Полный текст (536 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أي حقُّكَ أن تنفى.
والمعنى: يتصعَّدُ فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوق كتقدُّمِ الجارِّ، في نحو قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
أو بمنزلةِ قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ)، والظَّرفُ بمنزلةِ الجارِّ والمجرور، لأنَّ الجارَّ مرادٌ معه، يدلُّك على ذلك ردُّهم له في الكناية.
والدَّليلُ على أنّ أنْ في هذا النَّحو، بمنزلةِ المثبت في اللَّفظ، ما جاء من قولهم: لأنْ تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه، وحذفوا أنْ) من هذا الكلام، فقالوا: تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه فلولا أنَّ أنْ في حكم المثبت، لم يجز هذا الكلامُ، ألا ترى أنّك لا تخبر عن الجمل، ويدلُّك على ذلك أيضاً قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ لا أن تراه، فلولا أنَّ أنْ محذوفةً، مثلها مثبتةً، ما جاز أن تعطفَ على تسمعُ الذي هو فعلٌ، بالاسم.
ويدلُّ على أنها محذوفةً في هذا النحو، بمنزلتها مثبةً، أن أبا عثمان قد حكى عن ابن قطربٍ، عن أبيه، أنه سمع من العرب من يقول:
стр. 387
ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرَ الوغى
بالنَّصب، فلولا أنّها في حكم الإثبات، لم تنصب الفعل، وقد حكى أحمدُ بن يحيى، ثعلبٌ، نحو ذلك، فقال: خذ اللصَّ قبلَ يأخذك وحكى أبو الحسن نحو ذلك.
وقد جاء حذفُ أنْ من الكلام، وما بعده مسندٌ إلى الفعل، أنشد أحمد بن يحيى، عن
ابنِ الأعرابيّ:
وما راعنا إلاَّ يسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ
стр. 388
وقال الفرزدق:
فإنَّ ارتداد الهمِّ عجزٌ على الفتى ... عليه كما ردَّ البعيرُ المقيَّدُ
تقديره: فإنَّ ارتداد الهمِّ على الفتى، عجزٌ عليه، وعجزٌ خبر الارتداد، وقد فصل به بين المصدرِ وصلتهِ، وليس هذا في الحسنِ، كما في التنزيل: (لمقتُ اللهِ أكبرُ من مقتكمْ أنفسكمْ إذ تدعونَ إلى الإيمانِ)، لأنَّ الظَّرفَ في هذه المواضعِ أسهلُ من غيره، فكأنَّه شبَّه هذا بالظَّرفِ، من حيث كان معه الجارُّ، ألا ترى أنَّك تقول: سيرَ بزيدٍ سيرٌ شديدٌ، فتقيم أيُّهما شئتَ مقامَ الفاعل، فلولا أنَّ الجارَّ والمجرور ينزَّلُ منزلة الظَّرف، دون المفعول، لم يجز أن يسندَ الفعلُ إلى المصدر، مع المفعول به.
وعليه وصفٌ للعجزِ، فهو متعلِّقٌ بمحذوف، وفيه ذكرٌ يعودُ عليه، ومثلُ هذا في المعنى ما أنشده أحمدُ بن يحيى:
إذا الهمُّ أمسى وهوَ داءٌ فأمضهِ ... ولستَ بممضيهِ وأنت تعادلهْ
стр. 389
أنشدنا محمدُ بن السَّريّ:
من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ ... يهابُ اللِّئامُ حلقةَ الباب قعقوا
اعلم أنه لا يجوز أن يكون الذين صلة اللائي، كقولك: الذي في داره زيدٌ عمروٌ، لأنه ليس في ظاهرِ صلةِ الذين ما يرجع إلى اللائي، وقد جاء في التنزيل وصلُ الموصولِ بالموصول، على ما يحمل النحويُّون عليه مسائلَ هذا الباب، زعموا أن بعض القرَّاء قرأ (فاستغاثهُ الَّذي من شيعتهُ).
فأمَّا همْ في البيت، فإنه يرتفع بمضمرٍ، يفسِّره قعقعوا، والشَّرطُ قعقعوا المتأخِّرُ، والتَّقدير، إذا أظهرتَ المضمرَ الذي ارتفع عليه الضمير: إذا قعقعوا قعقعوا، لأنَّ
الضميرَ يتَّصل بالفعلِ المضمر إذا أظهرته.
ولا يجوز أن يكون الشَّرطُ يهابُ، لأنه لا يجوزُ أن يفسِّرَ ما ارتفع عليه هم، وإنما يفسِّره قوله قعقعوا، والتقدير: إذا قعقعوا حلقةَ الباب، هابَ اللِّئامُ دقَّها، لأنهم ليسوا على ثقةٍ من الإذن لهم، كما يثق هؤلاء النَّفرُ الرؤساءُ، بأنهم يؤذنُ لهم.
стр. 390
فقعقعوا وإن كان مؤخَّراً في اللفظ، مقدَّمٌ في التَّقدير، بدلالةِ أنه لا يخلو من أن تجعلَ الشرطَ إذا يهابُ أو إذا قعقعوا، فلا يجوز أن تجعل الشَّرطَ يهابُ، لأنه لا يفسِّرُ ما ارتفع عليه هم كما يفسِّره قعقعوا، ألا ترى أنه مشتغلٌ بظاهرٍ، فإذا كان كذلك، لم يجز من جهةِ اللَّفظ، وإن لم يمتنع من جهة المعنى أن تقول: إذا هابَ اللِّئامُ دقَّ الحلقةِ، دقَّها الكرامُ.
فأمَّا وصله الموصولَ بإذا، مع أنَّ الذين يعنى بهم أعيانٌ، ولا يجوز: الذي يومَ الجمعة زيدٌ، كما يجوز: الذي يوم الجمعةِ القتالُ، فإنَّ الكلامَ محمولٌ على المعنى، كأنه قال: الذين إن قعقعوا هابَ اللِّئام، فلذلك جاز.
وهذا يدلُّ على جوازِ ما أجازه سيبويه، من قوله: زيدٌ إذا أتاني أضربُ، وأنه لا يكون بمنزلةِ: زيدٌ يومَ الجمعة، ولا زيدٌ غداً، وعلى هذا قولُ أوسٍ:
فقومي وأعدائي يظنُّونَ أنني ... إذا أحدثوا أمثالهاأتكلَّمِ
مع أنه لا يجوز: علمتُ أن زيداً يومَ الجمعة.
فأمَّا قوله: إذا يهابُ، فجاء بالمضارع بعد إذا، وأكثرُ ما يجيءُ بعده في الاستعمال، الماضي، فإنَّ الأصلَ المضارعُ، ألا ترى أنه يرادُ به الآتي، فإذا جاء به على
стр. 391
الأصل، كان حسناً، كقوله:
إذا يراحُ اقشعرَّ الكشحُ والعضدُ
أنشدنا بعضُ الرُّواة:
فلا أسألُ اليومَ عن ظاعنٍ ... ولا ما يقولُ غرابُ النَّوى
القولُ في ما أنه يحتملُ ضربين، أحدهما: أن يكون خبراً، والآخر: أن يكون استفهاماً.
فإذا حملته على الخبر، كان موضعه جرَّاً بالعطفِ على ظاعنٍ.
وجازَ في ما أن تكون موصولةً، وأن تكون موصوفةً، فإذا جعلتها موصولةً احتمل ضربين، أحدهما: أن تكون حرفاً كأنْ، لا يعودُ إليها من صلتها ذكرٌ، كما لا يعودُ إلى أنْ، والتقدير: لا أسألُ عن ظاعنٍ، ولا قولِ غرابِ النَّوى.
وإذا جعلتها بمنزلة الذي عادّ إليها الهاءُ المحذوفةُ من يقولُ.
وإن جعلتها موصوفةً، قدَّرتها منكورةً، وجعلتَ الجملةَ صفةً لها، وفيها ذكرٌ يعودُ إليها، على حدِّ ما عادَ من الصِّلة، في تقديرها معرفةً.
стр. 392
ومثلُ منْ في التنكير والتعريف ما، فممَّا جاء فيه ما نكرةً، قول الشاعر:
ربَّما تكرهُ النُّفوسُ من الأم ... رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
فما: اسمٌ منكورٌ، يدلُّك على ذلك دخولُ ربَّ عليه، ولا يجوز أن تكونَ كافَّةً، كالتي في قوله تعالى: (ربَّما يودُّ الذين كفروا)، لأنَّ الذكرَ قد عاد إليها من قوله: له فرجةٌ، فلا يجوز مع رجوعِ الذّكرِ أن تكون حرفاً، فالهاءُ في قوله: تكره مرادةٌ، التقدير: تكرهها النُّفوس.
وفرجةٌ مرتفعةٌ بالظَّرف، وموضعُ الجملةِ جرٌّ.
فأمَّا موضعُ الكافِ، من قوله: كحلِّ العقال، فيجوز فيه ضربان، أحدهما: أن يكون نصباً، والآخرُ: أن يكون جرَّاً، كقولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٍ به.
وأمَّا كون ما استفهاماً، في قوله:
ولا ما يقولُ غرابُ النَّوى
стр. 393
فعلى أن تعطفه على أسألُ، فيكون: لا أسألُ عن ظاعنٍ، ولا أسألُ ما يقولُ غرابُ النَّوى، كأنّه قال: لا أسألُ أيَّ شيءٍ يقولُ غرابُ النَّوى، فما في موضعِ نصبٍ
بيقول، ولا يكون منتصباً بالسُّؤال.
أنشد أحمدُ بن يحيى، للقنانيّ:
ولو أن عرض البحر بيني وبينها ... لحدَّثتُ نفسي ما إليكِ مخاضُ
المعنى: لحدَّثتُ نفسي بما إليكِ، فحذفَ الحرفَ، ووصلَ الفعلُ، وما موصولةٌ، أي لحدَّثتُ نفسي بالذي هو إليك خوضٌ، أي تأتَّيتُ لذلك، وإليكِ
стр. 394
للتَّبيين، ولا يكون المخاضُ مكاناً، لأنه إذا كان مكاناً، لم يتعلَّقْ به شيءٌ، من حيثُ لم يناسبِ الفعلَ، فلم يفسِّرْ ما يتعلَّقُ التَّبيينُ به.
وقد يجوز أن يكونَ المعنى: لو أنَّ عرضَ البحرِ بيني وبينها، لحدَّثت نفسي، فقلتُ: ليس إليكِ مخاضٌ، فأمَّا إذا كان شيءٌ دون عرضِ البحرِ، فإني أحدِّثُ نفسي بذلك، فتكون ما على هذا نفياً، ويكون إليكِ متعلِّقاً بمحذوف، كقولك: ليس بك مرورٌ، ومن رأى أن يرفعَ بالظَّرف، كان الاسمُ مرتفعاً به، ولا شيءَ فيه. وقال كثيِّرٌ، أو غيره:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي ... وآذنَ أصحابي غداً بقفولِص
غداً لا يكون إلاَّ على مضمر، لامتناعِ حمله على المصدر، لتقدُّمهِ عليه، ولاستحالةِ حملهِ على الفعل.
فإن قلتَ: فلم لا تقدِّر الماضيَ تقديرَ الآتي، كما أنَّ قوله:
يا حكمُ الوارثُ عن عبدِ الملكْ ... أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
стр. 395
الماضي فيه بمنزلة الآتي، بدلالة وقوعِ الشَّرطِ بعده، وأن المرادَ لو كان الماضي لم يصحّ، من حيث لم يجزْ: قمتُ إن قمتَ، وإنما تقول: أقومُ إن قمتَ، لأنَّ المجازاةَ إنما تكون بما لم يقعْ.
فإنَّ البيتَ إن حمل على هذا لم يكن بالسَّهلِ، لأنَّ هذا إنَّما يكون فيما قربَ قرباً شديداً، ولم يكن فيه مهلةٌ ولا تراخٍ، كنحو قولهم: قد قامت الصلاةُ، فإنَّما يحسن
ذلك فيما كان على هذا النَّحو من القرب، فإذا دخله التَّراخي لم يحسن، وكذلك قولُ رؤبةَ:
أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
كأنَّه من مقاربته الهلاكَ، في حالِ من قد غشيه ذلك، فلذلك حسن أن يسدَّ مسدَّ الجزاء.
أنشد أبو عبيدة:
فلا تحسبُ الأعداءُ إن متُّ أنَّني ... وخلَّفتُ بشراً أنَّ حدِّيَ كلَّتِ
لا يستقيم أن تقدِّرَ العطفَ في قوله: وخلَّفتُ على هذا الشَّرط المظهرِ في الكلام، لأنك إن قدَّرته هذا التقديرَ قدَّمتَ الصِّلةَ على الموصول، ولكن تضمرُ بعد أنَّ شرطاً، يكون هذا المتقدِّم دالاًّ عليه، كما أضمرتَ بعد الاستفهام فعلاً، دلَّ عليه ما تقدَّمه في قوله: (وأنا منَ المسلمينَ. آلآنَ وقد عصيتَ قبلُ) ألا ترى أنّ الاستفهام مثلُ الموصولِ، في أنَّ ما تقدَّمه منقطعٌ منه، وغيرُ داخلٍ في حيِّزه، كما أنَّ الموصولَ كذلك.
стр. 396
وأمَّا أنَّ الثانيةَ، فإنَّما كرِّرتْ لتراخي الأولى ولا يكون على البدل، لأنَّ الأوَّلَ لم يتمّ، والبدلُ لا يكون حتى يتمَّ المبدلُ منه.
شاعر:
وقالوا لها لا تنكحيه فإنَّه ... لأوَّلِسيفٍ أن يلاقى مصرعا
يجوز أن ينتصب مصرعا على الحال، مما في اللام، ويكون أن يلاقى بدلاً من السَّيف، كأنَّه: لأوّلِ سيفٍ أن يلاقيه، فحذفَ الضميرَ، كما حذفَ من قولك: أذكرٌ أن تلد ناقتك أم أنثى، كأنه: هو لأوّلِ لقاءِ سيفٍ مصرعا، أي ذا مصرعٍ، أي: أوَّلُ ما يلقى يصرعُ.
ويجوز أن تجعلَ مصرعاً مفعولَ يلاقي، فيكون التقدير: لأوَّلِ لقاءِ سيفٍ، أي
يأتي عليه، كما جاء في الحديث: هو لأخيك أو للذِّئب أي يفرسه الذِّئبُ، أو يأخذُ هـ غيرك. الوجهان ممكنان.
стр. 397
والمصرعُ: يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون اسمَ الموضِع، الذي يصرعُ فيه.
وقال بشرُ بن أبي خازم:
ونحنُ ألي ضربنا رأسَ حجرٍ ... بأسيافٍ مهنَّدةٍ رقاقِ
وأنشد بعضُ البغداديِّين:
فإنَّ الألاءِ يعلمونكَ منهمُ ... كعلمي مظَّنُّوكَ ما دمتَ أشعرا
وأنشد أيضاً:
ألا أيُّها القومُ الأُلى ينبحونني ... كما نبح اللَّيثَ الكلابُ الضَّوارعُ
وأنشدوا:
ألم ترني بعدَ الذين تتابعوا ... وكانوا الأُلى أعطي بهم وأمانعُ
ألى: اسم موصولٌ، بمنزلة اللاَّئي، والألفُ واللامُ في هذه الأسماء الموصولةِ، زائدةٌ، يدلُّك على ذلك، أنَّها لا تخلو من أن تكون
زائدةً، أو غير زائدة، فإن جعلتها غير زائدة، لم يستقم، لأنه يلزمُ من ذلك أن يجتمعَ في الاسم تعريفان، أحدهما
стр. 398
من جهةِ الألفِ
واللام، والآخرُ: من جهة اتصال الصِّلة بها، ألا ترى أن اتِّصالَ الصِّلة بها يوجب فيها التعريف، يدلُّك على ذلك تعرُّفُ
ما ومن بها، فكما تعرَّفَ من وما بالصِّلة، كذلك يجب أن يتعرَّفَ الذي بالصِّلة، وإذا تعرَّف بها،
ثبت زيادةُ الألفِ واللام، ويدلُّ على زيادتهما سقوطهما فيما سقط من قوله:
ونحن ألى ضربنا رأسَ حجرٍ
ويدلُّ على ذلك أيضاً قولهم: أنا ذو قال، ومررتُ بالرجل ذو قال، ونحو ما أنشده أبو زيد:
فإن لم أصدِّق بعض ما قد صنعتمُ ... لأنتحينْ للعظمِ ذو أنا عارقهْ
فكما جرى صفةً على المعرفة، بغير ألفٍ ولام، كذلك يكونان في الذي
стр. 399
وما أشبهه من الأسماء الموصولة، للجمعِ كان، أو للواحدِ، فأمّا ما أنشده بعضُ البغداديِّين، من قوله:
فإن الألاءِ يعلمونكَ منهمُ
فالألاء: لغةٌ في ألى الموصولةِ، ولا يجوز أن يكونَ ألاءِ المبهمةَ، كإنَّ في الموصولة لغتين، كما كان في المبهمة لغتان، نحو:
هؤلا ثمَّ هؤلا كلاًّ آعطيتَ نعالاً محذوَّةً بمثالِ
ونحو: (أهؤلاءِ منَّ اللهُ عليهمْ من بيننا).
ولا تكون المبهمةَ، لأنَّ المبهمةَ لم تدخلْ عليها الألفُ واللامُ، في موضعٍ، زائداً، ولا غيرَ زائدٍ، ألا ترى أنَّ دخولها غيرَ زائدةٍ، على المبهمةِ لا يجوز، لأنَّ المبهمةَ أنفسها معارفُ، بما فيها من معنى الإشارة، ويدلُّك على ذلك بناؤها، وانتصابُ الأحوالِ عنها، فإذا كانت معارفَ لم يدخلا عليها، ولمَ تدخلْ عليها زائدةً، لأنَّها إنَّما تدخلُ زائدةً في الموضع الذي يجوز أن تكونَ فيه غيرَ زائدة.
فالأُلاءِ في البيت: اسمٌ موصولٌ، ولا يجوز أن تكون اسماً مبهماً، لما ذكرنا. فإن قلت: إذا كان أيٌّ مضافةً، معرفةً بالإضافة، والصِّلةُ أيضاً تعرَّفُ الموصولَ، ولا يجوز أن يجتمعَ في الاسم تعريفان، فكيف جازَ أن يوصلَ أيٌّ في حالِ إضافتها إلى المعرفة، وهلاَّ لم تضفْ موصولةً، لئلاّ يجتمعَ فيها تعريفُ الإضافةِ، وتعريفُ الصِّلة؟
стр. 400
فالقول في ذلك: أنّ أيّاً إذا أضيفَ إلى المعرفة، فقلتَ: أيُّهم عندك، وأيُّ القومِ
عندك؟ فهي في هذه الإضافة غير مختصَّةٍ، اختصاص َ غلامِك، وغلامهم، وغلامِ الرجلِ، ألا ترى أنها في حالِ الإضافة شائعةٌ، وليس يرادُ بها واحدٌ بعينه، من حيثُ جازَ أن يغنى به كلُّ واحدٍ من أجزاء المبعَّضِ المضافِ إليه، فلمَّا كان كذلك، كان بمنزلة مثلِك ونحوه، مما لا يختصُّ في الإضافة إلى المعارف، لقيامِ الإبهام والشِّياع فيه، وإذا كان كذلك، لم يمنتع أن يوصلَ بالصلةِ، ليختصَّ، ألا ترى أنَّ الصِّلةَ تخصِّصُ الموصولَ، كما تخصِّصُ الصِّفةُ الموصوفَ، فلمَّا كان كذلك، لم يمتنع أن توصلَ، مع كونها مضافةً، لتخصيص الصِّلةِ لها، وقصرِها على ما كانت تقعُ عليه قبلَ ذلك.
وممَّا يدلُّكَ على أنَّ الصِّلةَ توضِّح الموصولَ، كما تخصِّص الصفةُ الموصوفَ، أنه يرجِعُ منها ذكرٌ إلى الموصول، كما يرجع من الصِّفة إلى الموصوف، في أكثر الأمر.
وإنما قال النحويُّون: إن الصِّلةَ كبعضِ الاسم، ولم يقولوا ذلك في الصِّفة، لأنّ الموصولَ لا يخلو من الصِّلة المذكورة أو في حكم المذكورة وليس الموصوفُ مع الصِّفة كذلك، ولو كانت الصِّلةُ من الموصول في الحقيقة، بمنزلةِ أجزاء الاسمِ من الاسم، لم يجزْ أن يعودَ منها ذكرٌ إليه، حتى ينقضيَ الموصولُ بجميعِ أجزاء الصِّلة، وفي أنّ الأمرَ بخلافِ ذلك، ما يدلُّ على أنَّ الصِّلةَ توضيحٌ للموصول، كما أن الصِّفةَ مع الموصوفِ كذلك، ألا ترى أنّك تقول: الذي هو منطلِقٌ زيدٌ، فتكنى عن الذي، وجميع الموصولات،
стр. 401
والصِّلةُ لم تتمَّ بعدُ، وتثنِّيه وتجمعُه، في قولك: اللذان، والذين، أو الَّذون، والاسمُ لا يثنَّى ولا يجمع قبل تمامه، كما لا يكنى عنه إلاّ بعدَ تمامِه.
فإن قلت: فهلاَّ لم تصرِف أيٌّ إذا ألحقتها تاء التأنيث، ووصلتها لتعرِّفها بالصِّلةِ، كتعرُّفِها بالتّسمية، لو سمَّيتَ شيئاً: أيَّةَ.
فالقول في ذلك: أنَّ أهلَ النَّظرِ في العربيَّة قد اختلفوا فيه، فذهب أبو عمرَ، إلى أنَّ ذلك لا يصرفُ، فيما حكى محمد بن يزيد، عن أبي عثمان، عنه، وحكى أبو عثمان، عن أبي الحسن: أنه كان يصرفُ، وكان أبو عمر يقول: رأيتُ أيَّةَ في الدار ولا يصرف، وكان أبو الحسن ينوِّنُ ويقول: التَّنوينُ بعض الاسم، لأنه وقع في وسطِه، كقولي في امرأةٍ تسمَّى خيراً منك، ألا ترى أنِّي أقولُ فيها: رأيتُ خيراً منك، قال أبو عثمان: وهو قولي.
قال أبو عليّ: وجهُ قولِ أبي عمر إن أيّاً معرفةٌ، وفيه علامةُ التأنيث، وليست الصِّلةُ، وإن كان الاسمُ محتاجاً إليها، مثلَ ما يطولُ به الاسمُ، من نحو: خيرٍ منك، وضاربٍ زيداً، ولا آمراً بالمعروف لك، إنِّما توضِّحُ الموصولَ، فهي مضارعةٌ الصِّفةَ في ذلك، ألا ترى أنَّها لا تخلو من عائدٍ منها إلى الموصول، كما أنّ الصِّفةَ قد تكون كذلك، وليست اللَّواحقُ التي تلحقُ خيراً وآمراً كذلك، وإن كانت تخصُّ
стр. 402
الاسم بعضَ التَّخصيص. فلمَّا كان كذلك لم تصرفه، كما لم تصرفِ الموصوفَ، إذا كان ثانياً من جهتين.
ويدلُّك على ما ذكرنا، من مشابهةِ الصِّلةِ للصِّفة، التَّثنيةُ والجمعُ اللاَّحقان الذي قبلَ الصِّلة، والاسمُ لا يثنَّى ولا يجمعُ قبل تمامهِ بأجزائه. فكما أنَّ التثنيةَ والجمعَ إنَّما يلحقانِ آخره، كذلك التَّنوينُ يلحقُ آخره، وكان يحذفُ من آخرِ ما لا ينصرف، حذفتَ من آخرِ أيَّة، كما حذفتَ من آخرِ الموصوف، إذا حصلَ فيه ما يمنع الصرفَ.
فإن قال قائلٌ، ممَّنْ يذهب قول أبي عمر: إنّ الذي شبَّه به أبو الحسن أيّةً إذا وصلت من قولهم: خيراً منك، ونحوه، لا يشبِه الصِّلة، لأنّ هذه اللَّواحقَ التي تلحق خيراً، وضارباً، وعشرين درهماً، يعملُ فيها ما قبلها، والصِّلةُ لا يعملُ فيها الموصولُ، فهذه اللَّواحقُ، لتشبُّثها بما قبلها، واقتضائِه لها، لا يتمُّ إلاّ بها، فإذا
لم يتمَّ إلاّ بها، وقع التنوينُ وسطاً، فلم يلزم حذفُه، والصلةُ ليست كذلك مع الموصول.
قيل إنّ الموصولَ يقتضي الصِّلةَ أشدَّ من اقتضاء العاملِ المعمولَ فيه، ألا ترى أنَّ الموصولَ لابدَّ له من صلةٍ، ومن ذكرٍ يعود منها إلى الموصول، إذا كان اسماً، والعاملُ من نحو: ضاربٍ، وخيرٍ، وعشرين، قد لا يعملُ في شيءٍ، فيكون كلاماً، فإذا نوِّنَ الاسمُ مع ما اتِّصالُه به، واقتضاؤُه له دونَ اقتضاءِ الصِّلة للموصول، فأن ينوَّن مع الصِّلةِ
стр. 403
أجدرُ، من حيثُ تعلُّقها به أشدُّ، ومن ثمَّ خفِّفت أنَّ المفتوحة، على شريطة الإضمارِ فيها، ولم تكن المكسورةُ كذلك، لأنَّ المفتوحة موصولةٌ، والمكسورةَ عاملةٌ غيرُ موصولة، فمن حيث كان اقتضاءُ الموصولِ للصِّلة أشدَّ من اقتضاء العامل، الذي ليس بصلةٍ، خفِّفت على شريطة الإضمارِ فيها.
فالتَّنوين في أيَّةٍ على ما ذهب إليه أبو الحسن، أبينُ، إذا رددتها إلى هذا الاعتبار، من قولِ أبي عمرَ.
وأمَّا قولُ الأسودِ بن يعفر:
هما خيَّباني كلَّ يومٍ غنيمةٍ ... وأهلكتهمْ لو أنَّ ذلك نافعُ
وأتبعتُ أخراهمْ طريقَ ألاهمُ ... كما قيل نجمٌ قد خوى متتابعُ
فقيل فيه: إنه يريد: هجوتُ آخرهم، كما هجوتُ أوَّلهم، أي ألحقتُ آخرهم بأوَّلهم، في الهجاء لهم، فأراد بقوله: ألاهمْ أولاهمْ، فحذفَ الواو التي هي عينٌ، لأنَّ هذه الحروفَ، وإن كانت من أنفسِ الكلمِ، فهي تشبهِ الزيادةَ، لما يلحقها من الانقلاب والحذف، وقد جعلوه بمنزلةِ الزِّيادة، في منزلي ويبتلي وشأنهما
стр. 404
يعلو، ويعرِّجني طفلو، وقد جعلوها من مرامىً بمنزلة التي في حبارى، وجعلوها في تحيَّةٍ في النسب، بمنزلة التي في عليَّة الزائدة، ومن ثمَّ جعله الخليلُ، في قولهم: أوومَ بمنزلة الواو، في سويرَ، وقوولَ، فلم يدغم، كما لم يدغما فيهما.
وقال أبو عثمان: الهمزةُ بعدها في قياسِ قوله، ينبغي أن تكون بينَ بينَ.
وممَّا يدلُّ على أنَّ المحذوفَ عينُ الفعل من ألاهمْ أنَّها معادلةٌ لأخراهمْ،
стр. 405
وفي التنزيل: (وقالت أخراهم لأولاهمْ)، وقال أميّةُ:
وقد علمنا لو أنَّ العلمَ ينفعنا ... أن سوف تلحقُ أخرانا بأولانا
ويدلُّك على ذلك أيضاً، أنَّها لا تخلو من أن تكونَ على ما ذكرنا، أو تكونَ ألى التي هي الاسمُ المبهم، الذي يمدُّ، أو ألى الموصولة، في نحو:
ونحن ألى ضربنا رأسَ حجرٍ
و:
نحن الألى فاجمعْ جموعكَ
أو ألى الذي هو جمعُ ذو من غير لفظه، نحو قولِه: (نحن أولو قوةٍ). فلا يجوز أن تكون المبهمةَ، لأنَّ تلك لا تضافُ، كما لا تدخلها الألفُ واللامُ، وكذلك سائرُ المبهمات، لا يجوز أن يضافَ شيءٌ منه، أو تدخله الألفُ واللامُ. ولا يجوز أن تكونَ الموصولةَ، لأنَّ الموصولةَ لا تضافُ، كما لا يضافُ الذي، وما، ومن.
стр. 406
ولا يجوز أن يكون الذي هو جمع ذي على غير لفظه، لأنَّ ذاك لم تعلمه أضيفَ إلى المضمر.
فإن قلتَ: تضيفه كما أضيفَ ذو في قول كعبٍ:
أو ذووها
فالقولُ: أنَّ ذلك لا يستقيم، لأنها لم تجئْ مضافةً في موضعٍ علمناه، وكان القياسُ في ذو ألاَّ يضافَ، ولكنّه شبِّه بصاحبٍ، فأضيفَ، كما أضيف صاحبٌ، ولم يكن القياسَ.
ومن الأسماءِ الموصولة: اللاَّئي، واللاّتي، وهما يقعان على المؤنَّث، قال تعالى: (واللاَّئي يئسنَ منَ المحيضِ)، وقال: (واللاّتي تخافون نشوزهنَّ)، وقال: (واللاّتي
يأتين الفاحشةَ منْ نسائكمْ)، ولم نعلم اللاتي استعملتْ في المذكَّر،
стр. 407
فأمَّا اللاَّئي فقد استعمل في المذكَّر أيضاً، يدلُّ على ذلك قولُ الشاعر:
ألمَّا تعجبي وترى بطيطاً ... من اللاّئينَ في الحقبِ الخوالي
فجمع بالواو والنون، ولو كان يختصُّ المؤنَّثَ لم يجمع بالواو والنُّون.
فإن قلتَ: فكيف جمع بالواو والنُّون، والياء والنُّون،، وهو جمعٌ؟
فإنَّ ذلك ليس بأبعدَ من جمع هم الاسمَ المجموعَ بالواوِ والنون، والألف والتاء، فقد جاء في الحديث: صواحباتُ يوسف، وأنشدوا للفرزدق:
وإذا الرِّجالُ رأوا يزيدَ رأيتهمْ ... خضعَ الرِّقابِ نواكسي الأبصارِ
ويدلُّ على تذكير اللاَّئي أيضاً قوله:
من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ
стр. 408
ألا ترى أنه جعله وصفاً للنَّفر، والنَّفرُ مذكَّر.
فأمَّا قوله: من النَّفر اللاَّئي الذين فإن اللاّئي وإن لم يعدْ عليه ذكرٌ من اللَّفظِ وظاهره، كما تقدَّم ذكره، فإنه يجوز أن يكونَ حذفَ الراجعَ من الصِّلة، كأنه قال: اللاّئي هم الذين، ويجوز أن يكونَ حذفَ الصِّلةَ، لأنَّ صلةَ الموصولِ التي بعده تدلُّ عليه، كقولِ الآخر:
من اللَّواتي والَّتي واللاّتي زعمنَ أنّي كبرتُ لداتي
فلم يأتِ للموصولين الأوَّلين بصلةٍ.
ويجوز فيه وجهٌ آخرُ: وهو أنّ البغداديِّين قد أجازوا في هذه الموصولة، من نحو الذي أن توصفَ، ولا توصلَ، كإجازة الجميع ذلك، في منْ وما، وقد أنشد أبو عثمان، عن الأصمعيّ:
حتى إذا كانا هما اللّذينِ ... مثلَ الجديلينِ المحملجينِ
وقد قالوا: هنَّ اللاَّ فعلنَ ذاك، قال:
فدومي على العهدِ الذي كان بيننا ... أم آنتِ من اللاَّ ما لهنَّ عهودُ
стр. 409
وقال الكميت بن معروف:
وكانت من اللاَّ لا يعيَّرها ابنها ... إذا ما الغلامُ الأحمقُ الأمِّ عيِّرا
وقال امرؤ القيس:
كبكرِ المقاناةِ البياضُ بصفرةً ... غذاها نميرُ الماءِ غيرَ محلَّلِ
البياض: ينشدُ بالرفع والنَّصب والجرّ.
فالنَّصبُ على: الذي قونيتِ البياضَ، مثل: أعطيَ الدِّرهمَ، والجرُّ على: المعطى الدِّرهمِ مثل: الحسنِ الوجهِ والرَّفعُ على: التي قونيَ البياضُ منها.
وقيل فيه: إنه بيضُ النَّعامِ، وقيل: الدُّرُّ.
والضَّميرُ في غذاها يعود إلى المرأةِ.
أنشد سيبويه:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضبُ منه صاحبي بقؤولِ
стр. 410
في قوله: يغضبُ ضربان: إن جعلتها داخلةً في الصِّلة، كانت مرفوعةً، لأنه لا شيءَ يحملُ عليه فينصبَ، فإذا عطفَ لم يخرجها من الصَّلة، وحمل الكلامَ على المعنى، كأنه قال: وما أنا للَّذي لا ينفعني ويغضبُ منه صاحبي بقؤولِ.
فإذا دخلَ يغضبُ في الصِّلة، عطف المضارعُ على اسم الفاعل، وكلُّ واحدٍ من المضارعِ واسم الفاعل، يعطفُ على الآخر، لتشابههما، قال:
بات يعشِّيها بعضبٍ باترِ ... يقصدُ في أسوقها وجائرِ
وموضع المضارعالذي هو يغضبُ في البيت، نصبٌ للعطف على خبر ليس، والضميرُ الذي هو منه يعودُ على اسم ليس، والمقولُ حينئذٍ هو الشيءُ، والقولُ يقع عليه، لعمومهِ، واحتمالهِ أن يكون القولَ وغيره، وليس كالغضب.
فإذا أخرج يغضبُ من الصِّلة، أضمرَ أنْ لعطفه إيَّاها على الشيء، كأنه قال: وما
أنا للشيء الذي ليس نافعي، ولغضبِ صاحبي بقؤولِ، فالغضبُ لا يقال، ولكن التقدير: ولقول غضبِ صاحبي، فتضيفُ القولَ الحادثَ عنه الغضبُ، إلى الغضب، كما تقول: ضربُ التَّلفِ، فتضيفُ الضَّربَ إلى ما يحدثُ عنه.
стр. 411
أنشد سيبويه:
وكلُّ أخٍ مفارقهُ أخوهُ ... لعمرُ أبيكَ إلاَّ الفرقدانِ
قال: لا يجوز أن يكون قوله: إلاَّ الفرقدان على: إلاَّ أن يكون الفرقدان، وإنما لم يجز هذا، لأنَّك لا تحذفُ الموصولَ وتدعّ الصِّلةَ، لأنَّ الصِّلةَ تذكر للتَّخصيص والإيضاحِ للموصول، فإذا حذفتَ الموصولَ، لم يجزْ حذفه وذكرك ما يكونُ إيضاحاً له، ونظير ذلك أجمعون في التأكيد، لا يجوز أن تذكره، وتحذف المؤكَّدَ.
فإن قلت: فلم لا يكون كالصِّفة والموصوف، في جوازِ حذفِ الموصوفِ وذكرِ الصِّفة، فكذلك تحذفُ الموصولَ وتذكرُ الصِّلةَ؟
قيل: لم تكن الصِّلةُ في هذا كالوصف، إذا كان مفرداً، ألا ترى أنَّ الوصفَ إذا كان مفرداً كان كالموصوفِ، في الإفراد، وإذا كان مثل، جاز وقوعه مواقع الموصوفِ، من حيث كان مفرداً مثلّه، مع استقباحٍ لذلك، فأمَّا الصِّلةُ فلا تقعُ مواقع المفرد، من حيث كانت جملاً، كما لم يجزْ أن تبدلَ الجملُ من المفردة، من حيث كان البدلُ في تقدير تكرير العامل، والعاملُ في المفرد لا يعملُ في لفظِ الجمل، فكذلك لا يجوز أن تحذفَ الموصولَ، وتقيمَ الصِّلةَ مقامه.
стр. 412
فإن قلت: فهلاَّ جاز حذفها، كما جاز حذفُ الصِّلات، وإبقاءُ الموصولة، كقوله:
بعدَ اللَّتيَّا واللَّتيَّا والَّتي
فإنَّ إبقاءَ الموصولِ، وحذفَ الصِّلةِ أشبه من عكس ذلك، لأنَّ الموصولَ مفردٌ، وليس كالصِّلة التي هي جملةٌ، فلذلك جاء في الشِّعر، ولم يمتنع، كما لم يمتنعْ أن يذكرَ المؤكَّدُ، ولا يذكرَ التأكيد، ولو ذكرت أجمعون ونحوه، ولم تذكر المؤكَّدَ، لم
يجزْ، فأمَّا قولُ من تأوَّلَ قولَه:
لعمري لأنت البيتُ أكرمُ أهلهُ ... وأقعدُ في أفيائه بالأصائلِ
على أنَّ التقدير: لأنت البيتُ الذي أكرمُ أهله، وحذف الموصولَ، فليس في البيت دلالةٌ على هذا الذي تأوَّله، وذلك أنه يجوزُ أن يكون أكرمُ أهله جملةً مستأنفةً معطوفةً على الأولى، ولم تحتج إلى حرفِ العطف، لما في الثانية من ذكر ما في الأولى، كقوله:
стр. 413
(أولئك أصحابُ النَّارِ همْ فيها خالدونَ)، ويجوز أيضاً أن يكون قوله: لأنت البيتُ على جهة التعظيم، وأجرى عليه اسم الجنس، لهذا، كما تقول: أنت الرجلُ، تريدُ به الكمالَ والجلدَ، فكذلك يكون المرادُ بالبيت، ألا ترى أنَّهم قد يقولون: له بيتٌ وشرفٌ.
فإذا كان كذلك، جازَ أن يكون أكرمُ أهله في موضع حالٍ، ممَّا في البيت من معنى الفعل، كما أنَّ علماً من قولك: أنت الرجلُ علماً وفهماً، ينتصبُ عمَّا في الرجلِ من معنى الكمال، وكما أنَّ جارةً في قوله:
يا جارةً ما أنتِ جارهْ
ينتصبُ عمَّا في ما أنتِ من معنى التَّعظيم، كأنه قال: كملتَ في حالِ علمكَ وبذِّكَ غيركَ.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون البيتُ بدلاً من أنتَ، ويكون أكرمُ في موضعِ خبر المبتدأ، كأنه قال، إذا أبدلَ البيتَ من أنتَ: أنت أكرمُ أهلَه، أو البيتُ أكرمُ أهله.
فإنَّ قياسَ قول سيبويه عندي، ألاَّ يجوز هذا، ألا ترى أنه لم يجزْ في قولهم: بيَ المسكينِ كان الأمرُ بدلَ المسكينِ من الياء، وإنَّما لم يجز ذلك، لأنَّ البدلَ إنما يذكرُ لضربٍ من التبيين، فإذا لم يفدْ ذلك لم يستجزْ، والمتكلِّمُ في غاية التَّخصيص والتَّبيين، فلم يحتج لذلك فيه إلى بدلٍ، وإذا كان كذلك فالمخاطبُ في هذا كالمتكلِّم.
стр. 414
وقال امرؤ القيس:
فأدبرنَ كالجزعِ المفصَّلِ بينه ... بجيدِ معمٍّ نتعلبافكاح
قوله: بجيدِ يصلحُ أن يتعلَّقَ بشيئين: يكون متعلِّقاً بقوله: فأدبرنَ، كأنه: كالجزع ثابتاً بجيد معمٍّ، ويكون متعلِّقاً بالفعلِ الذي في الصِّلة، كأنه: الذي فصِّل ثابتاً بجيدِ معمٍّ.
فإن قلت: فهل يجوزُ أن يكونَ ظرفاً لما في الصِّلة؟
فإنَّ ذلك لا تحملُه عليه، ألا ترى أن قوله: بينه ظرفٌ منه، فلا يكون منه ظرفان، ولكن يستقيم أن تجعله ظرفاً من العامل الأوَّل، الذي هو: كالجزع بذلك المكان، وأنت تجعله ظرفاً متعلِّقاً بالأول، لا حالاً متعلِّقاً بمحذوف.
فأمَّا اللامُ في المفصَّل فالعائدُ إليه الذِّكرُ الذي في بينه أي كالجزع الذي فصِّلَ بينه، وينبغي أن يكون المسندُ إليه فصِّلَ، الفصلَ.
فإن قلت: إنَّ في المفصَّل ذكراً مرفوعاً، يعودُ إلى اللاَّم، والهاءُ أيضاً تعود إليه، كأنه قال: كالجزع الذي فصِّل بين بعضه وبعضٍ، كما تقول: كالجزع الذي فصِّل يوم الجمعة، أو في الدار.
فذلك أيضاً مستقيمٌ.
فإن قلت: إنه في قولِ أبي الحسن، يجوز أن يكون بينه في موضع رفع، كما قال
стр. 415
في قوله : (يومَ القيامةِ يفصلُ بينكمْ: إن (بينكم) قام مقامَ المسندِ إليه الفعلُ.
فهو أيضاً مستقيمٌ على ذلك، والمعنى أنَّ هذه البقرَ أدبرنَ، وفيها سوادٌ وبياضٌ، فأشبهت، للسَّوادِ الذي فيها والبياضِ، الجزعَ الذ فصِّلَ بينه في النُّظم في قلادة، على جيد صبيٍ معمٍّ مخول، فذلك يكونُ أحسنَ لهذا الجزع، لأنَّ الصبيَّ إذا كان كذلك، تنوَّقوا فيما يطوِّقونه، من هذه الإنظامة.
أنشد أحمد بن يحيى:
فإن أدعِ اللّواتي من أناسٍ ... أضاعوهنَّ لا أدعِ الَّذينا
قال: يقول: فإن أدعِ النِّساء اللَّواتي أولادهنَّ من رجالٍ قد أضاعوا هؤلاء النِّساء، أي لا أهجو النِّساء، ولكن أهجو الرجالَ الذين لم يمنعوهنّ، فعلى تفسيره، ينبغي أن يكون المبتدأ مضمراً في الصِّلة، كأنه قال: فإن أدعِ اللَّواتي أولادهنَّ من أناسٍ أضاعوهنَّ، فلم يحموهنَّ، كما تحمي البعولةُ أزواجها، فلا أدعِ الذين، والتقدير: إن أدعْ هجوَ هؤلاء النِّساءِ المضيِّعات، لا أدعْ هجوَ الرجالِ المضيِّعين، وذمَّهم على فعلهم، فالمضاف محذوفٌ في الموضعين.
стр. 416
وتقديرُ حذف المبتدأ غيرُ ممتنعٍ هنا، وقد حذف المبتدأُ في الصِّلة، في نحو قولِ عديٍ:
لم أرَ مثلَ الفتيانِ في غبنِ الأيَّام ينسونَ ما عواقبها
أي: ما هوعواقبها، فحذفَ، وكذلك يمكنُ أن يكون قولُه:
ألا ليتَ ما هذا الحمامُ لنا
وقد يستقيم أن تكونَ الًِّلةُ من أناسٍ فتكون مستقلَّةً.
وإن لم تقدِّرْ حذفَ المبتدأ، فيكون التقديرُ على أحدِ أمرين: إمَّا أن يكونَ: اللَّواتي من نساءِ أناسٍ، فحذفَ المضافَ، أو يكون: اللَّواتي من أناسٍ، على ظاهرهِ، لا تقدِّرُ فيه حذفاً، فيكون معنى قوله في النِّساء: هنَّ من أناسٍ، على معنى أنهم يقومون بهنّ، وبالإنفاق عليهنّ.
стр. 417
فأمَّا صلةُ الذين فمحذوفٌ من اللفظ، للدَّلالة عليها، فيما جرى من ذكرها، تقديره: الذين أضاعوهنَّ.
وقال بعضُ الهذليِّين:
السَّالكُ الثُّغرةَ اليقظانَ كالئها ... مشى الهلوكِ عليها الخيعلُ الفضلُ
إن نصبتَ كالئها لم يجزْ أن تجعله حالاً من السَّالك وأنت قد وصفته باليقظان،
لأنّك حينئذٍ تفصلُ بين الصِّلةِ والموصول، ولكن يجوز أن تنصبه حالاً عمَّا في يقظان، كأنه يتيقَّظُ في حالِ حفظهِ إيَّاها.
ويجوز إذا نصبتَ كالئها أيضاً أن تجعله بدلاً من اليقظان.
فإن قلت: أفيجوزُ إذا نصبتُ كالئها أن أجعلَ الكالئَ حالاً من الموصول، الذي هو السَّالكُ، على ألاَّ أجعلَ اليقظانَ صفةً للألفِ واللاّم، ولكن أجعله صفةً للثُّغرة، فلا يلزمُ حينئذٍ إذا جعلته حالاً، أن أكون قد فصلتُ بينَ الصِّلة والموصول.
стр. 418
فإنَّ وصفَ الثُّغرةِ باليقظان ليس بالسَّهلِ، لأنَّ اليقظانَ من صفة الرجل، دونَ الثُّغرة، وهو مع ذلك مذكَّرٌ، والثُّغرةُ مؤنَّث.
فإن قلتَ: فهل يجوز أن أحمله على الاتِّساع، فأقول: ثغرةٌ يقظانُ، وأنا أريد: يتيقَّظُ فيها، لشدَّةِ خوفِ السَّالكِ لها، كما أقولُ: ليلٌ نائمٌ، أريدُ أنَّه ينامُ فيه، وأحملُ التذكيرَ على المعنى، لأنَّ الثُّغرةَ، والثَّغرَ، والموضعَ واحدٌ في المعنى.
فأقول: إنَّك إن حملته على هذا، لم يمتنع أن يكونَ كالئها حالاً من اللاَّم التي في السَّالك المنتصبِ، وإن جعلتَ اليقظانَ على هذا الذي ذكرته من الاتِّساع، جاز أيضاً في الكالئ أن تجعله حالاً ممَّا في السَّالك ممَّا يعودُ إلى اللاَّم، ألا ترى أنَّك إذا جعلتَ اليقظانَ وصفاً للثُّغرة، ولم تجعله صفةً للاّمِ، لم تتمَّ الصِّلةُ، وإذا لم تتمَّ الصِّلةُ لم يكن في الكلام شيءٌ يؤذنُ بتمامها، من صفةٍ لها، أو عطفٍ عليها، أو تأكيدٍ يتبعها، لم يمتنعْ أن تجعلَ كالئها حالاً من الضَّمير، كما وصفنا.
فإن رفعتَ كالئها، ورفعت السَّالكَ جاز أن يكون السَّالكُ ابتداءً، مثل: الضَّاربُ هنداً حافظها.
فإن نصبتَ السَّالكَ، ورفعتَ كالئها، كان ارتفاعُ كالئها باليقظان، كأنه: السَّالكُ الثُّغرةَ المتيقِّظَ كالئها، كأنه ثغرٌ مخوفٌ يحتاج حافظه أن يكون متيقِّظاً حذراً، لا يغفلُ، ولا يدعُ التَّحرُّزَ، من شدَّة الخوفِ فيها.
стр. 419
ويجوز أن ترفع اليقظانَ، وتنصبَ السَّالكَ وكالئها، فيكون اليقظانُ بدلاً من الذِّكر العائدِ إلى الألفِ واللام، في السالك، فيكون كالئها حالاً من السُّلوك.
-
стр. 420
بابٌ من
الفاعل
الاسمُ الذي يكونُ فاعلاً، بالوصفِ الذي ذكر في كتاب الإيضاح على ضربين: مظهر، ومضمر.
فالمظهر المسند إليه الفعلُ على ضربين، أحدهما: أن يسندَ الفعلُ إليه بغير حرفِ جرٍّ، يدخل عليه، والآخرُ: أن يسندَ الفاعل، وفيه حرفُ جرٍّ.
فما أسند إليه الفعلُ من الفاعلين، وقد جرَّ بحرفٍ، فهو في موضعين، أحدهما: أن يكون إيجاباً، وهو قليلٌ، والآخرُ: أن يكون غير إيجاب، فالإيجابُ كقولك: كفى بالله، وفي التنزيل: (قلْ كفى باللهِ شهيداً بيني وبينكمْ)، وتقول: كفى الله، فلا تلحقُ الحرفَ، قال:
عميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا ... كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
وقالوا: أحسنْ بزيدٍ، وأكرمْ بعمروٍ، وفي التنزيل: (أسمعْ بهمْ وأبصرْ)،
стр. 421
فحذفَ الباءَ، كما حذفتْ من: كفى باللهِ، لمَّا قيل: كفى اللهُ، فاستتر الضَّميرُ في الفعل، وعلى هذا قولُ أوسٍ:
تردَّدَ فيها ضوءها وشعاعها ... فاحصنْ وأزينْ لامرئٍ إنْ تسربلاَ
ولا يجوزُ حذفُ الجارِّ والمجرور، من حيث لم يجز حذفُ الفاعل.
فإن قلتَ: فكيف القولُ في قوله: (أسمعْ بهمْ وأبصرْ) ولم يذكرِ الجارَّ والمجرور بعد (أبصرْ)، كما ذكرا بعد (أسمع بهمْ)؟
فالقولُ في ذلك: أنَّ حذفَ الفاعلِ قد جازَ في قولِ ناسٍ من أهلِ النَّظر في العربيّة، وقد ذهب أبو الحسن، في بعض الأشياء، إلى ذلك، ومن لم يجزْ حذف الفاعل - وهو قول سيبويه - جعل في قوله: (أبصرْ) ضميراً، كما كان في قولِ أوسٍ.
فإن قلت: فهلاَّ جمع الضَّميرَ لمَّا حذفَ الجارَّ، فاتَّصلَ الفاعلُ بالفعلِ، كما تقولُ: القومُ كفوا، إذا لم تلحقِ الجارَّ، فتقول: القومُ كفى بهمْ.
فالقولُ في ذلك: أنه يجوزُ أن يكونَ أضمرَ على لفظِ المفرد، دونَ الجميع، لأنَّ هذا الفعلَ بمنزلةِ نعمَ وبئس، فكما لم يلحقوا علامةَ الجميع، هذين الفعلين،
стр. 422
كذلك لم يلحقْ هذا، وجعل الفاعلَ على لفظ المفرد، وإن كان في المعنى جميعاً، وأيضاً فإنه يجوز أن يكون أجري مجرى أفعلَ، الذي في قولهم: ما أحسنَ زيداً، فكما لم يجمع الضَّميرُ في أحسنَ، كذلك لم يجمع في: أسمعْ، وأحسنْ، من حيثُ اتَّفقا في المعنى، وأيضاً فإنَّ هذا الفعلَ قد جرى مجرى الاسم، في تصحيحهم له، ألا تراهم قالوا: أقول به، وأطيبْ براحِ الشامِ صرفا.
فكما لم تظهرْ علامة الضَّمير، في اسم الفاعل، كذلك لم تظهر في هذا الفعل.
وإن شئت قلت: إنَّ هذا الحذفَ اللاحق في اللفظ، حكمه حكمُ الإثبات، لأنَّ ما تقدَّم قد دلَّ عليه، كما كان كلٌ في قوله:
أكلَّ امرئٍ تحسبينَ امرءاً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيلِ نارا
في حكم الملفوظِ به، لتقدُّمِ ذكرِ كلٍّ قبله، وإغنائه عنه، وكذلك يكون هذا الفعلُ الثاني الذي هو (أبصرْ) بمنزلةِ الملفوظِ به، وفي حكمه، فلا يمتنعُ ذلك عنده، كما لم يمتنع أن يقول:
ونارٍ توقَّدُ بالليل
стр. 423
فلم يكن ذلك عنده عطفاً على عاملين، لكون كلِّ في حكمِ الملفوظِ به.
ومثل (أسمعْ بهمْ) في أنّ اللفظَ لفظُ الأمرِ، والمعنى على الخبر، قوله تعالى: (قلْ منْ كانَ في الضَّلالةِ فليمددْ له الرَّحمنُ مدَّا) ألا ترى أنَّ تأويلَ الأمرِ هنا لا يتوجَّه.
وممَّا اتَّصل به الجارُّ من الفاعلِ المظهرِ، قوله:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تنمي ... بما لاقت لبونُ بني زيادِ
فالابتداءُ الذي بعدَ الفعل وخبره، اعتراضٌ، كما كان اعتراضاً في قولِ الآخرِ:
وقد أدركتني والحوادثُ جمَّةٌ أسنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عزلِ
ومن ذلك قولُ النَّمر بن تولبٍ:
حتَّى إذا قسمَ النَّصيبُ وأصفقتْ ... يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
ظهرتْ ندامتهُ وهانَ بسخطهِ ... شيئاً على مربوعها وعذارها
стр. 424
المعنى: هانَ سخطُه، فالجارُّ والمجرورُ في موضعِ رفع، كما كانا في (كفى باللهِ) كذلك، فأمَّا قولُ جريرٍ:
فأولعْ بالعفاسِ بني نميرٍ ... كما أولعتَ بالدَّبرِ الغرابا
فالجارُّ والمجرور في موضع نصب، ويدلُّك على ذلك أمران: أحدهما تعدَّى الفعل إلى مفعولين، ألا ترى أنَّ أولعْ تعدَّى إلى بني نميرٍ، وتعدَّى إلى العفاس بالباء، والآخرُ: تعدِّيه إلى المصدر، ألا ترى أنَّ المعنى: أولعهم بها إيلاعاً، كإيلاعك الغرابَ بالدَّبر، ومن ذلك ما أنشده أبو زيد:
مهما ليَ اللَّيلةَ مهما ليهْ ... أودى بنعليَّ وسرباليهْ
يجوز أن تكون الباءُ زيادةً، كأنه: أودى نعلايَ، فلحقت الباءُ، كما لحقتْ في (كفى باللهِ)، ويدلُّك على زيادة الباء ما أنشده أبو زيد:
أودى بنيَّ فما برحلي منهمُ ... إلاَّ غلاماً بيئةٍ ضنيانِ
стр. 425
فإن قلت: فلمَ لا تجعلُ الباءَ زيادةً في المفعولِ به، كقوله:
هنَّ الحرائرُ لا ربَّاتُ أحمرةٍ ... سودُ المحاجرِ لا يقرأنَ بالسُّورِ
ويكون الفاعلُ مضمراً، كأنه: أودى مودٍ بنعليَّ، فتضمرهُ للدَّلالةِ عليه، كما أضمر في قوله: (ثمَّ بدا لهمْ)، ونحو ذلك.
فالقولُ أنَّ هذا أضعفُ، لأنه ليس في مودٍ الذي تضمره زيادةٌ على ما استفدته في قوله: أودَى، وليس قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ) كذلك، لأنَّ البداءَ والبدوَ قد صارا بمنزلة المذهبِ، في قولك: ذهبَ به مذهبٌ، وسلكَ به مسلكٌ.
فإن قلت: فلمَ لا تجعلُ فاعلَ أودى ذكراً يعودُ إلى ما في قوله: مهما لي الليلة؟
فإن ذلك أيضاً ليس بالقويِّ، لأنَّ المعنى يصيرُ كأنه: أودى شيءٌ بنعليَّ، فإذا جعلتَ الباءَ لاحقةً للفاعل، كان أشبه.
следующие страницы →