كما أن له الملك التام العام، فلا يملك كل شيء إلا هو.
فحمده سبحانه وحكمته في خلقه وأمره شامل لكل ما يحدثه من إحسان ونعمة، وامتحان وبلية، وما يقضيه الله من طاعة ومعصية.
والله تعالى محمود على كل ذلك مشكور، وله حمد المدح، وحمد الشكر.
أما حمد المدح فالله تعالى محمود على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على كل ما خلق وأمر، فهو رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.
وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن، إذا اقترن بواجبه من الإحسان.
والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والابتلاء إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعات من أجل نعمه سبحانه.
والمعاصي إذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع، فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضاً، وإن كان سببها مبغوضاً مسخوطاً للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة والاستغفار.
والله سبحانه أفرح بتوبة عبده من فرح رجل أضل راحلته في أرض مهلكة، ثم طلبها وأيس منها ثم وجدها كما قال النبي ﷺ : «لله أفْرَحُ بِتَوْبَةِ العَبْدِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أوْ مَا شَاءَ الله، قَالَ: أرْجِعُ إلى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ» متفق عليه (١).
فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء، أحب إليه سبحانه من عدمه، وله
стр. 1052
أسباب ولوازم لا بد منها، وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات، وإن كان محبوباً له فهذا الفرح أحب إليه بكثير.
فله سبحانه من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة، ونعمة سابغة هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه.
وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أسباب لا تحصل بدونها.
فتقدير الذنب عليه، إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار، كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الامتحان والابتلاء باعتبار صورته ونفسه.
والرب سبحانه محمود على الأمرين:
فإن اتصل بالذنب الآثار المحمودة للرب سبحانه، من التوبة والإنابة فهو عين مصلحة العبد، وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره، وعدم استعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الزكية الطاهرة في الملأ الأعلى.
والنفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل، ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها، ومساكنة من تليق مساكنته، ومجاورة الأرواح الخبيثة في المحل الأسفل.
فإن هذه النفوس إذا كانت مهيأة لذلك، فمن الحكمة أن تستخرج منها الأسباب التي توصلها إلى ما هي مهيأة له، ولا يليق بها سواه.
والرب سبحانه محمود على ذلك أيضاً، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه إلى أهل الإحسان والإنعام القابلين له، فما كل أحد قابلاً لنعمته تعالى.
وحكمته وحمده تقتضي ألا يودع نعمه وإحسانه في محل غير قابل لها.
والحكمة في خلق هذه الأرواح التي هي غير قابلة لنعمته، قد تقوم أن خلق الأضداد والمتقابلات، وترتب آثارها عليها موجب ربوبيته وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم لجانب الربوبية.
стр. 1053
وأيضاً فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن، فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب على الإنكار والجهاد من مصالح نفسه وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك.
والمقصود الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة، وكان في تمكين الكفار والفساق والعصاة من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم، والإنكار عليهم، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم له.
وتمام العبودية لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، والمحبة الصادقة علامتها أن يبذل المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة، في مرضاة محبوبه، والتقرب إليه، فإن بذل روحه كان هذا أعلى درجات المحبة الصادقة.
ومن لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها، أن يخلق ذواتاً وأسباباً، وأعمالاً، وأخلاقاً وطبائع، تقتضي معاداة من يحبه، ويؤثر مرضاته لها، وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها.
وكل أحد يحب الإحسان والراحة، والدعة واللذة، ويحب من يوصل إليه ذلك.
ولكن الشأن كل الشأن في محبته سبحانه، ومحبة ما يحبه، مما هو أكره شيء إلى النفوس، وأشق شيء عليها مما لا يلائمها.
فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته، ويحب ما يحب، ممن يحبه لأجل نعمه ومخلوقاته، فإن أعطي منها رضي، وإن منعها سخط وعتب على ربه، وربما شكاه، وربما ترك عبادته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
فلولا خلق الأضداد، وتسليط أعدائه، وامتحان أوليائه، لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده، ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه،
стр. 1054
والمعاداة فيه، والحب فيه، والبغض فيه، والعطاء له، والمنع له، ولا عبودية ذل الأحوال والأرواح والقوى في جهاد أعدائه، ولا عبودية مفارقة الأهل والناس مع حاجته إليهم من أجل مرضاته سبحانه.
ولا يتحيز إليهم، وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم، فيرضى بمفارقتهم وموالاة الحق عليهم.
فلولا الأسباب والأضداد التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار النافعة.
وكذلك لولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد، لم تحصل له فضيلة الصبر، وجهاد النفس، ومنها من حظوظها وشهواتها محبةً لله، وإيثاراً لمرضاته، وطلباً للزلفى لديه، والقرب منه.
وأيضاً فلولا ذلك لم تكن هذه النشأة الإنسانية إنسانية، بل كانت ملكية، فإن الله خلق خلقه أطواراً:
فخلق الملائكة عقولاً لا شهوات لها وجبلها على طاعته .. وخلق الحيوانات شهوات لا عقول لها .. وخلق الثقلين الجن والإنس .. وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة .. وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء .. وهم المعرضون للثواب والعقاب.
فخلق سبحانه الملائكة وطبعهم على الخير، وخلق الشياطين وطبعهم على الشر، وخلق الثقلين وجعلهما محل الابتلاء.
ولو شاء الله لجعل خلقه على طبيعة واحدة، وخلق واحد، ولم يفاوت بينهم، ولكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، ولو كان الخلق كله على طبيعة واحدة ونمط واحد لقيل هذا مقتضى الطبيعة، ولقيل كذلك لو كان الله فاعلاً بالاختيار لتنوعت أفعاله ومفعولاته، ولفعل الشيء وضده، والشيء وخلافه.
فتنوع أفعاله سبحانه ومفعولاته، من أعظم الأدلة على ربوبيته وحكمته وعلمه وقدرته.
стр. 1055
ولهذا خلق الله النوع الإنساني أربعة أقسام:
أحدها: من خلقه لا من ذكر ولا أنثى، وهو أبوهم آدم.
الثاني: من خلقه من ذكر بلا أنثى، وهي حواء خلقها الله من ضلع آدم.
الثالث: من خلقه من أنثى بلا ذكر، كخلق المسيح عيسى ابن مريم.
الرابع: من خلقه من ذكر وأنثى، وهم سائر النوع الإنساني.
وذلك كله ليدل عباده على كمال قدرته، وكمال حكمته، ونفوذ مشيئته، وأن الأمر ليس كما يظنه الكافرون به الجاحدون له، من أن ذلك أمر طبيعي.
والطبيعة مخلوق من مخلوقاته، وعبد من عبيده، مسخرة لأمره، منقادة لمشيئته، لا تخلق ولا تفعل، ولا تتصرف في ذاتها ونفسها، فضلاً عن إسناد الكائنات إليها.
فتنوع المخلوقات واختلافها، من لوازم الحكمة والربوبية والألوهية، وهو أيضاً من موجبات الحمد، فلله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه.
وأيضاً فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه.
وتنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب محبوب له، فكما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها، وكثر بكثرتها.
والله ﵎ محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة .. كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان، فهو محمود على هذا .. ومحمود على ذلك ..
وهو سبحانه المحمود على حلمه بعد علمه .. المحمود على عفوه ومغفرته .. المحمود على عفوه عن كثير من جنايات العبيد كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
فنبه سبحانه باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه، وأنه لو عاجلهم بعقبوته، وأخذهم بحقه لقضي إليهم أجلهم، ولما ترك على ظهرها من
стр. 1056
دابة.
ولكنه سبحانه سبقت رحمته غضبه .. وعفوه انتقامه .. ومغفرته عقابه.
فله الحمد على عفوه وانتقامه .. وله الحمد على عدله وإحسانه.
والله قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاء لفعل ذلك، لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأبى ذلك، وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة.
فأقام سبحانه الحجة، وصرف الآيات، وضرب الأمثال، ونوع الأدلة، ليعرف سبحانه، وليقيم على عباده حجته البالغة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٩].
والله هو الملك الذي كل ما في الكون ملكه، وحقيقة الملك إنما تتم بالعطاء والمنع .. والإكرام والإهانة .. والمثوبة والعقوبة .. والتولية والعزل .. وإعزاز من يليق به العزة .. وإذلال من يليق به الذل كما قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والله ﵎ هو المحمود على ذلك كله.
وهو سبحانه المحمود على قضاء حاجات العباد، وعلى إجابة دعائهم، وعلى تصريف وتدبير ما في الكون كله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
فهو سبحانه كل يوم هو في شأن:
يغفر ذنباً .. ويفرج كرباً .. ويكشف غماً .. ويعطي سائلاً .. ويجيب داعياً .. وينصر مظلوماً .. ويأخذ ظالماً .. ويفك عانياً .. ويغني فقيراً .. ويشفي مريضاً .. ويجبر كسيراً .. ويعز ذليلاً .. ويرحم مسكيناً .. ويقيل عثرةً .. ويستر عورةً .. ويذهب بدولة .. ويأتي بأخرى .. ويرفع أقواماً .. ويضع آخرين .. فعال لما يشاء.
فله الحمد على كل ذلك حمداً كثيراً طيباً مباركاً، ملء السماء، وملء الأرض،
стр. 1057
وملء ما شاء من شيء بعد.
وهو سبحانه مالك الملك، لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض، وتصرفه في الملك والممالك والمماليك دائر بين العدل والإحسان، والحكمة والمصلحة، والرحمة واللطف، فلا يخرج تصرفه عن ذلك.
فله الحمد كله على خلقه وأمره وتدبيره.
والملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه شمله حمده، فهو المحمود في ملكه، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته، يستحيل خروجها عن حمده وحكمته.
ولهذا يحمد سبحانه نفسه عند خلقه وأمره، فهو المحمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ويجمعها التبارك كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والحمد أوسع الصفات وأعم المدائح، لأن جميع أسمائه حمد، وصفاته كلها حمد، وأحكامه حمد، وأفعاله حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد.
والله هو الملك الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، ولكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.
العالم بكل شيء، الذي لكمال علمه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب، حيث لا يطلع عليها الملك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب.
البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة، ويرى جريان دمها في عروقها وعظامها النحل، ويسمع ويرى دبيب الذرة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
стр. 1058
ويرى ما تحت الأرضين السبع، كما يرى ما فوق السموات السبع.
السميع الذي يسمع كل شيء، واستوى في سمعه سر القول وجهره، الذي وسع سمعه الأصوات فلا يخفى عليه شيء، ولا يشغله سمع عن سمع، ولا صوت عن صوت، ولا تختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الطلبات والحاجات والسؤالات.
القدير الذي لا يعجزه شيء، ولكمال قدرته يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً، والبر براً، والفاجر فاجراً.
فهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه، ويهدون بأمره، وجعل فرعون وآله وقومه أئمة يدعون إلى النار.
ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه إياه.
ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام.
ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك إليه.
ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض، وهو المحيط بكل شيء، ولم يحط به أحد من مخلوقاته، بل هو العالي على كل شيء، القاهر فوق كل شيء.
لا تنفذ كلماته ولا تبدل، ولو كانت بحار الأرض مداداً، وأشجار الأرض أقلاماً، وكتب بذلك المداد وتلك الأقلام، لنفد ذلك المداد، وفنيت تلك الأقلام، ولم تنفذ كلمات الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧].
كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، لا يعاقب أحداً بغير فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله، ولا على فعل مالا قدرة له على تركه.
شكور يحب الشاكرين .. حميد يحب الحامدين .. محسن يحب المحسنين ..
стр. 1059
رحيم يحب الرحماء .. غفور يحب المستغفرين .. تواب يحب التوابين.
فكل صفة عليا، وكل اسم حسن، وكل ثناء جميل، وكل حمد ومدح، وكل تسبيح وتنزيه، وكل إجلال وإكرام، فهو لله على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، سبحانه وبحمده لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه خلقه.
فله الحمد أولاً وآخراً، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه.
فهذا أحد نوعي حمده وهو حمد الأسماء والصفات.
النوع الثاني: حمد النعم والآلاء.
وهذا معلوم مشهود للخليقة، برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال، والتكرم بها من غير استحقاق، بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها.
وحبب سبحانه إلى خواص خلقه الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين.
فله الحمد والشكر على جميع آلائه وإحسانه.
وكتب سبحانه في قلوب أوليائه الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه.
فله الحمد كثيراً كما ينعم كثيراً، وكما يعطي جزيلاً.
وتحبب إليهم بنعمه، مع غناه عنهم، وتبغضهم إليه بالمعاصي، وشدة فقرهم وحاجتهم إليه.
ومع هذا فأعد لهم إذا آمنوا به وأطاعوه داراً حسنة، وأعد لهم فيها ما لا عين
стр. 1060
رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وجعل فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.
ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها، وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير من العمل، في هذه المدة القصيرة بالنسبة إلى البقاء في دار الخلود.
وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشراً، وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم.
وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمةً منه وإحساناً، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حمايةً وصيانةً لهم، لا بخلاً منه عليهم، فله الحمد والشكر حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده.
وفتح لهم أبواب العلم والهداية، وعرف لهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه، فله الحمد والشكر عدد خلقه، وزنة عرشه، ورضا نفسه، ومداد كلماته.
وأعلم عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل، وأفضل المنازل، وأجل العلوم والمعارف فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ومن أراد مطالعة أصول النعم المادية والروحية، الظاهرة والباطنة، فليتأمل القرآن من أوله إلى آخره، وسيرى ما عدد الله فيه من نعمه، وتعرف بها إلى عباده، وتوفيقه لأوليائه، وخذلانه لأعدائه، ومنازل هؤلاء، ومنازل هؤلاء.
فقد خلق الله البشر وابتلاهم بإبليس وحزبه، وتسليط أعدائهم عليهم، وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى، لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها.
فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه، وإكرامه
стр. 1061
لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
والشكر: معناه طاعة المنعم، ويكون في ثلاثة مواضع:
في القلب .. واللسان .. والجوارح.
ومعنى كونه في القلب أن يعترف بقلبه أن هذه النعمة من الله، ويرى لله فضلاً عليه، وأن كل النعم في الكون من الله، وأعظمها نعمة الإسلام.
وشكر اللسان أن يتحدث بنعم الله على وجه الثناء على الله بها، والاعتراف بأنها منه سبحانه، لا على سبيل الفخر والخيلاء.
وشكر الجوارح: أن تستعملها بطاعة المنعم سبحانه في كل حال.
فشكر الله على نعمة الإيمان .. أن تعمل بموجبه الطاعات، وتعلمه الناس.
وشكر الله على نعمة العلم .. أن تعمل به وتعلمه الناس.
وشكر الله على نعمة العافية .. أن تستعمل البدن فيما يرضيه سبحانه.
وشكر الله على نعمة الطعام .. أن تستعمله فيما خلق له، وتستعين به على طاعة الله، وتطعم منه خلقه.
وهكذا في بقية النعم حمد وشكر وثناء ومدح للمنعم، الذي شمل بنعمه عموم خلقه، يعطي بلا سؤال، وإذا أعطى أجزل في العطاء، يأمر بالأمر لمصلحة العبد، ويعين على فعله، ويقبله إذا فعل، ويثيب عليه بالثواب الجزيل الدائم الذي لا ينقطع: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وحقيقة الحمد يجب أن توجه إلى الله وإن توجهت إلى غيره مجازاً، لأنه سيؤول إليه، فأنت لا تحمد فلاناً لأنه أعطاك بذاته، وإنما أعطاك لأن الله أعطاه فأعطاك، وأمره أن يعطيك فأعطاك، وحبب ذلك إليه فوضعه في يدك.
فهو سبحانه المحمود على ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على جماله وجلاله، وهو المحمود على نعمه وآلائه، وهو المحمود على حلمه
стр. 1062
ولطفه، وهو المحمود على قضائه وقدره، وهو المحمود على دينه وشرعه.
فـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١].
و: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
و: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وأصول الشكر وقواعده التي لا يكمل إلا بها ستة:
خضوع الشاكر للمشكور سبحانه .. وحبه له .. واعترافه بنعمه .. وثناؤه عليه بها .. واستعمالها فيما يحب الله .. وعدم استعمالها فيما يكره.
ومتى نقص منها واحدة اختلت قاعدة من قواعد الشكر للرب.
وأسباب الشكر ومنابعه كثيرة:
فحياء العبد من تتابع نعم الله عليه شكر .. والمعرفة بعظيم حلم الله شكر .. والمعرفة بأن النعم ابتداء من الله بغير استحقاق شكر .. والعلم بأن الشكر نعمة من نعم الله شكر .. وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر .. وتلقي النعم بحسن القبول شكر .. واستعظام صغيرها شكر .. ووضعها في مكانها شكر .. وصرفها في طاعة الله حسب أمر الله شكر: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ [لقمان: ١٢].
والله هو المنعم بجميع النعم، والنعم كلها أثر من آثار رحمته.
وتربية الله لخلقه نوعان:
تربية عامة .. وتربية خاصة.
فالعامة: هي خلقه للمرزوقين ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه المؤمنين، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم،
стр. 1063
ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه بالتوفيق لكل خير، وعصمتهم من كل شر.
فله الحمد والشكر على كماله وجلاله وجماله وآلائه وإنعامه وإحسانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
له الملك كله فلا يخرج مخلوق عن ملكه، والحمد كله له: حمد على ما له من صفات الكمال، وحمد على ما خلقه من الأشياء .. وحمد على ما أسداه من جزيل النعم .. وحمد على ما شرعه من الأحكام .. الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [التغابن: ١].
وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلا أنْتَ، أوْ: لا إلَهَ غَيْرُكَ» متفق عليه (١).
فكل ما خلقه الله هو نعمة، ودليل على قدرة الله، وعلى حكمته.
وكل مخلوق فيه نعمة تستوجب من الخلق الحمد والشكر لله.
والحمد لله على كل حال، لأنه ما من حال يقضيها الله، إلا وهي نعمة على عباده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل
стр. 1064
شيء قدير.
هو المحمود على خلقه .. وعلى علمه .. وعلى رحمته .. وعلى حكمته .. وعلى حلمه .. وعلى نعمه .. وعلى قدرته .. وعلى كماله وجلاله وجماله.
والحمد لله أحق ما قال العبد، يقوله المسلم في كل صلاة، وفي كل خطبة، وفي كل أمر ذي بال، وفي كل حال.
فلله الحمد والشكر على كل حال، لأنه لا يفعل إلا الخير والإحسان.
стр. 1065
٩ - فقه الولاء والبراء
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة: ١٣].
الله ﵎ ولي المؤمنين، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، والشيطان ولي الكفار، والكفار والمنافقون بعضهم من بعض.
والفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان:
أن أولياء الرحمن: هم المؤمنون المتقون الذين يتبعون رضاه بفعل المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور، وتحصل لهم كرامات بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحة كنزول المطر بالاستسقاء، وشفاء المريض بالدعاء ونحو ذلك.
وهؤلاء لهم العاقبة الحسنى في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
أما أولياء الشيطان: فهم الضالون المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة، إما بعبادة غير الله، أو بعبادة لم يشرعها الله.
وهؤلاء تتمثل لهم الشياطين، ولهم أحوال شيطانية، وهم من جنس الكهان، يكذبون تارة، ويصدقون تارة، وفي أعمالهم يخالفون أوامر الله، وتقترن بهم الشياطين، لكنها لا تقترن بهم وتعينهم إلا مع نوع من البدعة، إما كفر وإما فسق، وإما جهل بالشرع.
стр. 1066
فتحمل الشياطين أحدهم في الهواء، وتخبره ببعض الأمور الغائبة، وقد تأتيه بنفقة أو كسوة أو طعام ونحو ذلك من الأحوال الشيطانية، فتجد أحدهم ظالماً مرتكباً للفواحش، وملابساً للخبائث من النجاسات والأقذار التي تحبها الشياطين كما قال سبحانه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
وكل من أعرض عن الله التحق به شيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦، ٣٧].
وقد نهى الله ﵎ المؤمنين عن موالاة الكافرين، وأخبر أن من تولاهم فإنه منهم.
ومن صور موالاة الكفار:
التولي العام لهم .. المودة والمحبة لهم .. الركون إليهم .. مداهنتهم وموالاتهم .. مجالستهم ومزاورتهم .. مصاحبتهم ومعاشرتهم .. الرضا بأعمالهم .. مشاورتهم وطاعتهم .. تقريبهم في المجالس .. استعمالهم في أمور المسلمين .. اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين .. البشاشة لهم وإكرامهم .. تعظيمهم وتسويدهم .. السكنى معهم في ديارهم .. استئمانهم وقد خونهم الله .. معاونتهم في أمورهم .. التشبه بهم، ونحو ذلك من صور الموالاة.
والمؤمن لا يستقيم إيمانه، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين، والتصريح بهم بالعداوة والبغضاء كما قال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقوله سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى
стр. 1067
تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
والناس في الولاء والبراء ثلاثة أقسام:
الأول: من يجب علينا محبته محبة خالصة، وهم المؤمنون وفي مقدمتهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ ، ثم أهل بيته الطيبون، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الكرام، خاصة الخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المفضلين، والمهاجرون والأنصار، وأهل بدر وبيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة ﵃، ثم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين.
الثاني: من يبغض ويعادي، فلا محبة له ولا موالاة، وهم الكفار والمشركون، والمنافقون والملاحدة، والمرتدون ونحوهم كما قال سبحانه: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].
لكن من لم يؤذ المسلمين منهم فيحسن بره والإحسان إليه لعل هذا يكون سبباً لهدايته.
الثالث: من نحبه من وجه، ونبغضه من وجه، وهم عصاة المؤمنين، نحبهم لما فيهم من الإيمان، ونبغضهم لما فيهم من المعاصي التي هي دون الكفر، ومحبتنا لهم تقتضي مناصحتهم والدعاء لهم، والإنكار عليهم، حتى يتوبوا ويكفوا عن معاصيهم.
قال النبي ﷺ : «مَنْ رَأى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم (١).
стр. 1068
وقد وقع الناس في البلاء بسبب عدم التمييز بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، والفرقان أعز ما في العالم، وهو نور يقذفه الله في قلب المؤمن يفرق به بين الحق والباطل، ويزن به حقائق الأمور خيرها وشرها، وصالحها وفاسدها.
ومن فقد الفرقان وقع ولا بد في أشراك الشيطان وحبائله.
وقد أخبر النبي ﷺ أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من ضده.
فعلى المسلم أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والحج والأعياد، وتعلم العلم والجهاد في سبيل الله، والدعوة والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.
فإن دعت الحاجة إلى مخالطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم، فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكنه أذى يعقبه عزٌ له ومحبة وتعظيم، وثناء عليه منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين.
وموافقتهم على الشر يعقبه ذل له وبغض، ومقت وذم، منهم، ومن المؤمنين ومن رب العالمين.
وإن دعت الحاجة إلى مخالطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعةً لله إن أمكنه، فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً ببدنه، غائباً بفكره، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية.
وما أصعب هذا، وما أشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه.
وقد حذرنا الله من موالاة اليهود والنصارى، وكل من لا ينتمي إلى الإسلام، ولا يقف تحت رايته فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
стр. 1069
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١].
فأهل الكتاب بعضهم أولياء بعض، فقد حاربوا الإسلام والمسلمين منذ زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وهذه الحرب سواء كانت سافرة معلنة، أم مستورة مبطنة .. وهذه العداوة، وهذا الكيد، وهذ الحسد، وهذا الظلم.
كل ذلك وصف لهاتين الأمتين، الذين غضب الله عليهم ولعنهم، بسبب كفرهم وظلمهم وفسادهم.
وإذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض .. فإنه لا يتولاهم إلا من هو منهم .. وكل فرد يتولاهم من الصف الإسلامي .. إنما يخلع نفسه من صف المسلمين .. ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف .. ويلحق نفسه بأحفاد القردة والخنازير الذين كفروا بالله .. وقتلوا الأنبياء .. وسعوا في الأرض فساداً .. وأكلوا أموال الناس بالباطل .. ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم .. واتبعوا وحي الشياطين .. ونقضوا العهود والمواثيق، وصدوا عن سبيل الله.
فكيف يتولاهم مسلم وهذه صفاتهم؟ .. وكيف يتولى قوماً غضب الله عليهم ولعنهم؟.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ [الممتحنة: ١٣].
ألا ما أضل الإنسان حين يترك الدين وموالاة المؤمنين، ويتولى أحفاد القردة والخنازير: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠].
وكل مسلم تولى اليهود والنصارى فإنه ظالم لنفسه، وظالم للمسلمين، مسيء إلى الدين، ومن تولاهم أدخله الله في زمرتهم، ولا يهديه إلى الحق، ولا يرده إلى الصف المسلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤].
стр. 1070
إنه لا يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى، ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم.
إن ولاء المسلم لكل من يرفع راية الحق، ولا ولاء لمن يرفع راية الباطل.
إن الإسلام يأمر أهله أن تكون علاقاتهم بالناس جميعاً على أساس العقيدة، فالولاء والبراء لا يكونان في تصور المسلم وفي حركته على السواء إلا في العقيدة، ومن ثم لا يكون الولاء وهو التناصر بين المسلم وغير المسلم، إذ أنهما لا يمكن أن يتناصرا في مجال العقيدة، وكيف يتناصران وليس بينهما أساس مشترك يتناصران عليه.
فالدين هو الإسلام، وليس هناك دين غيره يعترف به الإسلام، وبعد بعثة النبي ﷺ لم يعد هناك دين يرضاه الله ويقبله من أحد إلا هذا الإسلام في صورته التي جاء بها محمد ﷺ .
وما كان يقبل قبل بعثة محمد ﷺ من النصارى لم يعد يقبل الآن، كما أن ما كان يقبل من اليهود قبل بعثة عيسى ﷺ لم يعد يقبل منهم بعد بعثته.
ووجود يهود ونصارى بعد بعثة محمد ﷺ ليس معناه أن الله يقبل منهم ما هم عليه أو يعترف لهم بأنهم على دين إلهي .. كلا.
فلا دين بعد بعثة محمد إلا الدين الذي جاء به محمد ﷺ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وإذا كان الإسلام لا يُكره اليهود والنصارى على ترك معتقداتهم، واعتناق الإسلام فليس معنى هذا أنه يعترف بما هم عليه ديناً، أو يراهم على دين.
ومن ثم وعلى هذا فليس هناك دين مع الإسلام، هناك دين وهو الإسلام، وهناك لا دين وهو غير الإسلام.
والمسلم مطالب بحسن معاملة أهل الكتاب وغيرهم ما لم يؤذوه في الدين، ومطالب أن يدعو أهل الكتاب إلى الإسلام كما يدعو سائر الكفار إلى الإسلام سواء.
стр. 1071
وهو غير مأذون له في أن يكره أحداً من هؤلاء وهؤلاء على الإسلام، لأن الإيمان لا يدخل القلوب بالإكراه، فالإكراه في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمرة له، ولا منفعة منه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فالإسلام جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب وعموم الكفار، ويدعوهم للدخول فيه، لأنه الحق وحده، وما سواه باطل غير مقبول.
فلا ولاء إذاً بين المسلمين وأهل الكتاب لا من ناحية الإيمان، ولا من ناحية إقامة منهج الله في الحياة، فكيف يكون التولي؟.
وكيف يكون تعاون المسلم مع من لا يؤمن بالإسلام ديناً ومنهجاً ونظاماً للحياة؟.
فالولي هو الله، والناصر هو الله، والاستنصار بغيره ضلالة، كما أنه عبث لا ثمرة له، ولكن لا يواليهم إلا من في قلبه مرض من المنافقين الذين لا يدركون حقيقة الإيمان: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢].
فالواجب على المسلمين أن ينتهوا عن موالاة اليهود والنصارى فضلاً عن سائر الكفار، لأنهم بموالاتهم يكونون معهم، ويرتدون بذلك عن الإسلام، ومن ارتد عن الإسلام بهذا الولاء أو بغيره فليس عند الله بشيء، وليس بمعجز الله، ولا ضار لدينه.
ولله أولياء وناصرون مدخرون في علم الله، إن ينصرف هؤلاء، يجيء الله بهؤلاء، يقومون بكل ما تركه أولئك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
стр. 1072
فالله على كل شيء قدير، يختار من عباده المؤمنين من يقوم بإقرار دين الله في الأرض، وتمكين سلطانه في حياة البشر، وتحكيم منهجه في حياتهم، وتنفيذ شريعته في خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن رفض هذا الفضل، فالله يختار من عباده من يعلم أنه أهل لذلك الفضل العظيم، من قوم يحبهم ويحبونه، ولا يقدر حقيقة هذا العطاء إلا الذي يعرف حقيقة المعطي، الذي يعرف من هو الله.
وحب الله لعبد من عبيده أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته، وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها.
وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمراً هائلاً عظيماً، وفضلاً من الرب جزيلاً، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه، وتعريفه هذا المذاق الجميل، هو إنعام هائل عظيم، وفضل من الله جزيل: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠].
فليست العلاقة بين الله والإنسان علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع، بل بين الله وعباده علاقة الرحمة، علاقة العدل، علاقة الإحسان، علاقة العفو، علاقة الود: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
وقد حدد الله للمؤمنين جهة الولاء الوحيدة، والتي تتفق مع صفة الإيمان، وبين لهم من يتولونه بقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥].
وهكذا كشف الله جهة الولاء بأن تكون لله ورسوله والمؤمنين، وأن يكون الإسلام هو الدين، ويكون الأمر أمر مفاصلة بين الصف المسلم وغيره.
ولكن حتى لا يكون الإسلام مجرد عنوان، أو مجرد راية وشعار، أو مجرد كلمة تقال باللسان، فإن الله وصف المؤمنين الذين يتولاهم المسلم ويتولونه بأنهم الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون ربهم.
والله يعد الذين آمنوا في مقابل الثقة به، والتوكل عليه، والولاء له وحده،
стр. 1073
ولرسوله وللمؤمنين بالتبعية، وفي مقابل نبذ الصفوف إلا الصف الذي يتمحض لله، يعدهم النصر والغلبة والسعادة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وماذا يبقى من الكرامة للمسلم إذا أهين دينه، وأهينت عبادته، وأهينت صلاته، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادةً للهزء واللعب؟.
فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الأفعال الشنيعة؟.
فليحذر المسلم من موالاة هؤلاء كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٧، ٥٨].
فما يستهزئ بدين الله، وعباده المؤمنين به، إنسان سوي العقل، فالعقل حين يصح ويستقيم يرى في كل شيء من حوله دلائل الإيمان بالله، وحين يختل وينحرف لا يرى هذه الدلائل والآيات، لأنه حينئذ تفسد العلاقات بينه وبين هذا الوجود كله.
فالوجود كله يوحي بأن له إلهاً يستحق العبادة والإجلال والتعظيم، والحمد والشكر، والعقل حين يصح ويستقيم، يستشعر جمال العبادة وجلالها لإله هذا الكون فلا يتخذها هزواً ولعباً وهو صحيح مستقيم.
وقد وقع هذا الاستهزاء واللعب من الكفار واليهود والنصارى وما زال يقع، فكيف يواليهم المسلم؟.
إن الإسلام يأمر أهله بالسماحة، وحسن الخلق، وحسن المعاملة، مع أهل
стр. 1074
الكتاب، خاصة النصارى، ولكنه ينهاهم عن الولاء لهؤلاء جميعاً.
لأن الولاء هو النصرة، ولا تناصر بين المسلمين وأهل الكتاب كما هو الشأن في الكفار، وكيف تكون النصرة مع اختلاف الدين والعمل والهدف؟.
وكيف يتولى المسلم هؤلاء وهم كفار؟ ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ [المائدة: ٦١]
وكيف يوالي المسلم أهل الكتاب وهم يسارعون في الشر، ويتسابقون في الإثم والعدوان، وأكل الحرام، خاصة اليهود: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢]
وعلامة المجتمع الخيِّر الفاضل أن يسود فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يوجد فيه من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وأن يوجد فيه من يستمع إلى من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
وهذه صفة المسلمين الذين قال الله عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]
أما أهل الكتاب فقد لعنهم الله وغضب عليهم بعد كفرهم وصدهم عن سبيل الله، وعدوانهم، ونبذهم كتاب الله وراء ظهورهم كما قال سبحانه:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
فكيف يوالي هؤلاء هؤلاء؟ وهما متواجهان متقابلان؟.
وكيف يوالي المسلم أهل الكتاب وهم لا يقيمون الدين في نفوسهم ولا في حياتهم؟.
فهم ليسوا على شيء من الدين كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى
стр. 1075
شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨]
إن دين الله له روح وجسد .. ليس رايةً ولا شعاراً ولا وراثة .. دين الله حقيقة تتمثل في النفس والحياة .. تتمثل في عقيدة تعمر القلب .. وشعائر تقام للتعبد .. ونظام يصرف الحياة ورفق منهج الله .. ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل الشامل الجامع المانع.
ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وحياتهم، فأين أهل الكتاب من هذا؟.
إن البشرية كلها تنقسم في نظر المسلم إلى صفين:
صف المؤمنين .. وصف الكافرين .. على مدار الرسالات .. وعلى مدار القرون.
وينظر المسلم فإذا الأمة المؤمنة بكل دين .. وبكل عقيدة من عند الله هي أمته، وأهلها هم إخوانه من لدن آدم إلى بعثة خاتم الأنبياء محمد ﷺ .
وإذا الصف الآخر هم الكفار في كل ملة .. وفي كل دين .. وفي كل زمان .. فيوالي المؤمنين .. ويتبرأ من الكافرين .. ويؤمن بالرسل جميعاً .. ويكفر بالطواغيت جميعاً.
إن البشرية لا تنقسم في تقرير المسلم إلى أجناس، وألوان، وأوطان، ولغات. إنما تنقسم إلى أهل الحق، وأهل الباطل، وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل من كانوا، وأين كانوا، في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال.
وهكذا يتوحد الميزان الذي يقيم به الإنسان أياً كان، ويرتفع المسلم عن عصبية الجنس واللون، واللغة والوطن، إلى القمة العليا التي تصل الإنسان بالرب إيماناً وعبادة وتقوى كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
إنها قيمة الإيمان التي تشمل الجميع .. ويقوم بها الجميع .. ويحاسب بها
стр. 1076
الجميع .. وعليها يوالي المسلم ويعادي .. ويحب ويبغض .. ويسالم ويحارب .. فالمؤمنون إخوانه .. والكفار أعداؤه.
فلا يجوز للمؤمنين موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة والاستعانة بهم في أمر من أمور المسلمين أبداً إلا عند الضرورة كما قال سبحانه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨].
ومدار السعادة في الدنيا والآخرة على الاعتصام بالله .. والاعتصام بحبله.
فأما الاعتصام بالله فإنه يعصم من الهلكة .. وأما الاعتصام بحبل الله فإنه يعصم من الضلالة.
فالاعتصام بالله: معناه التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١].
والاعتصام بحبل الله: معناه التمسك بكتابه وشرعه الذي يحمي من البدعة وآفات العمل كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، أنت مولانا، فنعم المولى، ونعم النصير: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ [الأعراف: ١٥٥].
стр. 1077
الباب الخامس
كتاب التوحيد
ويشتمل على ما يلي:
١ - فقه التوحيد
٢ - خطر الجهل
٣ - خطر الكفر
٤ - خطر الشرك
٥ - خطر النفاق
٦ - فقه التوفيق والخذلان
٧ - فقه حمل الأمانة
٨ - حكمة إهباط آدم إلى الأرض
стр. 1078
١ - فقه التوحيد
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]
التوحيد: هو أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده هو رب كل شيء ومليكه، وأنه وحده الخالق الذي يدبر الكون كله وحده، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه فهو باطل، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال، منزه عن كل عيب ونقص، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا.
والتوحيد: مراد الله من عباده، وهو أحب شيء إلى الله، وهو المقصود من خلق الجن والإنسان، بل خلق الكون كله.
والتوحيد: ألطف شيء وأنزهه، وأنظفه وأصفاه، فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه، فهو كالثوب الأبيض يدنسه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جداً أدنى شيء يؤثر فيها.
ولهذا تشوشه وتؤثر فيه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية.
فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده، وإلا استحكم وصار طبعاً يتعسر عليه قلعه والتخلص منه.
والتوحيد: مفزع أولياء الله وأعدائه.
فأما أعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها كما قال الله عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت: ٦٥]
وأما أولياؤه فينجيهم من كرب الدنيا والآخرة.
ولذلك فزع إليه نوح ﷺ فأنجاه الله، ومن آمن به، وأغرق من كفر كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
стр. 1079
الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الصافات: ٧٥ - ٧٦].
وفزع إليه إبراهيم ﷺ فنجاه الله من النار، وجعلها برداً وسلاماً عليه كما قال سبحانه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٦٩].
وفزع إليه يونس ﷺ فنادى ربه، وهو في بطن الحوت في ظلمات البحر فنجاه الله كما قال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
وفزع إليه محمد ﷺ في الهجرة إلى المدينة فحفظه الله، وفي بدر فنصره الله كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وفزع إليه أتباع الرسل، فنجوا مما عُذب به المشركون في الدنيا، وما أعد الله لهم من العذاب في الآخرة.
ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك لم ينفعه؛ لأن الإيمان عند معاينة الموت لا يقبل، وهذه سنة الله في عباده لا تتبدل كما قال سبحانه: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨].
وقوة التوحيد والإيمان تقهر ما يضادها وتحرقه.
ومن الناس من يكون توحيده عظيماً كبيراً، ينغمر فيه كثير من الذنوب ويستحيل فيه، بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ، فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه، فيخلط توحيده الضعيف بما خالط به صاحب التوحيد العظيم توحيده فيسقط ويهلك.
وصاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات، يسامَح بما لا يسامَح به مَنْ أتى مثل تلك السيئات، وليست له تلك المحاسن.
стр. 1080
فما حصلت المطالب إلا بالتوحيد، ولا دفعت الشدائد إلا بالتوحيد، ولا ظفر بالجنة إلا بالتوحيد، ولا نجاة من النار إلا بالتوحيد، ولا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فالتوحيد مفزع الخلائق كلها، وهو ملجؤها وحصنها وغياثها.
ولله على كل عبد ثلاثة أمور:
أمر يأمره به .. وقضاء يقضيه عليه .. ونعم ينعم بها عليه.
فواجبه في الأمر الطاعة .. وواجبه في القضاء الصبر .. وواجبه في النعم الشكر .. وهو لا ينفك عن هذه الثلاثة.
والتقصير والغفلة والنسيان من طبيعة البشر، فلا بدَّ له مع تلك الثلاثة من الاستغفار الكثير المستمر، لعظمة حجم النقص، والتقصير في حق الرب.
والقضاء نوعان:
إما مصائب .. وإما معائب.
وأحب الخلق إلى الله، وأقربهم إليه، من عرف عبوديته في هذه المراتب ووفاها حقها، وأبعدهم منه من جهل عبوديته في هذه المراتب كلها. فعبوديته في الأمر امتثاله إخلاصاً واقتداء برسول الله ﷺ .
وعبوديته في النهي اجتنابه خوفاً من الله، وإجلالاً له، وحياءً منه، ومحبة له.
وعبوديته في قضاء المصائب الصبر عليها، ثم الرضا بها، وهو أعلى منه، ثم الشكر عليها، وهو أعلى من الرضا.
وهذا إنما يتأتى منه إذا تمكن حب الله من قلبه، وعلم حسن اختياره له، وبره به، ولطفه به، وإحسانه إليه بالمصيبة وإن كرهها.
وعبوديته في قضاء المعائب المبادرة إلى التوبة منها، ووقوفه أمام ربه في مقام الاعتذار والانكسار، مستيقناً أنه لا يرفعها إلا هو، ولا يقيه شرَّها سواه، وأنها إن استمرت أبعدته من قربه، وطردته من بابه.
فيراها من الضر الذي لا يكشفه غيره، حتى إنه ليراها أعظم من ضر البدن، فهو
стр. 1081
عائذ برضاه من سخطه، وبعفوه من عقوبته، وبه منه، مستجير وملتجئ إليه.
يعلم يقيناً أنه إذا تخلى عنه، وخلى بينه وبين نفسه، وقع في أمثالها أو شر منها، وأنه لا سبيل إلى الإقلاع عنها والتوبة منها إلا بتوفيقه سبحانه وإعانته، وأن ذلك كله بيده سبحانه لا بيد غيره.
ويستيقن أنه أعجز وأضعف وأقل من أن يوفق نفسه، أو يأتي بما يرضي سيده بدون إذنه ومشيئته وإعانته.
فهو ملتجئ إليه، ملق نفسه بين يديه، يعلم أن الخير كله بيديه، وأنه ولي نعمته، أعطاها له بدون سؤال، وابتدأه بها من غير استحقاق، وأجراها عليه، وساقها إليه، مع تبغضه إليه بإعراضه وغفلته ومعصيته، فحظه وحقه سبحانه الحمد والشكر والثناء، وحظ العبد الندم والنقص والعيب والتقصير.
فالحمد كله لله رب العالمين، والفضل كله منه، والمنَّة كلها له، والخير كله في يديه.
فمنه سبحانه الإحسان، ومن العبد الإساءة، ومنه التودد إلى العبد بنعمه، ومن العبد التبغض إلى ربه بمعاصيه.
وأما عبودية النعم: فمعرفتها والاعتراف بها أولاً، وعدم إضافتها إلى سواه وإن كان سبباً، فهو مسببه ومقيمه، فالنعمة منه وحده بكل وجه واعتبار، ثم الثناء بها عليه، ومحبته عليها، وشكره باستعمالها في طاعته.
ومن لطائف التعبد بالنعم أن يستكثر قليلها عليه .. ويستقل كثير شكره عليها .. ويعلم أنها وصلت إليه من سيده من غير ثمن بذله فيها .. وأنها لله لا للعبد .. فلا تزيده النعمة إلا انكساراً وذلاً وتواضعاً ومحبة للمنعم .. وكلما جدد الله له نعمة أحدث لها عبودية ومحبة، وخضوعاً وذلاً .. وكلما أحدث له قبضاً أحدث له رضىً .. وكلما أحدث العبد ذنباً أحدث له توبة وانكساراً واعتذاراً.
فهذا هو العبد الكيِّس: الذي عرف أن مولاه واحد، بيده كل شيء، ومنه كل شيء، فأحبه وتولاه، ولزم بابه.
стр. 1082
فليس للعبد غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن تخلى عنه وأهمله هلك، لأنه ليس له من يعوذ به ويلوذ به غير سيده، وهو عبد مربوب مدبر مأمور منهي، يتصرف بحكم العبودية لا بحكم الاختيار لنفسه، وليس عند العبد عمل إلا تنفيذ أوامر سيده، والعمل بما يرضيه.
فهؤلاء هم عبيد الطاعة الذين آمنوا بربهم، وهم المضافون إليه سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]
ومن عداهم عبيد القهر والربوبية وهم الكفار، وشأنهم شأن الملوك والأحرار، وإضافتهم إليه كإضافة سائر المخلوقات إليه، وهي إضافة مبنية على الملك والاقتدار. لا على الطاعة والامتثال.
والعبد حقاً من يعبد ربه في جميع أحواله:
فيكون عبداً مطيعاً من جميع الوجوه صغيراً أو كبيراً، غنياً أو فقيراً، معافىً أو مبتلى، بالقلب واللسان والجوارح.
فالعبد وما يملك لسيده ومولاه، لا يتصرف إلا بأمره، وكيف يكون له في نفسه تصرف، ونفسه بيد ربه، وناصيته بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه.
وموته وحياته، وسعادته وشقاوته، وعافيته وبلاؤه، كله إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، بل هو ومن في العالم العلوي والسفلي في قبضته سبحانه، فكيف يرجو أو يخاف غيره؟.
فمن شهد ذلك صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته ومعرفته.
ومعرفة الله نوعان:
الأولى: معرفة إقرار: وهي التي اشترك فيه جميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والعاصي: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]
стр. 1083
والثانية: معرفة توجب الحياء من الله، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إليه، والأنس به، ومحبته، والإنابة إليه، والفرار من الخلق إليه.
وهذه أعلى المعارف وأعظمها، وتفاوت الخلق فيها لا يحصيه إلا الذي عرفهم بنفسه، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم.
وكل يعبد الله ويطيعه ويتلذذ بذلك بحسب تلك المعرفة، وما كشف له منها، وقد قال أعرف الخلق به: «لا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» أخرجه مسلم (١).
وأشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور في القلوب، وتفاوت أهلها في ذلك النور لا يحصيه إلا الله .
فمن الناس من نور (لا إله إلا الله) في قلبه كالشمس .. ومنهم من نورها في قلبه كالقمر .. ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري .. ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم .. ومنهم من نورها في قلبه كالسراج المضيء .. وآخر كالسراج الضعيف .. وهكذا.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوب المؤمنين من نور هذه الكلمة.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معه شبهة، ولا شهوة، ولا ذنباً إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئاً.
فأي شبهة، أو شهوة أو ذنب أو معصية دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا عند غفلته، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعاف مكسبه.
стр. 1084
فهو هكذا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزائنه، وولى الباب ظهره، وتركهم يسرقون ويفسدون.
وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه فقط.
بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها.
ولا يحصل هذا بمجرد قول اللسان فقط، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بدَّ من قول القلب وقول اللسان.
ومعرفة الله لها بابان واسعان:
الباب الأول: النظر والتفكر في آيات الله المتلوة، والنظر والتفكر في آيات الله المشهودة.
وتأمل حكمته فيها وقدرته، ولطفه وإحسانه وعدله، ويتم ذلك بمعرفة أسماء الله وصفاته، وجلالها وكمالها، وتفرده بذلك، وتعلقها بالخلق والأمر.
فيكون العبد فقيهاً في أسماء الله وصفاته .. فقيهاً في أوامره ونواهيه .. فقيهاً في قضائه وقدره .. فقيهاً في الحكم الديني الشرعي .. فقيهاً في الحكم الكوني القدري .. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والله سبحانه المالك لهذا الكون، يدبره بحكمته، ويتصرف فيه بما يشاء، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، وفي قضائه وقدره، وفي أمره ونهيه، وفي ثوابه وعقابه.
خبره كله صدق .. وقضاءه كل عدل .. وأمره كله مصلحة .. وما نهى عنه كله مفسدة .. وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته .. وعقابه لمن يستحق
стр. 1085
العقاب بعدله وحكمته.
وحكم الله في عباده نوعان:
حكمه الديني الشرعي .. وحكمه الكوني القدري.
والنوعان نافذان في العبد، ماضيان فيه، شاء أم أبى، لكن الحكم الكوني القدري لا يمكنه مخالفته، وأما الديني الشرعي فقد يخالفه.
والقضاء هو الإتمام والإكمال، وإنما يكون بعد مضيه ونفوذه، فالحكم الذي نفذه الله في عبده عدل منه فيه، وذلك يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه: من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وعفو كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
وقال النبي ﷺ : «ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» أخرجه أحمد (١).
فجعل المضاء للحكم، والعدل للقضاء.
وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه، وقد يشاء تنفيذه، وقد لا ينفذه، فإن كان حكماً دينياً فهو ماضٍ في العبد، وإن كان كونياً، فإن نفذه سبحانه مضى فيه، وإن لم ينفذه اندفع عنه.
فهو سبحانه على كل شيء قدير، يمضي ما يقضي به، وغيره قد يقضي بقضاء، ويقدر أمراً، ولا يستطيع تنفيذه، وهو سبحانه يقضي ويمضي ما شاء في أي وقت شاء، وفي أي مكان شاء.
وصلاح الحياة واستقامتها إنما تتم إذا كان الآمر في المملكة واحداً، فإن تعدد الآمرون بالحركات تعارضت حركات البشر بعضهم مع بعض وتعاندت، ثم
стр. 1086
فسدت الحياة والأحياء.
فالوحدانية أساس استقامة حركة الحياة.
فكما نوحده سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، كذلك نوحده بعبادته وطاعته وحده لا شريك له.
فنطيع أمره وحده، ونجتنب نهيه وحده، ونؤمن به وحده .. ونتوكل عليه وحده، ونعبده وحده، ونستعين به وحده.
فلكي لا تتعاند الأقوال والأفعال، والأوامر والحركات، لا بدَّ أن يكون الهدف واحداً، والآمر واحداً، فإن اختلفت الأهداف، وتعدد الآمرون كان الفساد والفوضى.
والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
والعابد حقاً من يأتمر بأوامر الله في جميع الأحوال، والشعائر كالصلاة والأذكار تعينك وتعطيك القوة ليزيد إيمانك، فيسهل عليك امتثال أوامر الله في كل حال.
والتوحيد هو الأصل العام الذي يرتبط بجميع الأعمال، وهو القاعدة التي ترجع إليها جميع التكاليف والفرائض، وتستمد منها الحقوق والواجبات. فيجب قبل الدخول في الأوامر والنواهي .. وقبل الدخول في التكاليف والفرائض .. وقبل الدخول في الشرائع والأحكام .. أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم .. كما يعترفون بألوهيته وحده لهم في عقيدتهم.
لا يشركون معه أحداً في ألوهيته .. ولا يشركون معه أحداً في ربوبيته.
فالشرك بكل أقسامه وصوره هو المحرم الأول، لأنه يجر إلى كل محرم، وهو المنكر الأول الذي يجر إلى كل منكر.
فيجب فوراً حشد الإنكار كله له، حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله .. ولا رب لهم إلا الله .. ولا حاكم لهم إلا الله .. ولا مشرع لهم إلا الله.
فمعرفة التوحيد أول واجب، وأعظم واجب على كل إنسان كما قال سبحانه:
стр. 1087
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا الله أمور:
أحدها: بل أعظمها التفكر في سنن الله وآياته الكونية، وآياته الشرعية، ثم تدبر أسماء الله وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله، فذلك يوجب بذل الجهد في التأله والتعبد للرب الكامل الصفات.
الثاني: العلم بأن الله هو المتفرد بالخلق والتدبير، ومنه يعلم أنه المستحق للعبادة، المتفرد بالألوهية.
الثالث: العلم بأن الله وحده هو المتفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة، المادية والروحية، الدنيوية والأخروية، فذلك يوجب تعلق القلب به، محبة ورغبة، وخوفاً ورهبة.
الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه، القائمين بتوحيده، من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين.
الخامس: معرفة الطواغيت التي فتنت الناس، وصرفتهم عن دين الله وكتبه ورسله، وأنها ناقصة باطلة من جميع الوجوه، لا تملك لنفسها ولا لعبَّادها نفعاً ولا ضراً.
السادس: أن خواص الخلق الذين هم أكمل الخليقة أخلاقاً وعلماً، وهم الأنبياء والرسل والملائكة والعلماء الربانيون قد شهدوا بذلك كما قال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
لها وزن وثقل .. ولها عظمة .. ولها قيمة .. ولها قوة.
قال النبي ﷺ : «إن نبي الله نوحاً ﷺ لما حضرته الوفاة، قال لابنه: «إِنِّي قَاصّ ٌعَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ، آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بـ (لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَإِنَّ
стр. 1088
السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَْرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَْرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْر» أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد (١).
فكلمة التوحيد وزنها عظيم، فلو كانت لا إله إلا الله في كفة، وسبع أرضين بجبالها وسهولها .. وبحارها وأنهارها، ومدنها وقراها .. وإنسها وجنها .. وحيواناتها وطيورها .. وذهبها وفضتها، ومعادنها وحديدها .. وترابها ونباتها، وما في ظاهرها وما في باطنها ..
والسموات وما فيها من النجوم والكواكب .. السماء الأولى بملائكتها .. وهكذا إلى السابعة .. والجنة وكل ما فيها من القصور والحور، والولدان والغلمان، والأنهار، وجبريل وميكائيل وإسرافيل .. والصور وكل ما تحت العرش في كفة.
فلو وضعت السموات والأرض وما فيهما كما سبق في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله.
فمن كانت في قلبه كلمة التوحيد (لا إلا إلا الله) كيف يكون وزنه عند الله؟ وكيف تكون منزلته عند الله؟
وكيف تكون جنته يوم القيامة؟
والدين أول ما يبنى من أصوله، ويكمل بفروعه، كما أنزل الله بمكة أصوله: من التوحيد والإيمان، والأمثال والقصص، والوعد والوعيد. ثم أنزل بالمدينة لما صار له قوة فروعه الظاهرة: من الأذان والإقامة، وصلاة الجمعة والجماعة، والجهاد والصيام، وتحريم السرقة والزنا، والخمر والميسر، وغير ذلك من واجباته ومحرماته.
فأصوله تمد فروعه وتثبتها وتقويها، وفروعه تكمل أصوله وتحفظها. وإذا جرد
стр. 1089
العبد التوحيد لله، خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله.
فيرى أن إعماله فكره في أمر عدوه، وخوفه منه، واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل، والله يتولى حفظه والدفاع عنه، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.
وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه، فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم وأكمل، وإن مَزج مُزج له، وإن كان مرة ومرة، كان الله له مرة ومرة.
وكلمة التوحيد (لا إلا إلا الله) مركبة من جملتين:
(لا إله) نفي .. (إلا الله) إثبات.
فالنفي أن يخرج فكره ويقينه عما سوى الله، من الأرض إلى السماء .. ومن الذرة إلى أعظم جبل .. ومن قطرة الماء إلى البحر .. ومن البعوضة حتى الفيل .. ومن النملة حتى جبريل .. ومن أصغر مخلوق إلى أكبر مخلوق.
فكل هذه مخلوقات ليس بيدها ولا بيد غيرها من المخلوقات نفع ولا ضر، فكلها ليست بإله، وإنما هي مخلوقة مملوكة مقهورة بأمر الله.
(إلا الله): إثبات الألوهية لله وحده، فيركز فكره ويقينه بأن الله وحده هو الإله الواحد الأحد القهار، فيعبده وحده ويطيعه، فإذا اعتقد ذلك أتبعه بشهادة أن محمداً رسول الله، فيتبعه في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، لأن الله بعثه إلينا رحمة بنا وبالعالمين جميعاً، لنقتدي به كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
والخلق والإيجاد، والتصريف والتدبير من صفة الربوبية.
والدين والشرع، والأمر والنهي، من صفة الألوهية.
والجزاء بالثواب والعقاب، والجنة والنار، من صفة الملك.
فأمر الله خلقه بإلهيته .. وأعانهم ووفقهم، وهداهم وأضلهم بربوبيته .. وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله.
стр. 1090
فهو محمود في إلهيته .. ومحمود في ربوبيته .. ومحمود في رحمته ... ومحمود في ملكه كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤].
والله ﵎ هو الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى، ويكرم ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويهدي ويضل.
فكيف يتوجه الناس إلى غيره وهذه صفاته .. وهذه أفعاله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
وقد فطر الله الناس على التوحيد، والفطرة فطرتان:
الأولى: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله، ومحبته، وإيثاره على ما سواه.
الثانية: فطرة تتعلق بالبدن، وهي فطرة عملية، وقد أشار إليها النبي ﷺ بقوله: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (أوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ) الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» متفق عليه (١)
فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية تزكي البدن وتطهره وتجمله.
وتوحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله هو الأصل، ولا يغلط في توحيد العبادة إلا من لم يعطه حقه، فمن عرف الله أطاعه وخافه ورجاه.
وتوحيد العبادة أشهر نتائج توحيد الربوبية.
وكذلك الصبر، والرضا، والتسليم، والتوكل، والإنابة، والتفويض، والمحبة، والخوف، والرجاء، كل ذلك من نتائج توحيد الربوبية.
فإن توحيد العبادة إنما يكون بعد معرفة الرب، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه وآلائه ونعمه، ومعرفة مخلوقاته.