← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الذي يقوم عليه: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦]. وكم يخرج من الأرض .. كم من نبتة تنبثق .. وكم من نبع يفور .. وكم من بركان يتفجر .. وكم من غاز يتصاعد .. ، وكم من مستور ينكشف .. وكم من حيوانات وحشرات تخرج من بيتها المستور؟. وكم وكم يخرج منها مما يرى ومما لا يرى من المخلوقات؟. إن الله يعلم ذلك كله، وهو الذي أعطاه أمر الوجود فوجد، وأمر البقاء فبقي، وأمر الحركة فتحرك، وأمر السكون فسكن وأعطاه أمر الحياة فحيا، وأعطاه أمر النفع والضر فنفع أو ضر. فسبحان الخلاق العليم، وسبحان من أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء. هذا بالنسبة للأرض، أما السماء فكم مما ينزل من السماء .. كم من نقطة مطر ... وكم من شهاب ثاقب .. وكم من شعاع محرق .. وكم من شعاع منير .. وكم من قضاء نافذ .. وكم من قدر مقدور؟. وكم من رحمة تنزل؟ .. وكم من رزق ينزل؟ .. وكم من أمر ينزل؟ .. كم من أمر ينزل بالإحياء والإماتة .. والهداية والضلالة .. والعزة والذلة .. والعافية والمرض .. والسعادة والشقاوة؟. وكم وكم مما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله وحده؟ الذي أحاط بكل شيء علماً. إن الله يعلم جميع ذلك، ونحن لا نعلمه. يا حسرة على العباد، ماذا علموا وماذا جهلوا من عظمة الرب، وقدرته، وجلاله وجماله، ودينه وشرعه؟: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١].

стр. 107

وكم مما يعرج في السماء؟. كم من نفس صاعد من نبات وحيوان وإنسان؟. وكم من دعوة إلى الله معلنة أو مخفية لم يسمعها إلا الله في علاه؟. وكم من شكوى رفعت لا يعلمها إلا الله ؟. وكم من دعاء لا يحصيه ولا يجيب صاحبه إلا الله؟. وكم من روح من أرواح الخلائق متوفاة؟. وكم من مَلك يعرج بأمر الله؟. وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا الله؟. وكم من روح تفتح لها أبواب السماء؟. وكم من روح تصعد ثم تطرح؟. وكم من قطرة بخار صاعدة من بحر؟. وكم من ذرة غاز صاعدة من جسم؟. إن الله وحده هو الذي يعلم ذلك كله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩]. إن هذا حديث عظيم يهز الجبال الرواسي، فأين العقول التي تفقه؟ .. وأين القلوب التي تخشع؟ .. وأين العيون التي تدمع رغبة ورهبة وخوفاً، وإجلالاً وتعظيماً، وتسبيحاً وتكبيراً لمولاها العزيز العليم؟. ماذا مع البشر من العلم؟ .. وأين يذهبون؟. وأين يذهب علم البشر وإحصاؤهم لما في اللحظة الواحدة، ولو قضوا الأعمار الطوال في العد والإحصاء؟. أما إدراك جميع ما يجري في كل هذا الكون في كل اللحظات فأمر يفوق الخيال والتصور، ولا يدركه ولا يعلمه ولا يحيط به إلا العليم الخبير الذي وسع كل شيء رحمةً وعلماً، وأحصى كل شيء عدداً. فسبحان عالم الغيب والشهادة، المطلع على الضمائر والسرائر، المحيط بكل

стр. 108

مضمر وظاهر، في كل زمان، وفي كل مكان. الذي لا يغيب عن علمه، ولا يبعد عن متناوله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ويعلم ما في كل قلب من النوايا والخواطر والإرادات: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ ... [يونس: ٦١]. إن الشعور بعلم الله وعظمته ورقابته على هذا النحو شعور مطمئن ومخيف معاً، مؤنس ومرهب معاً. فشعور هذا المخلوق الضعيف، وهو مشغول بشأن من شؤونه، وإحساسه أن الله معه، شاهد أمره، حاضر شأنه، بكل عظمته سبحانه، وبكل قوته، وبكل هيبته وجبروته، الله خالق هذا الكون العظيم، ومدبر هذا الكون ما جل منه وما هان، الله مع هذا المخلوق الإنساني، الذرة التائه في الفضاء، لولا عناية الله تمسك به وترعاه، إنه شعور رهيب يرجف له الفؤاد، ويدفع المسلم إلى الحياء من ربه، وحسن الطاعة والانقياد له، لئلا يناله غضب الجبار وعقوبته. وهو كذلك شعور مؤنس مطمئن أن هذا الإنسان ليس مهملاً ولا متروكاً بلا رعاية ولا معونة ولا ولاية. إنه ليس شمول العلم وحده، ولكن مع ذلك شمول الرعاية، ثم شمول الرقابة التامة لكل ما في الكون: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. إن الله ﵎ هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي يعلم ما فيه من المخلوقات التي لا يحصيها إلا هو. فهذه الدواب التي تدب على وجه الأرض من إنسان وحيوان، وزاحفة وهامة، وطيور وحشرات، في البر والبحر والجو، ما من دابة من هذه الدواب التي تملأ وجه البسيطة، وتكمن في باطنها، أو تطير في جوها، أو تختفي في مساربها

стр. 109

ودروبها، ما من دابة من هذه الدواب التي لا يحصيها إلا الله وحده، إلا وعند الله علمها، وعلى الله رزقها، وهو الذي يعلم أين تستقر؟ وأين تكمن؟، ومن أين تجيء؟، ومن أين تذهب؟، ومن أين تأكل؟. وكل منها مقيد في علم الله حياً، ومقيد في علم الله ميتاً، ولا يعزب عنه منها شيء: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. إن فؤاد الإنسان يرجف، وكيانه يهتز، حين يرى عظمة العلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات في هذا الكون العظيم، وحين يحاول تصور ذلك بخياله الإنساني فلا يطيق، ويزيد على مجرد العلم بها تقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا الحشد الكبير من المخلوقات الهائلة، والذي يعجز عن تصوره الخيال البشري، كمية ونوعية .. ومكاناً وزماناً .. وإيصاله لكل مخلوق. وقد أوجب الله سبحانه على نفسه، وتكرم على خلقه مختاراً أن يرزق جميع هذه المخلوقات الكثيرة الهائلة التي تدب على وجه هذه الأرض. فأودع الله هذه الأرض، ودحاها بالأرزاق، وأودع فيها القدرة على تلبية حاجات هذه الكائنات جميعاً، وأودع هذه الكائنات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض، ساذجاً خامة كالمعادن، أو منتجاً بالزرع، أو مصنوعاً، أو مركباً إلى غير ذلك من الصور المتجددة لإنتاج الرزق وإعداده وحفظه. فسبحان العليم القدير: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣]. وعلمُ الله واسع شامل، لا يند عنه شيء، فالله سبحانه يعلم الحمل المكنون في الأرحام، والسر المكنون في الصدور، والحركة الخفية في جنح الظلام، والحب المدفون في التراب، والدواب التي تدب في قعر البحار. ويعلم سبحانه كل مستخف بالليل، وكل سارب بالنهار، وكل هامس، وكل جاهر، وكل أولئك مكشوف لعلم الله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ

стр. 110

الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ٨ - ١٠]. والله سبحانه عليم بأحوال الرجال والنساء، وأحوال الذكور والإناث، قادر على خلقهم متى شاء، وفي أي مكان شاء، وبأي عدد شاء: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾ [فاطر: ١١]. فالله سبحانه هو العليم الذي يعلم ما تحمل كل أنثى من إناث الإنسان والحيوان، والطير والأسماك، والزواحف والحشرات، والأشجار والنباتات، وما سواها مما نعلمه ومما لا نعلمه، وكلها تحمل وتضع بأمر الله. وعلم الله شامل واقع على كل حمل، وعلى كل وضع، في جميع هذا الكون المترامي الأطراف. وكذلك الله وحده يعلم جميع الأحياء والأموات في هذا الكون، من شجر ونبات، وطير وحيوان، وإنس وجان، وما سواه على اختلاف الأحجام والأشكال والأنواع والأجناس والأماكن والأزمنة. وهذه المخلوقات التي لا يمكن حصرها، ولا يعلمها إلا خالقها، منها ما يعمر فيطول عمره، ومنها ما ينقص من عمره فيقصر، وفق علم مقدور، متعلق بكل جزء من كل فرد، يعمر أو ينقص من عمره، كل ذلك في كتاب من علم الله الشامل الدقيق، وذلك كله لا يكلف جهداً ولا عسراً، وهو على الله يسير. والتعمير يكون بطول الأجل، وعدد الأعوام، كما يكون بالبركة في العمر، والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقاً مثمراً، وكذلك يكون نقص العمر في عدد السنين، أو نزع البركة من العمر، وإنفاقه في اللهو والعبث، والكسل والفراغ، وكل ذلك في كتاب. والجماعات كالآحاد، والأمم كالأفراد، كل منها يعمر أو ينقص من عمره.

стр. 111

والأشياء كالأحياء، كلها ذات آجال وأعمار في كتاب الله كالإنسان، وكل ذلك بتقدير العزيز العليم. فما أعظم خالق هذا الكون، وما أعظم قدرته، وما أوسع علمه. إن تصور هذا الكون، وما فيه من المخلوقات العظيمة، يوقظ القلب إلى تدبر هذا الكون بحس جديد، وأسلوب جديد. وإن القلب الذي يبصر يد الله وعينه وعلمه على كل شيء بمثل هذه الدقة والرقابة، ليصعب عليه أن ينسى أو يغفل أو يضل، وهو حيثما تلفت واتجه، رأى الخالق والمخلوق، والمصور والصور، ووجد علم الله محيطاً بكل شيء، ورحمته وسعت كل شيء. إن تصور معية الله لكل أحد، وفي كل حالة، أمر جليل رهيب، إنها حالة تهز القلوب، لا يثبت لها قلب، ولا يقوى على مواجهتها إلا وهو يرتعش ويهتز خوفاً، وحياءً، وأنساً: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]. إن مجرد معية الله لكل إنسان ومراقبته ظاهره وباطنه أمر هائل، فكيف إذا كان يتبع ذلك حساب وعقاب؟، وكيف إذا كان ما يُسرُّه المتناجون ويخفونه سيعرض على الأشهاد يوم القيامة؟. إن الله ﷻ هو الذي خلق البشر كلهم، وعلمهم من العلم ما لم يكونوا يعلمون: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. إن جميع ما أعطى الله البشرية من العلم، لو جمع كله لفرد، ثم كانت البشرية كلها على علم ذلك الفرد، لكان ذلك كله بالنسبة للعلم الإلهي أصغر من الخردلة بالنسبة للجبل، ولا ينقص ذلك العلم من علم الله إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.

стр. 112

وكما لا يستطيع البشر أن يخرجوا من الأرض التي أقلتهم، ولا من السماء التي أظلتهم، فكذلك لا يستطيعون الخروج من علم الله الذي أحاط بكل شيء علماً في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وفي الدنيا، وفي الآخرة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. والله سبحانه عالم الغيب والشهادة، وعالم الغيب أكبر من عالم الشهادة وأوسع منه، ونسبته إليه أصغر من الذرة بالنسبة للجبل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. إن الله ﵎ قد جعل علم الساعة غيباً لا يعلمه سواه، ليبقى الناس على حذر دائم، وتوقع دائم، ومحاولة دائمة. وهو سبحانه الذي خلق الغيث، وينزله على خلقه وفق حكمته بالقدر الذي يريد، في المكان الذي يريد، على المخلوقات التي يريد، في الوقت الذي يريد، وعلم الله بالغيث شامل لتكوينه وتوزيعه وقدره على مدى الدهر. وهو سبحانه الذي يعلم ما في الأرحام وحده، ماذا في الأرحام في كل لحظة؟ .. وماذا فيها في كل طور؟ .. وماذا فيها من النطف والأجنة؟. وماذا في الأرحام من غيض وفيض .. ؟ ومن حمل حين لا يكون للحمل حجم ولا جرم؟. فالله وحده هو الذي يعلم نوع هذا الحمل، ذكراً أم أنثى، ناقصاً أم تاماً. وهو سبحانه وحده الذي يعلم موعد خلق الانسان، وموعد نفخ الروح فيه، وموعد نزوله، ولونه وحجمه، كل ذلك لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له. وهو سبحانه الذي يعلم ماذا تكسب كل نفس من خير أو شر، وطاعة أو معصية، وحلال أو حرام. وهو سبحانه وحده الذي يعلم متى يموت الإنسان، وأين يموت؟.

стр. 113

إن النفس إذا عرفت عظمة الله، ومقدار علم الله، تطامنت من كبريائها، وخشعت لله ، وسلمت لأمره. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع. سبحان العليم القدير الذي يعلم عدد النجوم، وعدد قطر الغيوم، ويعلم عدد الملائكة، وعدد كلامهم وتسبيحهم وتقديسهم. ويعلم كل ذرة في الكون، وكل طائر في الجو، ويعلم كل قائم وقاعد، وكل راكع وساجد، وكل متحرك وساكن، وكل ذاكر وغافل، وكل ناطق وصامت. ويعلم كل صالح ومفسد، وكل مقبل ومدبر، وكل صحيح ومريض، وكل غني وفقيروكل مسافر ومقيم. ويعلم كل عالٍ وسافل، وكل ضاحك وباك، وكل مسرور ومحزون، وكل خائف وآمن، وكل مؤمن ومنافق: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ ... [الحج: ٧٠].

стр. 114

٦ - فقه جمال الرب قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦]. وقال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُّحِبُّ الْجَمَالَ» أخرجه مسلم (١). الله ﵎ هو الجميل الذي له الجمال المطلق في كل شيء. وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات .. وجمال الأسماء .. وجمال الصفات .. وجمال الأفعال. فأسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة. أما جمال الرب ﵎ في ذاته، وما هو عليه من الحسن والجمال والكمال فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره. ومن أعز أنواع المعرفة، معرفة الرب سبحانه بالجمال، وكل العباد عرفه سبحانه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله . ولو أن الخلق كلهم كانوا على أجملهم صورة، ثم كانوا كلهم على جمال تلك الصورة، ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه، لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس في رابعة النهار. فهو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه، الرحيم الذي لا أرحم منه، الكريم الذي لا أكرم منه. ويكفي في جماله سبحانه أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعه وخلقه وجماله، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، وهذا الحسن، وهذه الزينة؟. كم يكون جماله سبحانه، وهو الذي خلق الجمال كله في الكون كله؟.

стр. 115

فسبحان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧]. وهو سبحانه نور السموات والأرض، ولنور وجهه أشرقت الظلمات، ويوم القيامة تشرق الأرض بنوره: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. وحجابه النور كما قال النبي ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» أخرجه مسلم (١). وكلامه نور كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]. ودينه نور كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. ويكفي في جماله سبحانه أن له العزة جميعاً كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وله القوة جميعاً كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]. ويكفي في جماله سبحانه أن له الفضل كله، وله الجود كله، وله الإحسان كله، وله النعمة كلها، وله الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله. وهو سبحانه الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، الكريم المنان، الكبير المتعال، العزيز الجبار، العليم الحكيم. حجب سبحانه الذات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال. فالعبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئاً من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات.

стр. 116

ومن هنا نعلم أن الله ﵎ له الحمد كله، وله الحب كله، وأن أحداً من خلقه لا يحصي ثناءً عليه، بل هو سبحانه كما أثنى على نفسه، فهو سبحانه الذي يستحق أن يعبد لذاته، وأن يحب لذاته، وأن يشكر لذاته، وأن يحمد لذاته: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]. ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. وهو سبحانه يحب نفسه، ويحمد نفسه، ويثني على نفسه، ويمجد نفسه. فحمده لنفسه وثناؤه على نفسه، وتمجيده لنفسه كقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١]. وحبه ﵎ لنفسه، وحمده لنفسه، وتوحيده لنفسه، هو في الحقيقة الحمد والثناء والتوحيد الكامل الذي يليق به سبحانه. وهو سبحانه كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه خلقه. وهو سبحانه كما يحب ذاته، يحب صفاته وأفعاله، فكل أفعاله حسن محبوب، وإن كان في مفعولاته ما يبغضه ويكرهه، فليس في أفعاله ما يكرهه ويسخطه، فأفعاله وصفاته كلها حسنى. وليس في الوجود ما يحب لذاته، ويحمد لذاته إلا الله . وكل ما يحب سواه، فإن كان المحبوب لأجله، وتابع لمحبته، فمحبته صحيحة، وإلا فهي باطلة، ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. وهذه حقيقة العبودية، وحقيقة الإلهية، فإن الإله الحق هو الذي يُّحب لذاته، ويُّحمد لذاته، ويُعبد لذاته، وصرف ذلك لغيره جهل: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي

стр. 117

أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤]. فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه، وبره ورحمته، وحلمه وعفوه، ومغفرته وإكرامه؟. فعلى العبد أن ينظر في الآيات الكونية، والمخلوقات الربانية، والآيات القرآنية ليعلم أنه لا إله إلا الله، فيحبه ويحمده لذاته وكماله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. وهذا النظر، وهذا التفكر، وهذا التدبر، هو الذي يتغذى به القلب، وينشرح به الصدر، ويزداد به الإيمان، فيقبل على الطاعات بلذة ورغبة، وخشوع وخضوع، لما يرى من عظمة الخالق، وعظمة مخلوقاته، وآلائه وإحسانه، وجلاله وجماله، وحسن خلقه وتدبيره. وعلى العبد كذلك أن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا الله وحده، فيحبه لإحسانه وإنعامه، ويحمده على ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته شيء، وليس كمحبته محبة، والمحبة له، مع كمال الذل له، مع كمال التعظيم له، هي العبودية التي خلق الله الخلق لأجلها، ولا يصلح ذلك إلا لله سبحانه. وحمده سبحانه يتضمن أصلين: الأول: الإخبار بمحامده وصفات كماله. الثاني: المحبة له عليها. فمن أخبر بمحاسن غيره من غير محبة له لم يكن حامداً، ومن أحبه من غير إخبار بمحاسنه لم يكن حامداً له، حتى يجمع الأمرين. والله سبحانه يحمد نفسه بنفسه كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]. ويحمد نفسه بما يجريه على ألسنة الحامدين له من ملائكته وأنبيائه ورسله

стр. 118

وعباده المؤمنين، فهو الحامد لنفسه بهذا .. وبهذا، فإن حمد الخلق له بمشيءته وإذنه، وخلقه وتكوينه. فإنه سبحانه هو الذي جعل الحامد حامداً، والمسلم مسلماً، والمصلي مصلياً، والتائب تائباً، وجعل من خلقه من يدعو إليه كما قال سبحانه عن آل إبراهيم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٣]. وكذا جعل سبحانه من خلقه من يدعو إلى النار كما قال سبحانه عن فرعون وجنوده: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ [القصص: ٤١]. وهو المحمود على هذا وهذا، وله الحكمة البالغة في جميع ذلك. فهو سبحانه ذو الفضل والإحسان، منه ابتدأت النعم، وإليه انتهت، فابتدأت بحمده، وانتهت إلى حمده، فهو سبحانه الرحيم الذي ألهم عبده التوبة، وفرح بها، وأعانه عليها، وهي من فضله وجوده. وهو سبحانه الذي ألهم عبده الطاعة، وأعانه عليها، ثم أثابه عليها، وهي من فضله وجوده. قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ ... [الحجرات: ١٧]. وقال رسول الله ﷺ : «الله أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أضَلَّهُ فِي أرْضِ فَلاةٍ» متفق عليه (١). وهو سبحانه الغني عن كل ما سواه بكل وجه، وما سواه فقير إليه بكل وجه، والعبد مفتقر إلى ربه في جميع أحواله. والله ﵎ جميل يحب الجمال، خلق السماء وزينها بالنجوم، وخلق

стр. 119

الإنسان في أحسن تقويم، وخلق الأرض وزينها بما على ظهرها من النبات والمياه والجبال والسهول والوديان. والله يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال الذي يحبه الله، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيحب سبحانه أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها. ولمحبته سبحانه للجمال أنزل على عباده لباساً وزينة تجمل ظواهرهم، ولباس التقوى الذي يجمل بواطنهم كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦]. وكذلك جمَّل سبحانه أهل الجنة بأكمل جمال وأحسنه فقال في وصفهم: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١١، ١٢]. فجمَّل وجوههم بالنضرة، وقلوبهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير والحلى، وقصورهم بالذهب والفضة، وجعل خدمهم كاللؤلؤ المنثور. وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال، والهيئة واللباس، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال، والهيئات والثياب، فهو سبحانه الجميل الذي يحب الجمال وأهله، ويبغض القبيح وأهله. والجمال ثلاثة أنواع: منه ما يحمد .. ومنه ما يذم .. ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، وكان ﷺ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، كل ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله، ونصر دينه، وغيظ عدوه. والمذموم منه: ما كان للدنيا والرياسة والشهرة والفخر والخيلاء، والتوسل إلى الشهوات المحرمة، وأن يكون هو غاية العبد، وأقصى مطلبه، فإن أكثر النفوس

стр. 120

ليس لها همة في سوى ذلك. وأما ما لا يحمد ولا يذم: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين. قال النبي ﷺ : «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُّحِبُّ الْجَمَالَ» أخرجه مسلم (١). فهذا الحديث مشتمل على أصلين عظيمين: أوله معرفة .. وآخره سلوك. فيعرف العبد ربه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبده بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق واللباس. فالله يحب من عبده أن يجمِّل لسانه بالصدق، ويجمِّل قلبه بالإيمان والتوحيد، والإخلاص والمحبة، والإنابة والتوكل، والخوف والخشية. ويجمِّل جوارحه بالطاعات، ويجمِّل بدنه بإظهار نعمة الله عليه في لباسه، وتطهيره من الأنجاس والأحداث. فيعرف ربه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه. إن هذا الوجود الذي خلقه الله جميل، وجماله من جمال خالقه الجميل، الذي يملك الجمال كله، جمل الدنيا بما شاء، وجمل الآخرة بما شاء. وهذا الجمال الذي خلقه الله في هذا الكون يتكرر كل يوم بل كل لحظة، ونراه في السماء ونجومها وكواكبها، وفي الأرض ونباتها وأشجارها، وما يدب عليها من إنسان وطير وحيوان. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ [الصافات: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً

стр. 121

وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤]. إن عنصر الجمال مقصود قصداً في هذا الوجود، فكما يدل الخلق على الخالق، كذلك يدل الجمال على جمال الرب سبحانه، وإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شيء يصل إلى حد الجمال، وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل خلق، وفي كل عضو. فسبحان الخلاق العليم: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ ... [السجدة: ٧]. فهل يستيقظ القلب ليتملى ويتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الدين العظيم، وفي هذا الكون العظيم؟، ومن ثم يصل إلى واهب الحسن والجمال في هذه المخلوقات، فيؤمن به، ويعرف جلاله وجماله، ويدين له بالعبودية والطاعة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. اللهم كما خلقتنا في أحسن تقويم، زين قلوبنا بالإيمان، واشرح صدورنا لليقين، وجمل جوارحنا بالطاعات، وارزقنا أحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 122

٧ - فقه أسماء الله الحسنى قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ ... [الأعراف: ١٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلا وَاحِدًا، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» متفق عليه (١). وقال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي» أخرجه أحمد (٢). الله ﵎ هو الرب العظيم، الملك الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، فله سبحانه كل اسم حسن، وهو كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها، فهو الرحيم، الذي له رحمة عظيمة وسعت لكل شيء. وهو العليم، الذي أحاط علمه بكل شئ، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

стр. 123

وهو القدير، الذي له القدرة المطلقة، فلا يعجزه شيء. وأسماء الله وصفاته كثيرة، لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله وحده لا شريك له. فله سبحانه الأسماء الكثيرة الكاملة الحسنى. ومن حسنها أنها كلها أسماء دالة على المدح، فليس فيها اسم لا يدل على المدح والحمد. ومن حسنها أنها ليست أعلاماً محضة، وإنما هي أسماء وأوصاف دالة على الكمال والجمال والجلال. ومن حسنها أنها دالة على الصفات الكاملة، وأن له سبحانه من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها. ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها، لأنها وسيلة مقربة إليه سبحانه، يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث ويتفكر في معانيها، ويتعبد له بها. فسبحان الرب العظيم، المألوه المعبود، الله الذي لا إله إلا هو، العظيم في ملكه، الرحيم بعباده، الذي عم خلقه بإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وحفظه التام، ورحمته الواسعة. والله جميع أسمائه حسنى يحب أن يُدعى بها .. وله رسل يحب أن يطاعوا .. وله كتاب يحب أن يحكَّم، ويمتثل ما فيه من أوامر .. وله دين يحب أن ينفذ في خلقه .. وله نعم كثيرة يحب أن يُشكر عليها .. وله خلقٌ اصطفاهم على غيرهم يحب أن يعبدوه وحده، بما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وهذا بيان وشرح موجز لأسماء الله الحسنى التي سمى الله بها نفسه في القرآن الكريم، وسماه بها أعلم الخلق به رسوله ﷺ في السنة النبوية:

стр. 124

الله ... ﷻ من أسمائه الحسنى : الله، والإله. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. الله ﵎ هو الإله الحق، واسم (الله) دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العلا، مستلزم لجميع الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال. ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ ... [الأعراف: ١٨٠]. وقال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣]. فالله سبحانه هو الإله الحق، الذي يجب أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له وحده لا شريك له، لكمال ذاته، وكمال أسمائه، وكمال صفاته، وكمال أفعاله، وعظيم نعمه، وجميل إحسانه. فهو سبحانه الإله الحق، ودينه هو الحق، وعبادته هي الحق، وكل ما سوى الله باطل، وعبادته باطلة، لأن كل ما سوى الله مخلوق ناقص مدبر، عبد مملوك فقير من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئاً من أنواع العبادة.

стр. 125

والله هو المألوه المعبود، المستحق لإفراده بالعبادة، لما اتصف به من صفات الكمال والجلال والجمال. والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإله، الذي اشتق منه اسم (الله). واسم (الله) دال على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبةً وتعظيماً، وخشوعاً وخضوعاً، وتفزع إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته، المتضمن لكمال الملك والحمد. وذلك مستلزم لجميع صفات كماله . فصفات الجلال والجمال أخص باسم (الله). وصفات الخلق والفعل، والقدرة والقوة، ونفوذ المشيءة، والتفرد بالنفع والضر، والعطاء والمنع، وتدبير أمر الخلائق أخص باسم (الرب). وصفات الإحسان والإنعام، والجود والبر، واللطف والحنان، والمنة والرأفة أخص باسم (الرحمن). واسم (الله) ما أطلق على غير الله وحده، فلا يوجد أحد اسمه الله سوى الله وحده: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾ ... [الإسراء: ١١٠]. فهذان الاسمان (الله، والرحمن) أعظم الأسماء، واسم الله أعظم من اسم الرحمن، لأن الله قدَّمه في الذكر، ولأن اسم (الله) يدل على كمال الرحمة، وكمال القهر والغلبة، وكمال العظمة والعزة، واسم (الرحمن) يدل على كمال الرحمة، ولا يدل على كمال القهر والغلبة، والعظمة والعزة، فثبت أن اسم الله تعالى أعظم. والله هو المستحق للعبادة، لأنه تعالى هو المنعم بجميع النعم أصولها وفروعها، وكل موجود فإنما حصل بإيجاد الله له، وما حصل للعباد من أقسام

стр. 126

النعم لم يحصل إلا من الله، فغاية الإنعام من الله، والعبادة غاية التعظيم، وغاية التعظيم لا تليق إلا بمن صدرت عنه غاية الإنعام، وهو الله ، فثبت أن المستحق للعبادة ليس إلا الله تعالى. والله سبحانه هو الإله الحق الذي سكنت إليه العقول، واطمأنت بذكره القلوب، والأرواح لا تعرج إلا بمعرفته، فهو الإله الحق الكامل لذاته، وما سوى الحق فهو ناقص لذاته، وإذا كان الكامل محبوباً لذاته، وثبت أن الله كامل لذاته، وجب كونه محبوباً لذاته، مستحقاً للعبادة وحده دون سواه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. فيا سعادة من وصل إلى ساحل بحر معرفته، ورأى عظمة ذاته وأسمائه وصفاته، وأبصر جماله وجلاله وكماله، وشاهد آلاءه وإحسانه وأفعاله. فمجَّده بلسانه، وعظَّمه في قلبه، وشكره بجوارحه، وتلذَّذ بعبادته وطاعته. والله سبحانه هو النور، وحجابه النور، احتجب عن العقول بشدة ظهوره، واختفى عنها بكمال نوره. عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نُورٌ أنَّى أرَاهُ» أخرجه مسلم (١). وقال النبي ﷺ عن ربه : «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» أخرجه مسلم (٢). والله سبحانه هو المألوه المعبود المحبوب، والعباد مولهون مولعون بالتضرع إليه في جميع الأحوال، فالإنسان إذا وقع في بلاء عظيم وآفة قوية، فهنالك ينسى كل شيء إلا الله تعالى، فيتوجه إليه، فإذا تخلص من ذلك البلاء، وعاد إلى منازل الآلاء والنعماء، أشرك مع الله غيره، ونسب ذلك الخلاص إلى الأسباب وهذا متناقض، لأن الله تعالى هو الذي يفرج الكربات وقت البلاء،

стр. 127

وينعم على العباد في وقت الرخاء، فجيب الرجوع إليه في جميع الأحوال، والفزع إليه عند الضرورات، وعند الراحات، وعند الشدائد. والله هو المحسن إلى عباده في جميع الأحوال، والمحسن محبوب مرجوع إليه وحده في كل الأوقات: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]. والله سبحانه هو المؤمن، الذي أمن خلقه من أن يظلمهم، والذي خلق الأمن، ومنَّ به على من شاء من عباده، والذي تفزع إليه الخلائق عند النوائب، المجير لكل الخلائق من كل المضار، المنعم بصنوف النعم: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وهو سبحانه المتفرد بالنعم، وكشف النقم، وإعطاء الحسنات، ومغفرة السيئات، وكشف الكربات، وستر الزلات كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧]. فتبارك الله رب العالمين .. وتبارك الله أحسن الخالقين .. والحمد لله رب العالمين.

стр. 128

الرحمن ومن أسمائه الحسنى : الرحمن .. والرحيم. قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. الله ﵎ هو الرحمن الرحيم، ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، ذو الرحمة الشاملة الواسعة لجميع الخلائق. وهو سبحانه الرحمن الرحيم، المستحق أن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه، لأنه الرحمن الرحيم، المتصف بالرحمة العظيمة التي وسعت كل شيء، ولا يماثلها رحمة أحد. والعالم العلوي والعالم السفلي كله قد امتلأ برحمة الله التي وسعت كل شيء، ووصلت ما وصل إليه خلقه كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فبرحمته سبحانه خلق المخلوقات .. وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات .. وبرحمته حصل لها كل نعمة .. وبرحمته اندفع عنها كل نقمة .. وبرحمته عرَّف نفسه بأسمائه وصفاته وآلائه .. وبرحمته بين لعباده ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم بإرسال الرسل .. وإنزال الكتب .. وشرع الشرائع. فمن آثار رحمته وجود جميع النعم، واندفاع جميع النقم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. والرحمن: اسم دال على الصفة القائمة به سبحانه. والرحيم: اسم دال على تعلقها بالمرحوم. فهو الرحمن الرحيم الذي يرحم خلقه برحمته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ ... [الحج: ٦٥].

стр. 129

والرحمن من أسماء الله التي لا يسمى بها غيره كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره، وهو الله. وأما الرحيم فإن الله تعالى وصف به نبيه ﷺ حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فمن أسماء الله الحسنى ما يسمى به غيره كالعلي والرحيم ونحوهما، ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك. والرحمة صفة كمال وجمال للرب سبحانه، فوصف نفسه بالرحمة، وتسمى بالرحمن الرحيم. وظهور رحمته سبحانه في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة ربانية تامة وسعت كل شيء. فالمخلوقات كلها شاهدة لله سبحانه بالربوبية التامة، وما في العالم العلوي والسفلي من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه، وما في الوجود من آثار رحمته العامة، والخاصة بالمؤمنين، مما لا يمكن عدٌّه ولا إحصاؤه، ولا جحده ولا إنكاره، كله شاهد برحمته العامة الشاملة التي وسعت كل شيء. بل آثار رحمته في الكون أظهر من نور الشمس: فبرحمته سبحانه أرسل إلى عباده الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وعلمهم من الجهالة، وهداهم من الضلالة. وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما علمنا به أنه ربنا ومولانا، وأنه العزيز الكريم الرحيم العفو الغفور. وبرحمته سبحانه علَّمنا ما لم نكن نعلم، وأرشدنا إلى مصالح ديننا ودنيانا.

стр. 130

وبرحمته ﷻ خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، وجعل الليل والنهار، وبسط الأرض وجعلها مهاداً وفراشاً، وقراراً وكفاتاً للأحياء والأموات. وبرحمته أنشأ السحاب، وسيره في البلاد، وسقى به العباد، وأنزل الغيث، فأنبت به الزروع والأشجار، وأخرج الفواكه والأقوات والمراعي: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]. وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان، فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه منها اسم الرحمن الرحيم. قال النبي ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (١). وبرحمته سبحانه سخَّر لنا ما في السموات وما في الأرض. فسخَّر لنا الشمس والقمر، والرياح والمياه، والخيل والإبل والأنعام، وذلَّلها منقادة للركوب والحمل، والدر والنسل والأكل، وسخر الأرض للإنبات من كل زوج بهيج: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وبرحمته ﵎ خلق الجنة، وخلق سكانها، وخلق أعمالهم. فبرحمته سبحانه خُلقت، وبرحمته عُمرت بأهلها، وبرحمته وصلوا إليها،

стр. 131

وبرحمته طاب عيشهم فيها. ومن رحمة الرحمن الرحيم أنه يعيذ برضاه من سخطه، وبعفوه من عقوبته، ومن نفسه بنفسه. ومن رحمته سبحانه أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه، وألقى بينهما المحبة والرحمة، ليقع بينهما التواصل الذي به دوام النسل، مع حصول المتعة. ومن رحمته سبحانه أنْ أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم، وفسدت معيشتهم. ومن تمام رحمته أن جعل في عباده الغني والفقير، والعزيز والذليل، والقادر والعاجز، والراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه، ثم عمَّ الجميع برحمته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر:١٥]. وأوسع المخلوقات عرشه سبحانه، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي هو أوسع المخلوقات، بصفة الرحمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. ولما استوى على عرشه بهذا الاسم، كتب مقتضاه على نفسه كتاباً فهوعنده وضعه على عرشه، أن رحمته سبقت غضبه، فكان هذا الكتاب كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم، والعفو عنهم، والمغفرة لهم، والتجاوز والإمهال، والحلم والأناة. قال رسول الله ﷺ : «لَمَّا قَضَى الله الْخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» متفق عليه (١). فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب، الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر. وقد جعل الله الخلق والتعليم ناشئاً عن صفة الرحمة، متعلقاً باسم

стр. 132

الرحمن فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. وجعل سبحانه معاني السورة كلها مرتبطة بهذا الاسم، وختمها بقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة .. إذ مجيء البركة كلها منه .. وبه وضعت البركة في كل مبارك .. فكل ما ذكر عليه بورك فيه .. وكل ما أخلي عنه نزعت منه البركة. ورحمة الله وسعت كل شيء في العالم العلوي وفي العالم السفلي، ووسعت البر والفاجر، والمسلم والكافر، فما من أحد إلا وهو يتقلب في رحمة الله تعالى آناء الليل وآناء النهار، ولكن للمؤمنين الرحمة الخاصة بهم، فلهم الرحمة المطلقة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦]. والكافر لا رحمة له في الآخرة، أما في الدنيا فرحمةالله عامة لجميع الخلائق. والله رؤوف رحيم، أرحم بعباده من الأم بولدها. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأةٌ مِنَ السَّبْيِ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْيِ أخَذَتْهُ، فَألْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «أتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟». قُلْنَا: لا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» متفق عليه (١). وبين النبي ﷺ أن رحمة الله تنال عباده الرحماء فقال: «إنَّمَا يَرْحَمُ الله مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» متفق عليه (٢).

стр. 133

وكلما كان الإنسان أقرب إلى ربه تعالى كانت رحمة الله تعالى أولى به. وكلما كان العبد طائعاً لله ورسوله، منتهياً عما نهى الله ورسوله عنه، كان استحقاقه للرحمة أعظم كما قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وسمى الله كتابه بالرحمة فقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وسمى الله سبحانه الجنة بالرحمة، وهي أعظم رحمة خلقها الله لعباده الصالحين فقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ عمران: ١٠٧]. وأرسل الله رسوله بالرحمة فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ ... [الأنبياء: ١٠٧]. وإذا وصل العبد ما بينه وبين الرحمن بالعبادة والطاعة .. ووصل ما بينه وبين الخلق بالرحمة والإحسان .. تم له أمر دينه ودنياه وأخراه .. ونال مراده من مولاه. وإن قطع ما بينه وبين الرحمن، وما بينه وبين الأرحام، فسد عليه أمر دينه ودنياه وأخراه .. وحرم رضا مولاه. وإذا أراد الله بأهل الأرض خيراً نشر عليهم أثراً من آثار اسمه الرحمن فعمر به البلاد، وأحيا به العباد، وإذا أُراد بهم سوءاً أمسك عنهم ذلك الأثر، فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه الرحمن. ومن تأمل هذا الكون العظيم بعين البصيرة، رآه ممتلئاً بهذه الرحمة الواحدة، التي ملأت طباق ما بين السماء والأرض كامتلاء البحر بمائه، والجو بهوائه، وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى قوة سبقت رحمتي غضبي، فالمسبوق لا بدَّ لاحق وإن أبطأ، وفيه حكمة لا تناقضها الرحمة. فهو سبحانه أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، يضع كل شئ في موضعه.

стр. 134

الملك ومن أسمائه الحسنى : الملك، والمالك، والمليك. قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران:٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥]. الله ﵎ هو الملك الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن، والملك هو النافذ الأمر في ملكه، والملك أعم من المالك، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه. والله ﷻ هو الملك الذي يملك كل شيء، وهو مالك المالكين كلهم، وما يملكون كله، وإنما استفادوا التملك والتصرف في أملاكهم من جهته سبحانه، فهو الذي خلقهم وملَّكهم ما هم فيه. فهو سبحانه ملك الملوك، ومالك الملك، ومالك الممالك، له الملك كله في الدنيا والآخرة، وله ملك السموات والأرض، وما فيهن من الملائكة والملوك والممالك والمماليك. وسائر المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي ملكه: من شمس وقمر، وليل ونهار، وكواكب ونجوم، وملائكة وأرواح، وإنس وجن، وطير وحيوان، وجماد ونبات، وبحار وأنهار، وسحب ومياه، وتراب وجبال، وهواء ورياح، وغير ذلك مما لا يمكن إحصاؤه، أو الوقوف على آحاده: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ ... [المائدة: ١٢٠]. والله ﷻ هو الواحد القهار، المالك لجميع المخلوقات قاطبة، المتصرف

стр. 135

فيها بلا ممانعة ولا مدافعة، ملكه كبير عظيم واسع، وقدرته في ملكه تامة مطلقة، فلا يعجزه شيء: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾ [الحديد: ٢]. وهو سبحانه الملك الحق، الحي القيوم، القادر الذي لا يثقل عليه، ولا يعجزه حفظ هذا الملك العظيم، الواسع الكبير: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والله ﵎ هو الغني الذي يملك كل شيء، وبيده كل شيء، وله كل شيء، وهو المالك لخزائن السموات والأرض، ينفق كيف يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧]. والله ﷻ هو الملك الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء، وكل يوم هو في شأن، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويخفض آخرين، ويفعل ما يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ ... [آل عمران: ٢٦، ٢٧]. والله مالك يوم الدين، والملك في ذلك اليوم العظيم لله الواحد القهار، لا ينازعه فيه أحد من ملوك الدنيا وجبابرتها: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦]. فيحكم الملك الحق في ذلك اليوم بالحكم الذي لا يجور، ولا يظلم أحداً مثقال ذرة، ويجازي المحسن بإحسانه، ويجازي المسئ بإساءته. عَنْ عبد اللهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ: أنَّ الله يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى

стр. 136

إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ أنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر:٦٧]» متفق عليه (١). والله سبحانه من كمال ملكه كمال رحمته، وكمال قدرته كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. ومن الرحمة للخلق أن الله سبحانه مالك يوم الدين وحده، وله الملك يوم القيامة وحده، لأنه الذي يحاسب بالعدل والإحسان، ويعفو ويسامح، ويغفر ويستر، ولا يظلم ولا يجور: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧]. والله ﵎ هو الملك الحق، وله الملك في السموات والأرض، وله الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة، والعزة والقوة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣]. وصفة الملك تستلزم سائر صفات الكمال: فالملك الحقيقي التام يستلزم الحياة المطلقة .. والقدرة التامة .. والعلم الشامل .. والإرادة النافذة .. ويستلزم السمع والبصر .. والكمال والفعل .. وغير ذلك من صفات الكمال والجلال والجمال. فالله سبحانه هو الملك القوي القادر القاهر، الذي يدبر الأمر، ويصرف الأحوال، ويقلب الليل والنهار، ويفعل ما يشاء، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ملك عظيم قادر حكيم:

стр. 137

يأمر وينهى .. ويثيب ويعاقب .. ويعطي ويمنع .. ويعز ويذل .. ويكرم ويهين .. وينعم وينتقم .. ويخفض ويرفع .. ويحيي ويميت .. ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته .. ويحكم عباده بأمره وشرعه، ويتقدم إليهم بأمره ونهيه، ويعمهم بفضله ورحمته: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾ [الفتح: ١٤]. فسبحانه لا إله غيره، ولا رب سواه. له الحمد على ملكه العظيم، وله الحمد على فضله الكبير، وله الحمد على رحمته الواسعة، وله الحمد على آلائه ونعمه السابغة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ: ١]. وكمال ملكه سبحانه لا بد أن يكون مقروناً بكمال حمده، وعموم حمده يستلزم ألا يكون في خلقه وأمره مالا حكمة فيه، وهو سبحانه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأحسن الخالقين. فلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وإذا كان المُلك المطلق إنما هو لله وحده لا شريك له، فالطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، لأن ما سواه من ملوك الأرض وغيرهم إنما هم عبيد له، وتحت أمره وقهره، فلا بد من تقديم طاعة الملك الحق على طاعة من سواه، وتقديم حكمه على حكم غيره، ولا طاعة لأحد إلا في حدود طاعته، أما في معصيته فلا سمع ولا طاعة لأحد كائناً من كان. وقد يسمى بعض المخلوقين ملكاً إذا اتسع ملكه، إلاأن الذي يستحق هذا الاسم على وجه الكمال هو الله ﷻ ، لأنه مالك الملك، وليس ذلك لأحد غيره سبحانه. والمخلوقات كلها مملوكة لله، محتاجة إليه، لا تملك من السموات والأرض شيئاً، ولا مثقال ذرة، ولا تنفع أحداً ولا تضره إلا بإذن الله سبحانه: ﴿قُلْ

стр. 138

أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦]. ومن الناس من يطغى، ويظن أنه المالك الحقيقي، وينسى أنه مستخلف فقط فيما آتاه الله من ملك ومال، وجاه وسلطان، فيتكبر ويتجبر، ويظلم الناس بغير حق، ويفسد في الأرض كما قال فرعون لقومه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾ [الزخرف:٥١]. وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. فلما جنى هذه الجناية العظمى، ودعا قومه إلى هذه الضلالة الكبرى، واستجابوا له عاقبهم الله وأغرقهم جميعاً: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزخرف: ٥٤ - ٥٦]. وإهلاك الله لفرعون وقومه عبرة لكل ظالم متكبر من ملوك الأرض، تفرعن على الناس فيما آتاه الله من ملك، وظن أنه مخلد، ونسي أن ملكه زائل، وأن إقامته في ملكه مؤقتة، وإن ربك لبالمرصاد لكل طاغية. فسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وتبارك: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ [البروج: ٩]. والله ﵎ هو الملك الحق، والملك الحق هو الذي يكون له الأمر والنهي، ويتصرف في خلقه وأمره كما يشاء، فمن ظن أن الله خلق خلقه عبثاً لم يأمرهم ولم ينههم، فقد طعن في ملكه، ولم يقدره حق قدره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١]. فكل من جحد شرع الله، وأمره ونهيه، وجعل الخلق بمنزلة الأنعام المهملة، فقد

стр. 139

طعن في ملك الله، ولم يقدره حق قدره. وكونه تعالى إله الخلق يقتضي كمال ذاته وأسمائه وصفاته، ووقوع أفعاله على أكمل الوجوه وأتمها، فكما أن ذاته الحق، فقوله الحق، ووعده الحق، وأمره الحق، ولقاؤه حق، والجنة حق، والنار حق، وأفعاله كلها حق، فمن أنكر شيئاً من ذلك فما وصف الله بأنه الحق. وكيف يظن أحد بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثاً، وأن يتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم؟: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]. وهو سبحانه الملك الذي خلق الممالك كلها، المتصرف فيها كيف يشاء وحده، تصرف ملك قاهر عادل رحيم تام الملك، لا ينازعه في ملكه منازع، ولا يعارضه فيه معارض. وتصرفه سبحانه في ملكه دائر بين العدل والإحسان، والحكمة والمصلحة، والرحمة والمغفرة، لا يخرج تصرفه عن ذلك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦، ٣٧]. والله ﵎ هو الملك الذي له ملك كل شيء، وله ملك السموات والأرض، وله وحده الملكية الشاملة المطلقة في هذا الكون، والناس ليس لهم ملكيةً ابتداءً لشيء، إنما لهم استخلاف من الملك الواحد الذي يملك كل شيء، ويستخلف من يشاء، وعليهم أن يخضعوا في خلافتهم لشروط المالك الذي استخلفهم، فإن خالفوا فإن الله سيسألهم ويحاسبهم ويعاقبهم. فالله أعطى آل إبراهيم الملك والنبوة والكتاب، وآتى فرعون الملك والسيادة، وابتلى هذا .. وابتلى ذاك، فخسر هذا .. وفاز ذاك كما قال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

стр. 140

وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٤ - ٥٥]. فسبحان الملك الذي بيده ملكوت كل شيء، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، وله العزة والكبرياء، وله القهر والسيطرة المطلقة على هذا الكون العظيم، سيطرة الملكية والاستعلاء، وسيطرة التصريف والتدبير، وسيطرة التبديل والتغيير. باقٍ لا يفنى، قوي لا يغلب، عدل لا يظلم، جبار لا يقهر، قادر لا يعجزه شيء، غني لا يحتاج إلى شيء. واحد لا شريك له في ملكه وخلقه وتدبيره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ١، ٢]. خلق كل شيء فقدره تقديراً .. قدر حجمه وشكله .. وقدر وظيفته وعمله .. وقدر مكانه وزمانه .. وقدر بقاءه وفناءه. فله الحمد على ملكه العظيم .. وله الشكر على عطائه الجزيل. «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ. اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلا أنْتَ، أوْ: لا إلَهَ غَيْرُكَ» متفق عليه (١).

стр. 141

القدوس ومن أسمائه الحسنى : القدوس. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]. الله ﵎ هو الملك القدوس، الطاهر من العيوب، المنزه عن الأولاد والأنداد والنقائص، الموصوف بصفات الكمال، التي وصف بها نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلا. وهو سبحانه الملك القدوس، الممدوح بالفضائل والمحاسن، المنزه عن النقائص في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله وأقواله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. وأفعاله منزهة عن الخطأ والنسيان، وعن الآفات والعيوب كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. وكان النبي ﷺ يكثر من ذكر هذا الاسم في ركوعه وسجوده. عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ» أخرجه مسلم (١). فسبحان المك القدوس، ذو الفضائل والمحاسن، المنزه عن النقائص والعيوب.

стр. 142

السلام ومن أسمائه الحسنى : السلام. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا قَعَدَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ، فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْألَةِ مَا شَاءَ» متفق عليه (١). الله ﵎ هو السلام، الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل نقص، لكماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وهو سبحانه أحق بهذا الاسم من كل ما سواه، لأنه السالم من كل آفة وعيب، ونقص وذم، وله الكمال المطلق من كل الوجوه، وكماله سبحانه من لوازم ذاته: فالسلام يتضمن إثبات جميع الكمالات له، وسلب جميع النقائص عنه. والسلام يتضمن سلامة ذاته من كل نقص وعيب، وسلامة أسمائه من كل ذم، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامة أفعاله من العبث والظلم، وخلاف الحكمة. فالله ﷻ هو الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم والتغير. وهو القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب، والإعياء والعجز. وهو العليم الذي سلم علمه من النقص، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، أو يغيب عنه قدر ذرة.

стр. 143

وهو سبحانه السلام الذي سلم الخلق من ظلمه فلا يضلم أحداً. وهو سبحانه السلام الذي خلق الجنة دار السلام من الموت والمرض وسائر الآفات كما قال سبحانه عن المؤمنين: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام: ١٢٧]. وهو سبحانه السلام الذي يسلم على عباده في الجنة كما قال سبحانه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وهو سبحانه السلام، المسلم على أنبيائه ورسله، لإيمانهم وإحسانهم، وطاعتهم له، وتحملهم في سبيله أعظم الشدائد، فيؤمنهم فلا يخافون ولا يفزعون كما قال سبحانه: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]. وقال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩]. وقد أمر النبي ﷺ بإفشاء هذا الاسم، وأخبر أن ذلك سبب للمحبة، ودخول الجنة. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه مسلم (١). والله سبحانه هو السلام، فكل سلام ورحمة منه وله، وهو مالكها ومعطيها، فالسلام منه بدأ، وإليه يعود، فالسلام اسمه ووصفه وفعله، والتلفظ به ذكر له فـ «اللَّهُمَّ! أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ» أخرجه مسلم (٢). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ ... [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].

стр. 144

المؤمن ومن أسمائه الحسنى : المؤمن. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣]. الله ﵎ هو المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال والجلال والجمال، المصدق لنفسه ولرسله فيما بلغوه عنه، الذي أمن خلقه من أن يظلمهم. وهو سبحانه المؤمن الذي خلق الأمن، ومن به على من شاء من عباده، والذي يهب الأمن لعباده المؤمنين يوم القيامة، ويأمن عذابه من لا يستحقه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وهو سبحانه المؤمن الذي وهب عباده الأمن من الفزع الأكبر، وأمَّنهم بخلق الطمأنينة في قلوبهم، وأخبرهم أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل: ٨٩ - ٩٠]. وهو سبحانه المؤمن، المصدق لرسله بإظهار المعجزات، وللمؤمنين بما وعدهم به من الثواب يوم القيامة. اللهم آمنَّا في أوطاننا .. وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا .. وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الأخره .. وارحم ذل مقامنا يوم العرض عليك.

стр. 145

المهيمن ومن أسمائه الحسنى : المهيمن. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣]. الله ﵎ هو المهيمن، الشاهد على خلقه بأعمالهم، الرقيب عليهم، العالم بجميع المعلومات، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. وهو سبحانه المهيمن العالي على كل مخلوق، فهو العلي على جميع خلقه، وهو المؤمن المهيمن على كل مؤمن .. والكريم المهيمن على كل كريم .. القوي المهيمن على كل قوي .. الحكيم المهيمن على كل حكيم .. العليم المهيمن على كل عليم .. الجبار المهيمن على كل جبار .. الكبير المهيمن على كل كبير .. وهكذا في بقية الأسماء. وهو سبحانه الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، وله الكمال في هذا، فلا يضل ولا ينسى ولا يغفل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وهو ﷻ المهيمن الذي أنزل القرآن على خاتم رسله وأفضلهم، وجعله مهيمناً على ما قبله من الكتب كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا
следующие страницы →