← Адаб

Адаб · id 37492

كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب

أبو علي الفارسي

Полный текст (536 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا باب في تفسير الكلم التي سميت بها الأفعال قال الأعشى: فاذهبي ما إليكِ أدركنى الحل ... م عدانى عن هيجكم أشغالى وأنشد أبو زيد: أعيّاشُ قد ذاق القيون مرارتى ... وأقدرتَ نارى فادنَ دونك فاصطل وأنشد أبو عبيدة: فقلتُ لها فيئى فإنّنى ... حرام وإنّى بعدَ ذاكِ لبيبُ

стр. 2

وأنشد أحمد بن يحيى: إذهب إليكَ فإنّى من بنى أسدٍ ... أهل القبابِ وأهلِ الخيل والنّادى وقال الفرزدق: إذا جشأتْ نفسى أقولَ لها ارجعى ... وراءك واستحيى بياضَ اللهازم وأنشد علىّ بن سليمان: فرتْ يهودُ وأسلمتْ جيرانها ... صمّى لما فعلتْ يهودَ صمام وقال: أيوعدنى بالقتل أعورُ عاقرُ ... إليكَ فنهنه من وعيدكَ عامر وقال الأسود بن يعفر: كان التفرق بيننا عن مئرةٍ ... فاذهب إليك فقد شفيت فؤادى وقال عمور بن كلثوم:

стр. 3

إليكم يابنى بكر ٍإليكم ... ألمّا تعلموا منّا اليقينا [قال أبو على ﵀]: إن سأل سائل عن هذه الكلم، أأسماء هي، أم أفعال؟ قلنا: إنّها أسماء. والدّلالة على ذلك أنّها لا تخلو من أن تكون أمساءً، أو أفعالاً. ولو كان شئ من ذلك فعلاً، لا تّصلَ الضميرُ بما اتّصل به منها، على حدّ ما يّتصل بالأفعال، فلمّا اتّصل به على حدّ اتّصاله بغير الفعل، ثبت أنّه اسم، ليس بفعل. فلمّا كان هاء اسماً لقولهم: خذ، واتّصل به الضمّيرُ، على اتّصاله بغير الفعل، في قولهم: هاؤما، وهاؤمُ،، ولم يكن: هاءا، ولاهاءوا، كقولهم: اضربا، واضربوا، ولكن كقولك: أنتما، وأنتم، دّل أنّهليس بفعل، وإذا لم يكن فعلاً كان اسماً. فإن قلت: فقد يتّصلُ الضّميرُ بالفعل، على حدّ ما اتّصل بهاؤما، وهاؤمُ، وذلك قولك: قمتما، فهلاّ لم يدلّ اتّصاله على هذا الوجه عندك، أنّه اسم، إذ قد يتّصل بالفعل، على ما أريناك؟ قيل: هذا ليس بداخل على ما قلنا، لأنّ ما أورته من قمتما ليس بأمر وهذه الكلم موضوعة للأمر، فلو كان فعلاً لا تّصل بها الضمير، على حدّ ما يتّصل بأمثلة الأمر، فلمّا لم يتّصل به، على ذلك الحدّ، دلّ ذلك [على] أنّه ليس بفعل.

стр. 4

فإن قال: فهلاّ زعمت أنها أفعالُ، لأنه كما اتّصل به الضمير، على حدّ ما ذكرته، ممّا يتّصل بغير الأفعال، فقد اتّصل به أيضاً على نحو ما يتّصل بالفعل، لأنّ أبا عمر قد حكى أنّ منهم من يقول: هاءا، ومهاءوا، فهذا مثل: اضربا، واضربوا. أو هلاّ قلت: إنّه يكون اسماً تارةً، وفعلاً أخرى. قلت: إنّ الذي قال: هاؤما وهاؤمُ، فهو عنده اسم، والذى قال: هاءءءا، وهاءوا، فهو عنده فعل، كما أنّ من قال: مررتُ عليه، كانت الكلمة عنده حرفاً، والذى قال: من عليه، وكانت عنده اسماً قيل: قد ثبت أنه اسمُ. بالدّلالة التي ذكرنا، من اتّصال الضّمير به، ومن قال: هاءا أو هاءى، فإنه عنده اسمُ أيضا، في الأصل، إلاّ أنّه لمّا كان واقعاّ موقع مثال الأمر، أجراه مجراه، في اتّصال الضّمير به، على حدّ اتّصاله به، وأجراه مجرى ما يقابله، ويستعمل استعماله، من قولهم: هاتِ، وهاتيا، ألا ترى كيف ألحق حرف الّلين آخرها، كلحاقها في آخر هاتى، والمهاتاة، فشّبهه بهذا، كما شبّه ليس بما،

стр. 5

عند سيبوبه، في قولهم: ليس الطّيب إلاّ المسك، حيث كانت بمعناه، وواقعة موقعه. واتّصال الضّميرِ بقولهم: هاء، في قول من قال: ها إيا، لا يدلّ أنّه فعلُ محضُ، إذ كان للشبّه بغيره، كما أنّ اتّصالَ الضّمير بليس، على حدّ اتصاله بكان، لم يجعله مثله، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته، ألا ترى أنه ينفى بليس ما في الحال، كما ينفى بما ما كان في الحال، فكونها على أمثلة الماضى، إنمّا هو شبه لفظىُّ، لا حقيقة تحته. يدّلك على ذلك. أنّه لا يدلّ على زمان، كما يدلّ سائر أخواته عليه. فأمّا دلالته على نفى الحال، فهى على حدّ دلالة (ما عليه، فلو جاز لقائل أن يقول: إنّه يدلّ على الكائن الذي لم ينقطع، كما تدلّ الأمثلة ُ. لجاز لآخر أن يقول ذلك بإزائه، في ما. على أن ذلك يفسد من موضع آخر، وهو أنّه لم يلحقه من حروف الضارعة. شئ، ولو كان من أمثلة الحال، لم يخل من أحدها. فإذا فسد كونه مثالاً للحاضر بهذا، ثبت أنه لا دلالة فيه على ما مضى، ولا على ما لم يقع، ولا على ما هو كائن لم ينقطع. وإذا خلا من ذلك، لم يكن في الحقيقة فعلاً، إلا أنّه لماّ كان وصلهم المضمر به، على حدّ وصله بالأمثلة المأخوذة من الأحداث، ولم يكن ذلك في ما ونحوه، وذكره النحويّون مع الفعل، وإن لم يكن فعلاً، كما ذكروا إمّا مع حروف العطف، وإن لم يكن

стр. 6

حرف عطف، وليس في الحقيقة كذلك، ألا ترى أنّ هذه الأمثلة إنّما صيغت لتدلّ على ضروب الزّمان، ولولا ذلك لأغنت ألفاظ الأحداث عنها، يدلّك على ذلك أنّها بنيت على أقسام الزّمان، فكما كان الزّمان على أنحاء ثلاثةٍ عندهم، كذلك كانت هذه الأمثلة التي صيغت من ألفاظ الأحداث، ويدلك على ذلك في الأمثلة، وخلعوا منه دلالة الحدث، وذلك في الأمثلة الداخلة على الابتداء والخبر، فمن ثمّ لزمتها الأخبارُ، وكان الكلامُ غيرَ مستقلّ بهذه الأمثلة مع الفاعل، لتوازى هذه الجملة ُ، بلزوم هذه الخبر لها، الأمثلة التي لم يخلع عنها دلالة الحدث. ألا ترى أنّها لو لم تلزمها الأخبار، لا نتقصت عنها، ولم توازها. فكان تجريدهم هذه الأمثلة للأزمنة، وخلعهم دلالة الحدث عنها، كتجريدهم من بعض الكلم، الخطاب، وخلعهم معنى الاسم عنه، وذلك قولهم: ذلك، وأولئك، وأنت، فكما أنّ الغالب والأعمّ في هذا، معنى الحرف، بدلالة بنائهم [لها] قبل خلع معنى الاسم عنه، كذلك نعلم أنّ الغالب والأعمّ في هذه الأمثلة، إنّما هو دلالة الزّمان، فمن ثمّ جاز أن يخلع عنها معنى الحدث، فتتجّرد دلالتها على الزّمان. ويدّلك على ذلك، أنّه ليس مثال من هذه الأمثلة، التي تنزعُ عنها دلالتها على الحدث، إلا وجائز فيه أن لا ينزع ذلك عنه، فيستقل بفاعله استقلال سائر الأمثلة بفاعليها. فالأصل الثابت في هذه الأمثلة، هو ما ى ينفك من دلالتها عليه، ومن ثمّ جاءت المصادر المشتقّة منها هذه الأمثلة، دالّةً على الحدث، دون الزّمان، ألا ترى أنّ الكون

стр. 7

الذي هو مصدر المثال بفاعله في دلالته على الحدث، كالكون الذي هو مصدر المثال الذي لا ستقل به؟ فهذا ممّا يدلّك على أخذ المثالين جميعاً من لفظ الحدث، وإنمّا جرد دلالة الزّمان، ليعلم أنّ الغرض في صياغة هذه الأمثلة إنّما هو الدلالةُ على أقسام الأزمنةِ. وإذا كان حكم الأمثلة، هذا الذي ذكرنا، ولم يكن في ليس دلالة على ضرب من الضروب الثلاثة، ثبت أنه ليس بفعل على الحقيقة، وإنّما أجروها مجرى الأفعال في اللفظ، كما أجروا ما مجراها، وكما أنّ أخواتها أجريت مجراها، [وكما] جعلوا النون في لدن عدوةً بمنزلة النون في ضارب ونحوه، من الأسماء المعملة عمل الفعل.

стр. 8

ويدلّك على أنّها ليست كالأمثلة التي ذكرناها، أنّها لا توصل بها ما التي تكون مع الفعل في تقدير المصدر، كما وصلوها بأخواتها، ألا ترى أنك لا تقول: ما أحسن ما ليس زيدُ قائماً، فتصل بليس [ما]، كما لا تصلها بما النافية. فهذا مما يبين أنّها ليست بمنزلة أخواتها، وأنه قيل فيه: إنّه فعلُ، للشبه اللفظى ّ. فكما كان هذا حكم ليس، وإن أتّصل بها الضمير على هذا النحو الذي اتّصل [به]، كذلك [يكون] حكم هاء في قول من قال: هاءيا، هاءوا. واعلم أن قولهم: هاؤما، وهاؤموا، من نادر العربية، وما لا نظير له، ألا ترى أنّه ليس في الأسماءِ السمّى بها الأفعالُ. اسمُ ظهر فيه علامة الضّمير، كما ظهر فيه علامة الضمّير، كما ظهر في هاؤما، وهاؤم، وإنّما يكون الضمير الذي تتضمنّه على حدّ الضّمير الذي يكون في أسماء الفاعلين، وهذا مما يدّيلك أنّها أسماء، لأنّ الضّمير لا يظهر في الأسماء المقامة مقام الفعل، إلا أن ذلك وإن كان نادراً عن قياس نظائره، فهو غير شاذ في الاستعمال، ألا ترى أنه قد جاء في التنزيل: (هاؤمُ اقرءوا كتابيهْ)، وقد جاء أيضاً على قياس نظائره.

стр. 9

وحكى أبو عمر أنّهم يقولون: ها يارجل، وها يا رجلان، وها يا رجال، وهذا بمنزلة رويد) في أنّك تستعمله للواحد والاثنين والجميع. فأمّا الوجه الآخر، فهو نادر عن قياس نظائره، وقليل في الاستعمال أيضاً على ما حكاه أبو عمر، وقلّة هذا في الاستعمال، كقّلة الاستعمال ليس الطّيب إلا المسك على التشبيه بما. ونظير ها في القياس ليس، إلاّ أنّ ليس مطّرد فلا الاستعمال، كثير فيه، وهذا غير مطّرد فلا الاستعمال. وممّا يدّلك على أنّ هذا الضرّب أسماءُ، وليست بأفعال: أنّ فعال، نحو دراك [ونزال] وتراكِ، لا يخلو من أن يكون اسماً، أو فعلاً، فلو كان فعلاً لوجب إذا نقلته، فسمّيتَ به شيئاً، أن تعربه، ولا تدعه من بنائه، ألا ترى أنّ الأفعالَ إذا نقلتْ فسمّى بها، تعربُ، وتزالُ عمّا كانت عليه من البناء، قبل النّقل، لا تختلفُ العربُ ولا النحويّون في ذلك، وإنكان عيسى قد خالفَ في كيفيّة الإعراب. وأنت إذا نقلتْ شيئاً من ذلك، فكان في آخره راءُ، تركته، في قول الحجازّيين والتّميميين، على بنائه، ولم تغيرّه عمّا كان عليه قبل النقّل، فدّل ذلك على أنّه اسمُ، إذ لو كان فعلاً لغيّرتَ، كما غيّروا: [أضربْ و] كعسبَ، ويزيدَ، ونحو ذلك عمّا كان عليه قبل التسمية به.

стр. 10

فإن قلت: هلاّ قلتَ إنه فعلُ، لإعراب بنى تميمٍ، من ذلك في التسمية، ما لم يكن آخرهُ راءً؟ قيل: هذا لا يدلّ، لأنهم جهلوه بمنزلة أينَ و (٠ كيف إذا سمّىَ به، وإجماعهم مع الحجازّيين، على إقرار البناءِ فيه بعد النّقل، فيما كان آخره راءً، دلالةُ على أنه اسمُ عندهم، فلم يغيّروه عن البناءِ، كما لم يغيّروه قبلُ، لأنّه في كلا الموضعين اسمُ. فإن قلتَ: إنما لم يعربه، لأنه [قد] حكى، فكان بمنزلة برقَ نحره، ونحوه. قيل: هذا لا يستقيم، لأنّ الضّميرَ الذي يحتمله هذا الضّربُ، ليس على حدّ ما يحتمله الفعلُ، إنّما هو على حدّ ما يحتمله الاسمُ، ألا ترى أنّه لا يظهر إذا جاوزتَ الواحد، في عامّة هذه الأسماء كما لا يظهرُ في أسماءِ الفاعلين، والظّروف ونحوها، ولو كان الضّميرُ فيها على حدّ كونه في الأفعال، لظهرتْ له في اللفظ علامةُ، فلمّا لم تظهر [كما لم تظهر] في أسماء الفاعلين، والصّفات المشبّهة بها، دلّ على أنّها احتملت الضّميرَ، على حدّ ما احتملته، وإذا كان ذلك لم تحكه، كما لا تحكى اسماءَ الفاعلين، إذا سمّيتَ بها في الأمرِ الأشهر الأفشى، فلا يكون إذنْ سفارِ وحذامِ في الحكاية، كقوله: أنا أبن جلا، ولكم جذامِ في قوله: إذا قالتْ حذامِ فصدّقوها

стр. 11

بعد النّقل، مثله قبل النّقل، لأنه نقله من اسمٍ إلى اسمٍ، فتركله في النّقل على حالهِ قبل النّقل. فإن قلت: فهلاّ استدللتَ بتنوين ما نوّنَ من هذا، على أنّه اسمُ، نحو صهْ وصهٍ، لأنّ التنوين مما يختصُّ الاسمَ، كما أنّ دخولَ لامَ التعريف كذلك؟ فإنّ هذا التنوينَ الذي في صهٍ ليس الذي في يدٍ، ودمٍ، ألا ترى أنّ هذا إنّما يلحق بعد استيفاء الاسمِ جميع وجوه الإعراب، ونمكّنه فيه، وقد لا يلحق ضرباً منها، وإن كان معرباً، كبابِ ملا ينصرف ُ. فإذا كان التنوينُ من وصفهِ أن لا يلحقَ إلاّ بعد تمكّنِ ما يلحقه في الإعراب، ولم يكن صهٍ وبابه معرباً، علمتَ أنه ليس إيّاه، ولكنه التنوين الذي يلحقُ الأسماء التي هي غير متمكنّة، وما أشبهها في قلّة التمكّن من الأصوات، نحو غاقِ، وعمرويهٍ، فيدلّ على أن المرادَ بالاسم، أو بالصّوت، النّكرةُ، فلهذا [المعنى] يلحقُ، وليس الذي يلحقُ بعد استيفاءِ الاسمِ وجوه الإعراب كذلك، ألا انه يلحقُ المعرفة، في نحو زيدٍ، وجعفرٍ، وفرذدقٍ، كما يلحق النكرة، في رجلً، وفرس ٍ، فتعلم أنّه، وإن كان على لفظه، فهو غيره، كما أنّ الذي يلحقُ القوافىَ [في] نحو: من طللٍ كالأتحمّى أنهجنْ

стр. 12

غير هما، وإن كان على لفظهما، ألا ترى أنه يلحقُ الفعلَ، كما يلحقُ الاسمَ، ويلحقُ ما فيه لامُ المعرفةِ، كما يلحقُ ما لا لامَ فيه، ويلحقُ المعرفة َ، كما يلحق النكرة، ولو كانت التي في زيدٍ، ورجلٍ، لم تلحقْ في قوله: يا أبتا علّكَ أو عساكنْ ولا مع الام، في قوله: يا صاحِ ما هاجَ الدّموعَ الذّرفنْ و: أقلّى اللّومَ عاذلَ والعتابنْ

стр. 13

فقد تتفّقُ الألفاظُ في الحروف، وتختلفُ المعانى، كما كان ذلك في الأسماء والأفعال. وهذا باب منه آخر أنشد أحمدُ بن إبراهيم، قال أنشدتنى امرأةُ من بنى قريط بن أبى بكر بن كلاب: أوّه من ذكرى حصينٍ ودونه ... نقاً هائلُ جعد الثّرى وصفيحُ قال: قالت: أوّهِ من ذكرى [أوّتِ من ذكرى]، وأوّيةِ من ذكرى، كلّ ذلك تأوّهُ. قال أبو علىّ ﵀: أمّا أوّهِ [من ذكرى]، فمن قولهم، أوّاهُ، وآهةَ الرجلِ الحزينِ، وكان القياسُ أن تسكّنَ الهاءُ التي هي لامُ، لأنّ ما قبلها متحرّكُ، وما قبل الآخر من أفّ ولبّ غير متحرّك، ومن ثمّ أسكنوا الآخرَ من قولهم: بذخْ بقرقارِ الهديرِ بذّاخْ

стр. 14

قال أحمد بن يحيى: معناه افخرْ به. إلا أنّه حرّك الآخر، من أوّهِ للإتباع، إذ قد فعلوا [ذلك] ببعض المعرب، نحو أخوكَ. وأمّا أوّت من ذكرى، فمن ذكرى، فمن قولهم: آوّتاهْ، الفاء همزةُ، والعينُ والّلامُ من باب قوّةٍ. ويحتمل ضربين: أحدهما أن يكون الفعلُ سمّىَ بغعلةٍ، كما سمّىَ بلبّ، وبأفّ، والكسرةُ فيه للبناء، ويقاربُ ذلك قولهم: كيّةَ، ودّية َ. والآخرُ: أن يكون على فعلةٍ، والألفُ على حدّ التي في منتزاح، لأنّه لو كانت فاعلةً لا نقلبت اللامُ ياءً،

стр. 15

ولم تدغم العين فيه، ألا ترى أنّك لو بنيت مثل فاعلةٍ من قويت، لقلت: قاويةُ غداً، ويمكن أن تكون فاعلةً في الأصل، إلاّ أنّ الواو صحّتْ، لأنه لم يشتق منه فعل، فيلزم قلب الواو الى الياء، فلمّا لم يجر على الفعل، وكانت مبنيّة على التأنيث، [صحّتْ] كما صحّت في شقاوة وغباوة، ونحو ذلك. ويجوز أن تكون أوّت من ذكرى فعلة، سمّى بها الفعل، ألا ترى أنّهم قالوا: كان من الأمر كيّةَ وكيّةَ، وذيّةَ وذيّة، فكنوا بها لاعن الجمل، كذلك تكون اسماً للفعل. وأمّا أويّةِ من ذكرى فينبغى أن يكون تحقير أوّت، وحقرت كما حقّرت الأسماء المبهمة ُ، كما حقّر الذي والّتى، تحقيرها، ففتح الأوّل منه، كما فتح من المبهمة، ومن الذي، وهذه أجدر، لأنّها أقلّ تصرفاّ، والضمير الذي فيه لا يمنع من تحقيره، الا ترى أن رويد مصغّر، وهو اسم الفعل، لأن الضمير [الذي] فيه على حدّ الضمير الذي في اسماء الفاعلين، وما شبّه بها من الصفات. ويجوز أن تكون أوّية تصغير آوّة، كقولك في حارثٍ: حريثُ، وأما قول الشاعر: أولى فأولى يا امرأ القيس بعدما ... خصفنَ بآثار المطىّ الحوافرا

стр. 16

فإن أولى وزنه أفعل، من ولى يلي، كأنه يريد وليه الشّرُّ، وما يكرهه، وهو اسيمُ، إلا أنّه لا ينصرف، لأنه قد صار علماً للوعيد، فصار بمنزلة رجلٍ اسمهُ أحمدُ، كما أنّ ما حكاه أبو زيد، من قولهم: ما رأيت عنده أبعد، علم كذلك، فكذلك قولهم:: [أولى] وأمّا في التنزيل: (أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى)، فهذا خطاب للموعد، وموضعه رفع بالابتداء، وحذف الخبرُ الذي هو لك بعد قوله: (أولى) الثانية، كما حذف من قولهم: زيدُ منطلقُ وعمرو. فإن قال قائل: أيجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون التقدير: الوعيد أولى لك من غيرك، فحذف المبتدأ، وألزم الحذف المبتدأ، وألزمَ الحذفُ الخبرَ، كما ألزمَ الحذفُ الصفّةُ، في قولهم: رأيته عامّا أوّل، وقول الشاعر: يا ليتها لأهلى إبلا ... أو هزلت في جدب عامٍ أوّلا أو هل يجوز أن يكون أفعل ميتدأ، والمراد به: أفعل من غيرك، ولك الخبرُ؟

стр. 17

فالقول في ذلك: أنّ أولى لا يجوز في واحد من التقديرؤين، أن يكون أفعل من كذا، كما كان ذلك في عامٍ أوّل، ونحو قوله: (فإنّه يعلمُ السّرّ وأخفى)، لأنّ أبا زيدٍ حكى أنّهم يقولون: أولاة الآن، وهاه الآن، إذا أودوا، فدخول علامة التأنيث على أفعل يدّلك أنّه ليس بأفعل من كذا، وأنّه مثل أرملةٍ، وأضحاةٍ، في أنّه علة أفعل، لا يراد فيه اتّصالُ الجارّ به، إلاّ أنّهم جعلوا المؤنث فيه أيضا معرفة، كما جعلوا المذكّرُ كذلك، فصار شئٍ سمّىَ بأضحاة، فلم ينصرف. فأمّا ما في البيت من قوله: أولى فأولى يا امرأ القيس، فإنّ الخبر منه محذوف، للعلم به، ألا ترى أن الكلمة استعملت كثيراً في الوعيد، حتى صارت علماً لله، فحذف الخبر لذلك. والمعنى في [قوله] بعد ما خصفنّ بآثار المطّى [الحوافرا]: [بعدما]

стр. 18

خصفنّ بآثار قوائم آثار الحوافر، ومثل ذلك في المعنى: مستحقباتُ رواياها جحافلها ... يأخذنَ بينَ سوادِ الخطّ فالّلوبِ ومثله قول الأعشى: وما خلتُ أبقى بيننا من موّدة ... عراضُ المذاكى المسنفاتِ القىئصا فإن قلت: أيجوز أن يكون أولى اسماً للفعل، وفيه ضمير المخاطب، كأفّ،

стр. 19

ولبّ، وشتّان، ووشكان، وسرعان، وما أنشده أبو زيدُ، من قوله: لو شكان ما غنّيتمُ وشمتّمُ ... بإخوانكمْ والعزّ لم يتجمّع ويكون لك في أولى لك لا يكون الخبر، ولكنه بمنزلة قولهم: لك في هلمّ لك للتّبيين، وفى سقياً لك، ونحو ذلك، ويكون امتناع التّنوين من الدّخول عليه، كامتناعه من الدّخول على سرعان ونحوه، [لا] كما امتنع من الدّخول على غير المنصرف. فالقول ذلك أنّ أبا زيدٍ حكى [عنهم] أنهم يقولون: أولاة الآن، بالرفع، وهذا تأنيث أولى، ولو كان اسماً للفعل، لم يرفع، ألا ترى أنك لا تجدُ فيما سمّىُ به الفعل شيئاً مرفوعاً، فتجعل أولى مثله. فأمّا الكسر في أوّة فللبناء، ولا يكون التقديرُ بالكلمة، بالإضافةَ، لأنّ هذه الكلمُ لم تضف.

стр. 20

فإن قلتُ: فهلاّ جازت الإضافة فيها، كما جازت إضافةُ أسماءِ الفاعلين، والصفّات المشبّهة بها، وفى كلّ من ذلك ضميرُ. فالقول أن ّ ذلك الضميرَ، الذي في اسم الفاعلِ، لمّا لم يقعْ به اعتدادُ، صار الاسم الذي يتضمنه بمنزلة غلامٍ، ورجلٍ، وليست هذه الأسماءُ كذلك، ألا ترى أنها قد قامت مقام الجمل، في نحو: صه، ورويد عليّا، فلمّا مقامها لم تجز إضافتها، كما لم تجز لإضافة الجمل. فإن قلت: فقد قالول: رويدُ زيدٍ. فهذا ليس سمّىَ به الفعلُ، ولكنه المصدر المصغّر بحذف الزّوائد، وعلى هذا وصف به، في نحو: ضعه وضعاً رويداً، وكذلك القول في بله زيداّ، من نصب زيداً، جعل بله اسماً للفعل، ولا يجوز إضافته على هذا القول، ومن قال: بله زيدٍ، جعله مصدراً مضافاً، مثل رويدُ زيدٍ. وإذا لم يجز إضافة هذه الأسماء، كانت الهاء في تراكها، ومناعها، في موضع

стр. 21

نصب، على حدّ انتصابها في: اتّركها، وامنعها، ولو جاز تقديم الضمير عليها، لقلتَ: إيّاها تراكِ، ولكنّ التّقديم عليها لا يجوز عند أصحابنا، ومن ثمّ حملوا قول الشاعر: يا أيّها المائح دلوى دونكا على مضمر عامل فيه، غير دونك، لأنهم لا يجيزون: زيداً دونك، وعلى هذا تأوّلوا الأية (كتاب الله عليكم) ولم يحملوها على (عليكم). فمّا ما حكاه أبو زيدٍ من قولهم: أولا الآن، فالآن متعلقُ بمحذوف، كما تقول: الوعيد الآن، أو غداّ. وما حكاه من قولهم: هاه الآن، فاسم الزّمان متعلق بما هو اسم الفعل، خلاف الأول.

стр. 22

ولا يجوز أن يكون الآن [الآخرُ] في موضع خبرٍ، كما كان ذلك في قولهم: أولاة الآن، ألا ترى أنّ هذه الأسماءَ لم يخبرْ عنها، في موضعٍ من كلامهم، كما لم يخبر عن الجمل.

стр. 23

هذا باب ممّا يكون مرّةً اسماً من أسماء الفعل ومرّة مصدراً، ومرّة حرف جرّ قال الشاعر: حمّال أثقال أهلِ الودّ آونةً ... أعطيهمُ الجهدَ منّى بلهَ ما أسعُ قال أبو الحسن، في باب من الاستثناء: إنّ بله حرف جرّ. قال أبو علىّ: ووجهُ كونه ِحرفاً، أنّه يمكن أن يقال: إنّك إن حملته على أنّه اسم فعلٍ، لم يجز، لأنّ الجمل التي تقع في الاستثناء، مثل: لا يكون زيداً، وليس عمراً، وعدا [خالداً]، فيمن جعله فعلاً، ليس شئ منه أمراً، وهذا يراد به الأمرُ، وهو اسمُ للفعل، فإذا كان ذلك كذلك لم يجز، لأنّه لا نظير له. فإن قلت: فلم لا تجعله المصدر، لأنّ الصدر قد وقع في الاستثناء، في قولك: أتانى القومُ ما عدا زيداً، والتقدير ُ: مجاوزتهم زيداً، فهو مصدرُ؟ فإنه يمكن أن يقال: إن ما زائدة، وليست التي للمصدر، وعدا إذا قدرّت زيادة ما كان جملةً، فليس في ذلك دلالةُ، لاحتماله غير ذلك. والحروف قد وقعت في الاستثناء، نحو: خلا، وحاشا، ولا وجه لهذه الكلم إلاّ تكون حروفَ جرّ.

стр. 24

فإذا كان بله زيدٍ، هنا ليس يخلو من أن يكون اسمَ فعلٍ، أو مصدراً، أو حرفاً، وليس يجوز ُ وقوعُ اسم الفعل هنا، لما قدّمنا، ولا المصدرُ، لأنه لم تقع عليه دلالةُ، من حيث جاز أن تكون ما زائدةً في ما عدا: كان حرف جرّ، لأنّ حروف الجرّ قد وقعت في موضع الاستثناء. وقال سيبويه: أمّا بله [زيداً]، فتقول: دعْ زيداً، وبله هاهنا بمنزلة المصدر، كما تقول: ضرب زيدٍ. [قال أبو علىّ]: فمن قال: بله زيداً، جعله يمنزلة دعْ، وسمّى به الفعل، ومن قال: بلهُ زيدٍ، فأضاف، جعله مصدراً، ولا يجوز أن تضيفَ، ويكون مع الإضافةِ اسمَ الفعل، لأنّ هذه الأسماءَ التي تسمّى بها الأفعالُ، لا تضاف، ألا ترى أنّه قال ك جعلوها بمنزلة النجاءك، أي لم يضيفوها إلى المفعول به، كما أضافوا أسماءَ الفاعلين والمصادرَ إليه. فهى في قوله على ضربين: مرّةً تجرى مجرى الأسماء التي تسمّى بها الأفعال، ومرة تكون مصدراً. وقال أبو زيد: إنّ فلانا لا يطيقُ أن يحملَ الفهرَ، فمنْ بلهِ أن يأتىَ بالصخّرة! يقول: لا يطيقُ أن يحملَ الفهرُ، فكيف يطيقُ حملَ الصّخرةِ؟ قال: وبعض العرب يقول: من بهلِ أن يحملَ الصّخرة!، فقلب، وأنشد لكعب ابن مالك: تذرُ الجماجمَ ضاحياً هاماتها ... بله الأكفّ كأنّها لم تخلقِ

стр. 25

فما حكاه أبو زيد، من دخول من عليه، والإضافةِ والقلبِ، يدّل أنّه مصدرُ، وليس باسم فعل، لأن أسماءَ الفعل لا تضافُ، ولا يدخل عليها عواملُ الأسماءِ، ألا ترى أنّ أبا الحسن يقول: إنّ دونك ليس يبتصب على حدّ انتصابه قبل. ويقوّى كونه مصدراً، أنّ أبا عمرو الشّيبانّى حكى: ما بلهك لا تفعل كذا؟ أي مالك؟ ومن الناس من ينشد: بلهَ الأكفّ على [هذا] الإنشادِ اسمُ فعلٍ، كأنه قال: دع الأكفّ، فجعلها اسماً لدعْ. والدلالةُ على جواز ِ كونها للفعل - كما أجاز [فيه] سيبوبه - قول الشاعر: تمشى القطوفُ إذا غنّى الحداةُ بها ... مشىَ الجوادِ فبلهَ الجلّةَ النّجبا فأمّا قول الشاعر: بله م أسعُ، فيجوز على قياس قول سيبوبه أن يكونَ موضعُ ما نصباً، ويكون في بله ضمير، ويدلّ على ذلك: بلهَ الجلّةَ النّجبا.

стр. 26

ويجوز أن يكون حرّاً، على من أنشدَ: بله الأكفّ، وعلى إجازته، أنه مصدرُ، وكذلك قول أبى دوادٍ: فدتْ نفسى وراحلتىِ ورحلى ... نجادكَ بلهَ ما تحتَ النّجادِ فأمّا ما يتعلق به من فيما حكاه أبو زيدٍ، من قوله: فمن بلهَ الأكفّ وبلهَ زيدٍ، كقوله تعالى: (فضربَ الرقّابِ). وليست الفتحة التي في بلهَ) في قول من نصب بها، الفتحة التي فيها ن في قول من أضافها، لأنها في الإضافة نصبهُ، كالتى في ضربَ الرّقابِ، وفى القول الآخرَ فقحةُ، كفتحة رويدٍ. وحكى البغداذيون: تيدكَ زيداً، قالوا: فإذا وصلته بالكاف، لم يكن إلّا النّصب، وهذا الذي قالوه صحيحُ، وذاك أن الكاف لا تخلو من أن تكون اسماً، أو تكون للخطاب، مجرّدةً من معنى الاسم، فإن كانت اسماً، كان بمنزلة ضرب زيدٍ عمراً، وإن كانت الأخرى، كان بمنزلةِ رويدك زيداً، فإذا لم تلحقها الكافُ أجازوا فيها النّصبَ: تيدَ زيداً وهذا يكون بمنزلة رويدَ زيداً. ولم أعلمْ أحداً حكى لحاقَ الكاف بلهَ، وقياس من حعلها اسماً للفعل أن يجوّزَ لحاقَ الكافِ لها، على قوله.

стр. 27

وأرى أن هذا الحرف مأخوذ من التّودة، الفاءُ واوُ، أبدل منها التاءُ، والعينُ همزةُ، وقد ألزمتْ بدلَ الياءِ، بمنزلةِ ما حكاه سيبوبه، من أنه سمع [بعض َ العرب يقول]: بيسَ [فلا يحقّقُ الهمزةَ، ويدعُ الحرفَ على الأصل].

стр. 28

هذا باب من الأصوات ولحاقِ لامِ التّعريف لها قال ذو الرّمّة: ونادى بها ماءٍ إذا ثارَ ثورةً ... أصيبحُ نوّامُ إذا قام يخرقُ وقال: لا يغشُ الطّرفَ إلاّ ما تخونّهُ ... داعٍ ينتديه باسم الماءِ مبغومُ وقال آخرُ: يدعونني بالماء ِ ماءٍ أسودا

стр. 29

قال سيبوبه، في لو وليت ونحوه، إذا جعل اسماً: جعلوه بمنزلة ابن عرسٍ، وقال في الحاء والجيم، ونحوه: جعلوه بمنزلة البّاس. ممّا يدلّ على ما قال، قول النمّر: علقتْ لوّا تكرّرهُ ... إنّ لوّا ذاك أعيانا فوصفه بذاك، يدلّ بمنزلة اب، عرسٍ، وزيدٍ. فيقول القائلُ: إنّ هذا الضّربَ من قبيل لو وغاق، ونحوه، فكيف ألحقَ لامَ التعريف، في قوله: باسم الماءِ، وقد قال في البيت الآخر: بها ماءٍ على القياس. فقول في ذلك أن قوله: باسم الماءِ إن شئتَ قلت: إنّ تقديره: يناديه بالماء، والاسم دخوله وخروجه سواءُ، كقوله: ثم اسمُ السّلامِ عليكما، أي السّلامُ، ومثل [ذلك] قول الشاعر: لو أنّ حىَّ الغانياتِ وحشا أي الغانيات، وأنشد أبو زيد: يا قرّ إنّ أبكَ حىّ خويلد ... قد كنت ُ خائفه على الإحماقِ

стр. 30

وأنشد أبو الحسن: أبو بجرٍ أشدُ النّاسِ منّا ... علينا بعد حىّ أبى المغيرهْ وأنشد أحمد بن إبراهيم: وحىّ بكرٍ طعّنا طعنةً نجرا وحكى في أبيات، أنه سمع من يقول فيها: قالهنّ حىُّ رياحٍ رياحاً. ومثل حىّ في هذا: ذو فمن ذلك قول الشّمّاخ: أطارَ نسبيلهُ عنه جفالاً ... وأدمجَ دمجَ ذى شطنٍ بديعِ

стр. 31

ومثله: ذو آلِ حسّان. وإن شئت جعلتَ الاسمَ المسمّى، على الاتساع، لمصاحبته له، وكثرةِ الملابسةِ، ولا يكون ذلك بأبعد من قولهم: ولد له ستون عاماً ونحوه، وإسناد الفعل إلى الستّين، لمّا كانت الولادةُ فيها. فإن شئتَ قلتَ: إن التقدير ُ: يناديه باسم معنى الماءِ، فحذف المضافَ، واسمُ معنى الماء هو الماءُ، فيكون التقدير ُ: باسمِ ماءٍ، وتكون الألفُ واللامُ فيه زائدةً، لأنّها لم تلحق هذا القبيل، ألا ترى أنّهم لم يلحقوه غاق وصهٍٍ، ونحوه. فإن قلت: فقد ألحقوهما الخازبازِ، والغالب عليه عندكُ أنّه صوتُ، ويقوّى ذلك اشتقاقهم منه الخزباز، والخازباءُ، وهو بمنزلة هلّل ولبّى، ونحو ذلك، فيمن جعله تثنيةً. قيل: هذا الغالب عندنا على الخازبازِ، ولكن جاز دخول اللامِ فيه، ولم يكن بمنزلةِ غاق وطيخَ ووقبّ وطقّ ونحو ذلك، ممّا أجرى مجرى سامّ أبرص عند سيبوبه،

стр. 32

لأنهم قد أوقعوه أيضاً على غير الأصوات، ألا ترى أنهم قد قالوا: إنه ورم، وقد أنشد أبو زيد: يا خازباز أرسل ِ الّهازما ... إنّى أخاف أن تكون لازما وقد قالوا أيضاً: إنّه نبات، قال الشاعر: تقلّع فوقه القلعُ السّوراى ... وجنّ الخازبازِ به جنونا فلّا جاء لغير الصّوت، لزمه الألف واللامُ. وقد يجوز أن يشبّه ما كان من باب العبّاس بباب سامّ أبرصَ، لأنّ ما دخله الألفُ واللامُ من ذلك كثيرُ، يدلّك على ذلك قول الراعى: فلمّا دعتْ شيباً بجنبىْ عنيزةٍ ... مشافرها في ماءٍ مزنٍ وباقلِ

стр. 33

وقال ذو الرمّة: تنادينَ باسمِ الشّيبِ في متهدّمٍ ... جوانبه من بصرةٍ وسلامٍ وإنّما شيب حكاية صوت جذبها الماءَ، ورشيفها له عند الشّربِ. وقال: دعهنّ ردفىِ فارعوينَ لصوتهِ ... كما رعتَ بالجوتَ الظّماَء الصّواديا

стр. 34

الجوتُ: دعاءُ الإبل إلى الماءِ. وقال آخر: وأرقع الجفنة بالهيه الرثّع وحكى بعض البغداديّين: أنّ العرب تقول: كيف لى بفلان؟ فيقال: كلّ الكيفِ، والكيفَ، وأين مثلك؟ فيقال: كلّ الأينِ، والأينَ. وحكى سيبوبه: لا من أين. فحكى البناءَ والأعرابَ جميعاً، مع دخولِ لام المعرفة عليه، ومّما يقوى ما حكاه من ذلك، أنّ أبا زيدٍ أنشد: يحجلُ فيها مقلزُ الحجولِ ... بغيا ًعلى شقّيه كالمشكولِ بخطّ لامِ ألفٍ موصولِ ... والزّاىَ والرّا أيّما تهليلِ [قال: أدخل الألفَ واللام، فتركه على البناء الذي كان عليه].

стр. 35

قال: يصفُ جندياً، فكما تركه على ما كان عليه، قبلَ إلحاقِ اللام، من كونهِ على حرفين، أحدهما حرفُ لين، فلم يخرجه بذلك عن حكم الأصوات، كذلك إذا أدخلَ الامَ. ويقوّى ذلك أنّ لحاقَ اللامِ الأسماءَ لا يوجبُ لها الأعرابَ، ألا ترى قولهم: الآن، والذى، والتى، واللاتى، ونحوِ ذلك. فأمّا ما ذكرهَ سيبوبه، من أنّ منهم من يقول: هذا يومُ أثنين مباركاً فيه، فيحذفُ اللامَ منه، فالذي فعل ذلك خالف بينه وبين الأسماءِ الأخرِ، لأن تلك على أمثلةِ الأسماءِ التي ليست بعددٍ، فأشبه من أجل ذلك العّباس َ ونحوه. ولمّا كان اثنان على لفظ العددِ، جعله بمنزلةِ (أمثلة) الأسماء التي لا تشبه الصّفات، إذا جعلتْ أعلاماً. والذي ألحق اللامَ فقال: الاثنان، جعله بمنزلةِ الأحدِ، لأنه عددُ، وقد أدخلوا اللامَ، فكأنّه أراد الشيءَ بعينه في العددَ، كما يريده في الصّفة، فجعله بمنزلةِ تسميتهم الاسمَ بالفضلْ، في إلحاق لامِ المعرفةِ به، لمّا جعله إيّاه في المعنى، ولم يقولوا هذا في زيدٍ، وإن كان في الحقيقة زيادةً في عدد المولودِ له، وفى عدّتهِ، كما فعلوا ذلك بالفضل، لأنّ ذلك كلّه مذهبُ ووجهُ، فله أن يستعمل أحدهما ويرفضَ الآخر، وله أن يجمعَ بينهما، كما قال:

стр. 36

والتّيمُ ألأمُ من يمشىِ وألأمهمْ ... ذهلُ بن تيمٍ بنو السّودِ المدانيسِ فألحقَ مرّةً، ولم يلحقْ أخرى. وقال ابن الرّقاع: أرواحُ أمْ بكرةُ فاغتداءُ ... بديونٍ لم نقضهنّ الشّفاء الشّفاء: اسمُ امرأةٍ. ولم يتمكن إلحاق اللام في المصادر غير الصفات، إذا سمي بها، نحو زيدٍ، وعونٍ، وعمرٍو، لأن الأصل في إلحاق اللام إنما هو في الصفات، لأنها تصيرُ بمنزلة الوصف الغالب، نحو النابغة. ويجوز أن يكون الذين أستجازوا إلحاق اللام المصدر، إذا صار علماً، نحو التيم، والفضل، والغمر، هم الذين جعلوا المصدر بمنزلة الوصف، فأجروه مجراها، في إلحاق اللام، كما أجروها مجرى الصفات، حيث قالوا: عدلةُ، فأنثوا كما أنثوا الصفة. وهذا يتجه على قول من قدر المضافَ، ثم حذفه، وأقام المضافَ إليه مقامه،

стр. 37

ولا يكون على قول من جعله الشيء بعينه، لأن ذلك لا يلحقه التأنيثُ، إذ كان معنى ليس بعين، إلا أن تقول: إنهم قد يؤنثون للفظِ، كقوله: وكنا إذا الجبارُ صعر خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكردِ وقد يحتمل قوله: والتيم ألأمُ من يمشي وجهاً آخر، وهو أن تجعل التيم جمعاً، كيهودىّ ويهودَ، ثم تعرفه، كما قال الله تعالى: وقالت اليهود، فأنثَ وألحق اللامَ. ويهود إذا كان المراد به الإفراد، لا يلحقه اللام، لأن الاسم قد صار غالباً يراد به القبيلةُ. ويقوّى ذلك قولهُ: وألأمهم. وأمّا قولهُ: يومُ كثيرُ تناديهِ وحيّلهْ فإعرابه على قياس من أعربَ سفارِ ونحوه، إذا سمّى به، وقول الآخرَ:

стр. 38

بحّى هلا يزجونَ كلّ مطيّةٍ ... أمامَ المطايا سيرها متقاذفُ وتركه على البناء، على قياس من تركه مبنياً مع التّسمية.

стр. 39

باب من حذف حروف المعانى قال الشاعر: لاه ابنُ عمّكَ لا أفضلتَ في حسبٍ ... عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى عنّى، قيل: معناه علىّ، وقال [آخر]: كحلفةٍ من أبى رياحٍ ... يسمعها لاههُ الكبارُ ويروى: لاهمُ الكبارُ.

стр. 40

[قال أبو علىّ]: حروف المعانى تحذف مع الأسماء على ضروب، أحدهما: أن يحذفَ [الحرفُ] ويضمّنَ الاسمُ معناه، وهذا يوجب بناء الاسم، نحو أينَ، وخمسةَ عشرَ، وأمسِ، في قول الحجازيّين ومن بناه، ولهىَ أبوكَ. والآخرُ: أن يعدلَ الاسمُ عن اسمٍ فيه حرفُ، فهذا المعدولُ لا يجب بناؤه، لأنه لم يتضمّن الحرفَ، فيلزمَ البناءُ، كما تضمّنه الأوّلُ، لأنّ الحرفَ يرادُ في ذلك البناء الذي وقعَ العدلُ عنه، وإذا كان هناك مراداً لم يتضمّن هنا الاسمَ، ألا ترى في ذلك أنّه محالُ أن يرادَ ثمّ، فيعدلَ هذا عنه، ويتضمّنَ معناه، لأنّك إذاً تثبتُ الحرفَ في موضعين، فلا يكون حينئذ عدلاً، ألا ترى أنّ العدلَ إنما هو أن تلفظَ ببناءٍ، وتريد الآخرَ، فلا بدّ من أن يكون البناءُ المعدولُ غير المعدولِ عنه، ومخالفاً له، ولا شئَ يقعُ فيه الخلافُ بين سحرَ المعدولِ والمعدولِ عنه، إلاّ إرادةُ لامِ التعريف في المعدولِ عنه، وتعرّى المعدولِ منه، فلو ضمّنته معناه، لكان بمنزلةِ إثباته، ولو أثبتّه لم يكن عدلاً، فإذا كان كذلك، لم يجزْ أن يتضمّنه لم يجزْ أن يبنى كما بنى أمسِ. والضّربُ الثالث: أن يحذف الحرفُ في اللّفظ، ويكون مراداً فيه، وإنما تحذفهُ من اللفظ اختصاراً واستخفافاً، فهذا يجرى مجرى الثّبات، فمن هذا القسم: الحذفُ في جميع الظّروفِ، [في] حذفت اختصاراً، لأنّ في ذكرك الأسماءَ الى هي ظروفُ دلالةً على إرادتها، ألا ترى أنّك إذا قلت: جلستُ خلفك، وقدمت اليومَ، علمَ أنّ هذا
следующие страницы →