القدوس
ومن أسمائه الحسنى : القدوس.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١].
الله ﵎ هو الملك القدوس، الطاهر من العيوب، المنزه عن الأولاد والأنداد والنقائص، الموصوف بصفات الكمال، التي وصف بها نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلا.
وهو سبحانه الملك القدوس، الممدوح بالفضائل والمحاسن، المنزه عن النقائص في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله وأقواله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وأفعاله منزهة عن الخطأ والنسيان، وعن الآفات والعيوب كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
وكان النبي ﷺ يكثر من ذكر هذا الاسم في ركوعه وسجوده.
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ» أخرجه مسلم (١).
فسبحان المك القدوس، ذو الفضائل والمحاسن، المنزه عن النقائص والعيوب.
стр. 142
السلام
ومن أسمائه الحسنى : السلام.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا قَعَدَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ، فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْألَةِ مَا شَاءَ» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو السلام، الذي سلم من كل عيب، وبرئ من كل نقص، لكماله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وهو سبحانه أحق بهذا الاسم من كل ما سواه، لأنه السالم من كل آفة وعيب، ونقص وذم، وله الكمال المطلق من كل الوجوه، وكماله سبحانه من لوازم ذاته:
فالسلام يتضمن إثبات جميع الكمالات له، وسلب جميع النقائص عنه.
والسلام يتضمن سلامة ذاته من كل نقص وعيب، وسلامة أسمائه من كل ذم، وسلامة صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامة أفعاله من العبث والظلم، وخلاف الحكمة.
فالله ﷻ هو الحي الذي سلمت حياته من الموت والسنة والنوم والتغير.
وهو القادر الذي سلمت قدرته من اللغوب والتعب، والإعياء والعجز.
وهو العليم الذي سلم علمه من النقص، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، أو يغيب عنه قدر ذرة.
стр. 143
وهو سبحانه السلام الذي سلم الخلق من ظلمه فلا يضلم أحداً.
وهو سبحانه السلام الذي خلق الجنة دار السلام من الموت والمرض وسائر الآفات كما قال سبحانه عن المؤمنين: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام: ١٢٧].
وهو سبحانه السلام الذي يسلم على عباده في الجنة كما قال سبحانه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤٤].
وهو سبحانه السلام، المسلم على أنبيائه ورسله، لإيمانهم وإحسانهم، وطاعتهم له، وتحملهم في سبيله أعظم الشدائد، فيؤمنهم فلا يخافون ولا يفزعون كما قال سبحانه: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩].
وقال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ [النمل: ٥٩].
وقد أمر النبي ﷺ بإفشاء هذا الاسم، وأخبر أن ذلك سبب للمحبة، ودخول الجنة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه مسلم (١).
والله سبحانه هو السلام، فكل سلام ورحمة منه وله، وهو مالكها ومعطيها، فالسلام منه بدأ، وإليه يعود، فالسلام اسمه ووصفه وفعله، والتلفظ به ذكر له فـ «اللَّهُمَّ! أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ» أخرجه مسلم (٢).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ ... [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
стр. 144
المؤمن
ومن أسمائه الحسنى : المؤمن.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣].
الله ﵎ هو المؤمن الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال والجلال والجمال، المصدق لنفسه ولرسله فيما بلغوه عنه، الذي أمن خلقه من أن يظلمهم.
وهو سبحانه المؤمن الذي خلق الأمن، ومن به على من شاء من عباده، والذي يهب الأمن لعباده المؤمنين يوم القيامة، ويأمن عذابه من لا يستحقه كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وهو سبحانه المؤمن الذي وهب عباده الأمن من الفزع الأكبر، وأمَّنهم بخلق الطمأنينة في قلوبهم، وأخبرهم أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ [النمل: ٨٩ - ٩٠].
وهو سبحانه المؤمن، المصدق لرسله بإظهار المعجزات، وللمؤمنين بما وعدهم به من الثواب يوم القيامة.
اللهم آمنَّا في أوطاننا .. وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا .. وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الأخره .. وارحم ذل مقامنا يوم العرض عليك.
стр. 145
المهيمن
ومن أسمائه الحسنى : المهيمن.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣].
الله ﵎ هو المهيمن، الشاهد على خلقه بأعمالهم، الرقيب عليهم، العالم بجميع المعلومات، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، المطلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً.
وهو سبحانه المهيمن العالي على كل مخلوق، فهو العلي على جميع خلقه، وهو المؤمن المهيمن على كل مؤمن .. والكريم المهيمن على كل كريم .. القوي المهيمن على كل قوي .. الحكيم المهيمن على كل حكيم .. العليم المهيمن على كل عليم .. الجبار المهيمن على كل جبار .. الكبير المهيمن على كل كبير .. وهكذا في بقية الأسماء.
وهو سبحانه الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، وله الكمال في هذا، فلا يضل ولا ينسى ولا يغفل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وهو ﷻ المهيمن الذي أنزل القرآن على خاتم رسله وأفضلهم، وجعله مهيمناً على ما قبله من الكتب كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا
стр. 146
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
فالقرآن الكريم مصدق لكتب الله السابقة، ومهيمن عليها.
وعلو القرآن على سائر كتب الله وإن كان الكل كلام الله بأمور:
بما زاد عليها من السور كسورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والسبع المثاني .. وجعله الله قرآناً عربياً بيناً .. وجعل نظمه وأسلوبه معجزاً .. يصدق من جاء به .. ويصدق ما قبله من الكتب والرسل .. وفيه تبيان كل شيء .. وتفصيل كل شيء كما قال الله عنه: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ١ - ٤].
وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ ... [النحل: ٨٩].
стр. 147
العزيز
ومن أسمائه الحسنى : العزيز.
قال الله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [الصف: ١].
الله ﵎ هو العزيز، القاهر الذي لا يغلب ولا يقهر، المنيع الذي لا يرام جنابه، فلا ينال جنابه لعزته وعظمته، وجبروته وكبريائه، العزيز الذي لا مثل له ولا نظير، الغالب الذي لا يعجزه شيء، القوي القاهر الذي لا يقف له شيء: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ [ص: ٦٦].
وهو سبحانه العزيز الذي له العزة كلها:
عزة القوة .. وعزة الغلبة .. وعزة الامتناع .. فامتنع سبحانه أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع المخلوقات، ودانت له الخليقة كلها، وخضعت لعظمته وذلت لجبروته: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ [يونس: ٦٥].
والله ﷻ هو العزيز، وله العزة جميعاً، فنواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وهو القاهر لهم على ما أراد.
فمن أراد العز في الدنيا والآخرة فليطلبه من رب العزة ﵎، مالك الدنيا والآخرة، وذلك يحصل بكمال الإيمان والتقوى، ولزوم طاعة الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
ومع عظم الطاعة وحسنها وكمالها ودوامها تزداد العزة، فأعزُّ الناس هم الأنبياء، ثم الذين يلونهم من المؤمنين المتبعين لهم، فعزة كل أحد بقدر علو رتبته في الدين، وكلما كانت هذه الصفة فيه أكمل، كان وجدان مثله أقل، وكان أشد عزة،
стр. 148
وأكمل رفعة، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
ومن أسباب العزة العفو والتواضع.
عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم (١).
ومن طلب العزة عند غير الله تعالى، وبغير طاعته ضل وذل، وأخطأ سبيل العزة وطريقها، وضل مع الضالين والمنافقين: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩].
والله سبحانه هو العزيز الذي لا يضام، المعز الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، وهو رب العزة كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ ... [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
وقد وصف الله كتابه بالعزيز كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
أعزه الله لأنه كلامه، فكلامه عزيز محكم، لا يتطرق إليه الباطل، فلا يستطيع أحد تغييره ولا تبديله، ولا إلحاق ما ليس منه فيه.
والله عزيز رحيم، بعزته يقدر على إيصال الخير، ودفع الشر عن عبده إذا سأله، وتوكل عليه، وأحسن الظن به: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين .. وانصر عبادك المؤمنين .. وأخذل أعداءك أعداء الدين .. ياقوي يا عزيز. أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني.
стр. 149
الجبار
ومن أسمائه الحسنى : الجبار.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
وقال النبي ﷺ : «تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأ أحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلاً لأهْلِ الْجَنَّةِ» متفق عليه (١).
الله ﵎ هو الجبار، العالي على خلقه، القاهر خلقه على ما أراد من أمر ونهي، الذي جبر الخلق على ما يريد، والذي جبر مفاقر الخلق، وكفاهم أسباب الرزق والمعاش في الدنيا والآخرة.
وهو سبحانه الرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه من خلقه.
وهو ﷻ الجبار الذي له العلو على خلقه:
علو الذات .. وعلو القدر .. وعلو الصفات .. وعلو القهر والجبروت.
جبر خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خلق .. ولا يمتنع عليه شيء منهم أبداً، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وهو سبحانه الذي جبر خلقه على ما شاء من أمر ونهي، فشرع لهم من الدين ما ارتضاه هو كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
стр. 150
فشرع للعباد ما شاء من الشرائع، وأمرهم باتباعها، ونهاهم عن العدول عنها، فمن آمن فله الجنة، ومن عصى فله النار، ولم يجبر أحداً من خلقه على إيمان أو كفر، بل جعل لهم المشيءة في ذلك، وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيءته كما قال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ ... [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
فسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
إن الجبروت لله وحده، فهو الذي قهر الجبابرة بجبروته، وعلاهم بعظمته ومجده، الجبار الذي لا يجري عليه حكم حاكم، ولا يتوجه عليه أمر آمر.
فهو سبحانه آمر غير مأمور، قاهر غيرمقهور، وما سواه من المخلوقات فهو مقهور مملوك، ضعيف عاجز، فقير فان، ومن هذه صفته من المخلوقات كيف يليق به التكبر والتجبر وهذه حاله؟.
والله مدح نفسه بأنه العزيز الجبار، وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥].
والجبارون والمتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس وقد توعد الله العزيز الجبار كل متكبر، وكل جبار بالعذاب الأليم يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧].
وقال النبي ﷺ : «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ. قَالَ الله ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ
الكبير
ومن أسمائه الحسنى : الكبير .. والمتكبر.
قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ ... [الحشر: ٢٣].
الله ﵎ هو الكبير المتعال، العظيم الذي كل شيء دونه، ولا شيء أعظم منه، الذي كبر وعظم، فكل شيء دون جلاله صغير وحقير، الموصوف بالجلال وكبر الشأن.
وهو سبحانه الكبير الذي له الملك والعظمة والسلطان، وله الكبرياء في السموات والأرض، وله الحمد على ربوبيته لسائر الخلائق، حيث خلقهم ورباهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، وله الكبرياء والجلال، والعظمة والمجد: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦، ٣٧].
والله ﷻ هو المتكبر الذي تكبر عن ظلم عباده، وتكبر عن كل سوء وشر، والذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، وتكبر وتعالى عن صفات الخلق، فلا شيء مثله، العزيز الجبار المتكبر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ... [الشورى: ١١].
فالله أكبر من كل شيء، وأكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، وأكبر من أن نحيط به علماً، هو الكبير وحده، وكل ما سواه صغير.
وهو الكبير العظيم، أكبر من أن نعرف كيفية ذاته، وكيفية صفاته، ومن
стр. 153
أراد أن يعرف عظمة ربه وكبرياءه، وصفات جلاله، وصفات جماله، فلينظر إلى الآيات الكونية في العالم العلوي والسفلي، والآيات القرآنية التي لا تكاد تخلو آية منها من اسم لله، أو صفة من صفاته، أو فعل من أفعاله، أو أمر من أوامره، وعليه كذلك بسنة رسوله ﷺ ، الذي هو أعلم الخلق بربه، وعليه أنزل الكتاب العزيز.
فسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
وهو سبحانه العزيز الجبار المتكبر، والتكبر لا يليق إلا به سبحانه، فهو خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، ولا يعجزه شيء، وهو القاهر لكل شيء، العالم بكل شيء، المحيط بكل شيء، الغني الذي خزائنه مملوءة بكل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ ... [الأنعام: ١٠٢، ١٠٣].
وصفة السيد التكبر والترفع، وأما العبد فصفته التذلل والخشوع والخضوع، والعبودية والطاعة.
وقد توعد الله الكبير المتعال جميع المتكبرين بأشد العذاب يوم القيامة جزاء استكبارهم عن الحق، واستكبارهم على العباد كما قال سبحانه عن المستكبرين: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ [الأحقاف: ٢٠].
واستكبارهم هذا هو رفضهم عبادة ربهم، وعدم الانقياد لله ولأوامره: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ ... [غافر: ٦٠].
والكبر والكبرياء في حق الله عظيم، فلا يليق إلا به، والكبر والاستكبار في حق المخلوق قبيح يجلب على صاحبه الذلة والهوان والهلاك.
وإذا عرف الإنسان أن ربه هو الكبير وحده .. وأن كل ما سواه صغير .. فلماذا لا
стр. 154
يطيعه، ويأخذ منهج حياته منه؟.
فالكبر كان هو السبب في هلاك إبليس، ولعنة الله له، وطرده من رحمة الله، لما استكبر عن أمر ربه، وأبى أن يسجد لآدم كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
ولا يكاد يخلو طاغية في الأرض من هذا المرض العضال، بل لا يكاد يخلو منه إنسان، فمقل ومستكثر، ومنهم من يبديه، ومنهم من يخفيه، والله عليم بذات الصدور.
والله ﵎ هو الكبير في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه.
ومن كبريائه أن كرسيه وسع السموات والأرض، ومن عظمته وكبريائه أن نواصي الخلق كلهم بيده، فلا يتصرفون إلا بمشيءته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإذنه.
ومن كبريائه ﷻ أن العبادات الصادرة من أهل السموات والأرض كلها المقصود منها تكبيره وتعظيمه، وإجلاله وإكرامه، ولهذا كان التكبير شعار العبادات الكبار كالصلاة، والأذان، والحج.
والله سبحانه العزيز الجبار المتكبر، الذي له الكمال والثناء، وله الحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل آفة ونقص، له الملك كله، الغني عن كل ما سواه، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات في الأرض والسماء، فله الحمد والشكر، وله العزة والمجد: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ ... [الإسراء: ١١١].
فعلينا تعظيم الله وإجلاله وتكبيره، بالإخبار بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وبالثناء عليه بهما، وبتحميده بأفعاله المقدسة.
وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له. وإخلاص الدين كله له، وبتعظيم شعائره ودينه، وأوامره وكلامه، وتوقير رسله بطاعتهم والاقتداء بهم.
стр. 155
الخالق
ومن أسمائه الحسنى : الخالق .. والخلاق.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ ... [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ ... [الحشر: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ [يس: ٨١].
الله ﵎ هو الخالق الذي خلق المخلوقات كلها، وأوجدها على غير مثال سابق، كما قال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧].
خلق العرش والكرسي .. وخلق السموات والأرض .. وخلق الجماد والنبات .. وخلق الإنسان والحيوان .. والروح والجان .. والملائكة الكرام .. وخلق السهول والجبال .. وخلق البحار والأنهار .. وخلق الليل والنهار .. وخلق الشمس والقمر .. وخلق الكواكب والنجوم .. وخلق الجنة والنار: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
والله هو الخلاق العليم، خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، وجعل لكل نوع قدراً:
فمنها الصغير والكبير، ومنها الطويل والقصير، ومنها القوي والضعيف، ومنها السائل والجامد، ومنها النافع والضار، ومنها الساكن والمتحرك، ومنها الناطق والصامت، ومنها الذكر والأنثى، ومنها الثابت والنامي، ومنها العذب والمالح: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
والله ﷻ خلق هذا الكون العظيم، وكل يوم بل كل لحظة يخلق ما يشاء، كيف شاء، بأي قدر شاء، في أي وقت شاء: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا
стр. 156
كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].
وخلق الله عظيم محكم، فلا يستطيع مخلوق أن يخلق مثله، فضلاً عن أن يخلق أحسن منه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
والله وحده هو الخلاق العليم، وهو خالق كل شيء، والخلق كلهم لو اجتمعوا ما استطاعوا أن يخلقا ذباباً، بل لو سلبهم الذباب شيئاً ما استطاعوا رده كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤].
وهو سبحانه الخالق الذي لا يعجزه شيء، الذي بدأ الخلق، وهو قادر على إعادته، فله وحده القدرة الكاملة، وله العزة الكاملة، وله الحكمة الواسعة، فعزته أوجد بها المخلوقات، وأظهر المأمورات، وحكمته أتقن بها ما صنعه، وأحسن فيها ما شرعه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ ... [الروم: ٢٧].
وهو سبحانه خالق كل شيء، وقاهر كل شيء.
فالمخلوقات التي خلقها الله ، كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره، ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر لجميع المخلوقات لله الواحد القهار: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ ... [الرعد: ١٦].
والله ﷻ هو الذي خلق المخلوقات كلها، وتفرد بالملك، ودبر الممالك والخلائق، وأجرى عليهم أحكامه الكونية، وأحكامه الدينية: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ ... [الأعراف: ٥٤].
والله هو الخالق الذي له القدرة المطلقة، فخلق جميع الخلق على كثرتهم، ويبعثهم بعد موتهم بعد تفرقهم في لمحة واحدة، كخلقه نفساً واحدة، فسبحان القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا
стр. 157
كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ ... [لقمان: ٢٨].
ألا ما أعظم قدرة الخلاق العليم، وما أجهل البشر بعظمة ربهم وقدرته وقوته وعظمة مخلوقاته: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ [المؤمنون: ١٧].
فهذا الرب العظيم هو الذي يستحق العبادة وحده دون سواه، لأنه الذي خلقنا، وخلق الذين من قبلنا، وخلق كل شيء، وأنعم علينا بالنعم الظاهرة والباطنة، وأمرنا بعبادته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة٢١ - ٢٢].
فهل يليق بالإنسان أن يعبد مع ربه أحداً من خلقه، ويتخذ انداداً يعبدهم من دون الله، ويحبهم كما يحبه، وهم مخلوقون مثله، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض؟
فمن أعجب العجب، وأسفه السفه أن يعلم الإنسان أن الله ليس له شريك في الخلق والرزق والتدبير، ولا في العبادة، ثم يشرك به غيره، ويعبد معه آلهة أخرى، لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعاً ولا ضراً.
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢].
فسبحان الخلاق لكل مخلوق .. العليم بكل شيء .. الذي لا يخفى عليه شيء .. فاعبده واصطبر لعبادته: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ ... [الحجر: ٨٦].
وإذا كان الله هو الكبير .. وهو الخلاق .. وكل ما سواه مخلوق صغير .. فهل يليق بالعاقل أن يعبد المخلوق من دون الخالق .. ويدعو الصغير من دون الكبير .. ؟.
стр. 158
البارئ
ومن أسمائه الحسنى : البارئ.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ ... [الحشر: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤].
الله ﵎ هو الخالق البارئ، الذي برأ الخلق فأوجدهم، وخلقهم بقدرته، وفضل بعض الخلق على بعض، وأبدع الماء والتراب، والهواء والنار لا من شيء، ثم خلق الإنسان من تراب، وجعل من الماء كل شيء حي.
وهو سبحانه الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت، والتناقض، سليماً من التباين والاعوجاج.
فخلقه سبحانه كله مستو مستقيم، محكم متقن، دال على كمال قدرة خالقه وعظمته: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ ... [الملك: ٣].
وهو سبحانه الخالق البارئ الذي خلق المخلوقات كلها، وأحسن خلقها، فصارت في أحسن خلق، وأكمل صورة، وأبهج شكل.
خلقهم خلقاً مستوياً ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، أبرياء من ذلك كله.
فسبحان الخالق البارئ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧].
стр. 159
المصور
ومن أسمائه الحسنى : المصور.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦].
الله ﵎ هو الخالق البارئ المصور، الذي خلق الخلق، وصورهم على صور مختلفة، وهيئات متباينة، من الطول والقصر، والحسن والجمال، والذكورة والأنوثة، والشكل واللون، كل واحد ميزه ربه بصورة خاصة يتميز بها عن غيره من المخلوقات، فلكل مخلوق طبعة خاصة، وصورة مستقلة.
وهو سبحانه المصور، الذي إذا أراد شيئاً قال له كن، فيكون على الصورة التي يختار، والصفة التي يريد، وصوَّر خلقه على الأشكال والهيئات التي توافق تقديره وعلمه، ورحمته وحكمته، والتي تتناسب مع مصالح الخلق ومنافعهم.
فسبحان الخالق البارئ المصور، الذي خلق المخلوقات، وصور الكائنات، وأحسن كل شيء خلقه.
وسبحان الملك الذي له الملك كله، فلا يخرج مخلوق عن ملكه، وله الحمد كله.
حمد على ما له من صفات الكمال والجلال والجمال، وحمد على ما أوجده من الأشياء، وأحسن خلقها، وحمد على ما شرعه من الأحكام، وأسداه من النعم العظام.
وسبحان الخالق البارئ المصور، الذي خلق السموات والأرض وما فيهما، فأحسن خلقهما، وخلق الإنسان في أحسن صورة، وأكمل هيئة، وأحسن تقويم: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [التغابن: ٣].
стр. 160
الغفور
ومن أسمائه الحسنى : الغفور .. والغافر .. والغفار.
قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ ... [الحجر: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ٣].
وقال الله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾ [ص: ٦٦].
الله ﵎ هو الغفار، الذي يستر ذنوب عباده، ويغطيهم بستره، السَّتّار لمساوئ عباده، المسدل عليهم ثوب عطفه ورأفته، فلا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهره في عيونهم.
وهو سبحانه الغافر الذي يستر على المذنب ذنبه، ولا يؤاخذه فيشهره ويفضحه.
وهو سبحانه الغفور، الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، العفو الذي يزيد عفوه على مؤاخذته.
وهو سبحانه العفو الغفور، الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفاً، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفاً، وكل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، كما هو مضطر إلى خلقه وإعانته.
وقد وعد الله سبحانه بالمغفرة لمن أتى بأسبابها كما قال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢].
والله هو الغفور الرحيم، يغفر الذنوب والخطايا والسيئات، صغيرها وكبيرها مهما بلغت، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ ... [الزمر: ٥٣].
ومهما عظمت ذنوب الإنسان، فإن مغفرة الله ورحمته أعظم من ذنوبه التي ارتكبها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].
بل من فضله وجوده وإحسانه أن تكرم بتبديل سيئات المذنبين إلى حسنات كما
стр. 161
قال سبحانه في حق المذنبين التائبين: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ ... [الفرقان: ٧٠].
ولا يجوز للمسلم أن يسرف في الخطايا والمعاصي والفواحش فيقترفها بحجة أن الله غفور رحيم، فالمغفرة إنما تكون للتائبين الأوابين كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾ [الإسراء: ٢٥].
واتصاف الله ﵎ بأنه غفار للذنوب والسيئات فضل من الله، ورحمة عظيمة للعباد، لأنه غني عن العالمين، لا ينتفع بالمغفرة لهم، لأنه سبحانه لايضره كفرهم أصلاً، ولا يغفر لهم خوفاً منهم أيضاً، لأنه قوي عزيز، قد قهر كل شيء وغلبه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
والله لا يزال خيره وبره وإحسانه نازلاً إلى العباد، ولا يزال عفوه عن جرائمهم مستمراً، ومع ذلك فهم يبارزونه بالشر والمعاصي، فمن تاب قبِل الله توبته وغفر له، ومن أصر على الذنوب وأبى التوبة والاستغفار، والالتجاء إلى العزيز الغفار، فإن الله يعاقبه بجرمه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ ... [الرعد: ٦].
والله ﵎ واسع المغفرة، يغفر الذنوب جميعاً، لأنه غفور رحيم، غفور حليم، غفور شكور، عفو غفور، عزيز غفور، غفور ودود، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩].
فسبحان العزيز الغفور .. ما أكرمه .. وما أرحمه .. وما أحلمه على من عصاه.
وكل إنسان إما أن يكون ظالما لنفسه .. أو ظالما لغيره .. أو لهما معاً.
فمن لم يغفر الله له ويرحمه فهو من الخاسرين كما قال الله عن آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف:٢٣].
стр. 162
والله غفور رحيم يحب من عباده أن يسألوه مغفرة ذنوبهم، ويطلبون منه كل ما ينفعهم، ويصلح أحوالهم:
فاللهم: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧].
«اللَّهُمَّ! إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثيراً وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» متفق عليه (١).
والله عفو غفور، ومن عفوه ومغفرته أنه سبحانه فتح للمذنبين باب التوبة والإنابة ودعاهم إليه، ووعدهم بمغفرة ذنوبهم مهما كانت.
ومن عفوه ومغفرته، أن المؤمن لو أتاه بقراب الأرض خطايا، ثم لقيه لا يشرك به شيئاً، أتاه بقرابها مغفرة.
فسبحان واسع المغفرة، الذي يجود على جميع العباد بالمغفرة والرحمة، ويكفر عنهم سيئاتهم، ويقيل عثراتهم، ويضاعف حسناتهم.
فليتق العبد ربه، ويعلم أن الله يعلم باطنه وظاهره، وأقواله وأفعاله، وسره وعلانيته كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥].
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
стр. 163
القاهر
ومن أسمائه الحسنى : القاهر، والقهار.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ [ص: ٦٥].
الله ﵎ هو القاهر فوق عباده، الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل مخلوق، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، واستسلمت واستكانت بين يديه، وخضعت لقهره وحكمه وسلطانه.
والله ﷻ هو القاهر فوق عباده، يًصرِّف ملكه على اختياره، ويدبر الأمر على ما تقدم في علمه، ويصرف الأحوال على ما سبق في مشيءته.
قهر جميع الخلائق على ما أراد، فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بمشيءته، فليس للملوك وغيرهم الخروج عن ملكه وسلطانه، بل هم مدبرون مقهورون بأمره.
وإذا كان سبحانه هو القاهر لغيره، وغيره مقهور، كان هو المستحق للعبادة دون سواه: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يوسف: ٣٩].
وهو سبحانه القهار الذي قهر المخلوقات كلها في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، والذي قهر وغلب عباده أجمعين، وقهر الخلائق جميعاً على ما أراد.
وهو سبحانه القهار الذي قهر الخلق كلهم بالموت، وقهر الجبابرة من عتاة الخلق بالعقوبة، وقهر كل جبار بعز سلطانه، فدمره وأهلكه، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وقارون.
وهو سبحانه الذي قهر الخلائق كلها بالأمراض والمصائب والنكبات التي لا يستطيعون ردها عن أنفسهم، فلا يستطيع أحد أن يخرج عن ملكه، ولا يخرج عن تدبيره، ولا يخرج عن تقديره: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
стр. 164
وهو سبحانه الواحد القهار، المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وما سواه من المخلوقات التي يعبدها الكفار، فإنما هي عاجزة مخلوقة مقهورة، لا تملك أن ترد الضر عن نفسها، فكيف تنفع غيرها، وكيف تقهر غيرها وهي مقهورة، فكيف تعبد وهذه حالها؟.
والله خلق المخلوقات، وجعل فوق كل مخلوق مخلوقاً آخر يقهره، ثم جعل فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر لله الواحد القهار، الذي قهر جميع الخلائق، وله الخلق والأمر، والتصريف والتدبير: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦].
فالرياح العاصفة من مخلوقات الله المدمرة، ولكن الله قهرها بالجبال الراسية تردها، وتفرقها، وتكسر حدتها .. والجبال من مخلوقات الله العظيمة، ولكن الله قهرها وسلط عليها الحديد يقطعها ويكسرها .. والحديد من مخلوقات الله العجيبة، لكن الله قهره بالنار تذيبه .. والنار عظيمة الشأن، ولكن الله سلط عليها الماء يطفئها .. والمياه آية من آيات الله الكبرى، ولكن الله سلط عليها الرياح تصرفها وتقلبها.
والنبات آية من آيات الله، قهره الله بالإنسان والحيوان يأكله ويقطعه .. وقهر الإنسان والحيوان بالمرض يقعده ويؤلمه .. وقهر سبحانه جميع الكائنات الحية بالموت الذي يهلكها.
فكل مخلوق له قاهر أعلى منه يقهره، حتى ينتهي القهر الكامل الشامل لله الواحد القهار، الذي قهر جميع الخلائق على ما أراد.
فسبحان الواحد القهار، العزيز الجبار: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ [البروج: ٩].
стр. 165
الوهاب
ومن أسمائه الحسنى : الوهاب.
قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ [ص: ٩].
الله ﵎ هو الوهاب، المعطي لمن يشاء من خلقه ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، المتفضل بالعطايا والنعم، الذي يجود بالعطاء، ولا ينقص ما في خزائنه.
وهو سبحانه الوهاب، كثير المواهب والعطايا، يعطي العباد من غير استحقاق عليه، ولا طلب للثواب من أحد، يصيب بعطاياه ومواهبه مواقعها، ويقسمها على ما تقتضيه حكمته.
وهو سبحانه الملك الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن، وخزائنه مملوءة بكل شيء، وهو سبحانه الوهاب وحده، يهب ما يشاء، لمن يشاء، في أي وقت شاء، لأنه مالك الملك، وخزائن السموات والأرض له: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ ... [المنافقون: ٧].
وهو سبحانه الكريم الوهاب، الذي ينفق كيف يشاء، لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه مما أراد، وهو الذي بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي على جميع العباد، يده ملأى سحاء الليل والنهار، وخيره على العباد في جميع الأوقات مدرار.
يفرج كرباً .. ويزيل غماً .. ويغني فقيراً .. ويفك أسيراً .. ويجبر كسيراً .. ويجيب سائلاً .. ويعطي فقيراً عائلاً .. ويجيب المضطر .. ويستجيب لمن دعاه .. وينعم على من سأله ومن لم يسأله .. ويعافي من طلب العافية.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
стр. 166
يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقال النبي ﷺ : «يَدُ الله مَلأى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أرَأيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ» متفق عليه (١).
وهو سبحانه الملك الوهاب، أما العباد فإنهم ملك لله سبحانه، فكل من وهب من العباد شيئاً من عرض الدنيا لصاحبه فهو واهب.
ولا يستحق أن يسمى وهاباً إلا من تصرفت مواهبه في أنواع العطايا، فكثرت نوائله وعطاياه وهباته ودامت، والخلق إنما يملكون أن يهبوا مالاً أو نوالاً في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاءً لسقيم، ولا ولداً لعقيم، ولا هدىً لضال، ولا عافية لمريض، ولا رزقاً لمخلوق، ولا أمناً لخائف، ولكن الله الملك الوهَّاب يملك كل ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والله جواد كريم اختص من شاء من عباده بالنبوة والرسالة كما قال سبحانه عن إبراهيم ﷺ : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ... [العنكبوت: ٢٧].
ووهب الملك والسلطان من شاء من عباده كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ [البقرة: ٢٤٧].
وقد سأل سليمان ﷺ ربه أن يهبه ملكاً فاستجاب له، ووهب له ملكاً عظيماً: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ [ص: ٣٥].
وهكذا المؤمن يقدم شكواه، ويطلب حاجته من ربه العزيز الوهَّاب.
قال زكريا ﷺ : ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠].
стр. 167
وكل ما وصل إلى العباد من أي وجه وصل، وعلى أي حال، وبأي قدر كان، فهو من الله المنفرد بالهبات، الوهاب على الإطلاق بجزيل العطايا، وجميع الأرزاق، لجميع الخلائق، في جميع الأوقات.
علَّم سبحانه عباده كيف يسألونه الإنعام والإحسان على وجه لا يكون فيه مكر ولا استدراج، فأعطاهم ما ينفعهم، ويصلح أحوالهم، ومنعهم ما يضرهم.
والكفار لما سألوه أعطاهم، ومكنهم مما فيه ضررهم وهلاكهم وشقاؤهم كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ ... [التوبة: ٥٥].
وكل ما وهب الله العباد، فهو عطية ومنحة منه سبحانه، وله سلبها وإبقاؤها متى شاء، وهي إما إ كراماً، أو عقوبة، أو ابتلاء.
قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ [ص: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ ... [الأنعام: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
فسبحان العزيز الوهاب، الذي وسع الخلق جوده ورحمته، وتتابعت مواهبه، وتوالت مننه وعوائده، ذو البذل الشامل، والعطاء الدائم، بغير تكلف ولا عرض ولا عوض.
وسبحان الكريم الوهاب، الذي تدر الهبات منه سبحانه على عباده في دنياهم وأخراهم دون انقطاع ولا نفاد، بل في نماء وازدياد على مر الدهور والآباد: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
وسبحان الكريم الذي خيره وفضله يرتع فيه البر والفاجر، والمطيع والعاصي، وسبحان الذي كل النعم التي ينعم بها العباد منه، وإليه يجأرون في دفع المكاره.
وتبارك الذي لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه.
стр. 168
وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء إلا بجوده.
اللهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].
стр. 169
الرزاق
ومن أسمائه الحسنى : الرزاق .. والرازق.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ ... [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ ... [الجمعة: ١١].
الله ﵎ هو الرزاق، الذي خلق الأرزاق، وأعطى الخلائق أرزاقها، وأوصلها إليهم، وتكفل بأقوات المخلوقات كلها، والذي وسع الخلق كلهم برزقه ورحمته، فلم يخص بذلك مؤمناً دون كافر، ولا ولياً دون عدو، بل يسوق رزقه إلى الضعيف الذي لا حيلة له، كما يسوقه إلى الجلد القوي ذي المرة السوي: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ ... [الإسراء: ٢٠].
وهو سبحانه الرزاق، المتكفل بأرزاق الخلائق في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها، الرزاق لكل مخلوق رزقاً بعد رزق، المكثر منه، الموسع له، المتفرد بالرزق حده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٣].
وقد تكفل الله بأرزاق الخلائق جميعاً كما قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠].
وهو سبحانه الرازق، الذي رزق جميع خلقه بلا كلفة ولا ثقل ولا مشقة، وخزائن الله مملوءة بكل شيء يحتاجه الخلق.
وهو سبحانه خالق الأرزاق ومالكها ومعطيها، يصرفها ويقسمها على الخلائق حسب علمه وحكمته كيف يشاء.
стр. 170
ورِزق الله لعباده نوعان:
الأول: رزق عام، ينتفع به البَرُّ والفاجر، ويشمل الإنسان والحيوان والجان، وهو رزق الأبدان، وقد قسم الله وتكفل برزق كل واحد من هؤلاء كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فلتطمئن هذه النفوس إلى كفاية من تكفل بأرزاقها، وأحاط علماً بذواتها وصفاتها وأسرارها، ورزقها يطلبها كأجلها أينما كانت.
الثاني: رزق رزقه الله من يشاء من عباده، على يد أنبيائه ورسله، وهو الإيمان والتوحيد، الذي يرزقه الله من يستحقه ويشكره، والله واسع الفضل، كثير الإحسان، يؤتيه من أتى بأسبابه.
وهو سبحانه العليم بمن يصلح للإحسان فيعطيه، ومن لا يستحقه فيحرمه إياه: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣، ٧٤].
وفضل الله عظيم، وفضله لا يصفه الواصفون، ولا يخطر بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فعم بفضله وإحسانه وعلمه ورحمته جميع الخلائق.
وخزائن الله مملوءة بكل شيء، ويعطي منها جميع الخلائق ولا تنقص إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، بل لو سأله جميع الخلائق فأعطاهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً.
قال الله ﵎: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا
стр. 171
ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا، عَلَى أتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شيئاً، يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شيئاً يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَألُونِي، فَأعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْألَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أدْخِلَ الْبَحْرَ» أخرجه مسلم (١).
والله حكيم عليم، أرزاق العباد كلهم بيده، يجعل من يشاء غنياً، ويجعل من يشاء فقيراً، وله في ذلك حكمة بالغة، وهو سبحانه الخبير بمن يستحق الغنى، ومن يستحق الفقر: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠].
ومن الناس من لا تصلح حاله إلا بالغنى، فإن أصابه الفقر فسدت حاله، ومن الناس من لا تصلح حاله إلا بالفقر، فإن أصابه الغنى فسدت حاله، ولا يعلم ذلك إلا الله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ ... [الشورى: ٢٧].
وكثرة الرزق في الدنيا كقلة الرزق لا تدل على محبة الله تعالى للعبد ورضاه عنه، فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يعطي الدين إلا من يحب: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ ... [سبأ: ٣٥ - ٣٧].
والإيمان والتقوى سبب عظيم للحصول على الأرزاق والبركات.
والكفر والفجور سبب عظيم لنقص الأرزاق، ومحق البركات، كما قال
стр. 172
سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ ... [الأعراف: ٩٦].
والأرزاق تزيد بالشكر، وتنقص بالمعاصي، وعدم الشكر، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وأعظم رزق يرزقه الله عباده، وأحسنه وأكمله، وأفضله وأكرمه، وأعلاه وأدومه، الذي لا ينقطع ولا يزول، هو الجنة، وذلك الرزق خاص بالمؤمنين كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق: ١١].
والرزاق على الإطلاق هو الله وحده، وغيره إن رزق وأعطى فإنما يرزق من رزق الرزاق الذي أعطاه، فارزق أيها العبد مما رزقك الله، يأتك الخلف من الله.
وإذا أعوزك الرزق فلا تطلبه بكثرة الحرص، فلن يزيدك في الرزق المقدر إلا ما قسمه الله لك، فاطلب منه أعلاه وأجله، وأصفاه وأحله.
قال النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» أخرجه ابن ماجة (١).
فسبحان من هذا ملكه، وهذا رزقه، وهذه قدرته، وهذا عطاؤه، وله الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
اللهم أعطنا ولا تحرمنا .. وزدنا ولا تنقصنا .. وأكرمنا ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ ... [المائدة: ١١٤].
стр. 173
الفتاح
ومن أسمائه الحسنى : الفتاح .. والفاتح.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ ... [سبأ: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف: ٨٩].
الله ﵎ هو الفتاح، الذي يحكم ويقضي بين عباده بالحق والعدل، الفتاح العليم بالقضاء بين خلقه، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المحق من المبطل، والمصلح من المفسد.
وهو سبحانه الفتاح، الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة والعلم لعباده، ويفتح المنغلق عليهم من أمورهم وأسبابهم، وييسر المتعسر عليهم، ويفتح قلوبهم وعيون بصائرهم ليبصروا الحق والهدى.
وهو سبحانه الفتاح الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة، ويفتح بينهم بالحق والعدل.
قال نوح ﷺ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الشعراء: ١١٧، ١١٨].
وقد استجاب الله سبحانه لرسله ولدعائهم، ففتح بينهم وبين أقوامهم بالحق والنصر، فأنجى الله رسله وأتباعهم، وأهلك أعداءهم، هذا في الدنيا.
وأما في الآخرة فالله كذلك الفتاح، الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب الطائع، ويعاقب العاصي، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ ... [سبأ: ٢٦].
وقد سمى الله يوم القيامة لعظمته وهوله بيوم الفتح كما قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ
стр. 174
كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾ ... [السجدة: ٢٨، ٢٩].
والله ﷻ بيده مفاتيح كل شيء، فهو الفتاح الذي يفتح ما استغلق من المحسوسات والمعقولات، فيغني فقيراً، ويفرج عن مكروب، ويزيل الهموم بالسرور، والجهل بالعلم، والضلالة بالهدى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
والفتوح كلها بيد الله، فالفتح والنصر بيد الله وحده، يفتح على من يشاء، ويخذل من يشاء، فعلى العباد أن يطلبوا الفتح والنصر منه لا من غيره، ويعملوا بطاعته لينالوا مرضاته، ويسعدوا بفتحه ونصره كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].
والله ﷻ له ملك السموات والأرض، وبيده مفاتيح السموات والأرض، وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق، والنعم الظاهرة والباطنة.
والخلق كلهم مفتقرون إلى الرب سبحانه، وليس بيد أحد منهم من الأمر شيء، يبسط الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، حتى يكون بقدر حاجته لا يزيد عنها، فهو الذي يعلم أحوال عباده وما يصلحهم، فيعطي كلاً منهم ما يليق بحكمته، وتقتضيه مشيءته: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ [الشورى: ١٢].
فسبحانه ما أكرمه .. وما أرحمه بعباده .. وما أعظم عنايته بخلقه.
إن الله لو فتح المطر على الناس، فمن ذا الذي يحبسه عنهم لئلا يغرقوا كما حصل لقوم نوح؟.
ولو حبس الله عن عباده القطر والنبات لما استطاعوا أن يفتحوا ما أغلقه الله سبحانه.
فالله سبحانه هو الذي فتق السحاب بالغيث، وفتق الأرض بالنبات، وفلق الحبة عن الشجرة، وفتح العين بالبصر، والأذن بالسمع، واللسان بالكلام.
стр. 175
ولو حبس الله عن الخلق نور الشمس فمن ذا الذي يفتحه؟.
ولو حبس الله عنهم الهواء الذي يتنفسون منه فمن ذا الذي يفتحه ويرسله؟:
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
ومما يفتحه الله على من يشاء من عباده العلم والحكمة والفقه في الدين، وذلك الفتح بحسب التقوى والصلاح كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢].
والله قد يفتح أنواع النعيم والخيرات على الناس استدراجاً وعقوبة لهم، إذا تركوا ما أمرهم الله به، ووقعوا فيما نهاهم عنه، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ ... [الأنعام: ٤٤، ٤٥].
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وافتح لنا من بركات السماء والأرض: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ ... [الأعراف: ٨٩].
ومفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
ومفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله حده، وقد عدها الله في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ... [لقمان: ٣٤].
стр. 176
العليم
ومن أسمائه الحسنى : العليم .. والعالم .. والعلام.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ [التوبة: ٧٨].
الله ﵎ هو العليم، الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، أحاط علمه بالعالم العلوي والعالم السفلي، يعلم وحده الظواهر والبواطن، ويعلم الجهر وما يخفى.
وهو سبحانه العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، والعالم بالغيوب دون جميع خلقه، العليم من غير تعليم بجميع ما في الكون، عالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ [الرعد: ٨ - ١٠].
وهو سبحانه العالم بما كان وما يكون قبل كونه، لم يزل عالماً، ولا يزال عالماً بما كان وما يكون وما سيكون، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، العليم الذي له وحده العلم التام الكامل الشامل الواسع كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ ... [طه: ٩٨].
وهو سبحانه العالم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء مهما كان، وفي أي مكان، العليم بكل شيء من المخلوقات والأفعال، والحركات والسكنات والأحوال.
стр. 177
فالله وحده العليم الذي يعلم مثاقيل الجبال .. ومكاييل البحار .. وعدد ورق الأشجار .. وعدد قطر الأمطار .. وعدد ذرات الرمال .. ويعلم مقادير الحبوب والثمار .. وما أظلم عليه الليل .. وما أشرق عليه النهار .. لا تواري منه سماءٌ سماءً .. ، ولا أرضٌ أرضاً. ولا جبل ما في وعره .. ولا بحر ما في قعره: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وهو سبحانه العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء، الذي يعلم عدد أهل السماء .. وعدد أهل الأرض .. ويعلم عدد الملائكة والروح .. وعدد الإنس والجن .. وعدد الطير والحيوان .. ويعلم عدد ذرات التراب .. وعدد النبات والأشجار .. وعدد الحبوب والثمار .. وعدد الحروف والكلمات.
وهو سبحانه الذي يعلم عدد المؤمنين .. وعدد الكافرين .. ويعلم من يطيعه ومن يعصيه .. ويعلم المؤمن من المنافق .. والبر من الفاجر .. والصادق من الكاذب.
وهو سبحانه الذي يعلم أهل الجنة من أهل النار .. ويعلم المفسد من المصلح .. ويعلم من يستحق الهدي فيهديه .. ومن يستحق الضلالة فيضله .. ويعلم من يستحق الإكرام فيكرمه بطاعته وجنته .. ومن يستحق الإهانة فيهينه، ويعلم الظاهر والباطن: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣، ١٤].
وهو سبحانه العليم الذي يعلم كل شيء علماً مطلقاً شاملاً كاملاً، يعلم الظاهر والباطن، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم، وهو عليم بذات الصدور، أحصى كل شيء عدداً، وأحاط بكل شيء علماً: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
والخلق لا يحيطون علماً بالخالق ﷻ ، فلا يعلمون شيئاً عن ذاته
стр. 178
وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا ما أطلعهم الله عليه عن طريق رسله، وكتبه المنزلة.
ولا أحد من الخلق يعلم شيئاً من العلم إلا بتعليم الله لهم، ولهذا قالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣٢].
وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ ... [النساء: ١١٣].
وعلمُ الله ﵎ كامل لا يعتريه نقص أبداً، مطلق لا يحده شيء، واسع شامل لكل شيء، محيط بجميع المخلوقات في الأرض والسماء، لايعزب عنه مثقال ذرة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
وهو سبحانه بكل خلق عليم، لا يشغله علم عن علم، كما لا يشغله سمع عن سمع، وأنى للبشر مثل هذه الصفات، فهم يولدون جهلة لا يعلمون شيئاً، ثم يتعلمون شيئاً فشيئاً: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ... [النحل: ٧٨].
وجميع المعلومات التي علمها الله بني آدم لو أعطيت لشخص، ثم كان البشر كلهم على مثل علم ذلك الشخص، لكان هذا العلم كله كالذرة بالنسبة للعلم الإلهي الواسع الشامل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
فالخلق لا يعلمون شيئاً إلا ما أذن الله لهم أن يعلموه، وهو وحده سبحانه الذي له الكمال المطلق، والعلم المطلق، وقد وهب الله سبحانه المعرفة للإنسان منذ أراد إسناد الخلافة إليه في الأرض، وعلمه الأسماء كلها، ووعده بأن يريه آياته في الآفاق والأنفس، وكل ما يلزم له في خلافة الأرض كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ ... [فصلت: ٥٣].
والله حكيم عليم، فبقدر ما أذن الله للإنسان في شيء من العلم، وكشفه له، وأطلعه عليه، بقدر ما زوى عنه أبواباً من العلم، وأسراراً أخرى، لا حاجة له بها
стр. 179
في خلافة الأرض.
فزوى عنه سر الحياة .. وسر الموت .. وسر الروح .. وسر العقل .. وسر الساعة .. وسر اللحظة القادمة .. وسر الخلق .. وكل ذلك غيب لا سبيل إليه .. والستر المسدل دونه كثيف .. لا يستطيع الإنسان رفعه أو كشفه .. فلا يعلمه إلا الله الذي أحاط بكل شيء علماً .. وعنده علم كل شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ... [لقمان: ٣٤].
والله سبحانه له مع الخلق العظيم، والهيمنة التامة، له العلم الشامل اللطيف، المحيط بكل شيء، فهو الذي: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
ففي كل لحظة يلج في الأرض بأمر الله ومشيئته ما لا عداد له ولا حصر من شتى أنواع الأحياء والحبوب والأشياء، ولا يعلم ذلك كله إلا الله وحده.
وفي كل لحظة يخرج من الأرض ما لا عداد له ولا حصر، من خلائق لا يعلمها إلا الله وحده من النباتات والأشجار والحيوان والمعادن والمياه والغاز.
وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والشهب والملائكة والأقدار والأسرار والأوامر وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وحده.
وفي كل لحظة يعرج فيها من المنظور والمستور، والملائكة والأرواح وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وحده.
والله سبحانه محيط بكل شيء، عليم بكل أحد، فهو مع كل أحد، مطلع على ما يعمل الخلق، بصير بالعباد، لا يخفى عليه شيء من أمرهم: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
إن هذه حقيقة مؤنسة من جانب .. مذهلة مرهبة من جانب آخر.
مذهلة بروعة جلال الرب، مؤنسة بظلال القربى، وهي كفيلة حين يحسها
стр. 180
القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره، وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض وزينتها، كما تدعه في حذر دائم، وخشية دائمة، مع الحياء والتحرج من كل دنس، ومن كل جهالة، ومن كل غفلة: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ [الأحزاب: ٥٤].
فمتى تؤوب هذه الأنفس الشاردة إلى ربها؟ .. ومتى تفر إليه؟ .. ومتى تستحي منه؟ .. ومتى توقره وتعظمه؟.
إنها تقف عارية في كل لحظة أمام بارئها، الذي يعلم ما بين أيديها وما خلفها، ويعلم سرها وجهرها، ويعلم ما يحيط بها من ماض وآت، مما لا تعلمه هي ولا تدريه.
فما أجدر الإنسان الذي يقف عرياناً بكل ما في سريرته أمام الملك الديان، ويتقلب في نعمه ليله ونهاره، ويبارزه بالمعاصي في أرضه بلا حياء ولا خوف، ما أجدره أن يتوب إلى ربه الذي خلقه وصوره، وأكرمه ونعمه، وما أحراه أن يستسلم لمن يعرف ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ ... [الحديد: ١٦].
والله سبحانه أعلم بما في نفوس العالمين، وأعلم بمن ضل عن سبيله، وأعلم بمن اهتدى، وأعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بما يكتمه الناس، وأعلم بمن في السموات والأرض، وأعلم بمن هو أهدى سبيلاً، وأعلم بأقوال العباد وأفعالهم، وأعلم بأنفاسهم وكلامهم، علام الغيوب، العليم بذات الصدور.
وهو سبحانه السميع العليم، الشاكر العليم، العليم الحكيم، العزيز العليم، العليم الحليم، العليم القدير، العليم الخبير.
فسبحانه ما أعظم ذاته، وما أعظم أسماءه، وما أعظم صفاته، وما أوسع علمه.
يعلم ما كان وما يكون وما سيكون .. ويعلم ما كان قبل أن يكون .. وكل علم علمه الخلق فمن أثار علمه .. وكل رحمة في المخلوقات فمن آثار رحمته ..