدسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ ... نجوتِ وهذا تحملينَ طليقُ ويستدلُّون به على أنَّ ذا بمنزلة الذي، وأنه يوصلُ، كما يوصلُ الذي، فيجعلون تحملين صلةً لذا، كما يجعلونه صلةً للذي. ويحتملُ قوله: تحملين أمرين، لا يكون في واحدٍ منهما صلةً، أحدهما: أن يكون تحملين صفةً لموصوفٍ محذوف، تقديره: وهذا رجلٌ تحملين، فتحذفُ الهاءَ من الصِّفة، كما حذفت من قولك: الناس رجلان: رجلٌ أكرمتُ، ورجلٌ أهنتُ، وكقوله: وما شيءٌ حميتَ بمستباحِ

стр. 372

أي حميته. والآخر: أن يكون صفةً لطليق، فقدِّمتْ فصارت في موضعِ نصبٍ على الحال. فإذا احتمل غيرَ ما تأوَّلوهمن الصِّلة، لم يكن على الحكمِ بأنَّ ذا والأسماءَ المبهمةَ توصلُ كما يوصلُ الذي، دليلٌ، وكذلك ما استشهدوا به، من قوله : وما تلك بيمينكَ يا موسى)، وتأوَّلوه على أنّ المعنى: وما التي بيمينك، في الموضعين جميعاً، ما في الاسم المبهم من معنى الفعل. ولا يجيز سيبويه أن يكون ذا بمنزلة الذي إلاّ إذا كانت مع ما في نحو: ماذا قلت؟ فيقول: خيرٌ، كأنه قال: ما الذي قلتَ؟ فقال: خيرٌ، أي الذي قلتُه خيرٌ، وعلى هذا قولُ لبيدٍ: ألا تسألانِ المرَء ماذا يحاولُ ... أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطلُ

стр. 373

كأنه قال: ما الذي يحاوله؟ الَّذي يحاوله نحبٌ أم ضلالٌ؟ ولو كان (ذا مع ما في البيت اسماً واحداً، كما كان كذلك في قوله: (ماذا أنزل ربُّكم قالوا خيراً) لكان النَّحبُ نصباً. قال: ولقد رأبتُ ثأي العشيرةِ كلِّها ... وكفيتُ جانيها اللَّتيَّا والَّتي اللَّتيَّا والَّتي، على تأنيثِ الدَّاهية، وصغِّر كما صغِّر في قوله:

стр. 374

دويهيةٌ تصفرُّ منها الأناملُ فاصفرارُ الأناملِ يكون من أكبر الدَّواهي، لأنه يحدث عندَ الموت، وهذا يدلُّ على أنَّ التَّحقيرَ قد يعنى به تعظيمُ الأمرِ. فإن قلتَ: ما تنكرُ أن يعنى: كفيتُ الخلَّةَ الهيِّنة، فكيفَ بما فوقها؟ فإنّض ذلك يبعد، لأنه قد قال: جانيها، والأمرُ الهيِّنُ لا يكاد يسمَّى فاعله جانياً، ومع ذلك فإنه قد حذفت الصِّلةُ، وهذا الحذفُ إنما يكون لتفخيمِ الأمر، وأنَّ عظمه معروفٌ، ومثلُ ذلك حذفُ الأجوبة، في نحو: (ولو ترى إذِ الظَّالمون في غمراتِ الموتِ). ويقرب من هذا التحقير والتقليل، أنه يرادُ به الكثرةُ، قوله: قد أتركُ القرنَ مصفرَّاً أناملهُ ... كأنَّ أثوابه مجَّتْ بفرصادِ

стр. 375

وقوله: وإنَّا لممَّا نضربُ الكبشَ ضربةً ... على رأسهِ تلقِي اللِّسانَ من الفمِ هذا موضعٌ، التكثيرُ فيه أليقُ، وبه أولى. فكأنَّ اللَّفظَ على التقليل، والمرادُ التكثير، وكذلك قولُ الآخر: ربَّما أوفيتُ في علمٍ ... ترفعنْ ثوبي شمالاتُ

стр. 376

هذا موضعُ تكثيرٍ، ألا ترى الآخرَ يقولُ: ربَّاءُ شمَّاَء لا يأوي لقلَّتها ... إلاَّ السَّحابُ وإلاَّ الأوبُ والسَّبلُ وفعَّالٌ للكثرة. وممَّا يجوز أن يكون على حذف الصِّلة، قول الأسودِ بن يعفر: ليسوا بأنذالٍ ولا بأشابةٍ ... فيما ينوبُ القومَ لا باللاّتِ قيل: اللاّت: الصَّنمُ، كأنّه حلف به. ويمكن أن يكون المعنى في قوله: لا باللاَّتِ: لا بالفرقة اللاّاتي يبتغى بهم بدلٌ،

стр. 377

فحذفَ الصِّلةَ، للدَّلالةِ عليها، لأنَّ قبلَ هذا البيت: لا أبتغي عنهم ولا أشريهمُ ... حتَّى يلاقيني حمامُ مماتي وقال الأسودُ: شطَّتْ نوى تنهاةَ من أن توافقا ... فبانت فشاقَ البينُ من كان شائقا فاعلُ كان البينُ، تقديره: من كان البينُ شائقه، والذِّكرُ المقدَّرُ في اسم الفاعل، المحذوفُ، عائدٌ إلى الموصول، وحذفه من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، في نحو: أهذا الذي بعث الله رسولا، وليس ذلك بالكثير، ومثله ما أنشدَ ثعلبٌ: ألمْ يأتكَ الرُّكبانُ قبلي بمجدهمْ ... فلم أقضِ إلاَّ بالذي أنت عالمُ يريد: عالمه، أو: عالمٌ به. أنشد أبو زيد: فقلتُ له لا والّذي حجَّ حاتمٌ ... أخونكَ عهداً إنَّني غيرُ خوَّانِ قوله: لا والَّذي حجَّ حاتمٌ يحتمل الذي ضربين: إن عنى بالذي: الكعبةَ،

стр. 378

فذَّكر، على إرادةِ البيتِ، كما يقولون: والكعبةِ، والبيتِ، والمسجدِ الحرام، فالضميرُ في حجَّ محذوفٌ، لأنَّ هذا الفعلَ متعدٍّ، يدلُّك على ذلك قوله : (فمن حجَّ البيتَ أو اعتمرَ)، فالمعنى: الذي حجَّه حاتمٌ. وإن عنى بالذي، الله سبحانه، فالتقدير: لا والذي حجَّ له حاتمٌ، فحذف له من الصِّلة، وهذا النحوُ من الحذفِ من الصِّلات، قد جاء في الشعر، من ذلك قوله: ناديتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مكدَّمٍ ... إنَّ المنوَّه باسمه الموثوقُ فقال: الموثوقُ، وحذف به. وقال النابغةُ: والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يمسحها ... ركبانُ مكَّةَ بينَ الغيلِ والسَّندِ

стр. 379

من كانت الكسرةُ عنده جرَّةً، على: هذا الحسنُ الوجهِ، جرَّ الطَّير، لأنَّ العائذاتِ مجرورةٌ، ومن كانت الكسرة عنده في موضع نصبٍ، على قولك: الضاربُ الرجلَ، نصب الطَّيرَ. والطَّيرُ في هذا الموضع، بدلٌ، أو عطفٌ، وإنما كان حدَّه: والمؤمنِ الطَّيرَ العائذاتِ، أو الطَّيرِ العائذاتِ، فقدَّم العائذات، وأخَّر الطَّيرَ، كقول عمرانَ: إن أنت لم تبقِ لي لحماً ولا لبناً ... ألفيتني أعظماً في قرقرٍ قاعِ وكقول الآخر: مثلُ الغمرِ القعبِ وقولِ الآخر: وبالقصير العمرِ عمراً حيدرا يريد: في قاعٍ قرقرٍ، وبالعمرِ القصير. والمؤمنُ: هو الله ، وهو اسمُ الفاعل من آمن، كما قال تعالى: (الَّذي أطعمهمْ من جوعٍ وآمنهمْ من خوفٍ أي آمنهم من الخوفِ، لكونهم في الحرم، وحلولهم فيه.

стр. 380

قال ذو الرُّمَّة: وأنت الذي اخترتُ المذاهبَ كلَّها ... بوهبينَ إذ ردَّتْ عليَّ الأباعرُ العائدُ من الصِّلةِ إلى الذي محذوفٌ، وهو المفعولُ الأوَّلُ لاخترتُ، والمفعول الثاني المذاهبَ، فحذفِ حرفُ الجرّ، فوصلِ الفعلُ، ومثله قولُ العجَّاج: تحت التي اختار لهُ اللهُ الشَّجرْ المعنى: التي اختارها لهُ من الشَّجر، فلمَّا حذفَ الجارَّ، وصل الفعلُ إلى الشَّجر وإلى المذاهب في بيت ذي الرُّمَّة. أنشد أحمد بن يحيى: مقاديمكمْ فينا وفينا دماؤنا ... فأدُّوا الذي استودعتُ والعِرضُ أوفرُ تقديره: الذي استودعته إيَّاكم، فحذف المفعولَ من الصِّلة، فاتَّصل المفعولُ الثاني بالفعل الذي في الصِّلة، فحذفه، وإن لم يكن راجعاً إلى الموصول، وحقُّ المحذوف من الصِّلة أن يكون الموصولَ في المعنى، وإنما استجزتَ حذفَ المفعولِ من الصِّلة، وإن لم يكن راجعاً إلى الموصول، لأنه موضعٌ قد حذف منه المفعولُ كثيراً، يدلُّ على جواز هذا الوجهِ

стр. 381

قولُ كثيِّرٍ: وإنَّ ابنَ ليلى فاهَ لي بمقالةٍ ... ولو سرتُ فيها كنت ممَّن ينيلها ومثله من الحذف: (من يصرفْ عنهُ يومئذٍ). وإن شئتَ قلت في البيت: إنه حذف المفعولين جميعاً، كما حذفا في قوله: (أين شركائيَ الذين كنتمْ تزعمونَ). وأنشد بعضُ البغداديِّين لحميد بن ثور: أأنتَ الهِلاليُّ الذي كنتَ مرَّةً ... سمعنا به والأرحبيُّ المعلَّفُ قال: أراد: وهذا الأرحبيُّ المعلَّفُ، فأضمرَ، وقد يجوز أن يكون المعنى: أأنت الهلاليُّ، وصاحبُ الأرحبيِّ، فحذف المضافَ.

стр. 382

وفي هذا البيت أنه قال: الذي كنتَ مرَّةً سمعنا به، فحمل بعضَ الصِّلة على الخطاب، وبعضه على الغيبة. ويدلُّ على أنَّ الأصلَ عندهم، في أنا الذي فعلتُ: أنا الذي فعل، أنَّ قولهم: أنا الذي فعلتُ، محمولٌ على المعنى، والمرادُ في الأصل: فعلَ، إلاَّ أنه لمَّا كان الضميرُ الذي في فعلتُ، محمولٌ على المعنى، والمرادُ في الأصل: فعل، إلاّ أنه لمّا كان الضميرُ الذي في فعلتُ، هو الذي في المعنى، كما أنَّ ضميرَ الغيبة هو هو في المعنى، وكلاهما المخاطبُ، اتَّسعَ، فوضعَ لفظَ المتكلِّم موضع لفظِ الغيبة. وأنشد أبو عبيدة، البيتَ على غير إنشاد البغداديين، فأنشد: أأنت الذي قال الذي قيل والذي ... بعيرك هذا الأرحبيُّ المعلَّفُ فعلى هذا الإنشاد أيضاً، بعضُ الصِّلة على اللَّفظ، وبعضه على المعنى، ومثل ذلك في كونها على الوجهين، ما أنشده أبو زيدٍ وأبو عبيدة: نحن الذين صبَّحوا صباحا ... فلم ندعْ لسارحٍ مراحا فأمَّا قولُ الآخر، أنشده أبو عبيدة: أنا الذي انتشلتها انتشالا ... ثمّ دعوتُ فتيةً أزوالا

стр. 383

فالصِّلةُ فيه محمولةٌ على المعنى، ولا حملَ فيه على اللَّفظ، وكذلك قولُ الآخر: وأنا الذي قتَّلتُ بكراً بالقنا ... وتركتُ تغلبَ غيرَ ذاتِ سنامِ وكذلك قول جريرٍ: نحن الذين هزمنا جيشَ ذي نجبٍ ... والمنذرين اقتسرنا يومَ قابوسٍ وكذلك قولُ الآخر: أنا الذي فررتُ يومَ الحرَّةْ فهذا كلُّه محمولٌ على المعنى فقط. وقال الفرزدق: وإنّي لرامٍ نظرةً قبلَ الَّتي ... لعلي وإن شطَّت نواها أزورها

стр. 384

جاء الصِّلةُ غيرَ الخبر، والصِّلةُ لا تكونُ إلاَّ خبراً، كما أنَّ الصِّفة كذلك. فإن قلت: فقد جاء من الموصولةِ ما وصلَ بغير الخبر، نحو ما قالوه، من قولهم: كتبتُ إليه أنْ قمْ، وبأنْ قمْ. فإنَّ ذلك، وإن جاء في أنْ لا يستقيم في الذي، ونحوه من الأسماء، لأنَّ الذّي يقتضي الإيضاح بصلته، وليست أن كذلك، ألا ترى أنها حرفٌ، وأنَّه لا يرجعُ إليها ذكرٌ من الصِّلة. وهذا وإن جاء في هذا البيت، فإنَّ النحويِّين يجعلون لعلَّ كليتَ، في أنَّ الفاءَ لا تدخلُ على خبرها، فلا يجيزون: لعلَّ الذي في الدارِ فمنطلقٌ، كما لا يجيزون ذلك في ليت. فإن قلت: أحملُ لعلَّ على المعنى، لأنه طمعٌ، فكأنه قال: أطمعُ في زيارتها. قيل لك: فصلهُ أيضاً بليت، وقل: المعنى: الذي أتمنَّى، وصله بالاستفهام، والنِّداء، وجميعِ ما لم يكن خبراً، وقل: المعنى: الذي أنادي، والذي أستفهم. فهذا لا يستقيم. فإن قلت: أراد بأزورها التقديمَ، فكأنه قال: التي أزورها.

стр. 385

فإنَّ ذلك لا يستقيمُ أيضاً، لأنه واقعٌ موقع الخبر، وتقديم الخبر على لعلَّ لا يستقيم. والوجهُ فيه: أنَّه لمَّا جرى أزورها خبراً للعلَّ، سدَّ أزورها مسدَّ الصِّلةِ، التي يجب أن تكون خبراً، فكأنه أراد: التي أزورها، فأغنى ذكرُ أزورها خبراً للعلَّ، عن ذكرهِ لها قبل لعلَّ، والمعنى على التقديم، وأشبه هذا قولهم: لو أنَّ زيداً جاءني، في أنَّ الفعلَ الجاريَ في الصِّلة، سدَّ مسدَّ الفعلِ الذي يقعُ قبل أنَّ بعد لو، ولولا هذا الفعلُ لم يجز، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ: لو مجيئكَ، فكذلك سدَّ ذكرهُ بعد لعلِّي مسدَّ ذكره قبل لعلِّي، فهذا وجهه، ولا ينبغي أن يقاس على هذا، ولا يؤخذَ به، وكأنَّ الذي حسَّنَ هذا طولُ الكلام، وذكرُ الجزاءِ في الصِّلة، وقد رأيتَ طولَ الصِّلةِ يجوزُ فيه ما لا يجوزُ إذا لم تطلْ. ويجوز فيه شيءٌ آخر: وهو أن تقدِّر قبلَ لعلِّي فعلاً، وتحذفه لطولِ الكلام، فتكون الصِّلةُ الفعلَ الذي هو: أقول فيها، وهو خبرٌ، لا إشكالَ فيه، وحسنَ الحذفُ لطلِ الكلامِ. وقال الفرزدق: فحقُّ امرئٍ بين الوليدِ قناتهُ ... وكندةَ فوقَ المرتقى يتصعَّدُ تقديره: أن يتصعَّدَ، فحذف أنْ، كما قال جريرٌ: نفاك الأغرُّ ابن عبدِ العزيزِ ... وحقُّكَ تنفى من المسجدِ

стр. 386

أي حقُّكَ أن تنفى. والمعنى: يتصعَّدُ فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوق كتقدُّمِ الجارِّ، في نحو قوله: كان جزائي بالعصا أن أجلدا أو بمنزلةِ قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ)، والظَّرفُ بمنزلةِ الجارِّ والمجرور، لأنَّ الجارَّ مرادٌ معه، يدلُّك على ذلك ردُّهم له في الكناية. والدَّليلُ على أنّ أنْ في هذا النَّحو، بمنزلةِ المثبت في اللَّفظ، ما جاء من قولهم: لأنْ تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه، وحذفوا أنْ) من هذا الكلام، فقالوا: تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه فلولا أنَّ أنْ في حكم المثبت، لم يجز هذا الكلامُ، ألا ترى أنّك لا تخبر عن الجمل، ويدلُّك على ذلك أيضاً قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ لا أن تراه، فلولا أنَّ أنْ محذوفةً، مثلها مثبتةً، ما جاز أن تعطفَ على تسمعُ الذي هو فعلٌ، بالاسم. ويدلُّ على أنها محذوفةً في هذا النحو، بمنزلتها مثبةً، أن أبا عثمان قد حكى عن ابن قطربٍ، عن أبيه، أنه سمع من العرب من يقول:

стр. 387

ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرَ الوغى بالنَّصب، فلولا أنّها في حكم الإثبات، لم تنصب الفعل، وقد حكى أحمدُ بن يحيى، ثعلبٌ، نحو ذلك، فقال: خذ اللصَّ قبلَ يأخذك وحكى أبو الحسن نحو ذلك. وقد جاء حذفُ أنْ من الكلام، وما بعده مسندٌ إلى الفعل، أنشد أحمد بن يحيى، عن ابنِ الأعرابيّ: وما راعنا إلاَّ يسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ

стр. 388

وقال الفرزدق: فإنَّ ارتداد الهمِّ عجزٌ على الفتى ... عليه كما ردَّ البعيرُ المقيَّدُ تقديره: فإنَّ ارتداد الهمِّ على الفتى، عجزٌ عليه، وعجزٌ خبر الارتداد، وقد فصل به بين المصدرِ وصلتهِ، وليس هذا في الحسنِ، كما في التنزيل: (لمقتُ اللهِ أكبرُ من مقتكمْ أنفسكمْ إذ تدعونَ إلى الإيمانِ)، لأنَّ الظَّرفَ في هذه المواضعِ أسهلُ من غيره، فكأنَّه شبَّه هذا بالظَّرفِ، من حيث كان معه الجارُّ، ألا ترى أنَّك تقول: سيرَ بزيدٍ سيرٌ شديدٌ، فتقيم أيُّهما شئتَ مقامَ الفاعل، فلولا أنَّ الجارَّ والمجرور ينزَّلُ منزلة الظَّرف، دون المفعول، لم يجز أن يسندَ الفعلُ إلى المصدر، مع المفعول به. وعليه وصفٌ للعجزِ، فهو متعلِّقٌ بمحذوف، وفيه ذكرٌ يعودُ عليه، ومثلُ هذا في المعنى ما أنشده أحمدُ بن يحيى: إذا الهمُّ أمسى وهوَ داءٌ فأمضهِ ... ولستَ بممضيهِ وأنت تعادلهْ

стр. 389

أنشدنا محمدُ بن السَّريّ: من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ ... يهابُ اللِّئامُ حلقةَ الباب قعقوا اعلم أنه لا يجوز أن يكون الذين صلة اللائي، كقولك: الذي في داره زيدٌ عمروٌ، لأنه ليس في ظاهرِ صلةِ الذين ما يرجع إلى اللائي، وقد جاء في التنزيل وصلُ الموصولِ بالموصول، على ما يحمل النحويُّون عليه مسائلَ هذا الباب، زعموا أن بعض القرَّاء قرأ (فاستغاثهُ الَّذي من شيعتهُ). فأمَّا همْ في البيت، فإنه يرتفع بمضمرٍ، يفسِّره قعقعوا، والشَّرطُ قعقعوا المتأخِّرُ، والتَّقدير، إذا أظهرتَ المضمرَ الذي ارتفع عليه الضمير: إذا قعقعوا قعقعوا، لأنَّ الضميرَ يتَّصل بالفعلِ المضمر إذا أظهرته. ولا يجوز أن يكون الشَّرطُ يهابُ، لأنه لا يجوزُ أن يفسِّرَ ما ارتفع عليه هم، وإنما يفسِّره قوله قعقعوا، والتقدير: إذا قعقعوا حلقةَ الباب، هابَ اللِّئامُ دقَّها، لأنهم ليسوا على ثقةٍ من الإذن لهم، كما يثق هؤلاء النَّفرُ الرؤساءُ، بأنهم يؤذنُ لهم.

стр. 390

فقعقعوا وإن كان مؤخَّراً في اللفظ، مقدَّمٌ في التَّقدير، بدلالةِ أنه لا يخلو من أن تجعلَ الشرطَ إذا يهابُ أو إذا قعقعوا، فلا يجوز أن تجعل الشَّرطَ يهابُ، لأنه لا يفسِّرُ ما ارتفع عليه هم كما يفسِّره قعقعوا، ألا ترى أنه مشتغلٌ بظاهرٍ، فإذا كان كذلك، لم يجز من جهةِ اللَّفظ، وإن لم يمتنع من جهة المعنى أن تقول: إذا هابَ اللِّئامُ دقَّ الحلقةِ، دقَّها الكرامُ. فأمَّا وصله الموصولَ بإذا، مع أنَّ الذين يعنى بهم أعيانٌ، ولا يجوز: الذي يومَ الجمعة زيدٌ، كما يجوز: الذي يوم الجمعةِ القتالُ، فإنَّ الكلامَ محمولٌ على المعنى، كأنه قال: الذين إن قعقعوا هابَ اللِّئام، فلذلك جاز. وهذا يدلُّ على جوازِ ما أجازه سيبويه، من قوله: زيدٌ إذا أتاني أضربُ، وأنه لا يكون بمنزلةِ: زيدٌ يومَ الجمعة، ولا زيدٌ غداً، وعلى هذا قولُ أوسٍ: فقومي وأعدائي يظنُّونَ أنني ... إذا أحدثوا أمثالهاأتكلَّمِ مع أنه لا يجوز: علمتُ أن زيداً يومَ الجمعة. فأمَّا قوله: إذا يهابُ، فجاء بالمضارع بعد إذا، وأكثرُ ما يجيءُ بعده في الاستعمال، الماضي، فإنَّ الأصلَ المضارعُ، ألا ترى أنه يرادُ به الآتي، فإذا جاء به على
следующие страницы →