Полный текст (404 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
٣٤٢ - وعنها قَالَت: " من كل اللَّيْل قد أوتر رَسُول الله ﷺ َ من أول اللَّيْل وأوسطه وَآخره فَانْتَهَى وتره إِلَى السحر " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ بفعله صلى وتره وصلاته من الليل جعلها في أول الليل وجعلها في وسط الليل وجعلها في آخر الليل كل ذلك فعله ﷺ وهو يدل على الجواز وانتهى وتره إلى السحر يعني معناه أن هذا الذي كان الغالب من فعله ﷺ أن وتره كان يكون في آخر الليل فيكون معنى ذلك أن الإنسان له أن يصلي صلاة الليل وآخرها الوتر في أول الليل وكذلك في وسطه وكذلك في آخره ويمكن أن يصلي بعضها في أول الليل وبعضها في آخر الليل لكن تكون آخر صلاته بالليل وترا وهذا في الغالب وإلا فإنه قد جاء ما يدل على أنه يصلي بعد الوتر ركعتين كما في الحديث الأول الذي مر بنا.
стр. 352
٣٤٣ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " أوتروا قبل أَن تصبحوا " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث: «أوتروا قبل أن تصبحوا» معناه أن الوتر محله الليل وأنه ينتهي وقته في الصباح إذا دخل وقت الفجر انتهى وقت الوتر فالإنسان يأتي بوتره قبل أن يصبح وقبل أن يأتي وقت صلاة الفجر قبل أن يؤذن للفجر لأن هذه صلاة الليل ولكنه إذا حصل أنه ما تمكن من الإيتار قبل أن يطلع الفجر وطلع عليه الفجر ولم يوتر فإنه يصلي من الضحى اثنتي عشرة ركعة لأنه ﷺ عادته إحدى عشر فكان يقضيها ولكن يضيف إليها ركعة حتى لا يكون وترا في النهار لأن النهار ليس فيه وتر وإنما الوتر هو في الليل ووتر النهار إنما هو صلاة المغرب لأنها تكون في آخر النهار فإذًا الوتر إنما يكون قبل طلوع الفجر وإذا طلع الفجر فات وقت الوتر ولكنه يقضيه قضاء ويضيف إليه ركعة في الضحى لأنه كان من عادته أنه يصلي أحد عشر فإذا لم يتمكن فإنه يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة كما جاء ذلك في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ ومعنى ذلك أن الإنسان إذا كان عادته أنه يصلي ثلاث وفاته الوتر فإنه يصلي في الضحى أربع وإذا كان من عادته أنه يصلي خمس فإنه يصلي ست في الضحى وإذا كان من عادته يصلي سبع يصلي ثمان في الضحى وهكذا.
стр. 353
٣٤٤ - وَرَوَى عَن جَابر بن عبد الله قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " من خَافَ أَن لَا يقوم من آخر اللَّيْل فليوتر أَوله، وَمن طمع أَن يقوم آخِره فليوتر آخِره، فَإِن صَلَاة آخر اللَّيْل مَشْهُودَة. وَذَلِكَ أفضل ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه الترغيب بأن يكون الوتر في آخر الليل ولكنه له أن يفعل ذلك في أول الليل وله أن يفعله في آخر الليل ولكن من غلب على ظنه أنه يقوم فإنه يؤخر وأما إذا كان يغلب على ظنه أنه لا يقوم ويصلي صلاته في آخر الليل فإنه يوتر آخر الليل -لعل قصد الشيخ يوتر أول الليل- وهذا هو الذي أوصى به ﷺ أبا هريرة ﵁ كما سيأتي.
стр. 354
٣٤٥ - وَعَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " إِذا طلع الْفجْر فقد ذهب كل صَلَاة اللَّيْل وَالْوتر، فأوتروا قبل طُلُوع الْفجْر " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: (سُلَيْمَان بن مُوسَى تفرد بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظ)، وَلم نر أحدا من الْمُتَقَدِّمين تكلم فِيهِ، (وَهُوَ ثِقَة عِنْد أهل الحَدِيث، وَقَالَ البُخَارِيّ: (عِنْده مَنَاكِير)، وَقَالَ النَّسَائِيّ: (لَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الحَدِيث)، وَقَالَ ابْن عدي: (هُوَ عِنْدِي ثَبت صَدُوق)).
ثم ذكر هذا الحديث الذي قال إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت صلاة الليل والوتر لأن صلاة الليل والوتر إنما هي بالليل وإذا طلع الفجر دخل النهار فذهب وقتها أداء لكن كونها تقضى فقد ثبت في صحيح مسلم كما أشرت إليه أنه إذا كان شغله شيء عن صلاته بالليل فإنه صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة لأنه كان يصلي إحدى عشرة فيضيف إليها ركعة وعلى هذا فإنه إذا طلع الفجر ذهب وقت صلاة الليل والوتر أداء ولكن قضاؤها ثابت في السنة كما في صحيح مسلم أنه يصلي من النهار اثنتا عشرة ركعة.
стр. 355
٣٤٦ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ)) رَوَاهُ أَحْمدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ ماجه وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقد ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَرُوِيَ مُرْسلاً. وَإسْنَادُ أَبي دَاوُد لَا بَأْسَ بِهِ
شرح الحديث:
وهذا الحديث يدل على ما جاء فيه الحديث الذي في صحيح مسلم والذي أشرنا إليه وأنه إذا شغل عن صلاته من الليل فإنه يصلي من النهار ثنتي عشرة ركعة ومعنى ذلك أنه يذهب وقت الأداء أما وقت القضاء فإنه قد جاء في صحيح مسلم ما يدل عليه وهو أنه كان يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة، إحدى عشرة التي كان يصليها من الليل ويضيف إليها ركعة حتى لا يكون وترا بالنهار.
стр. 356
٣٤٧ - وَقد رَوَى ابْنُ حِبَّان مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ، فَلَا وِتْرَ لَهُ)).
ثم ذكر هذا الحديث: «من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له» يعني لا وتر له أداء من أدرك الصبح يعني جاء الصبح وطلع الفجر وهو لم يوتر فلا وتر له يعني لا وتر له أداء ما يروح يصلي الوتر بعد طلوع الفجر وإنما يمكن أن يقضيه في الضحى بحيث يضيف إليه ركعة إذا كان يصلي ثلاثا يصلي أربعا تسليمتين وإذا كان يصلي خمسا يصلي ستا بثلاث تسليمات وهكذا.
стр. 357
الدرس الرابع والثلاثون:
٣٤٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " أَوْصَانِي خليلي بِثَلَاث لَا أدعهن حَتَّى أَمُوت: صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وَصَلَاة الضُّحَى، ونوم عَلَى وتر " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلَفظه للْبُخَارِيّ، وَرَوَى مُسلم نَحوه من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء، وَأحمد وَالنَّسَائِيّ نَحوه من حَدِيث أبي ذَر.
فهذه الأحاديث التي أولها هذا الحديث عند ابن عبدالهادي ﵀ في المحرر تشتمل على صلاة الضحى وعلى مشروعية صلاة الضحى وهي من صلوات التطوع وذكر أولها هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه قال أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن ما حييت صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أرقد وهذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ جاء أيضا عن أبي الدرداء ﵁ عند مسلم وجاء عند أبي ذر ﵁ عند غيره وهو حديث ثابت عن رسول الله ﷺ وفيه هذه الأعمال الثلاثة التي هي مما أوصى به رسول الله ﷺ أبا هريرة وأبا الدرداء وأبا ذر ﵃ وهؤلاء الذين رووا هذا الحديث عن رسول الله ﷺ اشتهروا بكناهم أكثر من أسمائهم وقوله ﵁: أوصاني خليلي، عبر هنا بخليلي والخلة نهاية المحبة ومعلوم أن الرسول ﷺ قال: «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» يعني أن الله اتخذه خليلا ولو كان متخذا خليلا من أمته لاتخذ أبا بكر ﵁ خليلا ومعنى ذلك أنه نفى الخلة أن تكون حصلت منه لغير الله وهذا الحديث يقول فيه أبا هريرة ﵁ خليلي ومعلوم أن هذا إنما هو من جانب أبي هريرة هذا لا يعارض الحديث الذي فيه أن الرسول ﷺ خليل الرحمن لا يعارضه لأن قول أبا هريرة ﵁: خليلي، يريد أن محبته شديدة لرسول الله ﷺ فلا تنافي بينه وبين الحديث الذي فيه أن الرسول ﷺ لو كان متخذا خليلا لأن الرسول ﷺ ما اتخذ أبا هريرة ﵁ خليلا وإنما أبو هريرة ﵁ هو الذي اعتبره خليلا له ولهذا قال خليلي يعني الذي بلغت محبته في قلبي شيئا عظيما وقع في قلبه من محبته للرسول ﷺ ، ثم ذكر هذه الثلاثة قال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كما جاء في بعض الأحاديث يعني أن اليوم بعشرة أيام فإذا صام من كل شهر ثلاثة أيام كأنه صام الدهر يعني صام السنة كلها لأن اليوم عن عشرة أيام والحسنة بعشر أمثالها فهذا يدل على عظم شأن صيام ثلاثة أيام وأن الإنسان إذا فعل ذلك في كل شهر يكون كمن صام الدهر وصام السنة كلها يعني في الأجر ثلاثة أيام في الفعل وثلاث مائة وستين يوما بأيام السنة، ثم قال: وصلاة الضحى، وهذا محل الشاهد من إيراد الحديث في باب التطوع هنا أورده من أجل صلاة الضحى وهذا يدلنا على عظم شأن صلاة الضحى وأهميتها وأن الإنسان يحرص عليها وإنما جاء الترغيب فيها لأنها تقع في وقت طويل بين الصلوات لأن صلاة الفجر ينتهي وقتها بطلوع الشمس ثم يكون زمن طويل من بعد طلوع الشمس إلى قبل الزوال هذا ليس فيه صلوات مفروضة المفروضة كلها محصورة من دخول وقت الظهر إلى آخر وقت الفجر والمسافة التي بين طلوع الشمس وبين الزوال هي مسافة طويلة وليس فيها صلوات مفروضة ولهذا جاء الترغيب في هاتين الركعتين لأنها تقع في زمن طويل ليس فيه شيء من الصلوات ولهذا جاء التأكيد عليها والترغيب فيها في حديث أبي هريرة ﵁ وحديث أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ وذلك لكون الإنسان يكون على صلة بالله في الصلاة يقوي صلته بالله فيصلي في هذا الوقت الطويل الذي ليس فيه وقت لصلوات مفروضة فيأتي به بصلاة مستحبة من آكد المستحبات وآكد السنن، ثم قال: وأن أوتر قبل أن أنام، معناه أنه ينام على وتر حتى يتحقق ويطمئن بأنه أوتر بالليل لأن الإنسان إذا كان ما يتحقق من قيامه في آخر الليل فإنه إذا نام قبل أن يوتر قد يطلع الفجر وينتهي وقت صلاة الليل وينتهي وقت صلاة الوتر وهو ما أوتر ولهذا جاءت هذه الوصايا الثلاث من الرسول ﷺ لأبي هريرة ولأبي الدرداء وأبي ذر ﵃ وهذا يدل على عظم شأن هذه النوافل الثلاثة واحدة تتعلق بالصيام وواحدة تتعلق بصلاة الضحى وواحدة تتعلق بختم صلاة الليل بوتر وأنه إذا لم يتحقق من أنه يقوم آخر الليل فإنه لا ينام إلا وقد أوتر وهذا الحديث هو أقل شيء في صلاة الضحى لأنه ركعتان لأن التطوع لا يكون بأقل من ركعتين الركعة الواحدة لا يؤتى بها إلا في الوتر وإلا فإن … أقل النوافل ركعتين إلا ما يتعلق بالوتر والوتر ركعة واحدة تكون في آخر صلاة الليل.
стр. 358
٣٤٩ - وَعَن أم هَانِيء بنت أبي طَالب قَالَت: " ذهبت إِلَى رَسُول الله ﷺ َ عَام الْفَتْح فَوَجَدته يغْتَسل وَفَاطِمَة ابْنَته تستره بِثَوْب، قَالَت: فَسلمت عَلَيْهِ، فَقَالَ: من هَذِه؟ فَقلت: أم هَانِيء بنت أبي طَالب، فَقَالَ: مرْحَبًا بِأم هَانِيء. فَلَمَّا فرغ من غسله قَامَ فَصَلى ثَمَانِي رَكْعَات ملتحفا فِي ثوب وَاحِد، فَلَمَّا انْصَرف قلت: يَا رَسُول الله! زعم ابْن أُمِّي عَلّي بن أبي طَالب أَنه قَاتل رجلا أجرته: فلَان ابْن هُبَيْرَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: قد أجرت من أجرت يَا أم هَانِيء، وَذَلِكَ ضحى " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله ﷺ الذي فيه بيان أكمل صلاة الضحى وأتمها وهي ثمان ركعات لأن الحديث الأول يتعلق بأقلها وهو ركعتان وهذا الحديث الذي بعده يتعلق بكمال صلاة الضحى وأنها تكون ثمان وما بين ذلك يكون بين الأقل وبين الأتم فالأربع تلي الاثنتين والست تلي الأربع والثمان التي هي الأتم تكون بعد الأربع والست التي في الوسط وهي أقلها اثنتان ثم أربع ثم ست ثم ثمان وهي أتمها وأكملها، أم هانيء ﵂ جاءت إلى الرسول ﷺ عام الفتح وكانت ابنته فاطمة ﵂ تستره بثوب يعني معناه أن الرسول ﷺ وراء الثوب وهي رافعة الثوب تستره يعني لا تراه ولا تنظر إليه ولكن تسمع كلامه والثوب يستره حائل بينها وبين الرسول ﷺ فجاءت أم هانيء ﵂ وسلمت على رسول الله ﷺ وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا كان يقضي حاجته لا يسلم عليه ولا يتكلم معه ولا يتكلم مع أحد إلا للضرورة لكن في ما يتعلق بكونه يسلم عليه ويخاطب وهو يغتسل يعني لا يقضي حاجة هذا الحديث يدل عليه ولهذا قالت: فسلمت عليه، ورد ﵍ ثم قال: مرحبا بأم هانيء وهذا يدلنا على أن السلام هو أول ما يكون في الكلام يسلم على الذي يغتسل والمغتسل يرد السلام وله أن يقول بعد ذلك مرحبا لأن الرسول ﷺ قال مرحبا بعد السلام ولكن لا يؤتى بمرحبا بدون رد السلام، إذا قال السلام عليكم ورحمة الله ما يقول مرحبا وإنما يقول عليكم السلام ورحمة الله وبركاته مرحبا، فالإتيان بمرحبا بعد رد السلام هذا سائغ ولكن الذي لا يسوغ أنه يتخذ سلاما بدل السلام فلا يأتي الداخل ويقول مرحبا، وإذا جاء الداخل وسلم فإنه يرد ﵇ ثم يقول بعد ذلك مرحبا لأن مرحبا من الكلمات اللطيفة والكلمات الجميلة والتي تدل على الاحتفاء بالداخل فقال: مرحبا بأم هانيء، فلما انتهى من الاغتسال التحف بثوب واحد وصلى فيه وهذا يدل على أن الثوب الواحد الذي يستر الإنسان أنه يكتفى به وأنه يصلي الإنسان فيه لأن العورة مستورة وأكثر الجسم مستور، والمراد بالثوب القطعة من القماش وليس القميص وإنما القطعة من القماش هذا هو المقصود من التحف بثوب مثل الشملة التي يشتمل بها الإنسان ويضعها على جسده تستره فصلى بها ﷺ ، ولما فرغ قالت له أم هانيء ﵂ حاجتها التي أتت من أجلها وهي أن أخاها علي بن أبي طالب ﵁ زعم أنه قاتل من أجارته وكان هذا عام الفتح فالرسول ﷺ قال: قد أجرنا من أجرتي يا أم هانيء، يعني ليس لأحد أن يتعرض لمن أجرتي لا علي ﵁ ولا غيره قالت: وكان ذلك ضحى، يعني هذه الصلوات التي صلاها كانت في الضحى ومعنى ذلك أنها صلاة ضحى فالحديث الأول يدل على أقل ما تصلى به صلاة الضحى والحديث الثاني يدل على أكمل ما جاء عن رسول الله ﷺ في صلاة الضحى لكن لا يعني ذلك أنه لا يجوز الزيادة على ثمان ولكن هذه الأولى عند الأكثر لكن إن زاد وصلى عشر فإنه … لا بأس بذلك.
стр. 359
٣٥٠ - وَعَن زيد بن أَرقم: " أَنه رَأَى قوما يصلونَ من الضُّحَى فِي مَسْجِد قبَاء، فَقَالَ: أما لقد علمُوا أَن الصَّلَاة فِي غير هَذِه السَّاعَة أفضل، إِن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: صَلَاة الْأَوَّابِينَ حِين ترمض الفصال " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن زيد بن أرقم ﵁ وأنه رأى أناس يصلون في مسجد قباء فقال أما علموا أن الصلاة في غير هذا الوقت أنها أفضل، وهذا كله في الضحى لأن الضحى تبدأ من بعد طلوع الشمس إلى قرب الزوال ولكن هذا الزمان كله وقت لصلاة الضحى لكن الأولى أن يكون في شدة الحرارة وفي شدة الرمضاء التي تكون الأرض حارة إذا وطئت عليها الفصال التي هي أولاد الإبل فإنها تضرها وتؤثر عليها لأن خفافها خفيفة طرية ليست قوية مثل الإبل فقال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» يعني في وقت شدة الحرارة هذا أفضل ما تؤتى به صلاة الضحى وإن أتي بها بعد طلوع الشمس بقليل الذي هو بعد ارتفاع الشمس وانتهاء وقت التحريم الذي هو الصلاة عند طلوع الشمس فكل ذلك سائغ لكن بعضه أفضل من بعض، لكن كونه يؤتى بها في شدة الحرارة، صلاة الأوابين إلى الله حين ترمض الفصال والفصال هي أولاد الإبل التي تتأثر من حرارة الرمضاء عندما تشتد الشمس وعندما تشتد حرارة الأرض بشدة حرارة الشمس عليها قال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» يعني تصيبها الرمضاء وتؤثر الرمضاء على الفصال وأما الإبل الكبيرة فإنها لا تؤثر عليها الرمضاء.
стр. 360
٣٥١ - وَرَوَى عَن عَائِشَة قَالَت: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبعا وَيزِيد مَا شَاءَ [الله] ".
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله، يزيد ما شاء الله يعني أنه يزيد فتصير ست وثمان وما فوق ذلك لكن أعلى شيء ثبت من فعله ﷺ هو ثمان كما في حديث أم هانيء ﵂ المتقدم، وهذا يدل أن الرسول ﷺ كان يصلي أربعا للضحى ويزيد ما شاء الله عن الأربع ومعنى أربع يعني ركعتين ركعتين لأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى كما سبق أن مر بنا، يصلي أربعا يعني يصلي ركعتين ثم يصلي ركعتين وقد جاء ما يدل على صلاة أربعا في الضحى الحديث الصحيح الذي ثبت عن رسول الله ﷺ : «يقول الله : يا ابن آدم اكفني أربع ركعات في أول النهار أكفك بهن بقية يومك» وهذا يدلنا على أن صلاة الضحى تكون أربع وتكون في أول النهار لأن من العلماء من قال أن الصحيح فيها أنها صلاة الضحى هذه الأربع التي جاءت في الحديث، ومن العلماء من يقول أنها ركعتا الفجر وركعتا الفريضة فيكون المجموع أربع ركعات هذه أول النهار لكن القول بأن الأربع صلاة الضحى وأنها في وقت الضحى هذا هو الأقرب وهو الأولى وهو الذي يدل على أن التطوع الذي يحصل من الإنسان في أول النهار يكفيه الله به الشرور في بقية يومه.
стр. 361
٣٥٢ - وَله عَن عبد الله بن شَقِيق قَالَ: " قلت لعَائِشَة هَل كَانَ النَّبِي ﷺ َ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَت: لَا، إِلَّا أَن يَجِيء من مغيبه ".
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أنها سئلت هل كان الرسول ﷺ يصلي الضحى قالت: لا إلا أن يجيء من مغيبه، يعني إذا جاء من سفر ومعلوم أنه إذا جاء من سفر أول شيء يبدأ به أنه كان يأتي المسجد ويصلي ركعتين فكان هذا هو الذي كانت تعلمه أنه يفعله بحضرة الناس وذلك أنه إذا جاء من مغيبه جاء مسافرا فإنه يصلي ولكنه يصلي في المسجد ما يصلي في بيته يعرف الناس ذلك الناس يعرفون ذلك وليس هذا تختص به عائشة ﵂ وإنما هذا معلوم للناس أنه يأتي المسجد ويبدأ به ويصلي فيه ركعتين ﷺ ومعلوم أنه ﷺ كان يحرص على أن يأتي في الضحى وأنه يدخل في الصباح في الضحى فيكون يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين.
стр. 362
٣٥٣ - وَعَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: " مَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي سبْحَة الضُّحَى قطّ، وَإِنِّي لأسبحها، وَإِن كَانَ رَسُول الله ﷺ َ ليَدع الْعَمَل وَهُوَ يحب أَن يعْمل بِهِ، خشيَة أَن يعْمل بِهِ النَّاس فيفرض عَلَيْهِم " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث عن عائشة ﵂ أنها ما رأت النبي ﷺ يصلي سبحة الضحى وأنها تسبحها، السبحة هي الصلاة لأن النوافل يقال لها سبحة ولهذا جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ في السفر قال: لو كنت مسبحا لأتممت، يعني لو صرت آتيًا بالرواتب مع القصر لأتممت وما دمت أن الأربع تصير ثنتين فكيف آتي بالنوافل مع الفرائض والفرائض بدل ما تكون أربع صارت ثنتين، تقول ما رأته يصلي سبحة الضحى، وذلك أنه ﷺ في الغالب ما يكون عندها في الضحى لأنه في الغالب إما أن يكون في سفر أو يكون عند زوجاته في بقية الأيام لأن زوجاته تسع وكان يكون عند كل واحدة يوم فكانت ﵂ ما يكون الرسول ﷺ عندها لأنه إما أن يكون عند زوجاته وإما أن يكون مسافرا وإما أن يكون جالسا للناس في المسجد يحدثهم ويعلمهم ويرشدهم ويفقههم في الدين ﷺ فلهذا أخبرت عن الواقع من فعله ﷺ لأنه في الغالب ما يكون عندها في الضحى إما مسافر وإما عند زوجاته بقية الأيام وإما أن يكون في المسجد يعلم الناس وإما أن يكون ذهب لحاجة كأن يكون ذهب إلى قباء أو ذهب إلى بعض الجهات فالحاصل أنها أخبرت عن شيء لا يكون عندها بحيث أنها تعلم بأنه تراه عندها ويصلي عندها وإنما أخبرت عن شيء لا يختص بها.
стр. 363
٣٥٤ - وَعَن مُورق قَالَ: " قلت لِابْنِ عمر: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا، قلت: فعمر؟ قَالَ: لَا، قلت: فَأَبُو بكر قَالَ: لَا. قلت فالنبي ﷺ َ؟ قَالَ: لَا إخَاله " رَوَاهُ البُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث عن ابن عمر ﵄ -سئل- تصلي الضحى قال: لا قال: أبو بكر قال: لا قال: عمر قال: لا قال: فالرسول ﷺ قال: لا إخاله، يعني لا أظنه ومعنى ذلك قيل أن هذا محمول في السفر وأما الحضر فقد جاءت الأحاديث الأخرى الدالة على كونه يفعل ذلك وإنما هذا محمول على السفر ومعلوم أن الرسول ﷺ كان يصلي النوافل على الدابة وصلاته تكون في الأوقات المختلفة يعني غير أوقات النهي التي لا يتنفل فيها فيصلي بالليل وهو على راحلته ويصلي في الضحى وهو على راحلته ولكن كونه يقال أنه صلى صلاة الضحى بالتحديد وإنما هذا شأنه في السفر يصلي النوافل وهو راكب وأما الفرائض فإنه إذا جاء وقتها ينزل ويصلي ﷺ وعلى هذا فإن ما جاء في الحديث من قوله: لا إخاله وكذلك عن أبي بكر وعمر ﵄ وعنه المقصود من ذلك ما كان في السفر وأما ما كان في الحضر فإن هذا جاءت الأحاديث فيه ومنها ما تقدم.
стр. 364
٣٥٥ - وَعَن جَابر بن عبد الله قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يعلمنَا الاستخارة فِي الْأُمُور كَمَا يعلمنَا السُّورَة من الْقُرْآن، يَقُول: إِذا هم أحدكُم بِالْأَمر فليركع رَكْعَتَيْنِ من غير الْفَرِيضَة، ثمَّ ليقل: اللَّهُمَّ إِنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وَأَسْأَلك من فضلك الْعَظِيم، فَإنَّك تقدر وَلَا أقدر وَتعلم وَلَا أعلم، وَأَنت علام الغيوب، اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر خير لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي، وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثمَّ بَارك لي فِيهِ، وَإِن كنت تعلم أَن هَذَا الْأَمر شَرّ لي فِي ديني ومعاشي وعاقبة أَمْرِي - أَو قَالَ عَاجل أَمْرِي - وآجله فاصرفه عني واصرفني عَنهُ واقدر لي الْخَيْر حَيْثُ كَانَ ثمَّ ارضني بِهِ قَالَ: ويسمي حَاجته " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ - عَن الشَّيْخ الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ البُخَارِيّ - وَعِنْده: " ثمَّ أرضني بِهِ " وَعند أبي دَاوُد، وَهُوَ رِوَايَة للْبُخَارِيّ: " ثمَّ رضِّني بِهِ ".
ثم ذكر ابن عبدالهادي ﵀ هذا الحديث في ختام أحاديث صلاة التطوع وأورد فيه صلاة الاستخارة ودعاء الاستخارة بعد الصلاة فقال في هذا الحديث أن الرسول ﷺ كان يعلمهم الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن فكان يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة» يعني ما يجعل الفريضة هي التي يستخير بعدها لأنه قال من غير الفريضة ركعتين تطوع يأتي بهما تطوعا لله ويدعوا بعدهما ولا تكون الاستخارة من الفريضة لأن الإنسان يحرص على أن يكون متطوعا بالصلوات لا يكون شأنه الاقتصار على الفرائض وأنه حتى الاستخارة لا يأتي بركعتين يتطوع فيهما لله ويستخير بعدهما وإنما يكون فعله بعد الفرائض قال: «من غير الفريضة» يعني صلاة التطوع يطلق عليها صلاة الاستخارة أي من أجل الاستخارة فكان ﷺ يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليدعوا» وهذا يدلنا على أن الدعاء يكون بعد الصلاة ثم يقول: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» يعني أطلب منك الخير وأطلب منك الخيرة لعلمك لأنك تعلم كل شيء وتعلم عواقب الأمور وتعلم ما فيه الخير في المستقبل وما فيه خلاف ذلك في المستقبل لأنه عالم بكل شيء عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون مثل ما قال الله عن الكفار: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فالله علم أنهم لا يردون وعلم أنهم لو ردوا لحصل منهم العود فهو عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، «وأستقدرك بقدرتك» أطلب منك القدرة والإقدار على العمل الذي أريده والذي أرجوا أن أصل إليه لأن الله تعالى على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم فهو يستخيره بعلمه ويطلب منه ما فيه الخيرة له بعلمه لعلمه بكل شيء ويستقدره بقدرته بأن يقدره الله على ذلك العمل الذي يريده وأن يهيئ ذلك الشيء الذي يريده، «وأسألك من فضلك العظيم» لأن كل شيء من الله هو من فضله ولا يكون عمل الإنسان أنه يستحق به الجزاء من المعاوضة وإنما هو فضل من الله كما جاء عن الرسول ﷺ : «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه»، فالله كل ما يحصل للإنسان من خير فهو بفضل الله هو الذي تفضل عليه بأن أقدره على العمل الصالح وتفضل عليه بالعمل الصالح وتفضل عليه بالجزاء بعد هذا العمل الصالح، «فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم -أي هذا الأمر يعني في إقدامي على هذا الزواج أو إقدامي على هذه التجارة أو إقدامي على هذا العمل الذي يعين ويسميه- خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ورضني به وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه ويسر لي الخير حيث كان ثم رضني به» يعني هيئ لي الخير بعد ذلك مما تعلم أن فيه الخير لي ثم رضني به يعني يجعله رضيا بهذا الشيء الذي قدره الله عليه أو قدره له من الخير فهذا دعاء الاستخارة الذي أرشد إليه الرسول ﷺ وأنه يؤتى به بعد ركعتين غير الفريضة لكنه لا يأتي بذلك في أوقات النهي وإنما يأتي به في غير أوقات النهي يأتي به في الضحى ويأتي به في الليل ويأتي به بعد المغرب ولكنه لا يتعمد أنه يأتي بصلاة الاستخارة في أوقات النهي لأن الرسول ﷺ قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس».
стр. 365
باب سجود التلاوة والشكر
الدرس الخامس والثلاثون:
هذا الباب يتعلق بسجود التلاوة وسجود الشكر، والصلاة أقل شيء فيها ركعة واحدة وهي الوتر ولا يؤتى بالتقرب إلى الله تعالى بركعة واحدة إلا بالوتر ثم بعد ذلك التقرب إلى الله يكون بركعتين أقل شيء ركعتين «إذا دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» جاءت الأحاديث في صلاة التطوع ذكر ركعتين في الرواتب مر بنا ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر، فأقل ما يتقرب به إلى الله الوتر، وهذا ركعة واحدة تكون في آخر صلاة الليل وتكون أيضا بعد ذلك ركعتان، وقد مر بنا صلاة الليل مثنى مثنى ومر صلاة الليل والنهار مثنى فهذا يدلنا على أن أقل شيء يتقرب إلى الله به في غير الوتر إنما هو ركعتان، ويأتي أحيانا في ذكر السجود الذي ليس معه ركوع ولا قيام وإنما هو سجود فقط جاء في موضعين في سجود التلاوة وسجود الشكر، الإنسان يسجد سجدة واحدة ليس معها ركوع وإنما هي سجدة واحدة لا ركوع فيها ولا قيام، وسجود
التلاوة جاء في القرآن الكريم وقد أجمع العلماء على أنه ليس في القرآن أكثر من خمسة عشر سجدة يعني سجود القرآن منحصر في خمسة عشر ليس هناك أكثر من خمسة عشر سجدة هذه الخمس عشرة عشرٌ منها مجمع عليها وخمسٌ منها مختلف فيها والصحيح ثبوت الأحاديث في هذه الخمس المختلف فيها والخمس هي السجدة الثانية من الحج وسجدة ص وسجدات المفصل الثلاث التي هي النجم والانشقاق والعلق هذه هي السجدات المختلف فيها وأما العشر الباقية فإنه متفق عليها وقد أجمع العلماء على السجود فيها وعلى هذا فإن القرآن أجمع على أنه ليس فيه أكثر من خمسة عشر سجدة وأن عشر منها مجمع عليها لا خلاف فيها بين العلماء وخمس مختلف فيها والحق أنها كلها ثابتة وأن هذه المختلف فيها الصحيح ثبوتها لأنها جاءت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بالسجود في هذه الخمس المختلف فيها.
стр. 366
٣٥٦ - عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا قَرَأَ ابْن آدم السَّجْدَة فَسجدَ، اعتزل الشَّيْطَان يبكي يَقُول: يَا ويله! أُمر ابْن آدم بِالسُّجُود فَسجدَ فَلهُ الْجنَّة وأُمرت بِالسُّجُود فأبيت، فلي النَّار " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ أن الشيطان إذا سجد ابن آدم أي قرأ آية فيها سجدة وسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار، هذا يدل على حزن الشيطان وأنه يتألم ويحزنه أنه حصل لابن آدم أنه أمر بالسجود فسجد وأما هو فأمر بالسجود فلم يسجد، وهذا الحديث يدل على فضل السجود لأنه أول حديث ذكره في هذا الباب والمقصود بيان فضل سجود التلاوة وأن إبليس يتألم ويتحسر لكونه أمر بالسجود فلم يسجد وابن آدم أمر بالسجود فسجد فله الجنة وأما هو فأمر بالسجود فلم يسجد فله النار، إذًا الحديث يدل على فضل سجود التلاوة لكنه ليس بواجب وإنما هو مستحب لأنه جاء ما يدل على أن للإنسان أن يسجد وله أن لا يسجد لكن الأولى أن يسجد لأنه يحصل له الأجر والثواب الذي جاء الوعد به في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث.
стр. 367
٣٥٧ - وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " ﴿ص﴾ لَيست من عزائم السُّجُود، وَقد رَأَيْت النَّبِي ﷺ َ يسْجد فِيهَا " رَوَاهُ البُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث في سجدة ص وهي مختلف فيها كما عرفنا ولكن ثبت السجود فيها كما جاء في هذا الحديث، قال ابن عباس ﵄: ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها، يعني أن السجدات متفاوتة يعني فيها ما يقال لها من عزائم السجود وفيها ما يقال
ليس من عزائم السجود كما جاء في هذا الأثر، فقوله: رأيت النبي ﷺ يسجد بها، يعني هذا يدل على أن السجود فيها ثابت عن رسول الله ﷺ التي هي سجدة ص.
стр. 368
٣٥٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يقْرَأ فِي الْجُمُعَة فِي صَلَاة الْفجْر ﴿الم تَنْزِيل﴾ السَّجْدَة، و ﴿هَل أَتَى عَلَى الْإِنْسَان﴾ " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ أَيْضا.
ثم ذكر هذا الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ وأن النبي ﷺ كان يقرأ في فجر يوم الجمعة ب الم السجد وهل أتى على الإنسان يأتي بهاتين السورتين وذلك لما اشتملتا عليه من البعث والمعاد والجزاء والحساب والثواب والعقاب وغير ذلك من الأمور التي اجتمعت فيهما وذلك لأن يوم الجمعة هو اليوم الذي جاء أنه يحصل فيه أمور متعددة.
стр. 369
٣٥٩ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجدْ فَيْهَا. متفقٌ عَليْه، واللفظُ للبخاريِّ أَيضاً
ثم ذكر هذا الحديث عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد فيها، فهذا يدل على أن السجود ليس بلازم لا يقال أنه لمّا لم يسجد فيها يعني ما فيها سجود وإنما الإنسان له أن يسجد وله أن لا يسجد والرسول ﷺ حصل منه السجود في بعض الأحيان وفي بعض المواضع ولم يحصل منه السجود في البعض الآخر.
стр. 370
٣٦٠ - وَعَن ابْن عَبَّاس " أَن النَّبِي ﷺ َ سجد ب ﴿النَّجْم﴾ وَسجد مَعَه الْمُسلمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنّ وَالْإِنْس " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَقَالَ: " كَانَ ابْن عمر يسْجد عَلَى غير وضوء ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي في سجدة النجم وأن الرسول ﷺ صلى وسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس وقال: كان ابن عمر ﵄ يسجد على غير وضوء، لأن سجود التلاوة وسجود الشكر لا يلزم أن يكون على وضوء فهو ليس صلاة لأن الصلاة أقلها ركعة وإنما هذا سجود عند التلاوة فللإنسان أن يسجد وله أن لا يسجد ولكن السجود أولى لأن فيه ثواب وفيه جزاء كما هو الشأن في المستحبات الإنسان إذا فعلها فإنه يؤجر وإذا لم يفعلها فإنه لا يعاقب، وهذه من سجدات المفصل وكلها مختلف فيها ولكنه ثابت وهذا مما يدل على ثبوت السجود فيها.
القارئ: أحسن الله إليكم كيف سجد معه المشركون؟
الله سبحانه أسجدهم وجعلهم عندما قرأ النبي ﷺ وسجد سجد معه الجميع.
стр. 371
٣٦١ - وَعَن خَالِد بن معدان أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " فضلت سُورَة الْحَج عَلَى الْقُرْآن بسجدتين " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيل ". وَقَالَ: ((وَقد أسْند هَذَا وَلَا يَصح)).
ثم ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بسجدتي الحج وذكر فيه هذا الحديث أنها فُضلت يعني معنى ذلك أن جميع سور القرآن السجدة تكون في موضع واحد من السورة إلا في هذه السورة فإنه يكون فيها سجدتان لكن السجدة الأولى متفق عليها ومجمع عليها والثانية التي في آخر الحج مختلف فيها والصحيح أن السجود فيها ثابت عن رسول الله ﷺ وليس معنى ذلك أنها أفضل من غيرها من السور ولكن كما هو معلوم بعض السور تفضل بشيء يخصها ولا يعني ذلك أنها تكون أفضل من غيرها فإن تفضيل هذه السورة لوجود السجدتين فيها وأن الإنسان إذا قرأها يسجد وأنه يثاب وأن الشيطان كلما سجد ابن آدم يحصل له تألم وتحسر ويقول ابن آدم سجد فله الجنة وأنا أمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار فالمقصود من ذلك أن هذه السورة فيها سجدتان وأن الإنسان يؤجر إذا سجد في كل منهما ولكن لا يعني ذلك أنها أفضل من غيرها من سور القرآن وإنما هذا تفضيل خاص من أجل ما يوجد فيها من السجدتين.
стр. 372
٣٦٢ - وَعَن عَطاء بن ميناء عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " سجدنا مَعَ النَّبِي ﷺ َ فِي ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ و ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ ". رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه السجود في سورتين من المفصل سورة الانشقاق وسورة العلق، فقال أنهم سجدوا مع الرسول ﷺ وهذا الحديث رواه مسلم، فإذًا هذا كله يبين لنا أن السجدات الثلاث التي في المفصل أنها كلها ثابتة عن رسول الله ﷺ وهي محل خلاف بين العلماء ولكن من حيث الثبوت هي ثابتة ولهذا قلت في الأول أن المختلف فيها خمس ومنها سجدات المفصل الثلاث وهذه السجدات الخمس المختلف فيها ثبتت السنة بها عن رسول الله ﷺ .
стр. 373
٣٦٣ - وَعَن عَلّي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: " أَنا أتعجب من حدبي لَا يسْجد فِي الْمفصل " رَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَاد صَحِيح.
ثم ذكر هذا الأثر عن علي ﵁ وفيه أنه قال: الم السجدة وحم السجدة والنجم والعلق هذه من عزائم السجود وإني أتعجب ممن لا يسجد بها، المقصود من ذلك أن الإنسان يحرص على أن يسجد بها ولا يترك السجود بها ولكنه كما عرفنا ليس بلازم، قال وقد عجبت ممن حدثني لا يسجد في المفصل يعني معناه أنه يعرف أن المفصل فيه سجدات وأنه جاء في بعض الأحاديث ما يدل عليه ويتعجب ممن لا يسجد بهذه السجدات.
стр. 374
٣٦٤ - وَعَن الْبَراء ﵁ قَالَ: " بعث النَّبِي ﷺ َ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى أهل الْيمن يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام فَلم يُجِيبُوهُ، ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ َ بعث عَلّي بن أبي طَالب، وَأمره أَن يقفل خَالِدا وَمن كَانَ مَعَه، إِلَّا رجل مِمَّن كَانَ مَعَ خَالِد أحب أَن يعقب مَعَ عَلّي فليعقب مَعَه، قَالَ: فَكنت مِمَّن عقب مَعَه، فَلَمَّا دنونا من الْقَوْم خَرجُوا إِلَيْنَا، فَصَلى بِنَا عَلّي، وَصفنَا صفا وَاحِدًا، ثمَّ تقدم بَين أَيْدِينَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب رَسُول الله ﷺ َ فَأسْلمت هَمدَان جَمِيعًا، فَكتب عَلّي إِلَى رَسُول الله ﷺ َ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُول الله ﷺ َ الْكتاب خر سَاجِدا، ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ: السَّلَام عَلَى هَمدَان، السَّلَام عَلَى هَمدَان " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: (أخرج البُخَارِيّ صدر هَذَا الحَدِيث وَلم يسقه بِتَمَامِهِ، (وَسُجُود الشُّكْر فِي تَمام الحَدِيث [صَحِيح] عَلَى شَرطه)).
ثم ذكر بعدما فرغ من الأحاديث التي فيها سجود التلاوة وهي ثمانية أحاديث عند ذلك أتى بهذا الحديث والأثر الذي يتعلق بسجود الشكر وذكر هذا الحديث وهو أن الرسول ﷺ أرسل خالد بن الوليد ﵁ إلى اليمن وبعد ذلك أرسل عليا ﵁ وأمره بأن يُقفل خالدا يعني يطلب من خالد أن يرجع إلى المدينة وأنه يرجع من أراد أن يرجع معه ومن أراد أن يبقى فليبقى مع علي ﵁ وكان البراء ﵁ ممن بقي وذكر فيه أنه لما جاء الخبر بإسلامهم أن الرسول ﷺ سجد لكن هذا الحديث في إسناده من هو متكلم فيه فهو غير ثابت عن رسول الله ﷺ وكذلك الأثر الذي بعده.
стр. 375
٣٦٥ - وَعَن أبي عون الثَّقَفِيّ، عَن رجل لم يسمه: " أَن أَبَا بكر ﵁ لما أَتَاهُ فتح الْيَمَامَة سجد " رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي " كتاب الْفتُوح ".
وذكر هذا الأثر عن أبي بكر ﵁ أنه لما جاء فتح اليمامة سجد وهذا فيه رجل مبهم فهو غير ثابت هذا الأثر لأن فيه رجل مبهم غير معروف في إسناده واحد غير مسمى فهو غير معروف فلا يكون ثابتا، فإذًا الحديث المرفوع فيه ضعف وهذا الأثر أيضا فيه ضعف ولكنه جاء ما يدل على سجود الشكر من رسول الله ﷺ ومن بعض أصحابه فهو ثابت فمما جاء في ذلك الحديث الذي رواه أبو داود عن رسول الله ﷺ : «أنه كان إذا جاءه أمر يسره أو بشّر فإنه يخر ساجدا لله » وهذا ثابت عند أبي داود وكذلك جاء أثر عن كعب بن مالك ﵁ أنه لما بلغه توبة الله عليه خر ساجدا، فإذًا هذا الذي ذكره المصنف حديث مرفوع وحديث موقوف وكل منهما غير ثابت ولكنه جاء في حديث أبي بكرة ﵁ أن الرسول ﷺ كان إذا بشّر أو جاءه شيء يسره فإنه يسجد وجاء عن كعب بن مالك ﵁ لما بشّر بتوبة الله عليه خر ساجدا.
стр. 376
باب صلاة الجماعة
الدرس السادس والثلاثون
٣٦٦ - عَن عبد الله بن عمر، أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة " مُتَّفق عَلَيْهِ.
٣٦٧ - وَفِي حَدِيث أبي سعيد: " بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة " رَوَاهُ البُخَارِيّ.
٣٦٨ - وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " بِخمْس وَعشْرين دَرَجَة " مُتَّفق عَلَيْهِ.
فهذه الأحاديث تتعلق بصلاة الجماعة، وصلاة الجماعة واجبة على الرجال حضرًا وسفرًا حتى في الخوف، وهذا من أوضح الأدلة على وجوبها، لأنه لو كان الأمر فيها سائغًا، وتركها سائغًا، وعدم الإتيان بها سائغًا، لما جاء هذا الحث عليها، والإخبار بأنه إذا كان في خوف أنه يأتي بها، وأنها لا تسقط حتى في حال الخوف، وهذا يدلنا على وجوبها وعلى تعينها، وما جاء من الأحاديث من أن صلاة الجماعة بسبع وعشرين درجة أو خمسة وعشرين جزءًا لا يدل على أنها غير واجبة، وإنما يدل على أن من أتى بها منفردًا فإن صلاته صحيحة، وخرج من أن يكون تاركًا للجماعة، لكنه آثم لكونه ترك أمرًا واجبًا وهو الإتيان بالصلاة في جماعة، لأن هذا الإتيان بها لا بد منه، وهو ركن من أركان الإسلام، ومن ترك الصلاة فقد كفر، ولكنه إذا صلى وحده فإن صلاته صحيحة، ولكنه آثم لكونه لم يأت بها في الجماعة، وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على وجوبها على الرجال دون النساء، والمصنف ذكر جملة منها، لكن هذا يدلنا على عظم شأن صلاة الجماعة، وأن من صلاها منفردًا فاته ذلك الأجر العظيم، وحصل له إثم بكونه لم يأت بهذا الواجب الذي هو الإتيان بصلاة الجماعة، وقد جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم أن قوله «تفضل بسبع وعشرين جزءًا» يعني أن المقصود بها أنها تعدل خمسًا وعشرين صلاة، يعني مَنْ صلى وحده فكأنما صلى صلاة واحدة، من صلى في جماعة فيكون له أجر خمس وعشرين صلاة، هكذا جاء في صحيح مسلم في بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
стр. 377
٣٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لقد هَمَمْت أَن آمُر بحطب فيحتطب، ثمَّ آمُر بِالصَّلَاةِ فَيُؤذن لَهَا، ثمَّ آمُر رجلا فيؤم النَّاس، ثمَّ أُخَالِف إِلَى رجال فَأحرق عَلَيْهِم بُيُوتهم، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو يعلم أحدهم أَنه يجد عرقا سمينا أَو مرماتين حسنتين لشهد الْعشَاء " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَهَذَا لَفظه، وَمُسلم وَلَيْسَ عِنْده: " أَو مرماتين حسنتين ".
ثم ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة ﵁، وهو من الأدلة الواضحة على وجوب صلاة الجماعة، وأن من تركها يكون آثمًا، لأن النبي ﷺ هَمَّ أن يأمر بِحَطَبٍ فيحطب، ثم بأن يؤذن للصلاة فيؤذن لها، ثم يأمر رجلا فيؤم الناس يصلي بالناس، ثم الرسول ﷺ يذهب في الوقت الذي الناس يصلون، وفيهم من خلفه عنه ينوب عنه، ويذهب بنفسه ومعه جماعة مع حُزَمٍ من حطب إلى أناس لا يصلون الجماعة، وإنما يصلون في بيوتهم فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، لأنهم تركوا أمرًا واجبًا عليهم، فهذا يدلنا على وجوب صلاة الجماعة، لأن الهمّ بالتحريق هذا أمره خطير، ثم إن الرسول ﷺ سيتولى هذا بنفسه، ويجعل من يصلي بدلًا منه، ومن يخلفه في إمامة الناس، ثم يذهب إلى أناس في الوقت الذي الناس فيه يصلون، وهذا كما يقال: "لأذهب إليهم وهم متلبسون بالجريمة" لأن الناس يصلون وهم ليسوا معهم، وإنما هم باقون في بيوتهم، فَهَمَّ الرسول ﷺ حتى أنه لو لم يفعل فمجرد الهمّ يدل على خطورة الأمر، وعلى أن الأمر ليس بالهيّن، وأن حتى لو لم ينفذ لأن مجرد الهمّ يكفي في بيان خطورة الأمر وعلى وجوبها، وأن من تخلف عنها يُحَصِّل إثمًا عظيمًا، ثم إن هذا شأن المنافقين، الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة، المنافقون يتخلفون عن صلاة الجماعة، وقد قال ﷺ : «لو يعلم أحدهم أنه يحصل عَرْقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» يعني يتخلف عن العشاء، وصلاة العشاء وصلاة الفجر هي أثقل الصلاة على المنافقين كما جاء في الحديث "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوًا".
يأتون يحبون على الركب لو كانوا يعلمون ما فيها من الأجر، ثم إن المنافقين همهم الدنيا وليس همهم الآخرة، ولهذا قال «لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا»، والعَرْقُ هو العظم الذي عليه بقية لحم، عظم عليه بقية اللحم هذا يقال له عَرْق، «أو مرماتين حسنتين» وهما ما بين ظِلْفَي الشاة من اللحم، معناه أنه شيء زهيد، وشيء تافه، ليس من الشيء الجيد وليس من اللحم الجيد، لأنه عَرْق عليه بقية لحم ليس عليه لحم كثيرًا، ومرماتين: ما بين ظِلْفَي الشاة من اللحم، هذا شيء تافه بسيط، ليس بشيء، ولكنهم يحرصون على الدنيا، ولو كان شيئًا يسيرًا، ويعرضون عن الآخرة، ولو كان الإنسان لا يصل إليها إلا حبوًا، فإنه يذهب إليها، هذا يدلنا على عظم شأن صلاة الجماعة، وعلى وجوبها، وأن التخلف عنها من صفات المنافقين، «لو يعلم أحدهم لشهد العشاء»: لو كان يعلم أن في لحم يوزع عند باب المسجد أو في المسجد ولو كان تافهًا لذهب إلى المسجد ليأخذ نصيبه من الدنيا ومن المآكل الزهيدة الرديئة التي تكون عند المسجد، لو كان هناك لحم يوزع لذهبوا إليه، وأما الصلاة التي هذا أجرها وهذا ثوابها فإنهم يتخلفون عنها، ولهذا، الحديث من أوضح الأدلة على وجوب صلاة الجماعة.
стр. 378
٣٧٠ - وَعَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: " لَا تمنعوا إِمَاء الله مَسَاجِد الله " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلأَحْمَد وَأبي دَاوُد وَالْحَاكِم وَقَالَ: (عَلَى شَرطهمَا): " لَا تمنعوا النِّسَاء أَن يخْرجن إِلَى الْمَسَاجِد وبيوتهن خير لَهُنَّ ".
ثم ذكر هذا الحديث في حكم صلاة الجماعة للنساء، وأنها ليست واجبة على النساء، وإنما هي واجبة على الرجال، ولكن النساء إذا طلبن أن يذهبن إلى المسجد فإنهن يمكن ولا يمنعن من ذلك، لكن بشرط أن يكن ما في فتنة، ما في طيب، ولا في لباس جميل، وإنما يذهبن على هيئة لا تفتن الناس بحيث لا ينفتن هن بالرجال إذا ذهبن، ولا ينفتن الرجال بهن بكونهن يتطيبن ويلبسن لباسًا حسنًا، وإنما إذا ذهبن يذهبن مع حصول السلامة لهن ولغيرهن، حصول السلامة لهن بأن يفتتن بالرجال، وكذلك الرجال أن يفتتنوا بهن، وقال: «وبيوتهن خير لهن» يعني صلاتهن في البيوت خير من صلاتهن في المساجد، ولكنهن إذا طلبن لا يمنعن، والحديث يدل على عدم وجوب صلاة الجماعة على النساء، وأن صلاتهن في البيوت خير لهن، وأنهن إن خرجن إن استأذن فإنه يؤذن لهن ولا يمنعن من الذهاب إلى المساجد، لكنه يذهبن على الوجه الذي لا يفتن أنفسهن بغيرهن، ولا يفتن الرجال بأنفسهن.
стр. 379
٣٧١ - وَعَن زَيْنَب الثقفية إمرأة عبد الله قَالَت، قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ َ: " إِذا شهِدت إحداكن الْمَسْجِد فَلَا تمس طيبا " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه بيان صفة المرأة أو هيئة المرأة أو الحال التي تكون عليها المرأة إذا ذهبت إلى المسجد أنها لا تمس طيبًا، وكذلك أيضًا لا تلبس زينة، لأن الطيب يحصل عن طريق الشم، وعن طريق الافتتان بهن عن طريق ما يحملنه من الطيب الذي يشم رائحته، وكذلك أيضًا لا يلبسن الزينة التي يفتن بالنظر إليهن وإلى زينتهن، فالمرأة حيث أذن لها بالذهاب، فإنها تكون متصفة بالصفة التي لا تفتن أحدًا في رائحتها ولا في لباسها الحسن الذي يجعل الرجال ينظرون إلهيا.
стр. 380
٣٧٢ - وَعَن أبي مُوسَى قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِن أعظم النَّاس فِي الصَّلَاة أجرا أبعدهم إِلَيْهَا ممشى فأبعدهم، وَالَّذِي ينْتَظر الصَّلَاة حَتَّى يُصليهَا مَعَ الإِمَام أعظم أجرا من الَّذِي يُصليهَا ثمَّ ينَام " وَفِي رِوَايَة: " حَتَّى يُصليهَا مَعَ الإِمَام فِي جمَاعَة " مُتَّفق عَلَيْهِ.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه بيان فضل صلاة الجماعة، ولا سيما إذا كان بيته بعيدًا، فإنه يأتي على رجليه، وبكل خطوة يخطوها إلى الصلاة يرفع له درجة ويحط عنها خطيئة، «أبعدهم ممشى فأبعدهم» هذا يدلنا على تفاوت الناس في صلاة الجماعة، وأنهم لا يتساوون، وأن من كان جاء مبكرًا وجلس في المسجد هو في صلاة ما انتظر الصلاة، ومن جاء من مكان بعيد يمشي على رجليه فإن كل خطوة يخطوها ترفع له بها درجة، وتحط عنه بها خطيئة، فإذًا الناس مع صلاة الجماعة ومع مجيئهم رجالًا للجماعة، فهم متفاوتون في الأجر والثواب بتبكيرهم ومكثهم في المساجد، وكذلك بكثرة الخطى بكون مساكنهم بعيدة، ولهذا قال: «أبعدهم ممشى»،
هذا يدلنا على فضل صلاة الجماعة، وأن كل ما كان الإنسان أبعد، فإنه يكون أجره أعظم، لأن كل خطوة يخطوها ترفع له درجة، وتحط بها عنه خطيئة.
القارئ: أحسن الله إليكم، هل ترفع الدرجات في حال الخروج من المسجد إلى البيت مشيًا؟
فضيلة الشيخ: لا شك أن التعب على قدر النصب، ولكن حتى الإنسان إذا ذهب بالسيارة، ولا سيما إذا كان المسجد بعيدًا، فإنه على أجر ويحصل أجرًا، وكل ما طالت المسافة سواء بالسيارة أو على الأقدام.
стр. 381
٣٧٣ - وَعَن هشيم، عَن شُعْبَة، عَن عدي بن ثَابت، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: " من سمع النداء فَلم يَأْته فَلَا صَلَاة لَهُ، إِلَّا من عذر " رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، (وَإِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم، وَقد أعله بِالْوَقْفِ)
ثم ذكر هذا الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : «من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر»، لكن لا يعني ذلك أنه يكون تاركًا للصلاة، ولكنه ترك أمرًا عظيمًا وأمرًا خطيرًا، يعاقب عليه، وإلا فقد سبق أن مرّ أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة أو بخمسة وسبعين جزءًا، معنى ذلك أنه أدى الواجب عليه وأدى الركن، ولكنه ترك الشيء الواجب الذي يثاب عليه إذا أتى به، ويعاقب عليه إذا تركه لأنه ليس من المستحبات، وإنما هو من الواجبات، والمستحب هو الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، ولكن هذا يثاب فاعله ويعاقب تاركه لأنه واجب.
стр. 382
٣٧٤ - وَعَن نَافِع قَالَ: " أذّن ابْن عمر فِي لَيْلَة بَارِدَة بضجنان ثمَّ قَالَ: صلوا فِي رحالكُمْ، فَأخْبرنَا أَن رَسُول الله ﷺ َ: كَانَ يَأْمر مُؤذنًا يُؤذن ثمَّ يَقُول عَلَى إثره: أَلا صلوا فِي الرّحال فِي اللَّيْلَة الْبَارِدَة أَو الْمَطِيرَة فِي السّفر " مُتَّفق عَلَيْهِ وَهَذَا لفظ البُخَارِيّ.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن ابن عمر ﵄ كان في ضَجْنَان، وقيل: وهو مكان بين مكة والمدينة، وكانوا في سفر، وأنها كانت ليلة باردة وشديدة، وأمر مؤذنه بأن يقول "صلوا في رحالكم" يعني الخيام التي هم فيها، والمحلات التي هم مستوطنون فيها أو مقيمون فيها، لأن المسافرين معهم خيام ومعهم رحال، ليستقر كل في رحله، فالليلة مطيرة، يعني كونهم يجتمعون للصلاة وفيه مطر أو فيه برد شديد، فكان يأمر أن يقول "صلوا في رحالكم"، ليس المقصود أنهم يأتون للصلاة، ما يقول: "حيّ على الصلاة" تعالوا، وإنما يقول: "صلوا في رحالكم".
стр. 383
٣٧٥ - وَرَوَى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: " نَادَى مُنَادِي رَسُول الله ﷺ َ بذلك فِي الْمَدِينَة فِي اللَّيْلَة الْمَطِيرَة والغداة القرة ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بالمناداة بالمدينة وليس في السفر، لأن الحديث الذي مر يتعلق بالسفر، وهذا يتعلق بالمدينة، وهذا الحديث فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، ولا تعتبر روايته إلا إذا صرّح بالتحديث، وهو لم يصرح بالتحديث، فيكون هذا ضعيفًا.
стр. 384
٣٧٦ - وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَنه سُئِلَ عَن الثوم؟ فَقَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " من أكل من هَذِه الشَّجَرَة فَلَا يقربنا وَلَا يُصَلِّي مَعنا " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث المتعلق بالثوم، وهو أن الإنسان إذا أكل ثومًا فإنه لا يقرب المساجد، ولا يقرب مجامع الناس للعبادة كالعيدين، فلا يقرب المساجد ولا يقرب الأماكن الخاصة بالعبادة، الأماكن التي يصلى فيها العيدين ولو كانت أنها في عَرَاء، وكذلك لا يأتي إلى الناس في مجامعهم ويؤذيهم بالرائحة، وهذا يدلنا على أن دفع الأذى عن المسلمين وعن المصلين أن هذا من الأمور المطلوبة وأنه لا يأتي ورائحته كريهة، يؤذيهم برائحته، فهذا يدلنا على أن المساجد التي شأنها عظيم، والصلاة فيها تضاعف، أن من كان كذلك لا يأتي المساجد يؤذي، وإنما إذا أكل ثومًا أو بصلًا فإذا كان هناك شيء يزيل رائحته، يزيله ويأتي وقد سلم من الرائحة، أو أنه أكله في وقت مبكر بحيث أنه تذهب رائحته، أما كونه يأكله ثم يأتي ورائحته منتنة يؤذي الناس، وإذا كان هذا حصل في الثوم مع أنه من الطيبات ومن المأكولات الطيبة، ولكنه فيه أذى من ناحية الرائحة، إذا كان هذا حصل في الثوم، فكيف يكون بالدخان؟ الذي هو خبيث، والذي يكون فيه غرر على شاربه، وضرر على الناس الذين يختلط بهم ويجتمع بهم، وقد اجتمع فيه عدة محاذير: اجتمع فيه رائحته الكريهة التي يؤذي الناس فيها، واجتمع فيه إضاعة المال الذي كون الإنسان يضيع ماله فيما يعود عليه بالمضرة، فمن الأمور الواضحة الجلية أن الواجب على الإنسان أن يبتعد عن الدخان، سواء مطلقًا، سواء حضر عند الناس أو ما حضر عند الناس، لأن تركه والابتعاد عنه لا شك أن فيه السلامة، وهذه الأحاديث مرّ جملة منها تدل على وجوب الصلاة على الرجال، ومما جاء فيها عن ابن مسعود ﵁ قال: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به ويهادى بين الرجلين حتى يقام في
الصف"، لا يستطيع أن يمشي على رجليه من شدة المرض، ومع ذلك هو
معذور لو صلى في بيته وله أجره كاملًا، لأن الرسول ﷺ جاء عنه أن من كان تخلف لعذر فإنه يكون مأجورًا كما في الحديث: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا»، حديث صحيح رواه البخاري، إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل في حال صحته وهو مقيم، ما كان يعمله وهو صحيح مقيم، يعني صحيحًا غير مريض، ومقيمًا غير مسافر.
стр. 385
الدرس السابع والثلاثون
٣٧٧ - وَعَن يزِيد بن الْأسود " أَنه صَلَّى مَعَ رَسُول الله ﷺ َ صَلَاة الصُّبْح [بمنى] وَهُوَ غُلَام شَاب فَلَمَّا صَلَّى رَسُول الله ﷺ َ إِذا هُوَ برجلَيْن لم يصليا، فَدَعَا بهما، فجيء بهما تُرْعَد فرائصهما، فَقَالَ لَهما: مَا منعكما أَن تصليا مَعنا؟ قَالَا قد صلينَا فِي رحالنا. قَالَ: فَلَا تفعلا، إِذا صليتم فِي رحالكُمْ ثمَّ أدركتم الإِمَام لم يصل فَصَليَا مَعَه فَإِنَّهُ لكم نَافِلَة " رَوَاهُ أَحْمد وَهَذَا لَفظه، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ.
فهذه الأحاديث تتعلق بصلاة الجماعة، وقد مر جملة من الأحاديث في ذلك، وهذا الحديث من أحاديث صلاة الجماعة، وهو أن المفترض يصلي خلف المفترض، والمتنفل يصلي خلف المفترض، والمفترض يصلي خلف المتنفل، وهذا الحديث، حديث يزيد بن الأسود فيه الدليل على صلاة المتنفل خلف المفترض، لأن الرسول ﷺ صلى بالناس صلاة الصبح، جاء في بعض الروايات عند أحمد أنه في مسجد الخيف، وذلك في الحج، وجاء في بعض الروايات أنها في منى، فلما صلى وقضى صلاته وانصرف، وإذا رجلان جالسان لم يصليا معه، فدعا بهما، طلب أنهم يأتون إليه، فجاؤوا ترتعد فرائصهما من الخوف، خشية أن يكون حصل لهم شيء خطير، فترتعد فرائصهما، والفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة التي بين الكتف والجنب، وتتحرك عندما يصير هناك اضطراب وانزعاج أو تأثر، فقال: «ما لكما لم تصليا؟» قالا: "صلينا في رحالنا" يعني الفرض الذي علينا أديناه في رحالنا، يعني في الخيام في منى، فقال: «لا تفعلا» يعني في المستقبل، «لا تفعلا إذا أتيتما والإمام لم يصل فصليا معه، تكون لكما نافلة»، وهذا يدل على صحة صلاة المتنفل خلف المفترض، بل أيضًا حتى في الصلوات التي لا يتنفل بعدها، مثل صلاة الفجر، لأن صلاة الفجر ما في تنفل بعدها، ومع ذلك في إعادة الجماعة، وكونهم يصلونها جماعة نافلة بعد أن صلوا الفريضة في رحالهما، هذا يدل على جواز ذلك، وعلى أن ذلك سائغ، فالحديث واضح الدلالة على صحة صلاة المتنفل خلف المفترض.
стр. 386
٣٧٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " أَتَى النَّبِي ﷺ َ رجل أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُول الله [إِنَّه] لَيْسَ لي قَائِد يقودني إِلَى الْمَسْجِد؟ فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ َ أَن يرخص لَهُ فَيصَلي فِي بَيته فَرخص لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: هَل تسمع النداء بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فأجب " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه وجوب صلاة الجماعة، حتى الأعمى الذي لا يستطيع أن يأتي بمفرده، فرجل أعمى جاء إلى النبي ﷺ ، وجاء أنه عبد الله بن أم مكتوم ﵁، وسأله أن يرخص له لأنه لا يجد قائدًا يلائمه، يعني يأتي به إلى المسجد، فالرسول ﷺ أَذِنَ له يعني يصلي، ولكنه بعد ما ولّى طلب منه الرجوع، فقال أنه لا أجد لك رخصة، يعني صل مع الجماعة، وذلك لأنه لو ترك الجماعة وصلى في البيت، معناه أنه ما يأتي إلى المسجد، ولا يكون من عمّار المساجد، لأنه إذا كان سيصلي في بيته وأنه مرخص له، معناه أن الأعمى لا يأتي إلى المساجد، فالرسول ﷺ أراد أن يأتي إلى المساجد، وأراد أن أهل الأعذار يأتون إلى المساجد، لكن إذا حصل شيء مانع، يعني يمنع كالمرض أو غير ذلك فهذا معذور، وله الأجر في ذلك، كما جاء في الحديث «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم»، إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل في حال صحته وفي حال سفره، يكتب له ذلك، فعلى هذا، فإذا كانت الجماعة واجبة وأنها لازمة حتى لمن كان أعمى، لا يستطيع أن يأتي إلا معه قائد يلائمه، فيدل على أن الصحيح المعافى، الذي أنعم الله عليه بالصحة والعافية أنه يتعين عليه، وأنه إذا لم يرخص لأعمى، فكيف يسوغ وكيف يليق بإنسان أعطاه الله الصحة والعافية، ثم بعد ذلك يتخلف عن صلاة الجماعة فيكون شبيهًا بالمنافقين.
стр. 387
٣٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: " إِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ، فَإِذا كبّر فكبّروا وَلَا تكبّروا حَتَّى يكبّر، وَإِذا ركع فاركعوا وَلَا تركعوا حَتَّى يرْكَع، وَإِذا قَالَ: سمع الله لمن حَمده: فَقولُوا: اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد، وَإِذا سجد فاسجدوا، وَلَا تسجدوا حَتَّى يسْجد، وَإِذا صَلَّى قَائِما فصلوا قيَاما، وَإِذا صَلَّى قَاعِدا فصلوا قعُودا أَجْمَعُونَ " رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفظه.
ثم ذكر هذا الحديث عن رسول الله ﷺ الذي فيه أن الإمام جعل ليؤتم به، ومعنى ذلك أنه يتابع، فلا يسابق، ولا يوافق، ولا يتخلف عنه، وإنما يتابع، لأن أحوال المأموم وراء الإمام أربع حالات؛ فهو إما أن يسابقه، بأن يركع قبله، وهذا لا يجوز ولا يصح الصلاة معه، إذا سبقه ولم يرجع إلى الركن، فإنه صلاته غير صحيحة، وكذلك بعدها الموافقة، بأن يكون معه، لا يتقدم ولا يتأخر، وهذا أخف من الأول، وتصح الصلاة معه، وهو مكروه، إلا فيما يتعلق بتكبيرة الإحرام فإنه لا بد أن يكون بعده، لا يكون موافقًا له، ويلي ذلك المتابعة، وهي أنه إذا أتى بالركن الإمامُ، يأتي هذا بعده، دون مسابقة وموافقة ودون تخلف، وإنما بمتابعة، رَكَعَ، فإذا استقر راكعا يركع هذا معه، وإذا قام أو استقر قائمًا يقوم، وإذا سجد فإنه يسجد معه إذا استقر
في الأرض ساجدًا، فالإمام جعل ليؤتم به، وهذا الحديث سبق أن مر في صفة الصلاة برقم (٢٢١)، وهناك متفق عليه، ولكنه بهذا اللفظ الذي أورده هنا ليس في المتفق عليه، ولكنه صحيح، وهو بمعنى الأول، وأن فرض المأموم المتابعة، ولا يسابقه ولا يوافقه ولا يتخلف عنه.
стр. 388
٣٨٠ - وَعَن الْبَراء: " انهم كَانُوا يصلونَ مَعَ رَسُول الله ﷺ َ فَإِذا ركع ركعوا، وَإِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع فَقَالَ: سمع الله لمن حَمده، لم نزل قيَاما حَتَّى نرَاهُ قد وضع وَجهه بِالْأَرْضِ، ثمَّ نتبعه " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث وهو بمعنى الذي قبله، وهو أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يصلون معه، وأنه إذا انتقل من ركن إلى ركن لا ينتقلون حتى ينتهي من الركن، وذلك بأنه كان يكبر ويكبرون، وإذا ركع ركعوا، وإذا قام من الركوع قاموا معه، ثم إنهم يبقون قيامًا إلى أن يسجد ويصل إلى الأرض، ومعنى ذلك أنه انتقل إلى الركن، وبدأ بالركن الذي بعده، فلا يكونوا معه في الهُوِي لأن هذا موافقة، وإنما يكونون بعده، يكونون بعد ما ينتهي من الهُوِي، وأن يستقر وجهه على الأرض، فعند ذلك يتابعه المأمومون.
стр. 389
٣٨١ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: " أَن رَسُول الله ﷺ َ رَأَى فِي أَصْحَابه تأخرا فَقَالَ لَهُم: تقدمُوا فائتموا بِي، وليأتم بكم من بعدكم، وَلَا يزَال قوم يتأخرون حَتَّى يؤخرهم الله " رَوَاهُ مُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه الائتمام بالإمام، وأنهم يتابعونه، وكان يقول لأصحابه: «تقدموا فائتمّوا بي»، يقوله للذين قريبين منه، الذين هم قريبون منه يقول: «تقدموا فائتموا بي وليأتمّ بكم من بعدكم» يعني معناه أن الصفوف المتأخرة التي لا يرون الإمام يتبعون الصفوف التي أمامهم، ومعنى ذلك أنهم عندما يكبر إنسان يكبر الذين وراءه، وكل من يسمع فإنه يكبر، كل من يسمع فإنه يكبر، وكذلك في جميع أركان الصلاة يأتون بها بعد الإمام، قال: «تقدموا فأتمّوا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» وهذا الجزاء من جنس العمل، لأنهم تأخروا فحصل لهم التأخير من الله ، تأخروا عن الإمام ولم يتابعوه، فيحصل لهم التأخير، كما قال: "تقدموا فائتموا، وليأتم … ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله.
стр. 390
٣٨٢ - وَعَن زيد بن ثَابت قَالَ: " احتجر رَسُول الله ﷺ َ حجيرة بخصفة أَو حَصِير فَخرج رَسُول الله ﷺ َ يُصَلِّي فِيهَا، قَالَ: فتتبع إِلَيْهِ رجال وَجَاءُوا يصلونَ بِصَلَاتِهِ، قَالَ: ثمَّ جَاءُوا لَيْلَة فَحَضَرُوا، وَأَبْطَأ رَسُول الله ﷺ َ عَنْهُم، قَالَ: فَلم يخرج إِلَيْهِم، فَرفعُوا أَصْوَاتهم وحصبوا الْبَاب، فَخرج إِلَيْهِم رَسُول الله ﷺ َ مغضبا، فَقَالَ لَهُم: مَا زَالَ بكم صنيعكم حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيكتب عَلَيْكُم، فَعَلَيْكُم بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ فَإِن خير صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إِلَّا الْمَكْتُوبَة " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم.
ثم ذكر هذا الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ احتجر حُجَيْرَة من خَصَفَة أو حَصِيْر، يعني من خُوْص النخل، فجعله في قبلته من أجل أن يصلي أمامه، هذا في المسجد عند باب حجرته، فالناس لما شافوه يصلي جاؤوا صلوا معه، في الليلة الأولى قليلون، ثم زادوا ثم زادوا، حتى كثروا، وكان هذا في رمضان كما جاء في صحيح البخاري، والرسول ﷺ خشي أن يفرض عليهم قيام رمضان، ولهذا تركه، وكان يحب الشيء أن يفعله ولكنه يتركه خشية أن يفرض، فخشي أن يفرض عليهم قيام رمضان، وأن يوجب عليهم، فالرسول ﷺ من شفقته على أمته ﷺ وعلى سلامتها من أي شيء يكون فيه تقصير منها، تقصير منها بالفعل، ولما توفي رسول الله ﷺ ، واستقرت الشريعة، والوحي انقطع، عمر بن الخطاب ﵁ جمع الناس على إمام في صلاة التراويح، لأن الذي كان يخشاه الرسول قد زال بوفاته ﷺ لأن الوحي انقطع، فدل هذا على أن صلاة التراويح أنها سنة، وأنها مستحبة، وأن الرسول ﷺ تركها خشية أن تفرض، ولما مات ﷺ وزال ما كان يُخْشَى، عمر ﵁ جمع الناس على إمام يصلي بهم، وهذا قد جاء -كما قلتُ- في البخاري، وأن الصحابي قال: "وكان ذلك في رمضان".
следующие страницы →