← Адаб

Адаб · id 37494

لوعة الشاكي ودمعة الباكي

الصفدي

Полный текст (77 стр.). Показаны 71–77 · переход к 76.

стр. 71

وافى وقد أبدى الحياَء بوجهه ... وصُدُوده في القلب نارٌ تحرقُ أمسى يُعاطيني الُمدام وبيننا ... عَتَبٌ أرقُّ من النَّسيم وأروقُ حتَّى إذا عَبّثَ الكَرَى بجُفُونه ... كأنَّ الوسادةَ ساعدٌ والمرفقُ حتَّى بدا فَلَقُ الصَّباح فراعني ... إنَّ الصَّباحَ هُو العدُوُّ الأزرق فهناك أومأ للوداع مُقَبِّلاً ... كَفِّي وهي بذيله تتعلَّقُ يا مَنْ يُقِّبلُ للوداع أناملي ... إنَّي إلى تقبيل ثغركَ أشوقُ فتولى وتلوى وتفرد وتثنى، وأجرى في المعنى على ذلك المعتاد دمع المعنى، فعلم أغصان النقا كيف تميد وتميل، وعلمت أنا ورق الحمام، كيف تنوح وتطيل: تثَّنى وأغْصَانُ الأراك نواضرٌ ... ونحتُ وأسرابٌ من الطَّير عْكَّفُ فَعَلَّمَ باناتِ النَّقَا كيف تنثني ... وعلمتُ وَرْقَاَء الحِمَى كيف تهتفُ وخلفني ومضى، وتركني على جمر الغضا، وغادر قلبي بنار حره وقد أشغل وأشغل، وقال: لابد من زيارتك إن كان في العمر مهل، فاخذ القلب معه وسار، فبقيت لا أعرف الفرح والمسار، فأودعته المهجة وقت الوداع، فشاع الوجد عليها وذاع، ورمى القلب لتذكاره وبعده بحرقتين، وقسمت أدمعي عليه عند الفراق فرقتين: ساروا وسارَ القلبُ إثر حُمُولَهِم ... رهنَ الصَّبابة لا يفيقُ ولا يعي أوْدَعْتُهُم مُذ ودَّعُوني مهُجةً ... فَغَدَوْتُ فاقدَ موُدِعي ومُوَدَّعي وقَسَمتُ دمعي فرقَتْين فشطُرُه ... للظاعنين وشطره للأربعِ

стр. 72

فجاءني صاحبي عقب فراقه، فوجدني باكياً لبعده وانطلاقه، وقال: تهنئك ليلتك الغراء، وعيشتك الخضراء. فقلت: والله ذهب ما كنت فيه من السرور، وقد وقعت الآن في أضيق الأمور، فلو دام لي الوصال ألفي عام على التحقيق، ما كان يفي بساعة التوديع والتفريق: يا مَنْ سَلَبوا بينهم مجموعي ... قلبي وحشاي ذابَ بالتَّقطيعِ لو دامَ لي الوصالُ ألفَيْ سنةٍ ... ما كان يفي بساعة التَّوديعِ وبقيت أتذكر ليلتي فأبكي وأنوح، وأغدو في عرصات الدار وأروح، فجزى الله عني تلك الليلة أفضل الجزاء، ولولا طيبها لكانت تعد من الليالي الطوال، (ولله در القائل حيث قال): جزى الله بالحُنسى ليالي أقبلتْ ... إليتا بإيناسِ الحبيب الُمسامِرِ ليالي كانتْ بالسُّروُر قصيرةً ... ولم تكُ لولا طولُهَا بالقصائرِ فيا لكَ وصلاً كان وشكُ انقصائه ... كزَورِة طَيف أو كَنُفْيَةِ طائرِ وهاأنا أتمنى عودة حلاوة ليلتنا السالفة، لأن قلبي بها دَنِ فٌ وروحي عليها ناطفة، ودمعي في صحن خدي سكب ونفسي بالبعاد تالفة، وقد صرت بعدها تبعاً وأنا في الحقيقة خاص، وبقيت لفقدها متيما ولات حين مناص. فلو عادت تلك الليلة لأحيت ميت الأحياء، ولنوهت بقدرها بين الأقوام والأحباء، فيا لله ما أعجل ما تقضت تلك الليلة بالوصال، فلقد قنعت منها اليوم إن نلت لياليها بالخيال:

стр. 73

عُودي عليَّ ولو كَلَمْحِ الناَّظرِ ... ليعودَ لي زمنُ الشَّباب النَّاضرِ كُلُّ اللَّيالي الماضيات خلاعةٌ ... تفدي نعيمكَ يا ليالي حاجرِ ما كُنْتَ في اللَّذَّات إلاَّ خلسةً ... سمعتْ بها الأيَّامُ سمعةَ غادرِ كان الصِّبا منها أرقَّ من الصبَّا ... وألذَّ من غفوات عين السَّاهرِ آهاً على أيَّام نجدٍ إنَّها ... أيَّام أفراح ٍوعَصرُ بشائرِ ما كنتُ أقنعُ بالتَّواصل منهم ... واليومَ أقنعُ بالخيالِ الزَّائرِ فلقد أضحى البعاد بديلاً من التلاقي، وشؤون الجفون تفيض من آماقي، حتى تبدلت بالنعيم جحيماً، وبالخضرة هشيما، وبالعيان غيابا، وبالعذوبة عذابا، وبالوصال بعادا، وبالعناق عنادا، وبالكسب خسراناً، وتغبينا، وبالكوثر (العذاب) زقوماً وغسلينا: أضحى التَّنائي بديلاً من تدانينا ... وعَزَّ عن طيبِ لُقيانا تجافينا بِنْتُمْ وبِنَّا فما ابتلَّتْ جوانحُنا ... شوقاً إليكم ولا جَفَّتْ أماقينا حالتْ لفقدكُم أيامُنا وغَدَتْ ... سُودَاً وكانتْ بكُمْ بيضاً ليالينا نكادُ حين تُناجيكُم ضمائرُنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا لو يسبقُ العهدُ منكُم للسُّرُور فما ... كُنْتُمْ لأرواحنا إلا رياحينا إنَّ الزَّمان الذي قد كان يُضحكُنا ... أُنساً بقُربكُمْ قد عاد يُبكينا

стр. 74

غِيْظَ العدَى من تَساقِينَا الهَوَى فَدَعَوا ... بأنْ نَغَصَّ فقالَ الدَّهرُ آمينا فانْحَلَّ ما كان معقوداً بأنفسنا ... وانْبَتَّ ما كان موصولاً بأيدينا لا تحسبوا أنَّ بُعْدَ الدَّار غَيَّرَنَا ... يا طالما غَيَّرَ النَّاْيُ المُحبيِّنا والله ما طلبتْ أرواحُنا بَدَلاً ... منكُمْ ولا انصرفتْ عنكُمْ أمانينا فيا نسيمَ الصَّبا بَلِّغْ تحيَّتَنَا ... مَنْ لو على البُعْدِ حيَّا كانَ يُحيينا (لسنا نُسميَّكَ إجلالاً وتكرمةً ... وقَدرُكَ الُمعْتَلِي عن ذاك يُغنينا يا جنَّةَ الخُلدِ أُبْدِلْنَا بِسِدْرَتَهِا ... والكَوْثَرِ العَذْبِ زقُّماً وغسلينا) يا صرخةَ البين كم فَتَّتَّ من كبدٍ ... ويا مُنادي الأسى كم ذا تنُادينا ويا غُراباً ببُعْد الدَّار خَبَّرنَا ... فَقَدْتَ إلْفَكَ كم بالبَيْن تَنْعينَا فيا لله ما كان أخلى قربه ووصاله، وما أسرع نأيه وارتحاله. فصرت بعده أجرد الهم للهمم، ولا أجيب العذال للصمم، وأصبو إلى أجفانه المراض الصحاح، وأدخل منها في المضائق الفساح: نَعَمْ في جُفُون التُّرك للنَّفْس صَبْوَةٌ ... وللقلب في تِلْكَ المضائِقِ مَدْخَلُ وتجرح قلبي تارةً بعد تارةٍ ... وتشهد أنَّي عاشقٌ فتَعْدِلُ ورُبَّ عذولٍ لامني فتركتُه ... يقول وقلبي بالصَّبابة يفعلُ (ولو أنّ عذالي على الحسن اخوتي ... لقلتُ لهم طوعي لذا الحُسن أجملُ أقيموا بني أُمَّي صدور مطيِّكم ... فإنِّي إلى قومٍ سواكم لأمَيلُ سقى الغيث أوقاني إذا الغيث ممكن ... وخدام أمري بالهناء تَتَعَجُّلُ زماني مختار وقصدي منجحٌ ... وراحي ريحان وبدري مُقْبلُ مدى اللَّيلِ فيه ناطري مُتفكِّرٌ ... إلى لثمةٍ من ضمِّه أتنقَّلُ) وهاأنا أرجو من كرم الله اخضرار عود العود، وانسكاب سحاب الوصل بالجودة والجود، لأشرح الصدر بليلة كالماضية، وأقطع حيازيم البعد بأسياف جفونه الماضية، فإنني واثق منه بالوعد الوفي، وأرجو

стр. 75

إظهار اللطف بلطف الله الخفي، وهمى، ويزول بالقرب ما تم ونم من الغرام ونما، وأرجو ذلك عندما أبدت العينان عندما ولا أقنط من ذلك وإن كان البعاد موجوداً والقرب معدما، ولا أياس من أنس اللقاء فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما، لأن قلبي واثق منه بكل جميل، وعنده لي من الحب ما يعجز عن حمل جملته جميل. ولقد أصبت ساعة الفراق مما أصبت من القلق، وأبدت منه العينان عينين يوقدان ما في الأحشاء من الحرق، واختار كل منا توديع روحه ولا يفارق الخل ويودعه، وأستودعه قمري الذي غدا وفلك الأزرار مطلعه: وَدَّعْتُه وبِوُدَّي لو يُوَدَّعُنِي ... طِيبُ الحياةِ وأنَّي لا أودَّعُهُ وكم تشفَّع أنَّي لا أفارِقه ... وللضّروراتِ حالٌ لا تُشَفِّهُ وكم تشَّبثَ بي خوفَ الفراقِ ضحىً ... وأدُمعي مُسْتَهِلاَّتٌ وأدمُعُهُ

стр. 76

لا أكْذِبُ اللهَ ثوب العُذْر مُنْخَرِقٌ ... عنَّي بفُرقته لكِنْ أرقَّعُهُ اعتَضْتُ مِنْ وجهِ خِلِّي بعد فُرقَتِهِ ... كأساً تجرَّعَ منها ما أُجرَّعُهُ إنِّي لأقْطَعُ أيَّامِي وأُنْفِذُهَا ... بِحَسْرَةٍ منهُ في قلبي تُقطِّعُهُ يا من إذا هجع النُّوَّامِ بتُّ لَهُ ... بلوعةٍ منه ليِلي لَسْتُ أهْجَعُهُ لا يطمئنُّ لقلبي مضجعٌ وكذا ... لا يطمِئنُّ له مُذْ بِنْتُ مضجعُهُ ما كُنْتُ أحسِبُ رَيْبَ الدَّهرِ يفجعُني ... بِه ولا أنَّ بيَ الأيام تفجعُهُ حتَّى جرى الدّهر فيما بَيْنَنَا بيدٍ ... غدت تمنَعُني عَنْهُ وتمنَعُهُ فكنتُ من ريب دهري خائفاً جزعاً ... فلم أُوَقَّ الذي قد كنتُ أجْزَعُهُ بالله يا منزِلَ القصرِ الذي دَرَسَتْ ... آثارُهُ وعَفَتْ مُذْ بِنْتَ أربعُهُ هل الزّمان مُعِيدٌ فيك لذَّتَنَا ... أم الليالي التي أمضته تُرْجِعُهُ من عنده لي عهد لا يُضَيَّعُه ... كما له عهدُ صدقٍ لا أُضَيِّعُهُ ومن يصدِّع قلبي ذكرهُ وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدِّعهُ

стр. 77

لأصبِرنَّ لدَهْرِي لا يُمتِّعُنِي ... به كما أنَّه بِي لا يُمَتِّعُهُ علماً بأنَّ اصطِبارِي مُعْقِبٌ فرجاً ... وأضيَقْ الأمر إنْ فَكَّرْتَ أوسَعُهُ عسى اللَّيالي التي أضْنَتْ بفرقَتِنَا ... جسمِي ستجمَعُنِي يوماً وتَجْمَعُهُ وهاأنا أرجو عود الوصال، وبلوغ المنى والآمال، إنه على جمعهم إذا يشاء قدير، وبالإجادة لطيف خبير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.