← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 37530

نفحات من علوم القرآن

محمد معبد

Полный текст (140 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المؤلف للطبعة الثانية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل القرآن تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. والصلاة والسلام على خير الأنام. سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد- ﵊ وعلى آله وصحبه الكرام .... أما بعد: فإن القرآن العظيم هو الكنز الزاخر والبحر الوافر الذي لا تنقضي عجائبه، قد حوى لنا الكثير والكثير من العلوم والمعارف مما لا يمكن حصره مهما ظهر للبشر من علومه فإنه لا يزال به الكثير من المعارف والعلوم والحكم والتشريعات الإلهية، التي يستقيم بها أمر البشرية كلما غاصوا في بحوره واستخلصوا من معانيه. وقد جدّ كثير من أهل العلم في التحصيل من هذا البحر الزاخر قديما وحديثا، ومع هذا كله لم يزل بكرا. ومن الذين أدلوا بدلوهم في هذا الميدان من المتقدمين. الإمام السيوطي في تأليف كتابه «الإتقان في علوم القرآن»، والإمام الزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن»، والزرقاني في كتابه «مناهل العرفان» وغيرهم كثير من السابقين الذين ألّفوا في علوم القرآن. وفي هذا العصر كتب الكثيرون في علوم القرآن ومنهم: فضيلة الشيخ منّاع القطّان، والشيخ الصابوني، والدكتور الذهبي وآخرون. ولم تزل علوم القرآن في حاجة إلى الإيضاح والبيان من أهل العلم والعرفان. ومع علمي بأنني لست من فرسان هذا الميدان إلّا أنّ حبّي لكتاب الله تعالى وفهم معانيه والوقوف على بعض أسراره، مع رغبتي في تيسير فهم بعض أبواب علوم القرآن، فقد أدليت بدلوي في إيضاح بعض أبواب علوم القرآن بأسلوب سهل ميسور يدور فيه الحوار على شكل سؤال وجواب، حتّى يسهل على القارئ فهم ما بهذا المؤلّف من علوم القرآن العظيم. ولقد أسميت هذا المؤلّف (نفحات من علوم القرآن) وأوردت فيه بعد كل باب

стр. 2

من أبوابه أسئلة وتمرينات ليتمكن القارئ من فهمه بعد قراءته لاستخلاص الأحكام وتثبيت ما ورد من معان وأفهام. هذا ولقد بذلت فيه قصارى جهدي ولا أخلي نفسي من التقصير، فإن الإنسان مهما وصل من العلم فهناك من هو أعلم منه، وصدق الله تعالى حيث يقول في كتابه المكنون: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ. وإنّني أرجو من أخي القارئ الكريم إن وجد فيه شيئا من التقصير فلينبّهني إليه، وإن وجده تامّا نافعا فليدع لي بخير، وكما قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: وإن كان خرق فادّركه بفضلة ... من الحلم وليصلحه من جاد مقولا وجزى الله خيرا كل من نظر في هذا الكتيب بعين الرضا، ونأى بنفسه عن الهوى والغرض، وأرشدني إلى الأصلح. والله أسأل أن ينفع بهذا الكتاب كل قارئ. وأن يجعله خادما للقرآن الكريم مبينا لبعض علومه، كما أسأله ﵎ أن يتقبله مني وأن يجعله في ميزان حسناتي وأن يتجاوز بهذا العمل المتواضع عن زلّاتي، إنه جواد كريم. ولقد حاولت جاهدا أن يكون ما يحويه هذا المؤلّف متمشيا مع منهج الأزهر الشريف خدمة لطلابه الكرام. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد خير خلق الله على الإطلاق، وعلى آله وأصحابه وأحبابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التلاق. المؤلف خادم القرآن الكريم والعلم محمد أحمد معبد مدرس القرآن الكريم والتجويد بالمسجد النبوي الشريف

стр. 3

تقريظ لكتاب (نفحات من علوم القرآن) للدكتور محمد أحمد رضوان صالح الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد: فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم. وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف لا يعدله شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهيّ والهدى الربانيّ لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عند ما قال: (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) رواه البخاري. وصدق الله حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيّض له من أولي العلم والنّهى من بذلوا جهودا مشكورة، وصنّفوا المصنفات، وألّفوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكّل سياجا منيعا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت ب «علوم القرآن». وكان من توفيق الله للشيخ الفاضل الأستاذ محمد أحمد معبد أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار. وقد وهب الرجل حياته لخدمة كتاب الله تعالى حفظا وتلاوة وتعليما، وله في هذا المجال باع طويل، وقد تخرج على يديه جيل من الحفظة لكتاب الله وتلاميذ مجيدون لتلاوته من جنسيات مختلفة. وكانت هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالى- والتي أربت على الأربعين عاما- فى بلده وموطنه الأصلي كنانة الله في أرضه- مصر- ثم في قبة الإسلام وأرض الإيمان ودار الهجرة ومثوى الحلال والحرام طيبة الطيبة المدينة النبوية الزاهرة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليمات. أما هذا السّفر المبارك فقد بذل فيه المؤلف جهدا طيّبا لذا فهو مفيد في بابه نافع في

стр. 4

مجاله، وقد أجاد فيه المؤلف وأفاد حيث جاءت المعلومات فيه بأسلوب سهل ميسّر مع التنظيم والترتيب، واشتماله على قدر كبير من الموضوعات التي تفيد المسلم ثقافة ومعرفة بكتاب الله تعالى، وكان من توفيق الله للشيخ المؤلّف أن ساق المعلومات في هذا الكتاب (نفحات من علوم القرآن) على طريقة السؤال والجواب. وهذه الطريقة تفيد في تثبيت المعلومات، وتساعد طلاب العلم على الاستيعاب والتحصيل. وهذا الكتاب أيضا يعتبر حلقة في سلسلة متصلة من جهاد الرجل وجهوده في خدمة القرآن الكريم فله أيضا كتاب (الملخص المفيد في علم التجويد) أفاد فيه وأجاد أيضا. هذا عدا البرامج الإذاعية والتلفازية التي قدمها وسهر على رعايتها وإعدادها في هذا المجال الطيب الميمون. جزى الله الشيخ المؤلف خير الجزاء وأوفاه على هذا العمل العلمي النافع المفيد، وجعله خالصا لوجهه الكريم، ونفع به كل قارئ له ومطلع عليه. كما أسأله جل في علاه أن يزيدنا وإياه في كل يوم علما، وأن يعلّمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا. إنه سبحانه وليّ التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، دكتور محمد أحمد رضوان صالح المدرس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر والباحث بمركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 5

مقدمة عن علوم القرآن الكريم س: ما المقصود بعلوم القرآن؟ ج: المقصود بعلوم القرآن: الأبحاث التي تتعلق بهذا الكتاب العظيم الخالد؛ من حيث نزوله، وجمعه، وتدوينه، وترتيب آياته وسوره، ومعرفة المكي منه والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وتفسير آياته، ومعرفة أحكامه وغير ذلك من الأبحاث الكثيرة التي تتعلق بالقرآن العظيم أو لها صلة به .. س: ما هو الغرض من هذه الدراسة؟ ج: الغرض من هذه الدراسة: فهم كلام الله تعالى على ضوء ما جاء عن رسول الله ﷺ من توضيح وبيان، وما نقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. حول تفسيرهم لآيات القرآن، وأيضا معرفة طرق المفسرين، وأساليبهم في التفسير مع بيان مشاهيرهم، ومعرفة خصائص كلّ منهم، وشروط التفسير وغير ذلك من حقائق هذا العلم المفيد. ولقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه ما عرف العلماء وفوق ما عرف العلماء في كل عصر، ولكن معارفهم لم توضع في ذلك العهد كفنون مدونة ولم تجمع في كتب مؤلفة، لأنهم لم تكن لهم حاجة إلى التدوين والتأليف. - أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلأنه كان يتلقى الوحي عن الله وحده لا شريك له. والله تعالى كتب على نفسه الرحمة، ومن رحمته تعالى برسوله الكريم، جمعه القرآن له في صدره، وإطلاق لسانه بقراءته وترتيله، وكشف له عن أسراره ومعانيه. اقرأ قول الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١).

стр. 6

ولقد بلّغ الرسول ﷺ ما أنزل عليه لأصحابه، ثم شرح لهم القرآن بقوله وبعمله وبتقريره وبخلقه، أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله، مصداقا لقوله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١). - وأمّا الصحابة رضوان الله عليهم فكانوا وقتئذ عربا خلّصا متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة، من قوة في الحافظة، وذكاء في القريحة، وتذوق للبيان، وتقرير للأساليب، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير حتى أدركوا من علوم القرآن، ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم وكثرة الفنون. وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أمّيّين، وأدوات الكتابة لم تكن ميسرة لديهم. والرسول ﷺ قد نهاهم عن أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن. وقال لهم في أول العهد عند نزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لا تكتبوا عنّي ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». س: ما سبب نهي رسول الله ﷺ عن الكتابة لغير القرآن؟ ج: سبب نهي رسول الله ﷺ عن الكتابة لغير القرآن: مخافة أن يلتبس القرآن بغيره، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ما دام الوحي نازلا بالقرآن الكريم. فلتلك الأسباب المتضافرة لم تدون علوم القرآن كما لم يدون الحديث الشريف. ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين الكبيرين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه، والقرآن وعلومه، والسنة وتحريرها. تلقينا لا تدوينا، ومشافهة لا كتابة. ثم جاءت خلافة عثمان ﵁ وقد اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من هؤلاء العرب الخلّص من جراء هذا الفتح والاختلاط. بل خيف على القرآن نفسه أن

стр. 7

يختلف المسلمون فيه، فأمر عثمان ﵁ بجمع القرآن في مصحف إمام، وأن تنسخ منه مصاحف يبعث بها إلى أقطار الإسلام، وأن يحرق الناس كل ما عداها ولا يعتمدوا شيئا سواها، كما سيأتيك في باب جمع القرآن وتدوينه إن شاء الله تعالى. وبهذا العمل العظيم وضع عثمان- ﵁ الأساس لما نسميه علم (رسم القرآن أو علم الرّسم العثماني). ولكن هذه الهمّة في النشر يصح أن نعتبرها كتمهيد لتدوينها. وكان على رأس من ضرب بسهم وافر في هذه الرواية: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وكلهم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وكان على رأس التابعين في تلك الرواية: مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، ومالك بن أنس من تابعي التابعين ﵃ أجمعين. وهؤلاء جميعا يعتبرون أنهم هم واضعوا الأساس لما يسمى علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم غريب القرآن، ونحو ذلك. وستجد بسطا لهذا الإجمال في بابه إن شاء الله تعالى. ثم جاء عصر التدوين: فألّفت كتب في أنواع علوم القرآن. واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير باعتباره أصل العلوم القرآنية لما فيه من التعرض لها. ومن أوائل الذين كتبوا في التفسير: شعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة، وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، وهؤلاء من علماء القرن الثاني الهجري، ثم تلاهم ابن جرير الطبري المتوفى سنة (٣١٠ هـ) وكتابه من أجلّ التفاسير وأعظمها. أما علوم القرآن الأخرى ففي مقدمة المؤلفين فيها: علي بن المديني شيخ الإمام البخاري إذ أنه ألّف في أسباب النزول، وأبو عبيد القاسم بن سلام إذ كتب في الناسخ والمنسوخ، وكلاهما من علماء القرن الثالث الهجري. وفي مقدمة من ألف في غريب القرآن: أبو بكر السجستاني، وهو من علماء القرن الرابع الهجري. وفي طليعة من صنف في إعراب القرآن علي بن سعيد الحوفي،

стр. 8

وهو من علماء القرن الخامس الهجري. ومن أوائل من كتب في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن المعروف بالسبيلي وهو من علماء القرن السادس الهجري. وفي القراءات: علم الدين السخاوي، وهو من علماء القرن السابع الهجري. وهكذا قويت العزائم وتبارت الهمم، ونشأت علوم جديدة للقرآن وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، سواء كان ذلك في أقسام القرآن أو أمثال القرآن أو حجج القرآن أو بدائع القرآن أو رسم القرآن، وما أشبه ذلك. ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمو وتزدهر وتزيد. أليس هذا إعجازا آخر للقرآن الكريم؟ يريك إلى أي حدّ بلغ علماء الإسلام في خدمة التنزيل، ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه. ولن يستطيع أحد أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزله. ﷻ .. والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١: اذكر الحديث الشريف الذي نهى فيه رسول الله ﷺ عن كتابة شيء سوى القرآن في حياته. س ٢: من الذي وضع الأساس لما نسميه علم رسم القرآن أو علم الرسم العثماني؟ س ٣: اذكر أسماء أربعة من صحابة رسول الله ﷺ الذين مهدوا لتدوين علوم القرآن الكريم. س ٤: اذكر أسماء العلوم القرآنية التي ألف فيها هؤلاء العلماء الأفاضل: ١ - علي بن المديني شيخ الإمام البخاري. ٢ - أبو عبيد القاسم بن سلام. ٣ - علم الدين السخاوي. س ٥: من هو أول من كتب في علم التفسير؟

стр. 9

تعريف القرآن الكريم س: ما هو القرآن الكريم؟ ج: القرآن الكريم: هو كلام الله تعالى المعجز المنزّل على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ﷺ بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه. (فالكلام) جنس في التعريف يشمل كل كلام. وإضافته إلى الله تعالى تخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة. (والمنزّل) تخرج كلام الله تعالى الذي استأثر به ، كما قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١). وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ (٢). وبقولنا المنزل على محمد ﷺ يخرج ما أنزل على الأنبياء من قبله مثل التوراة والإنجيل وغيرهما. وجملة (المتعبد بتلاوته) تخرج قراءات الآحاد والأحاديث القدسية، إذا صح أنها منزلة من عند الله بألفاظها، لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بقراءته في الصلاة وغيرها، على وجه العبادة، وليست قراءة الآحاد والأحاديث القدسية كذلك (٣) .. والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١: اذكر تعريف القرآن الكريم. س ٢:ماذا يستفاد من كلمة (المنزّل)؟ س ٣:ماذا تخرج عبارة (المتعبد بتلاوته)؟

стр. 10

الفرق بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي س: سبق أن ذكرنا تعريف القرآن فما هو تعريف الحديث النبوي والحديث القدسي؟ ج: أولا: الحديث النبوي: الحديث في اللغة ضد القديم، ويطلق ويراد به كل كلام يتحدث به وينقل ويبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي، في يقظته أو في منامه. وبهذا المعنى سمّي القرآن حديثا. مصداق ذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (١). وأما الحديث في الاصطلاح: فهو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. س: ما هو مثال القول؟ ج: مثال القول: كقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢). رواه البخاري. س: ما هو مثال الفعل؟ ج: مثال الفعل: كالذي ثبت من تعليمه ﷺ لأصحابه كيفية الصلاة ثم قال ﷺ لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). وما ثبت أيضا من حجه ﷺ ، وقد قال حينئذ: «خذوا عني مناسككم» (٤). س: ما هو مثال الإقرار؟ ج: مثال التقرير أو الإقرار كأن يقرّ أمرا علمه عن أحد من الصحابة من قول أو فعل. سواء أكان ذلك في حضرته ﷺ أم في غيبته ثم بلغه ذلك. ومن أمثلة ذلك:

стр. 11

أولا:- أكل الضّبّ على مائدته صلوات الله وسلامه عليه (رغم أنه لم يأكل منه). فهذا يعتبر إقرارا منه ﷺ بإباحة أكله. كما في الصحيحين. ثانيا:- ما روي أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرّية. وكان هذا الرجل يقرأ في صلاته فيختم قراءته بقراءة سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال ﷺ : «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» فلما سألوه قال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﵊: «أخبروه أن الله يحبه» (١) هكذا في باب فضائل القرآن للبخاري. س: ما هو مثال الصفة؟ ج: مثال الصفة كما روي من أنه ﷺ كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب. بل كان صلوات الله وسلامه عليه كامل الصفات الحميدة كلها. ثانيا:- الحديث القدسي س: عرفنا فيما سبق تعريف القرآن وتعريف الحديث النبوي فما هو تعريف الحديث القدسي حتى نعرف الفرق بينهم؟ ج: عرفنا فيما سبق تعريف كلمة الحديث في اللغة. وأما كلمة القدسي، فنسبة إلى التقديس وهي نسبة تدل على التشريف والتعظيم لأن مادة هذه الكلمة تدل على التنزيه والتطهير في اللغة. فالتقديس هو تنزيه الله تعالى. والتقديس هو التطهير. وتقدس: أي تطهر، وقد قال الله تعالى حكاية عن ملائكته: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (٢) أي نعظمك ونكبرك. وأما تعريف الحديث القدسي في الاصطلاح: هو ما يضيفه النبي ﷺ من الكلام إلى الله تعالى. أي أن النبي ﷺ يرويه على أنه من كلام الله تعالى. فالرسول راو لكلام الله تعالى بلفظ من عنده ﷺ ، وإذا رواه أحد يكون قد رواه عن رسول الله ﷺ مسندا إلى الله ، فيقول مثلا:- قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه . أو يقول: قال

стр. 12

رسول الله ﷺ : قال الله تعالى. أو يقول الله تعالى. فمثال الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : «يد الله ملأى لا (١) يفيضها نفقة (٢) سحّاء الليل والنهار» (٣) ومعنى لا يفيضها: أي لا ينقصها- والسحّ: هو الصبّ الدائم، نفقه: أي ما أنفق. ومثال الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» (٤). فالرسول ﷺ إذا تحدث بالحديث النبوي لم ينسبه إلى ربه جل وعلا، وإذا تحدث بالحديث القدسي نسبه إلى الله . والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١: عرّف الحديث النبوي في الاصطلاح؟ س ٢: ما مثال القول؟ وما مثال الفعل؟ وما مثال الإقرار؟ س ٣: اذكر تعريف الحديث القدسي في الاصطلاح. س ٤: اذكر مثالا على إسناد الحديث القدسي إلى الله تعالى عن لسان رسول الله ﷺ . س ٥: ما معنى الحديث في اللغة؟

стр. 13

الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي س: ما الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي؟ ج: هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي نذكر أهمها فيما يلي: أولا: أن القرآن الكريم كلام الله تعالى أوحى الله به إلى رسوله محمد ﷺ بلفظه وتحدى به- أي بالقرآن- العرب جميعا فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة من مثله، ولا يزال التحدي به قائما إلى يوم القيامة، فهو معجزة خالدة إلى يوم الدين. وهذا بخلاف الحديث القدسي فلا يتحدى بتلاوته. ثانيا: القرآن الكريم لا ينسب إلّا إلى الله تعالى فيقال: قال الله تعالى. والحديث القدسي- كما سبق- قد يروى مضافا إلى الله تعالى وتكون النسبة إليه حينئذ نسبة إنشاء. فيقال: قال الله أو يقول الله تعالى. وقد يروى مضافا إلى رسول الله ﷺ وتكون النسبة حينئذ نسبة إخبار لأنه ﷺ هو المخبر به عن الله فيقال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه . ثالثا: القرآن الكريم كله منقول بطريق التواتر، فهو قطعي الثبوت. والأحاديث القدسية أكثرها أخبار آحاد، فهي ظنية الثبوت. وقد يكون الحديث القدسي صحيحا وقد يكون حسنا، وقد يكون ضعيفا. أما القرآن فلا تعتريه هذه الأحوال، لأنه كله صحيح من عند الله. رابعا: القرآن الكريم من عند الله تعالى لفظه ومعناه. فهو وحي باللفظ والمعنى. والحديث القدسي معناه من عند الله تعالى ولفظه من عند رسول الله ﷺ على القول الصحيح فهو وحي بالمعنى دون اللفظ ولذا تجوز روايته بالمعنى عند جمهور المحدثين (١). خامسا: القرآن الكريم متعبد بتلاوته فهو الذي تتعين القراءة به في الصلوات لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (٢). فقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة

стр. 14

عبادة يثيب الله تعالى عليها كما جاء في الحديث الشريف: «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف. ولام حرف. وميم حرف» (١). وبالمقابل لهذا فإن الحديث القدسي لا يجزئ في الصلاة ويثيب الله عليه ثوابا عاما. فلا يتحقق في قراءته الثواب الذي ورد ذكره في الحديث الشريف على قراءة القرآن الكريم بكل حرف عشر حسنات؛ وبهذا يكون قد اتضح الفرق بين القرآن الكريم والحديث القدسي .. والله أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١: هناك عدة فروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي، اذكر ثلاثة منها. س ٢: اذكر الحديث الذي ورد في فضل قراءة القرآن وأجر الثواب على قراءته.

стр. 15

الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي س: عرفنا فيما سبق الفرق بين القرآن والحديث القدسي، فما هو الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي؟ ج: الحديث النبوي قسمان: قسم توقيفي وقسم توفيقي. س: ما هو التوقيفي؟ ج: القسم التوقيفي: هو الذي تلقى الرسول صلوات الله وسلامه عليه مضمونه من الوحي فبيّنه للناس بكلامه ﷺ . وهذا القسم التوقيفي وإن كان مضمونه منسوبا إلى الله جل وعلا فإنه (من حيث هو كلام) حريّ بأن ينسب إلى الرسول ﷺ ، لأن الكلام إنما ينسب إلى قائله وإن كان ما فيه من المعنى قد تلقاه من غيره. س: ما هو القسم الثاني (التوفيقي)؟ ج: القسم الثاني التوفيقي: هو الذي استنبطه الرسول صلوات الله وسلامه عليه من فهمه للقرآن بتوفيق من الله تعالى، لأنه صلوات الله وسلامه عليه مبيّن للقرآن، أو استنبطه بالتأمل والاجتهاد، وهذا القسم الاستنباطي الاجتهادي من الرسول ﷺ يقره الوحي إذا كان صوابا، وإذا وقع فيه خطأ جزئي نزل الوحي بالصواب. ومثال ذلك ما وقع في أسرى بدر فإن الرسول ﷺ أخذ برأي أبي بكر وقبل من الأسرى الفداء، فنزل القرآن الكريم بالصواب للنبي ﷺ . بقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ (١). ويتبيّن من ذلك أن الأحاديث النبوية بقسميها التوقيفي والتوفيقي، يمكن أن يقال عنها أن مردها جميعا بجملتها إلى الوحي، وهذا معنى قوله تعالى في رسولنا الكريم ﷺ : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٢). ولكن الحديث القدسي معناه من عند الله يلقي المعنى إلى الرسول ﷺ

стр. 16

بأي كيفية من كيفيات الوحي. أما ألفاظه فمن عند رسول الله ﷺ على الراجح ونسبته إلى الله تعالى نسبة للمضمون وليست نسبة للألفاظ. ولو كان لفظ الحديث القدسي من عند الله لما كان هناك فرق بينه وبين القرآن ولوقع به التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته .. ويتضح من هذا أن الحديث النبوي من عند رسول الله ﷺ قولا ومعنى. ينسب إليه بلفظه ومعناه. ولم ينسبه إلى الله . وأما الحديث القدسي فهو ما يضيفه الرسول ﷺ من الكلام إلى الله تعالى. أي أن الرسول ﷺ يرويه عن ربه على أنه من كلام الله تعالى. والرسول ﷺ راو له فقط من عنده هو. وإذا ما رواه أحد من الصحابة يكون قد رواه عن الرسول ﷺ مسندا إلى الله تعالى. مثال ذلك هذا الحديث (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: يقول عن ربه. قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) الصحيحان، فالرسول إذا تحدث بالحديث النبوي لم ينسبه إلى ربه جل علاه. وإذا تحدث بالحديث القدسي نسبه إلى الله تعالى. هذا وبالله التوفيق. والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١ - للحديث النبوي قسمان فما هما مع التوضيح؟ س ٢ - مما درست تبيّن لك الفرق بين الحديث القدسي والحديث النبوي فما هو؟

стр. 17

نزول القرآن الكريم س: ما هي كيفية نزول القرآن الكريم؟ ج: القرآن الكريم: أنزله الله ﵎ على رسولنا محمد ﷺ لهداية البشر أجمعين فكان نزوله حدثا عظيما يشير إلى مكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض. وقد شرّف الله هذا القرآن بأن جعل له تنزلات ثلاث. س: ما هو التنزل الأول للقرآن الكريم؟ ج: التنزل الأول: إلى اللوح المحفوظ، ودليله قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (١) ولقد كان هذا التنزل إلى اللوح المحفوظ بطريقة وفي وقت لا يعلمهما إلا الله تعالى ومن أطلعه على غيبه من خلقه. وكان جملة لا مفرقا. وهذا هو الظاهر من اللفظ القرآني عند الإطلاق. ولأن أسرار تنجيم القرآن على النبي ﷺ لا يعقل تحققها في هذا التنزيل لأن الرسول لم يكن قد بعث بعد. س: ما هو التنزيل الثاني للقرآن المجيد؟ ج: التنزيل الثاني للقرآن الكريم كان إلى بيت العزة في السماء الدنيا. والدليل عليه قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (٢). وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (٣). وقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (٤). وقد دلت هذه الآيات الثلاث على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة أخذا من آية سورة الدخان، وتسمى ليلة القدر أخذا من سورة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية سورة البقرة. وهذا التنزل أيضا كان جملة لا منجما. وهذا التنزل الثاني يعتبره بعض العلماء التنزل الأول (٥).

стр. 18

س: ما هو التنزل الثالث للقرآن الكريم؟ ج: التنزل الثالث للقرآن الكريم كان بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ حيث نزل به منجما (أي مفرقا) على قلب المصطفى ﷺ ، على مدى ثلاث وعشرين سنة، وهذه هي فترة نزول الوحي من حين البعثة إلى وفاته ﷺ . ولقد كانت هذه المرحلة الأخيرة للتنزلات الثلاثة هي التي شع منها النور على العالم ووصلت بها هداية الله تعالى إلى الخلق. ودليل هذا التنزل الأخير قول الله تعالى مخاطبا للرسول ﵊: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١). ودليل نزول القرآن منجما قول الله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (٢). وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣). صدق الله العظيم .. والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١ - اذكر التنزل الثاني للقرآن مع ذكر الدليل. س ٢ - ما هو التنزل الثالث مع ذكر ما يدل عليه من القرآن الكريم؟ س ٣ - ما معنى: نزل منجما؟ س ٤ - في كم عام نزل القرآن على رسول الله ﷺ ؟

стр. 19

مراحل جمع القرآن وتدوينه س: ما هي مراحل جمع القرآن الكريم وتدوينه؟ ج: جمع القرآن الكريم (أي بمعنى كتب) على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى: جمعه في العهد النبوي الشريف. المرحلة الثانية: جمعه في عهد أبي بكر الصديق ﵁. المرحلة الثالثة: جمعه في عهد عثمان بن عفان ﵁. س: كيف كانت طريقة كتابته في عهد رسول الله ﷺ ؟ ج: كانت طريقة جمعه في العهد النبوي الشريف عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاص من سورها. فقد كانوا يكتبون القرآن على العسيب (١) واللخاف (٢) والرقاع (٣) وعظام الأكتاف وغيرها. وذلك لأن صنع الورق لم يكن مشتهرا عند العرب في ذلك الوقت. بل كان عند الفرس والروم. ويصعب الحصول عليه في ذلك الحين. س: ما هو المقصود من هذا الجمع؟ ج: المقصود من هذا الجمع (أي الذي بمعنى الكتابة): زيادة التحري في ضبط ألفاظ القرآن وحفظ كلماته زيادة على ما في ذلك من تقديس القرآن والتنبيه على رفعة شأنه كما كان الشأن في تقييد الأشياء النفيسة. هذا وإن كان المعمول به في ذلك الوقت هو مجرد الحفظ في الصدور. وكانت صدورهم منشرحة للقرآن تماما حفظا وكتابة وتطبيقا لأحكامه. س: هذا في عهد الرسول ﷺ فكيف جمع في عهد أبي بكر الصديق ﵁؟

стр. 20

ج: أما جمعه في عهد أبي بكر الصديق فكان عبارة عن نقل القرآن جميعه من العسيب واللخاف والرقاع والعظام وكتابته في مكان واحد، وهي الصحف مرتبة الآيات والسور مقتصرة فيه على ما ثبتت قرآنيته بالتواتر. س: ما هو الغرض من هذا الجمع في عهد أبي بكر الصديق؟ ولماذا؟ ج: كان الغرض من هذا الجمع الاحتياط والمبالغة في حفظ هذا الكتاب خوفا عليه أو على شيء منه من الضياع بسبب موت كثير من حملته وحفّاظه الكبار الذين قتل منهم عدد يزيد على (٧٠) سبعين في معركة اليمامة. وقد روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: أرسل إليّ أبو بكر ﵁ مقتل أهل اليمامة (أي عقب استشهاد كبار الحفاظ) فإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: (إن القتل قد استحرّ- أي كثر واشتد- يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل المواطن، فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت: وكيف أفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ، فقال عمر- ﵁: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى. قال زيد بن ثابت: فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك. وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن واجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ قال: (أي أبو بكر) هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسيب واللخاف وصدور الرجال. ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١) إلخ. أي حتى خاتمة سورة براءة. فكانت هذه هي الصحف الأولى للقرآن الكريم التي كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت

стр. 21

عمر ﵃ أجمعين. رواه البخاري، كتاب فضائل الأعمال (١). فهذه الرواية دلت على سبب وطريقة جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁. س: عرفنا مما سبق طريقة جمعه في العهد النبوي وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁، فكيف جمع القرآن في عهد عثمان ﵁؟ ولماذا؟ ج: الجمع في عهد عثمان ﵁ للقرآن كان عبارة عن نقل ما في الصحف السابقة في مصحف هو الإمام. ثم نسخت منه مصاحف أرسلت إلى الأقطار الإسلامية. وكان المقصود من جمع القرآن وكتابته في تلك المصاحف، الاقتصار على ما ورد من القراءات الثابتة المتواترة دون ما لم يكن كذلك من الأوجه التي نزلت أولا للتيسير. ثم نسخت بالعرضة الأخيرة من الرسول ﷺ على أمين الوحي جبريل ﵇. وفي سبب جمع عثمان للقرآن الكريم روى البخاري (٢) بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب (أي القرآن) اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في مصحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان. فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في مصحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى نسخوا الصحف في المصحف الإمام. ثم نسخوا منه نسخا. وردّ عثمان

стр. 22

الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في صحيفة أو مصحف أن يحرق (١). س: ما الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان للقرآن؟ ج: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان نستطيع أن نحدده فيما يأتي: أولا: الجمع في عهد أبي بكر كان عبارة عن نقل القرآن وكتابته في صحف مرتب الآيات. وكان من العسيب واللخاف والرقاع. وكان سبب الجمع هو (موت كثير من الحفّاظ) في معركة اليمامة. ثانيا: أما جمع عثمان فكان عبارة عن نسخ عدة نسخ من الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر إلى مصاحف لترسل إلى الآفاق الإسلامية. وكان سبب النسخ هو (اختلاف القراء) في قراءات القرآن (٢) .. والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١ - اذكر العهود التي جمع فيها القرآن الكريم. س ٢ - ما هو السبب في جمع القرآن في عهد كل من أبي بكر وعثمان؟ س ٣ - ما الفرق بين جمع أبي بكر وعثمان للقرآن؟

стр. 23

ترتيب آيات وسور القرآن وأسمائه وأجزائه وأقسامه س: هل ترتيب الآيات والسور وأسماء القرآن وأجزائه وأقسامه توقيفي أم غير توقيفي؟ ج: الترتيب منه ما هو توقيفي ومنه ما هو غير توقيفي. وإليك بيان ذلك مفصلا: أولا: ترتيب آيات القرآن: ترتيب الآيات من القرآن الكريم توقيفي عن رسول الله ﷺ . وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك: منهم الزركشي في (البرهان في علوم القرآن) وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته إذ يقول: (ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وبأمره من غير خلاف بين المسلمين فقد كان جبريل ﵇ يتنزل بالآيات على رسول الله ﷺ ويرشده إلى موضعها من السورة أو الآيات التي نزلت قبلها. فيأمر الرسول ﷺ كتّاب الوحي بكتابتها في موضعها ويقول لهم: (ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا). وعن عثمان بن أبي العاص قال: (كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع في هذه السورة) وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ... (١) إلى آخرها. من هنا يتضح لنا أن ترتيب الآيات توقيفي عن رسول الله ﷺ . ثانيا: ترتيب السور . ترتيب السور اختلف فيه العلماء. فقيل إنه توقيفي تولاه الرسول ﷺ كما أخبره جبريل عن أمر ربه، فكان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتب السور كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم. وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه. مما يدل على عدم المخالفة والإجماع عليه. ويؤيد هذا الرأي أن رسول الله ﷺ قرأ بعض السور مرتبة في صلاته.

стр. 24

روى ابن أبي شيبة أنه- ﵊ كان يجمع المفصل في ركعة. وقيل: إن ترتيب السور باجتهاد الصحابة بدليل اختلاف مصاحفهم في الترتيب. فمصحف (علي) كرم الله وجهه كان مرتبا على النزول أوله سورة (اقرأ، ثم المدثر، ثم ن والقلم، ثم المزمل) وهكذا إلى آخر المكي والمدني. وكان أول مصحف ابن مسعود سورة (البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران). وكان أول مصحف (أبيّ بن كعب) سورة (البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران). والصواب الأول: حيث أن الرأي القائل بترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يعتمد عليه (١). ثالثا: أسماء القرآن الكريم . أسماء القرآن كثيرة، وقد ذكر في كتاب البرهان في علوم القرآن أن الله تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسما. وحيث أن مبدأنا في هذه المذكرة الاختصار فإننا سنقتصر على ذكر بعض أسمائه المشهورة ومنها: ١ - قد سماه الله تعالى (القرآن) فقال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٢). ٢ - سماه الله تعالى (الكتاب) فقال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ (٣). ٣ - سماه الله تعالى (الفرقان) فقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (٤). ٤ - سماه الله تعالى (الذّكر) فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٥). ٥ - سماه الله تعالى (التنزيل) فقال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦).

стр. 25

إلى غير ذلك مما ورد في القرآن. وقد غلب من أسمائه اسمان (القرآن) و (الكتاب). رابعا: أقسامه وأجزاؤه . لقد كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل، كما كانت خالية من التجزئة أيضا. ثم قامت طائفة فقسمت القرآن ثلاثين قسما، وأطلقت على كل قسم منها (الجزء) وقسمت هذا الجزء إلى حزبين. وقسمت الحزب إلى أربعة أرباع. وأطلقت على كل جزء منها اسم الربع. وكل ذلك معروف لا يكاد يجهله أحد. ومن كتّاب الوحي في الصدر الأول من كان يضع ثلاث نقط عند آخر كل فاصلة من فواصل الآيات إعلاما بانقضاء الآية. ويكتب لفظ خمس عند انقضاء خمس آيات من السورة ولفظ عشر عند انقضاء عشر آيات منها كذلك. فإذا انقضت خمس آيات أخرى أعاد كتابة لفظ خمس. فإذا صارت عشرا أعاد كتابة عشر. ولا يزال هكذا إلى آخر السورة، ولذا قال قتادة: (بدءوا فنقّطوا ثم خمّسوا ثم عشّروا). ومنهم من كان يكتب اسم السورة وكونها مكية أو مدنية، ويكتب عدد آياتها في آخرها. وقد اختلف العلماء في ذلك كله. فأجازه قوم مع الكراهة. وآخرون بلا كراهة. وهذا هو الرأي الراجح لما في ذلك من تشويق القارئ وتنشيطه على القراءة. والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١ - اذكر القول الصحيح في ترتيب الآيات والسور القرآنية. س ٢ - للقرآن الكريم أسماء كثيرة. اذكر ثلاثة منها مع ذكر الدليل من القرآن. س ٣ - في تقسيم القرآن وتجزئته رأيان. اذكر الرأي الراجح منهما.

стр. 26

الوحي تعريفه- أنواعه- طرقه تعريف الوحي لغة واصطلاحا . س: ما هو الوحي لغة؟ ج: الوحي بمعناه اللغوي فإنه يقع فيما يأتي: ١ - الإلهام الفطري للإنسان: وذلك كالوحي لأم موسى ﵇. قال تعالى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ (١). ٢ - الإلهام الغريزي للحشرات: وذلك كالوحي إلى النحل. قال تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٢). ٣ - الإشارة السريعة على سبيل الإيحاء والرمز. وذلك كإيحاء زكريا ﵇ فيما حكاه القرآن عنه قال تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٣). ٤ - وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان. قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً (٤). وكما قال تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (٥). ٥ - ما يلقيه الله تعالى إلى ملائكته من أمر ليفعلوه، كما قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (٦). أما وحي الله لأنبيائه فقد عرّفوه شرعا هكذا: (هو كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه). وهذا تعريف له بمعنى اسم المفعول (الموحي). وقد عرّف الوحي الأستاذ الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد فقال: (هو عرفان يجده الشخص من

стр. 27

نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة) والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام (وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين يأتي). وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور (١). س: ما هو الوحي اصطلاحا؟ ج: الوحي اصطلاحا هو الإشارة السريعة: بأن يعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر. س: لقد عرفنا مما سبق تعريف الوحي. فما هي أنواعه وطرقه؟ ج: للوحي أنواع شتى وكذلك الطرق. فمنه ما يكون مكالمة بين العبد وربه كما كلم الله موسى تكليما. ومنه ما يكون إلهاما يقذفه الله في قلب مصطفاه من خلقه على وجه من العلم الضروري لا يستطيع له دفعا، ولا يجد فيه شكا، ومنه ما يكون مناما صادقا يجيء في تحققه ووقوعه كما يجيء فلق الصبح في تبلّجه وسطوعه. ومنه ما يكون بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇ وهو ملك كريم ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين. وذلك النوع من الوحي هو أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل. وهو المصطلح عليه (بالوحي الجلي) قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٢). س: ما هي الصورة التي كان يأتي بها ملك الوحي جبريل ﵇؟ ج: إن لملك الوحي جبريل ﵇ صورا شتى يظهر بها. فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية. وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه. وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى ولكن يظهر أثر هذا بالتغير على صاحب الرسالة، فيثقل ثقلا شديدا، وقد يتصبب منه الجبين عرقا في اليوم الشديد البرد. وقد

стр. 28

يكون وقع الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعيه، وذلك أشد أنواع الوحي. وربما يسمعه الحاضرون في مجلس الرسول ولكنهم لا يفقهون شيئا ... أما الرسول ﷺ فإنه يسمع ويعي ما يوحى إليه تماما. ويعلم علما يقينا أن هذا هو وحي الله تعالى دون لبس ولا خطأ. فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضرا في ذاكرته، وكأنه كتب في قلبه كتابة. وقد قال الله تعالى في القرآن مخاطبا نبيه ﷺ : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١). وقد قال الله تعالى في حق الرسول ﷺ : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٢). وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: (إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟) فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا). والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١ - عرّف الوحي واذكر بعض أنواعه. س ٢ - يظهر ملك الوحي للرسول على صور متعددة. اذكر بعضا منها. س ٣ - اكتب الحديث الشريف الذي يصور فيه الرسول ﷺ حاله عند نزول الوحي عليه. س ٤ - اذكر ما قاله اللغويون في أنواع الوحي وطرقه. س ٥ - لقد عرّف الأستاذ الشيخ محمد عبده الوحي في رسالة التوحيد. فما هو هذا التعريف؟

стр. 29

المكي والمدني من القرآن الكريم س: نريد أن نعرف المكي والمدني من سور القرآن الكريم. وما هي سمات كل منهما؟ ج: إن الذي يقرأ القرآن العظيم ويتمعن فيه يجد بفطرته لما نزل بمكة خصائص ليست متوفرة فيما نزل بالمدينة المنورة من سور وآيات، وإنه يحس ذلك من وقعها ومعانيها وأسبابها. مع أن الثاني وهو المدني مبني على الأول في الأحكام والتشريع والأوامر والنواهي. فأهل مكة كانوا يعبدون الأوثان، ويشركون بالله، وينكرون الوحي على رسول الله ﷺ كما كانوا يكذّبون بيوم الدين، ويقولون كما حكى القرآن عنهم: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١) وكانوا يقولون أيضا: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (٢). وكانوا ألدّاء في الخصومة. أهل مجادلة ولجاجة في القول مع فصاحة وبيان، ولذلك نزل الوحي قوارع زاجرة وشهبا منذرة وحججا قاطعة، يحطم وثنيتهم، ويدعوهم إلى توحيد الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الخالق الرازق المبدع لكل الأشياء. وقد جاء القرآن المعجز متحديا لهم على فصاحتهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بشيء من مثله فلم يقدروا مع فصاحتهم وبلاغتهم وسبقهم في هذا الميدان. وحين تكونت الجماعة المؤمنة بالله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشرّه، وامتحنت في عقيدتها بكل أنواع الأذى من المشركين والكافرين والجاحدين، فصبرت وصابرت وهاجرت بدينها مؤثرة ما عند الله تعالى على متاع الحياة الدنيا بأكمله .... حين تكونت هذه الجماعة نرى الآيات القرآنية التي نزلت في المدينة المنورة طويلة المقاطع تتناول أحكام الإسلام وحدوده وتدعو إلى الجهاد في سبيل الله، والاستشهاد والتضحية بكل غال وثمين في سبيل إعلاء كلمة الحق، ونشر دين الإسلام. كما أن هذه الآيات المدنية جاءت مفصلة لأصول الشريعة الإسلامية. واضعة قواعد المجتمع المسلم الصحيح. كما أنها أيضا كانت تفضح المنافقين وأسرارهم، وتجادل أهل الكتاب وتلجم أفواههم. وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني: أي الذي

стр. 30

نزل في المدينة المنورة. ولقد وقع الخلاف بين أهل العلم فيما نزل من القرآن الكريم في مكة وفيما نزل منه بالمدينة المنورة من سوره وآياته ... ونريد في هذا المختصر أن نبعد الخلاف المطول الذي لا يتسع المقام لحصره ونذكر فقط أقرب ما قيل من تعداد السور المكية والمدنية إلى الصحة والصواب. ونسأل الله تعالى العون والتوفيق لما فيه الخير والصواب. أولا: قيل إن المدني من القرآن الكريم أي الذي نزل بالمدينة المنورة عشرون سورة وهي: ١ - البقرة ٢ - آل عمران ٣ - النساء ٤ - المائدة ٥ - الأنفال ٦ - التوبة ٧ - النور ٨ - الأحزاب ٩ - سورة محمد ﷺ ١٠ - الفتح ١١ - الحجرات ١٢ - الحديد ١٣ - المجادلة ١٤ - الحشر ١٥ - الممتحنة ١٦ - الجمعة ١٧ - المنافقون ١٨ - الطلاق ١٩ - التحريم ٢٠ - النصر. س: هذا ما نزل من سور القرآن الكريم بالمدينة. فما الذي نزل بمكة المكرمة؟ وما هو المختلف فيه بينهما؟ ج: هنا نذكر أسماء السور المختلف فيها بعد ذكر أسماء السور المدنية وما يتبقى بعد ذلك يكون مكيا. فالمختلف فيه بين مكيته ومدنيته اثنتا عشرة سورة وهي: ١ - الفاتحة ٢ - الرعد ٣ - الرحمن ٤ - الصف ٥ - التغابن ٦ - المطففين ٧ - القدر ٨ - البينة ٩ - الزلزلة ١٠ - الإخلاص ١١ - الفلق ١٢ - الناس. وبهذا يكون المدني عشرون سورة. والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة. والباقي من سور القرآن وعدده اثنتان وثمانون سورة، فهو مكي أي: نزل بمكة. فيكون مجموع سور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة. هذا على أرجح الأقوال بالنسبة لسور القرآن. أما بالنسبة لآياته فهناك بعض الآيات المكية في سور مدنية. وبعض الآيات المدنية في سور مكية (١). وقد سبق أن قلنا أن للعلماء فيها آراء ومذاهب لا يتسع لذكرها وحصرها هذا

стр. 31

المختصر. ومن أراد التوسع في معرفتها فعليه بأمهات الكتب. س: ما هي فوائد العلم بمعرفة المكي والمدني من القرآن الكريم؟ ج: للعلم بالمكي والمدني فوائد عدة نذكر أهمها: أولا: الاستعانة بمعرفة المكي والمدني في تفسير القرآن فإن معرفة مواقع النزول تساعد الباحث على فهم الآية وتفسيرها تفسيرا صحيحا. وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثانيا: تذوق أساليب القرآن الكريم والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله تعالى فإن لكل مقام مقالا. ثالثا: الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية. فإن تتابع الوحي على رسول الله ﷺ ساير تاريخ الدعوة بأحداثها كلها في العهد المكي والعهد المدني منذ بدأ الوحي حتى آخر آية نزلت من القرآن الكريم. س: ما هو الفرق بين المكي والمدني من القرآن الكريم؟ ج: للعلماء في الفرق بين المكي والمدني من القرآن الكريم ثلاثة آراء اصطلاحية: الرأي الأول: اعتبار زمن النزول. فالمكي ما نزل قبل الهجرة وإن كان بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان بغير المدينة. الرأي الثاني: اعتبار مكان النزول: فالمكي ما نزل بمكة وما جاورها كمنى وعرفات والحديبية، والمدني ما نزل بالمدينة وما جاورها كأحد وقباء وسلع (١). الرأي الثالث: اعتبار المخاطب. فالمكي: ما كان خطابا لأهل مكة. والمدني ما كان خطابا لأهل المدينة. وينبني على هذا الرأي عند أصحابه: أن ما في القرآن من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ مكي. وما فيه من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فمدني. س: هل هناك ضوابط ومميزات أخرى للمكي والمدني.

стр. 32

ج: نعم، لقد وضع بعض العلماء ضوابط ومميزات للمكي والمدني نوردها فيما يلي: أولا: ضوابط المكي ومميزاته الموضوعية: ١ - كل سورة فيها سجدة فهي مكية. ٢ - كل سورة فيها لفظ (كلا) فهي مكية. ولم ترد إلا في النصف الأخير من القرآن الكريم. ٣ - كل سورة فيها: يا أَيُّهَا النَّاسُ وليس فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهي مكية إلا أواخر سورة الحج يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا .... الآية. ٤ - كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية سوى سورة البقرة. ٥ - كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى سورة البقرة. ٦ - كل سورة تفتتح بحروف الهجاء مثل الم والر وحم ونحوها فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران واختلفوا في سورة الرعد. هذا من ناحية الضوابط. أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب المكي فيمكن إجمالها فيما يلي: ١ - الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء. وذكر القيامة وهولها. والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية. ٢ - وضع الأسس العامة للتشريع والفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع. وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلما، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات. ٣ - ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا لهم حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم وتسلية لرسول الله ﷺ حتى يصبر على أذاهم ويطمئن إلى نصر الله تعالى له عليهم. ٤ - قصر الفواصل مع قلة الألفاظ وإيجاز العبارة بما يقرع المسامع ويصعق القلوب

стр. 33

ويؤكد المعنى بكثرة القسم. هذه هي ضوابط ومميزات وخصائص المكي بإيجاز. ثانيا: ضوابط المدني ومميزاته الموضوعية: ١ - كل سورة فيها فريضة أو حدّ من حدود الله تعالى فهي مدنية. ٢ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية. سوى سورة العنكبوت فإنها مكية. ٣ - كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنية: هذا من ناحية الضوابط. أما من ناحية المميزات الموضوعية وخصائص الأسلوب فيمكن إجمالها فيما يلي: ١ - بيان العبادات، والمعاملات، والحدود، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع. ٢ - مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الإسلام وبيان تحريفهم لكتب الله تعالى وتجنيهم على الحق. واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم. ٣ - الكشف عن سلوك المنافقين وتحليل نفسيتهم وإزاحة الستار عن جناياتهم وبيان خطرهم على الدين. ٤ - طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها ومراميها ... والله تعالى أعلم. أسئلة وتطبيقات س ١ - اذكر أسماء عشر سور من السور المدنية. س ٢ - كم عدد السور المختلف فيها؟ وما هي؟ س ٣ - للعلم بالمكي والمدني فوائد. اذكر اثنتين منها. س ٤ - للعلماء ثلاثة اعتبارات في الفرق بين المكي والمدني فما هي؟ س ٥ - هناك ضوابط ومميزات للمكي والمدني. اذكر ثلاثة ضوابط لكل منها.

стр. 34

معرفة أول ما نزل من القرآن الكريم س: ما هو أول ما نزل من القرآن العظيم؟ ج: اختلف في أول ما نزل من القرآن المجيد على أقوال كثيرة. أحدها وأصحها جميعا قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) وقد روى الشيخان وغيرهما عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء- أي الجلوس وحده بعيدا عن الناس- فكان يأتي غار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ﵂ فتزوده لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره) الحديث. والأدلة على هذا كثيرة. هذا هو القول الأول. أما القول الثاني في أول ما نزل من كتاب الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ روى الشيخان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت جابر بن عبد الله (أيّ القرآن أنزل قبل؟ قال: يا أيها المدثر، قلت: أو اقرأ باسم ربك، قال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : (إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وشمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو: (يعني جبريل) فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فأمرتهم فدثرونى، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ). والقول الثالث في أول ما نزل من كتاب الله تعالى: سورة الفاتحة: جاء في الكشاف: ذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن أول سورة نزلت اقرأ، وأكثر المفسرين

стр. 35

على أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب. القول الرابع في أول ما نزل: بسم الله الرحمن الرحيم: حكاه ابن النقيب في مقدمته وأخرج الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن بسم الله الرحمن الرحيم، وأول سورة اقرأ باسم ربك. وعن ابن عباس ﵁ قال: أول ما نزل جبريل على النبي ﷺ قال: يا محمد استعذ ثم قل: بسم الله الرحمن الرحيم. أخرجه ابن جرير وغيره من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵁. وفي أوائل ما نزل جاء عن الواحدي من طريق الحسين بن واقد قال: سمعت عليّ ابن الحسين يقول: أول سورة نزلت بمكة اقرأ باسم ربك: وآخر سورة نزلت بها المؤمنون. ويقال سورة العنكبوت. وأول سورة نزلت بالمدينة ويل للمطففين، وآخر سورة نزلت بها براءة. والخلاصة من كل هذا الاختلاف، أن أول ما نزل من القرآن الكريم: اقرأ. أول سورة العلق. ولا مانع من أن تكون البسملة افتتاحا لها كما هي افتتاح لسور القرآن الكريم عدا سورة براءة. أما سورة المدثر أو سورة القلم فتكون قد نزلت بعد فترة الوحي عن المصطفى ﷺ . والله تعالى أعلم (١). تمارين س ١ - ما هو أول ما نزل من القرآن على الصحيح وما دليله؟ س ٢ - اذكر القول الثالث فيما نزل من كتاب الله تعالى؟ س ٣ - ما هي أول سورة نزلت بمكة وآخر سورة نزلت بها؟ س ٤ - بين أول ما نزل بالمدينة المنورة من سور القرآن وآخر ما نزل بها منه؟

стр. 36

معرفة آخر ما نزل من القرآن الكريم س: ما هو آخر ما نزل من القرآن العظيم؟ ج: لقد وقع اختلاف كثير في آخر ما نزل من كتاب الله تعالى: فنورد لك أخي القارئ الكريم خلاصة القول في هذا. فنقول وبالله التوفيق. روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ آخر آية من سورة النساء. وآخر سورة نزلت: براءة. وروى البخاري عن ابن عباس قال: (آخر آية نزلت آية الرّبا) كما جاء هذا أيضا عن البيهقي عن عمر. وعند أحمد وابن ماجة عن عمر كذلك. وعند ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا عمر: فقال إن من آخر القرآن نزولا آية الرّبا. والمراد بها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) وأخرج النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية (٢) وهذا القول أخرجه أيضا ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير. كما أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك والعوفي عن ابن عباس ﵃ أجمعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ الآية: وعاش رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وجاء في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى آخر سورة التوبة. وأخرج بن مردويه عن أبيّ بن كعب أيضا قال: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وأخرجه ابن الأنباري بلفظ: أقرب القرآن بالسماء عهدا. وأخرج مسلم عن ابن عباس قال آخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

стр. 37

وهناك أقوال أخرى متعددة في آخر ما نزل من القرآن الكريم سواء في الآيات أو في السور. وقال البيهقي: يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده. وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكلّ قال ما عنده بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن. ويحتمل أن كل واحد منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ﷺ في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل. وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، والواضح من هذا كله أن آية وَاتَّقُوا يَوْماً بعد آية الربا أقرب. والله تعالى أعلم. ومن المحتمل أن تنزل هذه الآية أو تلك وكانت هي بمثابة آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها. فيؤمر برسم ما نزل بعد رسم تلك الآية فيظن أنها آخر ما نزل في الترتيب (١). والله أعلم. تمرينات س ١ - وقع خلاف في آخر ما نزل من القرآن الكريم. بين ذلك مستدلا على ما تقول من القرآن. س ٢ - ما هي آخر آية نزلت من القرآن الكريم؟ س ٣ - وما هي آخر سورة نزلت من الكتاب العزيز؟

стр. 38

ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة رضوان الله عليهم س: هل نزل شيء من القرآن الكريم على لسان بعض الصحابة؟ ج: نعم؛ القرآن الكريم نزل كله من عند الله تعالى سواء بسبب أو بدون سبب، ولكن هناك جمل جاءت على لسان بعض أصحاب رسول الله ﷺ أو ما في معناها. فجاء بها القرآن بعد ذلك موافقا لها بنصها أو بما يتضمن معناها. ومن ذلك ما جاء موافقا لقول عمر بن الخطاب ﵁. ومنه ما أخرجه البخاري وغيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: ١ - قلت يا رسول الله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى. فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (١). ٢ - وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن. فنزلت آية الحجاب. ٣ - واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن. عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ (٢) فنزلت كذلك. وقد أخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول ﷺ قال: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه). وليس هذا لعمر فحسب: بل وقع لبعض أصحاب رسول الله ﷺ أيضا. ومن ذلك ما أخرجه سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لمّا سمع ما قيل في أمر عائشة ﵂ قال: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (٣) فنزلت كذلك. ومما وقع من القرآن على لسان بعض أصحابه ما أورده ابن سعد في الطبقات: قال: أخبرنا الواقدي. حدثني إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ

стр. 39

عَلى أَعْقابِكُمْ (١) ثم قطعت يده اليسرى فانحنى على اللواء وضمّه بعضديه إلى صدره وهو يقول وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية. ثم قتل فسقط اللواء. قال محمد ابن شرحبيل. وما نزلت هذه الآية. يومئذ حتى نزلت بعد ذلك. وأمثلة هذا كثير لا يتسع هذا المختصر لذكره والله أعلم. تدريبات س ١ - اذكر كم مرة نزل القرآن موافقا لما رآه عمر ﵁. س ٢ - بيّن ما نزل موافقا لقول عمر عند ما اجتمع نساء رسول الله عليه. س ٣ - ماذا نزل من القرآن الكريم عند ما أشار عمر باتخاذ مصلى عند مقام إبراهيم ﵇؟ س ٤ - ماذا نزل من القرآن موافقا ما قاله بعض الصحابة عند ما قيل قول في شأن عائشة ﵂. ومن الذي قال؟ وما هو النص الذي نزل في هذا الشأن؟

стр. 40

ما تكرر نزوله من القرآن الكريم س ١ - : هل هناك شيء من القرآن الكريم تكرر نزوله؟ وكيف؟ ج: ذكر أن ما تكرر نزوله من القرآن الكريم أكثر من موضع. وقد يتكرر نزول الآية تذكيرا وموعظة للناس من عند الله تعالى. وبيانا لأهمية ما جاء في بعض هذه الآيات أو السور. فمنها على سبيل المثال. أن سورة الفاتحة تكرر نزولها. حيث أنها نزلت مرة في مكة المكرمة وأخرى في المدينة المنورة، لما لها من مكانة عظيمة، وذكر قوم أن ما تكرر نزوله أيضا قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١). وقال الزركشي في البرهان: قد ينزّل الله الشيء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه وعملا على عدم نسيانه. ثم ذكر منه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ الآية وفي جمال القراء للسخاوي بعد أن حكى القول بنزول سورة الفاتحة مرتين قال: فإن قيل: ما هي الفائدة من نزولها مرتين؟ قلت: يجوز أن تكون نزلت أول مرة على حرف واحد. ونزلت الثانية ببقية وجوهها نحو: قراءة (ملك، ومالك) و (السّراط والصّراط) ونحو ذلك. وقد أنكر بعضهم كون شيء من القرآن الكريم تكرر نزوله. هكذا ورد في كتاب الكفيل بمعاني التنزيل، وعلله بأن تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه. وهذا القول مردود بما تقدم ذكره من فوائد التكرار. وبأنه يلزم منه أن يكون كل ما نزل بمكة تكرر نزوله بالمدينة المنورة مرة أخرى، فإن جبريل كان يعارض الرسول ﷺ القرآن كل سنة في شهر رمضان. وفي آخر رمضان من حياته ﷺ عرضه مرتين. وبها تم نزول كل القرآن ونسخ ما نسخ منه وبقى ما بقى بعد ذلك. والله تعالى أعلم. تمارين س ١:-لماذا تكرر نزول بعض آيات أو سور القرآن؟ س ٢:-ماذا قال الزركشي في البرهان؟ س ٣:- ما هي السورة التي ورد أنها نزلت في مكة ونزلت مرة أخرى في المدينة؟
следующие страницы →