← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لا تحصى ولا تستقصى. فهذه محبة للرب الرحيم الكريم، تنشأ من مطالعة المنن والإحسان، ورؤية النعم والآلاء، وكلما سافر القلب فيها، ازدادت محبته لربه وتأكدت. ولا نهاية لها فيقف القلب عندها، بل كلما ازداد فيها نظراً ازاد فيها اعتباراً وعجزاً عن ضبط القليل منها، فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه. والله ﵎ دعا عباده إليه من هذا الباب .. حتى إذا دخلوا فيه دعوا من الباب الآخر وهو باب الأسماء والصفات .. الذي إنما يدخل فيه خواص خلقه .. وهو باب المحبين حقاً .. الذي لا يدخل منه غيرهم .. ولا يشبع من معرفته أحد منهم. فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام، إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة وطاعة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها، وأشدها نقصاً، وأبعدها من كل خير. فالله قد فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أسمائه وصفاته من خلقه، ومعلوم أنه لا أحد أعظم إحساناً من الله سبحانه، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه، وهو الذي لا يحد كماله، ولا يحاط بوصف جلاله وجماله، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 1017

٦ - فقه الشهوات واللذات قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ [الزخرف: ٧٠، ٧١]. الشهوة واللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان، بل ولكل حي، فلا تذم من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيراً من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل وأنفع، أو أعقبت ألماً حصوله أعظم من ألم فواتها. ومتى عرف العاقل التفاوت بين اللذتين والألمين هان عليه ترك الأدنى لتحصيل الأعلى، واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما. وإذا تقرر هذا: فلذة الآخرة أعظم وأدوم .. ولذة الدنيا أصغر وأقصر .. والآخرة خير من الأولى كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥]. وألم الدنيا أخف وأقصر .. وألم الآخرة أشد وأبقى كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. وإذا قوي اليقين وباشر القلب آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب. والصبر على الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة: فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة .. وإما أن تقطع لذة أكمل منها .. وإما أن تضيع

стр. 1018

وقتاً إضاعته حسرة وندامة .. وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه .. وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه .. وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة .. وإما أن تجلب هماً وغماً، وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة .. وإما أن تنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة .. وإما أن تشمت عدواً وتحزن ولياً .. وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة .. وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول .. فإن الأعمال تورث الصفات والأخلاق. والشهوات في الدنيا موجودة، لكن الدنيا ليست محل قضاء الشهوات، فإن محل قضاء الشهوات وتكميلها في الآخرة. ولو جمعنا ما في الدنيا كلها ما كفى لقضاء شهوة رجل واحد، لكن في الدنيا المطلوب تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، وكل ما يحب الله من الصفات، ويوم القيامة فيه تكميل ما يحب المخلوق من الشهوات واللذات. فالدنيا محل قضاء الضرورات، وليست محل تكميل الشهوات. وقد خلق الله بطن الأم لتكميل أعضاء الإنسان وجوارحه. وخلق الدنيا لتكميل الإيمان والأعمال الصالحة. وخلق الآخرة لتكميل شهوات الإنسان .. وتحقيق القسط والعدل .. وإبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا من النعيم. وأغلب شهوات الإنسان وأظهرها ثلاث: شهوة بطنه .. وشهوة فرجه .. وشهوة لسانه. ثم الغضب الذي هو كالجندي لحماية الشهوات، ثم مهما أحب الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بهما أحب الدنيا، ولم يتمكن منها إلا بالمال والجاه، وإذا طلب المال والجاه وحصلهما، حدث فيه الكبر والعجب، وحب الرياسة. وإذا ظهر ذلك لم تسمح نفسه بترك الدنيا رأساً، وتمسك من الدين بما فيه الرياسة، وغلب عليه الغرور، وثقلت عليه الأوامر، وهانت عليه المعاصي. وقد ذكر الله أصناف الشهوات بقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ

стр. 1019

النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤]. فذكر سبحانه أربعة أصناف من المال، كل نوع يتمول به صنف من الناس: أما الذهب والفضة فيتمول بهما التجار .. وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك .. وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي .. وأما الحرث فيتمول بها أهل المزارع. فتكون فتنة كل صنف، في النوع الذي يتمول به، أما النساء والبنون ففتنة للجميع. والإنسان مبتلى في هذه الحياة فهو يمشي في وادي اللذات، ويسبح في بحر الشهوات، ولقطع هذا الوادي وعبور هذا البحر لا بد من الإيمان الذي يحجزه عن محارم الله، ويدفعه لطاعة الله، حتى يصل إلى الجنة بسلام، فإن لم يكن معه إيمان غرق في هذا البحر وهلك وشقي شقاوة الأبد. وكل شهوة ولذة محرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها أو فعلها، مثمرة للألم حال انقضائها، موجبة للعقوبة حال اشتهارها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. فعلينا أن نحسب كم مشينا في متطلبات الدنيا والشهوات؟. وكم مشينا في متطلبات الآخرة، وتحقيق أحكام الله؟. وكم مشينا في مراد الله، وكم مشينا في مراد النفس؟. وكم طاعة فعلناها، وكم معصية اقترفناها؟. نفعل ذلك في الدنيا قبل نشر الصحف ونصب الموازين، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾ [الحشر: ١٨]. وقد انقسم الناس بالنسبة للشهوات إلى قسمين:

стр. 1020

الأول: قسم جعلوها هي المقصودة، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها، ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها. فهؤلاء كانت لهم زاداً إلى دار الشقاء والعناء والعذاب. والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها امتحاناً وابتلاء لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته، على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقاً يتزودون منها لآخرتهم، ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم، وفارقوها بقلوبهم، وجعلوها معبراً إلى الدار الآخرة، ومتجراً يرجون بها سكن القصور الفاخرة. فهؤلاء صارت لهم زاداً إلى الجنة، وإلى مرضاة ربهم. وهؤلاء المستحقون لها لهم صفات: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٦، ١٧]. وهم الذين اتقوا ربهم بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه. فهم مؤمنون صابرون على أداء ما يحبه الله من طاعته، صابرون عن معصيته، صابرون على أقداره المؤلمة. وهم صادقون في إيمانهم وأقوالهم، وأفعالهم وأحوالهم. منفقون مما رزقهم الله بأنواع النفقات على المحاويج من الأقارب وغيرهم. واللذة والبهجة، والفرح والسرور، وقرة العين به، مقصود كل حي، فلا بد من مراد مطلوب محبوب للنفس، فإذا حصل المطلوب المراد، فاقتران اللذة والنعمة، والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه. وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، فهي إنما تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها، أو

стр. 1021

منعت لذة خيراً منها، وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة، وهي لذة الدار الآخرة، ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله كما قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ [النحل: ٣٠]. والله إنما خلق الخلق لدار القرار، وجعل اللذة كلها بأسرها فيها، فالدنيا متاع فتمتع بها إلى غيرها، والآخرة هي المستقر والغاية. كما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]. فلذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك خلقت كما قال النبي ﷺ : «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأةُ الصَّالِحَةُ» أخرجه مسلم (١). فكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهي محبوبة للرب مرضية له، وصاحبها يتلذذ بها من وجهين: من جهة تنعمه وقرة عينه بها. ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه، وإفضائها إلى لذة أكمل منها. فهذه اللذه هي التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها، لا اللذة الي تعقبه غاية الألم، وتفوت عليه أعظم اللذات، ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذات الآخرة ونعيمها، فيثاب مثلاً على أكل الطيبات، وعلى وطء زوجته، وعلى سماع القرآن، وعلى النظر في ملكوت السموات والأرض. ويعاقب الإنسان على أكل المحرمات والخبائث، وعلى الزنا، وعلى السرقة، وعلى السماع والنظر إلى المحرمات. قال النبي ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أيَأتِي أحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أجْرٌ، قال: أرَأيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا

стр. 1022

وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلالِ كَانَ لَهُ أجْراً» أخرجه مسلم (١). وهذه اللذة تزيد وتتضاعف بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله، وإخلاص العمل له، والرغبة في الدار الآخرة، وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا، فخير الدنيا والآخرة يناله العبد، قلب شاكر، ولسان ذاكر، وزوجة حسناء، إن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله. فالفرح والسرور يحصل ويكمل بمعرفة المحبوب وإرادته وإيثاره ومحبته. والألم والحزن والهم والغم ينشأ من عدم العلم بالمحبوب، أو من عدم إرادته وإيثاره مع العلم به، أو من عدم إدراكه والظفر به مع محبته وإرادته، وهذا من أعظم الألم. ولهذا يكون ألم الإنسان في البرزخ وفي دار الحيوان بفوات محبوبه أعظم من ألمه بفواته في الدنيا، لمعرفته هناك بكمال ما فاته ومقداره، وشدة حاجته إليه، وشوق نفسه إليه هناك، وحصول ضده المؤلم له، فيا لها من مصيبة ما أوجعها وما أشدها؟. وأين هذا ممن يلتذ في الدنيا بكل ما يقصد به وجه الله من الأكل والشرب، واللباس والنكاح والجهاد، فضلاً عما يلتذ به من معرفة ربه وحبه له، وتوحيده، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وفرح القلب، وسروره بقربه. وهذه اللذة لا تزال في الدنيا في زيادة، فإذا تجردت الروح وفارقت دار الأحزان والآفات، واتصلت بالرفيق الأعلى، وأفضت إلى دار النعيم، فهناك من أنواع اللذة والبهجة والسرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فبؤساً للنفوس الدنيئة التي لا يهزها الشوق إلى ذلك طرباً وطلباً، تجول حول الحشى إذا جالت النفوس العلوية حول العرش، وتندس في الأحجار إذا طارت

стр. 1023

النفوس الزكية إلى أعلى الأوكار. وكل لذة أعقبت ألماً أو منعت لذة أكمل منها فليست لذة في الحقيقة، وإن غالطت النفوس في الالتذاذ بها. فأي لذة لأكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب؟. وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض، وفسادهم وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم كلذة الذين اتخذوا من دون الله أولياءه، ولذة العقائد الفاسدة، ولذة غلبة أهل الجور والظلم، ولذة أهل الزنى والسرقة وشرب الخمر، ولذة أهل الكبائر والفجور. ولم يمكنهم الله من ذلك لخير يريده بهم، بل هو استدراج منه ليبتليهم به فيحصل لهم أعظم الألم كما قال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦]. ولا غبطة فيما عند الكفار من الأموال والأولاد فإن أول عقوباتها عليهم أن قدموها على مراضي الرب، وعصوه لأجلها: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. فكم ينالهم من المشقة في تحصيلها، والسعي في طلبها، وهم القلب فيها، وتعب البدن من أجلها؟. فلو قابلت لذاتهم فيها بمشقاتهم لم يكن لها نسبة إليها، ومن وبالها عليهم أن قلوبهم تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم، وغاية مرغوبهم، ولا يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا بلا أرباح، وتزهق أنفسهم وهم كافرون. فأي عقوبة أعظم من هذه العقوبة الموجبة للشقاء الدائم، والحسرة الأبدية؟. وكل ما يصد عن اللذة المطلوبة الباقية، فهو وبال على صاحبه، لكن لما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا

стр. 1024

بإعطائها شيئاً من لذة اللهو واللعب، بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه، رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها. وذلك من باب الشفقة والرحمة والإحسان كما مكن النبي ﷺ أبا عمير من اللعب بالعصفور بحضرته، ومكن الجاريتين من الغناء بحضرته، ومكن عائشة من النظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، ومكن تلك المرأة أن تضرب على رأسه بالدف. ومثله إعطاء النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة، لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه. ومزاحه ﷺ مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييباً لقلوبهم، واستجلاباً لإيمانهم، وتفريحاً لهم. فالنبي ﷺ يبذل للنفوس من الأموال والمنافع، ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه، لأن ذلك وسيلة إلى غيره. ولا يفعل ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار، بل يبذل لهم أنواعاً أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم، بتوجيه قلوبهم إلى مولاهم. واللذات ثلاثة أقسام: لذة جثمانية .. ولذة خيالية .. ولذة عقلية. فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب، والجماع والنوم، وهذه اللذة يشترك فيها الإنسان مع الحيوان البهيم، فليس كمال الإنسان بهذه اللذة، لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنها لو كانت كمالاً لكان أفضل الناس وأشرفهم وأكملهم أكثرهم أكلاً وشرباً وجماعاً ونوماً، ولو كانت كمالاً لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه. فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كمالاً، وإنما تكون كمالاً إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى.

стр. 1025

وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرياسة، والتعاظم على الخلق، والفخر والاستطالة عليهم، وهذه وإن كان طلابها أشرف نفوساً من طلاب اللذة الأولى، فإن آلامها وما توجبه من المضار والمفاسد أعظم من التذاذ النفس بها. فإن صاحبها منتصب ومستعد لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه، واحتقار من دونه. فهذه في الحقيقة ليست بلذة، وإن فرحت بها النفوس وسرت بحصولها. وربما قيل أنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام، كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع، وألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرياسة والجاه، لكن لا ريب أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد. وأما اللذة العقلية الروحانية، فكلذة العلم والمعرفة، والاتصاف بصفات الكمال، من الكرم والجود والعفة، والشجاعة والصبر، والمروءة والحلم ونحوها، فالالتذاذ بذلك من أعظم اللذات، وهو لذة للأنفس العلوية الشريفة. فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة المعرفة بالله ومحبته وعبادته والرضا به عوضاً عن كل شيء، صاحب هذه اللذة في جنة عالية، نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة الجنة إلى لذة الدنيا. فإنه ليس للقلب والروح، ألذ ولا أطيب، ولا أحل ولا أنعم، من لذة محبة الله، والإقبال عليه، وعبادته ورؤيته والأنس به. ومثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدله أمثال الجبال من لذات الدنيا. وأكمل الناس لذة من جمع له بين: لذة القلب .. ولذة الروح .. ولذة البدن. فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار الآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه. فهذا ممن قال الله فيه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ

стр. 1026

هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. وأنجس الناس حظاً من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيقال له يوم القيامة، يوم استيفاء اللذات: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠]. فهؤلاء تمتعوا بالطيبات .. وأولئك تمتعوا بالطيبات، وافترقوا في وجه التمتع. فأولئك تمتعوا بالطيبات على الوجه الذي أذن لهم فيه، فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة. وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، سواء أذن لهم فيه أم لا؟. فانقطعت عنهم لذة الدنيا، وفاتتهم لذة الآخرة، فما أخسر هؤلاء، فلا لذة الدنيا دامت لهم، ولا لذة الآخرة حصلت لهم. فمن أحب اللذة العظمى الدائمة فليجعل لذة الدنيا موصلة له إلى لذة الآخرة، فكلما التذ بلذات الدنيا، ذكرته بالله ولذات الجنة الأبدية. فيستعين بها على فراغ قلبه لله وعبادته، ويتناولها بحكم الاستعانة بها على طاعة الله، لا بمجرد الشهوة والهوى. وإن كان ممن زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها، فليجعل ما نقص منها زيادة في لذة الآخرة، ويجم نفسه هاهنا بالترك، ليستوفيها كاملة يوم القيامة. وطيبات الدنيا ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة. وبئس القاطع لمن كانت هي همه ومقصوده وحولها يدندن. وفواتها في الدنيا نعم العون لطالب الله والدار الآخرة. وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة. فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعاً وإلا

стр. 1027

خسرهما جميعاً. ومعرفة الرب تعالى ومحبته، والإيمان به، وتوحيده، والعمل بطاعته، والأنس به .. أكمل نعيم للعبد في الدنيا والآخرة .. ولذة هذا النعيم بالنسبة للذات الدنيا بنسبة الذرة للجبل أو القطرة للبحر، وهو كالجنة بالنسبة لما سواه من النعيم. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الجنة بقوله: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قَالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ حِلَقُ الذِّكْر» أخرجه أحمد والترمذي (١). ولذات الدنيا متاع وسبيل إلى لذات الآخرة، ولذلك ما خلقت الدنيا لذاتها، بل للتزود منها، والاستعانة بما فيها على طاعة الله وعبادته، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة، وأوصلت إليها، لم يذم تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. وإذا علم العبد هذا، فليعلم أن أعظم نعيم الآخرة ولذاتها النظر إلى وجه الله ﷻ ، وسماع كلامه، والقرب منه كما قال النبي ﷺ : «فَمَا أُعْطُوا شيئاً أحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ » أخرجه مسلم (٢). وأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة، هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهي لذة معرفته سبحانه، ولذة محبته، فإن ذلك هو لذة الدنيا ونعيمها العالي. وأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه ومحبته، وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته، فمحبته ومعرفته قرة العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها. فليست الحياة الطيبة إلا بالله ولله، والروح والقلب والبدن إنما خلقت لعبادة الله، والتلذذ بطاعته ومناجاته والقرب منه. والطيبات نوعان:

стр. 1028

طيبات للأبدان .. وطيبات للقلوب. فطيبات القلوب في هذه الحياة هي ما تلتذ به من الإيمان بالله وتوحيده ومعرفته، والوقوف بين يديه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة آلائه ونعمه. وذلك لون يجد فيه القلب المؤمن ما لا يجده في سائر المتاع، إنه متاع اللقاء مع الله ومناجاته في الصلاة بتكبيره وتعظيمه، وحمده والثناء عليه، وسؤاله واستغفاره في جو من الطهر والخشوع، والقرب من الرب كما قال النبي ﷺ : «أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأكْثِرُوا الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم (١). وطيبات الأبدان هي ما تلتذ به من الطعام والشراب والطيبات من النساء، وكلاهما أمر مطلوب في حياة الإنسان، وبهما تكمل حياته، ويسعد في الدنيا والآخرة. والمسلم يرتقي من متاع الطعام والشراب والزواج، إلى متاع الطهارة والصلاة، ويتبع هذه بهذه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. والخير كله .. وكمال اللذات والشهوات .. وكمال النعيم والسرور .. كله بحذافيره في الجنة كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. والشر كله .. وكمال العذاب والعناء .. وكمال الحسرة والندامة .. كل ذلك بحذافيره في النار يوم القيامة كما قال سبحانه عن أهل النار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

стр. 1029

٧ - فقه السعادة والشقاوة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاث مراتب: الأولى: سعادة خارجة عن ذات الإنسان، وهي مستعارة له من غيره تزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والجاه والمنصب، وهي سعادة وهمية. الثانية: سعادة في ذات الإنسان كالصحة، واعتدال المزاج، وحسن القامة، وصفاء اللون، وجماله، وقوة أعضائه، فهذه ألصق به من الأولى، فالأولى تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه، والثانية معرضة للزوال. الثالثة: السعادة الحقيقية، وهي سعادة نفسية روحية قلبية، وهي سعادة الإيمان بالله، والعلم به، وبدينه وبشرعه، فهذه السعادة هي الباقية على تقلب الأحوال، وبها يترقى في معارج الفضل، ودرجات الكمال، وهذه كلما طال الأمد زادت قوةً وعلواً، ويظهر أثرها بعد مفارقة الروح للبدن إذا انقطعت السعادتان الأولتان. وأهل هذه السعادة هم أسعد الناس في الدنيا والآخرة. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].

стр. 1030

وهذه السعادة لا يعرف قدرها، ويبعث على طلبها، إلا العلم بها، وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها وتعب تحصيلها، والجهل بقيمتها. ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه السعادة، وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره، وحجبوا عنها بحجاب من الجهل، ليختص الله بها من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم. وسعادة العبد تتم بثلاثة أشياء: التوحيد .. وضده الشرك. السنة .. وضدها البدعة. الطاعة .. وضدها المعصية. ولهذه الثلاثة ضد واحد، وهو خلو القلب من الرغبة إلى الله، وفيما عند الله، ومن الرهبة من الله، ومما عنده. والإنسان لجهله يعتقد أن العزة في الدنيا بثلاثة أشياء: بالمال .. والمنصب .. والجاه. لكن الصحيح أن العزة في الدنيا والآخرة تحصل للإنسان بالإيمان والأعمال الصالحة، وطاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. ومن استقام على أوامر الله، وقام بالدعوة إلى الله، وصبر على ذلك أعزه الله في الدنيا، وأكرمه بخمس كرامات: الأولى: أن الله يعزه وإن لم تكن عنده أسباب العزة كبلال. الثانية: أن الله يجعل جميع أعمال الدين محبوبة لديه. الثالثة: أن الله يجعل له محبة في قلوب الناس. الرابعة: أن الله يطوي بساط الباطل من حوله.

стр. 1031

الخامسة: أن الله يؤيده بنصرة من عنده، فإذا دعا الله استجاب له. وأما في الآخرة فهو من المقربين في جنات النعيم. وتتحقق السعادة في الدنيا والآخرة بالدين الكامل، والطاعة التامة لله ورسوله في جميع الأحوال. والاستقامة تتحقق للعبد بأربعة أمور: الأول: أن يكون النبي ﷺ قدوة لكل مسلم في كل مكان .. وفي كل زمان .. في فكره .. وفي عمله .. وفي عبادته .. وفي معاملته .. وفي معاشرته .. وفي أخلاقه .. وفي جهاده .. وفي دعوته .. وفي سلوكه .. وفي سائر أحواله، وأن تكون نساؤه قدوة لنساء العالم. الثاني: أن يكون مسجده ﷺ أسوة لجميع المساجد في العالم في شكله وأعماله، وفي عمارته بألوان العبادة. الثالث: أن يكون بيت النبي ﷺ أسوة لجميع البيوت في العالم من حيث بناؤه وسعته وشكله، والأعمال التي تقام فيه، وما يجري فيه من حسن المعاشرة، وتطبيق السنن والآداب في جميع الأمور. الرابع: أن تكون مدينته ﷺ أسوة لجميع المدن في العالم، من حيث محبة أهلها بعضهم لبعض، وإيثارهم وصدقهم، وحسن أخلاقهم ومعاملاتهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتعاطفهم وتراحمهم وتناصحهم. فبالاستقامة تتحقق السعادة في الدنيا والآخرة للأفراد والشعوب والأمم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ومدار السعادة في الدنيا والآخرة على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا

стр. 1032

نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين. فالاعتصام بحبله يعصم من الضلالة .. والاعتصام به سبحانه يعصم من الهلكة. فالاعتصام نوعان: اعتصام بالله كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. واعتصام بحبل الله كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والاعتصام هو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف. فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل. والاعتصام بالله مما هو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه مما يضره، ويعصمه مما يؤذيه أو يهلكه. ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد، فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خراباً لا يرجى معه فلاح البتة. والله ﵎ أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ [هود: ١٠٣]. وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق: ٤٥]. ومن كملت عظمة الخالق تعالى في قلبه عظمت عنده مخالفته، وبحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به يكون تشميره في التخلص من الجناية التي توقعه فيه. ولا مناص للإنسان الذي يبتغي السعادة والراحة .. وطمأنينة القلب .. وصلاح الحال في الدنيا والآخرة .. من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه .. وفي نظام

стр. 1033

حياته .. وفي منهج مجتمعه. وذلك ليتناسق مع النظام الكوني كله، الطائع لربه المنقاد لأمره. فلا يحل للإنسان أن ينفرد بمنهج من صنع نفسه لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه. وبتحكيم منهج الله في الأرض يحقق الإنسان وظيفة الخلافة في الأرض، كما وهبها الله له، وشرفه بها، واختاره لها. وحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن منهج الله لا يصطدم مع الكون فحسب، بل يصطدم أولاً بفطرته التي بين جنبيه فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية الضالة التائهة اليوم. فهي في عذاب يأكلها ويلعب بأحشائها من الداخل، وينخر في أجسادها من الخارج، خوف دائم، وقلق مستمر، ورعب وإرهاب، وجرائم تفتك بالأفراد والأمم والدول، فهي في عذاب دائم، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية الباهرة .. وجميع التسهيلات الحضارية المادية .. والإنتاج الوفير .. والفراغ الكثير .. والرخاء المادي. إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير، خواء الروح من الإيمان التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليه. وخواء حياتها من المنهج الإلهي الذي ينظم حياتها، وينسق بين حركتها، وحركة الكون الذي تعيش فيه. ولذا تجد في هذه الأمة التائهة الشقاء والقلق، والحيرة والاضطراب، وتحس الخواء والجوع والحرمان، فتهرب من واقعها النكد المشين، إلى المسكرات والمخدرات، والشذوذ في الحركة واللباس والأخلاق، وكلما زاد الرخاء والإنتاج زادت الحيرة والمشاكل والاضطراب: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١].

стр. 1034

وكل إنسان .. وكل بيت .. وكل مجتمع .. وكل دولة .. وكل أمة .. وكل أهل الأرض .. غرقى في المشاكل والظلم والحروب والفقر .. وكل يفتش في حل مشاكله في أنحاء الأرض. فطلبوا حل المشاكل في المناصب والأموال والأشياء، وفروا لتحصيل ذلك ليحلوا مشاكلهم، وكلما اجتهدوا زادت المشاكل، وتضاعفت المحن والمصائب والأمراض. فكانت المعاصي والفقر والخوف، والفرقة والتمزق، وتحول المجتمع إلى مجموعة من الوحوش المتناحرة، وتمرغ كثير من الناس في المحرمات والرذائل والفواحش، فزاد البؤس واليأس والفقر. فقالوا: نجتهد حتى نكسب الأموال .. وإذا جاءت الأموال نشتري الأشياء من مسكن ومركب، ومطعم ومشرب .. وإذا توفرت الأموال والأشياء تحل مشاكلنا. ثم توفر المال بيد المسلمين وغيرهم، وما زاد الأمر إلا اضطراباً وشدة فما السبب؟. السبب أن المسلمين يبحثون عن العلاج من غير الكتاب والسنة. فالله أرسل الرسل، وأنزل الكتب لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة. وإذا أخذ المسلمون بذلك تغيرت حياتهم .. ورضي الله عنهم .. كما تبدلت حياة أهل الجاهلية لما آمنوا .. فسعدوا بالأمن بعد الخوف .. وبالعلم بعد الجهل، وبالعدل بعد الظلم، وبالإيمان بعد الكفر، وبالعزة بعد الذلة. وفي الحياة طريقان: طريق الملك والمال والأشياء .. وطريق الإيمان والأعمال الصالحة. وطريق الملك والمال والأشياء فيه طريقان: إما أن يحصل به الفلاح والسعادة كما حصل لسليمان ﷺ .

стр. 1035

وإما الخسران كما حصل لفرعون مع وجود الملك والمال، بسبب عدم امثتال أوامر الله. وكذلك الزراعة كانت عند قوم سبأ فخسروا، لعدم امتثالهم أوامر الله. وكانت الزراعة عند الأنصار، ولكنهم ربحوا لامتثالهم أوامر الله. وكذلك التجارة كانت عند قوم شعيب فخسروا لعدم امتثالهم أوامر الله. وكانت التجارة عند المهاجرين فربحوا في الدنيا والآخرة لامتثالهم أوامر الله . أما طريق الإيمان والأعمال الصالحة ففيه وجه واحد فقط، وهو الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وسعادة الإنسان مبنية على صلاح بدنه وروحه، وصلاح البدن والروح متوقف على مدى معرفة الواضع للتشريع بالذي يصلح العباد، وبقدر معرفة الواضع له بأحوال الخلق وظروفهم وما يصلحهم ظاهراً وباطناً، تكون الثمرة، وتحصل السعادة. ولا أعلم بالخلق من خالقهم، فلا يكون التشريع إلا لله، لأنه أعلم بالخلق وما يصلح أجسامهم وأرواحهم وحياتهم. والتشريع الذي وضعه الله لإصلاح البدن يدور على الأكل من الطيبات، وعلى تحريم ما حرم الله من المطعومات والمشروبات التي تضر البدن. وعلى تحريم المفاسد والمضار التي تضر بالإنسان في نفسه أو ماله أو عرضه أو عقله أو دينه، وهي الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على صيانتها والمحافظة عليها وهي: حفظ الدين .. والنفس .. والعرض .. والعقل .. والمال.

стр. 1036

أما التشريع المتعلق بإصلاح الروح فإنه يدور على الوظائف والأعمال التعبدية التي شرعها الله، وأذن بفعلها كالصلاة والزكاة، والصيام والحج ونحوها. فهذه العبادات تزكي الروح وتطهرها. ومن علامات السعادة والفلاح أن العبد كلما زيد في علمه، زاد في تواضعه وخشيته .. وكلما زيد في عمله زاد خوفه وحذره .. وكلما زيد في عمره نقص من حرصه .. وكلما زيد في ماله زاد في سخائه وبذله .. وكلما زيد في قدره وجاهه زاد في قربه من الناس، وقضاء حوائجهم، والتواضع لهم .. وعلامات الشقاوة: أنه كلما زيد في علمه زاد في كبره وتيهه .. وكلما زيد في عمله زاد في فخره واحتقاره للناس، وحسن الظن بنفسه .. وكلما زيد في عمره زاد في حرصه .. وكلما زيد في ماله زاد في بخله وإمساكه .. وكلما زيد في قدره وجاهه زاد في كبره وتيهه. والله كلف هذه الأمة بأمرين: الأول: إظهار الدين في حياة الإنسان في جميع الأحوال. الثاني: أن ينقل هذا الدين بالجهد إلى العالم كله. وجعل سبحانه سعادة القلوب بـ (لا إله إلا الله)، فكل قلب يخلو منها فهو أشعث مضطرب. وجعل سعادة الأبدان بـ (محمد رسول الله)، فكل بدن يخلو من السنن والأحكام والآداب والمعاشرات والأخلاق التي جاء بها محمد ﷺ فهو في شقاء وضلال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وأصل سعادة العبد وفلاحه بثلاثة أشياء: العبادة .. والاستعانة .. الهداية.

стр. 1037

قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٥، ٦]. فأسعد الخلق أهل العبادة، وأهل الاستعانة، وأهل الهداية. وأشقاهم من عدم ذلك. والهداية: معرفة الحق والعمل به، فمن لم يجعله الله عالماً بالحق عاملاً به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء. فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لا يتخلف عنها، وهي جعل العبد مريداً للهدى، محباً له مؤثراً له، عاملاً به. فهذه الهداية بيد الله وحده، لا يملكها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما. وطلب هذه الهداية لا يكون إلا ممن هو قادر عليها وهي بيده، وهو الله سبحانه، إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها لكونه ليس لها بأهل، ولا تليق به، وكل ذلك يجري وفق العلم والحكمة. وكل إنسان خلق الله فيه قوتين: قوة علمية .. وقوة عملية. وسعادته موقوفة على استكمال هاتين القوتين. واستكمال القوة العلمية يتم بخمسة أمور: الأول: معرفة الرب تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله. الثاني: معرفة الطريق الموصل إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه، واستعانته با لله على عبادته. الثالث: أن يعلم أن العبد لا سبيل له إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، ولا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربه له، كما لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته.

стр. 1038

الرابع: معرفة طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وهما انحراف إلى الضلال الذي سببه فساد العلم والاعتقاد، وانحراف إلى الغضب والمعاصي الذي سببه فساد القصد والعمل. أما استكمال القوة العملية فلا تتم إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على عباده، والقيام بها إخلاصاً وصدقاً على أكمل الوجوه، مع شهود تقصيره في أداء حقه سبحانه. فهو مستحٍ من مواجهة ربه الملك الجبار بتلك الخدمة، لعلمه أنها دون ما يستحقه سبحانه، لا سبيل إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعرفته سبحانه. وقد تضمنت ذلك كله سورة الفاتحة كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. فأول السورة رحمة .. وأوسطها هداية .. وآخرها نعمة. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه من الهداية على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته سبحانه. وهو سبحانه رب العالمين، فلا يليق به أن يترك عباده سدى وهملاً، لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب تعالى إلى ما لا يليق به. والله هو المألوه المعبود، ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله، وهو سبحانه الرحمن الرحيم، ورحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم. واسم الرحمن الرحيم متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث، وإنبات النبات.

стр. 1039

فأسعد الناس المؤمن بربه، المطيع له، العابد له، وبسبب إيمانه وإخلاصه الله يحفظه من السوء والشرور، ويدفع عنه ما يضره، ويجلب له ما يسره ويسعده، ويغفر ذنوبه كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤]. وقد أجرى الله على عباده في الدنيا أحكامه الشرعية .. فمنه من آمن وهم السعداء .. ومنهم من كفر وهم الأشقياء. فأهل الإيمان والتقوى لهم المثوبة والسعادة في الدنيا والآخرة. وأهل الكفر والعناد لهم العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية. ويوم القيامة تجري على العباد أحكام الله الجزائية على ما عملوا من خير أو شر، وذلك يوم عظيم مشهود، يوم تجمع فيه الخلائق كلها لتستوفي أجر أعمالها في الدنيا، يشهده الله والملائكة وجميع المخلوقين: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود: ١٠٥]. فالأشقياء: هم الذين كفروا بالله، وكذبوا رسله، وعصوا أمره. والسعداء: هم اللذين آمنوا بالله، وصدقوا رسله، وأطاعوا أمره. فأما جزاء الأشقياء فهو الخلود في النار كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٦، ١٠٧]. وأما جزاء السعداء فهو الخلود في الجنة كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨]. وسعادة البشرية في الدنيا والآخرة مبنية على استقامتها على أوامر الله وتوحيده والإيمان به، وطاعته وطاعة رسوله، والسير على هديه في كل حال. وإذا تركت الأمة ذلك أو بعضه فقد أحلت بنفسها عذاب الله وعقابه، والله قادر

стр. 1040

على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء، وكيف شاء، إذا عصوه وتركوا عبادته، فيستأصلهم ويدمرهم فوراً. والله سبحانه قادر على أن يعذبهم بعذاب بطيء طويل، لا ينهي أمرهم كله في لحظة، ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار، فيلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد، الذي يذوقونه بأيديهم، ويجرعونه لأنفسهم، إذ يجعلهم شيعاً وأحزاباً متداخلة لا يتميز بعضها من بعض، ولا يفاصل بعضها بعضاً. فهي أبداً في جدال وصراع وفي خصومة ونزاع، وفي بلاء يصيب هذا الفريق أو ذاك، والله على كل شيء قدير، وهو بالناس رؤوف رحيم، وما ربك بظلام للعبيد: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنعام: ٦٥]. وقد عرفت البشرية في فترات كثيرة ذلك اللون من العذاب كلما انحرفت عن منهج الله، وتركت لأهواء البشر وشهواتهم ونزواتهم تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالات. وقد جاء ذلك صريحاً في القرآن في قصص الأنبياء، فنزلت بالأمم السابقة عقوبات متنوعة على جرائم مختلفة، كلما انحرف الناس عن منهج الله. والعالم اليوم يعيش في هذا العذاب البطيء المديد، بسبب إعراض أكثر المسلمين عن منهج الله، وكلما تخبط الناس وهم يصنعون أنظمة للحياة، وقوانين من عند أنفسهم يستعبد بها الناس بعضهم بعضاً، ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وقوانينه البعض الآخر. والبعض الآخر يأبى ويعارض، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض، فيتصارعون فيما بينهم، ويذوق بعضهم بأس بعض، ويحقد بعضهم على بعض، وينكر بعضهم بعضاً، لآنهم لا يفيئون إلى منهج واحد، وضعه لهم المعبود

стр. 1041

الذي يعنو له كل العبيد. حيث لا يجد الإنسان في نفسه استكباراً عن الخضوع له، ولا يحس في نفسه صغاراً حين يخضع له لأنه حكم رب البشر: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. وستظل الأمة شيعاً يذيق بعضها بأس بعض كما هو الواقع فما هو الحل؟. الحل الذي يرفع الشقاء والعناء عن الأمة، ويأتي بالسعادة للبشرية في الدنيا والآخرة .. أن تتميز العصبة المؤمنة بما أكرمها الله به من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية .. وإقامة الشعائر والشرائع في حياتها .. وتستقيم على هذا متيقنة أن الله معها يؤيدها وينصرها .. وتتميز بذلك عن الجاهلية المحيطة بها. والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها، وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها .. باعتبار نفسها أمة متميزة عن غيرها من الذين يؤثرون البقاء على الجاهلية. ولا نجاة للعصبة المؤمنة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب، لا نجاةله إلا بأن تنفصل بإيمانها، ومنهج حياتها عن أهل الجاهلية، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخل فيما دخلت فيه جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج. وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق، وهو خير الفاتحين: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف: ٨٩]. فإنه لم تفعل هذا حق عليها وعيدالله هذا .. وهو أن تظل مع غيرها شيعة من الشيع في المجتمع .. لا تتبين نفسها .. ولا يتبينها الناس مما حولها، وعند ذلك

стр. 1042

يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد. وهذا التميز، وهذه المفاصلة .. قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات، غير أن ذلك لن يكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزها، ونتيجة اندماغها وتميعها في قومها .. والمجتمع الجاهلي من حولها. ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله في القرآن على أيدي جميع الرسل والأنبياء، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره، وتحقيق وعد الله بغلبة رسله والذين آمنوا معهم، لم يقع مرة واحدة، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتها لقومها، على العقيدة، وعلى منهج الحياة، وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها. وطريق هذه الدعوة واحد، ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعاً الذين اختارهم الله ورباهم وأرسلهم. فمتى تفقه الأمة كلام ربها، وتستجيب له، وتستقيم عليه؟. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ [الأنعام: ٦٥]. إن هذا الدين كامل وشامل، له حكم في كل مناسبة .. ليس مجرد عقيدة تستكن في القلب فحسب .. وليس مجرد شعائر تؤدى في أوقاتها .. إنما هو الاتباع الكامل لرسول الله ﷺ فيما يبلغه عن ربه .. وفيما يشرعه ويسنه. والرسول ﷺ لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب .. ولم يأمرهم بالشعائر التعبدية فحسب .. ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله، ولا رجاء أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا كله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 1043

والتمسك بالكتاب في جد وقوة .. وأداء شعائر العبادة .. هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة وسعادة البشرية. فتحكيم هذا الكتاب في حياة الناس، لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة، لإصلاح قلوب الناس، هما طرفا المنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وما تفسد الحياة إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني، ترك الاستمساك الجاد بالكتاب، وتحكيمه في حياة الناس، وترك العبادة التي تصلح القلوب، فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص كالذي يصنعه أهل الكتاب حين تفتر القلوب عن العبادة، فتفتر عن تقوى الله كما حصل لأهل السبت حين احتالوا لأخذ الحيتان فقلبهم الله قردة خاسئين. إن الإسلام منهج متكامل يقيم الحكم على أساس الكتاب، ويقيم القلب على أساس العبادة لله، ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب فتصلح القلوب، وتصلح الحياة. إنه منهج الله، لا يعدل عنه، ولا يستبدل به منهجاً آخر إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب. إن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البر ولا في البحر، والبشر وجميع المخلوقات كلهم في قبضة الله في كل لحظة، وفي كل بقعة. إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، كما هم في قبضته في الجو. فكيف يأمنون أن يخسف الله بهم إذا عصوه جانب البر، بزلزال أو بركان أو بغيرهما من الأسباب التي يأمرها الله فتفعل ما يشاء؟. أو يرسل عليهم عاصفة بركانية، تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلاً يحميهم ويدفع عنهم؟.

стр. 1044

ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وبطشه، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة، ثم ينسونه بعد النجاة: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٧ - ٦٩]. فإن أعرض الناس عن ربهم في الشدة والرخاء، فتلك الطامة الكبرى، والتي بعدها تتنزل العقوبة فوراً كما قال سبحانه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧]. إن السعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا بالتوحيد والإيمان .. واتباع السنة .. وطاعة الله ورسوله. والله سبحانه لم يجعل السعادة في الملك والمال، وإلا لكان فرعون وقارون من أسعد الناس. وإنما جعل السعادة في أمرين، يسعد بهما الناس جميعاً الأمراء والعامة، والأغنياء والفقراء، والرجال والنساء وهما: الأول: (لا إله إلا الله) لإسعاد الروح. الثاني: (محمد رسول الله) لإسعاد البدن. فالروح لا يسعد إلا بالتوحيد والإيمان بالله. فنعظم الله ونكبره .. ونحمده ونشكره .. ونحبه ونتوكل عليه .. ونخافه ونرجوه .. ونعبده ونستعين به وحده لا شريك له .. وبذلك غذاؤه وشفاؤه. والبدن لا يسعد إلا بالأحكام والسنن والآداب الشرعية. فنصلي ونصوم، ونأكل ونشرب، ونلبس ونتزوج، ونبيع ونشتري .. وهكذا على طريقة النبي ﷺ ، فكل عمل وحال له سنة.

стр. 1045

فمن استقام على هذا فهو السعيد حقاً في الدنيا والآخرة، وبذلك ينال محبة الله ورسوله والملائكة وأهل الأرض والسماء، لأنه حقق مراد الله منه بالإيمان والطاعة والعبادة. وكلما أكمل الإنسان السنن في حياته، جاءت السعادة والطمأنينة، وزاد نور القلب، وكلما فقدت سنة، جاء الشقاء والكدر، وأظلم القلب. اللهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].

стр. 1046

٨ - فقه كون الحمد كله لله قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١]. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. الله ﵎ أنعم على عباده بنعم لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وهذه النعم نوعان: نعم مادية .. ونعم روحية. فالنعم المادية هي كل ما خلقه الله في هذا الكون من أجل الإنسان كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. والنعم الروحية هي الدين الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، لإسعاد العباد في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وله سبحانه الحمد على جميع نعمه المادية والروحية حمداً كثيراً طيباً مباركاً، فيه ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء الله من شيء بعد. له الحمد سبحانه على نعمة الصحة والعافية .. وله الحمد على نعمة الأمن والرخاء .. وله الحمد على نعمة الطعام والشراب .. وله الحمد على نعمة

стр. 1047

السكن واللباس، وله الحمد على نعمة المراكب في البر والبحر والجو .. وله الحمد على خلق الليل والنهار، وله الحمد على خلق الزروع والثمار .. وله الحمد على خلق ما يؤكل وما يركب من الحيوان. وله الحمد على نعمة الإسلام .. وعلى نعمة الهداية .. وعلى نعمة الاستقامة، وعلى نعمة الطاعة والعبادة. والله رب العالمين، يربيهم بنعمه المادية والروحية. والمربون قسمان: منهم من يربي شيئاً ليربح عليه المربِّي .. ومنهم من يربي ليربح المربَّى. وتربية الخلق كلهم على القسم الأول، لأنهم يربون ليربحوا إما ثواباً أو ثناءً. والقسم الثاني: تربية الحق سبحانه، فهو يربينا بنعمه المادية والروحية، لنربح نحن، فهو يربي ويحسن من أجل الإنسان، بخلاف سائر المربين وسائر المحسنين، فهم يربون لمصالحهم. والله سبحنه يربينا ولا تنقص خزائنه، وغيره تنقص خزائنه. والله سبحانه وصل إحسانه إلى جميع الخلق، وغيره لعجزه إحسانه لقوم دون قوم، وفي وقت دون وقت، وفي حال دون حال. والله لا ينقطع إحسانه البتة عن الخلق، وغيره ينقطع بسبب الفقر أو الغضب، أو الحسد، أو الموت. ومن العجيب أن الله يربيك، كأنه ليس له عبد سواك، وأنت تخدمه كأن لك رباً غيره، ويفتح لك أبواب خزائنه، وأنت واقف بباب أضعف خلقه. فما أعظم وما أحسن هذه التربية من الرب لعباده. أليس الله يرزقك ويطعمك ويسقيك كل يوم من غير عوض؟. أليس مولاك يمدك كل يوم بالصحة والعافية، والنور والهواء من غير عوض؟. أليس الله يحفظك في النهار من الآفات من غير عوض؟. أليس الله يحفظك بالليل من المخافات من غير عوض؟.

стр. 1048

أليس الله والذي هداك إلى الصراط المستقيم وأعانك على سلوكه من غير عوض؟. والعبد لجهله وظلمه قد زج نفسه بالليل والنهار في أنواع المحظورات، وأقسام المحرمات والمنكرات، والله يوالي عليه نعمه وإحسانه. فما أعظم إحسان الله إلى عباده .. وما أحسن تربيته لهم .. وما أحبه لرحمتهم وإكرامهم .. وما أشد عنايته بهم: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ [الأنبياء: ٤٢]. إنه الملك القدوس السلام .. العزيز الجبار .. القوي القهار .. الحليم الكريم .. الرحمن الرحيم .. العليم الحكيم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦، ٣٧]. إن أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يجاوز ذلك. فإذا كان عمرا لإنسان سبعين عاماً .. نصفها نهار .. ونصفها ليل .. فهو في النوم خمس وثلاثون سنة .. وفي اليقظة خمس وثلاثون سنة .. فإذا أخذنا منها خمس عشرة سنة قبل البلوغ .. فبقي عشرون سنة .. وفي هذه العشرين سنة أعذار وأحوال مختلفة: لعب ولهو .. وسفر ومرض .. وغفلة وسهو .. إلخ .. فيبقى عشر سنوات هي عمر الإنسان الديني .. وهذه العشر سنوات لا تعدل يوماً واحداً في الجنة .. وكان العدل أن يبقى في الجنة بقدر ما عمل، ولكنه فضل الله وكرمه ورحمته التي وسعت كل شيء، فله الخلود أبداً، والنعيم أبداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨]. فمن قيد نفسه بأومر الله في هذه الحياة لساعات قصيرة في الدنيا، فالعدل أن يأخذ ثواب هذه الساعات مثلاً بمثل يوم القيامة.

стр. 1049

ولكن الكريم المنان أعطاه حياة أبدية .. وسعادة أبدية .. وطيبات أبدية .. ولذات أبدية .. وخدمة أبدية .. وقصوراً أبدية .. وفوق ذلك كله رضاه سبحانه ورؤيته: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. فسبحان العزيز الغني الكريم، صاحب الجود والفضل والإنعام والإحسان وله الحمد والشكر على ما أنعم به علينا من نعمه الظاهر ة والباطنة في الدنيا وله الحمد والثناء والشكر على ما أعد لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم يوم القيامة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. والله ﵎ في هذه الحياة يعطي المؤمنين والكافرين من نعمه. وفي الكون من عطاء الله شيئان: شيء من نعم الله خلقه الله ينفعل لك ولغيرك مؤمناً أو كافراً بدون جهد، كالشمس والهواء والمطر، والحرارة والبرودة، والليل والنهار ونحوها. وشيء من نعم الله خلقه الله ينفعل بك مؤمناً أو كافراً، إذا قام به العبد وفق الأسباب التي خلقها الله، فمن زرع حصد، ومن اكتسب ربح، ومن تعلم علم، ومن تزوج أنجب. لكن المؤمن يزيد بحصول البركة في عمله، لأنه يذكر الله، ويستعين به، فتحصل له البركة كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. فالحمد كله .. والثناء كله .. والشكر كله .. لله رب العالمين: فهو سبحانه المحمود لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وهو المحمود سبحانه على ما خلقه في العالم العلوي والسفلي. وهو المحمود على أوامره الكونية، وأوامره الشرعية. وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم، وإيمانهم وكفرهم. وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار، والملائكة والشياطين، وعلى خلق

стр. 1050

الرسل وأعدائهم. وهو المحمود على عدله في أعدائه، وعلى فضله وإنعامه على أوليائه. فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. والحمد: هوالإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له. ومحاسن المحمود تعالى، إما قائمة بذاته وهي أسماؤه الحسنى وصفاته العلا، وإما ظاهرة في مخلوقاته. فأسماء الله كلها حسنى، ليس فيها اسم سوء. وصفاته كلها كمال، ليس فيها صفة نقص. وأفعاله كلها حكمة، ليس فيها فعل خالٍ عن الحكمة والمصلحة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧]. فالله هو المستحق للحمد كله، فيستحيل أن يكون غير محمود كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالق ولا حي. فهو المحمود على كل شيء، وإن كان بعض خلقه يُّحمد أيضاً، كما يحمد رسله وأنبياؤه وأولياؤه، فذلك من حمده ﵎، وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولاً وآخراً. والله سبحانه له الملك، وقد آتى من الملك بعض خلقه، وله الحمد وقد آتى غيره من الحمد ما شاء، وكما أن ملك المخلوق داخل في ملكه، فحمده أيضاً داخل في حمده. فما من محمود يحمد على شيء مما دق أو جل، إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية. وله سبحانه الحمد التام كله، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سبحانه فهو المحمود على كل حال، وعلى كل شيء، فله أكمل حمد وأعظمه،

стр. 1051

كما أن له الملك التام العام، فلا يملك كل شيء إلا هو. فحمده سبحانه وحكمته في خلقه وأمره شامل لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة، وامتحان وبلية، وما يقضيه الله من طاعة ومعصية. والله تعالى محمود على كل ذلك مشكور، وله حمد المدح، وحمد الشكر. أما حمد المدح فالله تعالى محمود على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على كل ما خلق وأمر، فهو رب العالمين، والحمد لله رب العالمين. وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن، إذا اقترن بواجبه من الإحسان. والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والابتلاء إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعات من أجل نعمه سبحانه. والمعاصي إذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع، فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضاً، وإن كان سببها مبغوضاً مسخوطاً للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار. والله سبحانه أفرح بتوبة عبده من فرح رجل أضل راحلته في أرض مهلكة، ثم طلبها وأيس منها ثم وجدها كما قال النبي ﷺ : «لله أفْرَحُ بِتَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أوْ مَا شَاءَ الله، قَالَ: أرْجِعُ إلى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ» متفق عليه (١). فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء، أحب إليه سبحانه من عدمه، وله

стр. 1052

أسباب ولوازم لا بد منها، وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات، وإن كان محبوباً له فهذا الفرح أحب إليه بكثير. فله سبحانه من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة، ونعمة سابغة هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه. وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أسباب لا تحصل بدونها. فتقدير الذنب عليه، إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار، كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الامتحان والابتلاء باعتبار صورته ونفسه. والرب سبحانه محمود على الأمرين: فإن اتصل بالذنب الآثار المحمودة للرب سبحانه، من التوبة والإنابة فهو عين مصلحة العبد، وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره، وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ الأعلى. والنفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل، ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها، ومساكنة من تليق مساكنته، ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل. فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك، فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له، ولا يليق بها سواه. والرب سبحانه محمود على ذلك أيضاً، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه إلى أهل الإحسان والإنعام القابلين له، فما كل أحد قابلاً لنعمته تعالى. وحكمته وحمده تقتضي ألا يودع نعمه وإحسانه في محل غير قابل لها. والحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته، قد تقوم أن خلق الأضداد والمتقابلات، وترتب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم لجانب الربوبية.

стр. 1053

وأيضاً فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب على الإنكار والجهاد من مصالح نفسه وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك. والمقصود الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة، وكان في تمكين الكفار والفساق والعصاة من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم، والإنكار عليهم، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم له. وتمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، والمحبة الصادقة علامتها أن يبذل المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة، في مرضاة محبوبه، والتقرب إليه، فإن بذل روحه كان هذا أعلى درجات المحبة الصادقة. ومن لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها، أن يخلق ذواتاً وأسباباً، وأعمالاً، وأخلاقاً وطبائع، تقتضي معاداة من يحبه، ويؤثر مرضاته لها، وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها. وكل أحد يحب الإحسان والراحة، والدعة واللذة، ويحب من يوصل إليه ذلك. ولكن الشأن كل الشأن في محبته سبحانه، ومحبة ما يحبه، مما هو أكره شيء إلى النفوس، وأشق شيء عليها مما لا يلائمها. فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته، ويحب ما يحب، ممن يحبه لأجل نعمه ومخلوقاته، فإن أعطي منها رضي، وإن منعها سخط وعتب على ربه، وربما شكاه، وربما ترك عبادته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]. فلولا خلق الأضداد، وتسليط أعدائه، وامتحان أوليائه، لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه،

стр. 1054

والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، والعطاء له، والمنع له، ولا عبودية ذل الأحوال والأرواح والقوى في جهاد أعدائه، ولا عبودية مفارقة الأهل والناس مع حاجته إليهم من أجل مرضاته سبحانه. ولا يتحيز إليهم، وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم، فيرضى بمفارقتهم وموالاة الحق عليهم. فلولا الأسباب والأضداد التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار النافعة. وكذلك لولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد، لم تحصل له فضيلة الصبر، وجهاد النفس، ومنها من حظوظها وشهواتها محبةً لله، وإيثاراً لمرضاته، وطلباً للزلفى لديه، والقرب منه. وأيضاً فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية، فإن الله خلق خلقه أطواراً: فخلق الملائكة عقولاً لا شهوات لها وجبلها على طاعته .. وخلق الحيوانات شهوات لا عقول لها .. وخلق الثقلين الجن والإنس .. وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة .. وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء .. وهم المعرضون للثواب والعقاب. فخلق سبحانه الملائكة وطبعهم على الخير، وخلق الشياطين وطبعهم على الشر، وخلق الثقلين وجعلهما محل الابتلاء. ولو شاء الله لجعل خلقه على طبيعة واحدة، وخلق واحد، ولم يفاوت بينهم، ولكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، ولو كان الخلق كله على طبيعة واحدة ونمط واحد لقيل هذا مقتضى الطبيعة، ولقيل كذلك لو كان الله فاعلاً بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته، ولفعل الشيء وضده، والشيء وخلافه. فتنوع أفعاله سبحانه ومفعولاته، من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه وقدرته.

стр. 1055

ولهذا خلق الله النوع الإنساني أربعة أقسام: أحدها: من خلقه لا من ذكر ولا أنثى، وهو أبوهم آدم. الثاني: من خلقه من ذكر بلا أنثى، وهي حواء خلقها الله من ضلع آدم. الثالث: من خلقه من أنثى بلا ذكر، كخلق المسيح عيسى ابن مريم. الرابع: من خلقه من ذكر وأنثى، وهم سائر النوع الإنساني. وذلك كله ليدل عباده على كمال قدرته، وكمال حكمته، ونفوذ مشيئته، وأن الأمر ليس كما يظنه الكافرون به الجاحدون له، من أن ذلك أمر طبيعي. والطبيعة مخلوق من مخلوقاته، وعبد من عبيده، مسخرة لأمره، منقادة لمشيئته، لا تخلق ولا تفعل، ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضلاً عن إسناد الكائنات إليها. فتنوع المخلوقات واختلافها، من لوازم الحكمة والربوبية والألوهية، وهو أيضاً من موجبات الحمد، فلله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه. وأيضاً فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه. وتنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب محبوب له، فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها، وكثر بكثرتها. والله ﵎ محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة .. كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان، فهو محمود على هذا .. ومحمود على ذلك .. وهو سبحانه المحمود على حلمه بعد علمه .. المحمود على عفوه ومغفرته .. المحمود على عفوه عن كثير من جنايات العبيد كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. فنبه سبحانه باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقبوته، وأخذهم بحقه لقضي إليهم أجلهم، ولما ترك على ظهرها من
следующие страницы →