العام والخاص
أولا: (العام)
س: ما هو العام وما صيغه التي تدل عليه؟
ج: العام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له من غير حصر. وله صيغ تدل عليه نذكر منها ما يلي:
أولا: لفظ (كل) نحو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (١) ومثلها أيضا كلمة (جميع).
ثانيا: المعرّف بأل التي ليست للعهد مثل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) فإنها تدل هنا على كل إنسان وليس إنسانا معينا.
ثالثا: النكرة: في سياق النفي أو النهي. فالنفي كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (٣) والنهي نحو قول الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما (٤).
رابعا: الشرط نحو قوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ (٥) وقوله الله تعالى: وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٦) لعموم المكان.
خامسا: الموصولات نحو قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما (٧) والموصولات مثل (التي) و (الذي) وفروعهما مثل (اللذان) ووَ اللَّائِي يَئِسْنَ ومثلها أيضا أسماء الشرط مثل (من) من قوله تعالى: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما (٨) ومثلها: (أيّا) من قوله تعالى: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٩).
стр. 72
سادسا: اسم الجنس المضاف إلى المعرفة مثل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (١) وكقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (٢) أي عن كل أمره. والله تعالى أعلم.
أقسام العام
س: هل للعام أقسام؟ وما هي؟
ج: نعم للعام أقسام ثلاثة وهي:
١ - العام الباقي على عمومه نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) وقوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤) وقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٥) ... إلخ.
فلا تخصيص في هذا وأمثاله.
٢ - العام المراد به الخصوص، نحو قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (٦) اللفظ هنا عام بكلمة الملائكة ولكن المراد به هو جبريل ﵇ ومثله كذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ (٧) والمراد بالناس هنا إبراهيم ﵇ أو سائر العرب من غير قريش.
٣ - العام المخصوص: وله أمثلة كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: قوله تعالى:
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٨). فهذا عام في قوله تعالى:
عَلَى النَّاسِ ثم خصص بقوله تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ (٩) .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف العام.
س ٢: للعام صيغ تدل عليه. اذكر ثلاثة منها.
س ٣: ما هي أقسام العام الثلاثة؟
стр. 73
ثانيا: (الخاص)
س: ما هو الخاص؟
ج: الخاص: هو المقابل للعام، وهو الذي لا يستغرق الصالح له من غير حصر.
أما التخصيص فهو: إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، والمخصص: إما متصل أو منفصل، فالمخصص المتصل: هو الذي لم يفصل فيه بين العام والمخصص له بفاصل، والمنفصل هو بخلاف المتصل تماما.
فالمخصص المتصل له خمسة أنواع وهي: ١ - الاستثناء، ٢ - الغاية، ٣ - الصفة، ٤ - بدل البعض من الكل، ٥ - الشرط. وإليك الأمثلة لكل نوع منها:
١ - مثال الاستثناء: قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (١) فقد استثنى هنا الذين تابوا طواعية.
٢ - مثال الغاية: كقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (٢).
٣ - مثال الصفة: كقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (٣) الآية ... فقوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ صفة لنسائكم، والمعنى أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل محللة له إذا لم يدخل بأمها.
٤ - مثال بدل البعض من الكل: كقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٤) فقوله تعالى: مَنِ اسْتَطاعَ بدل من الناس فيكون وجوب الحج خاصا بالمستطيع.
٥ - مثال الشرط: نحو قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
стр. 74
فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (١) أي إن علمتم فيهم القدرة على الأداء، أو الأمانة والكسب.
وأما المخصص المنفصل: فهو ما كان في موضع آخر من آية أو حديث أو إجماع أو قياس، وإليك الأمثلة لكل منها:
١ - ما خصص بالقرآن: كقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (٢) عام. خص بقوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٣) وبقوله تعالى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها (٤).
٢ - ما خصص بالحديث: فكقوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا خص منه البيوع الفاسدة وهي كثيرة؛ كما روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن عسب (٥) الفحل) فجملة أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ عامة وقد خصصت البيوع الفاسدة بالمنع بالسنة في أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لذكرها، وجملة وَحَرَّمَ الرِّبا عامة خصص منها العرايا الثابتة بالسنة فإنها مباحة؛ فعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ رخص في بيع (٦) العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) (٧). الوسق: ستون صاعا، والصاع قدح وثلث.
٣ - ما خص بالإجماع: آية المواريث في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
стр. 75
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (١) الآية .. فهذه عامة. خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع.
٤ - ما خص بالقياس: آية الزنا في قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢) الآية، فهذه عامة خص منها:
العبد بالقياس على الأمة المنصوص عليها في قوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ (٣) .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف الخاص.
س ٢: للخاص المتصل خمسة أنواع. فما هي؟ مع الدليل على كل منها؟
س ٣: المخصص المنفصل ما كان بآية أو حديث أو إجماع أو قياس. اذكر مثالا لكل نوع.
стр. 76
الناسخ والمنسوخ
س: ما هو النسخ؟
ج: النسخ في اللغة بمعنى الإزالة، ومنه يقال: نسخت الشمس الظل: أي أزالته، وقد يراد بالنسخ نقل الشيء من موضع إلى موضع آخر، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه،
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١). والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف، والنسخ في الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي، أما كلمة (الناسخ) فتطلق على الله تعالى كقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ (٢) وتطلق أيضا على الآية فيقال: هذه الآية ناسخة لآية كذا، وتطلق على الحكم فيقال: حكم كذا ناسخ لحكم كذا، وأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع، فآية المواريث مثلا وما فيها من حكم ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
س: هل للنسخ شروط؟
ج: نعم؛ للنسخ شروط ثلاثة وهي:-
١ - أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا.
٢ - أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطابا شرعيا متراخيا (٣) عن الخطاب المنسوخ حكمه.
٣ - ألّا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيد بوقت معين، وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعد هذا نسخا، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى في سورة البقرة فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (٤) قالوا إنه حكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل لأجل لا نسخ فيه (٥).
ومما هو معروف عند أهل العلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي، سواء
стр. 77
كانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي على أن يكون ذلك غير متعلق بالعقائد التي ترجع إلى ذات الله ﵎ وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر أو الآداب الخلقية أو أصول العبادات والمعاملات؛ لأن الشرائع كلها لا تخلوا من هذه الأصول؛ وهي متفقة فيها. قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (١).
س: هل لمعرفة النسخ أهمية؟
ج: نعم؛ لمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام، ولهذا وردت أحاديث كثيرة في الحث على معرفة الناسخ والمنسوخ، فقد روي أن عليا كرم الله وجهه ورضي عنه وأرضاه مرّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، فقال: (هلكت وأهلكت) (٢)، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله الله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (٣) قال: ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحرامه وحلاله (٤).
س: ما الطرق التي يعرف بها الناسخ والمنسوخ؟
ج: لمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق نذكرها لك فيما يأتي:-
أولا: النقل الصريح عن رسول الله ﷺ أو عن صحابي كحديث:
«كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (٥).
ثانيا: إجماع الأمة الإسلامية على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ.
ثالثا: معرفة المتقدم من المتأخر في النزول، ولا يعتمد في معرفة النسخ على الاجتهاد أو قول المفسرين أو التعارض بين الأدلة ظاهرا أو تأخر إسلام أحد الراويين .. والله أعلم.
стр. 78
أقسام النسخ
س: هل للنسخ أقسام؟
ج: نعم؛ للنسخ أربعة أقسام وهي:-
القسم الأول: نسخ القرآن بالقرآن، وهذا القسم متفق على جوازه، فآية الاعتداد بالحول وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ (١) نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشرا.
وهي قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (٢).
القسم الثاني: نسخ القرآن بالسنة، ولهذا القسم نوعان:-
أ- نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جواز هذا النوع لأن القرآن متواتر يفيد اليقين وحديث الآحاد مظنون، ولا يصح رفع المعلوم التواتر بالمظنون من الآحاد.
ب- نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وهذا النوع جائز عند الأئمة: مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه حيث قالوا: (إن الكل وحي) استنادا إلى قوله تعالى:
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٣) وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٤) والنسخ نوع من البيان، ولقد منعه الإمام الشافعي وأهل الظاهر وأحمد في روايته الأخرى لقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها (٥) والسنة ليست خيرا من القرآن، ولا مثله.
القسم الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ويجيزه الجمهور، فإن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة وليس في القرآن ما يدل عليه، وقد نسخ بالقرآن الكريم بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٦)
стр. 79
ولهذا القسم أمثلة كثيرة لا يتسع هذا المختصر لذكرها.
القسم الرابع: نسخ السنة بالسنة: وتحت هذا القسم أربعة أنواع:-
١ - نسخ سنة متواترة بسنة متواترة.
٢ - نسخ آحاد بآحاد.
٣ - نسخ آحاد بمتواتر.
٤ - نسخ متواتر بآحاد.
فالثلاثة الأولى جائزة، أما النوع الرابع ففيه الخلاف الوارد في نسخ القرآن بالسنة الآحادية، والجمهور على عدم جوازه (١). والله تعالى أعلم.
стр. 80
أنواع النسخ في القرآن الكريم
س: ما هي أنواع النسخ في القرآن الكريم؟
ج: أنواع النسخ في القرآن الكريم ثلاثة وهي:-
النوع الأول منها: نسخ التلاوة والحكم معا، ومثاله ما روى مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت: (كان فيما أنزل عشر رضعات مشبعات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن) وقولها:
(وهن مما يقرأ من القرآن) ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك لأنه غير موجود في المصحف العثماني وأجيب بأن المراد قارب الوفاة.
النوع الثاني: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، ومثال ذلك نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوتها، وهذا النوع هو الذي ألّفت فيه الكتب وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة، والتحقيق أنها قليلة كما بيّن ذلك القاضي أبو بكر العربي (١).
النوع الثالث: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم، وقد ذكروا له أمثلة كثيرة منها مثلا آية الرجم (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع بإنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد (٢).
حكمة النسخ
س: ما هي حكمة النسخ؟
ج: حكمة النسخ تتلخص فيما يأتي:
١ - مراعاة مصالح العباد.
٢ - تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور أحوال الناس.
٣ - ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
стр. 81
٤ - إرادة الخير للأمة المحمدية والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى ما هو أشق، ففيه زيادة الثواب، وإن كان إلى ما هو أخف ففيه سهولة وتيسير.
وقد ذكر السيوطي في الإتقان في علوم القرآن أن النسخ وقع في إحدى وعشرين آية على خلاف في بعضها (١)، ونذكر للقارئ الكريم هنا بعضا من هذه الآيات على سبيل المثال:
١ - قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (٢) منسوخة بقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (٣) الآية، وقد قيل إن الأولى منسوخة لأنها في صلاة التطوع في السفر على الراحلة وكذا في حال الخوف والاضطراب وحكمها باق في الصحيحين، والثانية في الصلوات الخمس، والصحيح أنها ناسخة لما ثبت في السنة من استقبال بيت المقدس.
٢ - وفي قول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ (٤) قيل: إنها منسوخة بآية المواريث، وقيل بحديث:
«إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
٣ - في قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (٥) نسخت بقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦).
وقوله تعالى في سورة التوبة: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا (٧) نسخت بقوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (٨) وبقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (٩) الآية.
стр. 82
هذه بعض الأمثلة للنسخ، وإن شئت التوسع في معرفة الباقي منها فارجع إلى كتاب الإتقان للسيوطي ج ٢ ص ٢٣. والله الموفق.
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف النسخ في اللغة والاصطلاح.
س ٢: للنسخ شروط ثلاثة، اذكرها.
س ٣: اذكر طرق معرفة الناسخ والمنسوخ.
س ٤: للنسخ أربعة أقسام، فما هي؟
س ٥: ما هي الحكمة من النسخ؟
س ٦: اذكر مثالين من أمثلة النسخ في القرآن الكريم.
стр. 83
المطلق والمقيد
(تعريف المطلق)
س: ما هو المطلق من القرآن الكريم؟
ج: المطلق ما دل على الحقيقة بلا قيد؛ فهو يتناول واحدا ما بدون تعيين. وأكثر وقوعه، النكرة في الإثبات. ففي لفظ (رقبة) من قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (١) أي فعليه تحرير رقبة- أيّ رقبة- فإنه يتناول هنا عتق إنسان مملوك بدون قيد الإيمان أو الكفر، وهذا يعتبر إطلاقا. لأنه شائع في جنس العبيد، وهو أيضا نكرة في الإثبات، لأن المعنى فعليه (تحرير رقبة) وكقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (٢). وهذا مطلق أيضا في جنس الأولياء سواء كان رشيدا أو غير رشيد.
(تعريف المقيد)
س: ما هو المقيد من القرآن الكريم؟
ج: المقيد: هو ما دل على الحقيقة بقيد، مثل الرقبة المقيدة بالإيمان في قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (٣) قيد هنا بالمؤمنة، وفي قوله تعالى فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ (٤) قيد هنا بالتتابع .. وللمطلق والمقيد صور عقلية نورد الأقسام الواقعية منها فيما يلي:
أولا: أن يتحد السبب والحكم معا. كالصيام في كفارة اليمين. جاء مطلقا في القراءة المتواترة في المصحف في قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ (٥) وجاء مقيدا في قراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). فمثل هذا يحمل المطلق فيه على المقيد، ولهذا قال قوم بالتتابع. وبهذا أخذ الأئمة (أبو حنيفة والثوري وأحد رأيين عند الشافعي) وقد خالفهم في ذلك من
стр. 84
يرى أن القراءة وإن كانت مشهورة إلا أنها ليست حجة، وبهذا لا يكون هنا مقيد يحمل عليه المطلق (١).
ثانيا: أن يتحد السبب ويختلف الحكم، مثال ذلك: الأيدي في الوضوء والتيمم. في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (٢) قيد غسل الأيدي هنا في الوضوء بأنه إلى المرافق.
وأطلق المسح في التيمم في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٣) فقد قيل: هنا لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم، وعليه أكثر أهل العلم. وخالف أكثر الشافعية وقالوا: يحمل المطلق على المقيد هنا لاتحاد السبب ثالثا: أن يختلف السبب ويتحد الحكم: ولهذا صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون التقييد واحدا، كعتق الرقبة في الكفارة، وقد ورد اشتراط الإيمان في الرقبة بتقييدها (بالرقبة المؤمنة) في كفارة القتل الخطأ- كما قال تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (٤) فهنا قيدها بالمؤمنة- أما في كفارة الظهار فقد أطلق الرقبة ولم يقيدها؛ حيث قال تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (٥) هنا أطلقها. وكذلك في كفارة اليمين حيث قال تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (٦) وهنا أيضا بدون تقييد في هذه الآية. وقد قال جماعة منهم المالكية وكثير من الشافعية: يحمل المطلق على المقيد؛ فلا تجزئ الرقبة الكافرة في كفارة الظهار واليمين. وقال آخرون وهو مذهب الأحناف: لا يحمل المطلق على المقيد فيجوز عتق الرقبة الكافرة في كفارة الظهار واليمين. هذه هي الصورة الأولى.
стр. 85
أما الصورة الثانية: فهي أن يكون التقييد مختلفا، مثل الكفارة بالصيام؛ حيث قيد الصوم بالتتابع في كفارة القتل في قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ (١) وفي كفارة الظهار قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا (٢) هذا وقد جاء التقييد بالتفريق في صوم المتمتع بالحج حيث قال الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (٣) ثم جاء الصوم مطلقا دون تقييد بالتتابع أو التفريق في كفارة اليمين حيث قال تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ (٤) وفي قضاء صيام شهر رمضان قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (٥) فالمطلق في هذا لا يحمل على المقيد لأن القيد مختلف.
رابعا: أن يختلف السبب ويختلف الحكم: كاليد في الوضوء والسرقة. فقيدت في الوضوء إلى المرافق وأطلقت في السرقة بلا قيد حيث قال تعالى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (٦) فلا يحمل هنا المطلق على المقيد لاختلاف السبب والحكم معا .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س- عرف كلّا من المطلق والمقيد.
س- اذكر أقسام المطلق والمقيد مع ذكر حكم كل منهما- واذكر الدليل من القرآن الكريم.
стр. 86
المنطوق والمفهوم
تعريف المنطوق
س: ما هو المنطوق؟
ج: المنطوق هو ما دل عليه اللفظ في محل النطق. أي أن دلالته تكون من مادة الحروف التي ينطق بها. والمنطوق يشمل خمسة أنواع وهي: ١ - النص ٢ - الظاهر ٣ - المؤول ٤ - الاقتضاء ٥ - الإشارة. وإليك بيانها مفصلة:
أولا: النص وهو الذي يفيد بنفسه معنى صريحا لا يحتمل غيره، كقوله تعالى:
فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ (١) فإن وصف عشرة (بكاملة) قطع احتمال العشرة لما دونها- مجازا- وهذا هو الغرض من النص.
ثانيا: الظاهر وهو ما احتمل معنيين، ولكن أحدهما يسبق إلى الفهم عند الإطلاق. نحو قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢) فإن لفظ (الباغي) يطلق على الجاهل، كما يطلق على الظالم، لكن إطلاقه على الظالم أغلب وأظهر من إطلاقه على الجاهل فهذا إطلاق راجح، أما إطلاقه على الجاهل فمرجوح.
ثالثا: المؤول وهو ما حمل على المرجوح لدليل يمنع من إرادة المعنى الراجح؛ فهو عكس الظاهر تماما، ومثاله قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (٣) فإنه محمول على الخضوع والتواضع وحسن المعاملة للوالدين؛ لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة ليؤمر بخفضها.
رابعا: الاقتضاء وذلك في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٤) فإنه يتضمن إضمار الوطء ويقتضيه. أي حرم عليكم وطء أمهاتكم؛ لأن التحريم هنا لا يضاف إلى الأعيان، فوجب لذلك إضمار فعل يتعلق به التحريم وهو الوطء للأمهات.
وهذا النوع يقرب من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. وسمي هذا اقتضاء
стр. 87
لاقتضاء الكلام شيئا زائدا على اللفظ.
خامسا: الإشارة ويفهم من قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١) فإنّ هذا يدل على صحة الصوم ممن أصبح جنبا؛ لأنه يبيح الوطء إلى طلوع الفجر في شهر رمضان مع عدم اتساع الوقت للغسل، وهذا يستلزم الإصباح على جنابة، مع صحة الصوم.
تعريف المفهوم وأقسامه
س: ما هو المفهوم؟ وما أقسامه؟
ج: المفهوم: هو ما دل عليه اللفظ ولكن ليس في محل النطق. وينقسم إلى قسمين:
١ - مفهوم موافقة:
٢ - مفهوم مخالفة: وإليك بيانهما بالتفصيل:
أولا: مفهوم الموافقة:
وهو ما يوافق حكمه المنطوق: وهو نوعان:
النوع الأول: فحوى الخطاب؛ وهو ما كان المفهوم فيه أولى بالحكم من المنطوق.
مثل فهمنا لتحريم الشتم والضرب للوالدين من قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ (٢) لأن منطوق الآية الكريمة تحريم التأفيف، فيكون تحريم الشتم والضرب أولى وأحق لأنهما أشد من التأفيف.
النوع الثاني: لحن الخطاب؛ وهو ما ثبت الحكم فيه للمفهوم كثبوته للمنطوق على السواء. يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما
стр. 88
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١) يدل على تحريم إحراق أموال اليتامى أو إتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف أو إضاعتها. هذا كله مساو للأكل بل هو أشد.
وهذان النوعان سميا بمفهوم الموافقة لأن المسكوت عنه يوافق المنطوق به في الحكم وإن كان زائدا عليه في النوع الأول ومساو له في النوع الثاني.
ثانيا: مفهوم المخالفة:
وهو ما يخالف حكمه المنطوق. وله أنواع أيضا نذكرها لك بإيجاز:
١ - مفهوم الصفة: وهي الصفة المعنوية. فمثلا قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٢) فيفهم من هذا النص أن غير الفاسق لا يجب التثبت في خبره، ومن هنا يجب قبول خبر الواحد العدل وقس على هذا في الحال والعدد، ومثاله في الحال قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (٣) فهذا النص يدل على انتفاء الحكم في المخطئ في قتل الصيد وهو محرم. ومثال العدد كقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ (٤) فمفهومه أن الإحرام بالحج في غير أشهره لا يصح.
٢ - مفهوم الشرط: كقوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٥) فيفهم من هذا أن غير الحوامل لا يجب الإنفاق عليهن.
٣ - مفهوم غاية: مثل قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (٦) فمفهوم هذا أنها- أي المرأة المطلقة ثلاثا- تحل لمطلقها إذا نكحت غيره بشروط النكاح الصحيح، ثم طلقت منه.
٤ - مفهوم الحصر: كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٧) فمفهومه أن غير الله لا يعبد ولا يستعان به. ولذلك كانت هذه الآية الكريمة دالة
стр. 89
على إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة. والحصر هنا مستفاد من تقديم المعمول على العامل (١) .. والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف المنطوق واذكر أنواعه.
س ٢: عرّف المفهوم. واذكر كلّا من الموافقة والمخالفة مع ذكر الدليل لكل منهما.
стр. 90
العلوم المستنبطة من القرآن الكريم
س: القرآن الكريم كنز كنوز العلوم والمعارف. فهل من الممكن استنباط كل العلوم منه؟
ج: نعم؛ إن القرآن العظيم هو مستودع العلوم كلها والمعارف والأحكام والتشريعات فقد قال عنه الحق جل علاه: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وقال جل شأنه: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وقد قال الرسول ﷺ :
«ستكون فتن، قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم» أخرجه الترمذي وغيره.
ومن ما قاله الإمام الشافعي ﵁ (جميع ما تقوله الأمّة شرح للسّنة، وجميع السّنة شرح للقرآن) وقال أيضا: جميع ما حكم به النبي ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. قلت: ويؤيد هذا قوله ﷺ : «إني لا أحل إلا ما أحل الله، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله في كتابه» أخرجه بهذا اللفظ الإمام الشافعي في الأم.
وقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث رسول الله ﷺ على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله.
وقال ابن مسعود ﵁: إذا حدثتكم بحديث أنبئكم بتصديقه من كتاب الله تعالى: أخرجهما ابن أبي حاتم.
وأخرج الإمام البخاري ﵁ عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت له: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين (١) فما وجدت فيه كما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه.
أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت: بلى. قال:
فإنه قد نهى عنه. والقرآن العظيم قد جمع جميع العلوم. علوم الأولين والآخرين
стр. 91
ولم يحط به علما إلا الذي أنزله. ثم رسوله المصطفى ﷺ عدا ما استأثر الله تعالى بعلمه، ثم بعد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه صحابته حيث ورثوا عنه معظم ذلك، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس الذي قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله تعالى.
ثم بعد الصحابة التابعون لهم بإحسان. ثم من بعدهم من أهل العلم والمعرفة فتوّعوا علومه وألّفوا فيها وقامت كل طائفة بفنّ من الفنون. ومهما ألّف المؤلفون وكتب الكاتبون وبحث الباحثون فإنهم لم ولن يستطيعوا أن يحصوا أو أن يقفوا على كل ما حوى هذا الكتاب الجامع المانع.
ولقد قام قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته ومعرفة مخارج حروفه وعددها وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه وعدد سجداته إلى غير ذلك من حصر لكلماته المتشابهة وآياته المتماثلة من غير أن يتعرضوا لمعانيه ولا يتدبروا لما أودع الله تعالى فيه، فسمّوا القرّاء.
واعتنى النحاة بالمعرب والمبني من الأسماء والأفعال والحروف، واعتنى المفسرون بألفاظه. فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد وآخر يدل على معنيين أو أكثر.
وخاضوا في ترجيح أحد محتملات المعاني وأعمل كل منهم فكره وعقله وقال في القرآن بما اقتضاه نظره. ومع كل هذه الجهود في التفسير لم يزل بكرا.
وقد غاص في أعماقه الأصوليون فاستنبطوا منه أدلة التوحيد الكامل وسمّوا هذا العلم بأصول الدين. كما نهل منه أهل البلاغة وأصول الفقه وعلماء التاريخ والقصص والوعظ والخطابة والحكم والأمثال والمواريث والوصايا. وعلماء المعاني والبديع والبيان والمواقيت. كل قد أخذ حظه من البحث والتمحيص في كتاب الله تعالى ومن بعدهم سيأخذ أكثر وأكثر ولم ينفد ما في هذا الكتاب من أسرار وعلوم.
ولقد تعرض القرآن المجيد لتسمية الأشياء أيضا حتى أنه لم يترك حرفة أو صنعة أو آلة إلا ذكرها لما لها من ضرورة في حياة الناس. فقد ذكر الخياطة في قوله تعالى وَطَفِقا يَخْصِفانِ والحدادة حيث قال وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ الآية، والبناء حيث قال وَالسَّماءَ بَنَيْناها والنجارة حيث قال: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا والغزل حيث
стр. 92
قال نَقَضَتْ غَزْلَها والنسج حيث قال: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً والفلاحة من قوله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات. والغوص في قوله تعالى كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ والصياغة. في قوله تعالى وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ والزجاج في قوله تعالى الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ والفخّار في قوله تعالى مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ والملاحة في قوله تعالى أَمَّا السَّفِينَةُ الآية. والكتابة قال عنها عَلَّمَ بِالْقَلَمِ والخبز قال عنه أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً والطبخ قال فيه بِعِجْلٍ حَنِيذٍ والغسل قال عنه وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ والجزارة قال فيها إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ والصّبغ قال عنه صِبْغَةَ اللَّهِ وقال جدد بيض وحمر والحجارة قال فيها وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً والكيل والميزان قال تعالى الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ والرّمي قال عنه وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وفيه الكثير والكثير من أسماء الآلات وصنوف المأكولات والمشروبات والمنكوحات وغير ذلك. مما خلقه الله تعالى للإنسان في هذا الكون العظيم. وصدق الله تعالى حيث قال ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وعلوم القرآن الكريم أكثر من أن تحصى أو تعدّ.
وفي القرآن العظيم من عجائب الله تعالى في سائر المخلوقات. وملكوت الأرض والسموات وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى وكيفية بدأ الخلق. كما ذكر أسماء مشاهير الرسل والملائكة. وأخبار الأمم السابقة مثل قصة آدم مع إبليس في كيفية إخراجه وزوجته من الجنة. وقصة إغراق قوم نوح. وقصة عاد وثمود وقوم يونس وقوم شعيب وقوم لوط وقوم تبّع وأصحاب الرّسّ. وقصة إبراهيم وبناء الكعبة وقصة يوسف.
وقصة موسى في ولادته وإلقائه في اليم. وقصة طالوت وداود وسليمان. وقصة ذي القرنين ومسيره إلى مغرب الشمس ومطلعها وبنائه للسّدّ. وقصة أيوب وذي الكفل وإلياس. وقصة مريم وولادتها عيسى. وقصة زكريا وابنه يحيى. وقصة أصحاب الكهف.
وكثير من القصص التي وردت فيه ليتعلم الناس منها ويأخذوا منها العبر والعظات.
ومما ورد فيه كذلك ما وقع من شأن النبي محمد ﷺ وهو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى به وبعثته وهجرته وغزواته. وحجّة الوداع ونكاحه من زينب بنت جحش
стр. 93
وتظاهر أزواجه عليه. وقصة الإسراء والمعراج وانشقاق القمر بين يديه ﷺ . وهذا قليل من كثير مما ذكره القرآن الكريم. فهو الكتاب الجامع لأسماء الله الحسنى وأحوال بدأ الخلق وكيفية الموت وأشراط الساعة وأحوال البعث وما يليه من النعيم أو الجحيم وغير ذلك مما لا يستطيع هذا المختصر على حصره. وإن شئت التوسع في هذا فعليك بالرجوع إلى أمهات الكتب في هذا الشأن. والله تعالى أعلم.
تمرينات
س ١: هل من الممكن استنباط كل العلوم من القرآن؟
س ٢: اذكر ما قاله الإمام الشافعي في ذلك.
س ٣:ماذا قال ابن مسعود في هذا المجال؟
س ٤: اذكر الحديث الذي ذكره البخاري وماذا يستفاد منه؟
س ٥: بيّن بعض الأمور التي ذكرها القرآن من الصناعات والحرف.
стр. 94
أقسام القرآن الكريم
س: ما هو القسم في القرآن؟
ج: القسم هو تحقيق الخبر وتوكيده. وذلك مثل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فقد جعلوا ذلك قسما وإن كان فيه إخبار بشهادة لأنه لمّا جاء توكيدا للخبر سمّي قسما. ولقد أفرده ابن القيم في مجلد أسماه التبيان.
والقسم إما أن يكون من الله تعالى وإما أن يكون من المخلوق.
فالقسم من الله تعالى معناه إما أن يكون للمؤمن وإما أن يكون للكافر. فإن كان للمؤمن، فالمؤمن مصدّق بمجرّد الإخبار من الله تعالى من غير قسم. وإن كان لأجل الكافر. فالكافر لا يفيده القسم. وقد أجيب بأن القرآن نزل بلغة العرب والعرب من عادتهم القسم إذا أرادت أن تؤكد أمرا.
وقد قال أبو القاسم القشيري بأن الله ذكر القسم لكمال الحجة وتأكيدها، وذلك لأن الحكم بواحد من اثنين. إما الشهادة وإما القسم. ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه الكريم النوعين حتى لا يبقى للناس على الله حجة. وقد قال الله تعالى جل شأنه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ وقال تعالى:
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ.
وجاء عن بعض الأعراب أنه لمّا سمع قول الحق : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ صرخ وقال: من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين.
والقسم لا يكون إلا باسم معظّم. وليس هناك من هو أعظم من الله تعالى.
ولقد أقسم الله تعالى بنفسه في القرآن المجيد في سبعة مواضع. الموضع الأول منها ما ذكر أنفا. والثاني قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ والثالث قُلْ بَلى وَرَبِّي والرابع قوله فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ والخامس قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ والسادس في قوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ والموضع السابع والأخير في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ.
стр. 95
ولقد أقسم الله جلّ شأنه في القرآن ببعض مخلوقاته. مثل قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها ومثل وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ومثل وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى فلله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. وليس للإنسان أن يقسم إلا بالله تعالى وحده. حيث أن القسم بغير الله من العبد نوع من أنواع الشرك. أعاذنا الله وإياك منه.
س: كيف أقسم الله بالخلق وقد نهى عنه؟
ج: أقسم الله تعالى بالخلق وقد نهى عنه فهو وحده له أن يقسم بما شاء على ما شاء.
وقد جاء أنه تعالى أقسم بالمخلوقات على أوجه، منها:
أولا: القسم على حذف مضاف بمعنى (ورب التين ورب الشمس) وهكذا في الباقي.
ثانيا: لأن العرب من قبل نزول القرآن كانت تعظّم هذه الأشياء وتقسم بها، فنزل القرآن على ما كانوا يعرفونه.
ثالثا: أن الأقسام إنما تكون بما يعظمه المقسم ويجلّه. فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته ومخلوقاته. لأن الصنعة تدل على الصانع. ولأن القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع. حيث أن ذكر المفعول يستلزم أيضا الفاعل. لأنه يستحيل وجود مفعول بدون فاعل. ولا صنعة بدون صانع. ومما أقسم به الله تعالى من الخلق تعظيما لشأنه وليعرف الناس مكانته عند الله تعالى والقسم بالنبي محمد ﷺ حيث قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما خلق الله ولا ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد ﷺ وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. صلوات الله وسلامه عليه. وليس لغير الله أن يفعل ذلك. ويقسم بأحد من الخلق لا نبي ولا ولي ولا أي شيء من سائر المخلوقات.
س: كم نوعا للقسم؟
ج: للقسم نوعان: إما ظاهر كما جاء في الآيات القرآنية السابقة وإما مضمر.
стр. 96
والمضمر. إما أن تدل عليه اللام مثل قوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وإما أن يدل عليه المعنى. وذلك قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وتقديره:
(والله). بعد حرف الواو.
س: هذا في القسم. فما هو المقسم به؟
ج: المقسم به أو عليه قال عنه بن القيم: اعلم أن الله تعالى يقسم بأمور على أمور. وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته.
وأقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته.
وأما المقسم عليه فيراد بالقسم توكيده وتحقيقه. فلا بد من أن يكون مما يحسن فيه.
وذلك يتضح في القسم على الأمور الخفية والغائبة إذا أقسم على ثبوتها.
وأما الأمور المشتهرة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها (١). والله تعالى أعلم.
تمارين
س ١: ما هو القسم في القرآن؟
س ٢: كيف أقسم الله بالخلق وقد نهى عنه؟
س ٣: كم نوعا للقسم؟
س ٤: ما هو المقسم به؟ مع ذكر الدليل؟
стр. 97
مفردات القرآن الكريم
س: ما هو المراد من مفردات القرآن؟
ج: المراد من معرفة بعض المفردات في القرآن الكريم. الوقوف على بعض أسراره الجليلة. حيث أن القرآن الكريم هو الكتاب المعجز. وهو تنزيل من حكيم حميد. هو الكتاب الجامع الشامل الذي أحصى كل شيء وبيّن كل ما يحتاج إليه الإنسان. ومن إعجاز القرآن وعظمته أن الآية فيه لها معان كثيرة. كما أن الجملة منه تحمل أكثر من
معنى. وهذا يدل على عظمة القرآن وشموله. وهذا الباب نتحدث فيه عن بعض مفردات القرآن العظيم وبيان ما ورد فيه باختصار من فهم بعض المفردات القرآنية. فالقرآن الكريم ورد فيه أعدل آية وأحكم آية وأجمع آية وأرجى آية. وهكذا من الأوصاف التي تحملها بعض آياته العظام.
فقد جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: أعدل آية في القرآن قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وأحكم آية قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ .. إلى آخرها. وأجمع آية في القرآن للخير والشر إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن آية أعظم فرحا من آية في سورة الغرف قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية. وما في آية أكثر تفويضا من آية وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.
وأخرج أبو ذر الهروي في فضائل القرآن من طريق ابن يعمر عن ابن عمر عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أعظم آية في القرآن اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وأعدل آية في القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية وأخوف آية في القرآن فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وأرجى آية في القرآن قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى آخرها وفي أرجى آية في القرآن أقوال كثيرة يعجز هذا المختصر عن سردها.
فارجع إن شئت التوسع في معرفة هذه الآية إلى كتاب الإتقان للسيوطي ص ٤٥١.
وأشد آية في القرآن العظيم في قوله تعالى لأهل النار أعاذنا الله وإياكم منها فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: ما نزلت على النبي ﷺ آية كانت أشد
стр. 98
عليه من قوله تعالى وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ الآية وجاء عن مالك أن أشد آية على أهل الأهواء قوله تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: آيتان في كتاب الله تعالى ما أشدهما على من يجادل فيه ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وقوله تعالى وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.
وقال السعيدي: سورة الحج من أعاجيب القرآن. منها المكي والمدني والحضري والسفري والليلي والنهاري والحربي والسلمي والناسخ والمنسوخ ..
فالمكي يبدأ من رأس الآية الثلاثين بها إلى آخرها. والمدني يبدأ من رأس الآية الخامسة عشر إلى رأس الثلاثين. والليلي خمس آيات من أولها. والنهاري من رأس تسع آيات منها إلى رأس اثنتا عشرة. والحضري إلى رأس العشرين، والسفري أولها، هكذا قال. في كتاب الإتقان للسيوطي، ومن عجيب القرآن أيضا سورة يوسف التي بها قصة يوسف حيث أسماها القرآن أحسن القصص لاشتمالها على ذكر الحاسد والمحسود والمالك والمملوك والشاهد والمشهود والعاشق والمعشوق. والحبس والإطلاق والسجن والخلاص والخصب والجدب وغير ذلك مما يعجز عن بيانه وإيضاحه الخلق أجمعين.
واعلم أن أطول سورة في القرآن سورة البقرة وأطول آية آية الدّين وأقصر سورة سورة الكوثر وأقصر آية قوله تعالى وَالْفَجْرِ، وَالضُّحى وأطول كلمة رسما في القرآن كلمة فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وهكذا كلما تمعنت في كتاب الله تعالى استخلصت معان وفوائد كثيرة. والفوائد من القرآن العظيم لا تتوقف ولا تنقطع، فهو الكنز الزاخر والبحر الوافر. كفاه أنه كلام من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. جل شأنه وعز سلطانه.
تمرينات
س ١: ما هو المراد من مفردات القرآن؟
س ٢: اذكر بعض الآيات التي اشتملت على صفات خاصة في القرآن.
س ٣: ما هي أرجى آية وما هي أكثر آية تفويضا؟
س ٤: اذكر أشد آية على أهل النار. وما هي السورة التي جمعت الكثير من أحوال القرآن؟
стр. 99
إعجاز القرآن الكريم
س: ما المراد من إعجاز القرآن الكريم؟
ج: كان الناس قبل الإسلام لا يؤمنون إلا بالأمور الظاهرة المرئية أو المحسوسة أو الملموسة. ولهذا كانت معجزة كل نبي تتفق وطبيعة قومه وما برعوا فيه من العلوم.
فمثلا: كانت معجزة اليد والعصى لموسى ﵇. وكانت معجزة عيسى ﵇ إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. كما أن الرسالات السابقة كانت لأمم خاصة. ولما اكتمل العقل البشري أذن الله تعالى بفجر الرسالة المحمدية الخالدة إلى الناس كافة، أذن لها أن تظهر وأن تنير العقول والقلوب وتبعث إلى التفكير في هذا الملك والملكوت الواسع الكبير، وفي خالق هذا الكون الباهر العظيم، وكما هي العادة من قبل، أن تكون لكل رسالة معجزة تؤيدها وتعضد المرسل بها. فقد كانت معجزة الإسلام هي معجزة العقل البشري في أرقى تطوراته ونضجه. كانت معجزة سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد ﷺ في عصر مشرف على العلم؛ معجزة عقلية تحاجّ العقل البشري وتتحداه إلى الأبد. ألا وهي معجزة (القرآن الكريم) بعلومه ومعارفه وأخباره الماضية والحاضرة والمستقبلة، وجمعه لكل أنواع العلوم والمعارف التي لا يستطيع الإنسان حصرها والمستمرة على مدى الزمان والتي تتجلى للإنسان كلما ترقى في العلوم والمعارف، شاهدة على عجزه مهما وصل.
تعريف الإعجاز
س: ما هو الإعجاز؟
ج: الإعجاز هو إثبات العجز. والعجز هو: القصور عن فعل الشيء، وضده القدرة. فإذا ثبت الإعجاز ظهرت قدرة المعجز، والمراد بالإعجاز هنا: إظهار صدق النبي ﷺ في دعوى الرسالة، بإظهار عجز العرب عندئذ عن معارضته ﷺ في معجزته الخالدة وهي (القرآن الكريم) وكذلك عجز الأجيال القادمة من بعدهم إلى ما شاء الله تعالى.
стр. 100
تعريف المعجزة
س: هذا في الإعجاز. فما هي المعجزة؟
ج: المعجزة: هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة- وكما عرفنا أن معجزة النبي ﷺ الكبرى كانت (القرآن الكريم) الذي تحدى به النبي ﷺ العرب جميعا مع فصاحتهم وبلاغتهم ونبوغهم، فإنهم قد عجزوا عن معارضة القرآن الكريم مع طول باعهم في الفصاحة والبلاغة. وقد ثبت أن النبي ﷺ تحدى العرب بالقرآن حينما كذبوه وعارضوه وقالوا إنه من صنع محمد، فطلب منهم- وهم عرب مثله- أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بشيء من مثله فلم يقدروا ولم يستطيعوا. وقد سجّل القرآن الكريم هذا التحدي على مراحل ثلاث:
١ - تحداهم بالقرآن كله على أن يأتوا بمثله وهم أهل الفصاحة والبلاغة- فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (١). فلم يقدروا فتنزل معهم إلى ما هو دون ذلك.
٢ - تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله. حيث قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ الآية (٢). فلم يستطيعوا فتدرج معهم إلى ما هو أقل من ذلك.
٣ - تنزل معهم في التحدي إلى أن يأتوا بسورة واحدة من القرآن- فما استطاعوا حيث قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ (٣) ومع هذا لم يستطيعوا. ولقد كان سماع القرآن حجة ملزمة لهم حيث قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٤). سبحان الله الغالب.
وكان ما يحتويه القرآن الكريم من معجزات تفوق كل معجزة كونية سابقة ويغني عنها جميعها. وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الإمكانيات عندهم عجز
стр. 101
للّغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها أن يبارى بها القرآن الكريم المنزل من عند الله رب العالمين، ولقد اختلفت الآراء في إعجاز القرآن الكريم. فمنهم من قال (إن إعجاز القرآن كان بالصرفة) أي أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته مع قدرتهم عليها، وكان هذا رأي أبي إسحاق إبراهيم النظّام، والمرتضى من الشيعة وهو قول يدل على عجز ذويه. فلا يقال فيمن سلب القدرة على شيء: إن الشيء أعجزه ما دام في مقدوره أن يأتي به في أي وقت شاء. وإنما المعجز حقا هو قدرة الله تعالى المنزل لهذا الكتاب بلغتهم وبحروف اللغة العربية التي يجيدونها ويتبارون في صناعتها ويتسابقون في بلاغتها دون أن يصرفهم عن الإتيان بمثله لو استطاعوا. ومن العلماء أيضا من ذهب إلى أن القرآن معجز ببلاغته التي وصلت إلى مرتبة لم يعهد لها مثيل من قبل. وهذا رأي أهل اللغة العربية الذين يولعون بصور المعاني الحية في التركيب المحكم والبيان البديع ... وذهب بعض العلماء يقول: إن وجه إعجاز القرآن في أنه يتضمن البديع المخالف لما عرف في كلام العرب من فواصل ومقاطع وسجع ونظم مرتّب ... وآخرون يقولون بل إعجازه في الإخبار عن المغيبات المستقبلة التي لا تعرف إلا عن طريق الوحي. أو الإخبار عن أمور تقدمت منذ بدء الخليقة بما لا يمكن صدوره من أمّيّ لم يعرف القراءة والكتابة. وجماعة منهم يقولون (إن القرآن معجز لما تضمنه من العلوم والمعارف المختلفة والحكم البليغة) وهناك وجوه كثيرة للإعجاز القرآني يعجز عن سردها هذا المختصر.
والحقيقة أن القرآن الكريم معجز بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان- فهو معجز في أسلوبه وألفاظه، ومعجز في بيانه ونظمه، ومعجز بعلومه ومعارفه، ومعجز بما يبلغ عنه من أمور غيبية سابقة أو لاحقة. كما أنه معجز في تشريعه الحكيم ووضع الضوابط لصيانة حقوق الإنسان في كل زمان ومكان. والقرآن أولا وآخرا هو الذي صيّر العرب الرعاة شعوبا وقادة أمم وهذا وحده إعجاز ...
شروط المعجزة
س: هل للمعجزة شروط؟
ج: نعم؛ للمعجزة شروط خمسة نبه إليها العلماء، فإن اختل شرط واحد منها لا
стр. 102
تكون معجزة وهي:
الشرط الأول: أن تكون بما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين.
الشرط الثاني: أن تخرق العادة، وتكون مخالفة للسنة الكونية.
الشرط الثالث: أن تقع على وفق دعوى النبي المتحدي بتلك المعجزة.
الشرط الرابع: أن يستشهد بها مدعي الرسالة على صدق دعواه.
الشرط الخامس: ألا يأتي أحد بمثل تلك المعجزة على وجه المعارضة.
فهذه الشروط الخمسة إن تحققت كان ذلك الأمر الخارق للعادة معجزة دالة على نبوة صاحب الرسالة التي ظهرت المعجزة على يديه، وإذا لم تتحقق هذه الشروط في معجزة (القرآن الكريم) المنزل على خير خلق الله أجمعين سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه الغر الميامين.
وجوه إعجاز القرآن الكريم
س: ما هي أوجه إعجاز القرآن الكريم؟
ج: لإعجاز القرآن الكريم وجوه عشرة يعرف بها. وهي كما يلي:
١ - النظم البديع للقرآن المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب.
٢ - الأسلوب العجيب المخالف لجميع الأساليب العربية.
٣ - الجزالة التي لا يمكن لمخلوق أن يأتي بمثلها.
٤ - التشريع الدقيق الكامل الذي يلفظ كل تشريع وضعي.
٥ - الإخبار عن المغيبات التي لا يمكن معرفتها إلا عن طريق الوحي.
٦ - عدم التعارض مع العلوم الكونية المقطوع بصحتها.
٧ - الوفاء بكل ما أخبر عنه القرآن الكريم من وعد ووعيد.
٨ - العلوم والمعارف التي اشتملت على العلوم الشرعية والكونية.
٩ - وفاؤه بحاجات البشر على مدى الأزمان.
стр. 103
١٠ - تأثيره البالغ في قلوب أتباعه وأعدائه على السواء. (١)
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف الإعجاز والمعجزة.
س ٢: اذكر المراحل الثلاث التي تحدى القرآن بها العرب. مع ذكر الدليل.
س ٣: اذكر شروط المعجزة.
س ٤: اذكر خمسة من وجوه الإعجاز القرآني التي يعرف بها.
стр. 104
قصص القرآن
س: ما هو القصص؟
ج: القصص: هو الأخبار المتتابعة. قال الله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ (١) وقال تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢).
س: هذا تعريف القصص. فما هي القصة؟
ج: القصة قيل هي: الأمر- الخبر- الشأن- الحال. وقصص القرآن: إخباره عن أحوال الأمم الغابرة، وشأن النبوات السابقة والحوادث الواقعة، وأمور كثيرة أخرى، وقد اشتمل القرآن الكريم على كثير من وقائع الماضي وتاريخ الأمم وذكر البلاد والديار وما حدث فيها. وتتبع آثار كل قوم، كما حكى القرآن الكريم عن الجميع صورة ناطقة كما كانوا عليه في عصورهم وحياتهم.
أنواع القصص
س: هل للقصص القرآني أنواع؟ وما هي؟
ج: نعم؛ للقصص القرآني أنواع ثلاثة وهي:
النوع الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن هذا النوع دعوة الأنبياء لقومهم والمعجزات التي أيدهم الله تعالى بها، وموقف المعاندين من قومهم لهم، ومراحل الدعوة وتطورها، وعاقبة كل من المؤمنين والمكذبين، كما ورد ذلك في القرآن الكريم في قصة نوح، وإبراهيم، وموسى وهارون، وعيسى، ومحمد وغيرهم من الأنبياء والمرسلين عليهم جميعا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
النوع الثاني: قصص قرآني. وهذا النوع يتعلق بحوادث غابرة، وأشخاص لم تثبت نبوتهم كقصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة طالوت وجالوت، وقصة ابني آدم، وقصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين، وقصة
стр. 105
قارون، وقصة أصحاب السبت، وقصة مريم، وقصة الفيل وغير ذلك من القصص لما حدث في أمم سابقة.
النوع الثالث: قصص يتعلق بالأحداث التي وقعت في زمن رسول الله ﷺ ، كغزوة بدر وأحد كما وردتا في سورة آل عمران، وغزوة حنين وتبوك كما وردتا في سورة التوبة، وغزوة الأحزاب التي أوردها الله تعالى في سورة الأحزاب، وقصة الهجرة والإسراء ونحو ذلك مما حدث في زمن المصطفى ﷺ .
س: هل للقصص القرآني فوائد؟
ج: نعم؛ للقصص القرآني فوائد نذكر منها ما يلي:
١ - إيضاح أسس الدعوة إلى الله تعالى، ويتضح ذلك في بيان أصول الشرائع التي بعث الله بها كل نبي من الأنبياء المرسلين، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (١).
٢ - تصديق الأنبياء السابقين وإحياء ذكراهم وتخليد آثارهم.
٣ - إظهار صدق النبي محمد ﷺ في دعوته بما أخبر به عن أحوال الأمم السابقة عبر القرون والأجيال الغابرة.
٤ - تثبيت قلب النبي ﷺ وقلوب المؤمنين معه على دين الله تعالى، وتقوية ثقة المؤمنين بنصرة الحق وجنده وخذلان الباطل وأهله- كما جاء في محكم التنزيل:
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢).
٥ - معارضة لأهل الكتاب بالحجة القوية فيما كتموه من البينات والهدى من بعد ما بيّنه الله تعالى لهم وتحديه لهم بما كان في كتبهم، كما حكى القرآن الكريم عنهم في قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣).
стр. 106
والقصص: ضرب من ضروب الأدب، ونوع من أنواع العبر، يصغي إليه السمع وترسخ عبره في النفوس البشرية كما قال الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١).
الحكمة من تكرار القصص
س: ما الحكمة من تكرار القصص في القرآن الكريم؟
ج: الحكمة من ذلك، أن القرآن الكريم يشتمل على كثير من القصص التي تتكرر في غير موضع منه. فالقصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن الكريم وتعرض في صور مختلفة في التقديم والتأخير والإيجاز والإطناب وما شابه ذلك. مع أن السبب واحد، ومن حكمة هذا نورد ما يلي:-
أولا: بيان بلاغة القرآن العظيم في أعلى مراتبها، فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يختلف عن الآخر، كما تصاغ القصة في قالب غير القالب الأول، ولهذا لا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.
ثانيا: قوة الإعجاز. فإبراز المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب البلغاء عن الإتيان بصورة منها مع بلاغتهم أبلغ في التحدي.
ثالثا: الاهتمام بشأن القصة لأنها محببة إلى النفس وتمكين لعبرها في نفس المستمع لأن التكرار من طرق التأكيد وعلامات الاهتمام. كما هو الحال في قصة موسى عليه
السلام مع فرعون، لأنها تمثل الصراع بين الحق والباطل غاية التمثيل. علما بأن القصة لا تتكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها وإنما تتكرر في كل موضع بأسلوب يختلف عن الآخر، وذلك مما يشد انتباه القارئ والسامع لها في كل موضع من مواضعها.
رابعا: اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض المطلوب منها في مقام كما تبرز معاني أخرى في سائر المقامات حسب ما
стр. 107
يقتضيه الحال.
وكيف لا يكون كذلك وهو كلام رب العالمين الذي أحاط بكل شيء علما ..
والله تعالى أعلم.
أسئلة وتطبيقات
س ١: عرّف القصص. وما هو القصص في القرآن؟
س ٢: القصص في القرآن على أنواع ثلاثة. اذكرها.
س ٣: اذكر فوائد القصص القرآني.
س ٤: تكرار القصص في القرآن الكريم له حكمة. اذكر بعض أنواعها.
стр. 108
الأمثال في القرآن الكريم
س: ما هي الأمثال؟
ج: الأمثال: جمع مثل. والمثل والمثال كالشبه والشبيه في اللفظ والمعنى، ويطلق كذلك على الحال والقصة العجيبة نحو قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ (١) أي قصتها وصفتها التي يتعجب منها.
أنواع الأمثال
س: ما أنواع الأمثال في القرآن؟
ج: للأمثال أنواع ثلاثة وهي: ١ - الأمثال المصرحة. ٢ - الأمثال الكامنة.
٣ - الأمثال المرسلة. وإليك بيانها مفصلة:
أولا- الأمثال المصرحة: وهي ما كان اللفظ فيها صريحا بلفظ المثل أو ما يدل على التشبيه مثل قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ (٢) وكقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ إلى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣) شبه الله تعالى حال المنافقين في هذه الآيات الكريمات حين انتفعوا بالدخول في دين الإسلام ولكن لم يكن له أثر في قلوبهم بحال الذي استوقد نارا للإضاءة والنفع، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وأبقى لهم ما فيها من الإحراق، فانتفعوا ماديا بالدخول في الإسلام ولكن لم يكن له أثر في قلوبهم فذهب الضوء عنهم وبقي لهم الإحراق. هذا المثل تشبيها بالنار، أما مثلهم المشبه بالماء، فشبههم بحال من أصابهم مطر غزير وفيه ظلمة ورعد وبرق فخافوا وخارت قواهم ووضعوا أصابعهم في آذانهم وأغمضوا عيونهم خوفا من صاعقة واقعة بهم. وهذا المثل يؤخذ من الآية الكريمة أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (٤) لأن القرآن
стр. 109
العظيم حينما نزل عليهم بزواجره وأوامره ونواهيه في خطابه لهم، نزل عليهم نزول الصواعق. هذا من الأمثال المصرحة في القرآن الكريم.
ثانيا: الأمثال الكامنة: وهي التي لم يصرح فيها بلفظ التمثيل، ولكنها تدل على معان رائعة في إيجاز. ويمثلون لهذا النوع بأمثلة كهذه الأمثلة:
١ - مثال «خير الأمور الوسط» يقابله من أمثال القرآن قوله تعالى: لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ (١) في وصف البقرة. وبقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ (٢) هذا مثال للاعتدال في الإنفاق.
٢ - مثال قولهم: «ليس الخبر كالعيان» يقابله من أمثلة القرآن قوله تعالى:
قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (٣) يفيد أن الرؤيا أولى من السماع.
٣ - مثال قولهم: «كما تدين تدان» يقابله قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (٤) وهذا المثال يفيد ما تعمله تجده.
٤ - مثال قولهم: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» يقابله في القرآن قوله تعالى على لسان يعقوب ﵇ لأبنائه: قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ (٥) والأمثلة على هذا النوع كثيرة لا يتسع لحصرها هذا المختصر (٦).
ثالثا- الأمثال المرسلة: هي التي أرسلت جملها إرسالا من غير تصريح بلفظ يدل على التشبيه فهي آيات جارية مجرى الأمثال. مثال ذلك من القرآن الكريم بقوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ (٧) وقوله تعالى: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٨) وقوله تعالى: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٩) وقد قال بعض العلماء: (إذا سمعت المثل في القرآن ولم أفهمه بكيت على نفسي. لأن الله تعالى
стр. 110
يقول: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (١)). وقد أخرج البيهقي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن القرآن نزل على خمسة أوجه، حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال» (٢) صدق رسول الله ﷺ .
فوائد الأمثال
س: ما فوائد المثل في القرآن الكريم؟
ج: لمعرفة الأمثال القرآنية فوائد جمة نوجزها فيما يلي:
أولا: إبراز المعقول في صورة المحسوس الذي يلمسه الناس، حيث ضرب الله المثل لبيان حال المنفق رياء بأنه لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب. فقال تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا (٣).
ثانيا: الأمثال تكشف عن الحقائق وتبين الغائب في معرض الحاضر، كقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ (٤).
ثالثا: الأمثال تجمع المعاني الرائعة في عبارات موجزة، كالأمثال الكامنة والمرسلة التي سبق ذكرها.
رابعا: يضرب المثل للترغيب. كما في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥).
خامسا: يضرب الله تعالى المثل للتنفير. حيث يقول جل ذكره: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ (٦).