Полный текст (77 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكأن الصبح في الأفق باز (نهاب)، والدجى بين مخلبيه غراب.
فلما ارتفع ضوء النهار، ودمعي وصبري قد سال وسار، ما رأيت حسناً إلا توهمتة الحبيب، ولا مروعاً إلا وخلته الرقيب، وأنا في حالة تسر الحواسدَ والأعداء وتسوء الأصدقاء والأوداء، وكلما تذكرت الحبيب تنفست، وكلما فطنت للرقيب أوجست:
أُقَضِّي نهاري بالحديثِ وبالُمنى ... ويجمعُني والهَمَّ باللَّيلِ جامحُ
نهاري نهارُ النَّاسِ حتَّى إذا بدا ... لي اللَّيلُ هَزَّتْني إليكَ المضاجحُ
أتذكر الحبيب فأصرخ وأصيح، وأستنجد الدموع فتسيل وتسيح، وصاحبي يلحاني ويردعني، ويهددني بالملامة ويصدعني، أقول له: لا تؤذني بنصحك وعذلك، فيقول: إني أحزن لثبوت جنك، ووثوب عقلك، فأنشد وقلبي ذاهل، وعقلي زائل:
مَنْ مُنصِفِي مِنْ عاذِلٍ جاهِلٍ ... يخونُ باللَّومِ لمنْ لا يخونُ؟
إنْ قلتُ: ما نصحكَ إلا أذى ... قال: وما عِشْقُكَ إلا جُنُونُ
فيقول: نعم، أنت مجنون في معرفتي وفهمي، أو كما ورد حبك الشيء يصمي ويعمي.
فقلت: ليس عجيباً جنون مثلي، وقد عدمت فؤادي وسلبت عقلي:
هَبُوني قد جُننتُ وضلّ عقلي ... فهل عجب لمثلي أنْ يُجنَّا؟!
ونحن معاشرَ العُشَّاق نرضى ... بما فرض الغرام لنا وسنَّا
стр. 37
إذا عبث الغرام بقلب صَبٍّ ... وأمسى لا يحنُّ فليس منَّا
نشدتُكَ أيها اللاَّحي روُيدا ... فقد أزعجتَ قلباً مُطمئَّنا
أُعيذكَ من صباباتي ووَجْدي ... ومن قلقي إذا ما اللَّيلُ جَّنا
هوىً لو أنَّ عَذْرَةَ أدْرَكَتْهُ ... لأنساها هوى قيسٍ ولُبنى
فقال لي صاحبي وهو يحاورني، وبالعذل والملام يبادرني: بالله أرجح عما أنت فيه من الخيال والخبال، ولا تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال.
فقلت: دعني بالله أيها الصاحب الصدوق، والناصح الشفوق، فإنني أخشى طول مدة الفراق وبعدها، فيا ليتني أراه نظرة وأموت بعدها:
أليس عجيباً أنَّني لا أراهم ... وأنَّ زماني بالفراق يفوتُ؟!
فيا ليت أنَّ الدَّهر جاد بُقربهم ... لعلِّي أراهم نظرةً وأموتُ
فقلد ذهبت مقلتي من السهر والعبرات، وأحترق قلبي بتصاعد الأنين والزفرات، وذاب فؤادي من لا عج الحب والغرام، وانتحل جسمي من تلاعب الضنى والسقام، فما لي سمير غير الهموم والفكر، ولا أنيس سوى الأحزان والسهر:
سَلُوا دُجى اللَّيل عن حالي وأخباري ... يحكي لكم سهري فيها وأفكاري
تُرى تَعُوُد ليالينا بذي سَلَمٍ ... لعلَّي أُقَضِّي لُباناتي وأوطاري
رُوحي الفداء لَمنْ باتت حواسده ... تثني على حُسْنه العاري من العار
стр. 38
تجمَّع الحُسْنُ فيه وهُو منُفرِدٌ ... بين البريَّة جَلَّ الخالقُ الباري
فقال لي صاحبي: قد رأينا من عشق وكتم، وأحب وتهتك، وهوى وألم، أنت قد أتعبت نفسك فيما لا يفيدك، وأردت من لا يحبك ولا يريدك، فإن كان بك جنون فخبرني، أو عشق فلا تكتم عني.
فقلت: إني لأحسد والله من يجتمع شمله بأحبابه، ويرقد مع محبوبه بعد إشعاله شموعه وإغلاق بابه، حتى تراني أحسد احتباك الثريا في السما، وأتواجد على الزمان إذ جعل وجوده عدما:
خليليَّ إنِّي للثُّريا الحاسِدُ ... وإنِّي على ريب الزَّمان لواجدُ
أيبقى جميعاً شملها وهي ستَّةٌ ... وأفقد من أحببتُهُ وهُو واحدُ؟!
ومازلت على مثل هذا الحال، من تواتر الحرق وتزايد البلبال، وقطع مسافة الليالي والأيام، واستبطاء ساعاتها التي هي أطول من القرون فضلاً عن الأعوام، أقاسي كل ساعة أطول من الحول، وأقتل نفسي حتى عدمت الجلد والقوة والحول، وأنتظر رحلة الأيام والليالي، وأنا أعظم من حر المقالي.
إلى أن دنا وقت الميعاد، وأطل يومه أو كاد، فبت تلك الليلة التي تسفر عن صباحه الأنور، وتنفس من نفحات الحبيب عن نفحات المسك الأذفر، أراقب النجوم وهي واقفة لا تتقلقل،
стр. 39
وأشاهد الفلك وقد عطل من المدار فلا يتخلخل، وكان النجوم عيون طرقها الأرق والسهاد، وجفا أجفانها لذيذ الكرى والرقاد، وكان الكواكب شمع وقد وقد، والقطب إليها شاخص للرصد، وتراها مجتمعة ثابتة لا يزول اجتماعها وثباتها، وكأنها زهر روضة أريضة فاح زهرها ونباتها، فأي كوكب نظرت إليه وجدته مقيما لا يبرح عن مكانه، ومستقرأ لا يغرب ولا يعزب عن إخوانه، والثريا كأنها راحة تشبر الظلام، لا يزول بقيسها مسافة شهور، بل أعوام.
فكيف يرجى لليل العاشق بهذا الشرط زوال، وكيف لا يتمنى الوامق إشراق الغزالة لميعاد الغزال:
ألا رُبَّ ليل بتُّ أرعى نُجُومه ... فلا النَّوم وافاني ولا الجَفْن أغمضَا
كانَّ الثُّريَّا راحةٌ تشبر الدُّجى ... لتعلم طالَ اللَّيل لي أم تعرَّضَا
عجبتُ لليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يُقاس بشبرٍ كيف يُرجى له انقضَا
مع علمي بأن الصبع مات بليله الذي أظلم فيه وعسعس، وتحقق بأنه لو كان في قيد الحياة لكان تنفس:
لَّما رأيتُ النّجمَ ساهٍ طرفُهُ ... والقُطْبُ قد ألقى عليهِ سُباتا
وبنات نعشٍ في الحدادِ سوافِراً ... أيقنت أن صباحَهُم قَدْ ماتا
فبعداً لها من ليلة طال أمد عمرها، وأريت على شهرها وحولها
стр. 40
ودهرها، وشكراً لها إذا كان يومها موعداً للوصال والهنا، وسلماً إلى بلوغ الآمال والمنى.
فلم أزل أحييها وجداً وغراماً، وتميتني تذكراً وهياماً، إلى أن كاد الظلام يشف لونه الحالك، ويتبسم ثغر صبحه الضاحك، وبدت أعلام الصباح منشورة الرايات، وسطعت أنوار النهار منصورة الآيات، وأقبل الفجر مؤيداً منصوراً، وولى الليل مهزوماً ومكسوراً، وبدا صاحب الغزالة مشرق الأنوار، وفرق من شعاعها سبائك الذهب على سائر الأشجار:
كأنَّ شُعاعَ الشَّمسِ في كُلِّ غَدْوَةٍ ... على ورقِ الأشجارِ أوَّلُ طالعِ
دنانيرُ في كفِّ الأشلِّ يضمُّها ... لقبضٍ فتهوي من فُرُوج الأصابعِ
فنهضت أسابق رجح البصر، مسارعا إلى ميعاد ذلك القمر، واستصحبت معي ذلك الصديق الصادق، والرفيق المرافق.
فوصلنا إلى ميعاد جالب الأرق والهموم، وفاضح شمس النهار ولا أرضى أقول القمر فضلاً عن النجوم، وأنا أرسب في الفكر وأعوم، وقلبي يتململ ويتقلقل ويقعد
في الوجد ويقوم، فوصلنا إلى المنتزه الأنيق، والمحل الذي هو باللطافة والمحاسن خليق، فما وقفنا على عين ولا أثر، ولا ظفرنا بحس ولا خبر، بل الماء يجري ويتوجح بخريره، والنواعير تئن لنواح بلبله وشحروره.
فأجرى من النواحي نوح النواعير دمعي، فأطرقت للماء طرفي وأصغيت للدولاب سمعي، وأنا أتعجب من تلك
стр. 41
الناعورة المذعورة الحائرة، وأنظر الماء فوق كتفها وهي عليه دائرة.
فعلمت أنها تئن من لوعة الفراق لما فقدت قرينها، فجعلت تعلل قلبها بلقائه، وتدير في الماء عيونها، كأنها تذكرت حالها وهي غصن يفهم التمايل ويدري، فغدت كلها عيوناً على عهد أيام الصبا تجري، فصارت تعد من العجائب، إذ تسير من غير مفارقة موضعها، إذ لا رأس في جسدها، وقلبها ظاهر وعيونها في أضلعها:
وناعورةٍ قد ضاعفت بنُواحها ... نُواحي وأجرت مُقلَتَيَّ دُمُوعَها
وقد ضعفتْ مَّما تئنُّ فقد غَدَتْ ... من الضَّعف والشَّكوى تَعُدُّ ضُلُوعها
والحمائم تبكي على موائس الأغصان في الرياض، وتذري دموع الخمول في تلك الخمائل والغياض، فقاسمتني الغضا قسمة شوهت خلقي وإنشائي، فجعلت غصونه في راحتيها وجمرة في قلبي وأحشائي:
أحمامَةَ الوادي بمُنعرج اللِّوى ... إنْ كنتِ مُسعدة الكئيب فرجِّعي
فلقد تقاسمنا الغَضَا فغُصُونه ... في راحَتْيكِ وجمره في أضلُعِي
وجعلت أخاطبها بلسان الشكوى والغرام، وأغامزها بعين البلوى والهيام، وهي تطارحني الأحزان والأشجان، وتأتي من الألحان بالفنون على الأفنان، فخاطبتها بلسان حالي الحالي، وأنشدتها بلسان مقالي أتعرض للقالي:
أحمامَةٌ فوقَ الأراكةِ بيِّني ... بحياة مَنْ أبكاكِ ما أبكاكِ؟
أما أنا فبكيتُ من ألم الجوى ... وفراق مَنْ أهوى فأنتِ كذاكِ
стр. 42
وناحت فنحت بنواحها على الغصون، وأحزنتها بتصاعد الزفرات وفيض الشؤون، فصار بيني وبينها نسبة بالبكاء والأحزان، وود وإخاء، إذ كل منا يبكي على الأغصان:
رُبَّ ورقاَء هَتُوفٍ في الضُّحى ... ذات شَجْو صَدَحَتْ في فَنَن
ذكرتْ إلفاً ودهراً ماضياً ... فَبَكَتْ حُزْنَاً فَهَاجَتْ شجني
فَبُكَائي رُبَّما أرَّقَهَا ... وبكْاها ربُمَّا أرَّقني
ولقد تشكو فما أفهُمَها ... ولقد أشكو فما تفهمُني
غير أنَّي بالجَوَى أعرفُهَا ... وهي أيضاً بالجَوَى تعرفُني
أتراها بالبكاء مولعةٌ ... أم سقاها البينُ ما جرَّعَنِي
فجلسنا ننتظر الوعد من الحبيب، وقلبي قد تقطع من البكاء والنحيب، فقال لي صاحبي: أنا أتوجه إلى محبوبك لتقديم قصتك، وأجتهد في تفريج همك إن شاء الله وغصتك، وأستنجزه الوفاء بالميعاد، والله المستعان وعليه الاعتماد، وآتيك به أو بالجواب، وأفوز بالأخر في الجمع بين الأحباب.
فقلت: لمثل هذا اليوم ادخرتك صديقاً وصاحباً وحميما، ولمثل هذا اليوم أعددتك شغوفا ظاعناً ومقيماً، فتوجه إليه، وبالغ في الخطاب، ولطف الألفاظ وسدد الجواب، وتوسل إلى المراد والمرام، فمثلك لا يدل إلاَّ على صواب، واستمنحه الوفاء، فهو غاية المقصود والأمل، وأوجز في المقال فحبيبي عنده ملل، وأنت - بحمد الله - ذو فطنة ورتبة ودراية، وصاحب توسل ودرية
стр. 43
وولاية:
فيا رسولي إلي مَنْ لا أبوحُ به ... إنَّ المهمَّاتِ فيها يُعرَف الرَّجلُ
بَلِّغْ سلامي وبَالغْ في الخطاب لهُ ... وقَبِّلِ الأرضَ عِّني عندما تصلُ
بالله عَرِّفْهُ عنِّي إنْ خلوتَ به ... ولا تُطِلْ فحبيبي عنده مَلَلُ
وتلك أعظمُ حاجاتي إليكَ فإنْ ... تنجحْ فما خابَ فيكَ القصدُ والأملُ
ولم أزلْ في أموري كُلَّما عرضتْ ... على اهتمامك - بعد الله - أتَّكِلُ
فالنَّاس بالنَّاس والدُّنيا مكُافأةٌ ... والخير يُذكَرُ والأخبارُ تنتْقِلُ
فتوجه صاحبي إلى المحبوب بالرسالة، وتركني في البستان على أسوء حالة، فمشيت في جوانب ذلك الروض الأريض، وأنا في الهم الطويل العريض، فما نظرت نرجساً إلى وقلت هذا طرف الحبيب الناعس، ولا رأيت غصناً إلا ذكرت قده المائد المائس، ولا ورداً إلا قطعت بأنه خده الناعم، ولا أقحواناً إلا وتحققت بأنه ثغره (الأشنب) الباسم.
وبقيت أجول في تلك الرياض وأطلب الخلاص، وأنى لي بذلك ولات حين مناص، وألوم نفسي تارة وأعذرها أخرى، وأستنصر الصبر فلا أبصر له نصراً.
وكلما ذكرت الحبيب ذبت (في) مكاني، وكلما عانيت مكانه تضاعفت أحزاني، وسال دمعي في تلك العراص والرحاب، وجاد بما لم يكن في حساب الحساب، فكففته تجلداً فما كف، وسمته وقوفاً فوقع وما وقف، وأردت الإنكار فخالف واعترف، وتكرم وهو سائل حتى كأنه من لجة البحر اغترف:
стр. 44
أرى آثارَهُم فأذوبُ شوقاً ... وأسكبُ في مواضعهم دُمُوعِي
وأسألُ مَنْ بفُرْقَتهم رماني ... يمُنُّ عليَّ يوماً بالرُّجُوعِ
كل ذلك وأنا ذاهب ذائب، ونادم ونادب، متضلع من ماء جفني الساكب، متطلع إلى سرعة عود الصاحب، لا أستقر بمكان واحد، ولا أظفر بمساعف ولا مساعد، بل تارة أستكن وأتجلد، وتارة أنشد وأتنهد:
إنْ تَّم ما جاَء رسولي به ... غفرتُ ما أسلفَهُ الدَّهرُ
وإنْ وفى الحبُّ بميعاده ... وباتَ عندي ولهُ الأمرُ
سمحتُ بالنَّفْس جزاءً لهُ ... إذْ لا يُؤدِّي حقَّهُ الشُّكْرُ
وأنا في ذلك على أعظم من حر النار، من طول التطلع والترقب والانتظار،
وأستنشق ريح الصبا من جهة المحبوب، وأستبشر بريحه مع ريحه حتى كأنني يعقوب، وأسر حتى بالطيف من رؤياه، وأقنع حتى بالريح من هواه:
أستودعُ اللهَ أحبابي الذين نَأوا ... وخلَّفُوني في نيران تبريحِ
أستنشقُ الرِّيح من تلقاء كاظمةِ ... لقد قنعتُ من الأحباب بالرِّيحِ
كل هذا وعيني تجود وتجول، وأنا متطلع إلى عود الرسول، وإذا به قد عاد فريداً كثيبا وحيداً مبعداً، يموج تارة، وتارة يترنم، ويبكي تارة، وتارة يتبسم.
فحين رأيته على هذا الحال، ليس معه بدر ولا غزال، وقعت على الأرض من قامتي، وقامت في تلك الساعة قيامتي، لكن طاب قلبي لما بدا متبسماً، وسكن جأشي لما بدا مترنما.
فقمت مبادراً له وإليه، وعكفت إلى تقبيل كفيه وعينيه، وقلت له: بين لي حقيقة أمرك، ودلني على خبرك وخيرك، فدتك روحي أين الحبيب؟ خبر،
стр. 45
فعهدك به قريب، واشف قلباً
ضاق به الفضاء الرحيب، وجفنا أغلقه البكاء والنحيب، وفي هذا اللفظ العجيب، والمعنى القريب:
مَنْ رآني قَبَّلْتُ عينَ رسولي ... ظنَّ أنَّ الرَّسول جاء بسولي
إنَّ عيناً تأمَّلتْ ذلك الوجهَ ... أحقُّ العُيُون بالتقّبيل
إنَّما حين قالَ أبصرتُ مأمون ... لَكَ قَبَّلْتُ مَنْ رأى مأمولي
نبئني ما الخبر؟ وأين النجم، بل القمر؟ وما فعل البدر وغصن النقاء؟ ومتى يدنو المزار ويحصل اللقاء؟ وما هذا الوجوم الذي يعتريك؟ وما الذي يضحكك تارة وتارة يبكيك؟ قل ولا تكتم فتيلا ولا نقيرا، وأعد حديثك، وكرره تكريرا:
كَرِّرْ حديَثكَ قد تَضَوَّعَ ريحُهُ ... مسكاً وطابَ على السَّماعِ صحيحُهُ
وأَعِدْهُ حَّتى يشتفي من طيبهِ ... مُضني الفُؤاد وصَبُّهُ وجريحة
وحديثُكَ المرفوعُ صِلهُ بمسمعي ... فعساه من ألم الفراق يُزيحُهُ
وعساه يقطع مُرسلاً من أدمعي ... ويزيلُ مُعضِل علَّتي وتريحُهُ
لو كنتَ تروي مُرسلاً من لوعتي ... لرويتَ منه ما يطولُ شُرُوحُهُ
إنَّي امرؤٌ في الحُبِّ فَرْدٌ شأنه ... قد مَسَّني وأضرَّني تبريحُهُ
خيَّم على الحُبَّ حَّتى أنَّني ... لخليلُهُ وكليمُهُ وذبيحة
فقال: توجهت من عندك إلى مكانه، فوجدته جالساً بين إخوانه، وأترابه الأتراك، الناصبين لمثلك شرك الأشراك، فعلم أني رسول منك إليه، فرمقني بطرفه وغمزني بعينيه، ففهمت المقصود فجلست ساكتاً، وبقيت في تلك المحاسن واللطافة باهتاً، فلم أتمكن من الكلام
стр. 46
سوى بالحواجب والعيون، ولم أحادثه سوى بإشارة الأصابع وغمز الجفون:
غَمَزْتُهُ بناظري ... ولم أفُهُ بكلمة
أجابني حاجُبه ... لكنْ بُنون العَظمَة
ولم أزل على هذه الحالة مقيماً هناك، وأنا مجتهد على العود فيما فيه مناك وهناك، فالتفت إليه أترابه الأتراك، الناصبون لمثلك أشراك الأشراك، وقالوا: لابد من اصطيادك معنا هذا النهار، والتنزه بالسرحة إلى المساء والمسار.
فقال: أجدني لا نشاط لي في الركوب اليوم، ولا غرض لي في السرحة أيها القوم.
فقالوا: والله لابد من الركوب معنا هذه الساعة، فانهض ولا تتوان فيد الله مع الجماعة،
فأنت واصل حبلنا، وجامع شملنا، وأنت بدرنا، ونحن كواكبك، وأنت أعيننا، ونحن حواجبك، فإن سرحت شرحت بطلعتك الصدور، وإن تخلفت كدرت الورود والصدور، فأجبرنا معشر المماليك، أيها المالك، فو حياة رأسك لا بد من ذلك.
فلم يمكنه إلا إجابة سؤالهم بالقبول، وأجراهم منه على خلق ألطف من نسمات القبول، فشد حياصته وقلبي يتقطع ويذوب، وقدم أليه جواده الأشقر للركوب، وتحين غفلتهم وأتاني، وحياني فأحياني.
وقال: مرحباً بكَ وأهلاً، ورعياً لكَ وسهلاً، فتعظيمك واجب لمرسلك الميتم، وأكرامك متعين ولأجل عين ألف عين تكرم:
أُجازي على العَين لأنَّهُ ... لعينِ تُجازى ألف عينٍ وتُكرَمُ
سلمْ عليه من جهتي أبلغ السلام، وعرفه ما عندي من الشوق والغرام، وأنتي لا أختار
стр. 47
عنه عوضاً وبديلاً، ولا أتخذ غيره صديقاً وخليلاً، فجزاؤه أن يراعي جانبه ويواصل، ويناضل عدوه ويفاضل، فهو فينا محب، ونحن فيه أحب، وما جزاء من يحب إلا أن يحب.
لا تنس محافظته على العهد والوداد، ولذلك لا أخلف الميعاد، فدعه ينتظر بالمكان المذكور
فأنا أحرص منه على الإتيان والحضور، وليكن المكان خالياً من الأكدار، صافياً من الرقباء والأغيار، لا يشير إلينا سوى المنثور بإصبع وكف، ولا يرمقنا سوى عيون النرجس المضعف، ولتكن أنت معه في هذا المكان، فنعم الرجل أنت أيها الإنسان.
وأنَّى أتوجه من البستان إلى داره، وأرضيه جهدي وأداره، وأفوز بم نادمته ومفاكهته، وأشاركه في شرابه وفاكهته، وأسقيه طوراً بفمي وطوراً بالأقداح، وأشفيه بسقام عيوني المراض الصحاح، وأحييه بمشاهدة جبيني المشرق الوضاح، وأبيت في صدره معانقا من المساء إلى الصباح، فهل يجب علي أكثر مما ذكرت، وهل يطلب مني فوق ما أشرت؟!
فقلت له: لقد جاوزت الحدود في الأوصاف، وأنصفت غاية الإنصاف، فلم أملك
إعادة الجواب، ولا أطلت له بعدها في الخطاب، وسبقت إليك فوح النسيم؛ لأبشرك بطلوع الشمس في الليل البهيم، فقم على قدميك، وتلق بالترحاب من قدم عليك، وأنشد الأبيات والأمثال، في وصف هذا الحال:
أهلاً وسهلاً بكَ من زائرٍ ... يُخجل نورَ القمر الباهرْ
стр. 48
أهلاً وسهلاً بكَ من مُؤٍنسٍ ... ينظر عن ظرف الرَّشا النَّافرْ
رَدَدْتَ بالقُرب زمانَ الصّبا ... وطيبَ عيش السَّالف النّاضرْ
وعيشة ولَّت على حاجرِ ... جاد الحيا السَّكب ربُى حاجرْ
فكدت أطير فرحاً وسروراً، ولو لم أتماسك لصرت مثلاً مشهوراً، وتضاعفت محبتي لصديقي، وصار أنفس من نفسي فضلاً عن شقيقي، وعذُبَ كلامه في مسمعي وحلا، وأزال عن القلب الهَمَّ وجلا، وهزني وأطربني بطيب حديثه، وأنساني ما لقيت من قديم النصب وحديثه:
رسولَ الرِّضا أهلاً وسهلاً ومرحبا ... حديثُكَ ما أحلاهُ عندِي وأطيَبا
ويا مُحسناً قد جاَء مِنْ عِنْدِ مُحسنٍ ... ويا طَيِّبَاً أهدى مِنَ القَوْلِ طيَّبَا
ويا حاملاً مَّمنْ أُحبُّ سلامَهُ ... عليكَ سلامُ الله ما هَبَّت الصبَّا
لقد سرَّني ما قد سمعتُ من الرِّضا ... وقد هَزَّني ذاك الحديثُ وأطرَبا
وبَشَّرْتَ باليوم الذي فيه نلتقي ... ألا إنَّه يومٌ يكونُ لَهُ نَبَا
ستكفيكَ مِنْ ذاك الُمسمَّى إشارةٌ ... ودَعْهُ مَصُونَاً بالجمال مُحجَّبَا
أشِرْ لي بوصف واحد مِنْ صفاتِهِ ... تكنْ مثل مَنْ سمَّى وكَّنى ولقَّبَا
فقال لي صاحبي: إن سيوف المحبة تكلم القلب ولا تؤلم، وقد سررت بهذا الكلام، ومن سر فليولم، فاخلع لي ما عليك بشارة بالفرح والفرج، فقد أتيتك بميعاد سالب القلوب والمهج.
فقلت له: والله لا أرضى
стр. 49
بخلع قلبي عليك بأجمعه، إذ به جعلتني أهلاً لمن لم أكن
أهلاً لموقعه:
أهلاً بَمنْ لم أكُنْ أهلاً لموقِعِهِ ... قول الُمبشَّر بعد اليأس بالفرجِ
لكَ البشارةُ فاخلعْ ما عليكَ فقد ... ذُكِرْتَ ثُمَّ على ما فيكَ من عَوَجِ
هذا؛ وقد كنتُ أجتهد في إصلاح منزلي جهد الطاقة، ولم يصدني عن قصد البيت والقاعة عاقة، وهيأت جميع المشروب والمشموم، والظاهر والمكتوم، وحرصت على تحصيل الموجود والمعدوم.
فبينما نحن في تلك الحالة التي هي بالوعد هنية، والعيشة التي هي بالانتظار رضية، وإذا بجانب الروض قد أشرق بالأنوار، وتمايلت عجبا أغصان الأشجار، وغنت طرباً صوادح الأطيار، فرمقنا ننظر السبب الموجب لذلك، وما هذا العنبر الذي ضوع المسالك؟!
فإذا الحبيب قد صدق في الميعاد، وأقبل يتمايل بقده المياد، وبدا يرفل في حلل الملاحة، وشمس وجهه مشرقة في سماء الصباحة، والمحاسن تنشر في غلائله، والملاحة تقطر من شمائله.
فحين رأيته من بعيد وهو مقبل، قلت لدمع السرور: أهمل أيها الدمع، ولا تمهل:
بكيتُ وقد بدا لي من بعيد ... يلوح بوجنَتْيهِ الجُلَّنارُ
ففي خدَّيْه نارٌ وهي ماءٌ ... وفي عينيَّ ماءٌ وهي نارُ
فدفع إلي من الفرح دفعات، وصرت في الأحياء بعد أن كنت في الأموات، وعاد القلب في مستقره بعد القروح، وطاب الجسد وطار
стр. 50
حين عادت فيه الروح، وقمت مبادراً له وإليه، واضعاً حر وجهي مكان قدميه:
وقمتُ أفرشُ خَدَّي في الطَّريق لهُ ... ذلاً وأسحبُ أذيالي على الأثَرِ
فهمت عند مشاهدة جماله، وقد شغلني حسنه عن السلام عليه وسؤاله، فوقفت مبهوتاً ذاهلاً، وقد أصبح دمعي باقلاً، فابتدرني بالترحيب والتسليم، وقابلني
بالتبجيل والتعظيم:
وحَّيا ثُمَّ لاحظني دلالاً ... بوجهِ غزالةٍ وعُيُون ريمِ
غزالٌ كالصَّريم لهُ جبينُ ... يهيمُ بحُبُه قلبُ الصَّريمِ
لهُ قلبٌ كأنَّ الصَّخرَ منهُ ... ويحسدُ خصرهَ مَرٌّ النَّسيمِ
بَدِيعُ ملاحةٍ يصبو إليه ... بأوَّل لمحةٍ قلبُ الحكيمِ
لهُ خصرُ وطرفٌ مثل جسمي ... سَقيِمٌ في سقيمٍ في سقيمِ
ثم رمقني بطرفه الصحيح السقيم، وابتسم عن ثغر يفضح الدر النظيم، ثم شرع في تقبيل يدي بالإشارة، فسلبني بذلك فصيح اللفظ والعبارة.
فقلت لهُ: لقد أضحى غرامي فيك لي غريماً، وأمسى قلبي وحزني ظاعناً ومقيماً:
غرامي فيكَ قد أضحى غريمي ... وهَجْرُكَ والتَّجنِّي مُستطابُ
كذا بلوى مَلا لُكَ لا لذئبٍ ... وقولكَ ساعةَ التَّوديع طابوا
ثم قال: بالله عليك كيف وجدت نفسك بعدنا؟ وهل عندك من الشوق
стр. 51
كما عندنا؟ وهل أحسنت تلقينا؟ وليتك لقيت من الصبابة كما لقينا، وكيف صرت حين قدمنا؟ وهل عدمت الجلد كما عدمنا؟ أم قتلك الوجد فأخرس لسانك، وغلبك الهوى فسلبك بيانك؟ خبرني عن أصل ضمائرك، واشرح لي كنه سرائركَ.
فأنشدت وقلبي طائحٌ وطائر، وعقلي حائم وحائر، ووجدي جائد وجائر، وطرفي ساهد وساهر، ودمعي سائل وسائر:
لم أنسَهُ لَّما بدا متُمايلاً ... يهتزُّ من طيب الصّبا ويقولُ
ماذا لقيتَ من الجَوىَ فأجبُتهُ ... في قصَّتي طُولٌ وأنتَ مَلُولُ
فتبسم عن نظيم الدر المكنون، ورمقني بعين تحار فيها العيون، وقال: والله، إن غيرك لا يراع ولا يراد ولا يرام، وأنت عندي لا تضاع ولا تضار ولا تضام، ولمثل ودك لا يقاس ولا يقال ولا يقام، ولمثل سرك لا يذاع ولا يزال ولا يذام،
فإن صدقت قول الوشاة فماذا منك بجميل، وإن زعمت بأني مللت حديثك، فبالله، قل لي إلى من أميل:
صَدَّقْتُمُ قولَ الوُشاةِ وقد مضى ... في حُبّكم عُمري وفي تكذيِبها
وزَعَمْتُم أنَّي أمَلُّ حديثكُم ... مَنْ ذا يملُّ من الحياة وطيبِها
أما أنا، فشوقي إليك متزايد، ونفسي لبعدك متصاعد، ولومي بعد بعدك طويل، ونومي من بعد غيبتك قليل، ما أتيتك إلا وقد ضاق صدري من الفراق، وسئمت من سيل الدمع المهراق، فلو علمت ما بي لعجلت نحوي المسير والسباق، وأتيتني كسرعة البرق، ويجل هنا ذكر البراق:
стр. 52
فَدَيْتُكَ لولا الحُبُّ كنتَ فَدَيْتَني ... ولكنْ بسِحْرِ الُمقلَتَيْن رَمَيْتَني
أتيتُكَ لَّما ضاقَ صدري من الهَوَى ... ولو كنتَ تدري حالتي لرَحِمْتَني
إيه، وكيف صبرك بعد فراقي؟ وكيف حالك بعد ركوبي وانطلاقي؟ وهل رزقت مناما هجرناه، أو عرفت قراراً أنكرناه؟ وهذه الجملة والتفصيل، والاختصار أولى عندي من التطويل.
فإن أنكرت دعواي، فاستفت قلبك فهو عارف، أو استقللت دمعاً فشاهد دمعك الدافق الذارف، وهاأنا تحت أوامرك ونواهيكَ، فاحكم - فديتك - حكم المالك على المماليك، لكن؛ اصدقني، عل حلت عن مودتك الصافية، وتغيرت عن محبتك الوافرة الوافية؟ وهل رجعت عن محبتك الصادقة؟ وهل قامت السنة السلو إليك ناطقة.
فقلت وقد أزعجني بهذا الكلام، وذاد عن جفني لذيذ المنام:
لا والذي سَمَكَ السَّماء بأمره ... قَسَمَاً وتكفي هذه الأقسامُ
ما حلت عن ذاك الوداد وإنَّه ... بَاقٍ له عند الممات دوامُ
فقال: اتبع الحق في هذا المقام والمقال، ولا تكن ممن حال عن ذا الحال في
الحال، وقم بصبابات الهوى في، لترشف كؤوس الراح من في، ولا يصدنك عن ذاك هجر وصدود، واصعد للجو في الجوى لتنال السعود في الصعود.
فقلت: لا تتعب نفسك في الوصية بالغرام، فإنني قائم في الصبابة والهيام أتم قيام، فإن لم أقم بذلك، فلا حظيت ببرد ثناياكَ وطيب ثنائك، ولا فزت ببرد رضابك وحلو رضائك:
إنْ لم أقم بصبابات الهوى فيكا ... فلا ارتشفتُ كُؤُوس الَّراح من فيكا
стр. 53
فيا مُريقَ دمي من غير ما سببٍ ... ها قد رضيتُ به إنْ كانُ يرضيكا
لم يُبْقِ هجرُكَ لي صبراً ولا جَلَدَاً ... ولم يَدَع فيَّ كتماناً يجنيكا
يا قلبُ إيَّاكَ أنْ تهوى سوى أملي ... أرقيكَ أرقيكَ باسم الله أرقيكا
فإنْ أَضَلَّكَ منهُ ليلُ طَّرته ... فَصُبْحُ غرَّتِهِ الوضَّاح يهديكا
يميلُ غُصنُ النّقا إنْ مال مُنعطفاً ... وإنْ رنا لفتات الظَّبي يعطيكا
يا ثغرَهُ كان دمعي أبيضاً يَقَقَاً ... فَبَدَّلَتْهُ يواقيتاً لآ ليكا
وأنتَ يا خصرَهُ أعديتَ سقمكَ بي ... حقَّاً لقد صرتُ بالي الجسم منهوكا
وبِتَّ تلدغُ يا ثعبانُ طرَّته ... قلبي فيا ليتَ أنَّي بِتُّ حاويكا
يا فِتْنَهً لو وقاني الحُبُّ وقعتَهَا ... ما كان سرَّي بعد الصَّون مهتوكا
فلا تَسَلْني عن وَجْدي وعن قَلَقي ... بَلْ سائِلِ الدَّمْعَ إنَّ الدَّمْعَ يُنبيكا
هذي دمُوُعي على حالي متُرجمةٌ ... وهذه ألسنُ الشَّكوى تُناجيكا
فقال: صدقت أيها الصب الوامق، والمحب الصادق، لكن؛ مع وجود المحبوب تسرع القلوب في توددها وتقربها، وفي غيبته ترجح إلى تنفرها وتجبنها، وهذه عادة القلوب في تعنتها وتعتبها، وما سميت القلوب قلوباً إلا لتقلبها.
فقلت له: لساني يقصر عن محاجتك عند حضورك، ويطول في غيبتك بما أنت عليه من أمورك، فلا يمكنني أن أتظلم وأنت لي ظلوم، والله يعلم الظاهر من
المكتوم:
حُجَجي عليكَ إذا خلوتَ كثيرةٌ ... وإذا حضرتَ فإنَّني مخصومُ
لا أستطيع أقولُ أنتَ ظَلَمْنَي ... واللهُ يعلمُ أنَّني مظلومُ
فقال: تزعم أنك مظلوم وأنا ظلمتك، وأنك مسلوب وأنا سلبتك،
стр. 54
وتدعي أني خال من الأشجان والهموم، وناء عن الأحزان والوجوم، وقد حلفت لك ألف يمين، وتزعم أني في اليمين غير أمين، فإن كنت عندك غير صدوق، وممن لا ترعي لديه الحقوق، رجعت من حيث أتيت، ولا يضمني وإياك - ورب البيت - بيت.
فامدد يدك أقبلها للوداع، وأذيقك حرارة الفراق بعد لذة هذا الاجتماع، ولا تطمع مني بعدها في الوصال.
فقلت وقد تقطع قلبي بهذا المقال ورماني بما هو أشد من وقع النصال: بالله، لا تمل علي مع الزمان الغادر، ولا ترم بسهم بعادك فؤادي الطائر، فلقد عجبت من صدودك والجفاء، من بعد ذاك الوداد والوفاء، حاشا شمائلك اللطيفة أن ترى علي عونا، وحاشا أخلاقك الشريفة أن تكون لوناً وتصير لونا:
إنَّي لأعجبُ من صُدُودكَ والجَفَا ... كم بعد ذاك القُرْبِ والإيناسِ
حاشا شمائلكَ اللَّطيفة أنْ ترى ... عوناً عليَّ مع الزَّمانِ القاسي
فقال: والله، لقد ندمت على حضوري إليك، وعلى إنجاز الوعد بالعطف عليك، لأن باطنك غير سليم، وحبك غير ثابت ومقيم.
فقلت: لا تنسبي إلى عدم المودة، واستفت قلبك، فلا تتهمني، فوالله، لا أسلو هواك وحبك، فيا ليت قلبك مثل عطفك، ويا ليت ودك مثل ردفك، فبالله، ارحمني، فقد صرت من الشفا على شفا، ولا تبدل حلاوة الود بمر الجفا:
لو كان قُلبكَ مثل عطفكَ ليَّنا ... ما كنتُ أقنعُ من وصالكَ بالُمنى
لكنَّ خصرَكَ مثل جسمي ناحلٌ ... وكلاهما متُحالفان على الضَّنى
стр. 55
يا هاجري ظُلْمَاً بغير جنايةٍ ... ما هكذا شرط المحَّبة بينناَ
قَّيدْتَ طرفي مُذ تسلسلَ دمعُهُ ... وجستَ نومي فالأسيرُ إذاً أنا
لا تحمِ قَدَّكَ عن حنايا أضلُعي ... كم لذَّةٍ بين الحَنَا والُمنحنى
علَّمتني كيفَ الغرام ولم أكن ... أهوى الهوى فرأيتُ صعباً هيَّنا
فقال: يهون إن شاء الله ولا يصعب، ويرغب القلب في الاجتماع ولا يعزب، ويطلع بدر اللقاء في أفق الوصال ولا يغرب، ويبيت قمرك في صدرك ولا يغرب، فلم أعاتبك إلا من باب اللعب والمجون، وإن اتخذت صاحباً سواك إني إذاً لمجنون، فوالله، ليس في قلبي محبة لسواك، وإن أظلمت بالفراق صباحك لأشرقن بالوصال مساك، وقد كابدت أيها الصب الصبابة، ولم أصرح وعندي من الصبر لبابه:
ألِفنا التَّجا في واطمأنَّت قُلُوبنا ... عليه وهذا آخر العهد بالصَّبرِ
وإنْ واصلَ المحبوبُ وارتفعَ العنا ... وطالَ زمانُ الوصل لاشتقتُ للبحرِ
فلما سمعت در كلامه، وفهمت رونق نظامه، زاد وجدي وغرامي، وتضاعف حنيني وهيامي، وكدت أطير من الفرح والسرور، وكاد فؤادي يلحق بملحقات الطيور.
فقلت: يا قرة العين الساهرة، وقرار القلوب النافرة، شفيت نفساً أشرفت على التلف، وأنعشت قلباً أودي به وارد الأسى والأسف، ورفعت أملا كان في الحضيض فنال الشرف، وأحييت روحاً أماتها الهجر والصدود، ونفساً لازمها الهم فلا يجوز أن يجوز عليها ولا يجود، فاستدركت ما بقي من رمقها، وخلصتها من لوعاتها وحرقها، وسقيتها، فعادت مخضرة الأوراق يانعة الأزهار، متمايلة بنسمات الوصال وقرب المزار:
стр. 56
لَّما رأيتُ الوَجْد قد شَفَّني ... وخانني من بعدكَ الصَّبرُ
مَنَنْتَ بالوصل على مُغرمٍ ... ذاب اشتياقاً فلكَ الأجرُ
فقال: خلنا من زخرف الأقوال، فلك المنة علينا في جميع الأحوال، وقم بنا إلى الدار، وأخلها من الرقباء والأغيار، وحظي في ذلك أوفي وأوفر، ونصيبي منه أقوى وأكثر، فاستعد لوصالي، فنعم البدل أنا من خيالي، فقد تبلج الليل الدامس، وابتسم ثغر الدهر العابس، وحضر الحبيب وغاب الرقيب، وقهقه العيش بعد القطوب، ولم تبق حاجة في نفس يعقوب، فقم بنا فدتك النفس، فقد أقبل السعد وولى العكس.
فأمرت صاحبي بالوجه إلى الدار، لترويق العقار، وتزويق العقار، ومشيت أنا والحبيب معا، والسعد قد أقبل نحوي وسعي، فوصلنا إلى المنزل وقت الغروب، وقد زال ما على القلب من الغم والكروب، فأضاه الأفق من سنا نوره، وسلب الليل لباس ديجوره:
فو اللهِ ما أدْرِي أأحلامُ نائمٍ ... ألَّمتْ بنا أم كان في الرّكب يُوشَعُ
فحيين رأيت المحبوب قد حصل، وخضاب الفراق قد نصل، بكيت بدمع أجراه الفرح والجذل، وأطلقه السرور فسح وهمل.
فقال: ما هذا
стр. 57
البكاء والنحيب، وقد عالج الداء الطبيب، وغاب العاذل والرقيب، وحضر المحب والحبيب:
فأجبُتهُ لَّما رأيتكَ زائري ... وسمحتَ لي بعد النَّوى بتداني
طَفَحَ السُّروُرُ عليَّ حتَّى أنَّه ... من عِظَمِ ما قد سرَّني أبكاني
فدخلت أمامه الدار، ونعمت عيشا بالجار، وكدت أطير في المساء بالمسار، حتى شممت درك الأماني والأوطار، فجزيته خيرأً إذ جبرني بمزاره، وبقيت أقبل يده، وأمسح خدي بسقيط غباره، وبهت في لطفه الذي عليه منه أغارني، ونوه بذكري وإلا فمن أنا حتى تعني وزارني؟:
جزى اللهُ بعضَ النّاس ما هُو أهلُهُ ... وحَيَّاهُ عني كُلَّما هَبَّتِ الصَّبَا
حبيبٌ لأجلي قد تعنَّى وزارني ... وما قيمتي حتَّى مشى وتعذَّبا
وفي لي بوعد مثلهُ من وفي به ... ومثلي فيه عاشقٌ هام أو صبا
فأنقذَ عيناً بالدُّمُوع غريقة ... وخلَّصَ قلباً بالجفاء مُعذَّبا
سأشكرُ كُلَّ الشُّكْر إحسان محُسن ... تحَّيل حتَّى زارني وتسبَّبا
فلما استقر به المجلس أعجبه تركيبه، وراقه أرجه وطيبه، فقدم لنا الأكل على خوان الإخوان، عليه من الأطعمة ألوان، وناهيك بخوان قد أعجز في وصف ما عليه فصاحة الألسن، وجمع من المآكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، والاختصار أولى عندي من وصف الطعام، لأن الأكل أقل من أن يطول فيه وصف وكلام.
حتى إذا مد الليل رواقه، وألقي في بحر االجوزاء أطواقه، أشعلنا شموع الكافور عليها من فتات العنبر حباب، فغدت تلك الشموع يبدو منها لعبير عنبرها
стр. 58
التهاب، وتشير إلى الدجى بلسان أفعى فيشمر ذيلة طلباً للذهاب:
وصَحِيحَةٍ بيضاَء تطلعُ في الدُّجى ... صبُحاً وتشفي النَّاظرين بدائها
شابتْ ذوابئها أوانَ شبابها ... واسودَّ مفرقها أوانَ فنائها
كالعين في طبقاتها ودمُوُعها ... وسوادها وبياضها وضيائها
ثم أحضرت أنواع الرياحين، وتفاءلت في الجمع بين الورد والياسمين، وفرشنا سفرة المدام، فتحرقت نحوها أحداق الأقداح بعد فتح المسام، فقالت بلسان الحال فأغربت، وأفصحت عن لسان القال وأعربت:
انظرْ إليَّ تراني سفرةً بديعةً ... وأنْ تُرِدْ وصفي فمهما شئتَ قُلْ
وجهي طليقٌ وانبساطي زائد ... يا ضيفِيَ ادخُلْ وانبسطْ واشربْ وكُلْ
ثم أتينا بسلاف أرق من الماء، وأجرى من الهواء، وأنور من اللهب، وأحسن من
الذهب، وأسلس من النسيم، وأشد إشراقا من الشمس قبل المغيب، وأرق من دين المحب، وخصر الحبيب:
أقول له قدْ رقَّ عيشي والصِّبا ... وخمري وكاساتي وصوت الذي غنَّى
فقال الذي أهوى: وخصري نسيتَهُ ... فقلتُ له: والله قد جئتَ في المعنى
وتضاعفت المسرات بوجود القرقف، وان كان رضاب الحبيب أشرق وأشرف، لكن الجمع بينهما نهاية الأرب، وغاية القصد والطلب، فلقد تقنعت بمر الصهباء، وحلو الكلام، وتعصبت بحديث الحبيب وعتيق المدام:
وإنَّي من لذَّات دهري لَقَانِعٌ ... بحُلْو حديث أو بمُرِّ عتيقِ
هُمَا ما هُمَا لم يبقَ شيءٌ سواهما ... عتيقُ مُدام أو حديث صديقِ
وأتينا بمناديل الشرب برسم مسح الصهباء عن الشفاه، ووضعنا
стр. 59
على ركبنا نفائس الفوط على عادة الشرب والسقاة، وبعثنا أرواح الراح في أجسام الأقداح، وسال دم الزق في تلك البواطي وساح.
وابتنى ابن الغيوم بابنه الكروم، فما دخلا حتى اتفقا على إطلاق الهموم، فيا له مجلساً ما فيه ساع سوى ساقي المدام، ولا مع الأحباب سوى الريحان نمام:
ومجلسٍ راقَ من واشٍ يُكَدِّرُهُ ... ومن رقيبٍ له باللَّومِ إلمامُ
ما فيه ساعٍ سوى السَّاقي وليس به ... بين النَّدامى سوى الرَّيحان نمَّامُ
ولم يزل المحبوب ينادمني، ويعاطيني الكاسات ويناولني، فأقصد مكان فيه من فيه، وقد رقت وراقت، فلم أدر أهي في المدام أم المدام فيه؟ واشتبه الأمر علي، ووقعت في الوسواس، فكأنها كاس بلا خمر، أو خمر بلا كاس:
رقَّ الزّجاج وراقتِ الخمرُ ... وتَشَابَهَا فتشاكلَ الأمرُ
فكأنَّما خمرٌ ولا قَدَحٌ ... وكأنَّما قدَحٌ ولا خمرُ
فقال لي المحبوب وقد سقاني، ومن داء البعاد شفاني: اشرب ولا تخش من
الأوزار، فقد أمكنك المحبوب وزار، وأطفي بنار المدام فرط همك وكربك، ولا تخش إثماً، فأوراق الكرم أكف غدت تستغفر الله لذنبك:
стр. 60
صِلِ الرَّاحَ بالرَّاحات وأغنم مسرَّةً ... بأقداحها واعكفْ على لذَّة الشُّربِ
ولا تخشَ أوزاراً فأرواقُ كرِمهَا ... أكُفٌّ غَدَتْ تستغفرُ اللهَ للذَّنبِ
فقلت له: مرسومك أحق أن يطاع ويمتثل، وخدمتك أيها الملك لا تقابل بالملل.
فقال: قد وجب حقك فما لنا من بدل، فتنقل مني على المدام بلذيذات القبل.
فجعل يشرب ويسقيني فضله، وأشكر بره العميم وفضله، فسكرت من ريقه ومدامه، ودهشت من غصن البان وقوامه، وسار غرامه في سائري، لما صار منادمي ومسامري:
تأمَّلْ من خلال الشُّرب وأنظر ... بعينكَ ما شَرِبْتُ وما سقاني
تجدْ شمسَ الضُّحى تدنو بشمسٍ ... إليَّ من الرَّحيق الخُسْرُواني
فطبنا وطربنا، وشرهنا وشربنا، وغردت مناطق طيورنا، وضعف الهم بمضاعفة سرورنا، وفاح العنبر بين أيدينا من المجامر، وراح النصب وهو علينا مخامر، وأقبلت طلائح السعد في جحافل وعساكر، ودقت كاساتها لكؤوسنا، ورقصنا بقلوبنا ورؤوسنا، واستنطقنا ألسن عيداننا، وكدنا نطير ونحن في مكاننا.
فقال لي المحبوب وهو ينادمني، وبعينيه الوقاح يغازلني: تمتع بشبابك واقطعه بالطيبات وثبا، وإن أتاك شيطان الهموم فاقذفه من أنجم الصهبا:
стр. 61
مَتِّعْ شبابَكَ واستمتعْ بخدمته ... فهو الحبيبُ إذا ما غابَ لم يؤُبِ
والهَمُّ للنَّفْس شيطانٌ يُوَسْوسُهَا ... فاقذفْهُ من أنجم الصَّهباء بالشُّهُبِ
فقلت له: لا أخالفك في أو أمرك ولا أعصيها، وأمضي إلى آرائك فأقضيها ولا أقصيها، فلقد صار المدام عندي قريباً من رضابك، لامتثال أوامرك والرضا بك، لأنني أهواك وأهوى هواك، ولا أطلب غيرك ولا أريد سواك، وأستشهد لك من
الآي والأشعار بالإشعار، بأني سأبيع العقار لحسو العقار:
أحسنُ الأشْعَارِ عندي ... انْفِ بالخمر الخمارا
وأَلَذُّ الآي عندي ... وترى النَّاس سُكارى
ولم أزل آخذ ملآناً وأعيد فارغا، والقرقف والرضاب قد أسكراني وبالغا، فجنت بأقسام ثلاثة في ذلك المقام، أزالوا العقل فهاج القلب وهام، السرور الزائد والعشق القائد والتزام المدام:
ما أطيبَ وقتَنا وأهنَا ... والعاذلُ غائبٌ وغافلْ
عشقٌ ومَسَرَّةٌ وسُكْرٌ ... والعقلُ ببعض ذاك ذاهلْ
والبدرُ يلوحُ من قناع ... والغُصْنُ يميسُ في غلائلْ
والوردُ على الخُدوُد غَضٌّ ... والنَّرجس في العُيُون ذابلْ
والعيشُ كما أحبُّ صافٍ ... والأنُسُ بَمنْ أُحبُّ كاملْ
فزحفنا على جيش الهموم بكاسات الراح، فأتى السرور لما هزم الشر وراح، وتذكرت دوسها بالأرجل، فأخذت ثأرها من الرؤوس، وكادت تطير لولا شباك الحبيب في رؤوس الكؤوس: وفي هذا المعنى اللطيف، والقول الظريف:
стр. 62
راحٌ زحفتُ على جيش الهُمُوم بهاَ ... حتَّى كانَّ سَنَا الأكوابِ راياتُ
تجولُ حولَ أوانيها أشَّعُتهَا ... كأنَّما هي للكاساتِ كاساتُ
تذكَّرت عند قوم دوسَ أرجُلِهِم ... فاسْتَرْجَعْتْ من رؤُوُس القوم ثاراتُ
كأنَّها في أَكُفِّ الطَّائفين بها ... نارٌ تطوفُ بها في الأرض جنَّاتُ
من كُلِّ أغيدَ في دينار وَجْنَتِهِ ... توزَّعت من قُلُوب النَّاس حبَّاتُ
مُبلبلُ الصَّدْغِ طَوعُ الوصل مُنعطف ... كأنَّ أصداغه للُّطف واواتُ
ترنَّحتْ وهي في كَفَّيْهِ من طَرَبٍ ... حتَّى لقد رقَصَتْ تلكَ الزُّجاجاتُ
وبتُّ أشربُ من فيهِ وخمرِتهِ ... شُرْباً تُشَنُّ به للعقل غاراتُ
وينزل اللَّثمُ خدَّيْه فيُنْشِدهُا ... هي المنازلُ لي فيها علاماتُ
سقُياً لتلك اللُّيَيْلاتِ التي سلفتْ ... كأنَّما العُمْرُ هاتيكَ اللُّيَيْلاتُ
ولم نزل نميت الدنان ونحيي النفوس، ونزمر بالكؤوس، ونرقص بالرؤوس، ونأخذ أوتاراً لهم بأوتار العود، ونستنشق أرج نسمات العنبر والعود، ويحاسبني على اللثم فأغلط في العدد وأعود:
سألتُهُ التّقبيلَ في خَدِّه ... عشراً وما زادَ يكون احتسابْ
فَمُذْ تَعَانَقْنَا وقَبَّلْتُهُ ... غلطتُ في العَدِّ وضاعَ الحسابْ
وبقيت أتذكر أيام الفراق، فآخذ الثار بساعات التلاق، والمحبوب قد رمى العمامة عن رأسه، وقطب وجهه عند قهقهة كأسه، وصاحبي معنا جالس في المقام، برسم قط الشموع وصف الزهور ومزج المدام.
стр. 63
فقال لي: بالله أميلك إلى هذا أو القينات أعظم؟ فأطلعني منك على المقصود، وأظهرني على المكتتم.
فقلت: إن كان حب سلمى للعيش أسلم، وعشق نعمى للعين أنعم، فقد تقنعت لكن؛ بالحبيب المعمم، أما علمت يا هذا فافهم وترنم:
أحببُتهُ مُتَعَمَّمَاً ومقُنَّعاً ... أبداً عليَّ بظُلمه يتعصَّبُ
فعندي من هواه ما أطلع النفس مع النفس، ومن السرور بلقائه ما أضاء له بين جوانح الصب قبس:
قد سَبَاني من بني التُّرْك رَشَا ... جوهريُّ الثَّغر مِسْكِيُّ النَّفَسْ
قد حَكَى شمساً وغُصْناً ونقا ... في ابتلاجٍ وارتجاجٍ ومَيَسْ
ضَيِّقُ العيَنْينِ تُركيُّهُمَا ... واسعُ الجبهةِ خَزِّيُّ الَمَجسْ
ناظِرِي للوَرْدِ مِنْهُ غارِسٌ ... ما لَهُ لا يَجتْنِيَ ممَّا غَرَسْ
أصْبَحَتْ عَقْرَبُ صَدْغَيْهِ مَعَاً ... لِجَنِىِّ الوَرْدِ في الخَدِّ حَرَسْ
وغَدَا ثُعْبَانُ دَبُّوقَتِهِ ... جَاِئلاً في ظَهْرِهِ ممَّا أَحَسّ
لَسْتُ أخْشَى سَيْفَهُ أو رُمْحَهُ ... إنَّما أَرْهَبُ لَحْظاً قَدْ نَعَسْ
اخْتَلَسْنَا بَعْدَ هَجْرٍ وَصْلَهُ ... إنَّ أهْنَى العَيْشِ ما كان خُلَسْ
لَسْتُ أَنْسَاه وقَدْ أطْلَعَ مِنْ ... خَدِّهِ ناراً أضاَءتْ في الغَلَسْ
ورمى العِمَّةَ فالتَاجَ لَنا ... فَرْقَ شَعْرٍ دقَّ معنى ما ألْتَبَسْ
لَمَس الكَاْسَ لكَيْ يَشْرَبَها ... فاعترتْهُ هزة لَمَّا لَمَسْ
ثُمَّ أدنى جوهراً من جَوْهَرٍ ... وتحسَّى الكأسَ في فَرْدِ نَفَسْ
стр. 64
وغدا يَمْسَحُ بالمنْديِلِ مَا ... أبْقَتِ الخَمْرَةُ في ذاك اللَّعَسْ
عَجَبَاً مِنْها ومِنْهُ قَهْقَهَتْ ... إذْ حَساهَا وهْوَ مِنْها قَدْ عَبَسْ
ولم نزل على هذه اللذة الغائبة الفانية، والعيشة الشافية الصافية، حتى انتصف الليل، وأقبلت عساكر السعد بالرجل والخيل، فأمرت صاحبي برفع المدام، وتجهيز المرقد للمنام. فرفع الأواني في الحال، وأقبل على ذلك الشان وشال، وعلق في المرقد نفحات المسك الأذفر، وأطلق فيه مباخر الند والعنبر، ثم قال: أين ترسم لي أن أبيت؟
فقلت: نم عندنا، لكن؛ خارج المبيت، فأنت ممن تحققنا منه المروءة والشفقة، فاخرج عنا ورد الباب بالحلقة.
ففعل ما أمرناه وخرج، ولم يبق في الصدر هم ولا حرج، فقلت لمحبوبي: أما تقوم بنا لننام، وأتنعم بتقبيل الثغر واعتناق القوام.
فقال لي: أقوم، ولكن العناق حرام، فقلت: في عنقي تكون الأوزار والآثام:
دعوتُهُ لعناقٍ فانثنى خجلاً ... وكُلَّلت وجناتُ الخَدِّ بالعَرَقِ
فقامَ ينهضُ والصَّهباء تقُعدُهُ ... سُكْراً وحاولَ أنْ يسعى فلم يُطقِ
وقال لي بفُتُورٍ من لواحظه ... إنَّ العناقَ حرامٌ قلتُ: في عنُقُي
فقال: أستغفر الله من الفجور واللغط، ومن وقوعك أيها الإنسان في النسيان والغلط.
فقلت: لا تظن أن محبتك من الخطايا والسيئات، ولا تخل أن صحيفة عاشقك كسواد خيلانك والحسنات، واعلم أن هواك من أفضل الفضائل وأحسن القربات:
أستغفرُ الله إلاَّ من محبَّتكُم ... فإنَّها حسناتي يومَ ألقاهُ
стр. 65
فإنْ زعمْتُمْ بأنَّ الحُبَّ معصيةٌ ... فالحُبُّ أحسنُ ما يُعصى به اللهُ
فقم بنا - فدتك النفس - نجعل الشك يقيناً، ونستنجد بالعناق على العناد لعل العناق يقينا.
فمسكت يده وقمت إلى المبيت، بصدد الاعتناق فيه والمبيت، فتجرد من قماشه إلا من قميص فضي، وطاقية فوق جبين مضي، فاضطجعنا معاً في لحاف وأحد، وتوسدت منه بمعصم وساعدني منه بساعد:
وحَلَلْتُ بَنْدَ قبائِهِ عن بانةٍ ... هيفاَء تحكيها الغُصُون وتدَّعي
وأُخادِعُ من أنفاسها ... كتماً ويأبى المسكُ غير تَضَوُّعِ
حتَّى لو أنَّ اللَّيلَ ينشدُ بدرَهُ ... في تمِّه لأصابَهُ في مَضْجَعِي
ولم أر أحلى من معانقته، ولا ألطف من موافقته، فالتزمته حتى صرنا كواحد، وساعده مساعف لي ومساعد:
ولَّما زارَ مَنْ أهواهُ ليلاً ... وخفْنَا أنْ يلمَّ بنا مُراقبْ
تعانقْنَا لأخفيه فصرنا ... كأنَّا واحدٌ في عقل حاسبْ
وكلما التزمته زاد ما بي من الحنين والشوق، وكلما لثمته ورشفته اشتد ما عندي من الحرق والتوق، فلو اتحدنا وهو لي معانق لقلت: معاند، ولو مازجت روحي روحه لقلت: ادن مني أيها المتباعد:
أُعانقُهُ والنَّفْسُ بعد مشوقةٌ ... إليه وهل بعد العناق تدرانِ
وألثمُ فاهُ كي تزولَ حرارتي ... فيشتدُّ ما ألقى من الهيمانِ
كأنَّ فؤادي ليس يُشفى غليلُهُ ... سوى أنْ يرى الرُّوحَيْن يمتزجانِ
стр. 66
ولم يكُ مقدارُ الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما تروي به الشَّفتانِ
وذكرت ليالي الهجر وطولها، وما أريت في الطول على شهرها وحولها، ونظرت إلى البدر في السماء وليس له عندي بهجة، ومثلته ومحبوبي فكان تفضيل المحبوب أوجب وأوجه، وقلت أخاطب الليل وأنا صدوق اللهجة:
لَيْلَ الحِمَى باتَ بدري فيكَ معُتنقي ... وباتَ بدركَ مرميَّاً على الطُّرُقِ
شتَّانَ ما بين بدرٍ صِيغَ من ذَهَبِ ... وذاكَ بدري وبدرٌ صِيغَ من بَهَقِ
وبقيت أهصر قده القويم، وألثم ثغره النظيم، فاستحكم الفرح والسرور، وكاد يشرق على وجه الأرض نور.
وخلعنا العذار، ونبذنا الوقار، وتدانت القلوب، وساعد المحبوب، وحصل المقصود والمطلوب، وأنشدت ولبي ذاهل، ونادي السرور آهل:
رعى اللهُ ليلاً ضَمَّنَا بعد فرقةٍ ... وأدنى حبيباً من فُؤاد مُعذَّب
فَبْتَنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌ ... من الرَّاح فيما بيننا لم تُسَرَّبِ
فيا لله ما ألذ التزامه واعتناقه، وما أكثر إشفاقه بالصب وإرفاقه، فلقد سكرت من طيب شذاه عند العناق، وساق القلب إلى النعيم بالتفاف الساق بالساق:
عانقْتُهُ فسكرتُ من طيب الشَّذا ... غُصناً رطيباً بالنَّسيم قد اغتذى
نَشْوَانُ ما شربَ الُمدام وإنَّما ... أضحى بخمر رضابه مُتَنَبَّذَا
стр. 67
كَتَبَ الجمالَ على صحيفةِ خَدَّهِ ... يا حُسْنَهُ لا بأسَ أنْ يتعوَّذا
أضحى الجمالُ بأسرهِ في أسرهِ ... فلأجل ذاكَ على القُلُوب استحوذا
وأتى العذولُ يلومُني من بعد ما ... أخذ الغرامُ على فيه مأخذا
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... عن حُبِّه فليهذُ فيه مَنْ هذى
والله ما خطررَ السّلو بخاطري ... ما دُمْتَ في قَيْد الحياة ولا إذا
إنْ عشتُ على هواه وإنْ أمتْ ... وَجْداً به وصبابة يا حبَّذا
إنَّي ليعجبني تلا في الهوى ... ويلذُّ لي ما قد لقيتُ من الأذى
ثم جرينا في ميدان الهوى والخلاعة، وبذلنا في طاعة الهوى جهد الاستطاعة، وعصينا الوقار والنهى، وبلغنا كل قلب ما اشتهى، وأعطينا النفوس غاية أمانيها، وسلمنا قوس التصابي إلى باريها.
واستعذبت ريقه فلم أفتر من الرشف، واستطيبت تقبيله فما غفلت عن ذاك لمحة طرف، فجعلت أقبله وأتوه في العادة عن العد، فيقول: أما تحسب قبلك التي لا توصف ولا تحد:
وغَدَا يُنادمني وكأسُ حديثه ... أِهى إليَّ من الرَّحيق وأطيبُ
قال: احسبِ القُبَلَ التي قَبَّلْتَني ... فأجبتُ: إنَّا أمَّةٌ لا تحَسبُ
فشكرت تلك الليلة التي جادت بعد شحها ويخلها، وتداويت بالعيون التي رمتني بنبلها ونجلها، فيا لله ما كان أطيبها وأقصرها، وأحسنها في القلوب وأخصرها، ففي راحتي بقية من طيب ذلك الشذا العاطر، وفي فمي حلاوة من ذلك الريق الشهي الطاهر:
وجادَ الزَّمانُ به ليلةً ... وعمَّا جرى بيننا لا تَسَلْ
فَأَنْحَلْتُ قامَتهُ بالعناقِ ... وأذبلتُ مرشَفَهُ بالقُبَلْ
стр. 68
وها أثرُ المسكِ في راحتي ... وهاك فمي فيه طعم العَسَلْ
فجعلت أشره في التقبيل وهو لا يمتنع، وأردع النفس عن تكراره وهي لا ترتدع، وأكفكف عبرة السرور وهي لا تنقطع، حتى عاد فص خاتم فيه العقيق فيروزجا، وهو لا ينكره، بل كلما قصدت قبلة أو ما إلي وجا:
حَمَلْتُ خاتَمَ فْيهِ فَصَّاً أَزْرَقَا ... من كثرة اللَّثْمِ الذي لَمْ أُحصِهِ
لولاهُ ما عَلِمَ الرَّقيبُ فيا له ... من خاتمٍ نَقَلَ الحديثَ بفصَّهِ
فرعاها الله من ليلة ما كان أعظمها وأعزها، وأبرها وألذها، وأخصرها وأقصرها،
وأحلاها وأجلاها قلت فيها لقلبي: أتعرف يا قلب من سمح لك بعد العناء بالعناق، وتدري من أباحك لف الساق بالساق؟ ومن ذا الذي يأتي من لطيف العتاب بما يلين الحجر، ويبدي من المقال ما يطيب به رعي السهر بالسمر:
رعى الله ليلةَ وصلٍ حلَتْ ... وما خالطَ الصَّفْوُ فيها كَدَرْ
أتَتْ بغتةً ومَضَتْ سُرعةً ... وما قَصُرَتْ بعد ذاك الِقصَرْ
خَلَتْ عن رقيبٍ وعن حاسدٍ ... ولم تكُ إلا كَلَمْحِ البَصَرْ
بغير اختيارٍ ولا كُلفَةٍ ... ولا موعدٍ بيننا يُنْتَظَرَ
فقلتُ وقد كادَ قلبي يطيرُ ... سُرُوراً بنيل الُمنى والوَطَرْ
أيا قلبُ تعرفُ مَنْ قد أتاكَ ... ويا عينُ تدرينَ مَنْ قد حَضَرْ
ويا قمرَ الأُفقِ عُدْ راجعاً ... فقد باتَ في الأرض عندي قمرْ
ويا ليلتي هكذا هكذا ... وبالله بالله قِفْ يا سَحَرْ
فكانتْ كما أشتهي ليلتي ... وطابَ الحديثُ وطالَ السَّهَرْ
стр. 69
ومرَّ لنا مِنْ لَطيف العِتابِ ... عَجَائِبُ ما مِثْلُها في السَّيَرْ
خَلوْنا وما بَيْنَنَا ثالِثٌ ... فأصبَحَ عند النسَّيم الخَبَرْ
وصرت ألاعب المحبوب وأسامره، وأناغيه وأداعبه وأساهره، ولم أقص ليلة مثلها في العمر، ولا نالها ذو عقل ولا غمر، قطعتها هياماً وسهرا، ولا ذقت فيها مناماً ولا كرى:
لا أعرِفُ النَّومَ في حالَيْ جفاً ورضىَ ... كأنَّ جفني مطبوعٌ على السُّهَدِ
فليلةُ الوصلِ تُمْضَى كُلُّها سَهَرَاً ... وليلةُ الهجرِ لا أغفو من الكَمَدِ
وكلما جاء الكرى يعبث بجفونه النواعس، أوعظه بمعانقة قده المائس، وأمنعه النوم
لأتملأ بمسامرته ومساهرته، وأفوز عند مساهدته بمشاهدته.
وقلت لعينيه: كللتم بالنهار فرقدتم، وأصبتم قلب المستهام بالسهام فجرحتم:
وفَتَّاكُ اللَّواحظ بعد هَجْرٍ ... دنا كَرَمَاً وأنعمَ بالمزارِ
وظلَّ نهارُهُ يرمي بقلبي ... سِهاماً من جُفُونٍ كالشَّفارِ
وعند اللَّيلِ قلتُ لُقلَتَيْه ... وحُكْمُ النّضوم في الوَجَنات ساري
تباركَ مَنْ توفَّاكُم بليلٍ ... ويعلمُ ما جَرَ حْتُمْ بالَّنهارِ
ولم أزل في تلك النعمة العظيمة، والمنة الجسيمة، حتى برق عمود الصباح فانفلق، من الغيرة وانخنق وناحت الأطيار في الأسحار، فتصدع القلب للفراق وطار، وتحققنا وفاة ليلتنا الجانحة الناجحة، ومصادفتها الحمام لما سمعنا من الحمام في كل ناحية نائحة:
стр. 70
وأنذرتْ بوفاةِ اللَّيل ساجعةٌ ... كأنَّها في غدير الصُّبح قد سَبَحَتْ
مخضوبةُ الكَفِّ لا تنفكُّ نائحةً ... كأنَّ أفراخَها في كَفِّها ذُبِحَتْ
فقال لي المحبوب: أما ترى الصبح يحسدنا على التالف والوصال، حتى سطا علينا وظهر وصال.
فقلت: إن عندي من ذلك قلقا وضجر، فقال: ألا تراه من الغيط قد انفلق وانفجر:
قلتُ وقد عانَقتُهُ: ... عِندي من الصبُّح قلقْ
قال: وهل يحسُدنُا؟ ... قلتُ نَعَمْ قد انفلقْ
وطال نوحي؛ حيث أتانا الصبح يجر ذيله، وطار قلبي لطيران تلك الليلة، وتذكرت تلك الليالي الطول، وقصر ليلة القرب والوصال، فأخذت العين في البكاء والإرسال، وأخذ القلب في الحنين والإعوال، فلم أر ليلة أطول من إحيائها
وسهرها، ولا أقرب مما بين عشائها وسحرها:
يا ليلةً كادَ من تَقَاصرُهَا ... يعثُرُ فيها العشاءُ بالسَّحَرِ
تطولُ في هجرنا وتقصرُ في ال ... وصلِ فما نلتقي على قَدَرِ
تذكرت قيام الحبيب من صدري، فعدمت قلبي وسلبت صبري، فقال لي: إني عازم على الرحيل ومسارع، وقد أودعتك لمن لا تخيب لديه الودائع، وقبل يدي وانتصب للرحيل، فتضاعف ما بي من البكاء والعويل.
فقلت: قبل فمي، فإني إليه أشره وأشوف وأشوق، وهو للصب أرفد وأرفع وأرفق، وأنشدت وقلبي في نار الجحيم مخلد، وأنا أبكي وأنتحب وأنوح وأتنهد، أتذكر ليلتي المنعمة بأنواع اللطائف والتحف، وغبطتي المستحيلة بالأسى والأسف:
стр. 71
وافى وقد أبدى الحياَء بوجهه ... وصُدُوده في القلب نارٌ تحرقُ
أمسى يُعاطيني الُمدام وبيننا ... عَتَبٌ أرقُّ من النَّسيم وأروقُ
حتَّى إذا عَبّثَ الكَرَى بجُفُونه ... كأنَّ الوسادةَ ساعدٌ والمرفقُ
حتَّى بدا فَلَقُ الصَّباح فراعني ... إنَّ الصَّباحَ هُو العدُوُّ الأزرق
فهناك أومأ للوداع مُقَبِّلاً ... كَفِّي وهي بذيله تتعلَّقُ
يا مَنْ يُقِّبلُ للوداع أناملي ... إنَّي إلى تقبيل ثغركَ أشوقُ
فتولى وتلوى وتفرد وتثنى، وأجرى في المعنى على ذلك المعتاد دمع المعنى، فعلم أغصان النقا كيف تميد وتميل، وعلمت أنا ورق الحمام، كيف تنوح وتطيل:
تثَّنى وأغْصَانُ الأراك نواضرٌ ... ونحتُ وأسرابٌ من الطَّير عْكَّفُ
فَعَلَّمَ باناتِ النَّقَا كيف تنثني ... وعلمتُ وَرْقَاَء الحِمَى كيف تهتفُ
وخلفني ومضى، وتركني على جمر الغضا، وغادر قلبي بنار حره وقد أشغل وأشغل، وقال: لابد من زيارتك إن كان في العمر مهل، فاخذ القلب معه وسار، فبقيت لا أعرف الفرح والمسار، فأودعته المهجة وقت الوداع، فشاع الوجد عليها
وذاع، ورمى القلب لتذكاره وبعده بحرقتين، وقسمت أدمعي عليه عند الفراق فرقتين:
ساروا وسارَ القلبُ إثر حُمُولَهِم ... رهنَ الصَّبابة لا يفيقُ ولا يعي
أوْدَعْتُهُم مُذ ودَّعُوني مهُجةً ... فَغَدَوْتُ فاقدَ موُدِعي ومُوَدَّعي
وقَسَمتُ دمعي فرقَتْين فشطُرُه ... للظاعنين وشطره للأربعِ
стр. 72
فجاءني صاحبي عقب فراقه، فوجدني باكياً لبعده وانطلاقه، وقال: تهنئك ليلتك الغراء، وعيشتك الخضراء.
فقلت: والله ذهب ما كنت فيه من السرور، وقد وقعت الآن في أضيق الأمور، فلو دام لي الوصال ألفي عام على التحقيق، ما كان يفي بساعة التوديع والتفريق:
يا مَنْ سَلَبوا بينهم مجموعي ... قلبي وحشاي ذابَ بالتَّقطيعِ
لو دامَ لي الوصالُ ألفَيْ سنةٍ ... ما كان يفي بساعة التَّوديعِ
وبقيت أتذكر ليلتي فأبكي وأنوح، وأغدو في عرصات الدار وأروح، فجزى الله عني تلك الليلة أفضل الجزاء، ولولا طيبها لكانت تعد من الليالي الطوال، (ولله در القائل حيث قال):
جزى الله بالحُنسى ليالي أقبلتْ ... إليتا بإيناسِ الحبيب الُمسامِرِ
ليالي كانتْ بالسُّروُر قصيرةً ... ولم تكُ لولا طولُهَا بالقصائرِ
فيا لكَ وصلاً كان وشكُ انقصائه ... كزَورِة طَيف أو كَنُفْيَةِ طائرِ
وهاأنا أتمنى عودة حلاوة ليلتنا السالفة، لأن قلبي بها دَنِ فٌ وروحي عليها ناطفة، ودمعي في صحن خدي سكب ونفسي بالبعاد تالفة، وقد صرت بعدها تبعاً وأنا في الحقيقة خاص، وبقيت لفقدها متيما ولات حين مناص.
فلو عادت تلك الليلة لأحيت ميت الأحياء، ولنوهت بقدرها بين الأقوام والأحباء، فيا لله ما أعجل ما تقضت تلك الليلة بالوصال، فلقد قنعت منها اليوم إن نلت
لياليها بالخيال:
стр. 73
عُودي عليَّ ولو كَلَمْحِ الناَّظرِ ... ليعودَ لي زمنُ الشَّباب النَّاضرِ
كُلُّ اللَّيالي الماضيات خلاعةٌ ... تفدي نعيمكَ يا ليالي حاجرِ
ما كُنْتَ في اللَّذَّات إلاَّ خلسةً ... سمعتْ بها الأيَّامُ سمعةَ غادرِ
كان الصِّبا منها أرقَّ من الصبَّا ... وألذَّ من غفوات عين السَّاهرِ
آهاً على أيَّام نجدٍ إنَّها ... أيَّام أفراح ٍوعَصرُ بشائرِ
ما كنتُ أقنعُ بالتَّواصل منهم ... واليومَ أقنعُ بالخيالِ الزَّائرِ
فلقد أضحى البعاد بديلاً من التلاقي، وشؤون الجفون تفيض من آماقي، حتى تبدلت بالنعيم جحيماً، وبالخضرة هشيما، وبالعيان غيابا، وبالعذوبة عذابا، وبالوصال بعادا، وبالعناق عنادا، وبالكسب خسراناً، وتغبينا، وبالكوثر (العذاب) زقوماً وغسلينا:
أضحى التَّنائي بديلاً من تدانينا ... وعَزَّ عن طيبِ لُقيانا تجافينا
بِنْتُمْ وبِنَّا فما ابتلَّتْ جوانحُنا ... شوقاً إليكم ولا جَفَّتْ أماقينا
حالتْ لفقدكُم أيامُنا وغَدَتْ ... سُودَاً وكانتْ بكُمْ بيضاً ليالينا
نكادُ حين تُناجيكُم ضمائرُنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا
لو يسبقُ العهدُ منكُم للسُّرُور فما ... كُنْتُمْ لأرواحنا إلا رياحينا
إنَّ الزَّمان الذي قد كان يُضحكُنا ... أُنساً بقُربكُمْ قد عاد يُبكينا
стр. 74
غِيْظَ العدَى من تَساقِينَا الهَوَى فَدَعَوا ... بأنْ نَغَصَّ فقالَ الدَّهرُ آمينا
فانْحَلَّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانْبَتَّ ما كان موصولاً بأيدينا
لا تحسبوا أنَّ بُعْدَ الدَّار غَيَّرَنَا ... يا طالما غَيَّرَ النَّاْيُ المُحبيِّنا
والله ما طلبتْ أرواحُنا بَدَلاً ... منكُمْ ولا انصرفتْ عنكُمْ أمانينا
فيا نسيمَ الصَّبا بَلِّغْ تحيَّتَنَا ... مَنْ لو على البُعْدِ حيَّا كانَ يُحيينا
(لسنا نُسميَّكَ إجلالاً وتكرمةً ... وقَدرُكَ الُمعْتَلِي عن ذاك يُغنينا
يا جنَّةَ الخُلدِ أُبْدِلْنَا بِسِدْرَتَهِا ... والكَوْثَرِ العَذْبِ زقُّماً وغسلينا)
يا صرخةَ البين كم فَتَّتَّ من كبدٍ ... ويا مُنادي الأسى كم ذا تنُادينا
ويا غُراباً ببُعْد الدَّار خَبَّرنَا ... فَقَدْتَ إلْفَكَ كم بالبَيْن تَنْعينَا
فيا لله ما كان أخلى قربه ووصاله، وما أسرع نأيه وارتحاله. فصرت بعده أجرد الهم للهمم، ولا أجيب العذال للصمم، وأصبو إلى أجفانه المراض الصحاح، وأدخل منها في المضائق الفساح:
نَعَمْ في جُفُون التُّرك للنَّفْس صَبْوَةٌ ... وللقلب في تِلْكَ المضائِقِ مَدْخَلُ
وتجرح قلبي تارةً بعد تارةٍ ... وتشهد أنَّي عاشقٌ فتَعْدِلُ
ورُبَّ عذولٍ لامني فتركتُه ... يقول وقلبي بالصَّبابة يفعلُ
(ولو أنّ عذالي على الحسن اخوتي ... لقلتُ لهم طوعي لذا الحُسن أجملُ
أقيموا بني أُمَّي صدور مطيِّكم ... فإنِّي إلى قومٍ سواكم لأمَيلُ
سقى الغيث أوقاني إذا الغيث ممكن ... وخدام أمري بالهناء تَتَعَجُّلُ
زماني مختار وقصدي منجحٌ ... وراحي ريحان وبدري مُقْبلُ
مدى اللَّيلِ فيه ناطري مُتفكِّرٌ ... إلى لثمةٍ من ضمِّه أتنقَّلُ)
وهاأنا أرجو من كرم الله اخضرار عود العود، وانسكاب سحاب الوصل بالجودة والجود، لأشرح الصدر بليلة كالماضية، وأقطع حيازيم البعد بأسياف جفونه الماضية، فإنني واثق منه بالوعد الوفي، وأرجو
стр. 75
إظهار اللطف بلطف الله الخفي، وهمى، ويزول بالقرب ما تم ونم من الغرام ونما، وأرجو ذلك عندما أبدت العينان عندما ولا أقنط من ذلك وإن كان البعاد موجوداً والقرب معدما، ولا أياس من أنس اللقاء فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما، لأن قلبي واثق منه بكل جميل، وعنده لي من الحب ما يعجز عن حمل جملته جميل.
ولقد أصبت ساعة الفراق مما أصبت من القلق، وأبدت منه العينان عينين يوقدان ما في الأحشاء من الحرق، واختار كل منا توديع روحه ولا يفارق الخل ويودعه، وأستودعه قمري الذي غدا وفلك الأزرار مطلعه:
وَدَّعْتُه وبِوُدَّي لو يُوَدَّعُنِي ... طِيبُ الحياةِ وأنَّي لا أودَّعُهُ
وكم تشفَّع أنَّي لا أفارِقه ... وللضّروراتِ حالٌ لا تُشَفِّهُ
وكم تشَّبثَ بي خوفَ الفراقِ ضحىً ... وأدُمعي مُسْتَهِلاَّتٌ وأدمُعُهُ
следующие страницы →