ـ[عودَةُ الصَّفويِّينِ]ـ
العلماء والدعاة والمشايخ وطلبة العلم والمثقفون والسياسيون والحكام ودوائر الأمن وصنّاع القرار كُلُّ هؤلاء مدعوون لقراءة هذه الرسالة لفهم ما يجري على الساحة
المؤلف: عبد العزيز بن صالح المحمود الشافعي
الناشر: مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، مصر
الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد:
فبعد سقوط بغداد بيد الأمريكان , ظهر في بعض وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة مصطلح (الصفويين، والصفويون الجدد)، والملاحظ أن جُلّ إن لم يكن كل شرائح المجتمع الإسلامي المثقف وغيره يجهل معنى هذه التسمية، حتى تصوّر البعض أن الصفويين هي حزب، أو اسم لميليشيا في العراق، وأنّ إسماعيل الصفوي هو شخص كعبد العزيز الحكيم ومقتدى الصدر.
стр. 3
لذا رأى راقم هذه السطور أن يساهم بمقال يوضح معنى هذه الكلمة, ويعلّق هو في الهامش رابطاً التاريخ بالواقع، مستعيناً بعشرات المصادر العربية والأجنبية والإيرانية والتركية، لتوضيح الحق، وللتنبيه على ما يجري اليوم في العراق ولبنان وبقية المنطقة ,والله من وراء القصد.
стр. 4
نشأة الصفويين
تنتسب الأسرة الصفوية إلى الشيخ صفي الدين الأردبيلي (٦٥٠هـ - ٧٣٥هـ)، والذي كان في بداية عهده من مريدي الشيخ (تاج الدين الزاهد الكيلاني). كان واعظاً صوفياً شافعي المذهب في مدينة (أردبيل) (١)، ثم أسس فرقة صوفية تسمى (الإخوان) وقد كثرت هذه الفرقة في إقليم (أذربيجان).
بعد وفاته أخذ مشيخة طريقته (والتي سميت الطريقة الصفوية) ابنه صدر الدين موسى (٧٠٤هـ - ٧٩٤هـ)، ولما توفي صدر الدين تولى ابنه "خواجة علي" الذي كانت له لقاءات مع تيمور لنك، وتولى مشيخة الطريقة مدة (٣٦ سنة) ومات في فلسطين سنة (٨٣٠هـ) وقبره معروف في يافا باسم قبر الشيخ "علي العجمي". وكان للخواجة علي ميل للتشيّع ولم يكن تعصباً بل تشيّعاً خفيفاً.
ثم تولى من بعده ابنه إبراهيم الذي لقب بـ "شيخ شاه"
стр. 5
أي "الشيخ الملك"؛ لأنّ مظاهر الملك ظهرت عليه أكثر من مظاهر الطرقة الصوفية. وتوفي سنة (٨٥١هـ) وكان تشيعه واضحاً للإمامية، وأدخل أتباعه بصراعات مع أهل السُنة في داغستان، وخلفه ابنه الأصغر جنيد والذي كثرت فيه عهده المظاهر الملكية؛ ولكثرة اتباعه ونزعته للملك خاف منه ملوك تلك المناطق فضيقوا عليه حتى رحل إلى حلب ثم إلى ديار بكر, وهناك حسنت علاقته بحسن أوزون.
وجنيد كان شيعياً جلداً متعصباً محارباً لأهل السُنة؛ إذ أن طريقته الصوفية هي مزيج من التصوف والتشيع فهم صوفية وأئمتهم هم الأئمة الأثني عشرية عند الشيعة, وقد أعلن جنيد أنه انفصل عن أهل السُنة ,ثم رجع لمحاربة ملوك التركمان ولكنه قُتل في إحدى حروبه في مدينة شيروان سنة (٨٦١هـ) وخلفه ابنه حيدر وتزوج من "مارتة" بنت حسن أوزون "الطويل" (١)، وكانت أمها "كاترينا" ابنة "كارلو يوحنا" ملك مملكة طربزون (٢) اليونانية النصرانية.
وحيدر أول من لقب بلقب "سلطان" في العائلة الصفوية
стр. 6
,وأمر أتباعه الدراويش (١) بأن يضعوا على رؤوسهم قلنسوة مخروطية الشكل مصنوعة من الجوخ الأحمر، وتحتوي على اثنتي عشرة طية رمزاً للأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، وسموا بـ "قزلباش"، وهي كلمة تركية تعني "الرأس الأحمر" وكان اتباعهم شديدو التعلق بهم والغلو في مشايخهم, مع قلة عبادة وإنما هي أشعار ومدائح واعتقادات مغالية في تقديس مشايخ الطريقة.
وقد كوّن حيدر جيشاً للانتقام لمقتل والده من ملك شروان، ولكنه قُتل سنة (٨٩٣هـ)، وكان لحيدر ثلاث أولاد: علي، إبراهيم، وإسماعيل، وقد خاف الأمير يعقوب أميرالدولة التركمانية "آق قونيلو" منهم فسجنهم، ثم أطلق سراحهم بعد وفاة الأمير يعقوب، ولكن علي وإبراهيم قتلا، وذهب إسماعيل إلى مدينة "كيلان" على بحر قزوين جنوب أردبيل، فرعاه السادة الصوفية،، وكان قد تربى منذ صغره على التشيع الشديد ,
стр. 7
وحاول منذ صغره تجميع الصوفية القزلباشية حوله من أجل الانتقام من قتلة أبيه وجده، وتمّ ذلك وتوجه إلى أمير دولة التركمان "آق قونيلو" سنة (٩٠٧هـ)، وقتله وجلس على ملكه بعد أن بايعته كل قبائل التركمان؛ لأن القبائل كان لها إعتقاد بالطرق الصوفية، وأعلن دولته الصفوية.
الشاة إسماعيل أول ملك للدولة الصفوية (٩٠٧هـ/١٥٠١م)
كما سبق ذكره، قَتل الشاه إسماعيل أمير "الآق قونيلو" وأعلن قيام الدولة الصفوية وعاصمتها في مدينة "تبريز" (١).
وأول ما قام به إعلان أنّ مذهب دولته الصفوية الإمامية الاثنى عشرية , وأنه سيعممه في جميع بلاد إيران، وعندما نُصح أن مذهب أهل إيران هو مذهب الشافعي قال: "إنني لا أخاف من أحد .. فإن تنطق الرعية بحرف واحد فسوف امتشق الحسام ولن أترك أحداً على قيد الحياة" (٢).
стр. 8
ثم سكّ عملة للبلاد كاتباً عليها: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله"، ثم كتب اسمه (١).
وأمر الخطباء في المساجد بسب الخلفاء الراشدين الثلاثة، مع المبالغة في تقديس الأئمة الاثني عشر.
وقد عانى أهل السنة في إيران معاناة هائلة وأجبروا على اعتناق المذهب الأمامي بعد أن قتل الشاه إسماعيل مليون إنسان سني في بضع سنين (٢) ,وكان يمتحن الإيرانيين السنة بأن يسمع منهم السب للخلفاء ويطلب من الشخص مزيدا من السب فإن وافق وإلا قطعت عنقه فوراً, وأعلنا السب في الشوارع والأسواق على المنابر منذراً المعاندين بقطع رقابهم (٣).
ولرب سائل يسأل: كيف استطاع الشاه إسماعيل أن يسيطر على كل بلاد إيران؟
الجواب: هو أن إيران والعراق كانتا
стр. 9
تحكم من قبل التركمان "الآق قونيلو"، وكان العراق قد حكم من قِبل قبائل التركمان "القرة قونيلو" , والشاه إسماعيل كان أتباعه الصوفية والذين سموا فيما بعد بـ "القزلباشية" وهم مجموعة قوية من العشائر التركمانية هم: "شاملو، قاجار، تكلو، ذو قدر، افشار، روملو"، وهؤلاء شكلّوا فيما بعد ميليشيا صوفية متشيّعة، وكان للشاه إسماعيل جيشاً فاتكاً، فتك بأهل السنة الشافعية في بلاد إيران، وكان للصفويين تأثير روحي على أتباعهم؛ وتذكر بعض المصادر الشيعية الفارسية: أنه بينما كان الشاه إسماعيل مع أتباعه الصوفية في الصيد في منطقة "تبريز" إذ مرّ بنهر فعبره لوحده ودخل كهفاً ثم خرج متقلداً بسيف وأخبر رفقاءه: أنه شاهد في الكهف "المهدي" صاحب الزمان، وأنه قال له: "لقد حان وقت الخروج"، وأمسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض, وشدّ حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: "اذهب فقد رخصتك" (١).
ثم بعد ذلك بقي الشاه إسماعيل متردداً وقلقاً حتى رأى علي بن أبي طالب ﵁ في المنام وقال له:
стр. 10
"ابني .. لا تدع القلق يشوّش أفكارك .. احضر "القزلباشية" مع أسلحتهم الكاملة إلى المسجد في "تبريز" وأمرهم أن يحاصروا الناس .. وإذا أبدى هؤلاء أية معارضة أثناء الخطبة باسم أهل البيت فإن الجنود ينهون الأمر" (١).
وفعل الشاه إسماعيل ما طلب منه في الجمعة مع أتباعه القزلباشية، وحاصر جامع تبريز وأعلن سيادة المذهب الإمامي الأثني عشري بقيادة الدولة الصفوية.
وسبب هذه الدعوى هو التحرر من فكرة "التقية والانتظار" إلى خروج المهدي والتي بقي علماء الشيعة يحملونها كأحد المبادئ الرئيسية في المذهب؛ وهو ترك الجهاد والصراع العسكري إلى ظهور المهدي. ثم لما أرادوا الخروج من هذه الفكرة اخترعوا مجموعة أخرى من الأفكار والخرافات كي يبرروا خروجهم من المذهب.
ويحلل الكاتب "راجرسيوري" ذلك بأنّ الصفويين اعتمدوا على فكرة الحق الإلهي للملوك الإيرانيين قبل الإسلام منذ سبعة آلاف سنة، وذلك بوراثة هذا الحق، وعندما تزوج الحسين بن علي ﵄ بنت ملك الفرس "يزدجرد" بعد معركة القادسية وأولدها الإمام زين العابدين "علي" اجتمع حقان: حق أهل البيت في الخلافة (حسب نظرية الإمامية)، وحق ملوك إيران
стр. 11
(١)، بالإضافة إلى نيابة المهدي. هذا الفكرة من جانب التشيع.
أما الجانب الصوفي فقد زوّد الفكر الصفوي بالمنامات، فيذكر الصفويون أن أحد شيوخ الصوفية وهو الشيخ زاهد الكيلاني، والذي تربى على يده جدهم "صفي الدين الأردبيلي" تنبأ على أثر رؤية لصفي الدين الأردبيلي "أن أولاد هذا الزعيم سيملكون العالم، ويترقون يوماً بعد يوم إلى زمان القائم المهدي المنتظر" (٢).
وللرؤى والكشوفات تأثير ساحر في عالم التصوف، لذا فقد أثرت هذه النبوءة على القزلباشية وكانوا يتصورون أن ملك الصفوييون سيستمر حتى ظهور المهدي؛ لذا اهتزت هذه النظرة بعد موقعة "جالديران" بين الشاه إسماعيل والسلطان العثماني سليم سنة (٩٢٠هـ/١٥١٢م)، وهزيمة الشاه إسماعيل، فبدأ الصراع يدب بين القزلياشية, ونشأ تقاتل بينهم بعد اهتزاز هذه العقيدة في عقولهم (٣).
стр. 12
وهناك سبب آخر وهو أن الطريقة الصفوية في إيران والطريقة البكتاشية في تركيا كانتا من الطرق الصوفية التي جمعت بين الغلو في تقديس الأشخاص والباطنية المغالية (١).
والشاه إسماعيل كان يجمع بين التعصب المذهبي والغلو والتكفير وبين الدموية (٢)،
стр. 13
فقد نقل عنه قريبه إبراهيم صبغة الله الحيدري في "عنوان المجد" (ص١١٩) أنه أكثر القتل حتى قتل ملك (شروان) وأمر أن يوضع في قدر كبير ويطبخ وأمر بأكله ففعلوا (أي القزلباشية) (١)، وكان لا يتوجه لبلاد في إيران إلا فعل أشياء يندى لها الجبين؛ من قتل
стр. 14
ونهب حتى قتل من أعاظم علماء العجم "السُنة" وحرّق كتبهم وانهزم كثير من العلماء، منهم جد مؤلف "عنوان المجد" إلى بلاد الأكراد السُنية في بلاد العراق.
ثم أمر الشاه إسماعيل الجنود بالسجود له. وكان من دمويته أن ينبش قبور العلماء والمشايخ "السُنة" ويحرق عظامهم، وكان إذا قتل أميراً من الأمراء أباح زوجته وأمواله لشخص ما من اتباعه.
وكان أتباعه يقدسونه ويعتقدون أنه لا ينكسر ولا يقدر عليه أحد (١).
هذا هو مؤسس الدولة الصفوية (إسماعيل شاه) التي تعد الدولة المؤسسة لكل دول الشيعة الاثني عشرية فيما بعد.
توسع الشاه إسماعيل في أرجاء إيران بعد أن تتبع ملك دولة آق قونيلو، فذهب إلى جنوب تبريز إلى مدينة همدان وهزم (مراد بيك) أمير قبائل آق قونيلو، الذي فر إلى شيراز (٢) واستولى عليها، وقضى على دولة التركمان السُنية في إيران وذلك سنة (٩٠٩هـ) (٣)،
стр. 15
واستولى على فارس وكرمان وخوزستان "عربستان" ومازندران واستراباد (١).
بعد ذلك توجه الشاه إسماعيل إلى جهة الشرق إلى خراسان واستولى عليها سنة (٩١٦هـ) واستولى على مدينة مشهد. وفي نفس السنة توجه إلى مرو شمال شرق إيران وذبح أكثر من عشرة آلاف من سكانها من أهل السنة (٢).
ثم حاول أن يمتد إلى بلاد الأوزبك سنة (٩١٨هـ) وأرسل أحد قواده ولكنه انهزم وقتل قائده وضعفت جبهته في هذه المنطقة وهجم عليه الأوزبك وكادوا يستردون خراسان ولكن الشاه إسماعيل استردها.
دخول الشاه إسماعيل العراق واستيلاءه على بغداد
من المعلوم للجميع أن بغداد عاصمة الدولة العباسية سقطت بيد المغول سنة (٦٥٦هـ) وبعدها حكم العراق المغول وسميت دولتهم
стр. 16
(الاليخانية) إلى أن تسلّم الجلائريون دويلتهم "قرا قونيلو" ثم "آق قونيلو" التي بدأ حكمها منذ سنة (٨٠٦هـ) وكان آخر حكامها (سلطان مراد) الذي حكم سنة (٩٠٣هـ) وفي سنة (٩١٤هـ) اراد الشاه إسماعيل احتلال بغداد فأرسل قائده حسين بك لاله، وانهزم والي بغداد "باريك"، وقد استبشر "نقيب النجف" محمد كمونة بعد أن كان والي بغداد "باريك" قد حبسه لأنه كان ينتظر الشاه، ويؤمل أهالي بغداد والعراق بأن الشاه إسماعيل سلطان عادل ,وكان الناس في اضطراب وقلة أمان تبحث عمن يوفر لهم الأمان.
دخل حسين لاله بغداد دون قتال وأخرج أحد كبار الشيعة والذي كان يخبر الناس بعدل الشاه إسماعيل حتى حبسه (باريك) والي بغداد التركمتني والمدعو (محمد كمّونة) من السجن ورحب به وعظمه، وذهبا هو والوالي إلى الشاه إسماعيل ليبشروه بفتح بغداد (١).
دخل الشاه إسماعيل بغداد وكرم (محمد كمونه) وأعلى مقامه ,ثم زار كربلاء والنجف وأكرم أهلها وعمّرها بالذهب والفرش
стр. 17
والسجاد الثمين. ثم أدب بعض عشائر الجنوب (١). هذه هي خلاصة أعماله في العراق.
وعودة إلى ما فعله الشاه إسماعيل في بغداد، فأهل بغداد لم يقاوموا الشاه؛ لأن محمد كمونه أخبرهم بعدله وكان لاضطراب الأوضاع في زمن "آق قونيلو" دافعا لإهل بغداد كي يتأملوا
بظهور حاكم جديد ينقذهم مما هم فيه، ولكن الشاه إسماعيل أمر قائده حسين لاله بتهديم مدينة بغداد وقتل أهل السُنة والصلحاء، وتوجه إلى مقابر أهل السُنة ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم.
وبدأ يعذب أهل السُنة سوءالعذاب ثم يقتلهم محاولا أن يغيرهم للتشيع، وهدم مسجد أبي حنيفة النعمان في مدينة الأعظمية ,ونكل بقبر أبي حنيفة ونبش قبره وهدم المدارس العلمية للحنفية وهدموا كثيرا من المساجد (٢). وقتل كل
стр. 18
من ينتسب لذرية خالد بن الوليد ﵁ في بغداد لمجرد أنهم من نسبه, وقتلهم قِتلة قاسية (١).
وقد أرخ الشيعة في ذلك الزمان لهذه الحادثة حتى قال مؤرخهم ابن شدقم "الشيعي" في كتابه "تحفة الأزهار وزلال الأنهار": "فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور".
هكذا يسمي أهل السُنة النواصب، بمجرد أنهم لا يؤمنون بعقائد الشيعة, فهم نواصب يستحقون القتل (٢).
стр. 19
ولم تكن أفكار الشاة إسماعيل من عنده، بل ساعده على ذلك علماء الشيعة لأنه استقطب العلماء من كل مكان من لبنان والنجف وغيره من المناطق، وهم من شارك بتأجيج الحقد الدفين على أهل السنة، بعبارة أصح: أين ما وجدت الطائفية فستجد علماء الشيعة وراءها.
وقد فرّ كثير من سُنة بغداد، وممن هرب الأسرة الكيلانية بعد أن خرّب الشاه إسماعيل قبر عبد القادر، فرّ هؤلاء إلى الشام ومصر وأخبرو العالم الإسلامي ما فعل الصفويون الشيعة ببغداد وأهلها (١).
وصلت أخبار المذبحة العظيمة لأهل السُنة إلى بلاد الدولة العثمانية في تركيا، إضافة إلى أخباره السابقة عن تشييع أهل السُنة
стр. 20
بإيران وقَتل الآلاف المؤلفة، أضف إلى ذلك جسارة الشاه إسماعيل إلى إرسال دعوته إلى داخل الدولة العثمانية؛ لذا اجتمع السلطان العثماني سليم الأول في عام (٩٢٠هـ/١٥١٤م)، برجال الدولة وقضاتها وعلماءها ورجال السياسة، وقرروا أن الدولة الصفوية تمثل خطراً على العالم الإسلامي بالعموم؛ وعلى الدولة العثمانية بالخصوص، وقرر السلطان إعلان الجهاد المقدس ضد هذه الدولة, واستبقها بأعمال نلخصها بما يلي:
١ - أرسل السلطان العثماني سليم مراسلات للشاه إسماعيل الصفوي، بلهجة حادة.
٢ - طهّر بلاده (تركيا) من الشيعة التابعين للشاه الصفوي؛ لأنهم عملوا طابورا خامسا للشاه.
ولما لم يستجب الشاه إسماعيل لدعوة السلطان سليم الأول بالتسليم قرر السلطان السير بالجيش بقيادته مستعيناً ببقايا أسرة "آق قونيلو"، وأراد الشاه إسماعيل بحيلة لتأخير الحرب لفصل الشتاء؛ كي يهلك الجيش العثماني جوعاً وبرداً.
أحسّ إسماعيل بالخطر فطلب الهدنة ولكن السلطان
стр. 21
استمر في زحفه إلى صحراء جالديران شمال تبريز حتى وصلها سنة (٩٢٠هـ/١٥١٤م)، وسحق الجيش الصفوي الشيعي على أرضه، وفرّ الشاه إسماعيل تاركاً كل أمواله، وأسّرت زوجته، وقتل الخائن "محمد كمونه" السابق ذكره, والذي ذهب مع الشاه إلى تبريز (١) ,هكذا هزم الشاه إسماعيل ولكن بقيت بغداد تحت إحتلال الصفويين
شَعَر الشاه إسماعيل بالضعف وشرع بالبحث عن صديق ليتعاون معه ضد العثمانيين، وكان للبرتغاليين الصولة العظمى في بلاد العرب ,وخاصة طموحهم بواسطة اسطولهم في بحر العرب والخليج العربي واستيلاء قائدهم "البو كريك" على مضيق هرمز.
كلّ هذه الأمور أغرت الشاه إسماعيل لإجراء اتفاقيات وأحلاف مع البرتغاليين، وقد كان ... لأمه"مارتا" وجدته لأمه "تيودورا" اليونانية تأثيراً واضحاً في ذلك الحلف (٢).
وسننقل نص رسالة أرسلها "البوكيرك" إلى الشاه إسماعيل الصفوي جاء فيها:
стр. 22
"إني أقدّر لك احترامك للمسيحيين في بلادك (١)، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقض على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر، أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل ما يريد" (٢).
وفعلاً تم التحالف مع النصارى البرتغاليين وأقرَّهم الشاه إسماعيل باستيلاءهم على هرمز مقابل مساعدة الشاه على احتلال البحرين والقطيف. كما اتفق على مشروع لتقسيم المشرق العربي بأن يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين (٣).
ولكن هذا الحلم لم يتحقق - ولله الحمد - والفضل بعد الله في
стр. 23
ذلك للعثمانيين (١)، لأن الدولة العثمانية كشفت المراسلات بين الدولة الصفوية والمماليك للتآمر لاحتلال مصر، فسارعت باحتلال مصر وقضت على المماليك رغم أن هذا الفتح لمصر هو أحد أسباب تأخير السلطان سليم عن القضاء على الشاه إسماعيل ودولته (٢)، كما أن البرتغاليين سيطروا على البحر العربي والخليج العربي.
عاش الشاه إسماعيل في همدان ثم عاد إلى تبريز بعد وفاة السلطان العثماني سنة (٩٢٦هـ/١٥٢٠م) ولكنه هلك سنة (٩٣٠هـ/١٥٢٤م).
مستحدثات العصر الصفوي
استحدث الشاه إسماعيل بدعاً أصبحت من المسلّمات عند من بعده من الشيعة نذكر منها:
١ - السب المقترن بالاضطهاد الطائفي ، فقد اتخذ من سبِّ الخلفاء الراشدين الثلاثة وسيلة لامتحان الإيرانيين، وأمر بأن يعلن السبّ في الشوارع والأسواق وعلى المنابر (٣).
والسبّ والقذف
стр. 24
موجود عند الشيعة قديماً وفي مؤلفاتهم، ولكنه لم يعلن بصورته البشعة وعلى المنابر إلا في العهد الصفوي.
٢ - تنظيم الاحتفالات بذكرى مقتل الحسين ﵁ سنوياً ، وإظهار التطبير (ضرب الرؤوس حتى التدمية بآلة حادة وسكين كبير تسمى الطُبَر)، وضرب الظهور بالزناجيل (وهو الجنزير) حتى الاحمرار، واللطم على الوجوه والصدور، ولبس الأسود منذ بداية شهر محرم، وتبدأ هذه الفعاليات منذ الأول من محرم إلى اليوم العاشر منه يوم (عاشوراء)، وهو يوم مقتل الحسين، ويمنع الزواج في شهر محرم، وهذا الأمر كان قد استحدث بشكل خفيف في الفترة البويهية، ولكن الشاه إسماعيل طوره بهذا الشكل مع الأشعار البكائية التي تؤثر في النفوس كدعاية للتشيّع. ومنذ سنة (٩٠٧ - ٩٣٠هـ) ليومنا هذا والشيعة في إيران والعراق ولبنان وباكستان يعتبرون هذا من صُلب دينهم، وإذا ما أراد حاكم أو مسؤول منعهم قالوا: هذا يعادي التشيع. وهم يعلمون أولاً أن الشاه إسماعيل هو أول من أوجد هذه البدع لنشر التشيع.
стр. 25
ويذكر الدكتور علي الوردي - وهو شيعي -: أن الشاه إسماعيل اقتبس هذه المراسيم من النصارى حيث كانوا يقومون بطقوس دينية عن مصاب المسيح والحواريين، لذلك كان يدعو النصارى لحضور مواكب التعزية (١).
٣ - وضع الشهادة الثالثة في الأذان: (أشهد أن علياً ولي الله) ، وهذه البدعة وضعتها فرقة شيعية (٢) في القرن الرابع للهجرة، ذكرهم عالم شيعي هو ابن بابويه القمي ولعنهم، وكذا حاربها أشهر علمائهم وهو الشيخ الطوسي في كتابه" النهايةفي مجرد الفقه والفتوى", ولكن الشاه إسماعيل الصفوي أمر به ورفضه في وقته علماء الشيعة. ولم تدخل هذه البدعة في العراق حتى سنة (١٨٧٠م)، أدخلها ناصر الدين شاه عندما زار النجف في زمن الوالي العثماني مدحت باشا (٣)، ومنذ ذلك اليوم وإلى
стр. 26
يومنا هذا أصبح هذا الأذان من مسلّمات الشيعة في إيران والعراق ولبنان وجميع تواجد مساجد الشيعة في العالم، وسكت علماءهم وهم يعلمون حق العلم أن الأوائل لعنوا فاعليه وإنما فعله المفوضة الغلاة، وهكذا أصبحت أفكار الشيعة الغلاة المرفوضة هي شعائر مسلّم بها في عهد الشاه إسماعيل وأصبحت من مسلمات المذهب، وسكت على ذلك جميع المراجع الدينية، وجاءت الثورة الإسلامية في إيران فأحيت كل ما فعله الصفوييون.
٤ - السجود على التربة الحسينية وهي قطعة من الطين يسجد عليها الشيعة بدل الأرض تسمّى "التربة الحسينية"، وأصبحت يومنا هذا جزءاً من دين الشيعة, وما هي إلا طريقة لتميّز الشيعة عن غيرهم، وقدأشاعها الشاه إسماعيل فأصبحت من مستلزمات المذهب الدينية.
٥ - ضرورة الدفن في النجف ، فقد كان يؤتى بالجثث متعفنة من إيران لبعد الطريق وصعوبة التنقّل من أجل الدفن في النجف، واشتغل لذلك تجار إيرانيين لنقل الجثث بعد تجفيفها وفصل العظام عن اللحم, ومثّل بالإنسان الشيعي ميتاً كي يوصل إلى مقبرة النجف بعد استحداث هذه البدعة، وإلى يومنا هذا سرت هذه البدعة حتى أصبحت من بدهيات شيعة العراق الدفن بالنجف.
٦ - تغيير اتجاه القبلة في مساجد إيران باعتبار أنّ قبلة أهل السُنة
стр. 27
خاطئة، ومن ثم أصبح الشيعة -وإلى يومنا هذا- يصلّون منحرفين عن القبلة الأصلية لأهل السُنة.
٧ - أجاز علماءهم السجود للإنسان وهذه ابتدعها الشاه إسماعيل للقزلباشية، فقد كان يسجد له، واليوم يكرّم السادة والعلماء بشكل مغال فيه، وأما السجود فقد انتشر بين شيعة البهرة "الإسماعيلية"، ولكن كل الشيعة يسجدون للقبور ولو بخلاف القبلة, بدعوى أنه سجود تكبير.
٨ - إجراء مرتبات ضخمة لعلماء الدين الشيعة ومنحهم إقطاعات وقرى زراعية وأوقاف خاصة ، كي يستطيعوا أن يفتوا للسلطان ما يشاء.
وهكذا برزت فكرة جمع المال للعلماء, وعلماء الحوزة اليوم كلهم من أغنى الناس، فمؤسسة الخوئي في لندن تملك الملايين من الدولارات وقيل أكثر، وهذا الخميني عندما كان بالعراق كانت ثروته هائلة جداً، حتى إنه عندما رحل من العراق إلى فرنسا للإقامة حول مبالغ طائلة، واليوم يمتلك الحكيم "عبد العزيز" ومقتدى وغيرهم الملايين، وهذه بدعة فارسية أشار لها شاعر الشيعة أحمد الصافي النجفي عندما أحس بثراء علماء الدين الشيعة فقال:
عجبت لقوم شحذهم باسم دينهم ... ... وكيف يسوغ الشحذ للرجل الشهم
لئن كان تحصيل العلوم مسوِّغاً ... ... لذاك فإن الجهل خير من العلم
стр. 28
لئن أوجب الله الزكاة فلم تكن ... لتعطى بذل بل لتؤخذ بالرغم
أتانا بها أبناء ساسان (١) حرفة ... ولم تكن في أبناء يعرب من قدم
وهكذا استطاع الشاه إسماعيل جعل إثراء العلماء ديناً بعد أن كنا نقرأ عن زهد علي ﵁ وآل البيت، فاليوم أصبح أغنى الناس السادة (٢).
هذه بعض مستجدات ومستحدثات الشاه إسماعيل، وللمزيد راجع بعض المراجع لذلك (٣).
وصدق المستشرق دوايت رونلدسن في كتابه المعروف "عقيدة الشيعة" (٥٨) والذي عاش في إيران (١٦) سنة حين يقول: بتلازم عقائد الغلو والتكفير مع العصر الصفوي
стр. 29
عصر ابنه الشاه طهماسب
تولى العرش الصفوي بعد وفاة أبيه وعمره (١١سنة) وذلك سنة (٩٣٠هـ/١٥٢٤م)، لذلك فإنّ القزلباشية هم من حكم الدولة.
استغل الأوزبكيون "السُنة" ذلك وهجموا على خراسان واستولوا عليها سنة (٩٣٣هـ) وهزمت قواد طهماسب، ولكنه سنة (٩٣٥هـ) استطاع أن يعيدها.
وأقام الشاه طهماسب حلفاً (إيرانياً-أوروبياً)، ضد العثمانيين، فأرسل السفراء إلى ملك المجر، وإمبراطور النمسا (شارل السابع)، وهذا الحلف الدافع له هو ظهور السلطان سليمان القانوني سنة (١٥٢٥م) ويومها ذعر البلاط الإيراني للدولة الصفوية وبدأ بتحريض الشيعة في بلاد تركيا ضد الدولة العثمانية.
وفعلاً تمّ ذلك، ففي سنة (١٥٢٦م) في منطقة يوزغاد قام الشيعي "بابا ذو النون" بتمرد من (٣ - ٤) آلاف شيعي , وسيطر على المنطقة وفرض الجزية وهزم بعض القواد العثمانيين إلى أن قمعها السلطان سليمان ودمر التمرد (١).
وأكبر من ذلك تمرد في منطقة (قونية) "مرعش" جنوب تركيا
стр. 30
حالياً، بقيادة "قلندرجلبي" ومعه (٣٠) ألف شيعي، وقاموا بقتل السُنة وكان شعاره في قتل السنة: "من قتل مسلماً سُنياً ويعتدي على امرأة سُنية يكون بهذا قد حاز أكبر الثواب" (١). واستطاعوا في البداية قتل قواد أتراك كبهرام باشا، ولكن السلطان أرسل الصدر الأعظم إبراهيم باشا فقتلهم وقضى على تمردهم (٢).
وكان سليمان يخطط لجهاد أوروبا وفتحها وتم له بعض ذلك.
عودة إلى طهماسب والعراق، فعندما خسر الشاه إسماعيل في موقعة "جالديران" ضعف نفوذه في
стр. 31
العراق, لكن التجار الإيرانيين استمروا بالدخول والخروج إلى العراق؛ لأن الحكم ظل للصفويين, ... إلى أن حكمها العراق حاكم من منطقةكردية إيرانية يدعى "ذو الفقار" وذلك سنة (٩٣٠هـ) مستغلا وفاة الشاه إسماعيل, ولكنه لم يتبع لطهماسب، وحكم العراق وحاول أن يعلن ولائه للعثمانيين، فهاجم طهماسب بغداد ولم يفلح، واستخدم الغدر، فأغرى أخوة ذو الفقار بقتله فقتلوه وسلموا الشاه بغداد بل والعراق، فعين عليها ضابط لكل ولاية في العراق، ورجع طهماسب إلى عاصمته قزوين (١). لكن أهالي بغداد هرعوا يراسلون السلطان سليمان القانوني -فأهل بغداد سُنة ولم ينسوا ما فعله به الشاه إسماعيل -كي يخلصهم مما حلّ بهم وما سيحل تحت الحكم الصفوي.
استعدّ السلطان سليمان القانوني لاستعادة مدينة بغداد، وأرسل رسائل تهدد طهماسب, فذُعر البلاط الإيراني, وراسلوا ملك هنغارية كي يعاونهم ضد العثمانيين، لكن سليمان القانوني رد على طهماسب بإعدم كل الأسرى الإيرانيين الشيعة؛ كي يثخن في الأرض ويرهب الشاه طماسب.
فتحرك الهنغاريون فوجه السلطان الجيش العثماني لهم أولاً، ووجه مجموعة من ضباطه إلى تبريز
стр. 32
لاستعادتها واستعادة من تمرد من أصحاب الولايات. ودخلوا تبريز دون دم وسيطروا على عموم أذربيجان.
توجه السلطان سليمان بعد ذلك إلى بغداد، وانهزم واليها التابع لطهماسب ودخل سليمان القانوني بغداد فاتحاً وفتح العراق وتبع للدولة العثمانية، وأعاد قبر أبي حنيفة ورفاته وبناه من جديد، وقيل إنهم وجدوا رفاة أبو حنيفة كاملاً في كفنه، وأعيد إلى قبره وبنى عليه قبة، ولكن السلطان زار قبر موسى الكاظم، وزار كربلاء والنجف وأنقذ مدينة كربلاء من الفيضان وبنى سدوداً.
ثم رجع وخلُص جميع العراق له بل حتى البحرين والقطيف (١). كل ذلك كان سنة (٩٤١هـ/١٥٣٤م) وهكذا تخلص العراق من كابوس الصفويين بعد أن جثم عليهم (٢٧) سنة (٢) $، وسيطر نهائياً على تبريز سنة (٩٤٤هـ) ونقلت عاصمة الصفويين إلى قزوين.
تعب طهماسب عسكرياً لذا طلب الصلح من العثمانيين ووقعت معاهدة "أماسيه" سنة (٩٦١هـ/١٥٥٥م).
بعدها حاول طهماسب إقامة علاقات مع إنكلترا، وفكرت إنكلترا بدخول أرض الصفويين فأرسلت تاجراً يحمل رسائل من الملكة اليزابيث الأولى ولكنه في الحقيقة جاسوساً وذلك سنة (٩٦٥هـ/
стр. 33
١٥٥٨م).
كان طهماسب محباً للعبث والشراب والطرب، وكانت دول أوروبا تذهب إليه لتحريضه على العثمانيين كما فعل سفير فينسيا، بيد أن طهماسب كان همه المال والنساء وفسدت بلاده وكثرت الرشوة حتى قيل أنه مات مسموماً من إحدى زوجاته (١).
و أهم ما يميز فترة الشاه طهماسب:
استدعاءه لعالم شيعي معروف من لبنان وهو (نورالدين علي بن عبد العالي الكركي) (٢)،هذا العالم السيئ ,ولا أقول ذلك مبالغة فقد لقيت أفكاره معارضة شديدة من الشيعة فممن عارضه: الشهيد الثاني (٩١١ - ٩٦٦هـ) ,والمقدس الأردبيلي (٩٩٣هـ) ,وإبراهيم القطيفي ,والملا محمد أمين الأستربادي, والملا محمد طاهر القمي, وغيرهم (٣)؛ولكن الكركي مضى وبرر كل أفعال الصفويين السيئة وألف لهم كتباً تؤيد ما استحدثوه، فألف كتاباً في التربة الحسينية، وجواز السجود للإنسان،
стр. 34
وألف كتاباً يؤيد السب والشتم للصحابة بعنوان: "نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت"؛ أي أبي بكر وعمر ﵄، وكان يفضّل لعن الصحابة على التسبيح لله. وألف رسالة في تغيير القبلة؛ لذا سماه خصومه الشيعة بأنه "مخترع الشيعة"؛ لأنه ابتدع وبرر أفعال الصفويين الشنيعة كلّها.
وأخطر من ذلك كلّه أنه جعل صاحب الدولة الصفوية (نائب الإمام الغائب) بالوكالة (١). فكان ذلك أول تمهيد لنظرية "ولاية الفقيه"، والكركي ذهب أيام الشاه إسماعيل سنة (٩١٦هـ) إلى إيران واطّلع على الأوضاع ثم رجع إلى النجف ليدرس الحالة الجديدة، فعقيدة الشيعة تقول بالتقية وعدم الجهاد إلى ظهور المهدي، والحالة الجديدة في إيران تخالف المعتقد فلا بدّ من نظرية جديدة, فاخترع "نيابة عامة للفقهاء" عن الإمام المهدي، ولكنها ليست للشاه، ورأى طهماسب أن يجلب الكركي لتكون السلطة للفقهاء التابعين له، ويبعد القزلباشية الذين تحكّموا به صغيراً، لذلك سلم طهماسب الحكم للكركي، والكركي أجازه شكلياً لطهماسب، ولكن القزلباشية سممت الكركي فمات مسموماً سنة (٩٤٠هـ) (٢)؛وهكذا هم علماء الشيعة يبتدعون ويشرعون ما يشتهي الحكام وأهوائهم ,وصدق الله
стр. 35
سبحانه حين يقول: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) (١).
الشاه إسماعيل الثاني
مات الشاه طهماسب مسموماً وحدث صراعاً حول العرش حتى وصل إلى إسماعيل ابنه وكان أبوه قد سجنه مدة (٢٥سنة)، فأخرج، وأول ما قام به قتل أخوته واحداً بعد الآخر، وقتل حاشية القصر بدموية وسمل عيونهم, هكذا نقل, وقيل إن هذه الإشاعات أطلقت عليه لأنه حاول إرجاع إيران إلى المذهب السني.
ولكنه لم يدم طويلاً فبعد مدة دخل عليه جماعة وقتلوه سنة (٩٨٥هـ)، وقيل إنه أبعد العلماء ولم يعترف بـ "نيابة الفقهاء" وأن العلماء كانوا يلعبون بأبيه، فاتهمه العلماء بأنه أصبح سُنياً وقتلوه. والبعض يؤكد أنه تحول إلى سني فقتل (٢).
стр. 36
الشاه محمد خدابنده
وهو ابن طهماسب جلس على العرش سنة (٩٨٥هـ)، وكان ضعيف البصر لدرجة العمى، ولكنه كان جبّاراً، فقد قتل أخته (بريخان) لما لها من نفوذ عالي في القصر، كما قتل أخواله، وحتى أطفال أخيه إسماعيل الثاني، وحصل قتال بينه وبين العثمانيين زمن السلطان مراد الثالث، وحاول القزلباشية التلاعب بالحكم ووضع حاكم يناسبهم، ولكن ابنه عباس وكان عمره (١٧) سنة فطن لذلك فجمع جيشاً كبيراً من القبائل وخلع أبوه سنة (٩٥٥هـ/١٥٨٧م) (١).
عهد الشاه عباس الكبير
كان الشاه عباس على صغره رجلاً صاحب دهاء ومكر، وكل شيء يفعله غايته تبرر وسيلته، فقام بقتل مربيه وخير قواده، ومدة حكمه كانت (٤٢سنة)، من سنة (٩٩٦هـ - ١٠٣٨هـ) (١٥٨٧ - ١٦٢٨م)، وكان أول ما قام به معاهدة صلح مع العثمانيين سلّم مدناً كثيرة متنازلاً للعثمانيين. كما شرط عليه إيقاف لعن الخلفاء الراشدين الثلاثة، والذي كان معمولاً به في إيران فقبل. وأبقى ابن أخيه رهينة عند العثمانيين فوافق على كل الشروط (٢).
стр. 37
كان الأوزبكيون السُنة قد استولوا على خراسان وعلى مدينتي مشهد وسبزوار سنة (١٠٠٢هـ)، ولكن مات ملك الأوزبك عبد الله خان وقتل أخوه عبد المؤمن فهاجمهم الشاه عباس في مدينة هراة وطردهم من المنطقة سنة (١٠٠٦هـ).
بعد ذلك اتصل الشاه عباس ببريطانيا لترسل له خبراء أسلحة, ورحبت بريطانيا بذلك فأرسلت له "السير أنطوني شيرلي" وأخوه السير "روبرت سيرلي"، واتفقوا على تكوين جيش جديد من حملة البنادق بدل الرماح والسيوف، كما أدخل المدفعية وبنى مصانع للسلاح، كما إنه كون قبيلة سماها "شاهسون" أي أصدقاء الملك وهو تجمّع على أساس الولاء للملك لا على أساس القربى والنسب (١).
كما إنه ساعد الإنكليز في إضعاف النفوذ الهولندي في الخليج العربي، وإبداله بالنفوذ الإنكليزي، واشتركا معاً بجيوش لتنفيذ هذه المهمة واستمرت حروبهم حتى سنة (١٠٣٤هـ).
أما حروب الشاه عباس ضد العثمانيين فبدأت عندما شعر الشاه بقوته، شرع بإرجاع ما أعطاه لهم في معاهدته مثل مدينة "تبريز" كما إنه حاول احتلال منطقتي "شروان وديار بكر"، ثم توجه أخيراً إلى بغداد (٢).
стр. 38
والشاه عباس كان طائفياً بشكل جلي، وأشنع ما أراد فعله أنه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلّي عن الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد؛ لأن الواجب القومي يحتّم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية ودفع رسم العبور، وكان يحث رجال الدين لتعظيم زيارة الرضا، كما إنه تردد مراراً لزيارته ومشى مرة على الأقدام إلى مدينة مشهد ويقال إنه مشى أكثر من (١٣٠٠كم) (١).
كم إنه عامل الأكراد السُنة معاملة سيئة، فقد طلب منهم الدخول في المذهب الشيعي فرفضوا مما أدى بالشاه عباس إلى قتلهم وشردهم إلى بلاد خراسان ليكونوا حاجزاً بينه وبين الأوزبك، وقد قتل في أيام (٧٠ألف كردي)، ورحّل (١٥٠٠٠) عائلة كردية (٢).
وكان يقتل أسرى العثمانيين والأوزبك فإن لم يقتلهم سمّل عيونهم، إلا إذا تخلى عن مذهبه فله حكم آخر. (٣)
وكان أحياناً يمثّل بعلماء السُنة فيقطع آذانهم وأنوفهم وتعطى هذه
стр. 39
الأعضاء لعوام السُنة لأكلها. (١)
وكما كان يحاصر مدناً سنية من أجل تسليمه شخص مطلوب وإلا قتل المدينة كما فعل مع مدينة همدان. (٢)
بينما كان يكرّم النصارى سواء من كانوا من أهل إيران أو رعايا الدول الأوروبية، بل كرم حتى التبشير المسيحي في إيران. وبنى مدينة للأرمن قرب أصفهان، تدعى "جلفا"، وكان يكرم النصارى بشكل غير طبيعي، لذا أقبل تجار أوروبا من كل حدب وصوب إلى إيران، وأصدر قوانين بإعفائهم من الضرائب، ومنع رجال الدين الشيعة من إزعاجهم أو مناقشتهم، وكان يقدّم هدايا لحم الخنزيرإليهم، وأمر جميع أعضاء البلاط باحتساء الخمر مشاركة للمسيحيين حتى ولو في شهر رمضان، وبنى لهم الكنائس، بل كان يشاركهم أعيادهم وسماع مواعظهم، مما شجع بعض القساوسة لدعوته للدخول في الدين النصراني ولكنه اعتذر بلطف. (٣)
стр. 40
أما خلاصة ما فعله في مدينة بغداد، فقد ثار قائد من القواد العثمانيين على والي بغداد يدعى (بكرصوباشي) وسيطر على بغداد ولكنه خاف من بطش العثمانيين، فأرسل إلى الشاه عباس يطلب منه دعمه مقابل أن تكون بغداد تابعة له (١)، رحب الشاه عباس بذلك، حتى يستعيد بغداد ويتمكن من زيارة النجف وكربلاء، وتكون تحت تصرفه.
توجه صوب بغداد وعندما اقترب من بغداد طلب من "بكر صوباشي" مفاتيح بغداد، ولكن بكر رفض تسليمه خوفاً من الغدر به.
واستطاع الشاه عباس دخول بغداد والسيطرة على الموصل وكركوك وسيطر على أغلب العراق وذهب إلى النجف.
ولكن ماذا فعل الشاه عباس ببغداد؟
هتك حرماتها وأستارها، ورمل نساءها، ويتمت الأطفال، وأتلفت الثروات، وخربت الجوامع، وجعلت أرضاً منبسطة، وهدمت المراقد ونهبت, ومنها مرقد أبي حنيفة وعبد القادر الجيلاني. وأما العشائر فنكّل بها وأجرى عليهم عدة مظالم.
والشاه عباس خدع أهل بغداد عندما وعدهم بالأمان كي يسلموا اسلحتهم، وأخذ يقتل ويعذب الآلاف ورفض كثير من أهل بغداد تغيير عقيدتهم وفضلوا الموت على التشيع ولو بالظاهر، وأخذ أطفالهم