Полный текст (536 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فكما كان هذان الاسمان في موضعِ خبر المبتدأ، كذلك يجوز أن يكونا فاعلين في هذه المواضع، ويحملُ الكلامُ على المعنى.
وإن شئتَ جوَّزتَ في قولها:
ما كان ضرَّك لو مننتَ
أن تكون ما نافيةً، فأضمرتَ في الفعل الضُّرَّ، أو الضَّيرَ.
ولا يستقيمُ أن تجعلَ المنَّ الذي دلَّ عليه قولها: لو مننتَ الفاعلَ، كما استقام ذلك في همزة الاستفهام، وأمْ، ألا ترى أنه ليس في لوْ ما في الهمزة وأم من معاقبة الاسمين بعدَ لوْ كما تعاقبا بعدَ سواءٍ في قولِ النَّمر، ونحوه.
ومن ذلك قولُ الأسودِ بن يعفر:
تحاماكَ الحتوفُ وأفلتوني ... أخو الملهوفِ والبطلِ المحامي
الواو في أفلتوني ضميرٌ لما يتقدَّم ذكره، وليس على أكلوني البراغيثُ،
стр. 457
فهو في المعنى كقول الآخر:
يموتُ الصَّالحون وأنت حيٌّ ... تخطَّاك المنايا لا تموتُ
ونحوهُ في المعنى قولُ الشَّمَّاخ:
ولكنِّي إلى تركاتِ قومي ... بقيتُ وغادروني كالخليعِ
ومثلُ قولِ الأسودِ: وأفلتوني، وهو يريدُ الموت، قولُ النَّمر بن تولبٍ:
شهدتُ وفاتوني وكنتُ حسبتني ... فقيراً إلى أن يشهدوا وتغيبي
وقال: تحاماكَ الحتوفُ، فجاء به على الخطاب، كما قال الأعشى:
شتَّانَ ما يومي على كورها ... ويومُ حيَّانَ أخي جابرِ
стр. 458
أرمي بها البيدَ إذا هجَّرتْ ... وأنتَ بينَ القروِ والعاصرِ
يريد: وأنا كذلك، ألا ترى أنَّ قبله:
أرمي بها البيدَ إذا هجَّرتْ
وقوله: أخو الملهوف بدلٌ من الضَّمير الذي في أفلتوني، وهو اسمٌ مضافٌ مفردٌ، يرادُ به الكثرةُ، وفي التنزيل: (وإن تعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها)، ولا ينبغي أن يكونَ على: ضربَ زيدٌ رأسه، لأنه لا يريدُ أنَّ بعضَ من فاته أخو الملهوف، ولكنْ جميعهم، وعكسُ هذا في البدل، ما أنشده أبو عبيدة:
وأدخلُ الجوفَ أجوافَ البيوتِ على ... مثلِ النِّساءِ رجالٍ ما لهمْ غيرُ
فالجوفُ واحدٌ، يرادُ به الكثرةُ، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يرادَ به الإفرادُ أو الكثرةُ، فلو أريدُ به المفردُ، لم يجزْ، لأنَّ البدلَ إنما يكون وفقَ المبدلِ منه، أو بعضه، ولا يكونُ أن يزيدَ عليه.
فإذا كان كذلك علمتَ أن الجوفَ يرادُ به الكثرةُ، فلذلك استقام أن تبدلَ
стр. 459
الأجوافُ منه، فصار بمنزلةِ: ضربتُ زيداً رأسه، ومثل ذلك في أنه أريدَ بالمفردِ فيه الكثرةُ، قولُ النَّمر:
حتى إذا قسمَ النَّصيبُ وأصفقتْ ... يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
أراد بالنَّصيب الأنصباءَ، ألا ترى أنَّ الميسرَ إنَّما تكون فيه أنصباءُ عدَّةٌ، ليس نصيباً واحداً.
وقال ذو الرُّمَّة:
إذا تنازعَ جالاَ مجهلٍ قذفٍ ... أطرافَ مطَّردٍ بالحرِّ منسوجِ
تلوى الثَّنايا بأحقيها حواشيهُ ليَّ الملاءِ بأبوابِ التَّفاريجِ
كأنَّه والرَّهاءُ المرتُ يركضهُ ... أغراسُ أزهرَ تحتَ اللَّيلِ منتوجِ
فاعلُ يركضُ لا يخلو من أن يكون الآل، أو الرَّهاءَ المرت، فالدَّليلُ على
стр. 460
أنه الآلُ، دونَ الرَّهاء، أنهم يصفون الآل برفعِ الموضعِ الذي يكونُ فيه، فمن ذلك قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
المعنى: رفع الآلُ هذه الهضبةَ، التي هي رأسُ الكلب، وكان القياسُ: رفَّعها فترفَّعتْ، إلاّ أنَّ ارتفع جاء كقوله:
وقد تطوَّيتُ انطواءَ الحِضبِ
لأنَّ ارتفع مطاوعٌ، كما أنَّ ترفَّع كذلك، ومن ذلك قوله:
وساحرةِ السَّرابِ من الموامي ... ترقَّصُ في عساقلها الأرومُ
стр. 461
فالتَّرقُّصُ ارتفاعٌ من المترقِّص، وكذلك قولُ الآخر:
وهمَّ رعنُ الآلِ أن يكونا ... بحراً يكبُّ الحوتَ والسَّفينا
تخالُ فيه القنَّةَ القنونا ... إذا بدتْ نوبيَّةً زفونا
كان التقدير: تخالُ فيه القنَّةَ ذات القنون، أي التي تكون معها، نوبيَّةً زفوناً، فالمفعولُ الثاني نوبيَّة، لأنَّ القنَّةَ السَّوداء، لاهتزازها في منظرة العين شبَّهها بنوبيَّةٍ تزفنُ، فكما وصفَ بالتَّرقُّصِ، وصفَ بالزَّفن، ولا يكون القنونا المفعول الثانيَ، لأنه لا يخالُ في الآلِ، الشيءُ الواحدُ، اشياءَ، ولكن يخالُ أنها تهتزُّ وترتفعُ، ومن ثمَّ قالوا: زهاهمُ الآلُ، ومن ذلك قوله:
إذا الشَّخصُ فيها هزَّهُ الآلُ أغمضتْ ... عليه كإغماض المقضِّي هجولها
هجولها: فاعلُ أغمضتْ، والهجلُ: بطنٌ من الأرضِ، والمعنى: أنه جعل انتفاءَ استبانةِ الشَّخص فيه، بمنزلةِ إغماضةِ العين على الشيء، والتقدير: أغمضتْ مثل إغماضِ الميِّتِ، لأنَّ المقضِّيَ الميِّتُ.
والهزُّ: تحريكٌ كالرَّقص، ويدلُّ على أنّ الهزَّ في ارتفاعٍ قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
стр. 462
فإذا كان الآلُ هو المحرِّكَ، والرافعَ لهذه المواضع التي تكون فيه، فكذلك فاعلُ يركضُ هو السَّرابُ. والضَّميرُ الذي في قوله: كأنَّه هو للآلِ، أي: والرَّهاءُ المرتُ يركضُ الآلَ، وركضهُ إيَّاه هو كهزِّه له، ويكون ذلك في ارتفاعٍ، بدلالة ما أنشدناه.
وإذا كان كذلك علمتَ أن قوله:
كأنَّنا رعنُ قفٍّ يرفعُ الآلا
على القلب، والمعنى: يرفعه الآلُ، فقلب، كقوله:
مثلُ القنافذِ هدَّاجونَ قد بلغتْ ... نجرانَ أو بلغتْ سوآتهمْ هجرُ
فعلى قياسِ القلب، يجوز أن يكون فاعلُ يركضُ الرَّهاءَ، الذي هو اسمُ الموضع، كما كان فاعلُ يرفعُ، في قوله: يرفع الآلا القفَّ، وكذلك ممّا إذا لم يحوجْ إليه تصحيحُ وزنٍ، أو إقامةُ قافيةٍ، فلا ينبغي أن يحملَ عليه.
ومن قال: زيداً ضربته، قال: كأنه والرّهاءَ المرتَ يركضهُ، لأنّ الرّهاءَ مركوضٌ، وفاعله السَّرابُ، كما أن زيداً مضروبٌ.
ومن قدَّر القلبَ، لم يجزْ نصبَ الرّهاءِ، لأنه فاعلٌ، على قوله، وليس بمفعولٍ في اللَّفظ.
وفاعلُ أغمضتْ الهجولُ، التقديرُ: أغمضتْ عليه هجولها، فلم يرَ الشَّخصُ،
стр. 463
كإغماضِّ المقضِّي - وهو الميِّتُ - عينه، فحذف المفعولَ به، وهذا في المعنى كقوله:
ترى قورها يغرقنَ في الآلِ مرَّةً ... وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
فأغمضتْ، كقوله: يغرقنَ، ويدلُّك على أنَّ قوله: يغرقنَ يريدُ به أنه لا يظهرُ للعين، قوله:
وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
وقال ابنُ الرِّقاع:
وإذا بدا علمٌ لهنَّ كأنَّه ... في الآلِ حينَ بدا ذؤابةُ عائمِ
أي قد غطَّى الآلُ الجبلَ، فإنّما يظهرُ رأسه، كما يبدو رأسُ السَّابح. وقال أيضاً:
إذا علوا ظهرَ حزباءٍ تحاملهمْ ... آلُ الضُّحى وإذا ما أسهلوا غرقوا
تحاملهمْ: تحمَّلهم. وروى محمدُ بن السَّريِّ، أنَّ الآل بالضُّحى: الذي يرفعُ الشُّخوصَ، والسَّرابُ: نصفُ النَّهار، ويدلُّ على ذلك قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
وقوله:
إذا تنازعَ جالاَ مجهلٍ قذفٍ
فإنَّ منازعةَ جاليِ المجهلِ وجانبيه لأطرافِ المطَّردِ، إنَّما هو حدوثه فيه،
стр. 464
وانتساجه به، فجعله منازعةً له، كما أنَّ العجَّاجَ في قوله:
من رصفٍ نازعَ سيلاً رصفا
جعل جرى الماءِ من السَّيل إلى الرَّصفِ، منازعةً من الرَّصفِ للسَّيل.
وجوابُ إذا قوله: تلوى الثَّنايا، والمعنى: تلوى ثنايا هذين الجالينِ، أي الثَّنايا التي تتَّصل بأحقيها، أي بأوساطها، حواشيَ هذا الآلِ.
وليُّها له: هو ألاَّ يطَّردَ فيه اطِّراده في المستوى. أي يلوي عن الثَّنايا، ولا يطَّردُ فيها، كما يلوَى السِّترُ عن هذه الأبواب، فلا يسبلُ على جميعه.
والجملةُ التي هي قوله: والرَّهاءُ المرتُ يركضه في موضعِ نصبٍ على الحالِ، والعاملُ فيها معنى الفعل، والمعنى: كأنَّ السَّرابَ، أو الآلَ راكضاً الرَّهاءَ، مطرٌ، لأنَّ ذلك يشبَّهُ بالماءِ، ويظنُّ إيَّاه.
والأغراسُ: حميعُ غرسٍ، وهو الماءُ الذي يخرج مع الولد، فاستعارَه للمطر، أي
كأنَّه مطرُ سحابٍ أزهر، خرج ماؤه ليلاً.
стр. 465
ومثل قوله:
كأنّه والرّهاءُ المرتُ يركضه
في أنَّ الفاعلَ يكونُ مرَّةً الأرضَ، ومرَّةً ما يجري عليها، قوله:
فظلَّ السَّفا من كلِّ قنعٍ جرى به ... يخزِّمُ أوتارَ القيونِ نواصلهْ
ففاعلُ جرى، من قوله: من كلِّ قنعٍ جرى به القنعُ، على قياسِ ما جاءَ من قوله:
ما زالَ مذْ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ ... بالأشعثِ الوردِ إلاَّ وهو مهمومُ
ألا ترى أنَّ فاعلَ وجفتْ الأرضُ، وجعلها هي الواجفةَ بالأشعث، وإنّما الأشعثُ هو الواجفُ في الأرض، وهذا كما قالوا: سالتْ بهم الفجاجُ، والمعنى أنهم هم سالوا، وجروا في الفجاج.
ويجوز على تركِ الاتِّساعِ والقلبِ، أن يكونَ فاعلُ جرى السَّفا، دونَ القنعِ، كما أنَّ فاعلَ يركضه المطَّردُ، دونَ الرّهاءِ، ويبيِّنُ ذلك قوله:
وحتَّى رأينَ القنعَ من فاقِئ السَّفا ... قد انتسجتْ قريانهُ ومذانبهْ
المعنى: قد انتسجتْ قريانهُ بالسَّفا، فانتساجهُ به جريهُ فيه. وإن شئتَ قدَّرتَ حذفَ المضاف: انتسجتْ سفا قريانه.
стр. 466
ومثلُ قولِ ذي الرُّمَّة:
ما زال مذْ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ
قولُ الشَّمّاخ:
طوى ظمئها في بيضةِ القيظِ بعدما ... جرت في عنانِ الشِّعرَيينِ الأماعزُ
أي بعدَ ما جرت الأماعزُ بالسَّراب، على ظاهرِ اللَّفظ، وإن شئتَ قدَّرتَ حذفَ المضاف، فكان التقديرُ: بعدَ ما جرى سرابُ الأماعزِ، أو آلها، بها، إلاّ أنَّك حملتَ اللّفظَ على الأماعزِ، فأنَّثتَ على ذلك.
أنشدَ محمدُ بن السَّريِّ، لنصيبٍ:
وقالوا عهدناهُ وفي كلِّ ليلةٍ ... يحلُّ به من طالبِ العرفِ راكبُ
يحتمل قوله: من طالبِ العرف أمرين، أحدهما: أن يكونَ أراد الجمعَ، فحذف الياءَ، لالتقاء السَّاكنين، مثل: (محلِّي الصَّيدِ)، ويكون الرَّاكبُ بعضَ الجملةِ، كما تقولُ: يحلُّ به من المعتفين ناسٌ، والمعنى: فريقٌ راكبٌ، أو قبيلٌ راكبٌ.
стр. 467
والآخرُ: أن يكون الراكبُ هو الطالبَ، كما تقول: تلقى من زيدٍ الأسدَ، وتلقى بعمروٍ شجاعاً وعالماً.
و:
يأبى الظُّلامةَ منه النَّوفلُ الزُّفرُ
ويكون طالبُ العرفِ اسمَ الجنس، فلا يكون واحداً، ولكنْ كما أنشده أبو زيدٍ، من قولِ الراجز:
إنْ تبخلي يا جملُ أو تعتلِّى ... أو تصبحي في الظاعن المولِّي
وكما تقول: نعمَ الرجلُ، ونعم غلامُ الرجل، وفي التنزيل: (وإنْ تعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها)، ويكون أفردَ راكباً لمَّا كان الأوَّلَ في المعنى، وإن كان المرادُ به
стр. 468
الكثرةَ، لأنَّ الأوَّلَ أيضاً على لفظ الواحدِ، وقد جاء المفردُ في الإيجاب، يرادُ به الكثرةُ قال:
فقتلاً بتقتيلٍ وضرباً بضربكمْ ... جزاَء العطاسِ لا ينامُ من اتَّأَرْ
وقد قالوا: الجاملُ، والباقرُ، وقال : (فكنتمْ على أعقابكمْ تنكصونَ. مستكبرينَ به سامراً تهجرونَ)، فجاء (سامراً) يرادُ به الكثرةُ، وقال تعالى: فقطعَ دابرُ القومِ الَّذين ظلموا)، فهم فاعلٌ يرادُ به الكثرةُ.
ومثلُ كونِ الراكبِ، الطالبَ في المعنى، قولُ أبي ذؤيب، يصفُ سيلاً:
فمرَّ بالطَّيرِ منه فاعمٌ كدرٌ ... فيه الظِّباء وفيه العصمُ أجناحُ
стр. 469
مرَّ منه يريدُ: من السَّيل، والمعنى: مرَّ هو، كقوله:
بنزوةِ لصٍّ بعدَ ما مرَّ مصعبٌ ... بأشعثَ لا يفلى ولا هو يقملُ
وهو الأشعثُ.
وأجناحٌ: جمعُ جانحٍ، مثلُ صاحبٍ وأصحابٍ، وقيل: الجانحُ: المكبُّ على وجهه، وأمَّا قولُ أبي وجزةَ:
وأرى كريمكَ لا كريمةَ دونهُ ... وأرى بلادكَ منفقعَ الأجوادِ
فيقال: جيدَ الرجلُ، فهو مجودٌ: إذا عطشَ، فمنقعُ الأجواد: أي مروى العطاش، ليس أنَّ الأجوادَ جمعُ مجودٍ، ولكنْ كأنَّه جعل الواحدَ جائداً، فاعلاً، على معنى النَّسب، كلابنٍ وتامرٍ، أي ذو عطشٍ، ثم جمعه على أفعالٍ، كأصحابٍ.
وقال أبو حيَّةَ النُّميريّ، يصفُ حماراً:
إذا ريدةٌ من حيث ما نفحتْ لهُ ... أتاهُ بريَّاها خليلٌ يواصلهْ
стр. 470
يقال: ريحٌ رادةٌ، وريدةٌ، وريدانةٌ، للّين. وريّاها: ريحها، وخليلٌ: يعني أنفه. يقول: تأتيه الرِّيحُ، لتنسُّمهِ إيَّاها بأنفه.
فإذا هذه: التي هي ظرفٌ من الزَّمان، لأنّ المعنى: إذا نفحتْ ريحٌ تنسَّمها، وإذا كان كذلك، كانت ريدةٌ مرتفعةً بفعلٍ مضمرٍ، تفسيره نفحتْ، مثل: (إذا السَّماءُ انشقَّتْ) ونحو ذلك، ومن متعلّقةٌ بالمحذوف الذي فسَّره نفحتْ، وما أضيف إليه حيثُ ما حكاه أحمدُ بن يحيى: من حيثُ وليس.
ومثلُ حذفِ الفعل، الذي تقتضيه إذا هنا، ما جاء من حذف الفعلِ، الذي تقتضيه لو في قول الشاعر. . .
وإن شئتَ قلت: إنَّ حيثُ مضافةٌ إلى نفحتْ، وريدةٌ مرتفعةٌ بفعلٍ
стр. 471
مضمرٍ، دلَّ عليه نفحتْ، وإن كان قد أضيف إليه حيث، كما دلَّ الفعلُ الذي في صلةِ أنَّ في قولك: لو أنَّك جئتني لأكرمتك، وأغنى عنه، فكذلك هذا الفعلُ، المضافُ إليه
حيث، أغنى عن ذلك الفعلِ، لمَّا دلَّ عليه، كما قلنا في لوْ ألا ترى أنَّ المضافَ إليه، مثلُ ما بعدَ الاسمِ الموصولِ، في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يعملُ فيما قبله، ومع ذلك فقد أغنى الفعلُ الذي في صلةِ أنَّ عن الفعل الذي تقتضيه لوْ، وإن كان قبلَ الصِّلة، فكذلك الفعلُ المضافُ إليه حيث أغنى عن ذلك الفعل.
وقال ابنُ كراعٍ:
وإذا الرِّكابُ تكلَّفتْها عطَّفتْ ... ثمرَ السِّياطِ قطوفها ووساعها
الرِّكابُ: واحدها راحلةٌ، كما أنَّ النِّساءَ واحدها امرأةٌ، والتقدير: إذا تكلَّفَ أصحابُ الرِّكابِ هذه الناقةَ، أي سيرها، وتكلُّفهم لسيرها إنما هو أن يريدوا منهنَّ أن يسرنَ كسيرها.
وإن شئتَ لم تقدِّرْ حذفَ المضاف، وتركتَ الكلامَ على ظاهره.
وقوله: عطَّفتْ أي عطَّفتْ هذه الناقةُ، ففاعلُ عطَّفتْ ضميرها، أي عطَّفتْ هذه الناقةُ ثمرَ السِّياط، القطوفَ والوساعَ، لأنهنَّ يقصِّرن عن سيرهنَّ، فيضربن حتى يلحقنَ بها، فلمَّا ضربنَ من أجلها، جعل ضربهم إيَّاهنَّ ضرباً منها لهنَّ،
стр. 472
كما يقولُ القائلُ، إذا ضربَ من أجلِ زيدٍ: ضربني زيدٌ، فالناقةُ ضميرها فاعلُ عطَّفتْ، وتعدَّى عطَّفتْ إلى مفعولين، كما يتعدَّى: ردَّيتُ زيداً ثوباً، إلى مفعولين، لأنَّ العطافَ الرِّداءُ، فيما فسِّر.
ومثلُ ذلك، في أنَّه لمَّا ضربها بالسُّوطِ، جعله رداءً لها، لوقوعِ الضَّربِ موقعَ الرِّداء، وإن لم يكن رداءً في الحقيقة، قولُ الزَّاجر:
يمطو ملاطاهُ بحمراَء فرِى ... وإن تأبَّاها تردَّى الأصبحي
ومثله قولُ الآخر:
إيَّاكِ أن توشَّحي بالأصبحي
ومثله في أحدِ التفسيرين قوله:
وداهيةٍ جرَّها جارمٌ ... جعلتَ رداءكَ فيها خمارا
стр. 473
أي جعلتَ رداءكَ فيها سيفاً، ضربتهم به، أي جعلته موضع الخمار، كما جعلتَ السَّوطَ موضعَ الرِّداء، وقد يكون على هذا، قوله : (فبشِّرهمْ بعذابٍ أليمٍ) أي اجعلِ الإنذارَ بالعذابِ مكانَ البشارة.
والتفسيرُ الآخرُ في البيت: أن تعمَّم بالرِّداءِ، للتشمُّرِ، والجدِّ في أمره، كقول النابغة:
يحثُّ الحداةَ عاصباً بردائهِ ... يقي حاجبيهِ ما تثيرُ القنابلُ
ومثلُ قولِ ابنِ كراعٍ، قولُ رؤبةَ، إلاَّ أنه يعني فرساً:
ناجٍ يعنِّيهنَّ بالإبعاطِ ... إذا استدى نوَّهنَ بالسِّياطِ
стр. 474
أي إذا اشتدَّ جريهُ فعرقَ، نوَّهَ أصحابُ غيرها بالسِّياطِ، ليلحقنه، فحذفَ المضافَ.
وقال القطاميُّ:
إذا التَّيَّازُ ذو العضلاتِ قلنا ... إليكَ إليكَ ضاقَ بها ذراعا
فاعل ضاقَ التَّيَّازُ المتقدّم ذكره، وضاقَ جواب إذا، والتَّيَّازُ يرتفع بفعلٍ مضمر، يفسِّره قلنا، التقدير: إذا خوطبَ التَّيَّازُ، وقلنا معناه: قلنا له، وهو مفسِّرٌ لخوطبَ أو كلِّم، ونحو ذلك، ممَّا يفسِّره قلنا له.
ورفعُ التَّيَّازِ كإنشادِ من أنشدَ:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ بلغتهِ
стр. 475
والمعنى: ضاقَ ذرعُ التَّيّازِ بأخذِ هذه الناقةِ، لأنه لا يضبطها، من شدَّتها ونشاطها، فكيف من هو دونه؟
ومن أنشد:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ
بالرفع، قولُ لبيد:
فإن أنت لم ينفعكَ علمكَ فانتسبْ ... لعلَّك تهديكَ القرونُ الأوائلُ
ألا ترى أنَّ أنت يرتفعُ بفعلٍ في معنى هذا الظَّاهر، كأنه لو أظهرته: فإن لم تنتفعْ. ولو حمل أنت على هذا الفعل الظاهر، الذي هو ينفعك، لوجب أن يكونَ موضعَ أنت إيّاكَ، لأنّ الكافَ الذي هو سببهُ هي مفعولةٌ منصوبة.
стр. 476
فهذا البيتُ يقوِّي إنشادَ من أنشد:
إذا ابنُ أبي موسى
بالرفع، على إضمار فعلٍ، في معنى المضمرِ، غير الظاهرِ نفسِه.
وقال الفرزدق:
إذا هو أعطى اليومَ زادَ عطاءه ... على ما مضى منه إذا أصبحَ الغدُ
تقديره: زادَ الغدُ عطاءه، على ما مضى منه. وتقدير: زاد عطاءه الغدُ، على وجهين، أحدهما: زاد صاحبُ الغدِ، أو: زادَ الغدُ، والمعنى: في الغدِ، فاتَّسع، وجعل الظَّرفَ مفعولاً به، فجعله فاعلاً، على ذلك، وعلى أحدِ الوجهين: نهارك صائمٌ.
وجوابُ إذا الأولى، قد سدَّ مسدَّ جوابِ إذا الثانيةِ، ومثلُ ذلك في الجوابِ قوله:
إذا سعدُ بنُ زيدِ مناةَ سالتْ ... بأكثرَ في العديدِ من التُّرابِ
رأيتَ الأرضَ مغضيةً لسعدٍ ... إذا فرَّ الذَّليلُ إلى الشِّعابِ
فجوابُ إذا الأولى، سدَّ مسدَّ جوابِ إذا الثانية، ومثل ذلك قوله:
إذا عدَّ قومٌ مجدهمْ وبيوتهمْ ... فضلتمْ إذا ما أكرمُ الناسِ عدِّدوا
وقال:
جرى ابنُ أبي العاصي فأحرزَ غايةً ... إذا أحرزتْ من نالها فهو أمجدُ
стр. 477
الفاءُ من جواب إذا محذوفةٌ، التقدير: إذا أحرزتْ فمن نالها.
والفاءُ في قوله: فهوَ أمجدُ على حدّ التي في قوله تعالى: (الَّذين ينفقونَ أموالهمْ
باللَّيلِ والنَّهارِ سرَّاً وعلانيةً فلهمْ أجرهمْ عندَ ربِّهمْ).
وأمجدُ يجوز أن يكون بمعنى ماجدٍ، ويجوز أن يكون المعنى: فهو أمجدُ ممَّن لم ينلها.
وأنشد سيبويه، لعمرانَ بنِ حطَّانَ:
ولي نفسٌ أقولُ لها إذا ما ... تنازعني لعلِّي أو عساني
وأنشدَ لرؤبةَ:
يا أبتا علَّكَ أو عساكا
قال: الكافُ منصوبةٌ. قال: ولو كانت الكافُ مجرورةً، لقال: عسايَ، ووجهُ ذلك: أنَّ عسى لمَّا كانت في المعنى بمنزلةِ لعلَّ، وقال: لعلَّ وعسى طمعٌ وإشفاقٌ، فتقاربا، أجرى عسى مجرى لعلَّ، إذ كانت غيرَ متصرِّفةٍ، كما أنَّ لعلَّ كذلك، فوافقتْها في العمل، حيث أشبهتها في المعنى، والامتناعِ من التصرُّف.
стр. 478
فإن قلت: إذا صارتْ بمنزلتها لهذا الشَّبه، فما المرفوعُ بها، وهي إذا صارت بمنزلةِ لعلَّ اقتضى مرفوعاً، لا محالةَ، لا محالةَ، لأنّه لا يكون المنصوبُ في هذا النَّحو بلا رافع؟
قيل: إنَّ ذلك المرفوعَ الذي تقتضيه محذوفٌ، ولم يمتنعْ أن تحذفه، وإن كان الفاعلُ لا يحذف، لأنَّها إذا أشبهتْ لعلَّ جازَ أن يحذفَ، كما جازَ حذفُ خبرِ هذه الحروف، من حيث كان الكلامُ في الأصل، الابتداءَ والخبر، فحذفتَ، كما تحذفُ أخبارَ المبتدأ، وكذلك المرفوعُ الذي تقتضيه عسى حذف على هذا الحدِّ، كما حذف الخبرُ من لعلَّ، في قوله: علَّك أو عساكا، وقوله: لعلِّي أو عساني، وكما حذف في:
إنَّ محلاًّ وإنَّ مرتحلاً
وكما حذف الخبرُ، في قوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ كفروا ويصدُّونَ عنْ سبيلِ اللهِ)، لا
كما يحذفُ الفاعل.
стр. 479
ويقوِّي ذلك أنَّهم قد قالوا: عسى الغويرُ أبؤسا، فجعلوها بمنزلةِ ما يدخل على الابتداء والخبر.
وممَّا يقوِّي حذفَ ذلك، لهذه المشابهة، وأنَّ حذفه لا يمتنعُ، من حيث امتنع حذفُ الفاعلِ: أنَّ ليس لمَّا كانت غيرَ متصرِّفة، صارت عينها بمنزلةِ ليت في السُّكون، ولم يكن في يائها الكسرُ والسُّكونُ، كما كان في صيدَ.
ويكون ذلك المحذوفُ غائباً، كأنَّه: عساكَ الهالكُ، أو عساكَ هو.
فإن قلت: فإن جاء شيءٌ بعدَ شيءٍ، من هذه الأبيات التي تشبه ما ذكر من:
عساك تفعلُ، ولعلِّي، أو عساني أخرجُ، فما يكون الفاعلُ على قوله؟
قيل: أمَّا على ما ذهب إليه، من أنه بمنزلةِ لعلَّ، فلا نظرَ فيه، ويكون بمنزلة: لعلَّك تخرجُ، والقولُ فيه كالقولِ فيه.
وأمَّا على القولِ الآخر، الذي رأيناه غيرَ ممتنع، فهو أشكلُ، لأنَّ الفاعلَ لا يكون جملةً، فإن شئتَ قلتَ: إنّ الفعلَ في موضع رفعٍ، بأنَّه فاعلٌ، وكأنَّه أراد: عساني أن أخرجَ، فحذفَ أنْ وصار أنِ المحذوفةُ في موضعِ رفع،
стр. 480
بأنه فاعلٌ، كما كان في موضعِ رفعٍ بالابتداء، في قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه، وكقولِ أبي دؤادٍ:
لولا تجاذبهُ قد هربْ
وقد جاء ذلك في الفاعل نفسه، أنشد أحمد بن يحيى:
وما راعنا إلا يسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ
فكما أنَّ هذا على حذف أنْ، وتقديره: ما راعنا إلاَّ سيره بشرطة، كذلك يكونُ فاعلُ عسى، في نحو: عسى يفعلُ، إنما هو على: عسى أن يفعلَ، كقوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً)، فتحذفُ أنْ، وهي في حكم الثَّبات.
ولو قال قائلٌ: إن عسى في عساني وعساكَ، قد تضمَّن ضميراً مرفوعاً، وذلك الضمير هو الفاعل، والكافُ والياءُ في موضع نصب، على حدِّ النصب، في قوله: عسى الغويرُ أبؤسا، لا على حدِّ تشبيهه بلعلَّ، ولكنْ على أصل هذا الباب، كأنه عدَّاه إلى المظهر، الذي هو أبؤس: كان وجهاً.
стр. 481
فأمَّا فاعلها فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد جرى له ذكرٌ، أو لم يجرِ له ذكر، فإن كان ذكره قد جرى فلا إشكالَ في إضماره، وإن لم يجر له ذكرٌ، فإنما تضمره لدلالةِ الحالِ عليه، كما ذكره من قولهم: إذا كان غداً فأتنا، فكذلك يكون إضمارُ الفاعل في عسى، وتكون على بابها، ولا تكون مشبَّهةً بلعلَّ.
والأوَّلُ الذي ذهب إليه، كأنَّه إلى النَّفس أسبقُ.
وممَّا يرتفع بالفعل، ما ذكره من أنَّ بعضهم أنشدَ لأوسِ بن حجرٍ:
تواهقُ رجلاها يداها ورأسه ... لها قتبٌ خلفَ الحقيبةِ رادفُ
ووجهه: أنّ المعنى: تواهقُ رجلاها يديها، فحذفَ المفعولَ، لأنَّ المفعولَ قد حذفَ كثيراً في كلامهم، وصار له هنا من الحسنِ مزيَّةٌ، لدلالةِ الفاعلِ على المفعول، في باب فاعلَ، وأضمر فعلاً ارتفع به يداها، كما تضمر الأفعالُ الأخرُ، في هذا الباب،
стр. 482
فكأنه قال: تواهقُ رجلاها يديها تواهقُ يداها، ومثل ذلك، في الفعل المبنيِّ للمفعول، قولُ الشاعر:
ليبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ ممَّا تطيحُ الطَّوائحُ
لمَّا قال: ليبكَ يزيدُ فدلَّ ليبكَ على الفعل المبنيِّ للفاعل، حملَ ضارعٌ على ذلك، كأنه قال: ليبكهِ ضارعٌ، ومثله قراءةُ من قرأ: يسبِّحُ لهُ فيها بالغدوِّ والآصالِ. رجالٌ)، لمَّا ذكر (يسبَّح له فيها بالغدوِّ)، فدلَّ على فاعل (يسبَّح) حمل قوله : (رجالٌ) عليه، وكذلك قراءة من قرأ: (وكذلك زيِّنَ لكثيرٍ من المشركينَ قتلُ أولادهمْ شركاؤهمْ).
стр. 483
وعكسُ بيتِ أوسٍ، إنشادُ من أنشد:
قد سالمَ الحيَّاتُ منه القدما ... الأفعوانَ والشُّجاعَ الشَّجعما
أضمر الفعلَ والفاعلَ، فرفع الحيّات بسالمتْ، كأنه قال: سالمتِ الأفعوانَ.
ومن ذلك ما أنشده، من قولِ الشاعر:
فكرَّتْ تبتغيه فوافقتهُ ... على دمه ومصرعه السِّباعا
فقوله: السِّباع محمولٌ على فعلٍ آخرَ، كما كان الأفعوان محمولاً على فعلٍ آخرَ، غيرِ سالمَ الظاهر، وكما كان يداها في بيت أوسٍ، محمولاً على فعلٍ آخرَ،
стр. 484
فكذلك السِّباع، وكأنَّ المعنى: فصادفت البقرةُ على دمِ ولدها أثرَ السِّباع، لا السِّباعَ أنفسها، كما تقول: هذا ضربُ زيدٍ، لما مضى من ضربه. تريد: هذا أثره، فعلى هذا قوله في ذلك.
ويجوز بعدُ: أن يكونَ الضميرُ المنصوبُ، في وافقته لأحدِ ثلاثة أشياء، لا يكونُ في واحدٍ منها ضميرُ الولد:
أحدها: أن يكون كنايةً عن المصدر، كأنه: وافقَ الوفاق، فأضمر المصدرَ، لدلالة الفعلِ عليه، وعلى هذا عندنا قراءةُ من قرأ: (فبهداهمُ اقتدهِى قلْ لا أسألكمْ).
ويجوز أن تكون الهاءُ للمكان، اتَّسع، فحذف الجارَّ، كأنَّ الأصل: كان وافقَ الولدَ في مكرِّه، أي في مكان كروهِ، أو زمانه.
فإذا أمكن في الضَّمير، من وافقته هذا، جاز أن يكونَ السِّباعُ مفعولاً لهذا الفعلِ الظاهرِ، دونَ فعلٍ أخرَ مضمرٍ، كما لو ذكرتَ المصدرَ، أو اسمَ الزَّمان، واسمَ المكان، فعدَّيته إلى أحدِ ذلك، أو إلى جميعه، كان السِّباعُ مفعولَ الظاهر.
стр. 485
وقال لبيدٌ:
أحكمَ الجنثيُّ من عوراتها ... كلَّ حرباءٍ إذا أكرهَ صلّْ
قد فسِّرَ الجنثيُّ تفسيرين، وينشدُ: الجنثيُّ، فمن أنشده بالرفع، جعله الحدَّادَ،
والحرباء: المسمارُ الذي يجمع رأسَ حلقِ الدِّرع، أي أتى به محكماً، فهو يملأ الموضعَ الذي يجعلُ فيه، ولا يكونُ فيه نقصٌ عنه.
ومن نصب الجنثيَّ جعله السَّيفَ، ومعنى أحكمَ: منع، كأنه: منع السَّيفَ منها كلُّ حرباءَ، ومن ذلك حكمةُ الدّابَّةِ، لردِّها من غربها، ومنعها إيّاه.
ومثل ذلك، في أن الفاعلَ يكون مرَّةً فاعلاً، ومرَّةً مفعولاً، قولُ ذي الرُّمَّةِ:
ربلاً وأرطى نفتْ عنه ذوائبهُ ... كواكبَ القيظِ حتى ماتت الشُّهبُ
يروى: نفتْ عنه ذوائبه كواكبَ، وذوائبه كواكبُ. فمن رفع الذوائبَ، جعل أغصانَ الشَّجر هي النَّافيةَ للحرِّ عن الثَّور.
ومن نصبها جعلَ كواكبَ الحرِّ هي التي نفتِ الأغصانَ، كأنه ألقتْ ورقها، فصارتْ لا تكنُّ.
والهاءُ في عنه للثَّور.
стр. 486
قال محمدُ بن السَّريّ: ونصب ربلاً، وأرطى، أراد: يقيِّظُ ربلاً وأرطى، وكذلك قوله:
وأن لا ينالَ الرَّكبُ تهويمَ وقعةٍ ... من الَّليل إلاّ اعتادني منكِ زائرُ
تنصبُ أيُّهما شئتَ، وترفعُ أيَّهما شئتَ، وقد قرئ: (لا ينالُ عهديَ الظَّالمونَ).
ومن ذلك قولُ أبي ذؤيبٍ:
ذكر الورودَ بها وأجمعَ أمرهُ ... شؤماً وأقبلَ حينه يتتبَّعُ
يجوز في حينه الرفعُ، والنَّصبُ، على أنه مفعولٌ به، كأنه: اقبلَ الحمارُ يتتبَّعُ حينه.
والرَّفعُ على وجهين، أحدهما: أن يكون مرتفعاً بأقبلَ، فيكون التقديرُ: أقبلَ حينُ الحمار يتتبَّعه، أي يتتبَّعُ الحمارَ، فحذف الذِّكرَ العائدَ إليه.
стр. 487
ويكون حينه مرتفعاً بالابتداء على أن يكونَ في أقبلَ ذكرٌ من الحمار، أي أقبل
الحمارُ، حينه يتتبَّعُ، يتتبَّعه خبر الابتداء، ويحذفُ الذِّكرُ منه، كما حذفَ من قوله:
كلُّه لم أصنعِ
كأنه: أقبل الحمارُ وحينه يتتبَّعه، كما تقول: أقبل زيدٌ ويده على رأسه.
الأعشى:
ربَّ خرقٍ من دونها يخرسُ السَّفرُ وميلٍ يفضي إلى أميالِ
من أنشده: يخرسُ السَّفرَ ففاعله ضميرُ الخرق، ومن أنشد: يخرسُ السَّفرُ، أراد يخرسُ فيه السَّفرُ، والراجعُ إلى الموصوفِ الهاءُ المحذوفةُ.
فأمَّا قوله: من دونها ففي موضعِ جرٍّ بكونه وصفاً للنكرة، وفيه ضميرُ الموصوف، على قياسِ قولِ سيبويه عندي، ومتعلِّقٌ بمحذوف، ولا يجوز أن يتعلَّقَ بيخرس، فتنوي به التأخيرَ، ألا ترى أنه قد جرى على النكرة، فهو بمنزلة معه من قولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٍ به، يتعلَّق بمحذوف، ولا يتعلَّق بالفعل الظاهر، لأنك إن علَّقته بالظاهر، لزمك أن تقدِّرَ فيه التأخيرَ.
стр. 488
فأمَّا قوله: يخرسُ السَّفرَ، فموضعه يحتمل ضربين، أحدهما: أن يكونَ جرَّاً، لكونه صفةً للمجرور، كما أنَّ قوله: من دونها كذلك، فهو صفةٌ بعدَ صفةٍ، فكما أنَّ قوله: مباركٌ في قوله: وهذا كتابٌ أنزلناهُ مباركٌ) صفةٌ بعدَ صفة، كذلك يكون ما في البيت.
والآخرُ: أن تجعله في موضع نصبٍ، حالاً من الذِّكر الذي فيه.
وفي قولك: يخرسُ السَّفرَ في كلِّ واحدٍ من الإنشادين، ذكرٌ يعودُ إلى ذي الحال، الذي هو الذّكرُ، الكائنُ في الظَّرف.
وأنشد أحمد بن يحيى، لجرير:
شفَّتْ فؤادكَ إن لم يأتِ خازنها ... راحٌ ببردِ قراحِ الماء مقطوبُ
قال: الهاءُ للرَّاح، المعنى: شفَّت فؤادك عدمُ راحٍ، أو خزنُ راحٍ، والتقدير: إن لم
يأتِ خازنُ الراحِ بها، فحذف بها، وألحق علامةَ التأنيثِ الفعلَ، على لفظِ الراح، وإن كان المعنى لغيرها.
أنشد أبو زيد:
فلو كان لا يرضيكَ حتَّى تردَّني ... إلى قطريٍّ ما إخالكَ راضيا
стр. 489
فاعلُ يرضيك ما تدلُّ الحالُ عليه، كأنه قال: فإن كان لا يرضيك شأني، أو أمري، حتى تردَّني، فأضمر، كما أضمر، فيما حكاه من قولهم: إذا كان غداً فائتني، ولا يكون أن تضمرَ المصدرَ، كما أضمر في قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ من بعدِ ما رأوا)، لأنَّ البداءَ الذي هو المصدر، قد صار بمنزلة العلم والرأي، ألا ترى أن الشاعر قد أظهره في قوله:
لعلَّكَ والموعودُ حقٌّ لقاؤهُ ... بدا لكَ في تلك القلوصِ بداءُ
فهو مثلُ: قد قيلَ فيه قولٌ، ونحو ذلك.
فأمَّا قوله:
فقلتُ تحمَّلْ فوقَ طوقك إنَّها ... مطبَّعةٌ من يأتها لا يضيرها
فمن قدَّر فيه التقديمَ، كان فاعلُ لا يضيرها: ضيرٌ، فأضمر الضَّيرَ، لدلالة يضيرُ عليه، والضَّيرُ قد استعمل استعمالَ الأسماء، في نحو: لا ضيرَ، كأنه قد صار اسماً لما يكره ولا يرادُ.
ومن قدَّر الهاء محذوفةً، أمكن أن يكون الفاعلُ عنده أحدَ شيئين، أحدهما: الضَّيرُ، كقول من قدَّر التقديم، ويجوز أن يكون فاعلُ يضيرُ ضميراً من الذي تقدَّم ذكره.
стр. 490
وقال بعضُ البغداديِّين، في قوله:
فإن كنتَ لا يرضيك
حمله على المعنى، كأنه قال: لا يرضيك إلاَّ أن تردَّني إلى قطريّ، وحتَّى دلَّ عليه. فهذا غيرُ بعيدٍ.
ولا يجوز أن تكونَ حتَّى وما بعدها، الفاعلةَ، كما لا يجوز أن تكونَ كي مع صلتها، فاعلةً.
أنشد سيبويه:
تساورُ سوارَّاً إلى المجدِ والعلا ... وفي ذمَّتي لئن فعلتَ ليفعلا
قوله: وفي ذمَّتي قسمٌ، وجوابه: ليفعلا.
فإن قلت: إن قوله: وفي ذمَّتي ليس بكلامٍ مستقلٍّ، والقسمُ إنما هو جملةٌ.
فالقولُ: أنه أضمرَ في الظَّرف، اليمينَ أو القسم، لدلالة الحالِ عليه، كما اضمر في قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ) الفاعلَ، وصار (ليسجننَّهُ) كالجواب، لأنَّ (بدا) بمنزلة: علمَ اللهُ، وذاك أنه علمٌ.
ومن لم يرفعْ بالظَّرف، فينبغي أن يكون المبتدأ عنده محذوفاً، ويبيّن ذلك قولهم:
عليَّ عهدُ اللهِ لأفعلنَّ.
стр. 491
وقال الأعشى:
ما بكاءُ الكبير بالأطلالِ ... وسؤالي وما يردُّ سؤالي
دمنةٌ قفرةٌ تعاورها الصَّيفُ بريحينِ من صباً وشمالِ
اعلم أنَّ قوله: سؤالي بعد قوله: بكاء الكبير حملٌ للكلام على المعنى، وذاك أنَّ الكبير لمَّا كان المتكلِّمَ في المعنى، حمل سؤالي عليه، ألا ترى أنَّ: ما بكاءُ الكبيرِ إنَّما هو: ما بكائي وأنا كبيرٌ! وبكاءُ الكبير بالأطلال، ممَّا لا يليقُ به، لأنه اهتياجٌ لصباً أو تصابٍ، وذلك ممّا لا يليقُ بالكبير، ومن ثمَّ قال الآخرُ:
أتجزعُ أنْ دارٌ تحمَّل أهلها ... وأنت امرؤٌ قد حلَّمتكَ العشائرُ
فحمل سؤالي على المعنى.
فأمَّا قوله: وما يردُّ سؤالي دمنةٌ قفرةٌ فإنّ ما تحتملُ ضربين، أحدهما: أن تكونَ استفهاماً في موضع نصب، كأنه قال: أيُّ شيءٍ يرجع عليك سؤالك من النَّفع؟ وقد
تقول: عاد عليَّ نفعٌ من كذا، وردَّ عليَّ كذا نفعاً، ورجع عليَّ منه نفعٌ، ويكون دمنةٌ منتصباً بالمصد، الذي هو سؤالي، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ.
стр. 492
والآخرُ: أن تكونَ نفياً، كأنه قال: ما يردُّ سؤالي، أي جوابَ سؤالي، دمنةٌ، فالدِّمنةُ فاعلُ قوله: تردُّ، ومثل هذا قوله:
وقفنا فسَّمنا فردَّتْ تحيَّةً
إنما هو: جوابَ تحيّةٍ، وكذلك قوله تعالى: (فحيُّوا بأحسنَ منها أوْ ردُّوها) أي ردُّوا جوابها.
وقد قيل في قوله: فردَّت تحيَّةً قولان، أحدهما: ردَّت التحيّة، أي لم تقبلها، والآخر: ردّتْ تحيّةً، أي ردَّت جوابها، كما تقدَّم، وذلك لما رأينا في وجهها، من البشاشة، وإن لم تكلَّمْ.
فالتقدير: وما يردُّ جوابَ سؤالي دمنةٌ، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ أيضاً، لأنَّ الفاعلَ الذي هو دمنةٌ فعله في البيت الذي هو قبلَ البيت الثاني، فيجوز أن تقول: وما تردُّ، فتؤنِّث، على لفظ الدِّمنة، وتذكِّر، على المعنى.
وقال ابنُ حلِّزة:
وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النارَ أخيراً تلوي بها العلياءُ
قيل في العلياء قولان، أحدهما: أنه أراد بالعلياء، العالية، وهي الحجازُ، وما يليه من بلادِ قيسٍ وغيره.
стр. 493
وقيل: العلياءُ: ما أشرفَ من الأرض.
فأمّا القولُ الأولُ، فعلى أنه حرَّف الاسمَ، للحاجة إلى إقامةِ القافية، وهذا في الشِّعر قد جاء في غير شيءٍ، فمن ذلك ما أنشدناه عليُّ بن سليمان:
بني ربِّ الجوادِ فلا تفيلوا ... فما أنتمْ فنعذركمْ لفيلِ
قال: أراد: ربيعةَ الفرسِ، فوضعَ موضعَ الفرس، الجوادَ، ومن ذلك قولُ الآخر:
أنشدناه محمدُ بن السَّريّ:
وقاَء عليه اللَّيثُ أفلاذَ كبدهِ ... وكهَّلهُ قلدٌ من البطنِ مردمُ
وإنَّما الاسمُ: الأسدُ، ومن ذلك قوله:
ربَّ مسقيٍّ بغيليْ أسدٍ ... قد تقدَّمت بفرَّاطِ السِّبا
والاسمُ: ذراعا الأسد. وقال:
أبوكَ عطاءٌ ألأمُ الناسِ كلِّهمْ ... فقبِّحتَ من نسلٍ وقبِّحَ من كهلِ
والاسم: عطيَّةُ.
فكلُّ هذا قد حرِّفَ فيه الاسمُ.
стр. 494
ويجوزُ في تلوى بها العلياءُ وجهان آخران، أحدهما: أن يكون أراد: ساكنَ العلياء، فحذف المضافَ، والآخر: أنه نسب الفعلَ إلى العلياء، لأنه فيها.
وتلوي بها: أي ترفعها، وتصوِّبها، كما يلوي الرجلُ بثوبه، إذا كان يلوِّح به للقوم.
ومثلُ قوله: بعينيكَ أوقدتْ قولُ أبي وجزةَ:
وهنَّ بالعينِ من ذي صارخٍ لجبٍ ... هولٍ ولوَّاحةٍ بالموتِ مرجاجِ
أي هذه الحميرُ بمرأىً من الصائد. وقال: من ذي صارخٍ وهو يريدُ قوساً، لأنه حمله على العودِ، أو الفلق، ثم قال:
شاكتْ رغامى قذوفِ العين
ففي قوله: شاكتْ ضميرٌ من قوله: من ذي صارخٍ، إلاَّ أنّه أنَّث،
стр. 495
لحمله على القوس. وقال ابنُ أحمر:
منى لكَ أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ ... وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فاعلُ منى لك قوله: منيَّةٌ، وحسن ذلك، لأنَّ المنيَّةَ قد صارتْ بمنزلة القدر والمقدارِ، فصار بمنزلة قولك: قد قيل فيه قولٌ وذهب به مذهبٌ.
وروى أبو موسى: أن تلقى ابن هندٍ منيتهُ، فالفاعلُ على هذا ما دلَّ عليه الفعلُ،
كما حذف من قوله : (ثمَّ بدا لهمْ منْ بعدِ ما رأوا).
والمنى، والمنيَّةُ، قد صار بمنزلة القدرِ والتقدير، كما صارَ البداءُ بمنزلة الرأي.
وأنشد محمد بن السَّريّ، لذي الرُّمَّة:
خدبٍّ حنا من صلبه بعدَ سلوةٍ ... على قصبِ منضمٍّ الثَّميلةِ شازبِ
مراسُ الأوابي عن نفوسٍ عزيزةٍ ... وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
وللشَّولِ أتباعٌ مقاحيمُ برَّحتْ ... به وامتحانُ المبرقاتِ الكواذبِ
وأن لم يزلْ يستسمعُ العامَ حولهُ ... ندى صوتِ مقروعٍ عن العذفِ عاذبِ
следующие страницы →