Полный текст (536 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وقال الأعشى:
ما بكاءُ الكبير بالأطلالِ ... وسؤالي وما يردُّ سؤالي
دمنةٌ قفرةٌ تعاورها الصَّيفُ بريحينِ من صباً وشمالِ
اعلم أنَّ قوله: سؤالي بعد قوله: بكاء الكبير حملٌ للكلام على المعنى، وذاك أنَّ الكبير لمَّا كان المتكلِّمَ في المعنى، حمل سؤالي عليه، ألا ترى أنَّ: ما بكاءُ الكبيرِ إنَّما هو: ما بكائي وأنا كبيرٌ! وبكاءُ الكبير بالأطلال، ممَّا لا يليقُ به، لأنه اهتياجٌ لصباً أو تصابٍ، وذلك ممّا لا يليقُ بالكبير، ومن ثمَّ قال الآخرُ:
أتجزعُ أنْ دارٌ تحمَّل أهلها ... وأنت امرؤٌ قد حلَّمتكَ العشائرُ
فحمل سؤالي على المعنى.
فأمَّا قوله: وما يردُّ سؤالي دمنةٌ قفرةٌ فإنّ ما تحتملُ ضربين، أحدهما: أن تكونَ استفهاماً في موضع نصب، كأنه قال: أيُّ شيءٍ يرجع عليك سؤالك من النَّفع؟ وقد
تقول: عاد عليَّ نفعٌ من كذا، وردَّ عليَّ كذا نفعاً، ورجع عليَّ منه نفعٌ، ويكون دمنةٌ منتصباً بالمصد، الذي هو سؤالي، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ.
стр. 492
والآخرُ: أن تكونَ نفياً، كأنه قال: ما يردُّ سؤالي، أي جوابَ سؤالي، دمنةٌ، فالدِّمنةُ فاعلُ قوله: تردُّ، ومثل هذا قوله:
وقفنا فسَّمنا فردَّتْ تحيَّةً
إنما هو: جوابَ تحيّةٍ، وكذلك قوله تعالى: (فحيُّوا بأحسنَ منها أوْ ردُّوها) أي ردُّوا جوابها.
وقد قيل في قوله: فردَّت تحيَّةً قولان، أحدهما: ردَّت التحيّة، أي لم تقبلها، والآخر: ردّتْ تحيّةً، أي ردَّت جوابها، كما تقدَّم، وذلك لما رأينا في وجهها، من البشاشة، وإن لم تكلَّمْ.
فالتقدير: وما يردُّ جوابَ سؤالي دمنةٌ، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ أيضاً، لأنَّ الفاعلَ الذي هو دمنةٌ فعله في البيت الذي هو قبلَ البيت الثاني، فيجوز أن تقول: وما تردُّ، فتؤنِّث، على لفظ الدِّمنة، وتذكِّر، على المعنى.
وقال ابنُ حلِّزة:
وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النارَ أخيراً تلوي بها العلياءُ
قيل في العلياء قولان، أحدهما: أنه أراد بالعلياء، العالية، وهي الحجازُ، وما يليه من بلادِ قيسٍ وغيره.
стр. 493
وقيل: العلياءُ: ما أشرفَ من الأرض.
فأمّا القولُ الأولُ، فعلى أنه حرَّف الاسمَ، للحاجة إلى إقامةِ القافية، وهذا في الشِّعر قد جاء في غير شيءٍ، فمن ذلك ما أنشدناه عليُّ بن سليمان:
بني ربِّ الجوادِ فلا تفيلوا ... فما أنتمْ فنعذركمْ لفيلِ
قال: أراد: ربيعةَ الفرسِ، فوضعَ موضعَ الفرس، الجوادَ، ومن ذلك قولُ الآخر:
أنشدناه محمدُ بن السَّريّ:
وقاَء عليه اللَّيثُ أفلاذَ كبدهِ ... وكهَّلهُ قلدٌ من البطنِ مردمُ
وإنَّما الاسمُ: الأسدُ، ومن ذلك قوله:
ربَّ مسقيٍّ بغيليْ أسدٍ ... قد تقدَّمت بفرَّاطِ السِّبا
والاسمُ: ذراعا الأسد. وقال:
أبوكَ عطاءٌ ألأمُ الناسِ كلِّهمْ ... فقبِّحتَ من نسلٍ وقبِّحَ من كهلِ
والاسم: عطيَّةُ.
فكلُّ هذا قد حرِّفَ فيه الاسمُ.
стр. 494
ويجوزُ في تلوى بها العلياءُ وجهان آخران، أحدهما: أن يكون أراد: ساكنَ العلياء، فحذف المضافَ، والآخر: أنه نسب الفعلَ إلى العلياء، لأنه فيها.
وتلوي بها: أي ترفعها، وتصوِّبها، كما يلوي الرجلُ بثوبه، إذا كان يلوِّح به للقوم.
ومثلُ قوله: بعينيكَ أوقدتْ قولُ أبي وجزةَ:
وهنَّ بالعينِ من ذي صارخٍ لجبٍ ... هولٍ ولوَّاحةٍ بالموتِ مرجاجِ
أي هذه الحميرُ بمرأىً من الصائد. وقال: من ذي صارخٍ وهو يريدُ قوساً، لأنه حمله على العودِ، أو الفلق، ثم قال:
شاكتْ رغامى قذوفِ العين
ففي قوله: شاكتْ ضميرٌ من قوله: من ذي صارخٍ، إلاَّ أنّه أنَّث،
стр. 495
لحمله على القوس. وقال ابنُ أحمر:
منى لكَ أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ ... وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فاعلُ منى لك قوله: منيَّةٌ، وحسن ذلك، لأنَّ المنيَّةَ قد صارتْ بمنزلة القدر والمقدارِ، فصار بمنزلة قولك: قد قيل فيه قولٌ وذهب به مذهبٌ.
وروى أبو موسى: أن تلقى ابن هندٍ منيتهُ، فالفاعلُ على هذا ما دلَّ عليه الفعلُ،
كما حذف من قوله : (ثمَّ بدا لهمْ منْ بعدِ ما رأوا).
والمنى، والمنيَّةُ، قد صار بمنزلة القدرِ والتقدير، كما صارَ البداءُ بمنزلة الرأي.
وأنشد محمد بن السَّريّ، لذي الرُّمَّة:
خدبٍّ حنا من صلبه بعدَ سلوةٍ ... على قصبِ منضمٍّ الثَّميلةِ شازبِ
مراسُ الأوابي عن نفوسٍ عزيزةٍ ... وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
وللشَّولِ أتباعٌ مقاحيمُ برَّحتْ ... به وامتحانُ المبرقاتِ الكواذبِ
وأن لم يزلْ يستسمعُ العامَ حولهُ ... ندى صوتِ مقروعٍ عن العذفِ عاذبِ
стр. 496
الموصوف محذوفٌ، تقديره: على قصبِ بعيرٍ، منضمِّ الثَّميلة، وهذا البعيرُ هو الخدبُّ، في المعنى، والتقدير: خدبٌّ حنا صلبه على قصبِ منضمٍّ، فعلى متعلِّقٌ بحنا، والتقدير: خدبٌّ حنا صلبه على قصبِ منضمٍّ، فعلى متعلِّقٌ بحنا، وتعلُّقه به على أنه حالٌ، ولا يكون مفعولاً به، لأنَّ الفعل قد استوفى مفعوله، وهو قوله: من صلبه على القولين جميعاً.
وفاعلُ حنا قوله: مراسُ الأوابي والبيت مضمَّنٌ.
فأمَّا عن في قوله: عن نفوسٍ عزيزةٍ، فتتعلَّق بالأوابي، كأنَّ التقدير: أبينَ عن نفوسٍ عزيزةٍ.
والمراسُ: مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعله الفحلُ، في المعنى، كأنه: مراسُ هذا الفحلِ الأوابي.
стр. 497
ولا تكون عن متعلِّقةً بالمراس، لأنه يصير التقديرُ: يمارسُ عن نفوسٍ، وإنّما يمارس عن نفسٍ واحدةٍ، لا عن نفوسٍ، فهو يتعلَّق بالأوابي، دونَ المراس، أي يأبينَ عن نفوس.
وقوله:
وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
كأنه وضع الإلف موضع الحبِّ، لأنَّ الإلفَ مصدرُ ألفتُ المكانَ، وألفتُ زيداً، وقالوا: آلفته.
وقوله: وللشَّولِ أتباعٌ، فإن الظَّرفَ في موضعِ نصبٍ، على حدِّ:
لعزَّةَ موحشاً طللُ
فتقديره: وحنا من صلب هذا الفحلِ أتباعٌ للشَّولِ، مقاحيمُ، فالأتباعُ يرتفعُ بالعطفِ على الفاعل، الذي هو مراسُ الأوابي.
وبرَّجتْ به في موضعِ رفع، لكونه صفةً للنكرة، التي هي أتباعٌ مقاحيمُ، أي حنا من صلبه مخافةُ أتباعٍ مقاحيمَ، أي مخافته إيَّاها، على طروقته، أن يضربَ فيها، فيطردها عن الطَّروقة، ويخرجها منها، ومثله في المعنى قولُ أبي النجم:
شذَّبَ عنها الجذعَ من عاليها ... والجهلَ والشَّادنَ من سخالها
وقوله: وأن لم يزلْ في موضع رفعٍ أيضاً، بالعطف على حنا.
стр. 498
ويستسمعُ معناه: يسمعُ، كقوله تعالى: (وإذا رأوا آيةً يستسخرونَ) أي يسخرون.
وقوله: الجذع. . .
أنشد أبو سعيدٍ المكفوفُ:
إذا ما القينةُ اللَّعساءُ قامتْ ... تقرِّفُ عن أناملها الخضابا
جلتْ عن عنقرٍ بدماثِ وادٍ ... تضمَّنَ سيل أبطحهِ السَّحابا
قال محمدُ بن السَّريّ، عن أبي سعيدٍ: شبَّه موضعَ البياض، من الذي قرِّفَ من الخضاب، بالعنقر، قال: والعنقر: أصلُ البرديّ الأبيضِ.
فأمّا فاعلُ تضمَّنَ فالوادي، وسيل أبطحه مفعوله، وانتصابُ السحاب بالمصدر، الذي هو سيل، والمصدرُ مضافٌ إلى الفاعل، وهو الأبطح، والتقدير: سالَ أبطحه من ماءِ السَّحاب، فلمَّا حذفَ الحرفَ، وصل الفعلُ إلى السَّحاب، المقامِ مقامَ المضاف.
أنشد يعقوبُ:
كما نوَّرَ المصباحَ للعجمِ أمرهمْ ... بعيدَ رقادِ النائمين عريجُ
عريجٌ: رجلٌ معرِّجٌ على مصباحه، بأن زاد في دهنه، كأنه قال: نوَّر بالمصباحِ عريجٌ للعجم أمرهمْ، فحذف الجارَّ، ووصلَ الفعلُ إلى المفعول، فصار متعديَّاً إلى
стр. 499
مفعولين، مثل: (أستغفرُ اللهَ ذنباً، ونحوه.
والكاف، في كما تتعلَّق بمكتشِّف، لأنه تنويرٌ، فكأنه قال: راتقٌ منوَّرٌ تنويراً، كتنويرِ عريجٍ للعجم بالمصباح، أمرهم، أي: كما نوَّر في موضعٍ مظلمٍ، لا يبصرون فيه، فجاء بالمصباح، فتكشَّف لهم أمرهم.
والتكشُّفُ الذي يتعلَّقُ الكافُ به، في البيت الذي قبلَ هذا البيت، وهو:
يضيءُ سناهُ راتقٌ متكشِّفٌ ... أغرُّ كمصباح اليهودِ دلوجُ
قيل: مصباحُ اليهودِ في كنائسهم أدومُ.
وراتقٌ: رتقَ السَّماءَ كلَّها، ومرَّ يدلحُ بحمله، ويدلج.
وأنشد يعقوبُ، لأبي النَّجم:
للشِّقِّ تهوى جوفها مفتوحا ... تحكي الفصيلَ الهادلَ المقروحا
قال: تهوِى هذه الأتانُ، أي جوفها خالٍ منفتجحٌ، فيريدُ: تهوِي منفتحاً جوفها، جوفها: بدلٌ من الضَّمير، الفاعلِ الذي في الفعل، مثل: ضربتُ زيداً رأسه.
стр. 500
وأرادَ يعقوبُ فيما أرى - بما قال، المعنى، دونَ ما عليه اللفظُ، وجعل الراجزُ، الحالَ عن البدل، الذ هو الجوف، والحملُ على البدل أحسنُ، وقد جاء الحملُ على المبدلِ منه، قال:
وكأنَّه لهقُ السَّراةِ كأنَّه ... ما حاجبيه معيَّنٌ بسوادِ
وقال آخر:
إنَّ السُّيوفَ غدوَّها ورواحها ... تركتْ هوازنَ مثلَ قرنِ الأعضبِ
فجعل الخبر فيه عن المبدلِ، دونَ البدلِ.
وتحكي الفصيلَ، تقديره: تحكي فمَ الفصيل، الهادلَ المقروحَ، ألا ترى أنَّه إنَّما يشبِّه انفتاحَ الجوفِ، أو الضَّربةِ، بانفتاحِ فمِ هذا الفصيلِ.
وقال النابغة:
خلَّتْ سبيلَ أتيٍّ كان يحبسهُ ... ورَّفعتهُ إلى السِّجفينِ فالنَّضدِ
стр. 501
المعنى: خلَّت الوليدةُ سبيلَ أتيٍّ، كان يحبسُ ماءه، فحذف المضافَ، ففاعل يحبسُ ضميرٌ، يعودُ إلى الضَّمير، الذي في كان، وذلك الضَّميرُ يعودُ إلى سبيل الأتيّ، ويدلُّك على حذف المضاف، أن السَّبيلَ يحبسُ ماءَ الأتيِّ، لا الأتيَّ، والأتيُّ: جدولُ الماءِ. قال الأصمعيُّ: أتِّ لمائك، أي اجعلْ له أتيَّاً.
وفاعلُ يحبسُ السَّبيلُ، كأنَّ السَّبيلَ يحبس الماءَ، لانطمامه.
وقالوا في قوله: ورفَّعته: هو من قولهم: ارتفع إليَّ، أي تقدَّمْ، ورفعته إلى الوالي، وليس يريدُ الارتفاعَ، الذي هو علوٌّ.
وقال أبو ذؤيبٍ:
إذا نهضتْ فيه تصعَّدَ نفرها ... كقترِ الغلاء مستدرّاً صيابها
فاعلُ تصعَّد ما تضمرُ ممَّا دلَّ عليه قوله: نهضتْ، أي إذا نهضتْ فيه تصعَّد نهوضها، على نفرها، من قولك: تصعَّدني الأمرُ، أي شقَّ عليَّ، وشبَّهها في ذهابها وسرعتها، بالقترِ، وهي القطبةُ التي يرمى بها الهدف، والواحدةُ: قترةٌ.
ومستدرّاً: منقلباً، ليس بمستريح.
صيابها: قصدها.
стр. 502
والغلاءُ: جمعُ غلوةٍ، وقد يكون الغلاءُ مصدرَ غاليتُ، ويكون الصِّيابُ جمعَ صايبٍ، كصاحبٍ وصحاب.
أنشد أحمد بن يحيى:
فلا تسليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردَّ عافى القدرِ من يستعيرها
القولُ فيه: أنه مثلُ: ضربَ زيداً غلامه، و (لا ينفعُ نفساً إيمانها) لمَّا تقدَّم ذكرُ القدر، أضمرها في الصّلة.
وعافى في موضعِ نصب، بأنه مفعولٌ به، ولكنّه أسكنَ للضَّرورة.
ومعنى ردَّه لم يعطهِ إذا سأل، من قوله: عفاه يعفوه، واعتفاه: إذا جاءه يطلبُ خيره.
ومنْ في موضع رفعٍ، بأنه فاعلُ ردَّ.
стр. 503
وقيل في قوله:
وقفنا فسلَّمنا فردَّت تحيَّةً
قولان، أحدهما: لم تقبلها، كأنَّ ذاك لخوفِ رقبةٍ، أو لغير ذلك، فهذا كالردِّ، فيما أنشده أحمد بن يحيى، وكقوله:
وليس للمحلفِ مثلُ الرَّدِّ
والقولُ الآخرُ، في ردَّت: أنها قبلت التَّحيةّةَ، فأجابت عنه، لما رئي من البشاشةِ في وجهها، وإن كان قال في آخر البيت:
ولم ترجعْ جوابَ المخاطبِ
فيكون على هذا التأويل، كقوله: (فحيُّوا بأحسن منها أو ْ ردُّوها) أي لا تمتنعوا من أن تجيبوا بأحسن منها، أو بمثلها.
وتسكينُ الياء في موضع النَّصب، كثيرٌ، وقد جاء بعض ذلك في الكلام.
أنشد أحمد بن يحيى، لأسماء بن خارجة:
أوَ ليس من عجبٍ أسائلكمْ ... ما خطبُ عاذلتي وما خطبي
стр. 504
القولُ في فاعل ليس أنه يحتملُ أمرين، أحدهما: أن تضمرَ الحديثَ، والآخر: أن تريد أن وتحذفها، كأنه: أوَ ليس من عجبٍ أن أسائلكم، فتحذف أنْ. قال أحمد بن
يحيى: يعجبني تقومُ، كان هشامٌ يقوله. والفراءُ قال: محالٌ، لأنه لا صاحبَ للإعجاب. والقولُ في ذلك قولُ هشام، لأنَّ أنْ قد جاءت محذوفةً في نفس الفاعل، في البيت الذي أنشدناه، وجاء في الابتداء في قولهم: تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه فقوله: خيرٌ خبر المبتدأ، وتسمع في موضع رفعٍ بالابتداء، كما أنَّ قوله: يسيرُ بشرطةٍ في البيت، في موضع رفعٍ بأنه فاعل. ويدلُّك على ذلك عطفهم عليه الاسمَ، كما كان يعطف عليه إذا ظهرتْ، وذلك قولهم: تسمعُ بالمعيديّ لا أن تراه، فكما استوى الابتداءُ والفاعلُ، في دخولِ الجارِّ عليهما، في (كفى باللهِ)، وبحسبكَ، كذلك استويا في حذف أن معهما.
ويدلُّ على جواز حذفه من الفاعل، حذفهم له من خبر المبتدأ، في نحو قوله:
وحقُّك تنفى من المسجدِ
ألا ترى أن خبر المبتدأ بمنزلة الفاعل، في افتقاره إلى المبتدأ الذي تقدَّمه، كافتقار الفاعل إلى فعله.
ويدلُّك على أنَّ هذا الحذفَ في أنْ بمنزلة الإثبات: أنّ من العرب - فيما زعموا -
стр. 505
من يحذف أنْ وينصبُ الفعلَ. حكى أبو عثمان، عن قطرب، أنه سمع من يقول:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوغى
بالنصب، وحكى أحمدُ بن يحيى: خذِ اللصَّ قبل يأخذك. وحكى أبو الحسن نحو ذلك، فهذا يدلُّك على أن الحذفَ عندهم بمنزلة الإثبات، في هذا الموضع، فكذلك يكون إذا حذف قبلَ الفعل الذي يكون معه فاعلاً. وحذفُ أنْ وإرادتها قد كثر، وما كثرَ كثرته لم ينبغ إحالته، وقال الفرزدق:
فحقُّ امرئٍ بين الوليد قناتهُ ... وكندةُ فوق المرتقى يتصعَّدُ
تقديره: أن يتصعَّد، فحذف أن، والمعنى: يتصعد فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوقَ كتقدُّمِ بالعصا في قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
أو بمنزلة قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ). قال أبو الحسن: إنما يكون هذا في المجرور، والظرف بمنزلة المجرور، لأنّ الجارَّ مرادٌ معه.
стр. 506
وقال أبو دواد:
أنارُ أبينا غيرَ أنّ ضيافه ... قليلٌ وقد يؤوى إليها فيكثرُ
جمع ضيفاً على ضياف، لأنه على وزن كعبٍ وكعاب، وكلبٍ وكلاب.
فأما قوله: يكثر ففاعله الضيفُ، كأنه أضمر ما يدلُّ عليه الضِّياف، لا الجمعُ الذي هو الضِّياف. وقد يكون ضيفٌ للكثير. وفي التنزيل: (هؤلاءِ ضيفي). فيجوز أن يكون ردَّه إلى الواحد، الذي هو الأصلُ، لأنّ الأصلَ مفردٌ، أو يكون جعله كالحجال المسجَّفِ، والسِّمام المذعَّفِ، وكقوله:
مثل الفراخِ نتِّفتْ حواصلهُ
стр. 507
أو يكون جعل فاعله الأوىَّ، لأنّ قوله: يؤوي قد دلَّ عليه.
وقوله: قليلٌ مفردٌ، يرادُ به الكثرةُ، ألا ترى أنه خبرُ جمعٍ، ومثل ذلك قولُ الآخر:
وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرينَ ذليلُ
وقال أبو دواد:
ضروحُ الحماتينِ سامي الذِّراعِ ... وثوبٌ إذا ما انتحاهُ الخبارا
يكون فاعلُ انتحاه مضمراً، المعنى: انتحاه الراكبُ إلى الخبار، أو للخبار، ونحاه، وانتحاه، مثلُ نهبه، وانتهبه.
стр. 508
قال:
وهبَّتْ شمالاً آخرَ اللَّيلِ قرَّةً ... ولا ثوبَ إلاّ درعها وردائيا
يكون فاعلُ هبَّتْ مضمراً، أي هبَّت الرِّيحُ شمالاً قرَّةً، ويجوز: وهبَّتْ شمالٌ قرَّةً،
على الحالِ من النكرة، و: شمالٌ قرَّةٌ، على وصف النكرة بمثلها.
فأما قوله: آخرَ الليل فيجوز فيه ثلاثةُ أضربٍ، أحدها: أن ينتصبَ بهبَّتْ أي هبَّتْ في هذا الوقت.
والآخرُ: أن ينتصبَ بمحذوفٍ، على أن يكون وصفاً لشمالٍ، النكرةِ، كما تقول: حضرتُ قتالاً آخرَ الليل، فتصفُ الحدثَ بأسماءِ الزَّمان، كما تخبر بها عنه.
والثالث: أن يتعلق بمضمر، يدلُّ عليه قرَّةٌ، ويدلُّ على جواز ذلك قوله:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي ... وآذن أصحابي غداً بقفولِ
فكما أنَّ غداً لا يكونُ إلاَّ متعلِّقاً بمحذوف، كذلك يجوز أن يكون آخرَ الليل كذلك، ودلَّ عليه قرَّةٌ كما دلَّ على المضمر القفولُ، في البيت الآخر.
وقال جريرٌ، فيما أظنُّ:
وما يستوي عقرُ الكزومِ بصوأرٍ ... وذي التَّاجِ تحت الرَّايةِ المتسيِّفُ
стр. 509
المعنى: لا يستوي عقر الكرومِ، وعقرُ ذي التاجِ، ولا يكون على هذا الظاهرِ، ألا ترى أنه ينفي المساواةَ عن العقرين، إلاّ أنه لمّا كان ذكر العقر، قد جرى، كان في حذفه إيّاه بمنزلة ذكره له، وهذا كما قال في قوله:
أكلُّ امرئٍ تحسبين امرءاً ... ونارٍ توقَّدُ بالَّليل نارا
لمَّا كان ذكر كلِّ قد تقدَّم، استغنى بذلك عن تكريره، وعلى ذلك تأوَّلَ أبو الحسن، قراءة من قرأ: (كذلكَ يطبعُ اللهُ على كلِّ قلبِ متكبِّرٍ جبَّارٍ).
وعقرُ ذي التاج: المصدرُ فيه مضافٌ إلى الفاعل.
والمتسيِّفُ: صفةٌ على الموضع، لأنَّ المتسيِّف هو ذو التاج، في المعنى، وإن شئت جعلت المتسيِّفَ فاعلاً، وجعلت المصدرَ مضافاً إلى المفعول بع، نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ عمروٌ.
стр. 510
وقد يجوز أن ينشد: عقرُ الكزومِ بصوأرٍ، وذو التاج، فتحذفَ المضافَ، وتقيم
المضافَ إليه مقامه، والمذهبُ الأول أحسن، لأنك في هذا تعمله وهو محذوفٌ، وقد قام الثاني مقامه، وإذا قام الثاني مقامه، صار الحكم له، يدلُّك على ذلك قوله سبحانه: (واسألِ القريةَ التي كنَّا فيها)، فجعل الصِّفة على القرية، وليس كذلك الوجهُ الأولُ، لأنَّ المصدرَ فيه بمنزلةِ الملفوظِ به.
وقال:
منتْ لكَ أن تلاقيني المنايا ... أحادَ أحادَ في شهرٍ حلالِ
стр. 511
المنايا: المقادير، وهي رفعٌ بأنها فاعلة، وأن تلاقيني: في موضع نصبٍ، بأنه مفعولٌ به، كأنه: قدَّرتْ لك المقاديرُ لقائي فردين، في شهرٍ حلالٍ، يحلُّ فيه القتال.
وجاز إسنادُ المنايا إلى منتْ، لأنها جمعٌ، وليس في منتْ دلالةٌ على جمع، فهو بمنزلة قوله تعالى: (فإذا نفخَ في الصُّورِ نفخةٌ واحداةٌ).
فأمّا قوله:
منتْ لك أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ ... وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فإن قلت: كيف جاز هذا، والتقديرُ: قدِّرَ لك قدرٌ؟
فإنّ التأنيث فيه، قد جعله بمنزلةِ: نفخَ نفخةٌ، وأيضاً: فإنَّ هذا النَّحوَ، ممَّا يسندُ إليه الفعلُ، يصيرُ إقامته مقامَ العينِ مجوَّزاً فيه، ما لم يكن يجوَّزُ قبل ذلك، لما دخل فيه، من المعنى الزائد على ما يدلُّ عليه المصدرُ.
ابنُ سلاّم، عمَّن أخبره، قال: نظر الفرزدقُ إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيدٍ يطوف بالبيت يتبختر، فقال:
تمشي تبخترُ حول البيتِ منتخياً ... لو كنتَ عمرو بن عبد اللهِ لم تَزدِ
стр. 512
فاعل يزيد الانتخاءُ، أي: لم يزدِ نخاؤك، لو كنتخ، على ما أنت عليه، منه الآن، فحذف ذلك، لتقدُّمِ قوله: منتخياً، ودلالته عليه.
ومن أنشد: لم تزدِ، كان المعنى كذلك أيضاً، إلاّ أنك حذفتَ المضافَ، لدلالةِ ما تقدَّم عليه، وأقمتَ المخاطبَ مقامه، فاللفظ على: لم تزدْ أنت أيُّها المخاطب، والمعنى على: لم يزد انتخاؤك، وقد يجوز: لم تزدْ نخوتك، لأنَّ النَّخوةَ، والانتخاء يتقاربان.
وقد يجوز أن يكون: لم تزد، التاء للخطاب، على غير حذف المضاف، ولكن: لم تزد أنت في النَّخوة، على ما أنت عليه. كلُّ ذلك متَّجهٌ.
وقال عديُّ بن زيدٍ:
من رأيتَ المنونَ عرَّينَ أمْ منْ ... ذا عليه من أن يضامَ خفيرُ
فاعلُ عرَّين المنونُ، وجعله جمعاً في هذا الموضع، ويمكن أن يكون جعله للجنس، كقوله تعالى: (إنَّ الانسانَ لفي خسرٍ) ثمَّ استثنى منه الجميعَ، وكقول النَّمر:
حتَّى إذا قسم النَّصيبُ وأصفقتْ ... يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
ويجوز أن يكون جعله جمعاً، وإن كان على لفظِ الواحد، كقوله : (إنَّ الكافرينَ كانوا لكمْ عدوَّاً مبيناً)، وقوله تعالى: (فإنْ كانَ من قومٍ عدوٍّ لكمْ)،
стр. 513
وقد وضعوا الواحدَ في موضعِ الجمع، في مواضعَ كقول جرير:
الواردون وتيمٌ في ذرى سبأٍ ... قد عضَّ أعناقهمْ جلدُ الجواميسِ
وقال:
بني نميرٍ ماذهِ الخنافقُ ... المالُ هديٌ والنِّساء طالقُ
وجبلٌ يأوي إليه السَّارقُ
ومثلُ ذلك، في وضعِ الواحدِ موضعَ الجميع، قول الآخر:
ألا هلك الشِّهابُ المستنيرُ ... ومدرهنا الهمام إذا نغيرُ
وحمَّالُ المئينَ إذا ألمَّتْ ... بنا الحدثانُ والأنفُ النَّصورُ
فمن الناس من يذهب إلى أنه ذهب بالحدثان، إلى الحوادث، فأنَّث على ذلك، وكأنّه
جعله اسماً للجنس، وحمل الكلام على المعنى، لأنه جمعٌ، فأنَّث على ذلك.
أنشد أبو عبد الله اليزيديُّ، عن الأحول:
стр. 514
ومستنبحٍ بعدَ الهدوءِ دعوته ... وقد حانَ من ساري الشتاءِ طروقُ
يكابدُ عرنيناً من الليل بارداً ... تلفُّ رياحٌ ثوبه وبورقُ
قال أبو عبيدة، فيما روى أبو عبد الله: الشَّمالُ تلفُّ ثوبه، والبروق لا تفعلُ ذلك. قال: وليس هذا بغلطٍ، إذا كان الشيءُ من سبب الأول، وصفوه، وأضافوه إليه، في التشبيه، قال: وقال الأصمعيُّ: هذا كقول الرَّاعي:
فلمَّا دعتْ شيباً بجنبي عنيزةٍ ... مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
قال: وإنما يكون لمشافرها في الماءِ صوتٌ، ولا يكونُ في النَّبت.
قال: وهذا في العطف جائزٌ.
ومثل ذلك، ما أنشده أبو عبيدة، من غير رواية أبي عبد الله:
فعلا فروعَ الأيهقانِ وأطفلتْ ... بالجهلتين ظباؤها ونعامها
ولا يكون: أطفلت النَّعامةُ، وجاز ذلك في العطف، كأشياءَ تجوزُ في العطف،
стр. 515
ولا تجوز في غيره، نحو: ربَّ رجلٍ وأخيه، وكلُّ شاةٍ وسخلتها، ونحو:
متقلِّداً سيفاً ورمحا
وأنشد أبو عبيدة:
ونابغةُ الجعديِّ بالرَّملِ بيته ... عليه صفيحٌ من ترابٍ وجندلِ
стр. 516
فهذا مثلُ الأبيات الأول، لأنه لا يكون صفيحٌ من تراب، كما يكون من الجندل، إلاّ أنَّ ذلك غيرُ معطوفٍ، والأشياءُ المتَّسعُ فيها، في الأبياتِ الأخر، معطوفةٌ على غيرها، كقوله:
مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
وإنما تدعو مشافرها الشَّيبَ، إذا كانت في الماء، ولا تدعو الشِّيبَ إذا كانت في
البقل، ومثل ذلك قولُ الآخر:
تداعينَ باسمِ الشِّيبِ في متثلِّمٍ ... جوانبه من بصرةٍ وسلامِ
والشِّيبُ: ما تسمعُ من صوت المشافر، عند رشيفها الماء.
ومثل قوله: صفيحٌ من ترابٍ وجندلِ قول الآخر:
علفتها تبناً وماءً بارداً ... حتَّى شتتْ همَّالةً عيناها
стр. 517
وقال عديُّ بن الرِّقاع، يذكر حماراً:
فأوردها لمَّا انجلى الليلُ أودنا ... فضاً كنَّ للجونِ الحوائمِ مشربا
قوله: أودنا فاعله لا يخلو من أحد شيئين: إمَّا أن يكون: دنا الانجلاءُ، فأضمر الانجلاءَ، لتقدُّمِ دلالةِ الفعلِ عليه، مثل قوله : (فلمَّا جاءهمْ نذيرٌ ما زادهمْ إلاَّ نفوراً)، أي ما زادهم مجيئه، أو يكون أضمر النَّهارَ، لدلالة الليل عليه، كما أضمر الآخرُ الرَّعدَ، لدلالة البرقِ عليه، في قوله:
فبتُّ إخاله دهماً خلاجا
والقولُ الأولُ الوجه، أي: لمَّا انجلى الليلُ، أودنا الانجلاءُ، أي لمَّا أسفر، أو دنا الإسفارُ.
ولو حملته على الوجهِ الثاني، لكان المعنى: فلما دنا النَّهارُ، أو دنا النهارُ، فخيَّرتَ بين شيئين، أحدهما هو الآخر، فليس ذلك بمتَّجه.
ولو جعلتَ أو كالتي في قول الشاعر:
وكان سيَّانِ أن لا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوه بها واغبرَّت السُّوحُ
وجعلت فاعلَ دنا النَّهارَ، كان أمثلَ شيئاً، لأنك قد تقول: قعدتُ أو جلستُ أنتظره، ولو قلت: قعدتُ أو قعدتُ، لم يجز ذلك.
стр. 518
وقوله: فضاً، روى محمدُ بن السَّريّ: أنه جمعُ فضيةٍ، وهو الماءُ المستنقعُ وأصلها: فضاءٌ، مثلُ قصعةٍ وقصاعٍ، فقصرَ.
قال: وروى الأصمعيُّ أيضاً: أضاً.
قال: والجونُ: الحمر الضاربةُ ألوانها إلى السَّواد.
وقد أنشد أبو عبيدة:
ألا سبيلَ إلى خمرٍ فأشربها ... أولا سبيلَ إلى نصرِ بن حجَّاجِ
قال: تمنَّتها جميعاً، وأنشد:
بكرتْ بالَّلوم تلحانا ... في بعيرٍ ضلَّ أوحانا
وقال النابغة:
تجذُّ السَّلوقيَّ المضاعفَ نسجهُ ... وتوقدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحباحبِ
اختلف في فاعل تجذُّ وتوقدُ، فذهب أبو عبيدة إلى أنَّ فاعلَ توقد،
стр. 519
وتجذُّ الخيلُ، لا السُّيوفُ، ومثلُ تأويل أبي عبيدةَ هذا، قولهُ : (فالمورياتِ قدحاً)، في صفة خيل.
قال: والصُّفَّاح، والصُّلاّعُ: الصَّفا الذي لا ينبت، وقال: ليس المذكورُ في البيت بالصَّخر، ولكنْ صفَّاحُ البيضِ، والسَّاعدُ من الحديد، ففاعلُ توقدُ، أو يوقدنَ الخيلُ، والخيلُ: اسم الرجال على الأفراس، والتقدير: وتوقد الخيلُ بضرب الصُّفّاح، نار الحباحب، فحذف المصدرَ، واقام المضاف إليه مقامه، وتأويلُ المصدر، الإضافةُ إلى المفعول به، كقوله سبحانه وبحمده: (منْ دعاءِ الخيرِ)، والمعنى: من دعاء الإنسانِ الخيرَ، فكذلك: وتوقدُ الخيلُ بضرب السُّيوفِ، الصُّفّاحَ نار الحباحبِ.
وفي قول الأصمعيّ، فاعلُ توقد السُّيوفُ، لا الخيل، كأنَّ السُّيوفَ تقطعُ الدُّروعَ، وكلَّ شيءٍ، حتى تصلَ إلى الحجارة، فتقدحَ، وتورى. قال: والصُّفَّاحُ: حجارةٌ عراضٌ.
فالباء في قوله: ويوقدنَ بالصُّفّاح على قول الأصمعيّ، يحتمل ضربين، أحدهما: أن يكون مثل: توقد في البيت النارَ، لأنَّ الصُّفّاح مكانٌ كالبيت.
стр. 520
والآخر: أن يكون مثل: كتبتُ بالقلم، لأنه، وإن كان مكاناً، فهو آلةٌ، ألا ترى أنَّ القدحَ قد يكون به، فيكون آلةً له، كما يكونُ القلمُ آلةً للكتابة. ويقوِّي قولَ الأصمعيّ قولُ النَّمر بن تولبٍ:
تظلُّ تحفرُ عنه
وقال الأعشى:
فإنِّي وجدِّك لو لمْ تجيءْ ... لقد قلق الخرتُ إلاّ انتظارا
قال محمد بن السَّريّ، عن أبي عبيدة: ضربه مثلاً. والخرتُ: ثقبُ الفأسِ.
وقال ابن الأعرابيّ: يقول: لو لمْ أتكَ فسدّ عليَّ أمري، وصعبَ، كما يقلقُ خرتُ الفأس، إذا اتَّسع ثقبها عن عودها، فيسقط العزدُ. يقالُ: قلقَ خزته: إذا فسد عليه أمره. وقريبٌ من هذا ما أنشده ابن الأعرابيّ:
أرطُّوا فقد أقلقتمُ حلقاتكمْ ... عسى أن تفوزوا أن تكونوا رطائطا
стр. 521
والمعنى: لقد قلق عود الخرت، ألا ترى أنَّ الخرتَ على حالٍ واحدة، وإنما يقلق العودُ المدخلُ الخرتَ.
وقوله: أقلقتم حلقاتكم عندي، مثل قوله: لقد قلق الخرتُ، كأنه يقولُ: أفسدتم أمركم، بتغافلكم.
فأمَّا قوله: أن تكونوا فيجوز أن يكون نصباً، وأن يكون رفعاً.
فالنَّصبُ: أن يريدَ: أن تفوزوا بأنْ، فيحذفَ الحرفَ، فيصلَ الفعل، ويجوز أن يكون جرَّاً، على قولِ الخليل.
والرفعُ: أن تجعله بدلاً من أن تفوزوا، لأنَّ كونهم رطائط، فوزٌ.
أنشد أبو عبيدة، للفرزدق:
وعضَّ زمانٍ يا بن مروانَ لم يدعْ ... من المالِ إلاّ مسحتاً أو مجلَّفُ
قد أنشد: إلاّ مسحتاً، وإلاّ مسحتٌ، نصباً ورفعاً، فمن نصبه كان يدعْ من التَّرك،
ومسحت مفعول الترك، وحمل مجلَّفٌ بعده على المعنى، لأنَّ معنى لم يدع من المال إلاّ مسحتاً تقديره: لم يبقَ من المالِ إلاّ مسحتٌ، فحمل مجلَّفٌ على ذلك، ومثل ذلك في الحمل على المعنى، من أبيات الكتاب، قوله:
стр. 522
بادت وغيَّر آيهنَّ مع البلى ... إلاّ رواكدَ جمرهنَّ هباءُ
ومشجّجٌ أمَّا سواءُ قذاله ... فبدا وغيَّر ساره المعزاءُ
لأنَّ معنى بادتْ إلاَّ رواكدَ معناه: بها رواكدُ، فحمل مشجَّجاً على ذلك. ومثل ذلك قول الآخر:
فلم يجدا إلاَّ مناخَ مطيَّةٍ ... تجافى بها زورٌ نبيلٌ وكلكلُ
ومفحصها عنها الحصى بجرانها ... ومثنى نواجٍ لم يخنهنَّ مفصلُ
وسمرٌ ظماءٌ واترتهنّ بعدما ... مضت هجعةٌ من آخرِ الَّليلِ ذبَّلُ
لأنّ معنى: فلم يجدا إلاّ مناخَ مطيَّةٍ: بها مناخُ مطيَّةٍ، فكذلك قوله: لم يدعْ من المال إلاّ مسحتاً معناه: بقي مسحتٌ.
стр. 523
قال أبو عمر: وهذا قولُ اخليل، وليس البيتُ في الكتاب، فلا أدري أسمعه عنه، أم قاسه على هذه الأبيات؟
قال أبو عبيدة: المجلَّف: المجرَّف الذي بقيتْ منه بقيَّةٌ.
وأنشد لسويد بن أبي كاهلٍ:
أرَّقَ الركَ خيالٌ لم يدعْ ... من سليمى ففؤادي منتزعْ
قال لم يدع: لم يستقرّْ، فكأنّ يدعْ يفعلُ من الدّعةِ، التي هي الاستقرارُ، وخلافُ النَّصب.
وأنشد يعقوبُ، لخفاف بن ندبة، يذكر فرساً:
إذا ما استحمَّتْ أرضه من سمائهِ ... جرى وهو مودوعٌ وواعدُ مصدقِ
стр. 524
قال: يعدُ صدقاً في القتال.
فإن قلت: مودوعٌ، ممَّ هو؟
فالقولُ فيه: أنه مفعولٌ من الدَّعة، كأنه يريدُ: أن هذا الفرسَ لسبقه وعتقه، لا كلفةَ عليه في الجري، فهو فيه بمنزلة المتَّدعِ.
فإن قلت: إنَّك لا تقول: ودعته، وقوله:
أرَّق الرّكبَ خيالٌ لم يدعْ
يدع فيه: فعلٌ غيرُ متعدٍّ.
فإنه يجوز أن يكون كما حكاه أبو زيدٍ، من قولهم: رجلٌ مفؤودٌ، للجبان، ورجلٌ مدرهمٌ، قال: ولم يستعمل لهما فعلٌ، ويجوز أن يكون مثل: دلوِ الدالْ،
стр. 525
ومن أجوازِ ليلٍ غاضِ، ونحو ذلك.
أنشد عن الأصمعيّ:
إذا ما المعسياتُ كذبن أبدى ... جريُّ المحصناتِ إلى النَّزيلِ
فاعلُ أبدى مضمرٌ، وهو هذا الذي يقري الضِّيفانَ، لأنَّ النَّزيلَ الضَّيفُ. والمحصن: المدَّخر من الطَّعام. والجريُّ: الرَّسول، وجعله رسول المحصنات، وهو المدَّخر من الطعام، لأنه يحملها، ويتولَّى إطعامها، ومثله:
إذا المعسياتُ كذبن الصَّبو ... حَ خبَّ جريُّكَ بالمحصنِ
وقال ابن مقبل:
يظلُّ الحصانُ الوردُ فيها مجلَّلاً ... لدى السِّترِ يغشاه المصكُّ الصَّمحمحُ
قال بعضهم: المصكُّ الصَّمحمحُ: من صفة الحصان. وروى محمد بن السَّريّ، عن ابن الأعرابيّ: المصكُّ الصَّمحمحُ، يعني به البعيرَ الكبيرَ، العظيمَ. يقول:
فمن شدَّة البرد يغشى هذا الجملُ الحصانَ، ليصير معه في السِّترْ.
стр. 526
فعلى القول الأول يرتفع المصكُّ بأنه صفةٌ للحصان، وفاعلُ يغشى ضميرُ الحصان، أي يغشى الحصانُ السِّترَ، من شدَّةِ البرد.
وموضع يغشى نصبٌ على الحال من الحصان، والعامل فيه يظلُّ، تقديره: يظلُّ الحصانُ مجلَّلاً غاشياً، فيكون فاعلُ يغشاه ضمير الحصان.
ويجوز أن يكون حالاً من الضَّمير الذي في مجلَّل، والعاملُ فيها المجلَّل، فإذا كان كذلك، عاد الضميرُ الذي في يغشى إلى الضَّمير.
ويجوز أن يكون فاعلُ يغشى ضميراً عائداً إلى السِّتر، أي يغشى السِّترُ الحصانَ، ويكون حالاً من السِّتر، الذي هو مضافٌ إليه.
وعلى القول الثاني - وهو قول ابن الأعرابيّ - يكون فاعلُ يغشى المصكُّ.
قال:
لو بغير الماءِ حلقي شرقٌ ... كنت كالغصَّانِ بالماءِ اعتصاري
موضع حلقي رفعٌ، بأنه فاعل، والرافعُ له فعلٌ مضمرٌ، يفسِّره شرقٌ، كأنّه: لو شرق حلقي بغير الماء. ولا يكون شرقٌ خبر حلقي هذا الظاهر، لأنَّ ما بعد لولا يكون مبتدأ، كما أنَّ ما بعد إنْ، وما بعد إذا لا يكون كذلك.
стр. 527
فإذا لم يجزْ أن تجعله خبرَ حلقي الواقعِ بعد لو، لأنه يرتفع بفعلٍ مضمر، وما ارتفع بفعلٍ مضمر، لا يجوز أن يكون له خبرٌ، على حدّ الخبر، في: زيدٌ منطلقٌ، كما أنَّ ما ارتفع بفعلٍ مضمر، لا يكون له على هذا الحدِّ: وجب أن تضمر لقوله: شرقٌ مبتدأ، يكون شرقٌ خبره، ويكون المبتدأ المضمر، الذي قولك: شرقٌ خبره، جملةً من مبتدأ وخبرٍ، وقعتْ موقعَ التي من الفعل والفاعلِ، كما أنَّ قوله: (أمْ أنتمْ صامتونَ) بمنزلة: أم صمتُّمْ فيكون هو شرقٌ بمنزلة: شرقَ، تفسيراً للفعل المضمر بعد لوْ، ويكون ذلك بمنزلةِ ما يحملُ على المعنى، ألا ترى أنَّ هو شرقٌ بمنزلة شرقَ، في المعنى.
وقوله: بغير الماء يتعلَّق الجارُّ فيه بالفعل، الرافعِ لحلقي، كأنه: لو شرقَ بغير الماء حلقي شرقَ، لأنّ هو شرقٌ قد وقع موقع شرقَ، وهو أسهلُ من أن تعلِّقه
بشرقٍ، هذا الظاهر. وهذا يدلُّ أنَّ هذه الأشياءَ، على فعلٍ مضمر، يفسِّره الظهر، ألا ترى أنَّك إن تقدِّر هذا المضمر، لزم أن يكون لو قد ابتدئ بعدها الاسمُ. فإذن ثبت في هذا الموضع، إضمارُ الفعل، فحكمُ سائر ما أشبهه مثله.
ومثل تفسير شرقٍ الذي هو اسمُ الفعل، الذي ارتفع به قوله: حلقي دلالةُ
стр. 528
أفعل، في قوله : (هو أعلم من يضل عن سبيله)، على الفعل، الذي صار في قوله: (من يضل عن سبيله) في موضع نصب، ألا ترى أن (من) في موضع استفهام، والاستفهام إنما تعلق عنه الأفعال، ونحو أفعلُ لا يعلق قبله، كما لا يلغى، فهذا مثل شرق في البيت، لاجتماعهما جميعاً، على الدلالة على فعلٍ مضمر.
فأمَّا قوله: بالماء اعتصارى فموضعه نصبٌ، بأنه خبر كنت، والعائد إلى الاسم، الياء في اعتصارى.
وكالغصَّان في موضع حالٍ، والعاملُ فيه كنت، ولا يكون الخبر، لأنَّ الحال إذا تقدمت لم يعمل فيها معنى الفعل، كما يعمل في الظرف، إذا تقدمه.
ولا تكون الباء في قوله: بالماء كالجار في قوله تعالى: (إني لكما لمن النّاصحين)، ولكنه يتعلق بمحذوف في موضع خبر المبتدأ، ألا ترى أنك لو قلت: إني من الناصحين لكما، لتعلقت اللام بالنُّصح، ولو قلت: كنت مروري بزيد، لن تتعلق الباء بالمرور، إنما تتعلق بمحذوف.
وقال الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همها ... ما بالها بالليل زال زوالها
стр. 529
قال محمد بن السري: رواها أبو عمرو الشيباني: هذا النَّهار، بالنَّصب وبالنصب أيضاً رواها أبو الحسن. وقال الأصمعي: لا أدري ما هذا!
وقال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: زال زوالها بالرفع، قال: صادف مثلاً، وهي كلمةٌ يدعى بها، فتركها على حالها، ولم ينظر إلى القافية.
وقال غيره: زال زوالها، وهي لغةٌ. قال: يقولون: زلت الشيء من مكانه، فأراد: زال الله زوالها.
وقال أبو عمرو الشيباني: زال الهمُّ زوالها، دعا عليها أن يزول الهمُّ معها حيث زالت. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
وحكى أيضاً عن محمد بن يزيد، في موضعٍ آخر: يقال: زلت الشيء، وأزلته. قال: فهذا، على هذا القول، دعا عليها، كأنه قال: زال زوالها، كما تقول: أزال الله زوالها.
قال: هذا قول البصريين والكوفيين. قال: وقال أبو عثمان: ارتحلت بالنهار، وأتاه طيفها بالليل، فقال: ما بالها بالليل زال خيالها زوالها، كما تقول: أنت شرب الإبل، والمعنى: تشرب شرباً مثل شرب الإبل، فحذفت لعلم السامع.
وحكى غير محمد بت السَّريّ، عن أحمد بن يحيى، عن أبي عمرو بن العلاء: زوالها بالرفع، قال: صادف مثلاً فأعمله، وهي كلمةٌ يدعى بها، فتركها، ولم ينظر إلى القافية، ما هي.
وعن أبي عبيدة: زال زوالها، يريد: أزال زوالها، فألقى الألف، وإلقاؤها لغةٌ. قال: وقال الأصمعيُّ: لا أدري ما هذا!
стр. 530
قال أحمدُ: وقال غيره: زال ذلك الهمُّ زوالها، دعا عليها أن يزول الهمُّ معها حيث زالت. انتهت الحكاية عن احمد بن يحيى.
القول في ذلك: أنَّ هذا في قول من نصب النهارَ يجوز أن يكون إشارةً إلى أحد أربعة أشياء:
أحدها: أن يكون إشارةً إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت غدوةً، قال: هذا الارتحال بدا لها النهار.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما، أو إلى ضميره الذي في بدا من قوله:
فما تقول بدا لها.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى البداء الذي دلَّ عليه بدا.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى الهمِّ، كأنه: هذا الهمُّ بدا لها من همِّها. أي من همومها، فيكون (من همِّها في موضع نصبٍ على الحال.
والهمُّ لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون الهمُّ، الذي هو العزمُ على الشيء، كقوله:
هممتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني
أو الهمُّ الذي بمعنى الغمِّ، كقوله:
وهمٍّ لنا منها كهمِّ المخاطرِ
следующие страницы →